٥٠٨ - محمد بن عبد الدائم بن محمد بن علي، أبو المكارم القضاعيّ، المصريّ، المعروف بابن حمدان.
ولد سنة ثلاثٍ وسبعين وخمسمائة بقوص، وقدم مصر فسمع من: البوصيريّ، والأرتاحيّ، روى عنه: الدّمياطيّ، والشريف عز الدّين (١).
توفي في نصف رمضان.
٥٠٩ - محمد ابن قاضي القضاة صدر الدّين عبد الملك بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدوس القاضي العالم، كمال الدّين، أبو حامد ابن درباس المارانيّ، المصريّ، الشافعيّ، العدل، الضرير.
ولد في ربيع الأول سنة ست وسبعين وخمسمائة، وسمع أباه، والبوصيريّ، والقاسم ابن عساكر، والأرتاحيّ، وأبا الجود المقرئ، وجماعة.
وأجاز له: أبو طاهر السلفي، روى عنه: الشريف عز الدّين (٢)، ومجد الدّين ابن الحلوانيّة، وعلم الدّين الدواداريّ، والشيخ شعبان، وإبراهيم ابن الظاهري، والمصريون، وقد درس بالمدرسة السيفية مدة، وأفتى وأشغل، وقال الشعر، وجالس الملوك، وكان من سروات الشيوخ.
توفي في شوال في خامسه بالقاهرة.
٥١٠ - محمد بن علي بن سعيد، أبو حامد ابن العديم العُقيليّ، الحلبيّ الكاتب شرف الدّين.
له شعرٌ وفضل، روى عنه: الدّمياطيّ، وقال: استشهد بالعراق مع الخليفة المستنصر.
٥١١ - محمد بن أبي المكارم محمد بن الحسين بن محمد بن علي بن عمر بن عبد الله بن حسين بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف، مخلص الدّين، أبو البركات الحسيني، الزيديّ، الدمشقيّ، المعروف بابن المبلغ.
سمع من: الخشوعيّ، روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الحلوانيّة، وغيرهما.
стр. 14422
وسمعنا بإجازته من أبي المعالي ابن البالسيّ.
توفي في الرابع والعشرين من ربيع الأول، ورخه الشريف (١).
وفي معجم الدّمياطيّ: سنة ست وخمسين توفي، فيكشف ويحرر، ثم وجدت الإمام أبا شامة قال (٢): في ربيع الأول من سنة تسعٍ توفي المخلص بن أبي الجن الحسينيّ التاجر بقيساريّة الفرش، وكان شيخا كبيرا عدلا، فلعل ما في معجم الدّمياطيّ وهمٌ من الناسخ.
٥١٢ - محمد بن أبي الحسين يحيى بن عبد الله بن علي، أبو عبد الله الأنصاري المصري الوراق الشروطيّ.
سمع من: ابن المفضل الحافظ، وحدّث، ومات في ربيع الأول، وكان أبوه من كبار النحويين بمصر (٣).
٥١٣ - معالي بن يعيش بن معالي بن كاشو، أبو الفضل الحرانيّ.
سمع بنيسابور من: زينب الشعرية، وحدّث بحران، ولم يحدّثنا أحدٌ عنه فيسأل أصحابنا إن كان ابن الظاهري سمع منه.
عُدم بحران في شعبان، قاله الشريف (٤).
٥١٤ - مفضل بن أبي الفتح نصر الله بن محمد بن المسلم (٥) بن المعلَّى بن أبي سراقة، عماد الدّين أبو بكر الهمدانيّ (٦)، الدمشقيّ.
ولد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع من: عمر بن طبرزد، وحنبل، وحدّث بدمشق ومصر، وكان متجنّدا في زيه، سمع منه بهاء الدّين إبراهيم ابن المقدسيّ، وغيره، ومات بمصر في ربيع الأول (٧)، ويسمى محمدا.
٥١٥ - مكي بن عبد الرزاق بن يحيى بن عمر بن كامل، زكي الدّين، أبو الحرم الزبيديّ، المقدسيّ، ثم الدمشقيّ.
стр. 14423
ولد سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة بعقربا، وسمع من: الخشوعيّ، وعبد الخالق بن فيروز، وأجاز له: عبد الرزاق النجار، وغيره، وكان متجنّدا أيضا، وهو أخو يحيى وسالم، وقد تقدما.
روى عنه: الدّمياطيّ، والجمال ابن الصابونيّ، وعبد الرحيم بن مسلمة، والعماد ابن البالسيّ، وأخوه عبد الله، ومات في سلخ شوال (١)، وابنه يحيى حي، روى لنا عن اليلدانيّ، وعن أبيه.
٥١٦ - يحيى بن عبد الملك بن أبي الغصن، القاضي، المحدّث البارع، أبو زكريا التجيبيّ الأندلسيّ.
حج وسمع صحيح البخاري من يونس الهاشمي بمكة، وسمع من: الحافظ علي ابن المفضل، وطائفة، وكان ذكيا فطنا، له اعتناءٌ تامٌّ بالرجال والطرق، روى الكثير بالأندلس.
وأكثر عنه أبو جعفر بن الزبير، وأرخ موته في سنة ثمانٍ وخمسين، ورحلته في سنة ثمان وستمائة.
٥١٧ - يوسف، السلطان الملك الناصر صلاح الدّين ابن السلطان الملك العزيز محمد ابن الظاهر غازي ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدّين يوسف ابن الأمير نجم الدّين أيوب الأيوبي، صاحب حلب ثم صاحب الشام.
ولد بقلعة حلب في رمضان سنة سبعٍ وعشرين، وسلطنوه عند موت أبيه سنة أربعٍ وثلاثين، وقام بتدبير دولته الأمير شمس الدّين لؤلؤ الأمينيّ، وعز الدّين ابن مجلي، والوزير الأكرم جمال الدّين القفطيّ، والطواشي جمال الدولة إقبال الخاتونيّ، والأمر كله راجعٌ إلى جدته ضيفة خاتون بنت الملك العادل.
