ببغداد، ودمشق، والموصل، ومصر، وحلب. وصَحبتُه تسع سنين، وقد ولّي قضاء القُضاة ببغداد خمسة عشر يوما.
قال أبو شامة (١): ويوم ثامن عشر ذي الحجّة عُمل بدمشق عزاء الشيخ نجم الدّين الباذرائي بمدرسته، رأيته بدمشق.
قلت: وكان فقيهاً، عالماً، ديّناً، مُتواضعاً، دمِثَ الأخلاق، منبسِطاً، وقد اشتهر أنّ الزَّين خالد بن يوسف الحافظ قال للباذرّائي: تذكر ونحن بالنّظاميّة والفُقهاء يلقّبونني حولتا ويلقِّبونك الدَّعشوش. فتبسّم وحملها. وكان يركب بالطّرحة، ويُسلّم على من يمرّ به. وعافاه الله من فتنة التّتار الكائنة على بغداد، وتوفّاه في أوّل ذي القعدة.
وروى عنه أيضاً: رُكْن الدّين أحمد القزويني، وتاجُ الدّين صالح الجعْبري، وبدر الدّين محمد ابن التّوزي الحلبي، ومحمد بن محمد الكنْجي، وجماعة. وقد ولّي القضاء على كُرْهٍ ما وعاجلته المنيّة (٢).
٢٠٠ - عبد الحقّ بن أبي منصور بن محمد بن الحسن، أبو التُّقى المنْبجي التّاجر.
حدث عن: المؤيّد الطّوسي، وزينب الشّعْريّة، وإسماعيل بن عثمان القارئ، روى عنه: الدّمياطي، والبدر ابن التّوزي، والكمال إسحاق الأسّدي.
وُلد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة (٣)، وتوفّي في ثامن ذي القعدة بمدينة منْبج (٤).
٢٠١ - عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد، عزُّ الدّين، أبو حامد المدائني، المُعتزلي، الفقيه الشّاعر، الأديب، أخو الموفَّق.
ولد سنة ستّ وثمانين وخمسمائة، روى بالإجازة عن: عبد الله بن أبي
стр. 14282
المجد الحربي، وهو معدود في أعيان الشّعراء كأخيه. وله ديوان مشهور، وهو من شيوخ الدّمياطي، وغيره (١).
بل الصّواب موت الأخويْن في سنة ستٍّ وخمسين (٢).
٢٠٢ - عبد الرحمن بن عثمان بن حبيب، أبو محمد الزّرْزاري، قاضي عزاز.
توفّي بعزاز في رجب، وحدث عن: الافتخار الهاشمي (٣).
٢٠٣ - عبد الرحمن بن محمود، أبو محمد العُكْبري، الحنبلي.
حدث عن: أبي القاسم ابن الحرَسْتاني، ومات في شعبان. ودُفن بجبل قاسيون (٤).
٢٠٤ - عبد الرحمن بن أبي الفهم عبد المنعم بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن عبد الله بن أحمد بن محمد، المحدّث المعمّر، تقي الدّين، أبو محمد اليلْداني، الدمشقي، الشّافعي.
ولد بيلْدا (٥) في أوّل سنة ثمانٍ وستّين وخمسمائة، وطلب الحديث على كِبَر، ورحل فسمع من: ابن كليْب، وابن بوْش، والمبارك ابن المعطوش، وهبة الله ابن الحسن السبط، وغياث بن الحسن ابن البنّاء، وأعزّ بن علي الظّهيري، ودُلف بن قُوْفا (٦)، والحسن بن أُشنانَة، وعبد اللّطيف بن أبي سعد، وبقاء بن جنَّد (٧)، وأبي علي ابن الخُريف، وعبد الله بن جوالق، وعبد الرحمن بن أحمد العمري، وخلقٌ كثير، وسمع بالموْصل: أبا منصور مُسلّم بن علي السَّيْحي (٨).
стр. 14283
وبدمشق: أبا الحجّاج يوسف بن معالي الكِناني، والخُشُوعي، والبهاء ابن عساكر، ونصر الله بن يوسف الحارثي، وعبد الخالق بن فيروز، وحنْبلا المكبّر، وجماعة. وكتب الكثير بخطّه. وكان ثقةً، صالحاً، مفيداً.
روى عنه: سبْطُه عبد الرحمن، وأبو عبد الله محمد ابن الزّرّاد، والبدر ابن التُّوزِي، والجمال علي ابن الشّاطبي، والشَّرف محمد ابن رُقيّة، وأبو عبد الله محمد بن زباطر، ومحمد بن أحمد القصّاص، وأبو المعالي ابن البالِسي، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمود العقْرباني، ويحيى بن مكّي العقرباني، والفقيه عبد الله بن محمد المراكُشي، وزينب بنت عبد الله ابن الرّضِي، وخلْق سواهم.
وتوفّي بيْلدْا، وكان خطيباً بها، في ثامن ربيع الأوّل، وانقطع بموته شيءُ كثير.
قال أبو شامة (١): دُفن بقريته، وكان شيخاً صالحاً، مشتغلاً بالحديث سماعاً وإسماعاً ونسخاً إلى أن توفّي. أخبرني أنّه كان مراهقاً حين طهّر نور الدّين محمود بن زنكي ولده. وأنّه حضر الطُّهور، ولعب الأمراء بالميدان، وأنّه أتى من القرية مع الصّبيان للفُرْجة.
قلت: هذا بخلاف ما تقدّم، والّذي تقدّم هو الّذي ذكره الشّريف في الوفيات (٢)، والدّمياطي، وغيرهما. وكتب هو بخطّه في إجازةٍ كتب فيها سنة إحدى وأربعين: ومولدي في مُستهلّ المحرّم سنة ثمانٍ وستّين.
قلت: هذا أصحّ والوهْم من اليَلْداني، فإنّ الإمام شهابَ الدّين ثقة مُتقن.
ثمّ قال شهاب الدّين (٣): وأخبرني أنّه رأى النّبي ﷺ في النّوم فقال له: يا رسول الله، ما أنا رجلٌ جيّد؟ فقال: بلى، أنت رجلٌ جيّد.
٢٠٥ - عبد الرحيم بن أبي جعفر أحمد بن علي بن طلحة، المحدّث الحافظ، أبو القاسم الأنصاري، الخزْرجي، الشّاطبي، ثُم السّبْتي، المعروف بابن عُليم، لقبه أمين الدّين.
стр. 14284
وُلد سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع بقُرْطبة: أبا محمد بن حوط الله؛ وبمراكش: أبا القاسم أحمد بن يزيد بن بقي. وحجّ سنة ثلاث عشرة وستمائة، فسمع بمصر، ودمشق، وبغداد؛ فسمع: محمد بن عماد، والفخر الفارسي، وعبد القوي ابن الجبّاب، وعلي بن أبي الكَرَم ابن البنّاء المكّي، والشّهاب السُّهْرَوْرّدي، وابن روزبة، والقَطِيعي، وأبا صادق بن صباح، وابن الزَّبيدي، وعزّ الدّين أبا الحسن بن الأثير، وطائفة. ورجع إلى المغرب.
قال الأبّار (١): قدم تونُس سنة اثنتين وأربعين فسمعتُ عليه جُملةً.
وقال عزّ الدّين الحُسَيْني (٢): رجع إلى المغرب وقد حصّل جملةً كثيرةُ من الحديث مصنَّفات وأجزاء، واستوطن تُونُس، وروى بها الكثير حتّى كان يُعرف فيها بالمحدّث. وكان صدوقاً، صحيح السّماع، مُحبّاً في هذا الشّأن. قال: وامتنع في آخر أيّامه من التّحديث، وقال: قد اختلطت، وكان كذلك. توفّي في الحادي والعشرين من ربيع الأوّل.
سمع الوادياشي من جماعةٍ من أصحابه بتُونُس.
٢٠٦ - عبد الصّمد بن خليل بن مقلّد بن جابر، أبو محمد الأنصاري الدّمشقي، الصّائغ، المعروف بسبْط ابن جُهيْم.
ولد بعد السّتّين وخمسمائة بدمشق. وحدث عن: الأمير مؤيّد الدّولة أسامة بن مُنْقِذ بشيء من شِعره، وهو من آخر من روى في الدّنيا عنه.
توفّي في السّادس والعشرين من ربيع الأوّل؛ ورّخه الشّريف (٣).
٢٠٧ - عبد العزيز بن مروان بن أحمد بن المفضَّل بن عقيل بن حيْدرة البجَلي، الدّمشقي.
روى عن: حنبل. وهو من شيوخ الدّمياطي.
مات في ذي الحجّة (٤).
стр. 14285
٢٠٨ - عبد الكريم بن نصر الله بن محمد بن المسلّم بن المعلّى بن علي بن أبي سُراقة، أبو القاسم الهمْداني، الدّمشقي.
وُلد في صفر سنة سبْعٍ وستّين وخمسمائة. وسمع من: المبارك بن فارس الماوَرْدي، والأمير أبي المظفّر أُسامة بن منقذ، وغيرهما.
وهو أخو أبي بكر المفضل الّذي روى عن: حنبل، ولم أعرفهما بعد. وأمّا أبوهما فمن شيوخ ابن خليل، يروي عن نصر الله المصّيصي.
توفّي أبو القاسم في سابع شعبان (١).
٢٠٩ - عبد المُعطي بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن محارب، أبو محمد القَيْسي، الأندلُسي، ثمّ الإسكندراني.
سمّعه عمّه أبو عبد الله محمد بن محمد من أبي القاسم البُوصِيري. ورحّل معه إلى دمشق وبغداد فسمع وحدّث. وتوفّي بالصَّعيد في هذه السّنة (٢).
٢١٠ - عبد الوهّاب بن عبد الخالق بن عبد الله بن علي بن صدقَة، الفقيه الإمام، زين الدّين، أبو محمد الأزْدي الإسكندراني، المالكي، المعروف بابن السّبّاك.
وُلد سنة تسعٍ وثمانين. وسمع من: عبد المجيب بن زُهير، وابن المفضَّل الحافظ. وحدّث، وكان مدرّساً بالثّغْر.
مات في ربيع الآخر (٣).
٢١١ - علي بن محمد بن علي بن شُريح، أبو الحسن الإسكندراني.
روى عن: عبد الرحمن بن موقى. وعنه: الدّمياطي. ومات في ثالث صفر (٤).
٢١٢ - علي بن محمد بن الرّضا بن محمد بن حمزة بن أميركا، الشّريف أبو الحسن الحُسيْني المُوسوي، الطُّوسي، الأديب، الشّاعر، المعروف بابن دفترخُوان.
стр. 14286
ولد بحماة، وبها توفّي في ربيع الآخر وله ستٌّ وستّون سنة.
كان فاضلاً، شاعراً، محسِناً، له مصنَّفات أدبيّة. وقد امتدح المستنصر بالله وغيره (١).
٢١٣ - عمر بن سعيد بن عبد الواحد بن عبد الصّمد بن بخمش (٢)، أبو القاسم الحلبي.
روى حضوراً عن: يحيى الثّقفي. وسمع من: ابن طبرْزد، وجماعة. روى عنه: الفخر علي ابن البخاري، وأبو محمد الدّمياطي، والتّاج الجعْبري، والبدر ابن التُّوزي، وجماعة. وتوفّي في سادس ربيع الأوّل بحلب (٣).
٢١٤ - غازية بنت السّلطان الملك الكامل محمد ابن العادل أبي بكر ابن أيّوب، زوجة المظفّر صاحب حماة، وأمّ الملك المنصور صاحب حماة والملك الأفضل أمير علي.
لمّا مات زوجها كانت هي مدبّرة دولة حماة؛ وكانت ديّنةً صالحةً، محتشمةً. ولَدَتْ المنصور سنة اثنتين وثلاثين، والأفضل سنة خمسٍ وثلاثين. وتوفّيت في تاسع عشر ذي القعدة. ويقال لها: الصّاحبة.
