← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 14386–14425 · переход к 14391.

стр. 14386

القعدة (١). ٤٤٤ - عبد المحسن بن عبد العزيز بن عليّ بن عبد العزيز، أبو محمد ابن الصَّيْرفيّ، المخزوميّ الوكيل. وُلد سنة تسعٍ وسبعين وخمسمائة بمصر. وسمع من البُوصيريّ، وإسماعيل بن ياسين، وقاسم بن إبراهيم المقدسيّ، والأرْتاحيّ، وفاطمة بنت سعد الخير. وأجاز له: خليل الرّارانيّ، وأبو المكارم اللّبان، وجماعة. وروى عنه الدّمياطيّ، والمصريّون. ومات في الثّاني والعشرين من جمادى الأوّل. وهو أخو عبد الرحمن ومحمد (٢). ٤٤٥ - عبد الواحد بن أبي بكر بن سليمان بن عليّ، أبو محمد الحمويّ، الدّمشقيّ، الشّاهد. أخو أحمد بن أبي بكر. وُلد في سنة خمسٍ وثمانين. وسمع من محمد ابن الخصيب، وحنبل، وابن طبرْزد. روى عنه الدّمياطيّ، وابن الحُلْوانيّة، وغيرهما. توفّي في جمادى الآخرة. وقد حدّث بدمشق ومصر. وأبوه من شيوخ الدّمياطيّ أيضاً (٣). ٤٤٦ - عُبيْد الله بن شبل بن جميل بن محفوظ، الإمام نجمُ الدّين، أبو فراس التّغْلبيّ الهيتيّ، الزّاهد. ويعرف بابن الجُبّيّ. من قرية جُبَّة من سقْي الفُرات. سمع من خليل الجوْسقيّ. وصنّف كتاب فضائل القرآن، وكتاب الشفاء من الداء، وكتاب شمائل النّبيّ الكريم. وقد ولي أعمالاً جليلة، وانقطع بعد أخْذ بغداد في رباطٍ له. ثمّ مات في آخر السّنة. قال ابن الفُوطيّ (٤): أجاز لي في سنة خمسين وستمائة. وابنه شيخ رباط العميد شهاب الدّين عبد الرحمن، مات سنة إحدى وسبعين وستمائة.

стр. 14387

٤٤٧ - عثمان بن محمد بن عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهّر بن أبي عصرون، الصّدرُ الرئيس، شرفُ الدّين، أبو عمْرو ابن القاضي أبي حامد ابن قاضي القُضاة أبي سعد التّميميّ، الدّمشقيّ الشّافعيّ، أخو محيي الدّين عمر. وُلد بدمشق سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، ولم نر له شيئاً من الرّواية عن جدّه. وقد دخل الإسكندريّة في صغره، وسمع من عبد الرحمن بن موقى، وعبد العزيز بن عيسى اللّخميّ. وسمع بمصر من أبي الفضل الغزْنويّ. روى عنه النّجم ابن الخبّاز، وآحاد الطّلبة. ولم يكن سماعه كثيراً. وقد حدّث عنه الزّين أحمد بن عبد الدّائم وهو أكبر منه. وكان رئيساً، نبيلاً، جواداً، مفضَّلاً. أنفق أموالاً عظيمة إلى أن بقي فقيراً. قال الشّيخ قُطْب الدّين (١): حدّثني الجمال نصر الله، وكان في خدمته، أن أباه أبا حامد خلّف له من الأموال والقماش والخيل والخدم والأملاك شيئاً كثيراً، من ذلك سطْل بلَّوْر بقدّ المُدّ أو أكبر بطوْق ذهب، وهو ملآن جواهر نفيسة، فأذهب الجميع. قال (٢): كان المذكور شرف الدين قد اجتمع ولده الجنيد بمصر في هذه السّنة بالملك المظفّر، وأراه كتاباً فيه أنّ بمصر دفائن، وأنها لا تحصل إلاّ بخراب أماكن كثيرة. فأصغى إليه السّلطان. وكأن بعض من خاف خراب ملْكه اغتاله، فعُدم، أو قُتل في أواخر صفر. ذكر الشّريف عزّ الدّين (٣) أنّه توفّي بدمشق، فالله أعلم. ٤٤٨ - عثمان بن يوسف بن حيْدرة، الطّبيب، التّاجر جمال الدّين ابن الطّبيب العلاّمة رضيّ الدّين الرحبيّ ثمّ الدّمشقيّ. برع في علم الطّبّ على والده، وخدم في المارستان النُّوريّ زماناً. وكان

стр. 14388

يسافر في التّجارة إلى مصر، فتوجّه في الجفل إلى مصر ومات هناك في ربيع الآخر (١). ٤٤٩ - عليّ بن إبراهيم بن خُشْنام بن أحمد، الفقيه، أبو الحسن الحُميْديّ الكرديّ الحلبيّ، الحنفيّ. كان من كبار الحنفيّة. روى عن داود بن معمَّر؛ سمع منه بأصبهان. روى عنه الدّمياطيّ، والبدر محمد ابن التّوّزيّ، وغيرهما. وعُدم بحلب في دخول التّتار في صفر (٢). ٤٥٠ - عليّ بن فايد بن ماجد الخزْرجيّ. الشّيخ الصّالح الزّاهد. سمع من مسمار بن العُويْس، وإبراهيم ابن البرنيّ. وحدّث. وعُدم شهيداً بحلب (٣). ٤٥١ - عليّ بن يوسف بن شيْبان، جلال الدّين النُّميْريّ، الماردينيّ، المعروف بابن الصّفّار، الشّاعر. توفّي في ربيع الآخر عن ثلاثٍ وستّين سنة (٤). ٤٥٢ - عمر بن عبد المنعم ابن أمين الدّولة الفقيه، أبو حفص الحلبيّ، الحنفيّ. حدث عن: الافتخار الهاشميّ، وغيره. وراح إلى رحمة الله في كائنة حلب (٥). ٤٥٣ - عيسى بن موسى بن أبي بكر بن خضر بن إبراهيم أخي شيخ الإسلام عليّ بن أحمد بن يوسف بن جعفر بن عرفة بن مأمون بن المؤمّل بن قاسم بن الوليد بن عتْبة بن أبي سفيان، الأمير الأجلّ، شهابُ الدّين القُرشيّ، الأمويّ، الكُرديّ، الهكّاريّ، ويُعرف بابن شيخ الإسلام. كان فقيها، زاهداً، شجاعاً، فارساً. درّس مدّةً بدمشق بالمدرسة

стр. 14389

الجاروخيّة. وتوفّي بمصر في ثامن وعشرين جمادى الأولى، ﵀ (١). ٤٥٤ - فاطمة، السّتّ النّبويّة ابنة الشّهيد المستعصم بالله. ماتت غريبة أسيرة ببُخارى في دار الشّيخ شرف الدّين الباخرْزيّ، استنقذها من العدوّ. شيّعها الخلق. وبُنيت عليها قبّة بكلاباذ. ٤٥٥ - فاطمة بنت المحدّث أبي الفضل نعمة بن سالم بن نعمة ابن الحزّام (٢)، أمّ الخير. سمعت من البُوصيري، وإسماعيل بن ياسين، وبنت سعد الخير. روى عنه الحافظان زكيُّ الدّين عبد العظيم مع تقدُّمه، وشيخُنا الدّمياطيّ، والمصريّون، وتوفّيت في السّابع والعشرين من ذي الحجّة. ٤٥٦ - قُطز بن عبد الله، السّلطان الشّهيد الملك المظفّر، سيف الدّين المُعزّيّ. كان أكبر مماليك الملك المُعزّ أيْبك التّركمانيّ. وكان بطلاً شجاعاً، مِقْداماً، حازماً، حسن التّدبير، يرجع إلى دينٍ وإسلام وخير. وله اليد البيضاء في جهاد التّتار، فعوّض الله شبابه بالجنّة ورضي عنه. حكى شمس الدّين ابن الجزّريّ في تاريخه (٣)، عن أبيه قال: كان قُطُز في رقّ ابن الزّعيم بدمشق في القصّاعين، فضربه أستاذُه فبكى، ولم يأكل شيئاً يومه. ثم ركب أستاذُه للخدمة، وأمر الفرّاش أن يترضّاه ويُطْعمه. قال: فحدّثني الحاجّ عليّ الفرّاش قال: جئتُه فقلت: ما هذا البكاء من لطْشة؟ فقال: إنّما بُكائي من لعنته أبي وجدّي، وهم خيرٌ منه. فقلت: من أبوك واحد كافر. فقال: والله ما أنا إلاّ مسلم ابن مسلم، أنا محمود بن ممدود ابن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك. فسكتّ وترضّيته. وتنقّلت به الأحوال إلى أن تملّك. ولمّا تملّك الشّام أحسن إلى الحاجّ علي الفرّاش، وأعطاه خمسمائة دينار، وعمل له راتباً. قلت: وكان مدبّر دولة ابن أستاذه الملك المنصور عليّ ابن المُعزّ، فلمّا

стр. 14390

دهم العدوّ الشّام رأى أنّ الوقت يحتاج إلى سلطان مهيب كامل الرُّجُوليّة، فعزل الصّبيّ من المُلك وتسلطن، وتمّ له ذلك في أواخر سنة سبْعٍ وخمسين. ثمّ لم يبلعْ ريقه، ولا تهنّى بالسّلطنة حتّى امتلأت الشّامات المباركة بالتّتار، فتجهّز للجهاد، وشرع في أُهْبة الغزو، والتفّ إليه عسكر الشّام وبايعوه، فسار بالجيوش في أوائل رمضان لقصد الشّام، ونصر الإسلام، فعمل المصافّ مع التّتار، وعليهم كتْبُغا على عين جالوت، فنصره الله، وقتل مقدَّم التّتار. قال الشّيخ قُطْب الدّين (١): حكي عنه أنّه قُتل جوادُه يومئذ، ولم يصادف أحداً من الوشاقيّة، فبقي راجلاً، فرآه بعض الأمراء الشُّجعان، فترجّل وقدّم له حصانه، فامتنع وقال: ما كنت لأمنع المسلمين الانتفاع بك في هذا الوقت. ثمّ تلاحقت الوشاقية إليه. وحدّثني أبي أحمد أنّ الملك قُطُزْ لمّا رأى انكشافاً في ميْسرته رمى الخوْذة عن رأسه وحمل وقال: وَادِين محمد. فكان النّصر. قال: وكان شابّاً أشقر، كبير اللّحية. قلت: ثمّ جهّز الأمير رُكن الدّين بيْبرس، أعني الملك الظّاهر، في أقْفاء التّتار، ووعده بنيابة حلب، فساق وراءهم إلى أن طردهم عن الشّام. ثمّ إنّه انثنى عزْمُهُ على إعطائه حلب، وولاّها لعلاء الدّين ابن صاحب الموصل، فتأثّر رُكن الدّين من ذلك. ودخل الملك المظفّر دمشق، فأحسن إلى الرّعيّة، وأحبّوه حبّاً زائداً، ثمّ استناب على البلد علم الدّين سنْجر الحلبيّ، ورجع بعد شهر إلى الديار المصرية، فقُتل بين الغرابيّ والصّالحيّة في آخر الرّمل، ودُفن بالقُصيْر. وقال ابن الجزْريّ في تاريخه (٢): حدّثني أبي قال: حدّثني أبو بكر ابن الدُّريْهم الإسْعرديّ والزّكيّ إبراهيم الجبيلي أستاذ الفارس أقطايا، قالا: كنّا عند سيف الدّين قُطُزْ لمّا تسلطن استاذُه المُعزّ، وقد حضر عنده منجّمٌ مغربيّ، فصرف أكثر غلمانه، فأردنا القيام، فأمرنا بالقُعود، ثمّ أمر المنجّم فضرب الرّمل. ثمّ قال: اضرب لمن يملك بعد أستاذي، ومن يكسر التّتار. فضرب،