ثم توجه قاضي القضاة زين الدّين عبد الله ابن الأستاذ إلى الديار المصرية ومعه عدة الملك العزيز، وكان قد مات شابا ابن أربعٍ وعشرين سنة، فلما رآها السلطان الملك الكامل أظهر الحزن لموته، وحلف للملك الناصر لمكان الصاحبة أخته، فلما توفيت الصاحبة سنة أربعين اشتد الناصر وأمر ونهى، فلما
стр. 14424
كانت سنة ست وأربعين سار من جهته نائبه شمس الدّين لؤلؤ وحاصر حمص، وطلب النجدة من الصالح نجم الدّين أيوب، فلم ينجده، وغضب وجرت أمور، ثم استقرت حمص بيد الملك الناصر.
وفي ربيع الآخر سنة ثمانٍ وأربعين قدم إلى دمشق وأخذها من غير كلفة لاشتغال غلمان الصالح بأنفسهم، ثم في أثناء السنة قصد الديار المصرية ليمتلكها فما تم له.
وفي سنة اثنتين وخمسين دخل على بنت السلطان علاء الدّين صاحب الروم، فولدت له علاء الدّين في سنة ثلاثٍ، وأم هذه هي أخت جدته الصاحبة.
وكان سمحا، جوادا، حليما، حسن الأخلاق، محببا إلى الرعية، فيه عدلٌ في الجملة، وصفح ومحبة للفضيلة والأدب، وكان سوق الشعر نافقا في أيامه، وكان يذبح في مطبخه كل يومٍ أربعمائة رأس، سوى الدجاج والطيور والأجديّة، وكان يبيع الغلمان من سماطه أشياء كثيرة مفتخرة عند باب القلعة بأرخص ثمن، حكى علاء الدّين ابن نصر الله أن الملك الناصر جاء إلى داره بغتة، قال: فمددت له في الوقت سماطا بالدجاج المحشيّ بالسكر والفستق وغيره، فتعجب وقال: كيف تهيأ لك هذا؟ فقلت: هو من نعمتك، اشتريته من عند باب القلعة.
وكانت نفقة مطابخه وما يتعلق بها في كل يومٍ أكثر من عشرين ألف درهم. وكان يحاضر الفضلاء والأدباء، وعلى ذهنه كثير من الشعر والأدب، وله نوادر وأجوبة ونظم، وله حسن ظنٍّ في الصالحين، بنى بدمشق مدرسة وبالجبل رباطا وتربة، وبنى الخان عند المدرسة الزنجيليّة.
وقال أبو شامة (١): وفي منتصف صفر ورد الخبر إلى دمشق باستيلاء التّتار على حلب بالسيف، فهرب صاحبها من دمشق بأُمرائه الموافقين له على سوء تدبيره، وزال ملكه عن البلاد، ودخلت رسل التّتار بعده بيومٍ إلى دمشق، وقرئ فرمان الملك بأمان دمشق وما حولها، ووصل الناصر إلى غزة، ثم إلى قطية، فتفرَّق عنه عسكره، فتوجه في خواصه إلى وادي موسى، ثم جاء إلى
стр. 14425
بركة زيزا، فكبسه كتبغا، فهرب، ثم أتى التّتار بالأمان، فكان معهم في ذل وهوان، وكان قد هرب إلى البراري، فساقوا خلفه، فأخذوه وقد بلغت عنده الشربة الماء نحو مائة دينار، فأتوا به إلى مقدم التّتار كتبغا وهو يحاصر عجلون، فوعده وكذبه، وسقاه خمرا صرفا، فسكر، وطلبوا منه تسليم قلعة عجلون، فجاء إلى نائبها، وأمره بتسليمها ففعل، ودخلها التّتار، فنهبوا جميع ما فيها، ثم ساروا بالناصر وأخيه إلى هولاكو.
قال قطب الدّين (١): فأكرمه وأحسن إليه، فلما بلغه كسر عسكره بعين جالوت غضب، وأمر بقتله، فاعتذر إليه، فأمسك عن قتله، لكن أعرض عنه، فلما بلغه كسرة بيدره على حمص استشاط غضبا، وقتله ومن معه، سوى ولده الملك العزيز.
وقيل: إن قتل الناصر عقيب عين جالوت في الخامس والعشرين من شوال سنة ثمانٍ، وعاش إحدى وثلاثين سنة وأشهرا، فيقال: قُتل بالسيف، وقيل: إنه خص بعذابٍ دون أصحابه.
قلت: وكان مليح الشكل، أحول، وله شعر، فروى شيخنا الدّمياطيّ عن علي بن أبي الفرج النحوي، قال: أنشدنا السلطان الملك الناصر يوسف لنفسه:
البدر يجنح للغروب ومهجتي … أسفا لأجل غروبه تتقطع
والشرب (٢) قد خاط النعاس جفونهم … والصبح في جلبابه يتطلع
وقد اشتهر عنه أنه لما مر به التّتار على حلب وهي خاويةٌ على عروشها، قد هدت أسوارها، وهدمت قلتعها، وأحرقت دورها الفاخرة، وباد أهلها، وأصبحت عبرة للناظرين، انهل ناظره بالعبرة وقال:
يعز علينا أن نرى ربعكم يبلى … وكانت به آيات حسنكم تتلى
وقد أورد له ابن واصل عدة قصائد، ووصفه بالذكاء والفضيلة والكرم، إلى أن قال: وفي سابع جمادى الأولى عقد عزاؤه بدمشق بالجامع لما ورد الخبر بمقتله، قال: وصورته على ما ثبت بالتواتر أن هولاكو لما بلغه مقتل كتبغا، ثم كسرة أصحابه بحمص، أحضر الناصر وأخاه وقال للترجمان: قل له أنت
стр. 14426
زعمت أن البلاد ما فيها أحدٌ، وأن من فيها في طاعتك حتى غررت بي وقتلت المغل، فقال الناصر: أما إنهم في طاعتي لو كنت في الشام ما ضرب أحدٌ في وجه غلمانك بسيف، ومن يكون ببلاد توريز كيف يحكم على من في الشام؟ فرماه هولاكو بالنّشاب فأصابه، فقال: الصنيعة يا خوند، فقال أخوه الملك الظاهر: اسكت، تقول لهذا الكلب هذا القول وقد حضرت، فرماه هولاكو بفردةٍ ثانية قتله، ثم أخرج الملك الظاهر وبقية أصحابهم فضربت أعناقهم.
٥١٨ - أبو بكر بن عمر بن حسن بن خواجا إمام، شهاب الدّين الفارسيّ، ثم الدمشقيّ، أخو ضياء الدّين.
سمع من: عمر بن طبرزد، وغيره، ومن الطلبة من سماه: شاكر الله.