ولمكان أبيها وأخيها السّلطان الملك الصّالح أيّوب بقي مُلك حماة في ولدها.
وربَّتْ عندها أختَها، ثمّ زوّجتها بالسّعيد عبد الملك ابن الصّالح إسماعيل، فقدمتْ من حماة، وبنى بها في آخر سنة اثنتين وخمسين فولدت له الملك الكامل. ثمّ ماتت وللولد سنتان، فتوفّيت بعد أختها صاحبة حماة بليالٍ من شهر ذي القعدة بدمشق، فدفنوها بتربة والدها الملك الكامل، وشهد دفنها السّلطان الملك النّاصر يوسف.
والعجب أن في الشّهر ماتت الأخت الثّالثة، وهي بنت الملك الكامل ابن العادل زوجة الملك العزيز صاحب حلب. توفّيت بالرَّسْتَن، وكانت قد توجّهت من دمشق إلى حماة. مات الثّلاث في أسبوع (٤).
стр. 14287
٢١٥ - محمد بن إبراهيم بن جَوبر، المحدّث أبو عبد الله الأنصاري، المقرئ، البَلَنْسي.
سمع كتاب التَّيْسير من أبي بكر بن أبي حمزة. وسمع الموطأ والشّفا لعِياض، وأشياء. يروي عنه: أبو إسحاق الغافقي، وأبو جعفر بن الزُّبير، وطائفة.
وجوْبَر: بجيم مشُوبة بشين.
وقد قرأ بالرّوايات على أبي جعفر ابن الحصّار، وغيره.
ثمّ وقفتُ على ترجمته لتلميذه ابن الزُّبير، فقال: محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن جوْبَر العدل، أبو عبد الله الأنصاري، البزّاز. روى عن: أبي حمزة، وأبي عمر بن عات، وأبي الخطّاب بن واجب، ومحمد بن خلف بن يسع، وله سماعٌ كثيرٌ على ابن واجب، وله اعتناء بالرّواية، ورحلة في الأندلس وغرب العُدْوة. وألّف برنامجاً. وكان بزّازاً، كثير السُّكوت، دائم الوقار، عدْلاً، ضابطاً. قرأ القرآن على أبي بكر الطَّرْطُوشي، عن ابن هُذيْل. وقد أخذ عنه: أبو عبد الله الطَّنْجالي، وأبو إسحاق البلفيقيووفاته في ذي القعدة (١).
٢١٦ - محمد بن الحسين بن عبد الله، العلاّمة الكبير، تاجُ الدّين أبو الفضائل الأُرْموي، المتكلّم الأُصولي، صاحب المحصول، وتلميذ الإمام فخر الدّين الرّازي.
روى عنه: شيخنا الدّمياطي شِعْراً سمعه من الفخْر، وقال: مات قبل وقعة بغداد.
قلت: عاش قريباً من ثمانين سنة. وكان من فُرسان المناظرين.
٢١٧ - محمد بن سيف اليُونيني، الزّاهد.
كان صالحاً ورِعاً، كريماً، كبير القدْر، من أصحاب الشّيخ عبد الله. وله زاوية بيُونين.
стр. 14288
توفّي في هذه السّنة، وخَلَفَه في الزّاوية ابنُ أخيه الشّيخ الصّالح سليمان بن علي بن سيف، ﵁ (١).
٢١٨ - محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل، الإمام الأوحد، شَرَفُ الدّين، أبو عبد الله السَّلمي، الأندلسي المُرْسي، المحدّث، المفسّر، النَّحوي.
وُلد بمُرْسِية في ذي الحجّة سنة تسعٍ وستّين، وقيل: سنة سبعين وخمسمائة. وعُني بالعلم، وسمع الموطأ بالمغرب بعُلُوٍّ من الحافظ أبي محمد عبد الله بن محمد بن عُبيد الله الحجري. وسمع من: عبد المنعم بن الفَرَس. وحجّ، ودخل إلى العراق، وخُراسان، والشّام، ومصر. وكان كثير الأسفار قديماً وحديثاً. سمع من: منصور الفُراوي، والمؤيّد الطُّوسي، وزينب الشِّعْريّة، وأبي روْح الهَرَوي. وببغداد من أصحاب قاضي المَرِسْتان، وخلق.
روى عنه: الحافظ أبو عبد الله ابن النّجّار، مع تقدُّمه، والدّمياطي، ومحبّ الدّين الطَّبري، والقاضيان تقي الدّين الحنبلي، وجمالُ الدّين محمد بن سومر (٢) المالكي، والخطيب شرفُ الدّين الفَزَاري، وعماد الدّين ابن البالِسي، ومحمد بن يوسف الذَّهبي، ومحمد بن يوسف بن المهتار، وبهاء الدّين إبراهيم ابن المقُدسي، والشّرف عبد الله ابن الشّيخ، والشّمسُ محمد ابن التّاج، وسعدُ الدّين يحيى بن سعد، ومحمود ابن المَرَاتبي، ومحمد بن نِعمَة، وعلي القُصيْري، ومحمود الأعسر، وخلق كثير من أهل مكّة، ودمشق، ومصر.
ذكره ابن النّجّار فقال (٣): حجّ وقدِم طالباً سنة خمسٍ وستمائة، فسمع الكثير، وقرأ الفقه والأُصول. ثمّ سافر إلى خُراسان. وسمع بنيْسابور، ومَرْو، وهَرَاة، وعاد مجتازاً إلى الشّام، ثمّ حجّ وقدِم بغدادَ في سنة أربع وثلاثين، ونزل بالمدرسة النّظاميّة، وحدّث بالسُّنن الكبير للبيْهقي، وبغريب الحديث للخطّابي، عن منصور الفُرَاوي، وعلّقت عنه من شِعْره. وهو من الأئمّة الفُضلاء في جميع فنون العِلم. له فهْمٌ ثاقِب وتدقيق في المعاني. وله مصنَّفات عديدة، وله النَّظْمُ والنَّثْرَ المليح. وهو زاهد متورّع، كثير العبادة، فقير، مجرِّدٌ،
стр. 14289
متعفِّف، نزِهُ النّفس، قليل المخالطة، حافظٌ لأوقاته، طيّب الأخلاق، كريم، متودّد. ما رأيت في فنّه مثلَه. أنشدنا لنفسه:
من كان يرغب في النّجاة فما له … غير اتّباع المصطفَى فيما أتى
ذاك السّبيل المستقيم وغيره … سُبُل الضّلالة والغواية والرّدى
فاتّبع كتابَ الله والسُّنن التّي … صحَّت فذاك إذا اتّبعت هو الهُدى
ودَعِ السّؤال بِلم وكيف فإنّه … باب يجُرّ ذوي البصيرةِ للعمى
الدّين ما قال الرَسول وصَحْبُهُ … والتّابعون ومن مناهجهم قفا
وقال عمر ابن الحاجب: سألت الحافظَ ابن عبد الواحد عن المُرَسي فقال: فقيهٌ، مناظِر نحْوي، من أهل السنّة، صحِبنا في الرّحلة، وما رأينا منه إلاّ خيراً.
وقال أبو شامة (١): كان متفنناً، محقّق البحْث، كثير الحجّ، مقتصداً في أموره، كثيرالكتب، مُعْتنياً بالتّفتيش عنها محصّلاً لها. وكان قد أعطِي قبولاً في البلاد.
وقال الشّريف (٢): توفّي في ربيع الأوّل في منتصفه بعريش مصر فيما بينه وبين الزَّعقَة وهو متوجّهٌ إلى دمشق، ودُفن ليومه بتلّ الزَّعْقة. وكان من أعيان العلماء وأئمّة الفُضلاء، ذا معارف متعدّدة، بارعاً في عِلم العربيّة وتفسير القرآن، وله مصنَّفات مفيدة، ونظْمٌ حسن. وهو مع ذلك متزهِّد، تارك للرّياسة، حَسَن الطريقة، قليل المخالطة للنّاس.
تأخّر من أصحابه أيّوب الكحّال ويوسف الخَتَني. وخلف كُتُباً عظيمة.
قرأت بخطّ العلاء الكِنْدي: إنّ كُتُب المُرْسي كانت مودَعَةً بدمشق، فرسم السّلطان ببيْعها، فكانوا في كلّ ثلاثاء يحملون منها جملةً إلى دار السّعادة لأجل الباذرائي، ويحضر العُلماء، فاشترى الباذرائي منها جملةً كثيرة، وبيعت في نحوٍ من سنة. وكان فيها نفائس، وأحرزت كُتُبُه ثمناً عظيماً، وصنَّف تفسيراً كبيراً لم يُتمّه.
стр. 14290
٢١٩ - محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم، أبو عبد الله التُّجِيْبي البَلَنْسِي، المحدّث.
وُلِد سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة. وسمع الكثير، وعُني بهذا الشّأن. وجمع لنفسه فهرسة ذكر فيها جماعةً من شيوخه منهم: أبو بكر بن أبي جمرة، وابن نوح الغافِقي، وابن زُلال، والحصّار، وأبو بكر عتيق قاضي بَلَنْسِيَة. ولزِم أبا الخطّاب بن واجب فأكثَرَ عنه. وهو ثقة مَرْضِي.
تُوُفّي في ذي القعدة بسَبْتَة (١).
٢٢٠ - محمد بن عبد السّلام بن أبي المعالي بن أبي الخير بن ذاكر بن أحمد بن الحسن بن شَهْرَيار، أبو عبد الله الكازرُوني، ثم المكّي المؤذن.
سمع من: يحيى بن ياقوت البغدادي، وزاهر بن رستم. وحدّث بحلب. روى عنه: الدّمياطي، وأبو نصر محمد بن محمد الشّيرازي. ومات بمكّة في الثّامن والعشرين من ذي الحجّة عن بضعٍ وثمانين سنة (٢).
٢٢١ - محمد بن عبد الواحد بن إسماعيل بن سلامة بن علي بن صَدَقَة الحرّاني، ثمّ الدّمشقي، التّاجر.
تُوُفّي في ربيع الأوّل. وقد روى بالإجازة عن: أبي الفَرَج ابن الجَوْزي (٣).
٢٢٢ - محمد بن عمر بن محمد بن عبد الله، عماد الدّين أبو جعفر ابن الشيخ شهاب الدين، السُّهْروَرْدي، ثمّ البغدادي، الصُّوفي.
وُلِد سنة سبْعٍ وثمانين وخمسمائة. وسمع من: أبي الفَرَج ابن الجَوْزي، وعبد الوهاب ابن سُكَيْنَة. وسمع بدمشق من: بهاء الدّين القاسم ابن الحافظ. روى عنه: الدّمياطي، وحفيده أبو القاسم عبد المحمود بن عبد الرحمن بن محمد ابن السُّهْروَرْدي، وغيرهما.
стр. 14291
تُوُفّي في عاشر جمادى الآخرة. وحدثنا عنه إسحاق ابن النّحّاس. وكان كبير القدر (١).
٢٢٣ - محمد بن عمر بن محمد بن جعفر، أبو عبد الله الهمذاني، المقرئ، الحنبلي.
حدث عن: أبي الفُتُوح البكْري. وكان رجلاً صالحاً، زاهداً، عالماً. كتب عنه: الدّمياطي، وغيره. وحكى عنه الحافظ أبو عبد الله. ومات في خامس جمادى الآخرة (٢).
٢٢٤ - محمد بن عِياض بن محمد بن عِياض بن موسى بن عياض، القاضي أبو عبد الله اليَحْصبي، السَّبْتي.
روى عن: أيّوب بن عبد الله الفِهْري، وجماعة. وأجاز له: أبو جعفر الصَّيْدلاني، وخَلَق. وكان كبير القَدْر، من قُضاة العدل. وُلِد سنة ثمانين وخمسمائة، وهو نافلة صاحب التّصانيف.
٢٢٥ - محمد ابن الإمام أبي القاسم القاسم بن فِيْرُّه بن خَلَف، أبو عبد الله الرُّعَيْني، الشّاطبي، ثمّ المصري، المعدّل.