стр. 14391

وبقي زماناً يحسب وقال: ياخونْد يطلع معي خمسُ حروف بلا نُقط ابن خمس حروف بلا نقط. فقال: لمَ لا تقول محمود بن ممدود. فقال: يا خَونْد لا يقع غير هذا الاسم. فقال: أنا هو، وأنا أكسرهم وأخذ بثأر خالي خُوارزم شاه. فتعجّبنا من كلامه وقلنا: إن شاء الله يكون هذا يا خونْد. فقال: اكتُمُوا هذا. وأعطى المنجّم ثلاث مائة درهم. قلت: تولّى قتْله رُكن الدّين البُنْدقداريّ المذكور الّذي قتل الملك المعظّم بالمنصورة، وأعانه جماعة أمراء. وبقي مُلْقى، فدفنه بعض غلمانه، وصار قبره يُقصد بالزّيارة، ويُترحّم عليه، ويُسبّ من قتله، فلمّا كثُر ذلك بعث السّلطان من نبشه، ونقله إلى مكان لا يُعرف، وعفَّى أثره. قُتل في سادس عشر ذي القعدة. ٤٥٧ - كتبُغا المغلي، النُّويْن. قتل إلى لعنة الله يوم وقعة عين جالوت. قال قطب الدّين (١): قتله الأمير جمال الدّين آقوش الشَّمْسيّ ولم يعرفه. وكان عظيماً عند التّتار يعتمدون عليه لرأيه وشجاعته وصرامته وعقله. وكان من الأبطال المذكورين، له خبرة بالحصارات والحروب وافتتاح الحصون. وكان هولاوو لا يخالفه ويتيمَّن برأيه. وله في الحروب والحصارات عجائب. وكان شيخاً مسناً يميل إلى النصرانيّة. قاتل يومئذٍ إلى أن قتل، وأسر ولده، فأُحضر بين يدي الملك المظفّر، فسألوه عن أبيه فقال: أبي ما يهرب، فأبصروه في القتلى. فأحضروا عدة رؤوس، فلما رآه بكى، وقال للملك المظفّر: ياخوند نم طيّباً، ما بقي لك عدوٌّ تخاف منه، كان هذا سعد التّتر، وبه يهزمون الجيوش، وبه يفتحون الحصون. ٤٥٨ - محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرجال أحمد بن علي الشيخ الفقيه، أبو عبد الله اليونينيّ، شيخ الإسلام الحنبليّ، الحافظ. ذكره ولده الشيخ قطب الدّين في تاريخه فرفع نسبه إلى عليّ رضي الله

стр. 14392

عنه، فقال (١): ابن أبي الرجال أحمد بن عليّ بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵄. وحدّث شيخنا الإمام الثقة أبو الحسين أن والده الشيخ الفقيه ذكر له قبل أن يموت بقليل أننا من ذرية الحسين بن علي، وساق له هذا النسب. ولد في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بيُونين، ولبس الخرقة من الشيخ عبد الله البطائحي صاحب الشيخ عبد القادر؛ ولزم الشيخ عبد الله اليونينيّ، وكان يشفق عليه ويربيه، فإنه رُبّي يتيماً، وتعلم الخطَّ المنسوب، واشتغل بدمشق على الشيخ الموفَّق في المذهب، وعلى الحافظ عبد الغني في الحديث، وسمع منهما. ومن أبي طاهر الخشوعيّ، وحنبل الرَّصافيّ، وأبي اليمن الكندي، وأبي التمام القلانسيّ، وجماعة. وروى الكثير بدمشق وبعلبك. وكان والده مرخماً ببعلبك وبدمشق، ثم سافر وترك محمداً عند أمه بدمشق بناحية الكشك، وكان في جوارهم أولاد أمير، فتردد محمد معهم إلى الجامع، فتلقّن أحزاباً، ثم طلع الصبيان إلى بستانٍ، فأسلمته أمه نشّابياً، فصار له في الشهر خمسة دراهم، فكان يرتفق بها. ثم ذهب يوماً إلى المقرئ يسلّم عليه، فقال له: لم لا تلازم القرآن يا ولدي، فإنك يجيء منك شيء. فاعتذر بأنه في دكان، فقال: كم يعطيك المعلم؟ قال: خمسة دراهم في الشهر. فأخرج له خمسة دنانير وقال: أنا أعطيك كل شهر هكذا. فاجتمع بأمه وكلمها. فلازمه فختم عليه القرآن في مدةٍ يسيرة، ثم طلب له الشيخ عبد الله اليونينيّ مجوداً، وقال له: إن كتب محمد مثلك أعطيتك ثلاثمائة. فتعلم الخط وبرع فيه، وشارطه المجود على نسخ كتاب قصص بثلاثمائة، فكتب من أوله ورقة، وأعطاه لمحمد فنسخه بخطه، ثم قال: يا بني قد برئت ذمة الشيخ من الثلاثمائة. ثم لازم الحفظ حتى حفظ الجمع بين الصحيحين. وكان ربما يجوع. وقد سمع مرة من الكندي إذ ذاك فكتب الطبقة، فنظر فيها الكندي فأعجبه خطه، فقال: هذا خطك وهذا حظك.

стр. 14393

روى عنه أولاده أبو الحسين وأبو الخير وآمنة وأمة الرحيم، وأبو عبد الله بن أبي الفتح، وموسى بن عبد العزيز، وإبراهيم بن أحمد بن حاتم، وأبو الحسن بن حصن، ومحمد وإبراهيم ابنا بركات ابن القريشة، ومحمد ابن المحب، والمحييّ إمام المشهد، وعليّ ابن الشاطبيّ، ومحمد ابن الزراد، وعبد الرحيم ابن الحبال، وعلي بن المظفر الكاتب، وطائفة سواهم في الأحياء. وكان يكرر على الجمع بين الصحيحين للحميديّ. ذكره عمر ابن الحاجب الحافظ في معجمه في سنة بضع وعشرين وستمائة، فأطنب في نعته وأسهب، وأرغب في وصفه وأغرب، فقال: اشتغل بالفقه والحديث إلى أن صار إماماً حافظاً، وصار مقدم الطائفة، لم ير في زمانه مثل نفسه في كماله وبراعته. جمع بين علمي الشريعة والحقيقة. وكان حميد المساعي والآثار، حسن الخَلق والخُلُق، نفاعاً للخلق، مطرحاً للتكلف. من جملة محفوظاته الجمع بين الصحيحين للحميديّ. وحدّثني أنه حفظ صحيح مسلم جميعه، وكرر عليه في أربعة أشهر. وكان يكرر على أكثر مسند أحمد من حفظه، وأنه كان يحفظ في الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثاً. وقال قطب الدّين (١): كان: ﵀، يصلي بالشيخ عبد الله، وحفظ الجمع بين الصحيحين وأكثر المسند، وحفظ صحيح مسلم في أربعة أشهر. وحفظ سورة الأنعام في يوم، وحفظ من المقامات ثلاثة إلى نصف نهار الظهر. وتزوج ست زوجات، وخلف خمسةً أولاد: علياً وخديجة وآمنة وأمهم تركمانية، وموسى- يعني نفسه - وأمة الرحيم، وأمُّهما زين العرب بنت نصر الله أخي قاضي القضاة شمس الدّين يحيى ابن سني الدولة. ثم قال (٢): والنسب الذي ذكرناه رواه عنه ولده أبو الحسين علي. قال: أظهره لي قبل وفاته لأعلم بأن الصدقة تحرم علينا. وكان (٣) الملك الأشرف موسى يحترمه ويعظمه ويعتقد فيه، وكذلك أخوه الملك الصالح.

стр. 14394

قال (١): ولما قدم الملك الكامل إلى دمشق طلب من أخيه الأشرف أن يحضر له الشيخ الفقيه ليراه، فأحضره من بعلبك. فلما رآه عظُم في عينه وأرسل إليه مالاً فلم يقبله. ولما ملك الصالح نجم الدّين البلاد قالوا له عنه: إنه يميل إلى عمه الصالح إسماعيل، فبقي في نفسه منه، فلما اجتمع به بالغ في إكرامه، ولم يشتغل عنه بغيره، فلما فارقه بالغ في الثناء عليه، فقيل له: إلا أنه يحب عمك الصالح إسماعيل. فقال: حاشى ذاك الوجه المليح. وقدم في أواخر عمره دمشق سنة خمسٍ وخمسين، فخرج الملك الناصر إلى زيارته بزاوية الفرنثي، وتأدب معه، وعظمه، واستعرض حوائجه. وكان يكره الاجتماع بالملوك ولا يؤثره، ولا (٢) يقبل إلا هدية من مأكول ونحوه. قلت: وقد خدمه مدةً شيخنا علي بن أحمد بن عبد الدائم، فقال: كان للشيخ الفقيه أوراد، لو جاء ملكٌ من الملوك ما أخرها عن وقتها. وكنت أخدمه، فورد الشيخ عثمان شيخ دير ناعس، فجلس ينتظر الشيخ، فقال: أشتهي أن يكشف الشيخ الفقيه صدره فأعانقه، ويعطيني ثوبه. فلما جاء الشيخ وأكلوا، قال: قم يا شيخ عثمان. ثم كشف عن صدره وعانقه، وأعطاه ثوبه، وقال: كلما تقطع ثوب أعطيتك غيره. وكان ما يرى إظهار الكرامات، ويقول: كما أوجب الله على الأنبياء إظهار المعجزات، أوجب على الأولياء إخفاء الكرامات. قال: وذكروا عنده الكرامات فقال: والكم أيش الكرامات. كنت عند الشيخ عبد الله وأنا صغير، وكان عنده بغاددة يعملون مجاهدات، فكنت أرى من يخرج من باب دمشق، وأرى الدنيا قدامي مثل الوردة فكنت أقول للشيخ: يا سيدي بيجي (٣) إلى عندك من دمشق أناسٌ ومعم كذا وكذا، وأناس من حمص ومن مصر، فإذا جاء ما أقول يقولون: يا سيدي، نحن نعمل مجاهدات وما نرى، وهذا يرى. فيقول: هذا ما هو بالمجاهدات، هذا موهبةٌ من الله. وقال خطيب زملكا ابن العز عمر: حدّثني العارف إسرائيل بن إبراهيم قال: طلب الشيخ الفقيه من الشيخ عثمان شيخ دير ناعس قضية، قال: فقضيت