قال أبو شامة (١): كان صالحا سليم الصدر، به نوع اختلال، وكان أحد فقهاء الشامية.
قلت: روى عنه: ابن الخباز، وآحاد الطلبة.
وتوفي في خامس رمضان (٢).
وفيها ولد:
خطيب بعلبك - بل سنة ثمانٍ - محيي الدّين محمد بن عبد الرحيم السلمي، وأبو نعيم أحمد ابن التقي عبيد الإسعرديّ، ثم المصري، الحداد، يروي عن النجيب، ومحمد بن شعبان الخلاطيّ، سمع النجيب، ومحمد بن كشتغدي الصيرفي، سمع النجيب، والنور نصر الله بن أبي بكر الدمشقي ابن خال ركن الدّين ابن أفتكين، وعلاء الدّين علي ابن مجد الدّين ابن المهتار، ومحمد ابن الشيخ عمر السلاويّ اليونينيّ، والتقي عبد الله بن عبد الرحمن ابن خطيب مردا، وزينب بنت الشيخ شمس الدّين عبد الرحمن بن أبي عمر، وعبد الرحمن بن محمد ابن العماد عبد الحميد.
стр. 14427
سنة ستين وستمائة
٥١٩ - أحمد بن الحسين بن الحسن بن إبراهيم بن نبهان، الأجل، أبو العباس الداري، التميميّ، الخليليّ، ابن الأجل أمين الدّين أبي علي.
ولد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع ببغداد من الحافظ عبد العزيز ابن الأخضر، وعاتكة بنت الحافظ أبي العلاء، كتب عنه الشريف عز الدّين (١)، والمصريّون، ومات في تاسع ربيع الآخر، وهو جد الوزير فخر الدّين (٢) عمر بن عبد العزيز ابن الخليلي.
٥٢٠ - أحمد بن الحسين بن محمد ابن الدامغاني، الصاحب الكبير فخر الدّين.
كان من عظماء الدولة ببغداد كأجداده القضاة.
مات في المحرم بالأردو، الله يسامحه ويرحمه.
عاش خمسا وستين سنة.
٥٢١ - أحمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خلف، أبو العباس الأنصاري، الأوسيّ، الحموي أخو شيخ الشيوخ عبد العزيز.
ولد سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وسمع ببغداد في صغره بإفادة أبيه من عبد الله بن أبي المجد الحربي، روى عنه: أبو محمد الدّمياطيّ، وابن مزيز، وآخرون، وأجاز لجماعة، ولا أكاد أعرفه.
وتوفي بالرمل بالقصير وهو قاصدٌ إلى مصر، ودفن هناك في حادي عشر ذي القعدة (٣).
٥٢٢ - أحمد، المستنصر بالله أمير المؤمنين، أبو القاسم ابن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن الناصر لدين الله أحمد ابن المستضيء بالله الهاشميّ العبّاسي، البغداديّ، الأسود.
стр. 14428
ولي الخلافة بعد قتل ابن أخيه المستعصم بالله ابن المستنصر بالله منصور بثلاث سنين، فخلا الوقت فيها من خليفة.
قال الإمام أبو شامة (١): في رجب قرئ بالعادليّة كتاب السلطان إلى قاضي القضاة نجم الدّين ابن سني الدولة بأنه قدم عليهم مصر أبو القاسم أحمد ابن الظاهر ابن الناصر، وهو أخو المستنصر بالله، وأنه جمع له الناس من الأمراء والعلماء والتجار، وأثبت نسبه عند قاضي القضاة في ذلك المجلس، فلما ثبت بايعه الناس، وبدأ بالبيعة السلطان الملك الظاهر، ثم الكبار على مراتبهم، ونقش اسمه على السكة، وخطب له ولقب بلقب أخيه، وفرح الناس.
وقال الشيخ قطب الدّين (٢): كان المستنصر أبو القاسم محبوسا ببغداد، فلما أخذت التّتار بغداد أُطلق، فصار إلى عرب العراق، واختلط بهم، فلما تسلطن الملك الظاهر وفد عليه في رجب ومعه عشرةٌ من بني مهارش، فركب السلطان للقائه ومعه القضاة والدولة، فشق القاهرة، ثم أثبت نسبه على الحاكم، وبويع بالخلافة، وركب يوم الجمعة من البرج الذي كان بالقلعة، وعليه السواد إلى جامع القلعة، فصعد المنبر، وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس، ودعا فيها للسلطان وللمسلمين، ثم صلى بالناس.
قال: وفي شعبان رسم بعمل خلعة خليفتية للسلطان، وبكتابة تقليدٍ له.
ثم نصبت خيمة بظاهر القاهرة، وركب المستنصر بالله والسلطان يوم الاثنين رابع شعبان إلى الخيمة، وحضر القضاة والأمراء والوزير، فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده، وطوقه وقيده، ونصب منبرٌ فصعد عليه فخر الدّين ابن لقمان، فقرأ التقليد، وهو من إنشاء ابن لقمان، ثم ركب السلطان بالخلعة، ودخل من باب النصر، وزُينت القاهرة، وحمل الصاحب التقليد على رأسه راكبا، والأمراء مشاة، وهذا هو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العباس، وكانت بيعته بقلعة الجبل، في ثالث عشر رجب.
قال: وأول من بايعه قاضي القضاة تاج الدّين، ثم السلطان، ثم الشيخ
стр. 14429
عز الدّين ابن عبد السلام، وكان شديد السمرة، جسيما، عالي الهمة، شجاعا، وما بويع أحدٌ بالخلافة بعد ابن أخيه إلا هو، والمقتفي ابن المستظهر، بويع بعد الراشد ابن المسترشد ابن المستظهر، وقد ولي الأمر ثلاثة إخوة: الراضي، والمتقي، والمطيع بنو المقتدر، وولي قبلهم: المكتفي، والمقتدر، والقاهر بنو المعتضد، وولي من قبلهم: المنتصر، والمعتز، والمعتمد بنو المتوكل، ووليها: الأمين، والمأمون، والمعتصم بنو الرشيد، وولي من بني أمية الإخوة الأربعة: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام بنو عبد الملك بن مروان.
قال: ورتب له السلطان أتابكا، وأستاذ دار، وشرابيا، وخزندارا، وحاجبا، وكاتبا، وعين له خزانة وجملة مماليك، ومائة فرس، وثلاثين بغلا، وعشرة قطارات جمال، إلى أمثال ذلك.