وُلِد بمصر في سنة ستٍّ أوْ سبْعٍ وسبعين وخمسمائة. وسمع من: أبيه حرز الأماني في القراءات، ومن: البُوصِيري، والأرْتاحي، وفاطمة بنت سعد الخير، وغيرهم. روى عنه: الفخر التّوزري، ويوسف الخَتَني، والعماد محمد ابن الجرائدي (٣) بقوله. وبالإجازة أبو المعالي ابن البالِسي. وتُوُفي في شوّال (٤).
٢٢٦ - محمد بن محمد بن إبراهيم بن الخضِر، مهذَّب الدّين، أبو نصر ابن البرهان المنجّم الحلبي، الحاسب، الشّاعر، الآملي الأصل.
стр. 14292
وُلِد بحلب سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة. وتُوُفي بصَرْخَد في آخر السنة. له ديوان شِعْر، ومقدمة في الحساب (١).
٢٢٧ - محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان، أبو بكر الزُّهْري، البَلَنْسي، ويُعرف بابن محرز.
سمع من: أبيه؛ ومن: خالَيْه أبي بكر وأبي عامر ابني الإمام أبي الحسن بن هُذَيْل، وأبي محمد بن عُبَيْد الله الحجري، وأبي العطاء وهْب بن نذير، وجماعة. وأجاز له: أبو بكر بن خيرة، وأبو القاسم عبد الرحمن بن حبيش، وأبو الحسن ابن النقرات، وأبو القاسم هبة الله البُوصِيري، وأبو الفضل محمد بن يوسف الغَزْنوي.
ذكره أبو عبد الله الأبّار فقال (٢): كان أحد رجال الكمال عِلْماَ وإدراكاً وفصاحة، مع الحِفْظ للفِقْه والتَّفَنُّن في العلوم وحِفْظ اللُّغات. وله شِعْرُ رائق بديع. سمعت منه كثيراً، وتُوُفّي ببجاية في ثامن عشر شوّال. ووُلِد في سنة تسعٍ وستّين وخمسمائة.
قلت: روى عنه: ابن الزُّبيْر أيضاً، وابن الغمّاز (٣).
٢٢٨ - محمد بن محمود بن محمد بن حسن، الإمام أبو المؤَيَّد الخُوارزْمي، الحنفي، الخطيب.
وُلِد سنة ثلاثٍ وتسعين وخمسمائة. وتفقّه على نجم الدّين طاهر بن محمد الحفْصي، وغيره. وسمع بخُوارزْم من الشّيخ نجم الدّين الكبرى. وولي قضاء خُوارزْم وخَطَابتها بعد أخْذ التّتار لها. ثمّ تركها وقدِم بغدادَ وسمع بها، ثمّ حجّ وجاور، ورجع على مصر؛ وقدِم دمشقَ، ثمّ عاد إلى بغداد ودرّس بها. وحدّث بدمشق. ومات في ذي القعدة ببغداد (٤).
٢٢٩ - محمد بن مسلم (٥) بن سليمان بن هلال، أبو عبد الله الرَّقّي.
стр. 14293
وُلِد سنة سبعين وخمسمائة بالرَّقّة. ورحل فسمع من: هبة الله بن الحسن بن السِّبْط، وأبي حامد عبد الله بن مسلم بن جوالق، وجماعة. وبدمشق من: حنبل المكبّر، وأبي محمد عبد الوهّاب بن هبة الله الجلالي؛ وبهَمَذَان من: محمد بن محمد بن أبي بكر الكرابيسي. وحدّث بالرَّقّة. وتُوُفّي في هذا العام. وكان شيخاً صالحا (١).
٢٣٠ - محمد بن يحيى، أبو الفضل المَوْصلي، الطّبيب، المعروف بابن السِّيْحي.
سمع من: عمّه أبي منصور مُسَلَّم بن علي. روى عنه: الدّمياطي، وقال: مات في ربيع الآخر.
٢٣١ - ماجد بن سليمان بن عمر، القاضي أبو العلاء القُرَشي، الفِهْري، المكّي، قاضي مكّة.
حدث عن: يونس الهاشمي. وعاش إحدى وتسعين سنة (٢).
٢٣٢ - منصور بن عبّاس، الصّاحب الإمام عميد الدّين الحنبليببغداد.
رتّب جامع المسانيد على الأبواب. تُوُفّي يوم الأحد سلْخ ذي القعدة.
٢٣٣ - هبة الله بن صاعد، الوزير شَرَفُ الدّين، القاضي الأسعد الفائزي.
خدم الملك الفائز إبراهيم ابن الملك العادل. وكان نصرانياً فأسلم. وكان رئيساً، كريماً، خبيراً، متصرّفاً. ثمّ خدم الملك الكامل، ثمّ ابنَه الملك الصّالح. ووَزَرَ للملك المُعِزّ التُّركُماني، وتمكّن منه إلى أَنْ ولاّه أمورَ الجيش. وقد كاتَبَه الملك المعزُّ مرّة المملوك أَيْبَك. وهذا لم يفعله ملكٌ بمملوكه. ثمّ بعده وَزَرَ لولده الملك المنصور أيّاماً. ثمّ قبض عليه سيفُ الدّين قُطُز وصادره.
قال قُطْب الدّين في تاريخه (٣): قال القاضي برهان الدّين السَّنْجاري:
стр. 14294
دخلتُ عليه الحبْس فسألني أنْ أتحدّث له في إطلاقه، على أنْ يحمل في كلّ يومٍ ألف دينار. فقلت له: كيف تقدر على هذا؟ قال: أقدر عليه إلى تمام سَّنة. وإلى سنة يفرج الله. فلم تلتفت مماليك المُعِزّ إلى ذلك وبادروا بهلاكه وخُنِق.
وقيل: بل أطعموه بِطّيخاً كثيراً، وربطوا إحليله حتى هلك بالحصْر.
وقد زوّج بنته بالصّاحب فخر الدّين ابن حِنّا فأولدها الصّاحب تاج الدّين محمد بن محمد وأخاه زين الدّين أحمد.
وله من الولد: بهاء الدّين ابن القاضي الأسعد، كان فيه زُهْد ودِين، فاحتاج وطلب أن يخدم في بعض الفروع.
وللبهاء زهير الكاتب فيه قبل أن يُسلِم:
لعن الله صاعدا ً … وأباه فصاعدا
وبنيه فنازلاً … واحداً ثمّ واحدًا (١)
٢٣٤ - يحيى بن أسعد بن يحيى ابن عساكر، أبو المنصور الإسكندراني، نجم الدّين الشُّرُوطي، الموقّع.
حدث عن: الحافظ أبي الحسن بن المفضَّل، وجعفر بن رزيك. روى عنه: الدّمياطي، وقال: كان موقّع الحُكْم.
تُوُفّي في صفر بالإسكندريّة (٢).
٢٣٥ - يحيى بن يليمان (٣) بن هادي السَّبْتي الرّجل الصّالح، نزيل القرافة.
كان صاحب زاوية، وله أتباع ومريدون. وحصل له قَبُول تامّ من الخاصّة والعامّة. وشُهر بالصَّلاح والدّين.
وقيل: إنه كان لا يأكل الخبز، وهذا شيء يدلّ على قِلّة الإخلاص، نسأل الله السّلامة في الدّين.
стр. 14295
تُوُفّي في نصف شوّال (١).
٢٣٦ - يوسف بن الحسين بن محمد ابن الجَبّاب (٢) السَّعْدي، موفَّق الدّين، أبو الحَجّاج المصري.
روى عن: البَوصِيري، والأَرْتاحي. وقد حدّث من بيته جماعة. تُوُفّي في ثاني عشر ذي القعدة (٣).
٢٣٧ - يوسف بن أبي بكر، جمال الدّين الجَزَري التاجر السّفّار، عمّ صاحبنا شمس الدّين محمد المؤرّخ.
ذكر في تاريخه (٤) أنه تُوُفّي ببغداد، وأنّه أعتق في عُمره نحواً من ثلاثين نَسَمة، وأنّه أوصى بُثُلث مالِه صَدَقةً، وخلّفَ أربعة آلافِ دينار وكسْرا، وولدين وبنتا، ﵀.
وفيها وُلد:
قاضي القضاة نجم الدّين أحمد بن محمد بن صَصْرى؛ وشمس الدّين محمد بن أبي بكر بن طرخان الصّالحي؛ والزّاهد أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن قطرال الأنصاري بمرّاكُش؛ والشَّرف صالح بن محمد بن عربْشاه المقرئ؛ والشّمس محمد بن أبي بكر بن أبي طالب، إمام الرّبوْة، بخلْف؛ والشّيخ محمد بن أبي الزّهر بن سالم الغسُولي؛ وعبد الصّمد ابن العفيف عثمان بن عبد الصّمد الذّهبي؛ وأحمد بن عبد الله ابن الرّضي المقدسي كُحيْل؛ والفخر إسماعيل بن محمد بن عبد ربّه المصري، الخيّاط؛ وعلي بن منصور بن محمد اليَمَني الصّوفي ثمّ المصري؛ والكمال محمد بن محمد بن علي ابن القسطلاني؛ والشّمس محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن سُراقة الأنصاري، رويا عن ابن البرهان؛ ومحمد ابن الشيخ أبي الزهر بن سالم الصالحي، وعزيز الدّين حسن بن علي بن محمد ابن العماد الكاتب في
стр. 14296
أواخرها؛ ونصير الدّين عبد الله بن محمد بن سويد، في نصف شوّال؛ ومحمد بن عمر بن عبد الله ابن خطيب بيت الآبار بها؛ والبهاء يوسف بن أحمد ابن العجمي؛ والصّدر علي بن محمد بن محمد ابن الأَبْزاري، يروي عن النّجيب، والفخر محمد بن محمد بن محمد ابن النّطّاع، بمصر، سمع النّجيب؛ والمعظّم عيسى بن داود بن شيركوه؛ والشّهاب أحمد بن عبد الرحمن الفراء الواني، سمع ابن عبد الدّائم.
стр. 14297
سنة ست وخمسين وستمائة
٢٣٨ - أحمد بن إبراهيم بن عيسى المجير، القرشي، الدّمشقي، الكُتُبي، والد المحدّث محمد ابن المُجير.
توفّي في هذه السنة (١).
٢٣٩ - أحمد بن أسعد بن حلوان، الطّبيب نُجم الدّين، المعروف بابن المنفاخ.
قرأ على صَدَقة السّامري. ومَهَرَ في الطِّبّ، وصنَّف فيه مصنَّفات. وخدم صاحب آمِد الملك المسعود، وصاحب صهْيون. وأَقام ببعْلبكّ مدّة.
وتوفّي بدمشق في عشْر السّبعين (٢). وقد مرّ سنة اثنتين (٣).
٢٤٠ - أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر، الإمام أبو العبّاس الأنصاري، القُرْطبي، المالكي، الفقيه، المحدّث، المدرّس، الشّاهد، نزيل الإسكندريّة.
وُلد بقرطبة سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة، وسمع بها من علي بن محمد بن حفص اليحْصبي، ولا أعرفه؛ وبتلْمِسان من محمد بن عبد الرحمن التُّجيْبي؛ وبسبْتة من القاضي أبي محمد بن حوْط الله. وقدِم ديار مصر، وحدّث بها. واختصر الصّحيحيْن، ثمّ شرح مختصر مسلم بكتاب سمّاه المُفهم وأتى فيه بأشياء مفيدة. وكان بارعاً في الفقْه والعربيّة، عارفاً بالحديث.
توفّي بالإسكندريّة في رابع عشر ذي القعدة، ويُعرف في بلاده بابن المزيّن.
حمل عنه القاضي جمالُ الدّين المالكي، وجماعة.
