الرابع عشر من المحرَّم، وبقي السيف يعمل فيها أربعة وثلاثين يومًا.
وبَلَغَنَا أنّ آخر جُمعة خطب فيها الخطيب ببغداد كانت الخطبة: " الحمد لله الَّذِي هدم بالموت مُشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار ". وكان السيف يعمل فِي الجمعة الأخرى، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. اللهُم آجِرنا فِي مُصيبتنا التي لم يُصب الإسلامُ وأهلُه بمثلها.
ولتقي الدين إِسْمَاعِيل بن أَبِي اليُسر قصيدة مشهورة فِي بغداد وهي:
لسائل الدَّمع عن بغداد أخبارُ … فما وقوفُك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزَّوراء لا تفدوا … فما بذاك الحمى والدار ديّارُ
تاجُ الخلافة والربع الَّذِي شرُفَتْ … به المعالم قد عفّاه إقفارُ
أضحى لعطف البِلَى فِي ربْعه أثر … وللدُّموع على الآثار آثارُ
يا نار قلبي من نارٍ لحربِ وَغى … شبَّت عليه ووافى الرَّبْع إعصارُ
علا الصّليبُ على أعلى منابرها … وقام بالأمر من يحويه زنّارُ
وكم حريم سَبَتْه التُّرْكُ غاصبةٌ … وكان من دون ذاك الستْر أستارُ
وكم بُدُور على البدرية انخسفت … ولم يعد لبُدور منه إبدارُ
وكم ذخائر أضحَت وهي شائعةٌ … من النُّهاب وقد حازته كفَّارُ
وكم حدود أقيمت من سيوفهم … على الرقاب وحُطّت فِيهِ أوزارُ
ناديت والسَّبيُ مهتوكٌ تجرّهم … إلى السِّفاح من الأعداء ذعّارُ
وهم يساقون للموت الَّذِي شهدوا … النار يا رب من هذا ولا العارُ
والله يعلم أن القوم أغفلهم … ما كان من نِعم فيهن إكثارُ
فأهملوا جانب الجبار إذ غفلوا … فجاءهم من جنود الكُفْر جبّارُ
يا للرجال بأحداث تحدّثنا … بما غدا فيه إعذار وإنذارُ
من بعد أسْرِ بني الْعَبَّاس كلّهم … فلا أنار لوجه الصُّبح إسفارُ
ما راق لي قطُّ شيءٌ بعد بَيْنهم … إلا أحاديث أرْويها وآثارُ
لم يبق للدّين والدّنيا وقد ذهبوا … سوقٌ لمجدٍ وقد بانوا وقد باروا
إن القيامة في بغدادَ قد وُجِدتْ … وحدها حين للإقبال إدبار
آل النّبيّ وأهل العلم قد سُبيوا … فمن ترى بعدهم تحويه أمصارُ
ما كنتُ آمُلُ أن أبقى وقد ذهبوا … لكن أتى دون ما أختار أقدارُ
стр. 14177
فِي أبيات أخَر، وجمْلتها ستةٌ وستون بيتًا.
قال ابن الكازروني وغيره: ما زالوا فِي قتلٍ وسبْي وتعذيب عظيم لاستخراج الأموال مدة أربعين يومًا، فقتلوا النساء والرجال والأطفال أهل البلد وأهل سائر القرى ما عدا النصارى، عُيّن لهم شحاني حرسُوهُمْ، وانضم إليهم خلقٌ مسلمون سلِموا. وكان ببغداد عدةٌ من التُّجار سلِموا بفرمانات والتجأ إليهم خلق، وسلم مَن بدار ابن العَلْقَمي، ودار ابن الدّامَغَانيّ صاحب الديوان ودار ابن الدّواميّ الحاجب، وما عدا ذلك ما سلِم إلا من اختفى فِي بئرٍِ أو قناة، وأحرق مُعظم البلد، وكانت القتلى فِي الطُّرق كالتُّلول. ومن سلِم وظهر خرجوا كالموتى من القبور خوفًا وجوعًا وبردًا، وسلِم أهل الحلّة والكوفة، أمنهم القان، وبعث إليهم شحاني، وسلمت البصرة وبعضُ واسط، ووقع الوباء فيمن تخلف.
وفيها كانت وقعة الملك المغيث مع المصريين فانكسر كما ذكرنا، وهرب هُوَ وبدر الدين الصوابي والبُنْدقْداريّ الَّذِي تسلطن، فوصلوا إلى أسوأ حال.
وأما مصر فزيَّنت فِي ربيع الآخر للنّصر، وعاثت البحرية بعد الكسرة وأفسدوا، فجهز لحربهم الملك الناصر مجير الدّين ابن أَبِي زكري، ونور الدين علي بن الأكتع فالتقوا على غزة، فانتصرت البحرية وأسروا الأميرين وحملوهما إلى الكَرَك، وقويت شوكتهُم، فبرز دهليز الملك النّاصر، وعزم على قتالهم بنفسه، فقرُبت البحرية من دمشق، فهجم رُكن الدين البُنْدُقداري في بعض الأيام على الدِّهليز وهو عند الجسورة، وقطع أطناب الدِّهليز.
وولى هولاكو على العراق نوابه، وعزم ابن العلْقَمي على أن يحسِّن لهولاكو أن يقيم ببغداد خليفة علويًا فلم يتهيأ ذلك له، واطَّرَحَتْه التّتار، وبقي معهم على صورة بعض الغلمان، ثمّ مات كمدًا، قولوا: لا ﵀.
وسار هولاكو قاصدًا إلى أذَرْبيجان فنزل إليه بدر الدين صاحب الموصل فأكرمه ورده إلى الموصل، ونزل إليه تاج الدين ابن صَلايا فقتله، فقيل: إن صاحب الموصل كان فِي نفسه من ابن صَلايا، فقال لهولاكو: هذا شريف علويّ، فربّما تطاول إلى الخلافة، ويقوم معه خلق، فلهذا قتله
стр. 14178
هولاكو، ولم تطُل لصاحب الموصل بعد ذلك حياة.
وفيها جاءت فرقة من التّتار فنازلت ميَّافارقين فحصروها.
وفيها جاءت رُسُل قاءان من بلاد ما وراء النَّهر ورُسُل هولاكو إلى صاحب الشّام، فصورة كتاب هولاكو: " يعلم سلطان ملك ناصر طال بقاؤه أنّه لما توجَّهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم، فقتلناهم بسيف الله تعالى، ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومقدَّموها، فكان قُصارى كلامهم سببًا لهلاك نفوس تستحقّ الإذلال، فأعدمناهم أجمعين، ذلك بما قدمت أيديهم وبما كانوا يكسبون، وأما ما كان من صاحب البلدة، فإنه خرج إلى خدمتنا، ودخل تحت عبوديتنا، فسألناه عن أشياء كذبَنَا فيها، فاستحق الإعدام، وكان كذبُه ظاهرًا، ووجدوا ما عملوا حاضرًا، أجِبْ ملك البسيطة، ولا تقولن: قِلاعي المانعات ورجالي المقاتلات، ولقد بلغَنَا أن شَذَراتٍ من العسكر التجأت إليك هاربة، وإلى جنابك لائذة.
أين المفرُّ ولا مفرَّ لهاربٍ … ولنا البسيطان الثَّرى والماءُ
فساعَةَ وقوفِك على كتابنا تجعل قلاع الشّام سماءها أرضًا، وطولها عرضًا، والسلامُ.
ومن كتابٍ ثانٍ: " خدمة ملك ناصر طال عُمرُه، أما بعد، فإنّا فتحنا بغدادً واستأصلنا ملْكها وملِكها، وكان ظنَّ وَقد ضنَّ بالأموال، ولم ينافس فِي الرجال أن مُلكه يبقى على ذلك الحال، وقد علا ذِكره، ونما قَدْرُه، فخُسِفَ فِي الكمال بدْره.
إذا تم أمرٌ بدا نقْصُهُ … توقَّعْ زوالًا إذا قيل تم
ونحن فِي طلب الازدياد، على ممر الآباد، فلا تكن كالذين نَسُوا الله فأنساهم أنفسهم، وأبْدِ ما فِي نفسِك، إما إمساكٌ بمعروفٍِ أو تسريحٌ بإحسان، أجبْ دعوة ملك البسيطة تأمَنْ شرّه، وتنل بِرَّه، وَاسْع إليه برجالك وأموالك، ولا تعوِّقْ رسولَنا، والسّلام ".
وفي صفر قدِم دمشق الملكُ الكامل ابن المظفَّر ابن العادل يستنجد الإسلام على التّتار، فتباشر النّاس شيئًا، ودخل البلد وزار قبر جَدّه، ثمَّ رد إلى بلاده، ولم ينفر أحدٌ لتَيَقُّن الناس بأخْذ بغداد.
стр. 14179
ووصل نحو خمسمائة فارس من عسكر العراق، ذكروا أن التّتار حالوا بينهم وبين بغداد، ثمّ جاء بعدهم نحو الثلاثمائة إلى دمشق.
وفي أثناء السّنة اشتدّ الوباء بالشام ومات خلْقٌ بحيث إنّه قيل: إنّه خرج من حلب في يوم واحدٍ ألفٌ ومائتا جنازة، وأمّا دمشق فكان فيها من المرض ما لا يحدّ ولا يوصف، واستغنى العطّارون، ونفدت الأدوية، وعزّ الأطباء إلى الغاية، وأبيع الفرُّوج بدمشق بثلاثة دراهم، وبحلب بعشرة دراهم، ومبدأ الوباء في جمادى الأولى لفساد الهواء بملحمة بغداد.
سنة سبع وخمسين وستمائة
في أوّلها سار الملك النّاصر متَّبِعًا آثار البحريَّة، فاندفعوا بين يديه إلى الكَرَك، فنزل بركة زيزا، وعزم على حصار الكَرَك وفي خدمته صاحب حماة الملك المنصور، فجاءت إليه رُسُل المغيث مع الدّار القُطْبيّة، وهي ابنة الملك الأفضل قُطُب الدّين ابن العادل يضرعون إليه في الرّضا عن المغيث، فَشَرطَ عليه أنْ يقبض على من عنده من البحريّة، فأجاب ونفَّذهم إليه على الجِمال، فبعثهم إلى قلعة حلب فحُبِسوا بها، وأمّا رُكْن الدّين البُنْدقْداري فهرب من الكَرَك في جماعة، وقدم على الملك النّاصر، فأحسن إليهم وصَفَح عنهم، ورجع وفي خدمته البُنْدُقْداري.
وفيها نزل هولاكو على آمِد، وبعث رُسُلَه إلى صاحب ماردين الملك السّعيد نجم الدّين يطلبه، فسيَّر إليه ولده الملك المظفَّر في خدمته سابق الدّين بَلَبَان، والقاضي مهذّب الدّين محمد بن مجلي، ومعهم تقادُم، واعتذر بالمرض فوافق وصولهم إليه أخْذه لقلعة اليمانيَّة وإنزاله منها حريمَ الملك الكامل صاحب ميَّافارقين، وولده الملك النّاصر يوسف ابن الكامل، والملك السّعيد عمر، وابن أخيه الملك الأشرف أحمد، والملك الصّالح أيّوب ابن الملك المشمّر ابن تاج الملوك عليّ ابن العادل، فلمّا رآهم ابن صاحب ماردين جزع وأدّى الرسالة فقيل له: ليس مرضه بصحيح وإنّما هو متمارض محافظةً للملك الناصر صاحب الشام، فإن انتصرتُ عليه اعتذر إليَّ بزيادة المرض، وإن انتصر عليَّ بقيتْ له يدٌ بيضاء عند الناصر، فلو كان
стр. 14180
للنّاصر قوةٌ يدفعني لما مكّنني من دخول هذه البلاد، وقد بلغني أنّه بعث حريمه وحريم أُمرائه وكُبراء رعَّيته إلى مصر، ولو نزل صاحبكم إليَّ رعيتُ له ذلك، ثم أمر بردّ القاضي وحده، فعاد وأخبر مخدومه بصورة الحال، فتألّم على إرساله ولده، وبعث رسولًا إلى الملك النّاصر يستحثّه على الحركة، ويعرّفه أنّه متى وصل إلى حلب قدِم إليه برجاله وأمواله، وسيَّر في الظّاهر إلى هولاكو بهديَّة، وفي الباطن إلى ولده يحرّضه على الهروب، وسيّر إلى صاحبي الرّوم عزّ الدّين ورُكْن الدّين يُنكر عليهما كونهما في خدمة هولاكو، ويقول: إنْ بَقَّى عليكما فإنّما ذلك ليُغْر الملك النّاصر، فأعمِلا الحيلة في الانفصال عنه، والحذر منه.
وفي أواخر السّنة وقعت الأراجيف بحركة التّتار نحو الشّام فانجفل الخلق.
وفي آخرها قبض الأمير سيف الدّين قُطُز المُعِزيّ على ابن أستاذه الملك المنصور عليّ ابن المُعزّ، وتسلطن ولُقِّب بالملك المظفّر، وسبب ذلك قدوم الصّاحب كمال الدّين ابن العديم رسولًا يطلب النّجدة على التّتار، فجمع قُطُز الأمراءَ والأعيان، فحضر الشَّيخ عزّ الدّين ابن عبد السلام والقاضي بدر الدّين السَّنّجاريّ، وجلس الملك المنصور في دسْت السّلطنة، فاعتمدوا على ما يقوله الشّيخ عزّ الدّين، فكان خُلاصته: إذا طرق العدوّ البلاد وَجَبَ على العالم كلّهم قتالُهُم، وجاز أن يؤخذ من الرّعيَّة ما يُستعان به على جهادهم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كلٌّ منكم على فرسه وسلاحه، ويتساووا في ذلك هم والعامَّة. وأمّا أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجُنْد من الأموال والآلات الفاخرة فلا، ثمّ بعد أيام يسيرة قبض على المنصور وقال: هذا صبيّ والوقْتُ صعْب، ولا بد من أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد.