قرأت بخط العلاء الكندي: حدثنا قاضي القضاة جمال الدّين محمد بن سليمان المالكي، قال: حدّثني شيخنا عز الدّين ابن عبد السلام، قال: لما أخذنا في بيعة المستنصر قلت للملك الظاهر: بايعه، فقال: ما أُحسِن، لكن بايعه أنت أولا وأنا بعدك، فلما فرغنا البيعة حضرنا عند السلطان من الغد، فمدح الخليفة وقال: من جملة بركته أنني دخلت أمس الدار فقصدت مسجدا فيها للصلاة، فرأيت فيه مصطبةٌ نافرة، فقلت للغلمان: أخربوا هذه، فلما هدموها انفتح تحتها سربٌ، فنزلوا، فإذا فيه صناديق كثيرة مملوءة ذهب وفضة من ذخائر الملك الكامل، ثم إنه عزم على التوجه إلى العراق.
قلت: وحسّن له السلطان ذلك وأعانه.
قال قطب الدّين (١): فأقطع إقطاعاتٍ هناك لمن قصده أو وفد عليه.
وسار من مصر هو والسلطان في تاسع عشر رمضان فدخلوا دمشق في سابع ذي القعدة، ثم جهز السلطان الخليفة وأولاد صاحب الموصل، وغرِم عليه وعليهم من الذهب فوق الألف ألف دينار، فسار الخليفة ومعه ملوك الشرق، صاحب الموصل، وصاحب سنجار والجزيرة من دمشق في الحادي والعشرين من ذي القعدة.
стр. 14430
وذكر ابن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية: قال لي مولانا السلطان: إن الذي أنفقه على الخليفة والملوك المواصلة ألف ألف دينار وستين ألف دينار عينا.
قال أبو شامة (١): نزل الخليفة بالتربة الناصرية بقاسيون، ودخل يوم الجمعة إلى جامع دمشق إلى المقصورة، وجاء إليها بعده السلطان الملك الظاهر ثم خرجا ومشيا إلى جهة مركوب الخليفة بباب البريد، ثم رجع السلطان إلى باب الزيادة.
قال قطب الدّين (٢): سافر الخليفة وصاحب الموصل إلى الرحبة، ففارق صاحب الموصل وأخوه الخليفة، ثم نزل الخليفة بمن معه مشهد علي ﵁، ولما وصلوا إلى عانة وجدوا بها الحاكم بأمر الله أحمد، ومعه نحو من سبعمائة نفس فاستمالهم الخليفة المستنصر، وأنزل الحاكم معه في دهليزه، وتسلم الخليفة عانة، وحمل إليه واليها وناظرها الإقامة فأقطعها، ثم وصل إلى الحديثة ففتحها أهلُها له، فلما اتصل ذلك بمقدم المغل بالعراق وبشحنة بغداد خرج المقدم بخمسة الآف وقصد الأنبار فدخلها، وقتل جميع من فيها، ثم لحقه الشحنة، ووصل الخليفة إلى هيت، فأغلق أهلها الأبواب، فحصرها ثم دخلها في التاسع والعشرين من ذي الحجة، ونهب من بها من أهل الذمة، ثم نزل الدور، وبعث طليعة، فوصلت إلى الأنبار في الثالث من المحرم سنة ستين، فعبرت التّتار ليلا في المخائض والمراكب، فلما أسفر الصبح التقى عسكر الخليفة والتّتار فانكسر أولا الشحنة، ووقع معظم أصحابه ف الفرات، ثم خرج كمينٌ للتّتار، فهرب التّركمان والعرب، وأحاط الكمين بعسكر الخليفة، فصدقوا الحملة، فأفرج لهم التّتار، فنجا جماعةٌ من المسلمين، منهم الحاكم ونحو خمسيننفسا، وقتل جماعة، وأما الخليفة فالظاهر أنه قتل، وقيل سلِم وأضمرته البلاد، وعن بعضهم أن الخليفة قتل يومئذٍ ثلاثة ثم قتل.
стр. 14431
٥٢٣ - أحمد بن يوسف بن أحمد بن فرتون، المحدّث، أبو العباس السلميّ، الفاسيّ، محدّث المغرب.
روى عن: أبي ذر الخشنيّ، وأبي القاسم ابن الملجوم، وأجاز له: أبو الحجاج ابن الشيخ، وغيره، وكان من أشد الطلبة عناية بالرواية، ولم يكن له كبير علم سواها، ألف كتابا ذيل به صلة ابن بشكوال، فلم يجوده.
أكثر عنه أبو جعفر بن الزبير، وقال: مات بسبتة في شعبان، وكان فقيرا متعففا خيرا.
قال ابن الزبير: تأملت تذييله على الصلة فوجدته كثير الأوهام والخلل، فاستخرت الله في استئناف ذلك العمل، ووصلت الصلة، بكتابٍ (١).
٥٢٤ - إبراهيم ابن الكماد، الحافظ أبو إسحاق الإشبيلي.
عاش نحوا من ثمانين سنة، وبلغنا أنه كان يحفظ كتاب السنن لأبي داود، سمع الكثير من المحدث أبي عبد الله التجيبي نزيل تلمسان، ومن أبي ذر الخشني، وخلق، ورحل في الحديث، روى عنه: ابن الزبير، وأبو إسحاق الغافقي، أرخه لنا ابن عمران السبتي، والصواب سنة ثلاث، فيعاد (٢).
٥٢٥ - إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن عبيد الله بن حسن ابن المحدّث المسند عبيد الله بن عبد الرحمن الزهريّ، البغداديّ الأصل، النابلسيّ.
حدّث بدمشق ومصر عن محمد بن عبد الله البنّاء، وتوفي بنابلس في رجب، ولقبه: عفيف الدّين أبو الطاهر، روى عنه: الدّمياطيّ، وغيره (٣).
٥٢٦ - إسماعيل بن لؤلؤ، هو الملك الصالح، ركن الدّين، ابن صاحب الموصل.
قدم الديار المصرية في السنة الماضية، وردّ، ثم وقع في مخاليب التّتار، فقُتل في هذه السنة في ذي القعدة، وكان عادلا، لين الجانب
стр. 14432
يحرر أمره وكيف عاد إلى الموصل فوقع في حصارها وأسره التّتار.