وقال الدّمياطي (٤): أخذتُ عنه، وأجاز لي مصنَّفاته. وله كتاب كشف
стр. 14298
القناع عن الوجد والسِّماع أجاد فيها (١) وأحسن، وقد سمع أكثر الموطّأ في سنة ستمائة من عبد الحقّ بن محمد بن عبد الحقّ الخزْرجي، أخبرنا أبي قال: أخبرنا ابن الطّلاّع بسنده.
وقرأت بخطّ أبي حيّان أنّه أحمد بن إبراهيم بن عمر بن أحمد نزيل الإسكندريّة، يُعرف بابن المزيّن، صنعةً لأبيه؛ وُلد بقُرطُبة بعد الثّمانين.
سمع من: عبد الحقّ، وأبي جعفر بن يحيى، وأبي عبد الله التُّجِيْبي؛ وأخذ نفسه بعِلم الكلام، وأنّ الجوهر الفرْد لا يقبل الانقسام، وتغلغل في تلك الشّعاب. ثمّ نزع إلى عِلم الحديث وفقههُ على تعصُّب. ولم يكن في الحديث بذاك البارع. وله اقتدارٌ على توجيه المعاني بالاحتمال. وهي طريقة زلّ فيها كثيرٌ من العلماء.
ذكر هذا ابن مَسدي في معجمه (٢).
٢٤١ - أحمد بن محمد بن أبي الوفاء بن أبي الخطّاب بن محمد بن الهزِبْر، الأديب الكبير، شرَفُ الدّين، أبو الطّيب ابن الحُلاوي الرَّبعي، الشّاعر، الموْصلي، الجندي.
وُلد سنة ثلاثٍ وستمائة، وقال الشِّعْر الفائق. ومدح الخلفاء والملوك. وكان في خدمة بدر الدّين صاحب الموْصل، روى عنه: الدّمياطي، وغيره.
وكان من ملاح الموصل، وفيه لطف وظرف وحسن عشرة وخفة روح. وله في الملك الناصر داود قصيدة بديعة، منها:
أحيا بموعده قتيلَ وعيده … رشأ يشوب وصاله بصدوده
قمرٌ يفوق على الغزالة وجهه … وعلى الغزال بمقلتيه وجيده
وله القصيدة الطنانة التي رواها الدمياطي فِي " معجمه " عَنْهُ، وهي:
حكاهُ من الغُصن الرّطِيب وريقُه … وما الخمرُ إلا وجنتاهُ وريقُهُ
هلالٌ ولكنْ أفْقَ قلبي محلُّهُ … غزالٌ ولكنْ سفْح عيني عقيقهُ
стр. 14299
أقرَّ لهُ من كل حُسْن جليلهُ … ووافَقه من كل معنى دقيقُهُ
بديُع التثني راح قلبي أسيرهُ … على أن دمعيَ فِي الغرام طليقُهُ
على سالِفَيْه للعِذار جديده … وفي شَفتيْه للسُّلافِ عتيقُهُ
يهدّدُ منه الطَّرف مَن ليس يضمه … ويُسكر منه الرَيق من لا يذوقُهُ
على مثله يستحسنُ الصَّبُّ قتله … وفي حبه يجفو الصديقَ صديقُهُ
من التُرك لا يصيبه وجدٌ إلى الحِمى … ولا ذِكرُ باناتِ الغُويْر تشوقُهُ
له مبْسمٌ يُنسى المُدام بريقِهِ … ويُخجلُ نوّار الأقاحي بَريقُهُ
تداويتُ من حَر الغرام ببرْدِهِ … فأُضرم من ذاك الرحيق حريقُهُ
حكى وجهُه بدرَ السّماء فلو بدا … مع البدْر قال الناس: هذا شقيقُهُ
وأشبه زهْر الرّوْض حُسْناً وقد بدا … على عارِضيْه آسُه وشقيقُهُ
وأشبهت منه الخصْر سُقْماً فقد غدا … يحمّلني كالخصرُ ما لا أطيقُهُ
فِي أبياتٍ أخَر تركتُها.
سار مع لؤلؤ فمات بتبريز فِي جُمادى الأولى كهلًا.
وهو القائل:
جاء غلامي فشكا … أمر كميتي وبكى
وقال لي لا شك … برْذونك قد تشبكا
قد سُقْتُهُ اليوم فما … مشى ولا تحركا
قلت: تخادعني فدعْ … حديثك المعلَّكا
لو أنه مُسَيَّرٌ … لما غدا مشبّكا
فَمُذْ رأى حلاوةُ الـ … ألفاظ مني ضَحِكا (١)
٢٤٢ - أحمد بن مدرك بن سعيد بن مدرك بن علي بن محمد، القاضي أبو المعالي التّنُوخي، المعرّي، قاضي المعرَّة، أخو سعيد وابن عمُ مظفّر.
ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة بالمعرَّة، وقدم دمشق فسمع من: الخُشُوعي، والخطيب أبي القاسم الدَّوْلعي، وغيرهما، روى عنه: الدّمياطي،
стр. 14300
والبدر ابن التّوزي، والعفيف إسحاق، وجماعة.
وجدّه محمد هو أبو المجد أخو الشّيخ أبي العلاء بن سُليمان المعرِّي.
مات بالمعرَّة في ربيع الأوّل، وهو من بيت قضاءٍ وتقدُّم (١).
٢٤٣ - أحمد بن مودود بن أبي القاسم، أبو العبّاس الخِلاطي، ثمّ المكي، الصُّوفي.
يروي عن يحيى بن ياقوت. وعنه: الدّمياطي والمصريون.
توفّي بالقاهرة في ذي القعدة (٢).
٢٤٤ - إبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل بن علي الزّعبي، أبو إسحاق البغدادي المراتِبي الحمّامي.
سمع من: ابن شاتيل كتاب الشُّكر لابن أبي الدّنيا، وغير ذلك. روى عنه: الدّمياطي، وقُطبُ الدّين ابن القسطلاني، وعفيف الدّين ابن مزروع، ومحمد بن محمد الكنْجي. وتفرّد في وقته.
مات في المحرَّم أيّام الحصار. وقد أجاز عامّاً.
٢٤٥ - إبراهيم الزّعبي الأسود.
من أعيان الفُقراء بدمشق، مات في جمادى الأولى، ودُفن بالقُبَّة إلى جانب الشّيخ رسْلان.
٢٤٦ - إبراهيم بن هبة الله، أبو إسحاق ابن باطيش الموْصِلي.
روى عن: ابن طبرْزد، وغيره، وعنه: الدّمياطي، وإسحاق الأسدي.
قُتل بحلب (٣).
стр. 14301
٢٤٧ - إبراهيم بن يحيى بن أبي المجد، الإمام أبو إسحاق الأميوطي، الشّافعي.
وُلد في حدود السّبعين وخمسمائة. وتفقّه على جماعة. وولُي القضاء بالأعمال، ودرّس بالجامع الظّافري مدّة، وأفتى، وكان من كبار الأئمة مع ما فيه من الدّين والتّواضع، والإيثار مع الإقتار، والإفضال مع الإقلال. وكان لطيف الشّمائل، مطبوعاً؛ له شِعرٌ رائق.
كتب عنه الشّريف عزُّ الدّين وقال (١): توفّي في سابع ذي القعدة.
٢٤٨ - إسحاق بن عبد المحسن بن صَدَقة، أبو يعقوب البصْري، الحنبلي، التّاجر.
راوي جزء ابن نُجَيْد عن المؤيّد الطُّوسي، سمعه سنة خمس عشرة، روى عنه: الدّمياطي، والعماد ابن البلِسي، وابن الظّاهري، ومحمد بن إبراهيم ابن القوّاس، ويحيى بن يحيى بن بكران الجزري حُصراً، وحدّث في سنة خمسٍ. وكأنّه مات في سنة ستٍّ.
٢٤٩ - أسعد بن إبراهيم بن حسن، الأجلّ مجدُ الدّين النّشّابي، الكاتب، الإربلي.
وُلد بإربِل سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكان في صباه نشّابيّاً. وتنقّل في الجزيرة والشّام، ثمّ وُلّي كتابة الإنشاء لصاحب إرْبل قبل العشرين وستمائة، ونفَّذه رسولاً إلى الخليفة. ثمّ كان في صُحبته لمّا وفد إلى الخليفة الإمام المستنصر بالله في سنة ثمانٍ وعشرين، وحضر مع مخدومه بين يدي المستنصر فأنشد مجدُ الدّين في الحال:
جلالةُ هيبةِ هذا المقام … تحيّرُ عالِمَ علْم الكلامْ
كأن المناجي به قائما ً … يناجي النّبي عليه¬ السلام
ثمّ في سنة تسعٍ وعشرين غضب عليه صاحب إرْبل وحَبَسه. ثمّ خدم بعد موت صاحب إربل ببغداد.
ومن شعره:
стр. 14302
ولمّا رأى بالتّرك هتْكي ورام أنْ … يكتم منه بهجة لم تكتم
تشبّه بالأعراب عند التثامه … بعارضه يا طيب لثْم الملثّم
شكا خصره من ردفه فتراضيا … بفصلهما بند القباء المكرم
ورد جيوش العاشقين لأنّه … أتاهم بخطّ العارض المتحكم
اختفى مجدُ الدّين النّشّابي أيّام التّتار ببغداد، وسَلِم. ثمّ مات في أثناء السَّنة (١).
٢٥٠ - إسماعيل بن محمد بن يوسف، برهان الدّين أبو إبراهيم الأنصاري، الأندلسي، الأبَّذي (٢).
سمع بدمشق من: عمر بن طبرْزد؛ وبمكّة من جماعة، وأمَّ بالصّخرة مدّةً. وكان فاضلاً، صالحاً، شاعراً.
وأبّذة، بالباء المشدَّدة، بُليْدة بالأندلس.
توفّي في الثّالث والعشرين من المحرّم بالقدس (٣).
٢٥١ - إياس، أبو الجود، وأبو الفتح (٤)، مولى التّاج الكِنْدي، مشرف الجامع الأُموي، والمتكلّم في بسْطه وحُصْره وزيْته.
وكان حنفيّاً، حدث عن: مُعْتقِه الكِنْدي، وكان مولده بأنطاكية في حدود الثّمانين وخمسمائة، روى عنه: الدّمياطي، وزين الدّين الفارقي، وأبو علي ابن الخلاّل.
توفّي في جمادى الأولى (٥).
٢٥٢ - بكُتوت العزيزي، الأمير الكبير، سيف الدّين، أستاذ دار السّلطان الملك النّاصر.
كان ذا حُرمة وافرة، ورُتبة عالية، ومهابة شديدة، ويدٍ مبسوطة، وبيده الإقطاعات الضَّخمة. وله الأموال الجمَّة. وكان شجاعاً جيّد السّياسة.
стр. 14303
توفّي مجرّداً بالنّواحي القِبْليّة، ودخل غلمانه وأعلامه منكّسة والسُّرُوج مقلّبة. ويقال: إنّ ابن وداعة سمَّه في بِطّيخة، ومنذ توفّي وقع الخَللُ وتغيَّرت أحوال الملك النّاصر يوسف (١).
٢٥٣ - حاضر بن محمد بن حاضر، أبو العلاء البلنْسي، الحكيم، المحدّث.
سمع ببلنْسيَة من: الحافظ أبي الربيع بن سالم الكَلاعي؛ وبتونُس من جماعة، وبالإسكندريّة وديار مصر من أصحاب السِّلفي، ومن: ابن المقير، وحدّث. ومات في هذه السّنة.
٢٥٤ - الحسن بن أبي العباس أحمد بن أبي طاهر الحسن بن عبد الله بن الحسين، شرفُ الدّين، أبو طاهر التّميمي، المعرّي، ثمّ الدّمشقي، الطّبيب.
سمع من: أبي سعد عبد الواحد بن علي بن محمد بن حمويه، وأبي طاهر الخُشُوعي، روى عنه: الدّمياطي، والعفيف إسحاق، والشّمس ابن الزّرّاد، ومحمد ابن المُحبّ، وغيرهم، وحدّث بدمشق ومصر، ومات في ثامن عشر ربيع الآخر وله ثمانون سنة، ودُفن بقاسيون.