стр. 14395

الحاجة، فقال الشيخ الفقيه: أحسنت يا شيخ عثمان. فقال بعض الفقراء: يا سيدي أنت ما عندك أحدٌ مثل الفقيه لم لا قام هو في هذا بنفسه؟ فقال: الخليفة إذا أراد شغلاً يأمر بعض من عنده يقوم فيه. وحدّثني إسرائيل أن الوزير أمين الدولة دعا الشيخ الفقيه والشيخ عثمان والفقراء، وكنت فيهم، فلما قدم الشيخ الفقيه قام ابن البغيلة النقيب وتلقى الشيخ وتكلم، فلما شرعوا في الأكل شمر الشيخ الفقيه سواعده وأكل، ولم يأكل الشيخ عثمان، فقال أمين الدولة: يا سيدي، لم لا تأكل؟ فقال الفقيه: خليه فقد حصلت لك البركة. فلما خرجوا قيل للشيخ عثمان: أنت تحب الشيخ محمد وما تشتهي تفارقه، وأكل وأنت لم تأكل. فقال: نظرت إلى الطعام فوجدته ناراً، ورأيته إذا مد يده إلى اللقمة وأخذها تصير نوراً، وأنا هذا الحال ما أقدر عليه. وأخبرني الإمام (١) فخر الدّين عبد الرحمن بن يوسف البعلبكيّ قال: أخبرني الشيخ عثمان، قال: كان في خاطري ثلاث مسائل أريد أن أسأل عنها الشيخ الفقيه. قال: فأجابني عنها قبل أن أسأله. وأخبرني شيخنا شمس الدّين حسين بن داود قال: كان الشيخ الفقيه حسن المحاورة، ما كنت أشتهي أن أفارقه من فصاحته. وأخبرني إبراهيم ابن الشيخ عثمان بدير ناعس، قال: أخبرني أبي، قال: قطب الشيخ الفقيه ثمان عشرة سنة. أخبرني الشيخ تقي الدّين إبراهيم ابن الواسطيّ، قال: رأيت للشيخ الفقيه رؤيا تدل على أنه أعطي ولاية، أو كما قال. وسمعت قاضي القضاة أبا المفاخر - يعني ابن الصائغ - يقول: سأل الملك الأشرف الشيخ الفقيه فقال: يا سيدي أشتهي أبصر شيئاً من كراماتك. فقال الشيخ: أيش يكون هذا. فلما أراد الشيخ الخروج بادر الأشرف إلى مداسه وقدَّمه، فقال له الشيخ: هذا الذي كنت تطلبه قد رأيته. أنت الملك الأشرف ابن الملك العادل، وأنا ابن واحدٍ من يونين تقدم مداسي. فأطرق الأشرف.

стр. 14396

قلت: وحدّثني الشيخ أبو الحسين شيخنا أن أباه توضأ بقلعة دمشق على البركة، فلما فرغ نقض له السلطان الملك الأشرف بعض عمامته، وقدمها له تنشَّف بها. وقال ابن الحاجب: وكان، ﵀، مليح الشيبة، حسن الشكل والصورة، زاهداً وقوراً، ظريف الشمائل، مليح الحركات، حميد المساعي، بشوش الوجه، له الصيت المشهور، والإفضال على المنتابين. وكان من المقبولين المعظمين عند الملوك. قلت: هذا كله قاله ابن الحاجب والشيخ الفقيه كهل. وعاش بعد ذلك ثلاثين سنة في ازدياد. وكان الشيخ بهياً، نورانياً، عليه جلالة وهيبة، لا يشبع الشخص من النظر إليه، فرحمة الله عليه. توفي في تاسع عشر رمضان ببعلبك، ودفن عند شيخه عبد الله اليونينيّ (١). ٤٥٩ - محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عاصم بن عثمان بن عيسى، الفقيه أبو عبد الله العدوي، الحلبي، الشافعي. ممن راح تحت السيف بحلب. روى عن عمر بن طبرزد. حدثنا عنه إسحاق ابن النحاس (٢). ٤٦٠ - محمد بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن التابلان المنبجي. روى بالإجازة عن أبي الفرج ابن الجوزي. حدثنا عنه التاج صالح القاضي (٣). ٤٦١ - محمد بن حامد بن أبي العميد بن أميري، الفقيه، أبو الفضل القزوينيّ، الشافعيّ. سمع بأصبهان من محمد بن محمد بن الجنيد الصوفيّ. وحدّث بمدينة حلب، وبها عُدِم في الوقعة. ولقبه: عماد الدّين.

стр. 14397

روى عنه الشيخ محمد بن أبي الفضل الجعبريّ الخطيب (١). ٤٦٢ - محمد بن خليل بن عبد الوهاب بن بدر الحوراني ثم الدمشقي. هو الشيخ محمد الأكّال. أصله من جبل بني هلال، ومولده بقصر حجاج سنة ستمائة. ذكره قطب الدّين في تاريخه فقال (٢): كان رجلاً صالحاً، كثير الإيثار. وحكاياته مشهورة في أخذه الأجرة على الأكل. ولم يسبقه إلى ذلك أحد، ولا اقتفى أثره من بعده أحد. ولا شك أنه كان له حالٌ ينفعل له بها الناس. وكان جميع ما يفتح عليه به على كثرته يصرفه في القرب والأرامل والمحبَّسين. وكان بعض الناس ينكر على من يعامله هذه المعاملة، وينسبه إلى التهور في فعله، فإذا اتفق اجتماعه به انفعل له انفعالاً كلياً، ولا يستطيع الامتناع من إعطائه كل ما يروم. وكان حسن الشكل، مليح العبارة، حلو المحادثة. له قبول تام من سائر الناس. وكان كثير المحبة في الشيخ الفقيه، وله ترددٌ إليه، ويأكل عنده بلا أجرة. توفي إلى رحمة الله في خامس رمضان. قلت: كان يطلب الأجرة على مقدار قيمة الأكل ومقدار المعطي. وبلغنا أنه قال: ما غلبني إلا واحدٌ دق علي الباب فوجده مفتوحاً ومعه رأس غنم، فأدخل الرأس ورد الباب وسكره، وبقيت أصيح، وخلا وهرب ولم أعرفه، وراح علي أجرة أخذ للرأس الغنم. ٤٦٣ - محمد بن زكريا بن رحمة بن أبي الغيث، العفيف، أبو بكر الدمشقي، الخياط. ولد سنة ثمانين وخمسمائة. وأجاز له: الخشوعيّ، والبهاء ابن عساكر، وجماعة وخرّجوا له مشيخة بالإجازة. روى عنه الدّمياطيّ، وابن الخباز، والبرهان رئيس المؤذنين، ومحيي الدّين إمام المشهد، وآخرون. وتوفي في

стр. 14398

سابع عشر ذي الحجة. وقيل: بل توفي سنة تسعٍ فالله أعلم (١). ٤٦٤ - محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر، الحافظ العلامة أبو عبد الله القضاعيّ، البلنسيّ الكاتب الأديب، المعروف بالأبار وبابن الأبار. ولد سنة خمسٍ وتسعين وخمسمائة. وسمع من أبيه الشيخ أبي محمد الأبار، وأبي عبد الله محمد بن أيوب بن نوح الغافقي، وأبي الخطاب أحمد بن واجب، وأبي سليمان داود بن سليمان بن حوط الله، وأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن سعادة، وأبي علي الحسين بن يوسف بن زلال، وأبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعيّ الحافظ وبه تخرج. وعني بالحديث، وتجول في الأندلس، وكتب العالي والنازل. وكان بصيراً بالرجال، عارفاً بالتاريخ، إماماً في العربية، فقيهاً، مقرئاً، أخبارياً، فصيحاً، مفوَّهاً، له يدٌ في البلاغة والإنشاء، والنظم، والنثر، كامل الرياسة، ذا جلالة وأبَّهةٍ وتجمُّلٍ وافر. وله مصنفات كثيرة في الحديث، والتاريخ، والآداب. كمّل الصلة البشكواليّة بكتاب في ثلاثة أسفار، اختصرته في مجلد. ومن رأى كلام الرجل علم محله من الحديث والبلاغة. وكان له إجازةٌ من أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي جمرة، روى عنه بها. وقّتِل مظلوماً بتونس على يد صاحبها في العشرين من المحرم، فإنه تخيَّل منه الخروج، وشق العصا، ولم يكن ذلك من شيمته، ﵀. وبلغني أيضاً أن بعض أعدائه ذكر عند صاحب تونس أنه ألف تاريخاً، وأنه تكلم فيه في جماعة. وقيل: هذا فضولي يتكلم في الكبار. فطلب وأحس بالهلاك، فقال لغلامه: خذ البغلة وأمض بها إلى حيث شئت، فهي لك. فلما دخل قتلوه، فنعوذ بالله من شر التاريخ، ومن شر كل ذي شر. ثم رأيت له جزءاً سماه درر السِّمط في خبر السِّبط ﵇ (٢) ينال فيه من بني أُمَّية، ويصف علياً ﵇ بالوصي، وهذا تشيع ظاهر، لكنه

стр. 14399

إنشاءٌ بديع، ونثرٌ بليغ (١). ٤٦٥ - محمد بن عبد الكريم بن عمر، الزاهد الكبير أبو عبد الله الأندلسيّ الجرشيّ، الشهير بالعطار. حج من الأندلس مرتين، فسمع في الثانية من يونس الهاشمي صحيح البخاري، ومن أبي الفتوح ابن الحصريّ السنن، ومن أصحاب الكروخيّ جامع أبي عيسى وروى الكثير؛ أكثر عنه أبو جعفر بن الزُّبير، وقال: مات في المحرم، وعاش بضعا وتسعين سنة (٢). قلت: مات سنة ثمانٍ وخمسين (٣). ٤٦٦ - محمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، المسند شمس الدّين أبو عبد الله المقدسيّ، أخو العماد. سمع من: محمد بن حمزة بن أبي الصقر، ويحيى الثقفي، وعبد الرزاق بن نصر النجار، وابن صدقة الحرانيّ، وغيرهم، وأجاز له: أبو طاهر السلفي، وشهدة الكاتبة، وهو آخر من روى بالإجازة عنها. وكان شيخا معمرا، دينا، حافظا لكتاب الله، قليل الخلطة بالناس، صالحا متعففا. أثنى عليه الحافظ الضياء، وغيره. وقال الشريف عز الدّين (٤): استشهد بساوية من عمل نابلس، وكان إمامها، على يد التّتار في جمادى الأولى، وقد نيف على المائة. قال الذهبي: ما أحسبه جاوز التسعين، وقد روى عنه: ابن الحلوانيّة، والدّمياطيّ، والقاضي تقي الدّين، وشرف الدّين عبد الله ابن الحافظ، ومحمد بن أحمد البجديّ الزاهد، ومحمد بن أحمد أخو المحب، ومحمد ابن الصلاح، ومحمد ابن الزراد، وآخرون، وحدّث بصحيح مسلم بالجبل في سنة اثنتين وخمسين عن ابن صدقة.