نعم، قصد الظاهر ليمده بجيش فأمده، ورجع ودخل الموصل، فأقبلت التّتار، فالتقاهم عند نصيبين فهزمهم، وقتل النوين أيلكا، فتنمر هولاكو، وجهز سنداغو فنازل الموصل كما في الحوادث.
٥٢٧ - الأصبهاني، أحد أمراء دمشق.
توفي مخمورا في ذي القعدة بدمشق (١).
٥٢٨ - البدر المراغيّ الخلافيّ، المعروف بالطويل.
قال أبو شامة (٢): كان قليل الدّين، تاركا للصلاة، توفي في جمادى الآخرة.
٥٢٩ - بلبان، الأمير الكبير، سيف الدّين الزردكاش.
من أمراء دمشق الأعيان، وكان دينا مشكورا، توفي في ذي الحجة (٣).
٥٣٠ - الحسن بن محمد بن أحمد بن نجا الإربليّ، الرافضيّ، المتكلّم، الفيلسوف، العزّ الضّرير.
كان بارعا في العربية والأدب، رأسا في علوم الأوائل، كان بدمشق منقطعا في منزله يقرئ المسلمين وأهل الكتاب والفلاسفة، وله حرمة وافرة وهيْبة، وكان يهين الرؤساء وأولادهم بالقول: إلا أنه كان مجرما، تاركا للصلاة، فاسد العقيدة، يبدو منه ما يشعر بانحلاله؛ قال شيخنا قطب الدّين (٤) فيه مثل هذا، وقال (٥): كان قذرا، زريّ الشكل، قبيح المنظر، لا يتوقى النجاسات، ابتلي مع العمى بقروح وطلوعات، وكان ذكيا، جيد الذهن، حسن المحاضرة، جيد النظم، وكان يصرح بتفضيل علي على أبي بكر ﵄، ولما قدم القاضي شمس الدّين ابن خلكان ذهب إليه، فلم يحتفل به، فأهمله القاضي وتركه.
стр. 14433
قال (١): وله قصيدةٌ في العز ابن معقل الحمصيّ يمدحه، وله هجوٌ خبيث.
وذكر (٢) عز الدّين ابن أبي الهيجا، قال: لازمت العز الضرير يوم موته فقال: هذه البنية قد تحللت، وما بقي يرجى بقاؤها، وأشتهي رزا بلبن، فعمل له وأكل منه، فلما أحس بشروع خروج الروح قال: خرجت الروح من رجلي، ثم قال: قد وصلت إلى صدري، فلما أراد المفارقة بالكلية تلا هذه الآية: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ثم قال: صدق الله العظيم، وكذب ابن سينا.
ثم مات في ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون، وولد بنصيبين سنة ست وثمانين وخمسمائة.
قلت: روى عنه من شعره وأدبه: الدّمياطيّ، وابن أبي الهيجا، وشمس الدّين محمد بن عبد القوي الحنبلي، وغيرهم، وحكى ابن عبد القوي أنه سمعه يقول: أنا على عقيدة علماء الحنابلة.
٥٣١ - الحسين بن أبي حامد عبد الله بن أبي طالب عبد الرحمن بن الحسن ابن العجمي، أبو عبد الله الحلبي.
ولد سنة أربعٍ وستمائة، وسمع من: الافتخار الهاشمي وغيره، روى عنه: الدّمياطيّ، والأبيورديّ، وآحاد الطلبة، ومات كهلا.
توفي في ذي الحجة (٣).
٥٣٢ - الخضر بن أبي بكر بن أحمد، القاضي كمال الدّين الكردي، قاضي المقس.
قال قطب الدّين (٤): كان محترما عند الملك المعز، فعلق به حب الرياسة، فصنع خاتما وجعل تحت فصه وريقة فيها أسماء جماعة عندهم - فيما زعم - ودائع للوزير الفائزيّ، وأظهر أن الخاتم للفائزيّ، وأن تلك الوريقة تذكرة، ثم أظهر بذلك التقرب إلى السلطان، ودخل في أذية الناس، وجرت له
стр. 14434
خطوبٌ بمصر ثم وضح أمره، فصفع وحبس، وكان في الحبس شخص يدعي أنه من أولاد الخلفاء، وكانت الأمراء والأجناد الشهرزوريّة أرادت مبايعته بغزة، فلم يتم ذلك، فلما جمعهما الحبس تكلم معه في تمام أمره، فمات العباسي في الحبس وله ولد، فخرج الكمال الكردي، فأخذ في السعي لولده وتحدث مع جماعةٍ من الأعيان، وكتب مناشير وتواقيع بأمور، واتخذ بنودا، فبلغ ذلك السلطان، وألب عليه الوزير وغيره، فشنق، وعلقت البنود والتواقيع في حلقه، شنقوه بمصر في جمادى الآخرة.
٥٣٣ - عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن الحسين بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد، أبو الفضل بن أبي طالب الكنانيّ، الإسكندرانيّ.
ولد سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وسمع من: عبد الرحمن بن موقى، وعبد الرحمن عتيق ابن باقا، وقد حدّث من بيته جماعة، روى عنه: الدّمياطيّ، وشعبان الإربليّ، وهو أخو الحسين.
توفي في رمضان بالإسكندرية (١).
٥٣٤ - عبد الله بن عبد الملك بن عثمان بن عبد الله بن سعد، الجمال، أبو أحمد المقدسيّ، الصالحيّ، الحنبليّ.
سمع من: محمود بن عبد المنعم القلانسيّ، وعمر بن طبرزد، وعبد المجيب بن زهير، وجماعة، روى عنه: ابن الحلوانيّة، والدّمياطيّ، وابن الخباز، وابن الزرّاد، وآخرون، ومات في جمادى الأولى (٢).
قال أبو شامة (٣): يعرف بعفلق.
٥٣٥ - عبد الرحمن بن عبد الباقي بن الخضر، تاج الدّين ابن النّجار، الحنفيّ.
فقيه بارع، مدرس، وكان يشهد تحت الساعات.
مات في جمادى الأولى (٤).
стр. 14435
٥٣٦ - عبد الرحمن بن عبد الواحد بن إسماعيل بن سلامة بن صدقة، الرئيس شرف الدّين الحرانيّ، ثم الدمشقيّ، المعدّل، التّاجر.