يروي مشيخة وجيه (٢).
٢٥٥ - الحسن بن كُرّ، الأمير الكبير فتحُ الدّين البغدادي.
من أكبر الزُّعماء. كان موصوفاً بالشّجاعة والكَرَم وأصالة الرّأي، قيل: إنّه ما أكل شيئاً إلاّ وتصدَّق بمثله. وكان يحبّ الفقراء.
استشهد في مُلْتقَى هولاكو. نقله الظَّهير الكازروُني.
٢٥٦ - الحسن بن محمد بن أبي الفتوح محمد بن أبي سعد محمد بن محمد بن عمْرُوك بن محمد بن عبد الله بن حسن بن القاسم بن علْقمة بن النّضْر بن مُعاذ بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ابن الصّديق أبي بكر ﵁، الشّريف الحافظ، صدر الدّين أبو علي القُرشي، التَّيْمي، البكري، النَّيْسابوري، ثمّ الدّمشقي، الصّوفي.
ولد بدمشق في سنة أربعٍ وسبعين وخمسمائة، وسمع بمكّة من: جدّه،
стр. 14304
ومن: أبي حفص عمر بن عبد المجيد المَيَانِشِي؛ وبدمشق من: ابن طبرْزد، وحنبل، وجماعة، وبنيْسابور من: المؤيّد الطُّوسي، وزينب، والقاسم ابن الصّفّار؛ وبهَرَاة من: أبي روْح، وجماعة؛ وبمرْو من: أبي المظفَّر ابن السّمعاني؛ وبأصبهان من: أبي الفُتُوح محمد بن محمد بن الجُنيد، ومحمد بن أبي طالب بن شهْرَيَار، وعين الشّمس الثّقفيّة، وحفصة بنت حمَْكا، ومحمد بن أبي طاهر بن غانم، وداود بن معْمر، وجماعة، وبهمَذَان من: أبي عبد الله محمد بن أحمد الرُّوذْرَاوري، وببغداد من: عبد العزيز ابن الأخضر، ومن: الحسين بن شُنيْف، وأحمد بن الحسن العاقولي، وجماعة. وبإربل من: عبد اللّطيف بن أبي النّجيب السُّهْروَرْدي؛ وبالموصل من: محمد بن عبد الرحمن الواسطيوبحلب من: الافتخار عبد المطّلب، وبالقدس من: أبي الحسن علي بن محمد المَعَافِري، وبالقاهرة من: أبي القاسم عبد الرحمن مولى ابن باقا، وطائفة من أصحاب ابن رفاعة، والسِّلفي.
وعُني بهذا الشّأن أتمّ عناية، وكتب العالِي والنّازل، وخرَّج وصنّف، وشرع في جمع تاريخ ذيلاً لتاريخ دمشق، وحصّل منه أشياء حسنة، وعُدم بعد موته، وروى الكتب الكبار كالأنواع لابن حبّان، والصحيح لأبي عوانة، والصحيح لمسلم، وخرّج الأربعين البلديّة، وسمع منه الشّيخ تقي الدّين ابن الصّلاح بخُراسان أحاديث عن أبي روْح، وحمل عنه خلْقٌ كثير منهم: الدّمياطي، والقُطْب القسطلاني، والمُحبّ عبد الله بن أحمد، وأخوه محمد بن أحمد، والشّرف عبد الله ابن الشّيخ، والضّياء محمد ابن الكمال أحمد، والشّمس محمد ابن الزّرّاد وهو راويته، والتّاج أحمد بن مزيز، وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد ابن الدّقّاق، والجمال علي ابن الشّاطبي، والعماد ابن البالِسي، وأخوه عبد الله، والزَّيْن أبو بكر بن يوسف المقرئ، والبدر محمد ابن التّوزي، وعبد العزيز بن يعقوب الدّمياطي، وأبو الفتح القُرشي، ووُلّي مشيخة الشّيوخ بدمشق وحِسْبتها. ونفق سوقُه في دولة المعظَّم.
وكان جدّهم عمروك بن محمد من أهل مدينة طيبة فدخل نيْسابور وسكنها.
وأصاب الفالج أبا علي قبل موته بسنين. وانتقل في أواخر عُمُره إلى مصر فتوفّي بها في حادي عشر ذي الحجّة.
стр. 14305
وليس هو بالقوي. ضعّفه عمر ابن الحاجب فقال: كان إماماً، عالِماً، لَسِناً، فصيحاً، مليح الشَّكل، أحد الرّحّالين في الحديث، إلاّ أنّه كان كثير البهت، كثير الدّعاوى، عنده مداعبةٌ ومجُون، داخل الأمراء وولي الحسْبة، ثمّ ولاّه المعظَّم مشيخة الشيّوخ، وقُرئ منشوره بالسُّميْساطيّة، ودام على ذلك مدّةً. ولم يكن محموداً جدد مظالم. وكان عنده بذاذة لسان، سألت الحافظ ابنَ عبد الواحد عنه فقال: بلغني أنّه كان يقرأ على الشّيوخ، فإذا أتى إلى كلمة مُشْكلة تركها ولم يبيّنها، وسألت البِرزالي عنه فقال: كان كثير التّخليط (١).
٢٥٧ - الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن يوسف، الإمام شرفُ الدّين، أبو عبد الله الهَذباني، الإربلي، الشّافعي، اللُّغوي.
ولد سنة ثمانٍ وستّين وخمسمائة بإربل. وقدم الشام، فسمع من: الخُشُوعي، وعبد اللّطيف بن أبي سعد، وحنبل، وابن طبرْزَد، ومحمد ابن الزَّنف، والكِندي، وطائفة، ورحل وهو كهل، فسمع ببغداد من: أبي علي ابن الجوَاليقي، والفتح ابن عبد السّلام، وعبد السّلام الدّاهري، وقد عُني عنايةً وافرةً بالأدب، وحفظ ديوان المتنبّي والخُطَب النُّبَاتيّة ومقامات الحريري. وكان يعرف هذه الكتب ويحلّ مُشْكِلها ويُقْرئها، وتخرّج به جماعة من الفُضلاء. وكان ديّناً، ثقةً، جليلاً.
روى عنه: الدّمياطي، والخطيب شرف الدّين، والمخرَّمي، ومحمد ابن الزّرّاد، وعبد الرحيم بن قاسم المؤذن، وأبو الحسين اليُونيني، وأخوه قُطْب الدّين، وأبو علي ابن الخلاّل، وجماعة.
وتوفّي في ثاني ذي القعدة بدمشق (٢).
٢٥٨ - الحسين بن محمد بن الحسين بن علوان، المولى الكبير، عزّ الدّين، أخو شيخ الشّيوخ صدر الدّين ابن النّيّار.
كان وكيل أولاد المستعصم بالله، وكان يدري الجَبْر والمقابلة.
قال لنا الظّهير الكازرُوني في تاريخه: لمّا شاهد القتل فدى نفسَه بعشرة آلاف دينار فأطلق، وأوى إلى مدرسة مجد الدّين. ثمّ أدركتْهُ المّنيَّة في
стр. 14306
ربيع الأوّل، يعني بعد شهر، ﵀.
٢٥٩ - حمزة بن علي بن حمزة بن علي بن حمزة بن أحمد بن أبي الجحجّاح، أبو يعْلى العَدَوي، الدّمشقي، المعدَّل.
حدث عن: الخُشُوعي. روى عنه: الدّمياطي، والأبِيوَرْدي، وتوفّي في صفر بدمشق (١).
٢٦٠ - داود بن عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل، الخطيب، عماد الدّين، أبو المعالي، وأبو سليمان الزُّبيْدي، المقدسي، ثمّ الدّمشقي، الشّافعي، خطيب بيت الآبّار، وابن خطيبها.
وبها وُلد في سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة. وسمع من: الخُشُوعي، وعبد الخالق بن فيروز الجوهري، وعمر بن طبرْزَد، وحنبل، والقاسم ابن عساكر، وجماعة. روى عنه: الدّمياطي، وزين الدّين الفارقي، والعماد ابن البالِسي، والشّمس نقيب المالكي، والخطيب شرَف الدّين، والفخر ابن عساكر، وولده الشَّرف محمد بن داود، وطائفة من أهل القرية.
وكان ديّناً، مهذَّباً، فصيحاً، مليح الخطابة، لا يكاد أن يسمع موعظته أحدٌ إلاّ ويبكي. خطب بدمشق ودرّس بالزّاوية الغزاليّة في سنة ثمانٍ وثلاثين بعد الشّيخ عزّ الدّين ابن عبد السّلام لمّا انفصل عن دمشق. ثمّ عُزل العماد بعد ستّ سنِين ورجع إلى خطابة القرية.
توفّي في حادي عشر شعبان، ودُفن ببيت الآبار، وحضره خلْقٌ من المدينة، ﵀ (٢).
٢٦١ - داود، السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين، أبو المفاخر، وأبو المظفَّر ابن السّلطان الملك المعظّم شرف الدّين عيسى ابن العادل محمد بن أيّوب بن شاذي بن مروان.
وُلد بدمشق في جمادى الآخرة في سنة ثلاث وستمائة. وسمع ببغداد من: أبي الحسن القَطِيعي، وغيره. وبالكَرَك من: ابن اللَّتّي. وأجاز له: المؤيّد الطُّوسي، وأبو روْح عبد المعزّ. وكان حنفي المذهب، عالِماً، فاضلاً، مُناظراً،
стр. 14307
ذكيّاً، له اليد البيضاء في الشّعر والأدب، لأنّه حصَّل طرفاً جيّداً من العلوم في دولة أبيه.
وولي السّلطنة في سنة أربع وعشرين بعد والده، وأحبّه أهل دمشق. ثمّ سار عمّه الملك الكامل من الدّيار المصريّة لأخذ المُلك منه، فاستنجد بعمّه الأشرف فجاء لنُصرته ونزل بالدَّهشة، ثم تغيَّر عليه ومال إلى أخيه الكامل، وأوهم النّاصر أنّه يصلح قضيته، فسار إلى الكامل، واتفقا على النّاصر وحاصراه، كما ذكرنا في الحوادث، أربعة أشهر، وأخذا منه دمشق، وسار إلى الكَرَك، وكانت لوالده، وأُعطي معها الصَّلْتَ ونابلس وعجلون وأعمال القُدس. وعقد نكاحه على بنت عمّه الكامل سنة تسعٍ وعشرين. ثمّ تغيّر عليه الكامل تغيُّراً زائداً، ففارق ابنته قبل الدّخول.