стр. 14400

٤٦٧ - محمد بن عبد الواحد بن عبد الجليل بن علي، القاضي الفقيه، زكي الدّين أبو بكر المخزوميّ، اللبنيّ (١)، الشافعيّ. أعاد بدمشق بالمدرسة الناصرية أول ما فتحت، ودرس بمدرسة الفتحية، وولي قضاء بانياس وقضاء بصرى، ثم ولي قضاء بعلبك بعد قاضيها صدر الدّين عبد الرحيم، وكان محمودا في أحكامه، له فضائل ومشاركات جيدة. ذكر أنه من ذرية خالد بن الوليد ﵁، وقد عاش ولده معين الدّين إلى سنة نيف عشرة وسبع مائة. توفي زكي الدّين ببعلبك في ذي القعدة وهو في عشر السبعين، وله شعرٌ حسن (٢). ٤٦٨ - محمد بن غازي بن محمد بن أيوب بن شاذي، السلطان الملك الكامل ناصر الدّين أبو المعالي ابن الملك المظفر ابن العادل صاحب ميّافارقين. تملك البلد بعد وفاة أبيه سنة خمسٍ وأربعين وستمائة. ذكره الشيخ قطب الدّين، فقال (٣): كان ملكا جليلا دينا، خيرا، عالما، عادلا، مهيبا، شجاعا، محسنا إلى رعيته، كثير التعبد والخشوع، لم يكن في بيته من يضاهيه في الدّين وحسن الطريقة، استشهد بأيدي التّتار بعد أخذ ميّافارقين منه، وقطع رأسه، وطيف به في البلاد بالمغاني والطبول، ثم علق بسور باب الفراديس، فلما انكسروا دفنه المسلمون بمسجد الرأس الذي داخل باب الفراديس، وكان ﵀ أولا يداري التّتار، فلما خبرهم انقبض منهم، ولما رآهم على قصده قدم دمشق مستنجدا بالسلطان الملك الناصر، فأكرمه غاية الإكرام، وقدم له تقادم جليلة، ووعده بالنجدة، فرجع إلى ميّافارقين، ولم يمكن الناصر أن ينجده، ثم إن هولاكو سير ابنه أشموط لمحاصرته، فنازله نحوا من عشرين شهرا، وصابر الكامل القتال حتى فني أكثر أهل البلد، وعمهم القتل والوباء والغلاء المفرط والعدم.

стр. 14401

قلت: حدّثني شيخنا تاج الدّين محمود بن عبد الكريم الفارقيّ، قال: سار الملك الكامل ابن غازي إلى قلاع بنواحي آمد فافتتحها، ثم سير إليها أولاده وأهله، وكان أبي في خدمته، فرحل بنا إلى حصن من تلك الحصون، فعبر علينا التّتار فاستنزلوا أولاد الكامل بالأمان، ومروا بهم علينا، وعمري يومئذٍ سبع سنين، ثم إنهم حاصروا ميّافارقين، فبقوا نحو ثمانية أشهر، فنزل عليهم الثلج والبرد حتى هلك بعضهم، وكان الملك الكامل يخرج إليهم ويحاربهم وينكي فيهم، فهابوه، ثم إنهم بنوا عليهم مدينة بإزاء البلد بسورٍ وأبرجة، وأما أهل ميّافارقين فنفدت أقواتهم وجاعوا، حتى كان الرجل يموت في البيت فيأكلون لحمه، ثم وقع فيه موتان، وفتر التّتر عن قتالهم وصابروهم، وفني أهل البلد، وفي آخر الأمر خرج بعض الغلمان إلى التّتار، فأخبروهم بجلية الأمر، فما صدقوه وقالوا: هذه خديعة، ثم تقربوا إلى السور فبقوا عنده شهرا لا يجسرون على الهجوم، فدلى إليهم مملوك الكامل حبالا، فطلعوا إلى السور، فبقوا أسبوعا لا يجسرون على النزول إلى البلد، وكان قد بقي فيها نحو سبعين نفسا بعد ألوفٍ من الناس، ثم دخلت التّتار على الكامل داره وآمنوه، وعذبوا أربعين رجلا على المال كانوا قد اشتروا أمتعة كثيرة وذخائر ونفائس من الغلاء، فاستصفوهم ثم قتلوهم، وقدموا بالكامل على هولاكو، وهو بالرها، وهو قاصدٌ حلب، فإذا هو يشرب، فناول الكامل كأسا من الخمر، فامتنع وقال: هذا حرام، فقال هولاكو لامرأته: ناوليه أنت، والتّتار أمر نسائهم فوق أمرهم، فناولته فأبى، وسب هولاكو وبصق في وجههه، وكان قبل ذلك قد سار إلى التّتار، ورأى القان الكبير، وعندهم في اصطلاحهم أن من رأى وجه القان لا يموت، فلما واجه هولاكو بهذا الفعل استشاط غضبا وقتله. وكان الكامل شديد البأس، قوي النفس، آلت به الحال إلى ما آلت ولم ينقهر للتّتار، بحيث إنهم أتوه بأولاده وحريمه إلى تحت السور، وكلموه في أن ينزل بالأمان، فقال: ما لكم عندي إلا السيف. ٤٦٩ - محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الصمد بن أحمد، أبو المعالي ابن الطرسوسيّ، الحلبيّ الشافعيّ.

стр. 14402

ولد سنة تسعٍ وثمانين وخمسمائة، وحدث عن: عمر بن طبرزد، واستشهد بحلب (١). ٤٧٠ - محمد بن يحيى بن محمد بن هبة الله بن محمد، الفقيه، أبو المفاخر بن أبي الفتح بن أبي غانم بن أبي جرادة العقيليّ الحلبي الحنفي ابن العديم. روى عن: ثابت بن مشرف، وأجاز له: التاج الكندي، وجماعة، كتب عنه الدّمياطيّ بنصيبين، واستشهد بحلب كهلا (٢). ٤٧١ - محمد بن يوسف بن محمد، الفخر الكنجيّ، نزيل دمشق. عني بالحديث، وسمع الكثير، ورحل وحصل، ثم إنه بدا منه فضول في أيام التّتار بدمشق. قال الإمام أبو شامة (٣): قُتِل بجامع دمشق يوم التاسع والعشرين من رمضان، وكان فقيها محدّثا، لكنه كان كثير الكلام، يميل إلى الرفض، جمع كتبا في التشيع وداخل التّتار، فانتدب له من تأذى منه فبقر بطنه بالجامع، قتل كما قتل غيره من أعوان التّتار مثل الشمس محمد بن عباس الماكسينيّ، وابن البغيل الذي كان يسخّر الدواب. ٤٧٢ - محمد بن أبي القاسم بن محمد بن أبي بكر بن عمر، الضياء، أبو عبد الله القزوينيّ الأصل، الحلبيّ المولد، الصوفيّ. ولد سنة اثنتين وسبعين، وسمع من: يحيى الثقفي، روى عنه: الدّمياطيّ، والقاضي عز الدّين العديميّ، وأخوه عبد المحسن، والعماد ابن البالسي، وأخوه عبد الله، والكمال إسحاق الأسديّ، وحفيده عبد الله بن إبراهيم بن محمد الصوفي نزيل القاهرة، وغيرهم؛ وتاج الدّين صالح الجعبريّ، وحدّث بدمشق وحلب. توفي بحلب في أوائل ربيع الآخر بعد رحيل التّتار، خذلهم الله (٤).

стр. 14403

٤٧٣ - مبارك بن يحيى بن مبارك بن مقبل، الأديب مخلص الدّين، أبو الخير الحمصيّ. انجفل من حمص ولجأ إلى جبل لبنان، فتوفي بقريةٍ هناك. قال الشيخ قطب الدّين (١): كان فاضلا، عارفا بالأدب والنسب، سني المذهب، قد اختصر كتاب الجمهرة لابن الكلبي في الأنساب؛ وله شعرٌ حسن، توفي في المعترك. ٤٧٤ - مختار بن محمود بن محمد الزاهديّ، الغزمينيّ، وغزمينة من قصبات خوارزم، الشيخ العلامة نجم الدّين أبو الرجاء. له التصانيف المشهورة المقبولة، منها: شرح القدوري والجامع في الحيض، والفرائض، وزاد الأئمة والمجتنيّ في الأصول والصفوة في الأصول. قرأ بالرّوايات على العلامة رشيد الدّين يوسف بن محمد القيديّ، وتفقه على علاء الدّين سديد بن محمد الخياطيّ المحتسب، وفخر الأئمة صاحب البحر المحيط، وأخذ الأدب عن شرف الأفاضل الجغمينيّ، وقرأ الكلام على سراج الدّين يوسف بن أبي بكر السكاكيّ الخوارزمي، وسمع الحديث من شيخ الشيوخ أبي الجناب أحمد بن عمر الخيوقيّ، وبرهان الأئمة محمد بن عبد الكريم الرُّكني، وأحمد بن مؤيد المكي الخوارزميين، تفقّه عليه وسمع منه خلق كثير، وحدثنا عنه محمد بن أبي القاسم المعري. توفي بجرجانية خوارزم سنة ثمانٍ وخمسين وستمائة، زرت قبره، قال لي ذلك الفرضي في كتابه. ٤٧٥ - يحيى بن أحمد بن عبد الرحمن، القاضي العادل، أبو زكريا الغرناطيّ ابن المرابط، من سروات أهل الأندلس. قال ابن الزبير: لقيته بمالقة، وكان خاتمة القضاة العدول بالأندلس، له عقل وفضل ودين، وحظ من الكتابة والنَّظم، أخذ عن أبي بكر بن أبي جمرة، وأبي عبد الله بن نوح، وأبي جعفر بن حكم، وطائفة، وأجاز له: ابن موقى من الإسكندرية، وأبو أحمد ابن سكينة من بغداد، ولد سنة ثنتين وثمانين وخمس

стр. 14404

مائة، ومات في شهر المحرَّم سنة ثمانٍ (١). ٤٧٦ - يوسف بن أحمد بن يوسف بن عبد الواحد، أبو الفضل الأنصاري، الحلبي، الحنفي، الفقيه. كان إماما فاضلا متميزا، من المشهورين بحلب، سمع من: ابن اللتيّ، والقاضي بهاء الدّين يوسف بن رافع بن شداد، وجماعة، وببغداد من ابن بهروز، وأبي طالب ابن القُبيطيّ، وبدمشق من: مكرم، وجماعة، وحدّث، وراح في الوقعة (٢). ٤٧٧ - أبو بكر بن قوام بن علي بن قوام بن منصور بن معلى البالسي الزاهد، أحد مشايخ الشام، ﵁، وجد شيخنا أبي عبد الله ابن قوام. كان شيخا زاهدا عابدا، قانتا لله، عارفا بالله، عديم النظير، كثير المحاسن، وافر النصيب من العلم والعمل، صاحب أحوال وكرامات. وقد جمع حفيده شيخنا أبو عبد الله محمد بن عمر مناقبه في جزءٍ ضخم، وصحبه، وحفظ عنه، وذكر في مناقبه أنه ولد بمشهد صفين في سنة أربعٍ وثمانين وخمسمائة، ونشأ ببالس، وقال: كان إماما عالما عاملا، له كرامات وأحوال، وكان حسن الأخلاق، لطيف الصفات، وافر الأدب والعقل، دائم البشر، كثير التواضع، شديد الحياء، متمسكا بالآداب الشرعية، كثير المتابعة للسنة مع دوام المجاهدة، ولزوم المراقبة، تخرج بصحبته غير واحدٍ من العلماء والمشايخ، وقصد بالزيارة، وتلمذ له خلق كثير. قلت: هذه صفات الأولياء والأبدال. ثم قال: ذكر بدايته: قال ﵁: كانت الأحوال تطرقني، فكنت أُخبر بها شيخي، فينهاني عن الكلام فيها، وكان عنده سوطٌ، يقول: متى تكلمت في شيءٍ من هذا ضربتك بهذا السوط، ويأمرني بالعقل، ويقول: لا تلتفت إلى شيءٍ من هذه الأحوال، إلى أن قال لي ليلة: إنه سيحدّث لك في هذه الليلة أمر عجيب، فلا تجزع، فذهبت إلى أمي، وكانت ضريرة، فسمعت