وكان الأميران عَلَم الدّين الغتمي وسيف الدّين بهادر المُعزّيَّيْن حين جرى هذا المجلس غائبين لرمي البُنْدق، فاغتنم قطز غيبتهما وتسلطن، فلمّا حضرا قبض عليهما، وسيَّر القاضي برهان الدّين السَّنْجاريّ مع ابن العديم إلى الشام يعِد النّاصر بالنّجدة.
стр. 14181
وبرز الملك النّاصر والعساكر فنزلوا على برزة شماليّ دمشق، واجتمع له عسكر كبير وتُركمان وأتراك وعجم ومطوّعة، ثمّ رأى تخاذُل عسكره وأنَّه لا طاقة له بالتّتار لكثرتهم فخاف وجبُن، وكان قد صادر النّاس وجبى الأموال وما نفع.
وفيها عبر هولاكو بجيش عظيم الفُرات بعد أن استولى على حرّان، والرُّها، والجزيرة، وأوّل من عدّى الفرات أشموط بن هولاكو في ذي الحجة، فجاء الخبر من البيرة إلى حلب والنّائب بها الملك المعظّم تورانشاه، فجفل النّاس منها، وعظُم الخَطْب، وعم البلاء، وكانت حلب في غاية الحصانة وحُسْن الأسوار المنيعة وقلعتها كذلك وأبلغ، فلمّا كان في العَشْر الأخير من ذي الحجة قصدت التّتار حلب ونزلوا على حيلان وتلك النّاحية، ثم بعثوا طائفةً من عسكرهم فأشرفوا على المدينة، فخرج إليهم عسكر حلب ومعهم خَلْقٌ من المطوّعة، فساروا فرأوا التّتار، فلمّا تحقّقوا كثْرتهم كرّوا راجعين، وأمر نائب حلب أن لا يخرج بعد ذلك أحد، وكتب يستحثّ الملك النّاصر في الكشف عنهم، فلمّا كان من الغد رحل التّتار عن منزلتهم ونازلوا حلب، واجتمع عسكر البلد بالبواشير وإلى ميدان الحصا، وأخذوا في إجالة الرأي، فأشار عليهم نائب السّلطنة أن لا يخرجوا، فلم يوافقه العسكر، وخرجوا ومعهم العوامّ والشُّطّار، واجتمعوا بجبل بانقوسا (١)، ووصل جمع التّتر إلى ذيل الجبل، فحمل عليهم جماعة من العسكر فانهزم التّتر مكيدة، فتبعوهم ساعة، ثمّ كرت التّتار عليهم، فهربوا إلى أصحابهم، ثمّ انهزم الجميع لمّا رأوا التّتار مُقبلين، فركبت التّتار ظهورهم يقتلون فيهم. وقُتل يومئذ الأمير عَلَم الدّين زُرَيق العزيزيّ ونازلت التّتار البلد ذلك اليوم، ثمّ رحلوا عنها طالبين إعزاز، فتسلَّموها بالأمان.
وخرجت السّنة والنّاس في أمرٍ عظيم من الخوف والجلاء والحيْرة.
سنة ثمان وخمسين وستمائة
استهلَّتْ والوقت خالٍ من إمامٍ أعظم، وعلى الشّام النّاصر يوسف، فزال ملكه بعد أيّام يسيرة، وصاحب مصر المظفّر قُطُز تملّك في أوائلها، وصاحب
стр. 14182
اليمن المظفَّر يوسف بن عمر، وصاحب ظفار موسى بن إدريس، وصاحب دلَّه وبعض الهند ناصر الدّين محمد بن أيْتمُش وصاحب كرمان خاتون زوجة الحاجب بُراق، وصاحب شيراز أبو بكر بن أتابك سعد، وصاحب الموصل ابن بدر الدّين، وصاحب ماردين السّعيد غازي، وصاحب الرّوم قلج رسْلان وكيْكاوس ابنا الملك كَيْخُسْروا من تحت أوامر التَّتر، وصاحب الكَرَك المغيث عمر، وصاحب مكة أبو نُميّ محمد بن أبي سعد وعمّه إدريس، وصاحب المدينة جمّاز، وصاحب حماة الملك المنصور محمد، وصاحب حمص الأشرف موسى ابن المنصور إبرهيم، وصاحب تونس محمد بن يحيى، وصاحب العراق وأَََذْرَبِيجان وخُراسان هولاكو بن تولي بن جنكزخان.
في المحرَّم قطع هولاكو الفُراتَ فنزل النَّيْرب والملاّحة وتلك النّواحي، وأرسل إلى أهل حلب: إنكم تضعفون عن لقائنا ونحن نقصد سلطانكم، فاجعلوا لنا عندكم شِحْنةً بالقلعة وشحنةً بالبلد، فإن انتصر علينا الملك النّاصر فالأمر إليكم، إن شئتم أبقيتم على الشَّحنَتين، وإن شئتم قتلتموهما، وإن كانت النُّصرة لنا فحلب وغيرها لنا، وتكونون آمنين. فلم يجبه الملكُ المعظَّم تورانشاه إلى ذلك، وقال: ما له عندنا إلاّ السيف.
وكان الرسول بذلك صاحب أرْزُن، فما أعجبه جوابه وتألّم للمسلمين، فلله الأمر. فنازل هولاكو حلب بجيوشه في ثاني صفر، وهجمت التّتار البواشير وقتلوا أكثر من فيها، وقُتل يومئذٍ أسد الدّين ابن الزّاهر داود ابن صلاح الدّين، ولم يُصبح عليهم ثالث صفر إلاّ وقد حفروا خندقًا في طول قامة، وفي عرض أربعة أذْرع، وبنوا حائطًا ارتفاع خمسة أذْرع كالسّور عليهم وعملوا فيه أبوابًا، ونصبوا على باب العراق الذي للبلد أكثر من عشرين منجنيقًا، وألحّوا بالرمي بها ليلًا ونهارًا، وأخذوا في نقْب السّور، فلم يزالوا إلى أن ظهروا أولًا من حمّام حمدان في ذيل قلعة الشّريف، وركبوا الأسوار من كل ناحية في اليوم التاسع من صفر، فهرب المسلمون إلى جهة القلعة، ورمى خلْقٌ نفوسهم في الخندق، وبذلت التّتار السّيف في العالم، ودخل خلْقٌ إلى القلعة، وذاك يوم الأحد، وأصبحوا يوم الإثنين وهم على ما أمسوا من القتْل والسَّبي، وامتلأت الطُّرقات بالقتلى، وأحمي في البلد أماكن لِفَرماناتٍ كانت بأيديهم، فمن ذلك دار شهاب الدّين بن عمرون، ودار نجم الدّين ابن أخي مردكين، ودار البازيار، ودار علم الدّين
стр. 14183
قيصر المَوْصلي، والخانقاه التي فيها زين الدّين الصّوفي، وكنيسة اليهود، فنجا من القتل في هذه الأماكن أكثُر من خمسين ألفًا، واستتر أيضًا جمْعٌ كثير، وقُتل أممٌ لا يحصيهم إلا الله. وبقي القتل والأسر والحريق والبلاء إلى يوم الجمعة الرابع عشر من صفر، ثم نودي برفع السيف، وأذّن المؤذّنون يومئذ بالجامع، وأُقيمت الخطبة والصلاة، ثمّ أحاطوا بالقلعة وحاصروها، وبها الملك المعظم.
ووصل الخبر بأخذ حلب إلى دمشق يوم السّبت فهرب الملك الناصر من دمشق وزال ملكه، وكانت رسُلُ التّتار يومئذ بحرسْتا فدخلوا دمشق، وقُرئ فرمان الملك بأمان أهل دمشق وما حولها، ووصل نائب هولاكو على دمشق في ربيع الأوّل فلقيه كبراء البلد بأحسن ملْقى، وقُرئ الفَرَمان، وجاءت التّتار من جهة الغوطة مارّين من شرقها إلى الكسْوة، وبعد أيّام وصل منشور من هلاوون للقاضي كمال الدّين عمر التَّفْليسيّ بقضاء الشّام، وماردين، والموصل، وبنظر الأوقاف والجامع، وكان نائبًا للقاضي صدر الدّين ابن سنيّ الدّولة.
وأمّا حماة فكان صاحبها المنصور قد تقهقر إلى دمشق فنزل بَرزة، فجاء إلى حماة بطاقة برواح حلب، فوقع في البلد خَبْطةٌ عظيمة، وخرج أهلها على وجوههم، وسافر بهم الطّواشيّ مرشد، ثمّ بقي بها آحاد من الأعيان، فتوجهوا إلى حلب بمفاتيح البلد، وطلبوا عطف هولاكو عليهم وأن يُنْفذ إليهم شِحنة، فسيَّر إليهم خُسْرُوشاه، رجلٌ أعجمي، فقدمها وآمن الرعية، وكان بقلعتها الأمير مجاهد الدّين قيْماز، فدخل في طاعته، وسار الملك النّاصر ومعه صاحب حماة والأمراء إلى نحو غزّة، ثمّ سار إلى قَطية، فتقدم صاحب حماة بجمهرة العساكر والجُفّال ودخل مصر، وبقي النّاصر في عسكر قليل، منهم أخوه الملك الظّاهر، والملك الصّالح ابن صاحب حمص، والأمير شهاب الدّين القَيْمُريّ، فتوجّهوا إلى تيه بني إسرائيل، وخاف من المصريّين.
ووصلت عساكر التتار إلى غزة واستولوا على الشام إلا المعاقل والحصون، فإن بعضها لم يستولوا عليه. وحاصروا قلعة حلب أياما، واستعانوا بمن بقي من أهل البلد يتترسون بهم، ثم تسلموها بالأمان.
وأمّا قلعة دمشق فشرعوا في حصارها وبها الأمير بدر الدّين محمد بن
стр. 14184
قريحا، وأحاط بها خلْقٌ من التّتار، وقطّعوا الأخشاب، وأتوا بالمجانيق معهم، ونصبوا عليها أكثر من عشرين منجنيقًا، وأصبحوا يُلحّون بها على برج الطّارمة، فطلب أهلها الأمان في آخر النهار لما تشقَّق البرج، وخرجوا من الغد. ثمّ أخذت التّتار جميع ما فيها، وسكنها النّائب كَتْبُغا، وخربوا شُرُفاتها ثم ساروا إلى بعلبك فتسلموها وحاصروا قلعتها فأخذوها أيضا، ثم ساروا إلى بانياس.
وأما الفرقة التي طلبت حوْران أولًا فامتدّوا إلى نابلس وتلك النواحي، فأهلكوا الحرْث والنَّسل، وبذلوا السيف في نابلس، وقدِموا إلى دمشق بالسَّبي، فكان النّاس يشترونهم ويستفكّونهم منهم بالدراهم المعدودة لكثرة من في أيديهم من السَّبي. ثم ظفروا بالملك الناصر، وسلّم نفسه إليهم بالأمان، فمرّوا به على دمشق، ثمّ ساروا به إلى هولاكو، فأحسن إليه وأكرمه، ورعى له مجيئه إليه، وبقي في خدمته هو وجماعة من آله.
وفي جمادى الأولى طافوا بدمشق برأس الشهيد الملك الكامل صاحب ميَّافارقين الذي حاصره التّتار سنةً ونصفًا، وما زال ظاهرًا عليهم إلى أن فني أهل البلد لفناء الأقوات. وأما القاضيان محيي الدّين يحيى ابن مجير الدين ابن الزّكيّ، وصدر الدّين ابن سنِيّ الدّولة فذهبا إلى هولاكو ثمّ رجعا، وانقطع الصَّدر ببعْلَبَكّ مريضًا ومات. ودخل ابن الزّكي فقُرئ فرمانه بدمشق في جمادى الآخرة تحت النَّسْر بقضاء القضاة، وأن يكون نائبه أخوه لأمه شهابُ الدّين إسماعيل بن حبش. وحضر قراءة الفرمان إيسبان نائب التّتار وزوجته تحت النِسْر على طرَّاحة وُضعت لها، وهي بين زوجها وبين ابن الزّكي.
قال قطب الدّين في تاريخه (١): توجَّه محيي الدّين وأولاده وأخوه لأمّه شهاب الدّين وابن سنِيّ الدّولة إلى هولاكو فأدركوه قبل أن يقطع الفُرات، ثمّ عادوا إلى بعلبَكّ، ودخل محيي الدّين في محفَّة وهو في تجمُّل عظيم، ومعه من الحَشَم والغلمان ما لا مزيد عليه، وصلّى الجمعة في شبّاك الأمينيّة، وأحضر منبرًا قبالة الشُّبّاك فقُرئ تقليده، وهو تقليد عظيم جدًّا قد بالغوا في تفخيمه بحيث لا يُخاطب فيه إلاّ بمولانا، وفيه أنّه يشارك النوّاب في الأمور،
стр. 14185
وعليه الخِلْعة فرجيّة سوداء منسوجة بالذَّهب، قيل: إنّها خِلْعة الخليفة على صاحب حلب، أُخذت من حلب. وعلى رأسه بقْيار صوف بلا طيْلسان.