ثمّ إنّ النّاصر بعد الثّلاثين قصد الإمام المستنصر بالله وقدّم له تحفاً ونفائس، وسار إليه على البرّيّة، والتمس الحضور بين يديه كما فعل بصاحب إربل، فامتنعوا عليه، فنظم هذه (١):
ودانٍ ألمّت بالكثيب ذوائبُهُ … وجنحُ الدُّجى وجف تجولُ غياهِبُه
تقهقهُ فِي تلك الرُّبُوع رُعودُهُ … وتبكي على تلك الطُّلُول سحائبُهْ
أرْقْتُ له لما توالتْ بروقُهُ … وحُلَّت عزاليه، وأُسبل ساكبُهْ
إلى أن بدا من أشقر الصُّبح قادمٌ … يُراع له من أُدْهم اللَّيل هاربُهْ
وأصبح ثغرُ الأُقحُوانة ضاحكاً … تدغدغهُ ريح الصّبا وتُلاعبُهُ
وهي قصيدة طويلة طنّانة يقول فيها:
ألا يا أمير المؤمنين، ومن غدَتْ … على كاهل الجوْزاء تعْلو مراتبُهْ
أيَحْسنُ فِي شرْع المعالي ودينِها … وأنت الَّذِي تُعْزى إليه مذاهبُهْ
بأني أخوض الدّوّ والدّوُّ مُقْفر … سباريته مُغْبرَّةٌ وسباسِبُهْ (٢)
وقد رصد الأعداء لي كلَّ مرصدٍ … فكُلُّهم نحوي تدُبّ عقاربُهْ
وآتيك والعضْبُ المُهنَّد مُصلَتٌ … طريرٌ شباهُ، قانياتٌ ذوائبُهْ
وأُنزل آمالي ببابك راجياً … بواهر جاهٍ يبهرُ النَّجْم ثاقبُهْ
стр. 14308
فتقبلُ مني عبدَ رقٍّ فيغتدي … له الدهر عبدًا طائعًا لا يغالبُهْ
وتُنعم فِي حقي بما أنت أهلُهُ … وتُعْلي محلي فالسُّها لا يقاربُهْ
وتُلبسني من نسْج ظِلّك حلة … يُِشرِّف قدرَ النَّيِّرَيْن جلائبُهْ
وتُركبني نُعمى أياديك مركبًا … على الفَلَكِ الأعلى تسير مراكبهْ
وتسمحُ لي بالمال، والجاهُ بُغْيتي … وما الجاهُ إلا بعضُ ما أنتَ واهبُهْ
ويأتيك غيري من بلادٍ قريبةٍ … له الأمنُ فيها صاحبٌ لا يجانبُهْ
فيلقى دُنُوّاً منك لم ألق مثلهُ … ويحظى ولا أحظى بما أَنَا طالبُهْ
وينظر من لألاءِ قُدْسك نظرةً … فيرجع والنّورُ الإماميُّ صاحبُهْ
ولو كان يعلوني بنفسٍ ورُتبةٍ … وصدقِ وَلاءٍ لستُ فِيهِ أصاقبُهْ
لكُنْتُ أُسلِّي النَّفس عما ترومُهُ … وكنتُ أذودُ العيْن عما تراقبهْ
ولكنّه مثلي ولو قلت: إنني … أزيدُ عليه لم يعبْ ذاك عائبُهْ
وما أَنَا ممّن يملأ المالُ عينَهُ … ولا بِسوى التّقريب تُقضَى مآربُهْ
ولا بالّذي يرضيه دون نظيرهِ … ولو أنعلت بالنَّيِّرات مراكبُهْ
وبي ظمأٌ رُؤياك منْهلُ رّيهِ … ولا غرو أن تصفو لي مشاربُهْ
ومن عجبٍ أني لدى البحر واقفٌ … وأشكو الظَّمأ، والبحر جمٌّ عجائبُهْ
وغيرُ ملُومٍ مَن يؤمُّك قاصدًا … إذا عَظُمتْ أغراضُه ومذاهبُهْ
فوقعت هذه القصيدة من المستنصر بموقع، وأدخله عليه ليلًا، وتكلَّم معه في أشياء من العلوم والأدب، ثم خرج سرًّا. وقصد المستنصر بذلك رعاية الملك الكامل.
ثم حضر النّاصر بالمدرسة المستنصرية، وبحث واعترض واستدل، والخليفة فِي رَوْشن بحيث يسمع، وقام يومئذٍ الوجيه القيرواني ومدح الخليفة فمن ذلك:
لو كنت فِي يوم السقيفة حاضرًا … كنت المقدَّم والإمام الأورعا
فقال النّاصر: أخطأت، قد كان حاضرًا الْعَبَّاس جدُّ أمير المؤمنين، ولم يكن المقدَّم إلا أَبُو بَكْر، ﵁، فخرج الأمر بنفْي الوجيه، فذهب إلى مصر، ووُلّي بها تدريس مدرسة ابن شكَّر. ثمَّ إنّ الخليفة خلع على النّاصر
стр. 14309
داود خلعة مذهبة وخلع على أصحابه، وأعطاه جملة من المال وبعث معه رسولا إلى الكامل يشفع إليه في إخلاص نيته للناصر وإبقاء بلاده عليه، فقدما دمشق وبها الكامل، فخرج لتلقيهما إلى القابون، وأقبل على الناصر، ثم سافر الناصر إلى الكرك ومعه رسول الخليفة، فألبسه الخِلْعة بالكَرَك، وركب بالأعلام الخليفتِيّة وزِيد في ألقابه: " الولي المهاجر ".
ثم وقع بين الكامل والأشرف، وطلب كلٌّ منهما من النّاصر أن يكون معه، فرجح جانب الكامل، وجاءه من الكامل فِي الرّسْليّة القاضي الأشرف ابن الفاضل. ثم سار النّاصر إلى الكامل، فبالغ الكامل فِي تعظيمه وأعطاه الأموال والتُّحف.
ثم اتفق موتُ الملك الأشرف وموت الكامل، وكان النّاصر بدمشق في دار أُسامة، فتشوف إلى السلطنة، ولم يكن حينئذٍ أحد أمْيزَ منه، ولو بذل المال لحلفوا له. ثم سلطنوا الملك الجوادَ، فخرج النّاصر عن البلد إلى القابون، ثم سار إلى عجلون وندِم، فجمع وحشد ونزل على السواحل فاستولى عليها. فخرج الجواد بالعساكر، فوقع المَصَافُّ بين نابلس وجينين، فانكسر النّاصر واحتوى الجواد على خزائنه وأمواله، وكان ثقَلُ النّاصر على سبعمائة جملٍ، فافتقر ولجأ إلى الكرك، ونزل الجواد على نابلس، وأخذ ما فيها للناصر.
وقد طول شيخُنا قطْبُ الدين ترجمة النّاصر وجودها (١)، وهذا مختارٌ منها.
ولما مَلَك الصالح نجمُ الدين أيوب دمشقَ وسار لقصد الديار المصرية جاء عمه الصالح إِسْمَاعِيل وهجم على دمشق فتملكها. فتسحب جيش نجم الدين عَنْهُ، وبقي بنابلس فِي عسكرٍ قليل، فنفذ النّاصر من الكَرَك عسكرًا قبضوا على نجم الدين وأطْلعوه إلى الكَرَك، فبقي معتَقَلًا عنده فِي كرامة. وكان الكامل قد سلَّم القدس إلى الفرنج، فعمّروا في غربيّه قلعة عند موت الكامل واضطراب الأمور واختلاف الملوك، فنزل النّاصر من الكَرَك وحاصرها، ونصب عليها المجانيق فأخذها بالأمان وهدمها، وتملك القدس، وطرد من به من الفرنج إلى بلادهم، فعمل جمال الدّين ابن مطروح:
стр. 14310
المسجد الأقصى له عادةٌ … سارت فصارت مَثَلًا سائرا
إذا غدا بالكُفْر مُسْتوطناً … أن يبعث الله له ناصرا
فناصرٌ طهَّرهُ أولًا … وناصرٌ طهَّره آخِرا
ثم إنه كلَّم الصالح نجمَ الدين وقال له: إنْ أخرجتك وملكتك الديار المصرية، ما تفعل معي؟ قال: أَنَا غلامك وفي أسْرك، قلْ ما شئت. فاشترط عليه أنْ يعطيه دمشق ويعينه على أخذها وأن يمكنه من الأموال، وذكر شروطًا يتعذَّر الوفاء بها. ثم أَخْرَجَهُ وسار معه وقد كاتَبَه أمراءُ أَبِيهِ الكامل من مصر، وكرهوا سلطنة أخيه العادل. فلمّا ملّك الديار المصرية وقع التسويف من الصالح والمغالطة، فغضب النّاصر ورجع، وقد وقعت الوحشة بينهما. وزعم الصالح أنه إنما حلف له مكرَهاً وقال: كنت فِي قبضته.
وحكى ابن واصل عن صاحب حماة المنصور أن الملك الصالح لما استقر بمصر قال لبعض أصحابه: امض إلى النّاصر وخوِّفه مني بالقبض عليه لعله يرحل عنا. فجاء ذلك وأوهمه، فسارَعَ الخروجَ إلى الكَرَك.
ثم إن الصالح أساء العِشرة فِي حق النّاصر وبعث عسكرًا فاستولوا على بلاد النّاصر، ولم يزل كل وقت يُضايقه ويأخذ أطراف بلاده حتى لم يبق له إلا الكَرَك. ثم فِي سنة أربعٍ وأربعين نازَلَه فخر الدين ابن الشَّيْخ. وحاصره أيامًا ورحل.
وأما النّاصر فقلَّ ما عنده من المال والذخائر، واشتد عليه الأمر، فعمل هذه يعاتب فيها ابنَ عمه الملكَ الصالح:
عمي أبوك، ووالدي عمٌّ، به … يعلو انتسابك كلَّ ملكِ أصْيدِ
دعْ سيفَ مِقْولي البليغ يذب عن … أعراضِكم بفِرِنْدِهِ المتوقدِ
فهو الَّذِي قد صاغ تاج فخاركم … بمفصل من لؤلؤ وزبرجد
لولا مقالُ الهجر منك لما بدا … مني افتخارٌ بالقريضِ المُنْشَدِ (١)
ثمّ أخذ يفتخر ويذكر جُوده وجلالته، ويعرض باعتقاله للصالح وإخراجه.
стр. 14311
وفي سنة ستٍّ وأربعين قدِم العلامةُ شمسُ الدين الخُسْروشاهي على الملك الصالح نجم الدين أيوب وهو بدمشق رسولًا من النّاصر، ومعه وُلِد النّاصر الأمجد حَسَن، ومضمون الرسالة: إن تتسلم الكَرَك وتعوضني عَنْهَا الشَّوْبك وخبزًا بمصر. فأجابه ثم رحل إلى مصر مريضًا. ثم انثنى عزْم النّاصر عن ذلك لما بلغه مرضُ الصالح وخروج الفرنج.
ثم دخلت سنة سبْع، وضاقت يدُ النّاصر وعليه كُلَف السّلطنة، فاستناب ابنه الملك المعظَّم عيسى بالكرك، وأخذ ما يعز عليه من الجواهر، ومضى إلى حلب مستجيرًا بصاحبها كما فعل عمُّه الصالح إِسْمَاعِيل، فأكرمه. وسار من حلب إلى بغداد، فأودع ما معه من الجواهر عند الخليفة، وكانت قيمتها أكثر من مائة ألف دينار، ولم يصل بعد ذلك إليها.
وأمّا ولداه الظاهر والأمجد، فإنهما تألما لكونه استناب عليهما المعظَّم، وهو ابن جارية، وهما ابنا بِنْت الملك الأمجد ابن الملك العادل، فأمُّهما بِنْت عمه وبنت عم الصالح، وكانت محسنة إلى الصالح لما كان معتقلًا بالكرك غاية الإحسان، وكان ولداها يأنسان به ويلازمانه، فاتفقا مع أمهما على القبض على الملك المعظَّم فقبضا عليه، واستوليا على الكَرَك، ثم سار الأمجد إلى المنصورة فأكرمه الصالح وبالغ، فكلمه فِي الكَرَك، وتوثَّق منه لنفسه وإخوته، وأن يعطيه خُبزًا بمصر، فأجابه، وسيَّر إلى الكَرَك الطُّواشي بدر الدين الصوابي نائبًا له. فجاء إلى السُّلطان أولاد النّاصر وبيته فأقطعهم إقطاعات جليلة، وفرح بالكرك غاية الفرح مع ما هُوَ فِيهِ من المرض المخوف، وزينت مصر لذلك. وبلغ النّاصر داودَ ذلك وهو بحلب، فعظُم ذلك عليه. ثم لم يلبث الصالح أنْ مات، وتملك بعده ابنه تورانشاه قليلاً، وقُتل، فعمد الصوابي فأخرج الملك المغيث عُمرَ ابن الملك العادل ابن السُّلطان الملك الكامل من حبْس الكَرَك، وملكه الكَرَك والشَّوْبَك.