стр. 14405

صوتا من فوقي، فرفعت رأسي، فإذا نور كأنه سلسلة متداخلٌ بعضه في بعض، فالتفت على ظهري حتى أحسست بتردده في ظهري، فرجعت إلى الشيخ فأخبرته، فحمد الله وقبلني بين عيني وقال: الآن تمت عليك النعمة يا بني، أتعلم ما هذه السلسة؟ قلت: لا، فقال: هذه سنة رسول الله ﷺ ، وأذن لي في الكلام حينئذٍ. قال: وسمعت غير واحدٍ ممن صحبه يقول: لو لم يؤذن لي في الكلام ما تكلمت. قال: وسمعته يوما، وأنا ابن ست سنين وهو يقول لزوجته: ولدك قد أخذه قطاع الطريق في هذه الساعة، وهم يريدون قتله وقتل رفاقه، فراعها ذلك، فسمعته يقول لها: لا بأس عليك، فإني قد حجبتهم عن أذاه وأذى رفاقه، غير أن مالهم يذهب، وغدا إن شاء يصل هو ورفاقه، فلما كان من الغد وصلوا، وكنت فيمن تلقاهم، وذلك في سنة ست وخمسين وستمائة. قال: وحدّثني الشيخ شمس الدّين الخابوريّ قال: وقع في نفسي أن أسأل الشيخ - وكان الخابوريّ من مريدي الشيخ أبي بكر - عن الروح، فلما دخلت عليه قال لي من غير أن أسأله: يا أحمد ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى يا سيدي، قال: اقرأ يا بني: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ يا بني شيءٌ لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ كيف يجوز لنا أن نتكلم فيه. وحدّثني الشيخ إبراهيم ابن الشيخ أبي طالب البطائحي ﵁ قال: كان الشيخ يقف على حلب ونحن معه ويقول: والله إني لأعرف أهل اليمين من أهل الشمال منها، ولو شئت لسمّيتهم، ولكن لم نؤمر بذلك، ولا نكشف سر الحق في الخلق. وحدّثني الشيخ الإمام شمس الدّين الخابوري، قال: سألت الشيخ عن قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فقد عُبد عيسى وعَزَير، فقال: تفسيرها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ فقلت: يا سيدي أنت لا تعرف تكتب ولا تقرأ، فمن

стр. 14406

أين لك هذا؟ قال: يا أحمد، وعزة المعبود لقد سمعت الجواب فيها كما سمعت سؤالك. وحدّثني شمس الدّين الخابوري خطيب حلب، قال: كنا نمر مع الشيخ، فلا يمر على حجر ولا شيءٍ إلا سلم عليه، فكان في نفسي أن أسأل الشيخ عن خطاب هذه الأشياء له، هل يخلق الله لها في الوقت لسانا تخاطبه به، أو يقيم الله إلى جانبها من يخاطبه عنها، ففاتني ولم أسأله عن ذلك. وحدّثني الإمام الصاحب محيي الدّين ابن النحاس قال: كان الشيخ يتردد إلى قرية تريذم، وكان لها مسجدٌ صغير لا يسع أهلها، فخطر لي أن أبني مسجدا أكبر منه من شمالي القرية، فقال لي الشيخ ونحن جلوس في المسجد: يا محمد، لم لا تبني مسجدا يكون أكبر من هذا؟ فقلت: قد خطر لي هذا، فقال: لا تبنه حتى توقفني على المكان، قلت: نعم، فلما أردت أن أبني جئت إليه، فقام معي، وجئنا إلى المكان الذي خطر لي فقلت: هنا، فرد كمه على أنفه وجعل يقول: أف أف، لا ينبغي أن يبنى هنا مسجد فإن هذا المكان مسخوطٌ على أهله، ومخسوفٌ بهم، فتركته ولم أبنه، فلما كان بعد مدةٍ احتجنا إلى استعمال لبن من ذاك المكان، فلما كشفناه وجدناه نواويس مقلَّبة على وجوهها. حدّثني الشيخ الصالح محمد بن ناصر المشهديّ قال: كنت عند الشيخ وقد صلى صلاة العصر، وصلى معه خلقٌ، فقال له رجل: يا سيدي ما علامة الرجل المتمكن؟ فقال: علامة الرجل المتمكن أن يشير إلى هذه السارية فتشتعل نورا، قال: فنظر الناس إلى السارية، فإذا هي تشتعل نورا، أو كما قال. سمعت الأمير الكبير المعروف بالأخضريّ، وكان قد أسن، يحكي لوالدي قال: كنت مع الملك الكامل لما توجه إلى الشرق، فلما نزلنا بالس قصدنا زيارة الشيخ مع الأمير فخر الدّين عثمان، وكنا جماعة من الأمراء، فبينما نحن عنده إذ دخل جندي فقال: يا سيدي، كان لي بغلٌ وعليه خمسة آلاف درهم، فذهب مني، وقد دُلِيتُ عليك، فقال له الشيخ: اجلس، وعزة المعبود قد حصرت على آخذه الأرض، حتى ما بقي له مسلك إلا باب هذا

стр. 14407

المكان، وهو الآن يدخل، فإذا دخل وجلس أشرت إليك، فلما سمعنا كلام الشيخ قلنا لا نقوم حتى يدخل هذا الرجل، فبينما نحن جلوس إذ دخل رجل، فأشار الشيخ إليه، فقام الجندي، وقمنا معه، فوجدنا البغل والمال بالباب، فلما حضرنا عند السلطان أخبرناه بما رأينا، فقال: أحب أن أزوره، فقال فخر الدّين عثمان: البلد لا يحمل دخول مولانا السلطان، فسير إليه فخر الدّين فقال: إن السلطان يحب أن يزورك، وإن البلد لا يحمل دخوله، فهل يرى سيدي أن يخرج إليه؟ فقال: يا فخر الدّين، إذا رحت أنت إلى عند صاحب الروم يطيب للملك الكامل؟ فقال: لا، قال: فكذلك أنا إذا رحت إلى عند الملك الكامل لا يطيب لأستاذي، ولم يخرج إليه. قال الشيخ أبو عبد الله: وبعث إليه الملك الكامل على يد فخر الدّين عثمان خمسة عشر ألف درهم، فلم يقبلها، وقال: لا حاجة لنا بها، أنفقها في جند المسلمين. وسمعت والدي يقول: لما كان في سنة ثمانٍ وخمسين، وكان الشيخ في حلب، وقد حصل فيها ما حصل من فتنة التّتار، وكان نازلا في المدرسة الأسديّة، فقال لي: يا بني اذهب إلى بيتنا، فلعلك تجد ما نأكل، فذهبت إلى الدار، فوجدت الشيخ عيسى الرصافيّ - وكان من أصحابه - مقتولا في الدار، وعليه دلق الشيخ، وقد حُِرق، ولم يحترق الدلق ولم تمسه النار، فأخذته وخرجت به، فوجدني بعض بني جهبل، فسألني فأخبرته بخبر الدلق، فحلف علي بالطلاق، وأخذه مني. قال: وحدّثني الشيخ شمس الدّين الدباهيّ قال: حدّثني فلك الدّين ابن الحريميّ قال: كنت بالشام في سنة أخذ بغداد، فضاق صدري، فسافرت وزرت ببالس الشيخ أبا بكر فقال لي: أهلك سلموا، إلا أخاك مات، وأهلك في مكان كذا وكذا، والناظر عليهم رجلٌ صفته كذا، وقبالة الدرب الذي هم فيه دارٌ فيها شجر، فلما قدمت بغداد وجدت الأمر كما أخبرني. قلت: ثم ساق له كراماتٍ كثيرة من هذا النمط، إلى أن قال: ذِكرُ ما كان عليه من العمل الدائم: كان ﵁ كثير العمل، دائم المجاهدة ويأمر أصحابه بذلك، ويلزمهم بقيام الليل، وتلاوة القرآن والذكر، دأبه ذلك لا يفتر

стр. 14408

عنهم، في كل ليلة جمعة يجعل لكل إنسانٍ منهم وظيفة من الجمعة إلى الجمعة، وكان يحثهم على الاكتساب وأكل الحلال، ويقول: أصل العبادة أكل الحلال، والعمل لله في سنته، وكان شديد الإنكار على أهل البدع، لا تأخذه في الله لومة لائم، رجع به خلقٌ كثير في بلدنا من الرافضة وصحبوه. وأخبرني الشيخ إبراهيم بن أبي طالب قال: أتيت الشيخ وهو يعمل في النهر الذي استخرجه لأهل بالس، ووجدت عنده خلقا كثيرا يعملون معه، فقال: يا إبراهيم، أنت لا تطيق العمل معنا، ولا أحب أن تقعد بلا عمل، فاذهب إلى الزاوية، وصل ما قدر لك، فهو خيرٌ من قعودك عندنا بلا عمل، فإني لا أحب أن أرى الفقير بطالا. وكان يحث أصحابه على التمسك بالسنة ويقول: ما أفلح من أفلح إلا بالمتابعة، فإن الله يقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وكان لا يمر على أحدٍ إلا بادأه بالسلام حتى على الصبيان وهم يلعبون، ويداعبهم، ويتنازل إليهم ويحدّثهم، وكنت أكون فيهم، ولقد جاءته امرأة يوما فقالت: عندي دابةٌ قد ماتت، وما لي من يجرها عني، فقال: امض وحصِّلي حبلا حتى أبعث من يجرها، فمضت وفعلت، فجاء بنفسه وربط الحبل في الدابة، وجرّها إلى باب البلد، فجرّوها عنه. وكان متواضعا لا يركب فرسا ولا بغلة، بل لما كبر كان يركب حمارا ويمنع من أن يوطأ عقبه، وكان دأبه جبر قلوب الضعفاء من الناس، وكان في الزاوية شيخ كبير به قطار البول، فكان يبدد الصاغرة من تحته. وكان لا يمكّن أحدا من تقبيل يده، ويقول: من مكن أحدا من تقبيل يده نقص من حاله شيء، وكان لا يقبل إلا ممن يعرف أنه طيب الكسب. وحدّثني الإمام شمس الدّين الدباهيّ قال: حدّثني الشيخ عبد الله كتيلة، قال: قدمت على الشيخ أبي بكر بمنزله ببالس، فلما رأيته هبته، وعلمت أنه ولي لله، ورأيته يحضر السماع بالدف، وكنت أنكره، غير أني كنت أحضر السماع بغير الدف، وقلت في نفسي: إن حضرت مع هذا الولي وحصل مني إنكار عليه حصل لي أذى، وخشيت من قلبه، فغبت ولم أحضر.