قال أبو شامة (١): ثمّ شرع ابن الزّكيّ في جرّ الأشياء إليه وإلى أولاده مع عدم الأهليّة، فأضاف إلى نفسه وأقاربه العَذْراويّة، والناصريّة، والفلكيّة، والركْنيّة، والقَيْمُرية، والكلاّسة. وانتزع الصّالحّية وسلّّمها إلى العماد ابن العربيّ، وانتزع الأمينيّة من عَلَم الدّين القاسم وسلّمها إلى ولده عيسى، وانتزع الشّومانيّة من الفخر النَّقْشُوانيّ وسلّمها إلى الكمال ابن النّجّار، وانتزع الرَّبْوة من محمد اليمنيّ وسلّمها إلى الشّهاب محمود بن محمد بن عبد الله ابن زين القُضاة، وولّى ابنه عيسى مشيخة الشّيوخ. وكان مع الشّهاب أخيه لأمّه تدريس الرّواحيّة، والشامية البرّانية (٢). وبقي على الأمور إلى أن زالت دولة الطّاغية هولاكو عن الشّام، وجاء الإسلام فبذل أموالًا كثيرة على أن يقرّ القضاء والمدارس في يده فأقرّ على ذلك شهرًا، ثم سافر مع السّلطان إلى مصر معزولًا، ووُليّ القضاء في ذي القعدة نجم الدّين أبو بكر ابن صدر الدّين ابن سَنيّ الدّولة.
وفي جمادى الأولى أو نحوه استولت التّتار على عجلون، والصَّلت، وصَرْخد، وبُصرى، والصّبيبة، وخرّبت شُرُفات هذه القلاع، ونُهب ما فيها من الذّخائر. وأرسلوا كمال الدّين عمر التَّفْليسي إلى الكَرَك يأمرون المغيث بتسليمها، فأرسل إليهم ولده مع التَّفْليسي، والملك القاهر ابن المعظَّم، والمنصور ابن الصّالح إسماعيل. فسار الجميع صُحبة المقدّم كتْبُغا (٣) وقد ظفر بالملك النّاصر وهو على عجْلُون، فهرب الملك القاهر وردّ إلى الكَرَك. وقال للمغيث: ما القوم شيء، فقوِّ نفسك واحفظ بلدك. ثمّ سار إلى مصر، فحرَّض الجيش على الخروج، وهوَّن شأن التّتار، فشرعوا في الخروج.
وسار كَتْبُغا بمن معه إلى صفد، وهي للفرنج، فأنزلوا الإقامات، ونُصبَت لكَتْبغا خيمةٌ عظيمة، ووصل إليه الزَّين الحافظيّ والقاضي محيي الدّين وعليه الخِلْعة
стр. 14186
السّوداء. ثمّ إنهم دخلوا دمشق في رجب. ثمّ سار طائفة بالنّاصر وابنه وأخيه الظّاهر إلى هولاكو.
وفي شعبان أحضر والي دمشق بدرَ الدّين محمد بن قُربجا (١)، ونقيب القلعة الجمال الحلبيّ المعروف بابن الصَّيْرفيّ، ووالي قلعة بعْلبكّ، فضُربتْ أعناقهم. ووصل الملك الأشرف ابن منصور ابن المجاهد صاحب حمص فنزل في داره، وقُرئ فَرَمانُه بتسليم نظَره في البلاد، وأن يكون نائبًا للملك على الشّام جميعه. وسُلِّمت إليه حمص، وتدْمر والرَّحبة (٢).
وفي رمضان وصل الخبر باستيلاء التّتار على صيدا من بلاد الفرنج ونهبها (٣).
وأمّا هولاكو فإنّه عدّى الفُرات بأكثر الجيش ومعهم من السَّبيُ والأموال والخيرات والدّواب ما لا يوصف، إنَّما نُمْلي لهم ليزدادُوا إثمًا.
ومرض الملك السّعيد صاحب ماردين مرضًا شديدًا، ثمّ عُوفي، وبعث إلى هولاكو يطلب منه سابق الدّين بَلَبَان، فبعثه إليه، وقد استماله هولاكو في مدّة مُقامه عنده. فلمّا اجتمع بمخدومه أخبره بما تمّ على أهل حلب. ثمّ أرسل السّعيد إليه بهديّة سنِيّة، وأخبروه بعافية السّعيد. فسأل عن قلعة ماردين، فأخبروه أن فيها من الأموال والذّخائر والأقوات كفاية أربعين سنة. فكتب إليه يعفيه من الحضور، وأرسل إليه ولده الملك المظفّر ليطمئنّ قلبه. وعاد سابق الدّين إلى هولاكو يردّ الجواب، ثمّ قصد أستاذه الملك السّعيد أن يردّه من دُنَيْسر ويُمسكه، فلم يتّفق، واتّصل بهولاكو ولم يرجع. وعلم السّعيد أنّ التّتار لا بُد لهم منه ومن حصاره، فنقل ما في البلد من الذّخائر إلى القلعة.
ثمّ بعد أربعة أيّام وَصَلتْه رُسُل هولاكو بهدية، ووصل عقيب ذلك طائفةٌ من التّتار فنازلت ماردين في ثالث جمادى الأولى، فلم يقاتلوا. وبقوا ستّة عشر
стр. 14187
يومًا. وقيل: إنّ هولاكو كان معهم. ثمّ التمسوا فتْح أبواب البلد ليدخلوا لشراء الأقوات وغيرها ويرحلون. ففتح لهم، فتردّدوا في الدّخول والخروج ثلاثة أيام، ثمّ صعدوا على سور ماردين، ودقّوا الطَّبْل، وهجموا البلد بالسّيف، فقاتلهم أهله ودرَّبُوا الشوارع وطردوهم، فدام القتال شهرين إلى أن فتح لهم بعض مقدّمي البلد درْبًا فملكوه، ودخلوا منه إلى الجامع، وصعدوا المنائر، ورموا منها بالنّشّاب، فضعُف النّاس، واحتموا بالكنائس، وصعِد بعضهم إلى القلعة، وملكت التّتار البلد، ونصبوا المجانيق على القلعة، وهي ستّة، فلم يصل إلى القلعة منها إلاّ ثلاثة أحجار. واستمر الحصار إلى آخر السّنة، ووقع الوباء في القلعة، فمات الملك السعيد فيمن مات، وهلك الخلْق. ورمى رجلٌ نفسَه من القلعة وأخبر التّتار بموت السّلطان، فبعثوا إلى ابنه الملك المظفّر وطلبوا منه الدخول في الطّاعة.
وفي وسط العام قُرئ بدمشق كتابُ هولاكو بسبب النّاصر، وذلك قبل أن يصل إليه. وهو: أما بعد، فنحن جنود الله، بنا ينتقم ممّن عتا وتجبّر، وطغى وتكبَّر، وبأمر الله ما ائتمر. إن عوتب تنمّر، وإن روجع استمر. ونحن قد أهلكنا البلاد، وأبدْنا العباد، وقتلنا النسوان والأولاد. فأيُّها الباقون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيّها الغافلون أنتم إليهم تُساقون. ونحن جيوش الهلكة، لا جيوش الملكة، مقصودنا الانتقام، وملكنا لا يرام، ونزيلنا لا يُضام، وعدْلُنا في مُلْكنا قد اشتهر، ومن سيوفنا أين المفر؟
أين المفرّ ولا مفرّ لهاربٍ … ولنا البسيطان الثّرى والماءُ
ذّلت لهيبتنا الأسودُ وأصبحت … في قبضتي الأمراء والخلفاءُ
ونحن إليكم صائرون، ولكم الهرب، وعلينا الطلَّب.
ستعلم ليلى أيَّ دين تديَنَتْ … وأي غريم بالتَّقاضي غريمُها
دمّرنا البلاد وأيتمنا الأولاد، وأهلكنا العباد، وأذقْناهم العذاب، وجعلنا عظيمهم صغيرًا، وأميرهم أسيرًا. تحسبون أنّكم منّا ناجون أو متخلّصون، وعن قليل سوف تعلمون على ما تقدمون، وقد أعذر من أنذر.
وأمّا رُكن الدّين بيْبَرس البُنْدُقْداري فإنه فارق الملك النّاصر من الرمل، واتّفق هو والشَّهرزُوريَّة بغزَّة، وتزوَّج ببنت بركة خان أحد ملوكهم، ثمّ بعث
стр. 14188
علاء الدّين طيْبرس الوزيريّ إلى صاحب مصر ليحلف له على ما اقترحه عليه. فأجابه فسَاق ودخل مصر في الثاني والعشرين من ربيع الأول، فأكرمه الملك المظفّر واحترمه، وقوى هو جَنان المظفّر على حرب التّتار. ثم جاء بعدُ الملك القاهر من الكرك فهوّن أمر التّتار. وكان شروع المصريين في الخروج إلى التّتار في نصف شعبان.
قلت: وكان الناس في دمشق آمنين من أذيّة التّتار بالنسبة، وذلك لهيبة هولاكو، لأنه بَلَغنَا أنّ مفاتيح دمشق لمّا أتته على حلب وهو فرحان بفتوح البلاد رمى بسراقوجه وقال للمُغل: دوسوا عليه. فضربوا جوك وقالوا: العفو. فقال: هذا دمشق، من آذى دمشق أو أهلها يموت. فلقد كان التّتريّ يغمس مقرعته في القنبريس أو الدِّبس ويمصها، فيسبّه الفامي ويصيح فيه وهو لا ينطق. ونحو هذا. لكن انتُهِكت الحُرُمات، وظهرت الفواحش والخمور، ورفعت النّصارى رؤوسها. وكان التّتار بين كافرٍ أونصْرانيّ أو مجوسي، وما فيهم من يتلفّظ بالشهادة إلا أن يكون نادرًا.
قال ابن الجزريّ (١): حدّثني أبي قال: خرجْتُ من الصلاة في الجمعة الثانية من رمضان، فوجدت دكاكين الخضراء وفيها النّصارى يبيعون الخمر، وبعض الفُسّاق معهم وهم يشربون ويرشُّون على المُصلين من الخمر، فبكيت بُكاءً كثيرًا إلى أن وصلت إلى دُكاني بالرّمّاحين.
وقال أبو شامة (٢): كانت النّصارى بدمشق قد شمخوا بدولة التّتار، وتردّد إيسبان المقدَّم إلى كنيستهم، وذهب بعضهم إلى هولاكو فجاء بفَرَمان بأن يرفع دينهم، فخرجت النصارى يتلقّونه، ودخلوا رافعي أصواتهم ومعهم الصّليب مرفوع، وهم يرشُّون الخمر على النّاس، وفي أبواب المساجد، ودخلوا من باب توما، ووقفوا عند رباط البيانيّة، ونادوا بشعارهم، ورشُّوا الخمر في باب الرِّباط، وباب مسجد درب الحجر، وألزموا الناس من الدّكاكين بالقيام للصليب، ومن لم يفعل ذلك أخرقوا به وأقاموه غصْبًا، وشقُّوا القصبة إلى عند القنطرة في آخر سويقة كنيسة مريم، فقام بعضهم على الدكان الوسطى
стр. 14189
وخطب، وفضّل دين النَّصارى وصغّر من دين الإسلام، ثم عطفوا من خلْف السّوق إلى الكنيسة التي أخربها الله.
قلت: قيل: إنهم كانوا ينادون: ظهر الدّين الصّحيح دين المسيح. وذلك في الثاني والعشرين من رمضان.
فصعد المسلمون مع القُضاة والعُلماء إلى إيل سبان (١) بالقلعة في ذلك، فأهانوهم، ورفعوا قِسيس النصارى عليهم، وأخرجوهم من القلعة بالضَّرْب والإهانة. ثم نزل إيل سبان من الغد إلى الكنيسة.
وأقبل الملك المظفَّر بالجيوش حتّى أتى الأُرْدُن. وسار كَتْبُغا بالمغول، فنزل على عين جالوت من أرض بيسان. وكان شاليش المسلمين رُكن الدّين بيْبَرس البُنْدُقْداريّ، فحين طلع من التّل أشرف على التّتار نازلين، ووقعت العين في العين، وكان بينه وبين السّلطان مرحلة. فجهّز البريدية في طلب السّلطان وقلق وقال: إنْ ولّينا كسرْنا الإسلام. فجعلوا يقهقرون رؤوس خيلهم حتى نزلوا عن التل إلى خلف. وضربت التّتار حلقةً على التّلّ وتحيزّ البُنْدُقْداري بعسكره فلم تمض ساعةٌ حتّى جاءته خمسمائة ملْبسة من أبطال الإسلام، ثمّ بعد ساعة أخرى لحِقَتها خمسمائة أخرى. وأمّا التّتار فاشتغلوا أيضًا بأخذ أُهْبَتهم للمصافّ. وتلاحق الجيشُ ثم وقع المَصافّ.
قال أبو شامة (٢): لمّا كان ليلة سبْع وعشرين من رمضان جاءنا الخبرُ بأنّ عسكر المسلمين وقع على عسكر التّتار يوم الجمعة الخامس والعشرين من الشّهر عند عين جالوت، وهزموهم وقتلوا فيهم، وقتلوا ملكهم كتْبُغا، وأُسر ابْنُه، فانهزم من دمشق النّائب إيل سبان ومنْ عنده من التّتار، فتبَعَهُم أهلُ الضّياع يتخطّفونهم.