وجاء صاحب حلب فتملك دمشق، ثم مرض بها مرضًا شديدًا، ومعه الصالح إِسْمَاعِيل والنّاصر دَاوُد. فقيل: إن دَاوُد سعى فِي تلك الأيام فِي السلطنة. فلما عُوفي السُّلطان بَلَغَه ذلك، فقبض عليه وحبسه بحمص، ثمّ أفرج عَنْهُ بعد مدةٍ بشفاعة الخليفة، فتوجه إلى العراق فلم يؤذَنْ له فِي دخول بغداد، فطلب وديعته فلم تحصل له. ثم رد إلى دمشق. ثم سار إلى بغداد في
стр. 14312
سنة ثلاثٍ وخمسين بسبب الوديعة وليحجَ، وكتب معه النّاصر صاحب الشّام كتابًا إلى الخليفة يشفع فِيهِ فِي رد وديعته، ويخبر برضاه عَنْهُ، فسافَرَ ونزل بمشهد الْحُسَيْن بكربلاء، وسيَّر إلى الخليفة قصيدةً يمدحه ويتلطفه، فلم ينفع ذلك، وهذه القصيدة:
مقامُك أعلى فِي الصدور وأعظمُ … وحلمُكَ أرجَى فِي النُّفوٍس وأكرمُ
فلا عجبٌ إنْ غُصَّ بالشِّعر شاعرٌ … وفُوهَ مصطكُّ اللهاتِين مُفحمُ
إليكَ أميرَ المؤمنين توجُّهي … بوجهِ رجاءٍ عنده منكَ أنعُمُ
إلى ماجدٍ يرجوه كل مُمَجّدٍ … عظيم ولا يرجوه إلا معظَّمُ
ركبتُ إليه ظهْرَ شماء قفرةٍ … بها تُسرِجُ الأعداءُ خيلاً وتُلجِمُ
وأشجارها ينعٌ، وأحجارها ظبى … وأعشابُها نبلٌ، وأمواهُها دمُ
رميتُ فَيَافيها بكل نجيبةٍ … بنسبتها تعلُو الجذِيلُ وشَدْقَمُ
تُجَاذِبنا فضلَ الأزِمّة بعدما … براهُنَّ موصولٌ من السَّيْر مبرمُ
تساقيْنَ من خمر الدّلال مُدامةً … فلا هنَّ أيقاظٌ، ولا هنّ نوّمُ
يطسن الحصى فِي جمْرة الَقْيظ بعدما … غدا يتبعُ الجبّار كلبٌ ومِرْزَمُ
تلوح سباريت الفلا مُسطّراً … بأخفافها منه فصيحٌ وأعجمُ
تخالُ ابيضاض القاعِ تحتَ احمرارها … قراطيسَ أوراق علاهنَّ عَنْدمُ
فلما توسّطْن السماوةَ واغْتدَتْ … تلفّتُ نحو الدارِ شوْقاً وتُرزِمُ
وأصبحَ أصحابي نَشَاوى من السُّرى … تدورُ عليهم كرمه وهو مفحمُ
تنكَّر للخرّيت بالبِيد عُرْفُهُ … فلا عَلَمٌ يَعْلُو ولا النَّجم ينْجُمُ
فظلَّ لإِفراط الأسَى متندمًا … وإنْ كان لا يُجدي الأسى والتَّنَدُّمُ
يشوف الرُّغام ضلّة لهدايةٍ … ومن بالرُّغامِ يهتدي فهو يُرْغَمُ
يُناجي فِجاجَ الدّوِّ، والدّوِّ صامتٌ … فلا يسمعُ النَّجْوى، ولا يتكلّمُ
على حين قال الظّبيُ، والظّلُّ قالصٌ … وإذ مدت الغبراء، فهي جهنَّمُ
ووسع ميدانُ المنايا لخيلِهِ … وضاقَ مجالُ الريقِ والتحمَ الفمُ
فوحشُ الرزايا بالرزية حُضّرٌ … وطيرُ المنايا بالمَنيَّةِ حُوَّمُ
стр. 14313
فلما تبدَّت كربلاء وتبيَّنت … قِبابٌ بها السِّبْط الشّهيد المكرَّمُ
ولذتُ به مستشفعاً مُتحرماً … كما يفعل المستشفعُ المتحرِّمُ
فأصبح لي دون البرية شافعًا … إلى مَن به مُعوجُّ أمري مُقوّم
أنخْتُ ركابي حيث أيقنت أنني … بباب أميرِ المؤمنين مُخيّمُ
بحيث الأماني للأمان قسيمةٌ … وحيثُ العطايا بالعواطفِ تقسَّمُ
منها:
عليك أمير المؤمنين تهجُّمي … بنفسٍ على الجوْزاء لا تتهجَّمُ
تلوم أنْ تغشى الملوك لحاجةٍ … ولكنها بي عنكَ لا تتلوَّمُ
فصُنْ ماءَ وجهي عن سِواك فإنّه … مَصُونٌ يصوناه الحياءُ والتكرُّمُ
ألست بعبدٍ حُزْتني عن وراثةٍ … له عندكم عهدٌ تقادَمَ مُحكمُ
ومثلي يُخب للفُتُوق ورِتقها … إذا هز خطي، وجُرَّدَ مِخْذّمُ
فلا زلت للآمال تبقى مسلّماً … وتنتابك الأملاك وهي تُسلّمُ
فحجّ وأتى المدينة وقام بين يدي الحجرة منشداً قصيدة بديعة يقول فيها:
إليك انتطينا اليعملات رواسمًا … يجُبْنَ الفلا ما بين رضْوى ويذبُلِ
إلى خير من أطْرَتْهُ بالمدح ألسنٌ … فصدَقها نصُّ الكتاب المُنَزَّلِ
إليك - رسول الله - قمتُ مُجمجماً … وقد كل عن نقل البلاغةِ مِقولي
وأدهشني نورٌ تألقَ مشرقًا … يلوحُ على سامي ضريحكَ من علِ
ثَنَتني عن مدحي لمجدك هيبة … يراع لها قلبي ويرعد مفصلي
وعِلمي بأن الله أعطاك مِدحة … مفصّلُها فِي مُجملاتِ المُفصّلٍ
ثم أحضر شيخ الحرم والخدّام، ووقف بين يدي الضّريح متمسكاً بسجف الحُجْرة، وقال: اشهدوا أن هذا مقامي مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ قد دخلتُ عليه متشفعاً به إلى ابن عمه أمير المؤمنين فِي رد وديعتي. فأعظم الناس هذا وبكوا، وكُتب بصورة ما جرى إلى الخليفة.
ولما كان الرَّكب فِي الطريق خرج عليهم أَحْمَد بن حجي بن بُريد من آل مُرِّي يريد نهب الرَّكْب، فوقع القتال وكادوا يظفرون بأمير الحاجّ، فجاء
стр. 14314
النّاصر يشق الصفوف، وكلَّم أحمد بن حجّي، وكان أبوه حجّي صاحباً للنّاصر وله عليه أيادٍ، فانقاد له. ثمّ جاء النّاصر ونزل بالحلّة، وقُرِّر له راتبٌ يسير، ولم يحصل له مقصود. فجاء إلى قرقسياء ومنها إلى تيه بني إسرائيل، وانضمّ إليه عربان، وذلك في أوائل سنة ستٍّ هذه، أو قُبيل ذلك، فخاف المغيث منه فراسله وأظهر له المودّة، وخدعه المغيث إلى أن قبض عليه وعلى من معه من أولاده، وحبسه بطور هارون، فبقي به ثلاث ليالٍ. واتّفق أنّ المستعصم بالله دهمه أمر التّتار فنفَّذ إلى صاحب الشّام يستمدُّه، ويطلب منه جيشاً يكون عليهم النّاصر داود، فبعث صاحب الشّام الملك النّاصر يطلب النّاصر من المغيث، فأخرجه المغيث، فقدِم دمشق ونزل بقرية البُويْضا بقرب البلد، وأخذ يتجهَّز للمسير، فلم ينْشب أنْ جاءت الأخبار بما جرى على بغداد، فلا قوّة إلاّ بالله. وعرض طاعونٌ بالشّام عقيب ما تمّ على العراق، فطُعن النّاصر في جنْبه.
قال ابن وصل: وكثُر الطّاعون بالشّام مع بُعْد مسافة بغداد، حكى جالينوس أنّه وقعت ملحمة في بلاد اليونان فوقع الوباء بسببها في بلاد النّوبة مع بُعد المسافة.
قال ابن واصل: حكى لي عبد الله بن فضل أحد ألزام النّاصر داود قال: اشتدّ الوباء فتسخّطنا به، فقال لنا النّاصر: لا تفعلوا، فإنّه لمّا وقع بعَمَواس زمن عمر ﵁ قال بعض النّاس: هذا رجز. فذكر الخبر بطوله، وأنّ معاذاً قال: اللهم أدْخل على آل معاذ منه أوْفى نصيب. فمات معاذ وابنُه. ثمّ ابتهل النّاصر وقال: اللهم اجعلنا منهم وارزُقنا ما رزقتهم. ثمّ أصبح من الغد أو بعده مطعوناً. قال عبد الله: وكنت غائباً فجئت إليه وهو يشكو ألماً مثل طعن السِّيف في جنْبه الأيسر.
قال ابن واصل: وحُكى لي ولدهُ المظفَّر غازي أنّ أباه سكن جنبه الأيسر فنام، ثمّ انتبه فقال: رأيت جنْبي الأيسر يقول للأيمن: أنا صبرت لنوبتي، واللّيلة نوبتك، فاصبر كما صبرْت. فلما كان عشيّةً شكا ألماً تحت جنْبه الأيمن، وأخذ يتزايد، فبينما أنا عنده بين الصّلاتين وقد سقطت قواه، إذْ أخذته سنةٌ فانتبه وفرائصُه ترعد، فقال لي: رأيت النّبي ﷺ والخِضر ﵇، فدخلا إلي، وجلسا عندي، ثمّ انصرفا. فلمّا كان في آخر النّهار قال: ما بقي في رجاء، فتهيّأ في تجهيزي. فبكيت وبكى الحاضرون، فقال: لا تكن
стр. 14315
إلا رجلاً. لا تعمل عمل النّساء. وأوصاني بأهله وأولاده، ثمّ قمت في اللّيلة في حاجة، فحدّثني بعضُ من تركته عنده من أهله أنّه أفاق مرعوباً فقال: بالله تقدَّموا إلي فإني أجد وحشة. فسُئل: ممَّ ذلك؟ فقال: أرى صفّاً عن يميني فيهم أبو بكر وسعد وصُورهم جميلة، وثيابهم بيض، وصفّاً عن يساري صُورهم قبيحة فيهم أبدان بلا رؤوس، وهؤلاء يطلبوني، وهؤلاء يطلبوني، وأنا أريد أروح إلى أهل اليمين. وكلّما قال لي أهل الشّمال مقالتهم قلت: والله ما أجيء إليكم، خلوني، ثمّ أغفى عنه إغفاءةً، ثم استيقظ وقال: الحمد لله خلصت منهم.
قلت: وذكر أنه رأى النبي ﷺ قد جاء وجلس عنده. ثم قال: ما بقي في رجاء، وقال لابنه شهاب الدّين غازي: تهيأ في تجهيزي، فبكى فثبته وقال: لا تغيِّر هيئتك.
وتُوُفّي ليلة الثّامن والعشرين من جمادى الأولى. وركب السّلطان إلى البُوَيْضا، وأظهر التّأسُّف عليه والحُزْن، وقال: هذا كبيرنا وشيخنا. ثمّ حُمِل إلى تُربة والده بسفح قاسيون. وكانت أمّه خُوارزميّة عاشت بعده مدّة.
وكان جواداً مُمَدَّحاً. ولم يزل في نَكَدٍ وتعب لأنّه كان ضعيف الرّأي فيما يتعلّق بالمملكة. وكان مُعْتنياً بتحصيل الكُتُب النّفيسة، وتفرَّقت بعد موته، وقد وفد عليه راجح الحِلّي الشّاعر وامتدحه، فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم، أعطاه على قصيدةٍ واحدةٍ ألفَ دينار. وأقام عنده الخُسْروشاهي، فوصله بأموالٍ جمَّة.