стр. 14409

توفي الشيخ في سلخ رجب سنة ثمانٍ وخمسين بقرية علم ودفن بها. فأخبرني والدي أن أباه أوصى أن يدفن في تابوت وقال: يا بني أنا لا بد أن أُنقل إلى الأرض المقدسة، فنقل بعد اثنتي عشرة سنة، وسرت معه إلى دمشق، وشهدت دفنه، وذلك في تاسع المحرم سنة سبعين، ورأيت في سفري معه عجائب، منها أنا كنا لا نستطيع غالب الليل أن نجلس عنده لكثرة تراكم الجن عليه وزيارتهم له. قلت: وقبره ظاهر يزار بزاوية ابن ابنه الشيخ القدوة العارف شيخنا أبي عبد الله محمد بن عمر، نفع الله ببركته (١). ٤٧٨ - أبو علي بن محمد ابن الأمير أبي علي بن باساك، الأمير الكبير، حسام الدّين الهذبانيّ، المعروف بابن أبي علي. كان رئيسا مدبرا، خبيرا، قوي النفس. قال قطب الدّين (٢): طلبه الملك الناصر يوما فقال: وددت الموت الساعة، فإن ناصر الدّين القيمريّ عن يساره، وابن يغمور عن يمينه، والموت أهون من القعود تحت أحدهما، وأما ناصر الدّين القيمريّ فإنه سمح له بالقعود فوقه، وفهم ذلك قبل وصوله، فتهلل وجهه ودخل، فأكرموه كرامة عظيمة، وجلس إلى جانب السلطان. وكان له اختصاص بالملك الصالح نجم الدّين أيوب، فلما تملّك الصالح إسماعيل حبسه وضيّق عليه، ثم أفرج عنه: وتوجه إلى مصر، وقد ناب في السلطنة بدمشق لنجم الدّين أيوب عقيب الخوارزمية، وجاء فحاصر بعلبك سنة أربع وأربعين، وبها أولاد الصالح إسماعيل، فسلموها بالأمان، ثم ناب في السلطنة بمصر. وتوفي أبوه عنده، فبنى على قبره قبة. وكان على نيابة السلطنة عند موت الصالح نجم الدّين، فجهز القُصّاد إلى حصن كيفا إلى الملك المعظم ليسرع. ثم حج الأمير حسام الدّين سنة تسعٍ وأربعين، وأصابه في أواخر عمره

стр. 14410

صرعٌ وتزايد به وكثر، فكان سبب موته، وكان مولده بحلب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وأصله من إربل، وله شعرٌ جيد وأدب. ٤٧٩ - أبو الكرم بن عبد المنعم بن قاسم بن أحمد بن حمد بن حامد بن مفرج بن غياث (١) الأنصاري، الأرتاحيّ الأصل، المصريّ، الحريريّ (٢)، اللّبان، الحنبليّ، واسمه: لاحق. ولد في حدود سنة ثلاثٍ وسبعين، وسمع من: عم جده أبي عبد الله الأرتاحيّ، وتفرد بالإجازة من المبارك بن علي ابن الطباخ، فروى بها كتاب دلائل النبوة للبيهقيّ، وغير ذلك. وكان شيخا متعففا، صالحا، أجاز له أيضا: أبو الفضل الغزنويّ، وابن نجا الواعظ، وغير واحد. روى عنه الحفاظ: أبو محمد المنذريّ، وأبو الحسين القرشي، وأبو محمد التونيّ، وعلم الدّين الدواداريّ، ويوسف بن عمر الختني، والمصريون. وتوفي ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة بمصر (٣). ٤٨٠ - أبو المعالي بن عبد الله بن علي المازريّ، الضرير. حدث عن: المطهر بن أبي بكر البيهقيّ، ومات في ربيع الأول بالإسكندرية (٤). وفيها ولد: علاء الدّين علي بن يحيى الشافعي بن نحلة بدمشق، والنجم عمر بن بلبان الجوزي، والصفي عبد المؤمن ابن الخطيب عبد الحق البغدادي، والفتح محمد بن أحمد بن هاشم التفليسي ثم المصري، وأمين الدين محفوظ بن علي ابن الموصلي، وعبد الرحمن ابن شيخنا التقي بن مؤمن، وأحمد ابن الشيخ محمد البجديّ، وعلي ابن التقي يحيى الذهبي الفقير، ومحمد ابن شيخنا أبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم، ومحمد ابن الفقيه أحمد المرداويّ، وأحمد بن

стр. 14411

إبراهيم بن يحيى الكنانيّ، المصريّ، الحنبليّ، يروي عن المعين بن زين الدّين، وعبد الله بن إبراهيم بن درع المصري الشافعي، يروي عن النجيب، والمؤرخ شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الجزريّ، ثم الدمشقيّ العدل، وعيسى بن عبد الكريم بن مكتوم، في نصف شعبان، وشرف الدّين حسين بن علي بن محمد بن محمد ابن العماد الكاتب، وعبد الغالب بن محمد الماكسينيّ، وأحمد بن عبد الرحمن الواني الفراء، وأبو بكر بن عمر بن أبي بكر الشقراويّ، وعلي بن عبد العزيز بن حواري الحنفي، ويوسف بن ندى الزرعي ثم الدمشقي، والتقي سليمان بن عبد الرحيم بن أبي عباس العطار، والشرف أبو بكر بن أحمد بن محمد ابن النجيب الخلاطيّ، وأحمد بن رضوان ابن الزنهار (١)، وخالي الحاج علي بن سنجر الذهبي، وخطيب بعلبك محيي الدّين محمد بن عبد الرحيم السلمي.

стр. 14412

سنة تسع وخمسين وستمائة ٤٨١ - أحمد بن حامد بن أحمد بن حمد بن حامد بن مفرج، أبو العباس الأنصاري، الأرتاحيّ، ثم المصريّ، المقرئ، الحنبليّ. ولد سنة أربعٍ وسبعين وخمسمائة، وقرأ القراءات على والده، وسمع من جده لأمه أبي عبد الله الأرتاحيّ، والبوصيريّ، وإسماعيل بن ياسين، وابن نجا، والحافظ عبد الغني، وغيرهم، وأجاز له التاج المسعودي، وجماعة، ولازم الحافظ عبد الغني وكتب من تصانيفه، وتصدَّر وأقرأ القرآن، وكان صالحا متعففا، من بيت الرواية والدّين، حمل عنه المصريون، وحدّث عنه الدّمياطيّ، وابن الحلوانيّة، وعلم الدّين الدواداريّ، والشيخ شعبان، وآخرون. توفي في رابع عشر رجب (١). وتأخر من أصحابه يوسف بن عمر، وأبو بكر محمد بن عبد الغني بن محمد الصَّعبيّ. ٤٨٢ - أحمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان، قاضي الإسكندرية، شرف الدّين، أبو العباس ابن المرجاني، المقرئ، المالكي. سمع من: علي ابن البنّاء المكي، وعبد الرحمن عتيق ابن باقا، وقرأ القراءات على. . (٢)، وتفقه، ودرس وأفتى، وناب في القضاء، ثم استقل به، وكان من أعيان فضلاء الثغر. روى عنه: الدّمياطيّ، وقال: توفي في السادس والعشرين من ذي القعدة، وشعبان (٣)، وطائفة (٤). ٤٨٣ - أحمد بن كتائب بن مهدي بن علي، أبو العباس المقدسيّ، البانياسي الحنبليّ.

стр. 14413

حدث عن: حنبل، وابن طبرزد، روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الخباز، والشمس ابن الزراد، ومحمد ابن المحب وآخرون، ومات في عاشر ذي القعدة (١). ٤٨٤ - إبراهيم بن سهل اليهودي، الأندلسي الإشبيلي، الشاعر المشهور. دون شعره في مجلدٍ فيما قيل، ويقال: إنه أسلم، وله قصيدة مدح بها النبي ﷺ ، وكان حامل لواء الشعر بالمغرب في عصره، فمن شعره: مضى الوصلُ إلا منيةٌ تبعث الأسى … أُداري بها همي إذا الليل عسعسا أتاني حديث الوصل زورا على النوى … أعِد ذلك الزور اللذيذ المؤنسا ويا أُيها الشوق الذي جاء زائرا … أصبت الأماني خذ قلوبا وأنفسا كساني موسى من سقام جفونه … رداء وسقاني من الحب أكؤسا توفي غريقا في هذا العام، أو في سنة ثمان وخمسين (٢). ٤٨٥ - إبراهيم بن طرخان بن حسين بن مغيث، أبو إسحاق الأموي، السخاويّ، الإسكندارنيّ، الحريريّ. سمع من: عبد الرحمن بن موقى، وحمّاد الحرانيّ، روى عنه: آحاد الطلبة (٣). ٤٨٦ - إبراهيم بن عبد الله بن هبة الله بن أحمد بن علي بن مرزوق، الصاحب صفي الدّين العسقلانيّ، التاجر، الكاتب. ولد سنة سبعٍ وسبعين وخمسمائة، وسمع من: عبد الله بن مجلي، وأجاز له: جماعة، وحدّث، وكان محتشما، كثير الأموال، وافر الحرمة، ولي الوزارة في بعض الدول، وكان فيه عقلٌ ودين، ويركب الحمار ويتواضع. توفي بمصر في ذي القعدة (٤).

стр. 14414

٤٨٧ - إسحاق ابن العلامة موفق الدّين يعيش بن علي بن يعيش، أبو إبراهيم الحلبي الكاتب. ولد سنة إحدى وستمائة، وتوفي بالقاهرة في ربيع الآخر (١). ٤٨٨ - إسماعيل، الملك الصالح نور الدّين ابن الملك المجاهد أسد الدّين شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي بن مروان، ابن صاحب حمص. نشأ بحمص وانتقل عنها، وخدم مع الملك الناصر يوسف، وكان عاقلا حازما سائسا، فلما أخذ هولاكو بلاد الشام داخل التّتار، وأخذ فرمانا، ولم يدخل الديار المصرية، وحسّن للملك الناصر التوجُّه إلى هولاكو، وتوجه في صحبته، فلما قدموا على هولاكو أحسن إليهم وأكرمهم، فلما بلغه كسرة كتبغا على عين جالوت غضب وقتلهم في أوائل السنة كلهم (٢)!. ٤٨٩ - إسماعيل بن عمر بن قرناص، مخلص الدّين الحموي. من بيتٍ مشهور، ولد سنة اثنتين وستمائة، وكان فقيها نحويا، كثير الفضائل، درس وأقرأ بجامع حماة، وله شعرٌ جيد، توفي بحماة في جمادى الآخرة، قاله اليونينيّ في تاريخه (٣). ٤٩٠ - الحسن بن عبد الله ابن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، الإمام شرف الدّين أبو محمد ابن الجمال أبي موسى المقدسيّ الحنبليّ. ولد سنة خمسٍ وستمائة، وسمع الكثير من أبي اليمن الكندي، وابن الحرستانيّ، وابن ملاعب، وموسى بن عبد القادر، وابن راجح، والشيخ الموفق، وتفقه على الشيخ الموفق، وعلى غيره من بعده، وأتقن المذهب، وأفتى ودرس، ورحل في الحديث، ودرس بالجوزيّة، كتب عنه الأبيورديّ، والدّمياطيّ، والحفاظ، وروى عنه: ابن الخباز، وابن الزراد، والقاضي تقي الدّين سليمان، وجماعة.