وقال الشيخ قطب الدّين (٣): خرج الملك المظفَّر بجيش مصر والشّام إلى لقاء التَّتر، وكان كَتْبُغا بالبقاع، فبلغه الخبر، فطلب الملك الأشرف، يعني الّذي استنابه هولاكو على الشام والقاضي محيي الدّين، واستشارهم، فمنهم من أشار بعدم الملتَقَى، وبأن يندفع بين يدي المظفَّر إلى أن يجيئه المَدَد من
стр. 14190
هولاكو، ومنهم من أشار بغير ذلك وتفرّقت الآراء، فاقتضى رأيه هو الملتقى، وسار من فوره فالتقوا يوم الجمعة، فانكسرت ميسرة المسلمين كسرةً شنيعة، فحمل الملك المظفَّر في التّتار، وحمل معه خَلْقٌ فكان النّصر. قُتِل كَتْبُغا ومُعظم أعيان التّتار، وقتِل منهم مقتلة عظيمة، وهرب من هرب. وقيل: إنّ الذي قتل كَتْبُغا الأمير آقُش الشمسي، وولّت التَّتر الأدبار، وطمع النّاس فيهم يتخطّفونهم وينهبونهم. وعند الفراغ من المَصَافّ حضر الملك السّعيد بن عثمان ابن العادل صاحب الصُّبَيْبة إلى بين يدي السّلطان فلم يقبله وضرب عنقه. وجاء كتاب المظفَّر بالنَّصر، فطار الناس فرحًا، وثار بعضهم بالفخر الكَنْجيّ فقتلوه بالجامع، لكونه خالَطَ الشّمس القُميّ، ودخل معه في أخذ أموال الجُفال، وقُتل الشّمس ابن الماكسِينيّ، وابن البُغَيْل، وغيرهم من الأعوان. وكان المسلمون يجرعون الثّكل على النَّصارى لعنهم الله من أوّل أمس، لرفعهم الصَّليب وغير ذلك، فأسرعوا إلى دُورهم ينهبونها ويخرّبونها، وأخربوا في كنيسة اليعاقبة، وأحرقوا كنيستهم الكبرى، كنيسة مريم، حتّى بقيت كوْمًا، وبقيت النّار تعمل في أخشابها أيَّامًا. وقُتل منهم جماعة، واختفى سائرُهم. ونُهب قليل من اليهود، ثمّ كفّوا عنهم لأنهم لم يصدُرْ منهم ما صدر من النّصارى. وعيَّد المسلمون على خير عظيم، ولله الحمد.
ودخل السلطان الملك المظفّر القلعة مؤيدًا منصورًا، وأحبّه الخلْق غاية المحبَّة. وعبر قبله البُنْدُقْداري على دمشق، وساق وراء التّتر إلى بلاد حلب، وطردهم عن البلاد. ووعده السّلطان بحلب، ثمّ رجع عن ذلك فتأثّر رُكْن الدّين البُنْدُقْداريّ من ذلك. وكان ذلك مبدأ الوحشة. وسيّر الملك الأشرف ابن صاحب حمص يطلب من السّلطان أمانًا على نفسه وبلاده، وكان قد هرب مع التّتار من دمشق، ثمّ انملَسَ منهم وقصد قلعة تدْمر، فأمّنه وأعطاه بلاده، فحضر إلى الخدمة، ثمّ توجَّه إلى حمص وتوجَّه صاحب حماة إلى حماة. واستعمل السّلطان على حلب علاء الدّين ابن صاحب الموصل. واستعمل على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي والأمير مجير الدين ابن حبرون ورتب أمور الشام وشنق حسينًا الكرديّ طبردار الملك الناصر الذي خدعه وأوقعه في أسْر التّتار، وعزل عن خطابة دمشق ابن الحَرَسْتانيّ، ووليها أصيل الدّين الإسْعرديّ إمام السّلطان قُطُز، وقُرئ تقليده، ثمّ عُزِل بعد شهر وأعيد
стр. 14191
عمادُ الدّين ابن الحَرَسْتاني. وأقام المظفّر نحو الشّهر، وسار إلى الدّيار المصريّة.
ونقل الصّاحب عزّ الدّين ابن شدّاد أنّ المظفَّر لمّا ملك دمشق عَزَم على التَّوجُّه إلى حلب لينظّف آثار التّتار من البلاد، فوشى إليه واشٍ أنّ رُكْن الدّين البندُقْداري قد تنكّر له وتغيّر عليه، وأنّه عاملٌ عليك. فصرف وجهه عن قصْده، وعَزَم على التَّوجُّه إلى مصر وقد أضمر الشّرّ للبُنْدُقْداريّ. وأسرَّ ذلك إلى بعض خواصه، فاطَّلع على ذلك البندُقْداري. ثم ساروا والحُقُود ظاهرة في العيون والخُدود، وكلّ منهما متحِّرس من صاحبه. إلى أن أجمع ركن الدّين البُنْدُقْداريّ على قتل المظفَّر. واتفق معه سيف الدّين بَلَبَان الرّشيديّ، وبهادر المُعِزّيّ، وبيدغان الرُكُنيّ، وبكتوت الجوكنْدار، وبَلَبَان الهارونيّ، وأنس الأصبهاني، الأمراء. فلمّا قارب القصير الّذي بالرمل عرّج للصَّيْد، ثمّ رجع، فسايره البُنْدُقْداري وأصحابه، وحادَثَه، وطلب منه امرأة من سبي التّتار، فأنعم له بها، فأخذ يده ليقبّلها، وكانت تلك إشارة بينه وبين أولئك، فبادره بدر الدّين بكتوت الجوكنْدار المُعِزّيّ، فضربه بالسّيف على عاتقه فأبانه، ثمّ رماه بهادر المُعِزّيّ بسهْم قضى عليه، وذلك يوم سادس عشر ذي القعدة.
ثم ساروا إلى الدِّهليز وضربوا مشورة فيمن يملّكوه عليهم، فاتّفقوا على رُكن الدّين البُنْدُقْداريّ. وتقدّم الأمير فارس الدّين أقطايّ المعروف بالأتابك فبايعه، ثمّ تلاه الرشيديّ، ولُقِّب بالملك القاهر.
ثمّ ساق هو والأتابك، وقلاوون الّذي تسلطن، والبيْسَريّ، وجماعة، وقصد قلعة مصر، ورتَّب آقوش النّجيبيّ أستاذ داره، وعزّ الدّين الأفرم أمير جنْدار. فخرج نائب الملك المظفَّر على القاهرة للقائه، وهو الأمير عزّ الدّين الحلّيّ، فصادف هؤلاء فأخبروه بما وقع، فحلف لرُكن الدّين، وردّ إلى القلعة ووقف على بابها ينتظره.
وكانت القاهرة قد زيّنت لقدوم المظفَّر وهم في فرحة، فلمّا طلع الضّوء لم يشعورا إلاّ والمنادي يقول: مَعْشَر النّاس، ادعُوا لسلطانكم الملك القاهر رُكنْ الدّنيا والدّين. ووعدهم بالإحسان وإزالة المؤن لأنّ الملك المظفَّر ﵀ كان قد أحدّث على المصريين حوادث كثيرة، منها تصقيع الأملاك
стр. 14192
وتقويمها وزكاتها، وأخْذ ثُلث الزّكاة، وثلث التَّرِكات، وعن كلّ إنسان دينار واحد مضاعف الزّكاة، فمبلغ ذلك في العام ستمائة ألف دينار، فأطلق ذلك لهم. وجلس على تخت المُلْك يوم الأحد، وذلك اليوم الثّاني من قتْله المظفَّر، فأشار عليه الوزير زين الدّين ابن الزُّبير وكان مُنْشئًا بليغًا، بأن يغ ّر هذا اللًّقب وقال: ما لُقِّب به أحد فأفلح. لُقِّب به القاهر ابن المعتضد فسُمل بعد قليل وخُلع، ولُقِّب به الملك القاهر ابن صاحب الموصل فسُمّ. فأبطل السّلطان هذا الّلقب وتلقَّب بالملك الظّاهر.
وأمّا نائب دمشق الحلبيّ فبلغه قتْل المظفَّر، فحلف الأمراء بدمشق لنفسه، ودخل القلعة وجدد عمارتها، وتسلطن، وتلقَّب بالملك المجاهد، وخُطِب له بدمشق في سادس ذي الحجة مع الملك الظّاهر. وأمر بضرب الدّراهم باسميهما. وغلت الأسعار وبقي الخبز رِطْلٌ بدرهمين، ووقيّة الجُبْن بدرهم ونصف. وأمّا اللّحم فكاد يُعدم، وبلغ الرطْل بخمسة عشر درهما.
ولمّا استقر الملك الظّاهر في السّلطنة أبعد عنه الملك المنصور عليّ بن المُعز أيْبَك وأُمّه وأخاه قاءان إلى بلاد الأشكري، وكانوا معتَقَلين بالقلعة.
وفي ذي القعدة أمر الأمير عَلم الدّين الحلبيّ بعمارة قلعة دمشق وإصلاحها، وركب بالغاشية والسّيوف المجرَّدة، وحمل له الغاشية ابن الملك العادل والزّاهر ابن صاحب حمص والقُضاة والمدرّسون حوله. ففرح النّاس وعملوا في بنائها.
وكان المظفَّر قد استناب على حلب الملك السّعيد علاء الدّين ابن صاحب الموصل، وقصد بذلك استعلام أخبار العدوّ، لأنّ أخاه الصّالح كان بالموصل، وأخاه المجاهد كان بالجزيرة، فتوجّه السّعيد إلى حلب بأمرائها وعسكرها، فأساء إليهم، وأراد مصادرة الرعيَّة، فاجتمعت الأمراء على قبْضه، وعوّضوا عنه بالأمير حسام الدّين الجوكنْدار العزيزيّ، ثمّ بلغهم أنّ التّتار قد قاربوا البيرة، وكانت أسوار حلب وأبراجها قد هُدمت وهي سائبة كما هي الآن، فانجفل النّاس منها، ثم جاءت التتار فاندفع الجوكندار بالعسكر نحو دمشق، ودخلت التتار حلب، فأخرجوا من فيها من الناس بعيالهم إلى قرنبيا وداروا حولهم ووضعوا فيهم السيف، ثم ساقوا إلى حماة ونازلوها فأخرجوا
стр. 14193
إليهم إقامة ومأكولا فرحلوا عنهم وطلبوا العسكر.
وفي شوّال درّس ناصر الدّين محمد ابن المقدسيّ بالتُّربة الصّالحية بعد والده، ولاه المنصور ابن الواقف.
وقُرئ تقليد قاضي القضاة محيي الدّين بولايته القضاء والمدارس من جهة المظفَّر. ثمّ عُزل بعد أيّام بنجم الدّين ابن سَنِيّ الدّولة.
ودرّس بالأمينية قَطْبُ الدّين ابن عصْرُون.
وشرعوا في عمارة ما وَهى من قلعة دمشق.
وعمل أهل البلد وأهل الأسواق، وعظم السّرور، وعُلمت المغاني والدّبادب لذلك، بلغ اللّحم في ذي القعدة الرطْل بتسعة دراهم، ورطل الخبز بدرهمين، ورطل الجُبْن باثني عشر درهمًا. وأسعار الأقوات من نسبة ذلك بدمشق. وبلغ صرْف الدّينار إلى خمسةٍ وسبعين درهمًا. وأبيع في عيد النَّحر رأس الأَُضحية بستمائة درهم. وتزايد الأمر؛ نقل ذلك التّاج ابن عساكر.
وفيها رافع (١) بهادُر الشِّحنة، والعماد القزْوينيّ صاحب الدّيوان علاء الدّين (٢)، فأمر هولاكو بقتْله، فطلب العفْو فعفا عنه، وأمر بحلْق لحيته فحُلقت، فكان يجلس في الدّيوان ملثَّمًا (٣). ثمّ عظُم بعد، وقدم أخوه الوزير شمس الدّين وظهرت براءته، وقال لبهادر: الشَّعْر إذا حُلِق ينْبُت، والرأس إذا قُطع لم ينبت. ثمّ دبّر في قتْله وقتل العماد القزوينيّ.