قال أبو شامة (١): تملك الناصر دمشق بعد أبيه نحواً من سنة، ثمّ اقتصر له على الكَرَك وأعماله. ثمّ سُلِبَ ذلك كلّه - كما سُلِبه الإسكندر بن فيلبّس - وصار متنقّلاً في البلاد، موكَّلاً عليه، وتارةً في البراري إلى أن مات موكَّلاً عليه بالبُوَيْضا قِبْلِي دمشق، وكانت لعمّه مُجير الدّين ابن العادل. صُلِّي عليه عند باب النّصر، ودُفِن عند أبيه بدَيْر مُرَّان.
قلت: وقد روى عنه الدّمياطي حديثاً وقصيدة، فقال: أخبرنا العلاّمة الفاضل الملك الناّصر.
стр. 14316
وقال ابن واصل: عُمُرُهُ نحو ثلاثٍ وخمسين سنة، وكان قد استولى عليه الشَّيْب استيلاءً كثيراً.
٢٦٢ - رُكْن الدّين ابن الدُّوَيْدار الكبير، من كبار دّولة المستعصم، واسمه عبد الله بن ألطَّبرس.
كان شاباً مليحاً، شجاعاً، كريماً. استشهد في ملتقى جيش هولاكو في المحرَّم.
٢٦٣ - زُهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر الأديب البارع، الصّاحب، بهاء الدّين، أبو الفضل، وأبو العلاء الأزدي، المُهلَّبي، المكّي، ثمّ القُوصي، المصري، الشّاعر، الكاتب.
وُلِد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمكّة. وسمع من: علي بن أبي الكرم البناء، وغيره. له ديوان مشهور. تقدَّم عند الملك الصّالح نجم الدّين وكتب له الإنشاء.
ذكره قطب الدّين (١) فقال: وُلد بوادي نخلة بالقرب من مكّة، ورُبّي بالصّعيد، وأحكم الأدب. وكان كريماً فاضلاً، حسن الأخلاق، جميل الأوصاف. خدم الصّالح، وسافر معه إلى الشّرق، فلما ملك الصّالح ديار مصر بلّغه أرفع المراتب، ونفّذه رسولاً إلى الملك النّاصر صاحب حلب يطلب منه أن يسلّم إليه عمّه الصّالح إسماعيل، فقال: كيف أُسَيِّرهُ إليه وقد استجار بي وهو خال أبي ليقتله؟ فرجع البهاء زهير بذلك، فعظم على الصالح نجم الدّين، وسكت على حنق.
ولمّا كان مريضاً على المنصورة تغيَّر على البهاء زهير وأبعده، لأنّه كان كثير التّخيُّل والغضب والمعاقبة على الوهْم، ولا يقيل عثْرة، والسّيّئة عنده لا تغفر.
واتّصل البهاءُ بعده بخدمة النّاصر بالشّام، وله فيه مدائح، ثمّ رجع إلى القاهرة ولزم بيته يبيع كُتُبه وموجوده. ثمّ انكشف حاله بالكُليّة، ومرض أيّام الوباء ومات. وكان ذا مروءة وعصبيّةٍ ومَكارم.
قلت: روى عنه الشّهاب القُوصي عدّة قصائد، والدّمياطي، وغيرهما.
стр. 14317
وقد استعمل الأغاني شِعْره. وهذه الأبيات له:
أغُصْنَ النِّقا لولا القوامُ المُهفْهفُ … لما كان يهواك المُعَنَّى المُعنَّفُ
ويا ظبي لولا أنّ فيك محاسِنًا … حَكَيْن الَّذِي أهوى لما كنتَ تُوصف
وله:
يا من لعبت به شمول … ما أحسن هذه الشمائل
وهي أبيات سائرة.
ومن شعره (١):
كيفَ خَلاصي من هَوّى … مازَجَ روحي فاختلطْ
وتائه أقبض فِي … حُبّي له وما انبسطْ
يا بدرُ إنْ رُمْت تشبُّهاً … به رُمتْ شطط
ودعْه يا غصنَ النَّقا … ما أنتَ من ذاك النَّمطْ
لله أي قلم … لواو ذاك الصُّدْغ خَطّ
ويا لهُ من عجبٍ … فِي خدّه كيف نقطْ
يمرُّ بي مُلتفِتاً … فهل رأيت الظَّبي قطّ
ما فيه من عيب سوى … فُتُور عينيْه فقَطْ
يا قَمَرَ السَّعدِ الذي … نجمي لديه قد هبط
ومانعي حلو الرضا … ومانحي مُرَّ السَّخطْ
حاشاك أنْ ترضى بأنْ … أموتَ فِي الحب غَلَطْ
ومن شعره:
رُويدك قد أفنيتَ يا بيْنُ أدْمعي … وحَسْبُك قد أحرقتَ يا شوقُ أضْلُعي
إلى كم أقاسي فرقة بعد فرقةٍ … وحتى متى يا بين أنت مَعِي مَعِي
لقد ظلمتَني واستطالت يدُ النَّوى … وقد طمعت في جانبي كل مطمعِ
فيا راحلًا لم أدرٍ كيف رحيلُهُ … لما راعني من خطْبه المتسرّعِ
يلاطفُني في القول عند وداعِهِ … ليُذْهِب عني لوعتي وتفجُّعي
ولما قضى التوديعُ فينا قضاءُه … رجعتُ ولكنْ لا تسلْ كيف مرجعي
стр. 14318
جزى الله ذاك الوجه خير جزائه … وحيته عنّي الشمس في كل مطْلع
لحى الله قلبي هكذا هُوَ لم يزلْ … يحنُّ ويَصْبُو ولا يفيق ولا يعي
وله:
قل الثقات فلا تركن إلى أحدٍ … فأسعد الناس من لا يعرف الناسا
لم ألقَ لي صاحبًا في الله صحبتُهُ … وقد رأيت وقد جربت أجناسا
توفي البهاء زهير فِي خامس ذي القعدة بالقاهرة، وكان أسودَ صافيا.
ومن شعره:
تعالَوا بنا نطْوي الحديثَ الَّذِي جرى … فلا سمع الواشي بذاك ولا دَرَى
ولا تذكروا الذَّنْب الَّذِي كان فِي الهوى … على أنه ما كان ذنبًا فيُذكرا
لقد طال شرحُ القيلِ والقالِ بيننا … وما طال ذاك الشُّرْحُ إلا ليقْصُرا
من اليوم تاريخ المودة بيننا … عفا الله عن ذاك العتاب الَّذِي جرى
فكم ليلة بتْنا وكم بات بيننا … من الأنس ما يُنسى بهِ طيبُ الكَرَى
أحاديث أحلى فِي النفوس من المُنَى … وألطف من مرّ النّسيم إذا سرى
وقال: ذهبت فِي الرسلية عن الصالح إلى الموصل، فجاء إلي شرف الدّين أحمد ابن الحُلاوي ومدحني بقصيدةٍ، فأجاد ومنها:
تجيزُها وتجيز المادحيك بها … فقُلْ لنا: أزُهير أنتَ أمْ هرِمُ
عنى زُهير بن أَبِي سُلْمى وممدوحه هَرِم بن سِنان المُزَني، ولزهير فيه مدائح سائرة، وكان أحد الأشراف.
٢٦٤ - سعد، ويقال: محمد، بن عبد الوهّاب بن عبد الكافي ابن شَرَف الإسلام عبد الوهّاب ابن الشّيخ أبي الفَرَج عبد الواحد بن محمد ابن الحنبلي، أبو المعالي الأنصاري، الشيرازي الأصل، الدّمشقي، الحنبلي، الواعظ، الأطروش.
وُلد في صفر سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة بدمشق، وسمع من: يحيى الثُّقفي، وأجاز له: أبو العبّاس التّرك، والحافظ أبو موسى المَديني، وجماعة، وخرّج له: جمال الدّين ابن الصّابوني جزءاً عنهم.
روى عنه القُدماء، ولا أعلم أحداً روى لي عنه. وكان عالي الإسناد،
стр. 14319
لكنّه يُغْرِب. وتوفّي بِبلْبيِس في ثاني عشر ذي الحجّة، ويكنّى أيضاً أبا اليُمْن (١).
٢٦٥ - سليمان بن عبد المجيد بن الحسن بن أبي غالب عبد الله بن الحسن بن عبد الرحمن، الأديب البارع، عونُ الدّين ابن العجمي، الحلبي، الكاتب.
وُلد سنة ستِّ وستمائة، وسمع من: الافتخار الهاشمي، وجماعة.
روى عنه: الدّمياطي، وفتحُ الدّين ابن القيْسراني، ومجد الدّين العقيلي الحاكم.
وكان كاتباً مترسّلاً، وشاعراً محسِناً، ولي الأوقاف بحلب، ثمّ تقدَّم عند الملك النّاصر، وحظي عنده، وصار من خواصّه. وولّي بدمشق نظر الجيش، وكان متأهلاً للوزارة، كامل الرياسة، لطيف الشّمائل.
ومن شعره:
يا سائقا يقطع البيداء معتسفا … بضامر لم يكن في السير بالواني
إن جزت بالشام شم تلك البروق ولا … تعدل، بلغت المنى، عن دير مران
واقصد عوالي قصور فيه تلق بها … ما تشتهي النفس من حور وولدان
من كل بيضاء هيفاء القوام إذا … ماست فوا خجلة الخطي والبان
وكل أسمر قد دان الجمال له … وكمل الحسن فيه فرط إحسان
ورب صدغ بدا في الخد مرسله … في فترة فتنت من سحر أجفان
يا ليت وجنته وردي وريقته … وردي ومن صدغه آسي وريحاني
مات في نصف ربيع الأوّل بدمشق، وشيّعه السُّلطان والأعيان، وكان فيه سوء سيرة (٢).
٢٦٦ - سيفُ الدّين ابن صبْرة، والي دمشق.
مات في جمادى الأولى (٣).
стр. 14320
٢٦٧ - عباس بن أبي سالم بن عبد الملك، الفقيه، أبو الفضل الدّمشقي الحنفي.
سمع من: حنبل، والافتخار الهاشمي. روى عنه: الدّمياطي، وغيره.
ومات في جمادى الأولى بدمشق. ويروي عنه: علاء الدّين علي ابن الشّاطبي، ورفيقه علي المعرّي، عاش ثمانين سنة (١).
٢٦٨ - عبد الله ابن الرَّضَى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبّار، أبو محمد المقدسي الحنبلي، والد شيختنا زينب.
روى عن: داود بن ملاعب، وغيره. ومات كهْلاً في ربيع الأوّل (٢).
٢٦٩ - عبد الله ابن قاضي القضاة زين الدّين علي بن يوسف بن عبد الله ابن بُنْدار، كمال الدّين، أبو بكر الدّمشقي، ثمّ المصري، الشّافعي.
وُلد سنة سبْع وتسعين بالقاهرة. وروى شيئاً يسيراً.
وهو أخو المعين أحمد، والشَّرف يوسف، توفّي في ثالث عشر شوّال (٣).
٢٧٠ - عبد الله المستعصم بالله، أبو أحمد، أمير المؤمنين، الشّهيد، ابن المستنصر بالله أبي جعفر منصور ابن الظّاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن النّاصر لدين الله أحمد الهاشمي العبّاسي، البغدادي، رحمه الله تعالى. آخر الخلفاء العراقيين. وكان ملكهم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة إلى هذا الوقت.
وُلد أبو أحمد سنة تسعٍ وستمائة، وبُويع بالخلافة في العشرين من جمادى الأولى سنة أربعين، والأصحّ أنّه بويع بعد موت والده في عاشر شهر جمادى الآخرة.
وكان مليح الخطّ، قرأ القرآن على الشّيخ علي ابن النّيّار الشّافعي، وعُمِلت دعوةٌ عظيمةٌ وقْت ختْمه، وخُلع على الشّيخ، وأُعطي من الذّهب العِين ستّة آلاف دينار. ويوم خلافته بلغت الخِلع ثلاثة عشر ألف خِلْعة وسبعمائة