стр. 14415

وقد ولي القضاء ولده شهاب الدّين، وناب عنه أخوه شرف الدّين عبد الله بن حسن. توفي في ثامن محرم (١). ٤٩١ - سيدهم (٢) بن عبد الرحمن بن سيدهم، أبو الموالي ابن الخشاب الإسكندرانيّ التاجر. حدث عن: أبي الفتوح محمد بن محمد البكريّ، وتوفي في المحرم عن سبعٍ وسبعين سنة (٣). ٤٩٢ - سعيد بن المطهر، الإمام القدوة المحدّث سيف الدّين أبو المعالي الباخرزيّ. شيخ زاهد، عارف، كبير القدر، إمام في السنة والتصوف، عني بالحديث وسمعه، وكتب الأجزاء ورحل فيه، وصحب الشيخ نجم الدّين الكبرى وسمع منه، ومن أبي رشيد محمد بن أبي بكر الغزال ببخارى؛ ومن علي بن محمد الموصلي، وجماعة ببغداد. وخرج لنفسه أربعين حديثا رواها لنا عنه مولاه نافع الهندي. وحدثني أبو الحسن الختني أنه توفي في هذا العام. وكان شيخ ما وراء النهر، وله جلالةٌ عجيبة، وعلى يده أسلم سلطان التّتار بركة. له ترجمة طولى في سير النبلاء (٤). ٤٩٣ - الطاهر بن محمد بن علي، العلامة الرئيس محيي الدّين أبو محمد الجزريّ. كان رئيسا كبير القدر، يكاتب الديوان العزيز، وله ديوان شعر (٥).

стр. 14416

٤٩٤ - عبد الله بن أبي بكر بن داود المالكي، المعروف بابن الزماخ (١). حدث عن: الفخر الفارسي، الصوفي، وكان إمام رباط الزاهد ابن حباسة، توفي بالقاهرة ﵀. روى عنه: الدّمياطيّ. ٤٩٥ - عبد الله بن عبد المؤمن بن أبي الفتح بن وثاب، أبو محمد البانياسيّ الصالحيّ. حضر على ابن طبرزد؛ وسمع من: الكندي، وهو أخو عبد الرحمن، ومحمد، روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الخباز، وابن الزراد، وجماعة. وتوفي في رابع عشر ذي الحجة (٢). ٤٩٦ - عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن سلطان القرشي الدمشقي، زين القضاة. ذبح بالجبل في هذه السنة. ٤٩٧ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد القاهر بن مرهوب، الخطيب الصالح الدّين، أبو البركات الحموي، الشافعي. حدث عن: عمه أبي اليسر، وكان من وجوه الحمويين وصُلحائهم وأعيانهم، بنى مدرسة بحماة ووقف عليها الأوقاف، ودفن بها في الثامن والعشرين من ربيع الأول، وكان خطيب الجامع الأعلى بحماة، وعاش تسعا وسبعين سنة (٣). ٤٩٨ - عثمان بن أبي الحرم مكي بن عثمان بن إسماعيل بن إبراهيم ابن شبيب، الإمام الواعظ جمال الدّين أبو عمرو السعدي الشارعيّ الشافعيّ المذكّر. ولد سنة ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع الكثير من أبيه، وقاسم بن

стр. 14417

إبراهيم المقدسيّ، وإسماعيل بن ياسين، والبوصيريّ، والأرتاحيّ، وفاطمة، وابن نجا الواعظ، والعماد الكاتب، وأبي يعقوب بن الطفيل، والحافظ عبد الغني، وعبد الله بن خلف المسكيّ، وعثمان بن أبي بكر بن جلدك، وخلف بن عبد الله الدانقيّ، وخلق سواهم، وعني بالحديث والعلم والاشتغال. روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الظاهري، وأخوه إبراهيم، والشيخ شعبان الإربليّ، والأمين الصعبيّ، ويوسف الختنيّ، ونافلته الموفَّق أحمد بن أحمد بن محمد، والمصريون. وقد رحل إلى دمشق وسمع بها من عمر بن طبرزد، وحدّث بالكثير. قال الحافظ عز الدّين الحسيني (١): سمعت منه، وكان شيخا فاضلا، مشهورا بالدّين والصلاح، وكان يجلس للوعظ، وكان حسن الإيراد، كثير المحفوظ، له اليد الطُّولى في معرفة المواقيت وعمل الساعات، حدّث هو وأبوه وجده وإخوته، وتوفي في الخامس والعشرين من ربيع الآخر. ٤٩٩ - عثمان بن منكورس بن خمرتكين، الأمير مظفر الدّين، صاحب صهيون. كان خمرتكين عتيق الأمير مجاهد الدّين صاحب صرخد؛ وتملك مظَّفر الدّين صهيون بعد والده سنة ست وعشرين، وكان حازما يقظا سائسا مهيبا، طالت أيامه وعُمّر تسعين سنة أو أكثر، ومات في ربيع الأول، ودفن بقلعة صهيون، وولي بعده ابنه سيف الدّين محمد (٢). ٥٠٠ - علي بن عبد الرزاق بن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن نصر الله بن حجاج، الشيخ علاء الدّين أبو الفضائل العامريّ المقدسيّ، ثم المصري، المعروف بابن القطان. ولد سنة إحدى وثمانين تقريبا، وسمع من: البوصيريّ، والعماد الكاتب، ومحمد بن عبد الله ابن اللبني، وولي نظر الأوقاف بمصر وعدة ولايات، وهو من بيت حشمة وتقدم.

стр. 14418

روى عنه: الدّمياطيّ، وتوفي، في مستهل المحرم (١). ٥٠١ - عماد الدّين، أبو الفضل القزوينيّ، الوزير الكبير، صاحب الديوان ببغداد. ولي لهولاكو العراق بعد ابن العلقمي، وكان ظالما فقُتل بسيف المغل، وولي بعده علاء الدّين صاحب الديوان. ٥٠٢ - غازي، الملك الظاهر ابن السلطان الملك العزيز محمد ابن السلطان الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدّين الأيوبي الصلاحيّ سيف الدّين، شقيق السلطان الملك الناصر، وأُمُّهُما تركيّة. كان مليح الصورة، شجاعا، جوادا، كريم الأخلاق، وكان أخوه يحبه محبة زائدة، وقد أراد جماعة من العزيزيّة القبض على الناصر وتمليك هذا، فشعر بهم، ووقعت الوحشة، وفارق غازي أخاه في أوائل سنة ثمانٍ وخمسين عند زوال دولته، فتوجه بحريمه إلى الصَّلت، وكانت له، ثم قصد غزة، فاجتمع على طاعته البحرية وجماعة وسلطنوه، ودهمت التّتار البلاد وتقهقر الملك الناصر إلى غزة، وجاء ما أشغلهم، فتوجها معا إلى قطيّة ثم رجعا. وقد خلّف غازي ولدا اسمه زبالة (٢)، كان بديع الحسن، وأُمَّه جارية وهبها الناصر لأخيه، اسمها وجه القمر، اتصلت بعده بالأمير جمال الدّين أيدغدي العزيزيّ، ثم بعده بالبيسريّ. ومات زبالة بالقاهرة، وقُتل غازي مع أخيه صبرا. ٥٠٣ - محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى ابن سيد الناس، الحافظ، الخطيب، أبو بكر اليعمريّ، الأندلسيّ، الإشبيليّ. ولد في صفر سنة سبعٍ وتسعين وخمسمائة، وسمع الحديث، وعني بهذا الشأن وأكثر منه، وحصل الأصول والكتب النفيسة، وحدّث، وصنف، وجمع. ذكره عز الدّين الشريف في الوفيات فقال (٣): كان أحد حفاظ المحدّثين المشهورين، وفضلائهم المذكورين، وبه ختم هذا الشأن بالمغرب،

стр. 14419

ولي منه إجازة كتبها إلي من تونس، وبها توفي في الرابع والعشرين من رجب، قلت: وتوفي أبوه سنة ثمان عشرة، وهو جد صاحبنا الحافظ الأوحد فتح الدّين محمد بن محمد، أحسن الله إليه. رأيت له كتاب جواز بيع أمهات الأولاد، دلني على سعة علمه، وسيلان ذهنه، وبراعة حفظه، وأعلى ما عنده سماع البخاري، من أبي محمد الزهري صاحب شريح. وتلا لنافع على أبي نصر بن عظيمة (١)، عن شريح، وسمع من: أبي الصبر أيوب الفهريّ، وأجاز له: القاضي أبو حفص عمر الذي يروي عن القاضي عبد الله بن علي سبط ابن عبد البر، وأجاز له: من المشرق ثابت بن مشرف، والقاضي أبو القاسم ابن الحرستانيّ، وهذه الطبقة؛ ذكر ذلك ابن الزبير في برنامجه، وكان خطيب تونس. ٥٠٤ - محمد بن الأنجب بن أبي عبد الله بن عبد الرحمن، الشيخ صائن الدّين، أبو الحسن البغدادي، الصوفي، المعروف بالنّعّال. ولد ببغداد في سلخ شعبان سنة خمسٍ وسبعين وخمسمائة، وسمع من: جده لأمه هبة الله بن رمضان بن شبيبا، وظاعن بن محمد الزبيريّ، وأجاز له: وفاء ابن البهي، ومحمد بن جعفر بن عقيل، وعبد المنعم بن عبد الله الفراوي، ومحمود بن نصر الشعار، وأبو المحاسن محمد بن عبد الملك الهمذانيّ، وعبيد الله بن شاتيل، وأبو السعادات القزّاز، وطائفة، وخرج له رشيد الدّين أبو بكر محمد ابن الحافظ عبد العظيم مشيخة (٢)، وكان مشهورا بالصلاح

стр. 14420

والخير، من أعيان الصوفية. روى عنه: العلامة تقي الدّين محمد بن علي الحاكم، وأبو محمد الدّمياطيّ، وأبو الفتح محمد بن عبد الرحيم القرشي، والشيخ شعبان الإربليّ، والمصريون. وكان أعلى من بقي إسنادا بالديار المصرية، توفي في رابع عشر رجب (١). ٥٠٥ - محمد بن صالح بن محمد بن حمزة بن محارب، الصدر تاج الدّين أبو عبد الله المحلي. سمع من: عبد الرحمن مولى ابن باقا، وأجاز له: أبو اليمن الكندي، وابن طبرزد، وجماعة، وحدّث، وله شعرٌ وفضائل، ولي نظر الإسكندرية مدة، ومات في خامس صفر (٢). وكان شافعيا، عالما، مفتيا، فيه دين وخير. ٥٠٦ - محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عيسى بن مغنين، ضياء الدّين، أبو عبد الله المتيجيّ الإسكندرانيّ المالكيّ العدل. ولد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع من: عبد الرحمن بن موقى، وخلقٍ بعده، وكتب بخطه كثيرا، وعني بالحديث ومعرفته، كتب عنه غير واحد؛ وحدث عنه: الدمياطي، وغيره، وحدثنا عنه: الشيخ شعبان، ومات في جمادى الآخرة، وكان أيضا صالحا دينا خيرا (٣). مر أبوه سنة ست وثلاثين (٤). ٥٠٧ - محمد بن عبد الله بن موسى، الشيخ شرف الدّين الحورانيّ، المتانيّ (٥). قال قطب الدّين (٦): توفي في هذه السنة بحماة عن نحوٍ من سبعين سنة، وكان فاضلا متفننا، له رياضات وخلوات.