سنة تسع وخمسين وستمائة
استهلّت وما للنّاس خليفة، وصاحب مكّة الشّريف أبو نميّ الحَسَنيّ وعمّه، وصاحب المدينة عزّ الدّين جماز بن شِيحَة الحَسَينيّ، وصاحب مصر الملك الظاهر رُكن الدّين بيْبَرس الصّالحي، وصاحب دمشق الملك المجاهد عَلَم الدّين سنْجَر الحلبيّ، وصاحب الموصل الملك الصّالح إسماعيل بن لؤلؤ، وصاحب الجزيرة أخوه المجاهد إسحاق، وصاحب ماردين المظفَّر قُرا
стр. 14194
رسلان ابن السّعيد، وصاحب الرُّوم رُكْن الدّين قليج رسلان ابن غياث الدّين كيخسْرُوا ابن علاء الدّين وأخوه عزّ الدّين كيكاوس، وصاحب الكَرَك والشَّوبَك المغيث عمر ابن العادل ابن الكامل، وصاحب حماة المنصور محمد ابن المظفَّر، وصاحب حمص والرَّحبة وتدْمُر الأشرف موسى بن إبراهيم بن شيركوه، والمستولي على حصون الإسماعيليّة الثمانية رضيّ الدّين أبو المعالي ابن نجم الدّين إسماعيل ابن الشْعرانيّ، وصاحب مَرّاكُش المرتَضَى عمر بن إبراهيم بن يوسف، وصاحب تونس أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي محمد ابن الشّيخ أبي حفص عمر بن يحيى، وصاحب اليمن الملك المظفَّر يوسف ابن الملك المنصور، وصاحب ظفار موسى بن إدريس الحضْرميّ وصاحب دلة (١) ناصر الدّين محمود ابن شمس الدّين أيتمش، وصاحب كرْمان تُرْكان خاتون زوجة الحاجب بُراق وابنا أخي بُراق، وصاحب شِيراز وفارس أبو بكر ابن أتابك سعد، وصاحب خُراسان، والعراق، وأذْربيْجان، وغير ذلك: هولاكو بن قاءان بن جنكزخان، وصاحب دشت القفجاق وتلك الدّيار بركة ابن عمّ هولاكو.
وقعة حمص
وكانت في خامس المحرّم. اجتمع عددُ من التّتار الّذين نجوْا من عين جالوت، والّذين كانوا بِحَرّان والجزيرة. وكانوا قد هلكوا من القَحْط فأغاروا على حلب، وقتلوا أهلها بقرنبيا، ثمّ ساقوا إلى حمص لمّا علموا بقتْلة الملك المظفَّر، وأنّ العساكر مختلفة، فوجدوا على حمص الأمير حسام الدّين الجوكنْدار ومعه العسكر الّذين كانوا بحلب، والملك المنصور صاحب حماة، والملك الأشرف صاحب حمص، وعدّتهم ألف وأربعمائة، فحملوا على التّتار وهم في ستة آلاف فارس حملةً صادقةً فكسروهم وركبوا أقفِيَتهم قتْلًا حتّى أتى القتل على مُعظَمهم، وهرب مقدّمهم بيْدرا في نفر يسير بأسوأ حال.
وكانت الوقعة عند تُربة خالد بن الوليد ﵁. وتُسمَّى وقعة
стр. 14195
حمص القيقان (١)، لأنّ غير واحد حدّث أنّه رأى قِيقانًا عظيمةً قد نزلتْ وقت المصافّ على التّتار تضرب في وجوههم، وحكى بدر الدّين محمد ابن عزّ الدّين حسن القيْمُرِيّ، وكان صدوقًا، قال: كنت مع صاحب حماة فوالله لقد رأيت بعيني طيورًا بيضاء وهي تضرب في وجوه التّتار يومئذ. نقله عنه الجَزَريّ في تاريخه (٢).
وقال أبو شامة (٣): جاء الخبر بأنّ التّتار كُسِروا بأرض حمص كسرةً عظيمة وضُربت البشائر، وكانت الوقعة عند قبر خالد إلى قريب الرَّسْتَن، وذلك يوم الجمعة خامس المحرَّم، وقُتل منهم فوق الألف، ولم يُقتَل من المسلمين سوى رجلٍِ واحد. ثُم جاءت رؤوسهم إلى دمشق.
قلت: حكى أبي أنّهم جابوها في شرائج، وكنّا نتعجّب من كبر تلك الرؤوس لأنّها رؤوس المُغْل.
قال أبو شامة (٤): وجاء الخبر بنزول التّتار على حماة في نصف الشّهر، فقدِم صاحب حماة وصاحب حمص في طلب النَّجدة والاجتماع على قتالهم، فنزل الملك المجاهد عَلَم الدّين عن سلطنة دمشق.
قلت: بل اتفقوا على خلْع الحلبي، وحصروه بالقلعة، وجرى بينهم شيءٌ من قتال، وخرج إليهم وقاتلهم، ثمّ رجع إلى القلعة. فلمّا رأى الغَلَبة خرج في اللّيل بعد أيّام من دمشق من باب سرٍّ قريبٍ من باب توما، وقصد بعْلَبَكّ، فعصى في قلعتها، وبقي قليلًا، فقدِم علاء الدّين طيْبرس الوزيري وأمسك الحلبيّ في قلعة بعلبك، وقيّده وسيّره إلى مصر.
وفيها، في أواخر المحرَّم، وقع على دمشق ثلج عظيم لم يُعهَد، فبقي يومين وليلتين، وبقي على الأسطحة أعلى من ذراع، ثمّ رُمي وبقي كأنّه جبال في الأزِقّة وتضرّر الخلقُ به. وذلك في أوّل كانون الأصمّ.
وأما التّتار فقال قُطْبُ الدّين أبقاه الله (٥): ولمّا عاد مَنْ نجا من التّتار إلى
стр. 14196
حلب أخرجوا من فيها، ثمّ نادوا: كلّ من كان من أهل البلد فلْيعتزل. فاختلط على النّاس أمرهم ولم يفهموا المُراد، فاعتزل بعضُ الغُرباء مع أهل حلب، فلمّا تميّز الفريقان أخذوا الغُرباء وذهبوا بهم إلى ناحية بابلا (١) فضربوا رقابهم، وكان فيهم جماعة من أقارب الملك النّاصر ﵏. ثمّ عدّوا من بقي، وسلّموا كل طائفة إلى رجل كبير ضمَّنوه إيَّاهم. ثُم أحاطوا بالبلد أربعة أشهر، فلم يدخلها أحدٌ ولا خرج منها أحدٌ، فَغَلتْ الأسعار وهلكوا، وتعثّروا، وبلغ رِطْل اللّحم سبعةَ عشَرَ درهمًا، ورطْل السَّمك ثلاثين درهمًا، ورطل اللّبن خمسة عشر درهمًا، ورطل السكر خمسين درهما، وأُكِلَت الميتات.
وأمّا الجوكنْدار فدخل مصر ثمّ عاد إلى حلب.
وفي سابع صفر ركب السلطان الملك الظّاهر في دسْت السّلطنة من قعلة الجبلَ وهو أوّل ركوبه. قال قُطْبُ الدّين (٢): وكتب إلى الأمراء يحرّضهم على القبض على الحلبيّ، فخرجوا عن دمشق ونابَذُوه وفيهم علاء الدّين البُنْدُقْدار، يعني أستاذ الملك الظّاهر، وبهاء الدّين بُغدي فتبعهم الحلبيُّ وحاربهم، فحملوا عليه فهزموه، ودخل القلعة فأغلقها في حادي عشر صفر. ثُم خرج من القلعة تلك اللّيلة، وأتى بعْلَبَكّ في عشرين مملوكًا. واستولى البُنْدُقْدار على دمشق، وناب فيها عن الملك الظّاهر، وجهّز لمحاصرة بعْلبَكّ بدر الدّين ابن رحّال (٣)، فحال وصوله دخل بعْلبَكّ وراسل الحلبيّ، ثمّ تقرّر نزوله ورواحه إلى خدمة الملك الظّاهر، فخرج من القلعة على بغْلة، وسار فأدخِل على الملك الظّاهر ليلًا، فقام إليه واعتنقه وأكرمه، وعاتبه عتابًا لطيفًا، ثمّ خلع عليه ورسمَ له بخيْل ورخت (٤).
قلت: ثمّ حبسه.
وقال أبو شامة (٥): ثمّ رجعت التّتار، فنزل صاحب صهيون وتخطَّف
стр. 14197
منهم جماعة، وقتلت الفداويّة الخشِيشيّة صاحب سِيس، لَعَنَه الله. ووقع السيف بين التّتر وبين ابن صاحب سيس.
وفيها درّس (١) القاضي نجم الدّين ابن سنيّ الدّولة بالعادليّة وعُزِل الكمال التَّفْليسيّ، واعتقل بسبب الحياصة النّاصرية التي تسلّمها التّتار. وكانت رهنًا بمخزن للأيتام على المال الذي اقترضه الملك النّاصر.
قال (٢): وفيه، يعني ربيع الأوّل، خرج الفِرَنج في تسعمائة قنطاريّة، وخمسمائة تركُبُليّ، ونحو ثلاثة آلاف راجل، فأُخذ الجميع قتْلًا وأسْرًا، ولم يفْلت منهم سوى واحد.
قلت: انتدب لقتالهم الغاجريّة التُّركُمان، فأخْلَوا لهم بيوتهم وهربوا، وكمنوا لهم، ثمّ نزلوا عليهم وبيّتوهم، وأراح الله منهم. وكان خروجهم من عكّا وصيدا.
وفي جمادى الأولى عُقِد العزاء بجامع دمشق للملك النّاصر. جاء الخبر بأنّه ضُربت رَقَبتُه مع جماعةٍ لمّا بلغهم أنّ المصريّين كسروهم على عين جالوت.
وفيه ورد دمشق أولاد صاحب الموصل، وهما صاحب الجزيرة يومئذٍ وصاحب الموصل بعيالهم وأموالهم، ومعه طائفة من أهل البلاد، فمضوا إلى مصر. ثُم رجعوا في أواخر السّنة مع السّلطان، ومضوا إلى بلادهم.
وفي رجب أقيم في الخلافة بمصر المستنصر بالله أحمد، ثمّ قدِم دمشقَ هو والسّلطان، فعمِلت لقدومها القِباب، واحتفل النّاس لزينتها. وعُدِم في الشرق في آخر العام كما في ترجمته.
وفي ذي الحجة عُزِل عن قضاء الشّام نجم الدّين ابن سَنيّ الدّولة، ووُليّ شمس الدّين ابن خلِّكان الذي كان نائب الحُكْم بالقاهرة، ثمّ وكّل بالمعزول وأُلزم السَفر إلى مصر. قال أبو شامة (٣): كان جائرًا، فاجرًا، ظالمًا، وشاع عنه أنه أُودع كيسًا فيه ألف دينار، فردّ بدله كيسًا فيه فلوس. وفُوِّضَ إلى ابن خلِّكان
стр. 14198
نظر الأوقاف وتدريس سبع مدارس كانت بيد المعزول: العادليّة، والعذْراويّة، والنّاصريّة، والفَلَكيّة، والرُّكْنيّة، والإقباليّة، والبَهنَسيّة.
وفي نصف ذي الحجّة رجع السلطان إلى مصر.
وفيها أقام الأمير شمس الدّين آقوش البرليّ المُسمَّى برلو بحلب خليفةً، ولَقَّبه بالحاكم بأمر الله، وخطب له، ونقش اسمه على الدّراهم، فلمّا قدِم السّلطان الشّام تزلزل أمرُه، وطلب العراق، ثمّ اجتمع بالإمام المستنصر بالله، ودخل في طاعة المستنصر.
وفي آخرها وقع المصافُّ بين المستنصر وبين التّتار بالعراق، فعُدِم المستنصر، وقُتِل عددٌ من أصحابه وهرب الحاكم في جماعة وسلم. وممّن عُدِم فيها كمال الدّين ابن السّنجاريّ، ويحيى ابن العُمريّ، وعبد الملك ابن عساكر. وقد ذكرنا الوقعة في ترجمة المستنصر.
واستعمل السّلطان على حلب الأمير عَلَم الدّين سنْجّر الحلبيّ، وبعث معه عسكرًا لمحاربة برلو، وكان قد غلب على حلب. فلمّا قرُب الحلبيّ قصد البرلي الرَّقّة، ودخل الحلبي حلب، وجهّز عسكرًا وراء البرلي، فأدركوه بالبرّية فقال: أنا مملوك السّلطان. وخدعهم. ثمّ وصل إلى حرّان، ثمّ أتى البيرة فتسلّمها، وقوي أمره، وقصد حلب. فقفز إليه جماعة من عسكر حلب، فخاف الحلبيّ وهرب، فدخل البرلي حلب. فلمّا بلغ السّلطان خرج من مصر بالجيش، ثمّ جهز علاء الدّين أيْدكين البُنْدُقْدار نائبًا على حلب ومُحاربًا للبرلي، فسَار من دمشق في نصف ذي القعدة، فخرج البرلي عن حلب، وقصد قلعة القرادي وحاصرها، وأخذها من التّتار ونهبها.
وفيها كاتب الملك المغيث صاحب الكَرَك الملك الظّاهر يستعطفه فرضيَ عنه.
وفي شوال وُلّي قضاء مصر برهان الدّين السَّنجاريّ، وعُزل تاج الدّين ابن بنت الأعز.
وفي شوّال تزوّج بيليك الخَزْندار الظّاهريّ ببنت صاحب الموصل بدر الدّين لؤلؤ، فأعطاه السّلطان الصُّبيْبَة، وبانياس.
стр. 14199
وقدِم على السّلطان وهو بدمشق الملك الأشرف صاحب حمص، فخلع عليه وأعطاه ثمانين ألف درهم، وزاده تلَّ باشر.
وفي ذي الحجّة سار الرشيديّ في عسكرٍ إلى أرض أنطاكية فأغار عليها.
قال قُطْب الدّين (١): وفي رمضان وقع الصُّلح بين التّتار وبين الملك المظفَّر ابن السّعيد صاحب ماردين، فتوجّه إليهم ومعه هديّة سَنِيّة من جُملتها باطية مجوهرة قيمتها أربعة وثمانون ألف دينار، فأكرموه، ثمّ قتلوا أصحابه، وكانوا سبعين نفسا بلا ذَنْب ولا جُرْم، بل أرادوا قصّ جناحه.