كان ذا دين وتجُّمل ومعروف، ولد سنة ثمانٍ وتسعين وخمسمائة بدمشق، وسمع من: حنبل، وغيره، روى عنه: النجم إسماعيل ابن الخباز، وغيره، ومات في رجب (١).
٥٣٧ - عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن، شيخ الإسلام، وبقية الأئمة الأعلام، عز الدين، أبو محمد السلمي، الدمشقي، الشافعي.
ولد سنة سبع أو ثمانٍ وسبعين وخمسمائة، وحضر: أبا الحسين أحمد بن حمزة ابن الموازينيّ، والخشوعيّ، وسمع عبد اللطيف بن إسماعيل الصوفي، والقاسم بن علي ابن عساكر، وعمر بن طبرزد، وحنبلا المكبر، وأبا القاسم عبد الصمد ابن الحرستانيّ، وغيرهم، وخرج له شيخنا الدّمياطيّ أربعين حديثا عوالي.
روى عنه: شيوخنا العلامة أبو الفتح ابن دقيق العيد، وأبو محمد الدّمياطيّ، وأبو الحسين اليونينيّ، وأبو العباس أحمد بن فرح، والقاضي جمال الدّين محمد المالكي، وأبو موسى الدويداريّ، وأبو عبد الله بن بهرام الشافعيّ، والمصريّون.
وتفقه على الإمام فخر الدّين ابن عساكر؛ وقرأ الأصول والعربية، ودرس وأفتى وصنف، وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من البلاد، وانتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه، وتخرج به أئمة، وله التصانيف المفيدة، والفتاوى السديدة، وكان إماما، ناسكا، ورعا، عابدا، أمّارا بالمعروف، نهَّاء عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم.
ذكره الشريف عز الدّين، فقال (٢): حدّث، ودرس، وأفتى، وصنف، وتولى الحكم بمصر مدة والخطابة بجامعها العتيق، وكان علم عصره في العلم، جامعا لفنونٍ متعددة، عارفا بالأصول والفروع والعربية، مضافا إلى ما
стр. 14436
جبل عليه من ترك التكلف، والصلابة في الدّين، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه.
قلت: وولي خطابة دمشق بعد الدولعيّ، فلما تسلطن الصالح إسماعيل وأعطى الفرنج الشقيف وصفد نال منه ابن عبد السلام على المنبر، وترك الدعاء له، فعزله الصالح وحبسه، ثم أطلقه، فنزح إلى مصر، فلما قدمها تلقاه الملك الصالح نجم الدّين أيوب، وبالغ في احترامه إلى الغاية، واتفق موت قاضي القاهرة شرف الدّين ابن عين الدولة، فولى السلطان مكانه قاضي القضاة بدر الدّين السّنجاريّ، وولى قضاء مصر نفسها والوجه القبلي للشيخ عز الدّين، مع خطابة جامع مصر، ثم إن بعض غلمان وزير الصالح المولى معين الدّين ابن الشيخ بنى بنيانا على سطح مسجد بمصر، وجعل فيه طبل خاناه معين الدّين، فأنكر الشيخ عز الدّين ذلك، ومضى بجماعته وهدم البناء، وعلم أن السلطان والوزير يغضب من ذلك، فأشهد عليه بإسقاط عدالة الوزير، وعزل نفسه عن القضاء، فعظم ذلك على السلطان، وقيل له: اعزله عن الخطابة وإلا شنع على المنبر كما فعل بدمشق، فعزله فأقام في بيته يشغل الناس.
وكانت عند الأمير حسام الدّين بن أبي علي شهادة تتعلق بالسلطان، فجاء لأدائها عنده، فنفذ يقول للسلطان: هذا ما أقبل شهادته، فتأخرت القضية، ثم أُثبتت على بدر الدّين السّنجاريّ، وله من هذا الجنس أفعالٌ محمودة.
وقد رحل إلى بغداد سنة سبعٍ وتسعين وخمسمائة، وأقام بها أشهرا.
وذكر عبد الملك ابن عساكر في جزء، ومن خطه نقلتُ، أن الشيخ عز الدّين لما ولي خطابة دمشق فرح به المسلمون، إذ لم يصعد هذا المنبر من مدةٍ مديدةٍ مثله في علمه وفتياه، كان لا يخاف في الله لومة لائم لقوة نفسه وشدة تقواه، فأمات من البدع ما أمكنه، فغير ما ابتدعه الخطباء وهو لبس الطيلسان للخطبة والضرب بالسيف ثلاث مرات، فإذا قعد لم يؤذَّن إلا إنسانٌ واحد، وترك الثناء ولزم الدعاء، وكانوا يقيمون للمغرب عند فراغ الأذان، فأمرهم أن لا يقيموا حتى يفرغ الأذان في سائر المساجد، وكانوا دبر الصلاة يقولون: إن الله وملائكته فأمرهم أن يقولوا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» الحديث.
стр. 14437
وقد أرسل - لما مرض - إليه السلطان الملك الظاهر يقول له: عين مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحيّة تصلح للقاضي تاج الدّين، ففوضت إليه بعده.
قال الشيخ قطب الدّين (١): كان رحمه الله تعالى، مع شدته، فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار، وكان يحضر السماع ويرقص ويتواجد.
مات في عاشر جمادى الأولى سنة ستين، وشهد جنازته الملك الظاهر والخلائق.
وقال الإمام أبو شامة (٢): شيعه الخاص والعام، ونزل السلطان، وعمل عزاؤه في الخامس والعشرين من الشهر بجامع العقيبة، ﵀.
٥٣٨ - عبد العزيز بن عطاء بن عمار بن محمد، الهاشمي، الإسكندرانيّ.
كان أمّارا بالمعروف، نهاءا عن المنكر، وله في ذلك محنٌ (٣).
٥٣٩ - عبد العزيز ابن الشيخ الواعظ المؤرخ شمس الدّين يوسف بن زغليّ ابن الجوزيّ، الفقيه عز الدّين الحنفيّ.
درّس بعد أبيه ووعظ، وكانت فيه أهلية في الجملة، مات في شوال (٤).
٥٤٠ - عبد الوهاب ابن زين الأمناء أبي البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله، تاج الدّين، أبو الحسن ابن عساكر الدمشقيّ، الشافعيّ، والد الشيخ أمين الدّين عبد الصمد.