стр. 14421

٥٠٨ - محمد بن عبد الدائم بن محمد بن علي، أبو المكارم القضاعيّ، المصريّ، المعروف بابن حمدان. ولد سنة ثلاثٍ وسبعين وخمسمائة بقوص، وقدم مصر فسمع من: البوصيريّ، والأرتاحيّ، روى عنه: الدّمياطيّ، والشريف عز الدّين (١). توفي في نصف رمضان. ٥٠٩ - محمد ابن قاضي القضاة صدر الدّين عبد الملك بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدوس القاضي العالم، كمال الدّين، أبو حامد ابن درباس المارانيّ، المصريّ، الشافعيّ، العدل، الضرير. ولد في ربيع الأول سنة ست وسبعين وخمسمائة، وسمع أباه، والبوصيريّ، والقاسم ابن عساكر، والأرتاحيّ، وأبا الجود المقرئ، وجماعة. وأجاز له: أبو طاهر السلفي، روى عنه: الشريف عز الدّين (٢)، ومجد الدّين ابن الحلوانيّة، وعلم الدّين الدواداريّ، والشيخ شعبان، وإبراهيم ابن الظاهري، والمصريون، وقد درس بالمدرسة السيفية مدة، وأفتى وأشغل، وقال الشعر، وجالس الملوك، وكان من سروات الشيوخ. توفي في شوال في خامسه بالقاهرة. ٥١٠ - محمد بن علي بن سعيد، أبو حامد ابن العديم العُقيليّ، الحلبيّ الكاتب شرف الدّين. له شعرٌ وفضل، روى عنه: الدّمياطيّ، وقال: استشهد بالعراق مع الخليفة المستنصر. ٥١١ - محمد بن أبي المكارم محمد بن الحسين بن محمد بن علي بن عمر بن عبد الله بن حسين بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف، مخلص الدّين، أبو البركات الحسيني، الزيديّ، الدمشقيّ، المعروف بابن المبلغ. سمع من: الخشوعيّ، روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الحلوانيّة، وغيرهما.

стр. 14422

وسمعنا بإجازته من أبي المعالي ابن البالسيّ. توفي في الرابع والعشرين من ربيع الأول، ورخه الشريف (١). وفي معجم الدّمياطيّ: سنة ست وخمسين توفي، فيكشف ويحرر، ثم وجدت الإمام أبا شامة قال (٢): في ربيع الأول من سنة تسعٍ توفي المخلص بن أبي الجن الحسينيّ التاجر بقيساريّة الفرش، وكان شيخا كبيرا عدلا، فلعل ما في معجم الدّمياطيّ وهمٌ من الناسخ. ٥١٢ - محمد بن أبي الحسين يحيى بن عبد الله بن علي، أبو عبد الله الأنصاري المصري الوراق الشروطيّ. سمع من: ابن المفضل الحافظ، وحدّث، ومات في ربيع الأول، وكان أبوه من كبار النحويين بمصر (٣). ٥١٣ - معالي بن يعيش بن معالي بن كاشو، أبو الفضل الحرانيّ. سمع بنيسابور من: زينب الشعرية، وحدّث بحران، ولم يحدّثنا أحدٌ عنه فيسأل أصحابنا إن كان ابن الظاهري سمع منه. عُدم بحران في شعبان، قاله الشريف (٤). ٥١٤ - مفضل بن أبي الفتح نصر الله بن محمد بن المسلم (٥) بن المعلَّى بن أبي سراقة، عماد الدّين أبو بكر الهمدانيّ (٦)، الدمشقيّ. ولد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع من: عمر بن طبرزد، وحنبل، وحدّث بدمشق ومصر، وكان متجنّدا في زيه، سمع منه بهاء الدّين إبراهيم ابن المقدسيّ، وغيره، ومات بمصر في ربيع الأول (٧)، ويسمى محمدا. ٥١٥ - مكي بن عبد الرزاق بن يحيى بن عمر بن كامل، زكي الدّين، أبو الحرم الزبيديّ، المقدسيّ، ثم الدمشقيّ.

стр. 14423

ولد سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة بعقربا، وسمع من: الخشوعيّ، وعبد الخالق بن فيروز، وأجاز له: عبد الرزاق النجار، وغيره، وكان متجنّدا أيضا، وهو أخو يحيى وسالم، وقد تقدما. روى عنه: الدّمياطيّ، والجمال ابن الصابونيّ، وعبد الرحيم بن مسلمة، والعماد ابن البالسيّ، وأخوه عبد الله، ومات في سلخ شوال (١)، وابنه يحيى حي، روى لنا عن اليلدانيّ، وعن أبيه. ٥١٦ - يحيى بن عبد الملك بن أبي الغصن، القاضي، المحدّث البارع، أبو زكريا التجيبيّ الأندلسيّ. حج وسمع صحيح البخاري من يونس الهاشمي بمكة، وسمع من: الحافظ علي ابن المفضل، وطائفة، وكان ذكيا فطنا، له اعتناءٌ تامٌّ بالرجال والطرق، روى الكثير بالأندلس. وأكثر عنه أبو جعفر بن الزبير، وأرخ موته في سنة ثمانٍ وخمسين، ورحلته في سنة ثمان وستمائة. ٥١٧ - يوسف، السلطان الملك الناصر صلاح الدّين ابن السلطان الملك العزيز محمد ابن الظاهر غازي ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدّين يوسف ابن الأمير نجم الدّين أيوب الأيوبي، صاحب حلب ثم صاحب الشام. ولد بقلعة حلب في رمضان سنة سبعٍ وعشرين، وسلطنوه عند موت أبيه سنة أربعٍ وثلاثين، وقام بتدبير دولته الأمير شمس الدّين لؤلؤ الأمينيّ، وعز الدّين ابن مجلي، والوزير الأكرم جمال الدّين القفطيّ، والطواشي جمال الدولة إقبال الخاتونيّ، والأمر كله راجعٌ إلى جدته ضيفة خاتون بنت الملك العادل. ثم توجه قاضي القضاة زين الدّين عبد الله ابن الأستاذ إلى الديار المصرية ومعه عدة الملك العزيز، وكان قد مات شابا ابن أربعٍ وعشرين سنة، فلما رآها السلطان الملك الكامل أظهر الحزن لموته، وحلف للملك الناصر لمكان الصاحبة أخته، فلما توفيت الصاحبة سنة أربعين اشتد الناصر وأمر ونهى، فلما

стр. 14424

كانت سنة ست وأربعين سار من جهته نائبه شمس الدّين لؤلؤ وحاصر حمص، وطلب النجدة من الصالح نجم الدّين أيوب، فلم ينجده، وغضب وجرت أمور، ثم استقرت حمص بيد الملك الناصر. وفي ربيع الآخر سنة ثمانٍ وأربعين قدم إلى دمشق وأخذها من غير كلفة لاشتغال غلمان الصالح بأنفسهم، ثم في أثناء السنة قصد الديار المصرية ليمتلكها فما تم له. وفي سنة اثنتين وخمسين دخل على بنت السلطان علاء الدّين صاحب الروم، فولدت له علاء الدّين في سنة ثلاثٍ، وأم هذه هي أخت جدته الصاحبة. وكان سمحا، جوادا، حليما، حسن الأخلاق، محببا إلى الرعية، فيه عدلٌ في الجملة، وصفح ومحبة للفضيلة والأدب، وكان سوق الشعر نافقا في أيامه، وكان يذبح في مطبخه كل يومٍ أربعمائة رأس، سوى الدجاج والطيور والأجديّة، وكان يبيع الغلمان من سماطه أشياء كثيرة مفتخرة عند باب القلعة بأرخص ثمن، حكى علاء الدّين ابن نصر الله أن الملك الناصر جاء إلى داره بغتة، قال: فمددت له في الوقت سماطا بالدجاج المحشيّ بالسكر والفستق وغيره، فتعجب وقال: كيف تهيأ لك هذا؟ فقلت: هو من نعمتك، اشتريته من عند باب القلعة. وكانت نفقة مطابخه وما يتعلق بها في كل يومٍ أكثر من عشرين ألف درهم. وكان يحاضر الفضلاء والأدباء، وعلى ذهنه كثير من الشعر والأدب، وله نوادر وأجوبة ونظم، وله حسن ظنٍّ في الصالحين، بنى بدمشق مدرسة وبالجبل رباطا وتربة، وبنى الخان عند المدرسة الزنجيليّة. وقال أبو شامة (١): وفي منتصف صفر ورد الخبر إلى دمشق باستيلاء التّتار على حلب بالسيف، فهرب صاحبها من دمشق بأُمرائه الموافقين له على سوء تدبيره، وزال ملكه عن البلاد، ودخلت رسل التّتار بعده بيومٍ إلى دمشق، وقرئ فرمان الملك بأمان دمشق وما حولها، ووصل الناصر إلى غزة، ثم إلى قطية، فتفرَّق عنه عسكره، فتوجه في خواصه إلى وادي موسى، ثم جاء إلى

стр. 14425

بركة زيزا، فكبسه كتبغا، فهرب، ثم أتى التّتار بالأمان، فكان معهم في ذل وهوان، وكان قد هرب إلى البراري، فساقوا خلفه، فأخذوه وقد بلغت عنده الشربة الماء نحو مائة دينار، فأتوا به إلى مقدم التّتار كتبغا وهو يحاصر عجلون، فوعده وكذبه، وسقاه خمرا صرفا، فسكر، وطلبوا منه تسليم قلعة عجلون، فجاء إلى نائبها، وأمره بتسليمها ففعل، ودخلها التّتار، فنهبوا جميع ما فيها، ثم ساروا بالناصر وأخيه إلى هولاكو. قال قطب الدّين (١): فأكرمه وأحسن إليه، فلما بلغه كسر عسكره بعين جالوت غضب، وأمر بقتله، فاعتذر إليه، فأمسك عن قتله، لكن أعرض عنه، فلما بلغه كسرة بيدره على حمص استشاط غضبا، وقتله ومن معه، سوى ولده الملك العزيز. وقيل: إن قتل الناصر عقيب عين جالوت في الخامس والعشرين من شوال سنة ثمانٍ، وعاش إحدى وثلاثين سنة وأشهرا، فيقال: قُتل بالسيف، وقيل: إنه خص بعذابٍ دون أصحابه. قلت: وكان مليح الشكل، أحول، وله شعر، فروى شيخنا الدّمياطيّ عن علي بن أبي الفرج النحوي، قال: أنشدنا السلطان الملك الناصر يوسف لنفسه: البدر يجنح للغروب ومهجتي … أسفا لأجل غروبه تتقطع والشرب (٢) قد خاط النعاس جفونهم … والصبح في جلبابه يتطلع وقد اشتهر عنه أنه لما مر به التّتار على حلب وهي خاويةٌ على عروشها، قد هدت أسوارها، وهدمت قلتعها، وأحرقت دورها الفاخرة، وباد أهلها، وأصبحت عبرة للناظرين، انهل ناظره بالعبرة وقال: يعز علينا أن نرى ربعكم يبلى … وكانت به آيات حسنكم تتلى وقد أورد له ابن واصل عدة قصائد، ووصفه بالذكاء والفضيلة والكرم، إلى أن قال: وفي سابع جمادى الأولى عقد عزاؤه بدمشق بالجامع لما ورد الخبر بمقتله، قال: وصورته على ما ثبت بالتواتر أن هولاكو لما بلغه مقتل كتبغا، ثم كسرة أصحابه بحمص، أحضر الناصر وأخاه وقال للترجمان: قل له أنت
следующие страницы →