وفي رمضان وقع المصافّ بين الأخوين رُكْن الدّين صاحب الرّوم، وأخيه عزّ الدّين بقُرب قُونية، فانتصر رُكْن الدّين لأنه كان معه نجدة من التّتر، وقُتِل من عسكر عزّ الدّين خلْق، وأُسِر جماعة فشُنقوا. وأقام عزّ الدّين بأنطاكية.
سنة ستين وستمائة
في أوّلها دخل البرلي إلى حلب مرّة أخرى، فخرج البُنْدُقْدار عنها، وأظهر البرلي طاعةَ السّلطان، وكان شجاعًا مذكورًا لا يُصطلى بناره.
وقال ابن خلِّكان، ﵀ (٢): في أثنائها توجّه عسكر الشّام إلى أنطاكية، فأقاموا قليلًا عليها، ثمّ رجعوا، فأخبرني بعضهم بغريبة، وهي أنهم نزلوا على جَرُود وهي بين دمشق وحمص فاصطادوا حُمْر وحش كثيرة، فذبح رجلُ حمارًا وطبخ لحمه، فبقي يومًا يوقد لا ينضج لحمُه ولا يتغيَّر ولا قارب النُّضج، فقام جُنْدي فأخذ الرأس فوجد على أذنه وسمًا، فقرأه، فإذا هو بهرام جور. فلمّا أتوا أحضروا تلك الأذن إليَّ، فوجدت الوسم ظاهرًا وقد رقّ شعْر الأذُن، وموضع الوسْم أسود، وهو بالقلم الكوفيّ. وبهرام جور من ملوك الفُرس كان إذا كثُر عليه الوحش وسَمَه وأطْلقه. وحُمر الوحشْ من الحيوانات
стр. 14200
المعمّرة، وهذا لعلَّه عاش ثمانمائة سنة أو أكثر. انتهى قوله.
وفي ربيع الآخر قدِم القاهرةَ الحاكمُ بأمر الله ومعه ولدُه وجماعة، فأكرمه الملك الظاهر وأنزله بالبُرج الكبير، وهو أحمد بن أبي عليّ القُبّي (١) ابن عليّ ابن أبي بكر ابن أمير لمؤمنين المسترشد بالله ابن المستظهر.
وفيها عزل النجيبي عن الأستاذ دارية ووليها عز الدين أيدمر الظاهري الهاشميّ العبّاسي. اختفى وقت أخذ بغداد ونجا، ثمّ خرج منها وفي صُحبته زين الدّين صالح بن محمد ابن البنّاء الحاكمي، وأخوه محمد، ونجم الدّين ابن المُشّاء، فقصد حسين بن فلاح أمير بني خفاجة، فأقام عنده مدَّةً، ثمّ توصّل مع العرب إلى دمشق، وأقام عند الأمير عيسى بن مُهنّا والد مُهنّا مدّةً، فطالع به السلطان الملك النّاصر، فأرسل يطلبه، فبغته مجيء التّتار. فلمّا ملك الملك المظفَّر دمشق سيّر أمير قِلِيج البغدادي إلى ناحية العراق وأمره بتطلُّب الحاكم، فاجتمع به وبايعه على الخلافة، وتوجّه في خدمته الأمير عيسى والأمير عليّ بن صقر ابن مخلول، وعمر بن مخلول، وسائر آل فضل، سوى أولاد حُذيفة. فافتتح الحاكم بالعرب عانَةَ، والحديثة، وهيت، والأنبار، وضرب مع القراوول رأسًا بقرب بغداد في أواخر سنة ثمانٍ وخمسين، فانتصر عليهم، وقُتل من التّتار خلْقٌ، ولم يُقتل من أصحابه غير ستّة، فيقال، والله أعلم: قُتِل من التّتار نحو ألف وخمسمائة فارس، منهم ثمانية أمراء. فجاء جيش للتّتار عليهم قرابُغا، فرد المسلمون على حميّة، فتبعهم قُرابُغا إلى هيت وردّ. وأقام الحاكم عند ابن مُهنَّا، فكاتبه علاء الدّين طيْبرس نائب دمشق يومئذ للملك الظّاهر يستدعيه، فقدِم دمشقَ في صفر فبعثه إلى السّلطان، في خدمته الثّلاثة الّذين خرجوا معه من بغداد.
وكان المستنصر بالله قد تقدّمه بثلاثة أيّام إلى القاهرة، فما رأى أن يدخل على إثره خَوفًا من أن يُمسك، فهرب راجلًا وصُحْبته الزَّين صالح البناّء، وقصدا دمشق، ودلّهما بدويٌّ من عرب غَزِية، فاختفيا بالعُقَيبة، وحصّلا ما يركبان، وقصدا سَلَمِية (٢)، وصحبَهما جماعةٌ أتراك، فوجدوا أهل سَلَمِيَة
стр. 14201
متحصّنين خوفًا من الأمير آقُش البرلي، فوقع بينهم مناوشة من حرب، ونجا الحاكم وصاحبه، وقصد البرلي فقبّل البرلي يده، وبايعه هو وكلّ من بحلب، وتوجّهوا إلى حرّان، فبايعه الشّيخ شهاب الدّين عبد الحليم ابن تيْميّة والد شيخنا وأهل حرّان. وجمع البرلي للحاكم جمعًا كثيرًا نحو الألف فارس من التُّركمان، وقصدوا عانَةَ، فوافاهم الخليفة المستنصر، فأعمل الحيلة، وأفسد التُّركمان على الحاكم، ودخل الحاكم في طاعته وانقاد له، ووقع الاتّفاق. فلمّا عُدم المستنصر في الوقعة المذكورة في ترجمته قصد الحاكم الرَّحبة، وجاء إلى عيسى بن مُهنّا، فكاتب الملك الظّاهر فيه، فطلبه، فقدِم إلى القاهرة، فبايعوه وامتدّت أيّامه، وكانت خلافته نيِّفاّ وأربعين سنة.
قال أبو شامة (١): وفيها جاء الخبر بالتقاء التَّتر الّذين بالموصل بعسكر البرلي، وجرت بينهم وقعةٌ قُتل فيها مقتلة عظيمة، وقُتِل عَلَمُ الدّين سنْجر المعروف بجكم الأشرفيّ، وابنه، وبكتوت الحّرانيّ.
قال (٢): وفيها وُلّي ولاية دمشق ونظر الجامع والمساجد الأمير الافتخار الحرّانيّ؛ وكان شيخًا كبيرًا خيّرًا، ألزم أهل الأسواق بالصّلاة وعاقب عليها، ومنع جماعة من الأئمة الاستنابة، ورجع على بعضهم بما تناولهم منهم التّاج الشّحرور، والجمال الموقانيّ، والشّمس ابن غانم، والشّمس ابن عبد السلام. ونقَّص كثيرا من جامكيّاتهم المقرَّرة.
وأمّا أولاد صاحب الموصل فلمّا فارقوا المستنصر في العام الماضي أقاموا بسَنْجار، وكتب كبيرهم الملك الصّالح إلى الموصل يستشير أهلَها، فأشاروا عليه بالمجيء، فقدِم عليهم في العشرين من ذي الحجّة ومعه ثلاثمائة فارس، وكان في الموصل أربعمائة فارس، فدخلها، وترك إخوته بسَنْجار. فلمّا بلغهم قتْل المستنصر ونزول التّتار على الموصل لحصار أخيهم رجعوا، فأعطاهم الملك الظّاهر أخبازًا، وأعطى الملك المجاهد إسحاق مبلغًا من المال لخاصّه، ولعلاء الدّين مبلغًا لخاصّه.
стр. 14202
وأمّا التّتار فنازلوا الموصل ومعهم صاحب ماردين، ونصبوا عليها المجانيق وضايقوها، ولم يكن بها سلاح ولا قوُتٌ كثير، فَغَلا السِّعر، واستنجد الملك الصّالح بالبرلي، فَنَجَده من حلب، فسار إلى سنْجار، فعزمت التّتار على الهرب، فوصل إليهم الكلب الزَّين الحافظيّ وأخبرهم بأن البرلي في طائفةٍ قليلة، وشجّعهم، فسارت إليه التّتار وهم في عشرة آلاف، والبرلي في ألفٍ من التّركمان والعرب، فتوقّف في لقائهم، ثمّ برز إليهم في رابع عشر جمادى الآخرة، فكسروه وقُتل جماعةٌ من وجوه أصحابه، وانهزم جريحًا، وأُسر طائفة من أصحابه بعد أنْ أبْلوا بلاءً حسنًا. ووصل البرلي إلى البيرة، ففارقه أكثر من معه، وقصدوا الدّيار المصريّة.
وجاءت رُسُل من هولاكو إلى البرلي يطلبه إليه، فلم يُجِبه إلى ذلك، وكاتب الملك الظّاهر فأمّنه، فسار إلى مصر، فأعطاه السّلطان إمريَّة سبعين فارسًا، وخلع عليه.
وأمّا التّتار فأخذوا الأسرى فأدخلوهم من النقوب إلى الموصل ليُعرِّفوهم بكسرة البرلي. واستمرَّ الحصار إلى شعبان من سنة ستّين، ثمّ طلبوا ولد الملك الصّالح، فأخرجه إليهم، ثمّ خلّوه أيّامًا، وكاتبوه بأن يسلّم الموصل وهدّدوه، فجمع الأكابر وشاورهم، فأشاروا عليه بالخروج فقال: تُقْتلون لا محالة. فصمّموا على الخروج، فخرج إليهم يوم نصف شعبان وقد ودّع الناس، ولبس البياض، فلمّا وصل إليهم رسَّموا عليه.
وكان الحصار قد طال جدًّا، وعلى سور البلد ثلاثون منجنيقًا ترمي العدوّ وعلى المغول سنداغو، وقد خندقوا على نفوسهم، وبالغوا في الحصار، حتّى كلَّ الفريقان. ثمّ سلّمت الموصل، ونوديَ في الموصل بالأمان فاطمأنّ النّاس، فشرع التّتار في خراب السور. فلمّا طمّنوا الناس دخلوا البلد وبذلوا السيف تسعة أيام إلى أوائل رمضان. ووسّطوا علاء الملك ولد الملك الصّالح، وعلَّقوه على باب الجسر، ثمّ رحلوا في آخر شوّال بالصّالح فقتلوه في الطّريق ﵀.
وأمّا علاء الدّين والملك المجاهد فاستقلّوا أمراء بمصر.
وأمّا ابن صاحب الرّوم عزّ الدّين فإنّه اختلّ أمره وضايقته التَّتر، فقصد الأشكري وسأله العوْن فقال: إن تنصَّرتَ أعنْتُك. فهمَّ أن يفعل لينال غرضه من
стр. 14203
النّصر على أخيه بالتَّنصُّر، فلامه أصحابه وقالوا: هذا ينفر عنك قلوبَ العسكر. فأمسك، وتغيّر خاطرُ الأشكري عليه وحبسه بقلعة فأغارت طائفة من عسكر بركة على بعض بلاد الأشكري، وحاصروا تلك القلعة، فوقع الاتّفاق على أنّه إنْ سلَّم إليهم السّلطان عزّ الدّين رحلوا. فسلّمه إليهم، فانطلقوا به إلى الملك بركة.
ووقع الخُلْف بين هولاكو وبركة، وأظهر بركة عداوته، وبعث الرُّسُل إلى الملك الظّاهر بالمواددة واجتماع الكلمة، ويحرّضه على حرب هولاكو، ثمّ جرى بينهما مصافّ، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وفي شوّال قدِم الدّمياطيّ الأمير والرُّكني علاء الدّين الأعمى الّذي صار بالقدس، فقبضا على نائب دمشق طيبرس الوزيري، وحُمل إلى مصر، وباشر الرُّكنيّ النّيابة إلى أن قدِم النّجيبيّ.
وفي ذي الحجة وصل إلى دمشق من التّتار نحو المائتين هاربين إلى المسلمين، فأُعْطوا أخبازًا. وهم أوَّل من قفز من التّتار ودخل في الإسلام (١).
وقُتل العماد القزوينيّ، أحدُ الحكّام بالعراق، لخيانته. وأُخذ متولّي واسط مجد الدّين صالح بن هُذَيْل وعذِّب وصودِر، وسُلِّمتْ واسط إلى الملك منوجهر ابن صاحب همذان، فسار واستصحب معه فخر الدّين مظفَّر ابن الطّرّاح فجعله نائبه في تدبيرها.
وقُتل في العام الآتي شِحْنة بغداد بهادر. وكان مسلمًا سائسًا لا بأس بسيرته. وكان يُصلِّي التّراويح، ووُلّي بعده قرابوقا شِحْنة.
وفي تاريخ المؤيَّد قال: وفيها في ربيع الآخر، أعني سنة تسع وخمسين وستمائة، وردت الأخبار أنّ سبْع جزائر في البحر خُسف بها وبأهلها، ولبس أهل عكّا السّواد وبكوا وتابوا.
وفي آخر يوم من سنة ستّين أثبتوا نَسَبَ الحاكم العبّاسيّ، وبويع بالخلافة بعد جمعة.
стр. 14204
وفي سنة ستّين تحزّبت نصارى الرّوم وحشدوا، وأخذوا مدينة القُسْطنطينية من الفرنج. وكان الفرنج قد استولوا عليها من سنة ستمائة. أرّخ ذلك الملك المؤيّد.