ولد سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير من: الخشوعيّ، والقاسم ابن الحافظ، وعبد اللطيف بن أبي سعد، وجعفر بن محمد العباسي الحافظ، وأبي جعفر القرطبيّ، وابن ياسين الدولعيّ، وحنبل، وابن طبرزد، ومحمد بن سيدهم، والكنديّ، وطائفة، وولي مشيخة دار الحديث النوريّة بعد والده، وحضره لما جلس الأكابر والحفاظ.
روى عنه: العلامة تاج الدّين، وأخوه الخطيب شرف الدّين، والعلامة تقي
стр. 14438
الدّين ابن دقيق العيد، والحافظ أبو محمد التوليّ، وابن الزراد، ومحمد ابن المحب، ومحمد ابن خطيب بيت الآبار، وجماعة، وحدّث بمصر، ورحل منها للحج ولزيارة ولده، فحج وجاور قليلا، وكان دينا، صالحا، فاضلا، من بيت الحديث والعلم.
توفي بمكة في حادي عشر جمادى الأولى (١).
٥٤١ - عبيد بن هارون بن عبيد الله (٢)، أبو محمد العوفيّ، ثم الصالحيّ، الحنبليّ، المقرئ، الرجل الصالح.
سمع من: أبي القاسم ابن الحرستانيّ، وهبة الله بن طاوس، وحمزة بن أبي لقمة، والشيخ الموفق، وجماعة، حدّث عنه: ابن الخباز، والعماد ابن البالسيّ، والشمس ابن الزرّاد، وآخرون، ومات في السادس والعشرين من رمضان (٣).
٥٤٢ - عثمان بن إبراهيم بن خالد بن محمد بن سلم، أبو عمرو النابلسيّ الأصل، المصريّ، الكاتب.
ولد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع بدمشق من حنبل، وغيره، وتقلب في الخدم الديوانية، روى عنه: الدّمياطيّ، ولقبه بعلاء الدّين.
توفي في جمادى الأولى (٤).
٥٤٣ - علي بن محمد بن إبراهيم، بن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس بن الحسن بن العباس بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر، الشريف، السيد بهاء الدّين، أبو الحسن العلوي، الحسيني، الدمشقي، النقيب، المعروف بابن أبي الجن.
ولد في شعبان سنة تسعٍ وسبعين وخمسمائة، وسمع حضورا من ابن صدقة الحرانيّ، ويحيى الثقفيّ، وأبي الفوارس بن شافع.
روى عنه: ابن الحلوانيّة، والدّمياطيّ، وابن الخباز، وأبو الحسن
стр. 14439
الكندي، وأبو الحسن ابن الشاطبيّ، وعبد الرحيم بن مسلمة الجنائزيّ، وطائفة، وكان رئيسا نبيلا، سريا سنيا.
توفي في الثاني والعشرين من رجب، ودفن بتربته التي بالديماس بدمشق (١).
٥٤٤ - عمر بن أحمد بن أبي الفضل هبة الله بن أبي غانم محمد بن هبة الله ابن قاضي حلب أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل، الصاحب العلامة رئيس الشام كمال الدّين أبو القاسم القيسيّ، الهوازنيّ، العقيليّ، الحلبي، المعروف بابن العديم، ولَدُ القاضي العالم أبي الحسن ابن القاضي أبي الفضل خطيب حلب.
ولد سنة ثمانٍ، أو ست أو ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع من: أبيه، ومن عمه أبي غانم محمد، وعمر بن طبرزد، والافتخار الهاشمي، وأبي اليمن الكندي، وأبي القاسم ابن الحرستانيّ، وهبة الله بن طاوس، والشمس أحمد بن عبد الله العطار، وأبي عبد الله ابن البناء، وثابت بن مشرف، وأبي منصور ابن عساكر الفقيه، وبهرام الأتابكي، والبهاء عبد الرحمن، وأحمد بن أبي اليسر، وأبي محمد ابن البن، وابن صصرى، وابن راجح، والشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد، والشيخ فخر الدّين محمد ابن تيمية، وعبد العزيز بن هلالة، ومحمد بن عمر العثماني، وأبي علي الإوقيّ، وأبي محمد بن علوان، وخلق كثير بحلب، ودمشق، والقدس، والحجاز، والعراق، وأجاز له: أبو روح الهرويّ، والمؤيّد الطوسيّ، وطائفة.
وكان عديم النظير فضلا ونبلا وذكاء وزكاء ورأيا ودهاء ومنظرا ورواء وجلالة وبهاء، وكان محدّثا حافظا، ومؤرخا صادقا، وفقيها مفتيا، ومنشئا بليغا، وكاتبا مجودا؛ درس وأفتى وصنف وترسَّل عن الملوك، وكان رأسا في كتابة الخط المنسوب، وبه عرَّض الصاحب فتح الدّين عبد الله بن محمد ابن القيسرانيّ حيث يقول، وقد سمعته منه:
стр. 14440
بوجه معذبي آيات حسنٍ … فقُل ما شئت فيه ولا تحاشي
ونسخة حسنه قرئت فصحت … وها خطُّ الكمال على الحواشي
ذكره شيخنا الدّمياطيّ فأطنب في وصفه، وقال: ولي قضاء حلب خمسةٌ من آبائه متتالية، وله الخط البديع والحظ الرفيع والتّصانيف الرائقة، منها تاريخ حلب، أدركته المنية قبل إكمال تبييضه، وكان بارا بي، حفيا محسنا إلي، وفيا يؤثرني على أقراني، وصحبته بضعة عشر عاما مقاما وسفرا وانتقالا، ورافقته كرتين من بغداد إلى دمشق، وأخذت عنه في البلاد من علمه ونظمه، وأخذ عني بسر من رأى، وكان غزير العلم، خطير القدر والأصل، وقد عدّلنيّ تعديلا ما عدّله أحدٌ من أمثالي، وذلك أن قاضي دمشق التمسنيّ منه ليعدلنيّ، فامتنع لسببٍ جرى من القاضي، فطفق الرسول يتضرع إليه ويسأله حتى أذن، فغدوت معه فأخرج لي القاضي ملبوسا فاخرا من ملابسه، فلبسته وأشهدني عليه وعدلنيّ، ورجعت راكبا على بغلته إلى منزلي، قدس الله روحه.