стр. 14205
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ال وفيات)
سنة إحدى وخمسين وستمائة
١ - أحمد بن الحسن بن عمر، أبو المجد المُراديّ، الخطيب.
من كبار علماء الأندلس. كان عارفًا بالكلام روى عن: أبي خالد يزيد بن رفاعة بالإجازة. مات في شوّال.
٢ - أحمد بن سليمان بن أحمد بن عليّ، أبو العبّاس ابن المغربل، السَّعديّ، المصريّ، الشّارعيّ.
وُلد سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وسمع من: القاسم بن إبراهيم المقدسيّ روى عنه: الدّمياطيّ، والمصريّون، وبالإجازة: أبو المعالي ابن البالِسيّ، وغيره.
تُوُفّي في خامس ربيع الأوّل (١).
٣ - أحمد بن غازي بن يوسف بن أيّوب، الملك الصّالح، صلاح الدّين ابن السلطان الملك الظّاهر ابن السّلطان الكبير صلاح الدّين الأيّوبيّ، صاحب عيْن تاب، وعمّ السّلطان الملك النّاصر صاحب الشّام.
وُلد في صفر سنة ستمائة، وكان أكبر من أخيه الملك العزيز، وإنّما أخّروه عن سلطنة حلب لأنّه ابن جارية، ولأنّ العزيز ابن الصّاحبة بنت السّلطان الملك العادل. وقد تزوَّج هذا بعد موت أخيه بامرأته فاطمة بنت السّلطان الملك الكامل محمد.
وكان مهِيبًا، وقُورًا، متجمِّلًا، وافر الحُرْمة، حدث عن: الافتخار الهاشميّ، روى عنه: الدّمياطيّ قولة، وذكر أنّه امتنع من الرّواية وقال: ما أنا
стр. 14206
أهلٌ لذلك، بل أنا أسمع عليك. ثمّ سمع منه ووصله.
تُوُفّي في شعبان ببلد عيْن تاب، وعمل ابن أخيه السّلطان له العزاء بدار السّعادة، ورَثَتْه الشّعراء. وخلّف ولدًا ذكرًا (١).
٤ - أحمد بن يوسف بن أحمد، أبو الفضل المغربيّ القَفْصِيّ، وقَفْصَة من بلاد إفريقيّة.
وُلد بها سنة ثمانين وخمسمائة، وقرأ الأدب، وعلوم الأوائل، والفلسفة وقدِم دمشقَ، وسمع من: التّاج الكنْدي واشتغل عليه، وأخذ قبل ذلك بمصر عن الموفَّق عبد اللّطيف وله نظْمٌ ونثْر ومصنَّفات.
رجع إلى بلاده ووُلّي قضاء قَفْصة، ثمّ رجع بعد ذلك إلى مصر وبها مات في المحرَّم.
هذا يُنعت بالشَّرف التِّيفاشيّ (٢).
٥ - إبراهيم بن سليمان بن حمزة بن خليفة، الكاتب، جمالُ الدّين ابن النَّجار القُرشيّ، الدّمشقيّ المجوّد.
وُلِد بدمشق سنة تسعين وخمسمائة، وسمع من: التّاج الكنْديّ، وغيره، وحدّث وكتب في الإجازات. وكتب عليه أبناء البلد، وكان الشّهاب غازي المجوّد من أصحابه. وله شِعر وأدب. وقد سافر إلى حلب وبغداد.
تُوُفّي بدمشق في ربيع الآخر.
وذكره ابن العديم ﵀ في تاريخه فقال: كتب للأمجد صاحب بعْلَبَكّ، وأقام في خدمته مدّة، ثمّ سافر إلى الدّيار المصريّة وتولّى الإشراف بالإسكندريّة، ثمّ عاد إلى دمشق اجتمعت به وأنشدني شيئًا من نظْمه. وقد قرأ الأدب على الكِنْدي، وفتيان الشّاغوريّ (٣).
٦ - إبراهيم ابن الخطيب أبي الحسن عليّ بن محمد بن عليّ بن جميل، أبو إسحاق المَعَافِريَّ المالقيّ، ثمّ المقدِسيّ.
стр. 14207
وُلد بالأرض المقدسة في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وسمع بدمشق من: عبد اللّطيف بن أبي سعد، والقاسم ابن عساكر، والعماد الكاتب، وحنبل، وستّ الكَتَبَة، وسمع بالقدس أيضاً من طائفة، وحدّث بها. وأخذ عنه غيرُ واحد (١).
٧ - إبراهيم بن عليّ بن أحمد، أبو إسحاق الأندلسيّ الشَّريْشيّ، المعروف بالْبُوْنُسيّ، من قرية بُوْنُس - بباء موحّدة - وذلك مُستفاد مع التُّونُسَيّ واليونسي (٢).
قال الأَبّار (٣): روى عن: أبي الحسن بن هشام، وأبي عمْرو بن غياث. وأخذ عنه غيرُ واحد، وتُوُفيّ في وسط السَّنة. وله ثمان وسبعون سنة، وله مصنَّف في غرائب الفصيح.
قلت: روى عنه: محمد بن إبراهيم بن يربوع السَّبْتِيّ في حدود سبعمائة.
٨ - إبراهيم بن مرتفع بن رسلان، أبو إسحاق المصريّ، الذّهبيّ، النّاسخ، المعروف بابن السّاعاتيّ.
سمع من: هبة الله ابن سناء المُلك بعض ديوانه، وكان مليح الإذهاب والنَّسْخ. وله شعر، كتبوا عنه منه (٤).
٩ - إبراهيم بن يوسف بن بركة، أبو إسحاق المَوْصليّ، الخطيب، الشّافعيّ، الكُتُبيّ، المعروف بابن ختَّة (٥).
شيخٌ معمّر، فاته السَّماع من الكبار، فإنّه وُلد سنة أربعٍ وخمسين، وقد روى بالإجازة عن: خطيب المَوْصل أبي الفضل عبد الله بن أحمد، روى عنه: الدّمياطيّ، وغيره، ومات في أوّل السّنة.
١٠ - إسماعيل بن الفضل بن أبي الفضل بن خَلَف بن عبد الله بن يعقوب، الحكيم أبو الفضل مهذَّب الدّين التّنُوخيّ الحَمَويّ، الطّبيب، من كبار الأطباء بالقاهرة.
стр. 14208
وُلد سنة ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة، ومات في صَفَر (١).
١١ - جُنْدُي بن عبد الله، ضياء الدّين الحَمَويّ.
تُوُفيّ بحماة في هذه السّنة أو في الماضية، له شعرٌ منه:
ومشرفٌ ناظرُه عامل … يعمل فينا عمَل المشْرَفيّ
أسرفَ إذْ أشرفَ في حُكمه … واكلفي بالمشرَف المسرف
١٢ - الحسن بن عليّ بن محمد بن الحسين بن صَدَقَة، الحكيم البارع، أبو محمد الواسطيّ، المعروف بابن ميجال (٢) - بياء آخر الحروف ثمّ جيم - الطّبيب المجاور بمكّة (٣).
وُلد سنة ثمانين وخمسمائة بواسط.
وسمع: أبا الفتح ابن المَنْدائيّ، وابن الأخضر، وغيرهما. روى عنه: أبو محمد الدّمياطيّ، وغيره، وتُوُفيّ في ذي القعدة بمكّة.
١٣ - حمْد بن محمد، الجَزَريّ، الأديب الشّاعر.
صالحٌ ديِّن، متعفّف. كان يعمل المكاكي ويتصدّق، وكان أهل الجزيرة أكراداً، ويقول خطيبهم: الّلهمّ وارْضَ عن معاوية الخال، ويزيدَ المِفْضال. وكان حمدُ شيعيّاً غالياً، فكان الأكراد يمقتونه ويكفّرونه. وله قصيدة يقول فيها:
نارُ غرامي فيكَ ما تنطفي … ووجْدُ قلبي بك ما يشتفي
والجسم في حُبِّك أضحى وقد … أذابه السُّقْم فلم يُعْرَف
يا رشأ تفعل ألحاظُهُ … في القلب فِعْلَ الصّارِمِ المُرْهفِ
وهي طويلة فيها أنواع من الرَّفْض.
١٤ - الشجاع داود بن ظافر، العسقلانيّ، والد شيخنا الفاضليّ.
مات في ذي الحجّة.
١٥ - ذاكر، واسمه محمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيّد، المحدّث، قُطْبُ الدّين، أبو الفضل الهَمَذَانيّ، الأبَرْقُوهيّ، ثمّ المصريّ.
стр. 14209
وُلد بأبَرْقُوه سنة سَبْع وستمائة، وسمع بها حضوراً من: أبي سهل عبد السّلام السَّرفوليّ.
وبهَمَذان من: إسماعيل بن الحسن الحماميّ، ومحمد بن أحمد بن هبة الله الروذراوريّ. وبأصبهان من: عبد اللّطيف بن محمد بن ثابت الخُوَارزْميّ. وسمع ببغداد من: الفتح بن عبد السّلام، والمبارك بن أبي الجود. وبحرّان من: فخر الدّين ابن تيمية. وبدمشق من: ابن أبي لُقْمَةَ، وجماعة. وعُني بالحديث بعد موت والده. وسمع الكثير. وكتب وخرّج لنفسه ثُمانيّات.
روى عنه: أخوه شيخنا أبو المعالي أحمد، وابن بَلَبَان، والدّمياطيّ، وغيرهم. ومات كهلاً في خامس ربيع الأوّل بمصر (١).
١٦ - الرِّضيّ الهندي، من كبار الحنفيّة.
ولي تدريس الصّادريّة (٢) بدمشق مدّة بعد العِزّ عَرَفة، ومات في جمادى الأولى، وكان موصوفاً بالعِلم والصّلاح، ودرّس بعده بالصّادريّة الفقيه أبو الهول. قاله التّاج ابن عساكر.
١٧ - سارة بنت محمد ابن المحدّث أبي الفضل إسماعيل بن عليّ الجَنْزَويّ، أمّ عبد الرَّحيم الدّمشقيّة.
روت عن جدّها، روى عنها (٣): …
وتُوُفّيت في تاسع جمادى الآخرة بقاسيون (٤).
١٨ - سعد الله بن أبي الفتح بن يعلى (٥)، أبو نصر المَنْبِجيّ.
سمع بَهَرَاةَ من: أبي روْح عبد المعز، ودخل خُوارزْم وأقام بها مدّة. وكان أديباً شاعراً، فاضلاً، صوفيّاً.
روى عنه: الشّيخ زين الدّين الفارقيّ، والحافظ عبد المؤمن الدّمياطيّ، ومحمد بن محمد الكنْجيّ، والعماد ابن البالِسيّ، وجماعة، وتوفيّ في
стр. 14210
السّادس والعشرين من ذي الحجّة (١).
١٩ - صالح بن شجاع بن محمد بن سيّدهم (٢) بن عمرو، أبو التقى الكِنانيّ، المُدلجيّ، المصري، المالكيّ، الخيّاط.
وُلد بمكّة في شوّال سنة أربعٍ وستّين وخمسمائة، وسمع بالقاهرة صحيح مسلم من أبي المفاخر المأمونيّ، وأجاز له: أبو طاهر السّلفيّ، وأبو محمد بن برّيّ النَّحويّ، وعثمان بن فَرَج العَبْدريّ، ومُنْجب بن عبد الله المُرْشديّ، وجماعة. روى عنه: الحافظان المنذريّ، والدّمياطيّ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد القزّاز، وطائفة من أهل بلده من شيوخنا، وحدّث بصحيح مسلم مرّاتٍ متعدّدة.
وكان خيّاطاً صالحاً، خيّراً، قانعاً. وكان أبوه أبو الحسن من كبار القرّاء، أخذ عن جماعة.
تُوُفيّ صالح في سادس عشر المحرَّم. وآخر أصحابه البدر يوسف الخَتَنيّ (٣).
٢٠ - صدَقة بن الحسين بن محمد بن عليّ بن وزير، أبو الحسن الواسطيّ، ثم ّ البغدادي.
روى عن: ابن كُليْب، وعنه: الدّمياطيّ، وقُطُب الدّين ابن القسطلانيّ، ومحمد بن محمد الكنْجيّ، ومات في ذي الحجّة (٤).
٢١ - عبد الرحمن بن مكّي بن عبد الرحمن بن أبي سعيد بن عتيق، جمال الدّين، أبو القاسم، ابن الحاسب الطَّرابُلُسيّ، المغربيّ، ثمّ الإسكندرانيّ، السِّبْط.
وُلد بالإسكندرية سنة سبعين وخمسمائة، وسمع من: جدّه أبي طاهر السلفي قطعةً صالحةً من مَرْوياته، وهو آخر من سمع منه، وسمع من: ابن موقا جزءاً، ومن: بدر الخُدَاداذيّ، وعبد المجيد بن دليل، وأبي القاسم
стр. 14211
البوصِيريّ، وجماعة، وأجاز له: جدّه، وشُهْدة الكاتبة، وعبد الحقّ اليُوسُفيّ، والمبارك بن عليّ ابن الطّبّاخ، وأبو الحسن عليّ بن حُمَيْد بن عمّار، راوى صحيح البخاري عن عيسى بن أبي ذرّ الهَرَويّ، وخطيب المَوْصِل أبو الفضل الطُّوسيّ، والقاضي العلاّمة أبو سعد بن أبي عَصْرُون، والحافظ أبو القاسم خَلَف بن بشْكُوال الأندلُسيّ، ومنوجهر بن تُرْكانْشاه، وعبد الله بن برّيّ، وعليّ بن هبة الله الكامليّ، وطائفة سواهم.
وتفرّد في زمانه، ورحل إليه الطَّلَبة، وروى الكثير. ورحل هو في آخر عُمره إلى القاهرة فبثّ بها حديثه، وبها مات.
روى عنه: أئمةٌ وحفّاظ منهم: زكيّ الدّين المُنْذريّ، وشَرَفُ الدّين الدّمياطيّ، وقاضي القُضاة تقيّ الدّين القُشَيْريّ، وتقيّ الدّين عُبيد الإسْعِرْديّ، وضياء الدّين عيسى السّبْتِيّ، وشَرَفُ الدّين حسن بن علي اللَّخْميّ، وضياء الدّين جعفر بن عبد الرحيم الحُسَيْنيّ، وجلال الدّين عبد الله بن هشام، ومَنْكُبَرْس العزيزيّ نائب غزّة، والكمال أبو محمد عبد الرحيم بن عبد المحسن الحنبلي، ومثقال الأشرفي، والركن عمر بن محمد العُتْبيّ، وأبو بكر بن عبد الباري الصّعيديّ، والأديب عبد المحسن بن هبة الله الفُوّيّ، وعبد المعطي ابن الباشق، وناصر الدّين محمد بن عطاء الله ابن الخطيب، وفخر الدّين عليّ بن عبد الرحمن النّابلسيّ، وأخوه شهاب الدّين أحمد العابر، والعماد محمد بن يعقوب ابن الجرائديّ، والشّهاب أحمد بن أبي بكر القرافيّ، والنُّور عليّ بن محمد بن شخيان، والتّاج محمد بن محمد بن سليم الوزير، والفخر أحمد بن إسماعيل ابن الجباب، والعماد محمد بن عليّ ابن القسطلانيّ، وولده محمد، وناصر الدّين محمد بن أحمد ابن الدّماغ، وناصر الدّين محمد بن عمر بن ظافر البصْريّ، ونور الدّين عليّ بن عبد العظيم الرّسّيّ الشّريف، ونور الدّين عليّ بن عمر الواني، وخرَّج له المحدّث أبو المظفَّر منصور بن سُليْم مشيخة في أربعة أجزاء.
وكان شيخاً ناقص الفضيلة، لا بأس فيه، تُوُفّي في ليلة رابع شوّال بدار الشّيخ أبي العبّاس ابن القسطلانيّ بالفُسْطاط. وكان نازلاً عندهم.
стр. 14212
وقد سمعنا أيضاً بإجازته من جماعة منهم: خطيب حماة مُعين الدّين أبو بكر ابن المُغَيْزِل، والنَّجم محمود ابن النُّمَيْريّ، وستّ القُضاة بنت محمد النُّمَيْريّة، والعماد محمد ابن البالِسيّ، وغيرهم، وانفردت بنت الكمال بإجازته لمّا مات ابن الرضِيّ، وابن عنتر سنة ثمانٍ وثلاثين (١).
٢٢ - عبد القادر بن الحسين بن محمد بن جميل، أبو محمد البغداديّ، البَنْدنِيْجيّ البوّاب.
سمع من: أبي الحسين عبد الحقّ اليُوسُفيّ، وعُبيْد الله بن شاتيل، والقزّاز، وأحسبه آخر من روى عن: عبد الحقّ، روى عنه: الدّمياطيّ، والكَنْجيّ، والبغداديُّون، ومات في سابع ذي القعدة (٢).
٢٣ - عبد القادر بن أبي نصر عبد الجبّار بن عبد القادر، أبو منصور ابن القزوينيّ البغداديّ، الحربيّ.
وُلد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع من: أبي الفتح بن شاتيل، وعبد المغيث بن زُهير، ويعقوب الحربيّ المقرِئ روى عنه: الدّمياطيّ، ومحمد بن محمد الكنْجيّ.
وكان مؤدباً يُعرف بابن المَدِينيّ، تُوُفّي في خامس جُمادى الأولى (٣).
٢٤ - عبد الكريم بن مظفَّر بن سعد بن عمر ابن الصّفّار، شمس الدّين أبو الحسين التّاجر، الأصمّ.
كان من ذوي الثّروة، حدّث بمصر والشّام وبغداد عن ابن كُلَيْب، بجزء ابن عَرَفَة، روى عنه: الدّمياطيّ، والبدر محمد ابن السُّويْديّ المستوفي، وعبد الحافظ الشُّرُوطيّ، وغيرهم، وبالإجازة: قاضي القضاة ابن الخُوييّ، والعماد ابن البالِسيّ.
وكان حيّاً في هذه السّنة، ولم تُضبط وفاتُه فيما أعلم.
٢٥ - عبد الكريم بن منصور بن أبي بكر، أبو محمد المَوْصليّ المحدّث، الرجل الصّالح، المعروف بالأثريّ الشافعيّ.
стр. 14213
سمع الكثير، وحدث عن: مسمار بن العُوَيْس، وجماعة. ومات كهلاً في أواخر السّنة، حدّث عنه: الدّمياطيّ، والشيخ محمد الكَنْجيّ، وله شعْرٌ جيّد.
سمع منه: الدّمياطيّ بزاويته بقرية الحديثة من ضواحي بغداد، ونُسِبَ إلى الأثر لاعتنائه به، وقد سمع بالمَوْصل من عبد المحسن ابن الخطيب، وبدمشق من الشّيخ الموفَّق. وبحلب وبغداد فأكثر.
تُوُفّي في رمضان.
٢٦ - عبد الواحد بن عبد الكريم بن خَلَف، العلاّمة كمال الدّين، أبو المكارم ابن خطيب زمْلَكا الأنصاري، السّماكيّ، الزَّمْلَكانيّ، الفقيه الشّافعيّ.
كان من كبار الفُضَلاء، له معرفة تامّة بالمعاني والبيان والأدب، ومشاركة جيدة في كثير من العلوم.
ذكره الإمام أبو شامة فقال (١): كان عالماً خيّراً متميّزاً في علوم متعدّدة، ولي القضاء بصرخَد، ودرّس ببَعْلَبَكّ، ثمّ تُوُفّي بدمشق في المحرَّم.
قلت: وهو جدُّ شيخنا العلاّمة كمال الدّين محمد بن علي الشَافعيّ، وله شِعر فائق.
كتب عنه: رشيد الدّين محمد ابن الحافظ عبد العظيم، وناصر الدّين محمد ابن عَربْشاه، وناصر الدّين محمد ابن المِهْتَار.
٢٧ - عثمان بن محمَّد بن عبد الحميد، التّنّوخيّ، البَعْلَبَكيّ، العَدَويّ، الزّاهد الكبير، شيخ ديْر ناعِس.
كان كبير القدر، صاحب أحوال وكرامات وعبادة ومجاهدات، ذكره خطيب زَمْلكا عبد الله ابن العزّ عُمر فقال: أخبرني إسماعيل بن رضوان قال: كان الشّيخ عثمان يخرج مع إخوته إلى الحصاد فيأخذ معه إبريقاً ليتوضّأ منه، فقال إخوته مرّةً: كم تُبْطِلَنا بصلاتك. وقام أحدهم بردّ الإبريق. فلمّا جاء وقت الصّلاة قام إلى الإبريق وأخذه وتوضّأ. فلمّا رأوه يتوضّأ قالوا له: لا تَعُدْ تحصد، قال: وحدّثني أبو العبّاس أحمد بن عبد الله بن عزيز اليُونينيّ قال: شاهدت الشّيخ عثمان وقد ورد عليه فُقراء، فأخرج إليهم في مِئْزَرٍ خبزاً فأكلوا، فرأيت الّذي فضل أكثر من الّذي جاء به.
стр. 14214
وقال عبد الدّائم بن أحمد بن عبد الدّائم: وأخبرني العماد محمد بن عوضة، قال: عرض للشّيخ الفقيه مَغَصٌ فقال لي: امضِ إلى الشّيخ عثمان وقُلْ له: قال لك الفقيه: لئن لم يسكُنْ وَجَعُ جَوْفه ليضربنّك مائة عَصَاةٍ. فقلت: يا سيدي، وكيف تضربُه؟ فقال: الشّيخ عثمان أكرم على الله من أنْ أضربه. قال: وأخبرني ولده القُدوة الشّيخ محمد، عن أبيه قال: صلّينا بعض الأيّام الضُّحى، وإذا بالمسجد قد امتلأ جنّاً بحيث إنّي ما كنت أستطيع القيام، قال: فصحْتُ صيحة ظهر النّور من تحت المسجد واستوحيت بالمشايخ، قال: فجاؤوا واستحييت من الخليل ﵇ كون أنّه جاء في نُصرتنا وما ودَّعته.
وأخبرني الشّيخ محمد قال: كنت بعض اللّيالي جالس وإذا رجل قد أقبل وبيده حرْبةٌ تلمع، ويخرج منها نارٌ يظهر لَهَبُها شرقاً وغرباً، فخرج إليه والدي وأخذ بيده فمَشَيا، فلمّا كان بعد الثّلاثين ليلة رأيت ثلاثة رجالٍ على خيل، فقام والدي إليهم فأخذ بمعْرفَة فرس أحدهم، ووقف مكبوب الرّأس. فلمّا كان من الغد رأيت عند والدي رجل يحدّثه ولا أرى شخصه، وهو يقول: جاء إلينا الشّيخ عبد الله اليُونينيّ ومعه حرْبةٌ، والشّيخ عبد القادر، والشّيخ عَدِيّ وسمّى الآخر، وهمُ رُكّاب خيل، وأخبرونا أن المسلمين منتصرون على العدوّ. فلمّا كان تلك اللّيلة رأيت والدي وهو يسير على السَّطح وهو يهدر كهدْر الأسد. فلمّا كان آخر اللّيل صفّق صَفْقَتَيْن. فورّخ بعضُ الجماعة تلك اللّيلة وإذا هي ليلة كسروا الفرنج على المنصورة. أو ما هذا معناه.
قال: وأخبرني القُدوة إبراهيم ابن الشّيخ عثمان قال: رأيت عند أبي رجالاً من لُبنان، فسمعتهم يتحدّثون، فذكروا شخصاً، فقال أحدهم: ما أعطي الفرقان، فسُئل عن الفُرقان قال: يفرّق بين الحلال والحرام.
قال: وأخبرني أبي قال: كنت بين الفُرْزُل ونيحا (١) وإذا بطيور في الهواء وهم يقولون: هذا قبر النبي آلية (٢).
стр. 14215
قال: وأخبرني شيخنا أبو العبّاس أحمد ابن العماد إبراهيم المقدسيّ قال: أمرني رسول الله ﷺ في النَّوم بوداع الشّيخ عثمان، فلمّا جئت لأودّعه قام إليّ وقال: جئت تودّعني مثلما ودّعت الشّيخ إبراهيم؟ قلت: نعم.
قال: وأخبرني إبراهيم أنّ أباه لبِس من الشيخ عبد الله اليُونينيّ، وأنّه اجتمع بالشّيخ أبي الحسن الشّعرانيّ الّذي بجبل لبنان.
قلت: وللشّيخ عثمان ذِكر في ترجمة الشّيخ الفقيه. وكان عديم النّظير في زمانه - رحمة الله عليه - وفيه خيرٌ وعِبادة، وله أوراد، وتُوُفّي في سادس شعبان من العام.
٢٨ - عليّ بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن يوسف بن أحمد، القاضي أبو الحسن بن قَطْرالّ الأنصاري، الأندلسيّ، القُرْطُبيّ.
ذكره الأبّار (١) فقال: سمع أبا عبد الله بن حفص، وأبا القاسم ابن الشراط، وأبا العباس بن مضاء - وناظر على ابن مضاء في أصول الفقه - وأبا القاسم بن رشد وغيرهم، وأخذ قراءة نافع وعِلْم العربيّة عن أبي جعفر بن يحيى الخطيب، وسمع بغَرْناطة: أبا خالد بن رفاعة، وأبا الحسن بن كوثر، وسمع بالمنكّب: عبد الحقّ بن بُونه، وبمالقَة: أبا عبد الله ابن الفخار، وبسَبْتَة: أبا محمد بن عبيد الله. وأجاز له: أبو عبد الله بن زرقون، وأبو بكر ابن الجدّ، وجماعة. وولي قضاء أُبَّدَة فأسره العدوّ بها إذ تغلّبوا عليها سنة تسع وستمائة، ثمّ تخلص. ووُلّي قضاء شاطبة مدّة، ثمّ وُلّي قضاء شريش، ثمّ قضاء قُرْطُبِة. ثمّ أعيد إلى قضاء شاطبة وخطابتها. ثمّ نزح عنها في آخر سنة ستٍّ وثلاثين وستمائة لتغلُّب العدوّ في صدر هذا العام على بَلَنْسِيَة، ووُلّي قضاء سَبْتَةَ ثمّ قضاء فاس. وكان من رجال الكمال، عِلماً وعملاً، يشارك في عدّة فنون، ويتميَّز بالبلاغة، أُخذتْ عنه بشاطبة جُملة من روايته، وُلد سنة ثلاث وستّين وخمسمائة، وتُوُفّي بمرّاكُش في ربيع الأوّل بعد ولايته قضاء أَغْمات (٢).