وقال الشريف عز الدّين (١): كان - كمال الدّين ابن العديم يعني - جامعا لفنونٍ من العلم، معظما عند الخاصة والعامة، وله الوجاهة التامة عند الملوك، وجمع لحلب تاريخا كبيرا أحسن فيه ما شاء، ومات وبعضه مسودة لم يبيضه، ولو كمل تبييضه لكان أكثر من أربعين مجلدا، سمعت منه واستفدت به.
قلت: من نظر في تاريخه علم جلالة الرجل وسعة اطلاعه، وكان قد ناب في السلطنة، وعلم عن الملك الناصر في غيبته عن دمشق، وذكر في تاريخه أنه دخل مع والده على الملك الظاهر غازي، وأنه هو الذي حسّن له جمع تاريخ لحلب.
روى عنه: ابنه الصاحب مجد الدّين عبد الرحمن، والدّمياطيّ، والبدر محمد بن أيوب التاذفيّ، وعلم الدّين الدّويداريّ، وأبو الفضل إسحاق الأسديّ، وجماعة.
стр. 14441
وتوفي إلى رحمة الله في العشرين من جمادى الأولى بالقاهرة، بظاهرها، ودفن بسفح المقطم (١).
٥٤٥ - عمر بن علي بن المظفر بن القاسم، أبو العباس النُّشبيّ، الربعيّ، الدمشقيّ، الصّائغ.
توفي قبل عمه نصر الله بأشهر.
ولد سنة إحدى وستمائة، وسمع من: الكنديّ، وابن الحرستانيّ؛ وحضر: عمر بن طبرزد، وستّ الكتبة، روى عنه: أبو الفدا ابن الخباز، وتوفي بمصر في العام (٢).
٥٤٦ - عيسى بن سليمان بن رمضان بن أبي الكرم بن إبراهيم بن عبد الخالق، الرئيس ضياء الدّين أبو الرَّوح الثَّعلبي - بثاء مثلَّثة - المصريّ، القرافيّ، الشافعيّ.
عاش تسعين سنة، وهو آخر من حدث عن: أبي المعالي منجب المرشديّ، روى عنه: صحيح البخاري عن مولاه أبي صادق مرشد المديني، وسماعه منه في سنة ثمانٍ وسبعين، وولد في أول يوم من سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.
كتب عنه: المصريون كالتقي الإسعرديّ، والعز الشريف (٣)، وعبد القادر الصعبيّ، وأبي محمد الدّمياطيّ، وروى لنا عنه الشيخ شعبان، وغيره.
ومات في رابع عشر رمضان، وهو والد شيخنا المعمر بهاء الدّين علي ابن القيم الكاتب.
٥٤٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة، المحدّث، المفيد، العالم، شرف الدّين أبو القاسم الأنصاري الشاطبيّ، ابن أخي محيي الدّين.
طلب وكتب وعني بالحديث، وسمع بالمغرب، ومصر، وكان فاضلا متيقظا، ذكيا، حريصا، لازما للأثر، كتب عن سبط السلفي، ومن بعده.
стр. 14442
توفي في ربيع الأول، وقد روى شيئا يسيرا (١).
٥٤٨ - محمد بن إبراهيم، الفقيه شمس الدّين الكرديّ الشافعيّ، والد البدر يوسف سبط ابن أبي اليسر.
كان من فضلاء الشافعية، درس بالكلاسة، وكان يصحب الأمير حسام الدّين ابن أبي علي، ورخه أبو شامة (٢)، وابنه فمن عدول القاهرة.
٥٤٩ - محمد بن الحسن بن عمر القاضي أبو عبد الله ابن المحلي الأديب.
عاش ثمانين سنة؛ وله شعرٌ فائق، أنشدت له أبياتا جيدة، وتوفي بالمغرب.
أخذ عنه أبو إسحاق الغافقيّ، وغيره.
٥٥٠ - محمد بن داود بن ياقوت الصارميّ، ناصر الدّين أبو عبد الله، المحدّث أحد الطلبة.
سمع الكثير، وعني بالحديث، ونسخ الأجزاء، وخطُّه مليحٌ صحيح.
مات كهلا، وقد سمع من: كريمة، والسخاويّ، وهذه الطبقة، وما أعلمه حدّث.
توفي في جمادى الآخرة، وكان رجلا جيدا، ﵀ (٣).
٥٥١ - محمد بن سليمان بن أبي الفضل بن أبي الفتوح بن يوسف بن يونس، الشمس السديد، أبو عبد الله (٤) الأنصاريّ، الصقليّ، ثم الدمشقيّ، الدلال في الأملاك.
شيخ معمر عالي الإسناد، محمود الطريقة، صحيح الرواية، سمع من: ابن صدقة الحرانيّ، وحنبل الرصافيّ، والخشوعيّ، وإسماعيل الجنزويّ، وسمع بواسط من أبي الفتح المندائيّ؛ وببغداد من ابن الأخضر، وقرأ القرآن بمصر على أبي الجود غياث بن فارس.
стр. 14443
روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الخباز، وابن الزراد، وأبو الحسن علي بن المظفَّر الأديب، والبهاء إبراهيم ابن المقدسيّ، ومحمد ابن المحب، وآخرون.
ولد في ليلة عيد الفطر سنة ثلاثٍ وسبعين وخمسمائة، وتوفي في الخامس والعشرين من صفر.
وقد كتب عنه ابن الحاجب وأساء الثناء عليه، لكنه عاش بعد ذلك دهرا وانصلح حاله (١).
٥٥٢ - محمد بن عبد الله بن علي، الفقيه أبو عبد الله الأزدي، القرطبيّ، شيخ أهل الحديث بسبتة.
ولد في سنة ثمانٍ أو تسعٍ وستين وخمسمائة، ونشأ بسبتة فسمع كثيرا من: المعمر أبي محمد بن عبيد الله الحجريّ، وأبي زكريا الهوزنيّ، والمحدّث أبي عبد الله محمد بن حسن بن غازي الجابري، من ولد جابر بن عبد الله، وسمع من: الجابري تواليف كثيرة لعياض، وأجاز له: الخشوعيّ، وجماعة من المشارقة.
وكان صالحا ثقة خيارا، توفي في أواخر رمضان.
روى عنه: أبو جعفر بن الزبير، وأبو إسحاق الغافقي، وخلق.
٥٥٣ - محمد بن عبد الحق بن خلف بن عبد الحق، الجمال أبو عبد الله الدمشقيّ، الصالحيّ، الحنبليّ، المحتسب بالصالحيّة.
ولد سنة تسعٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع من: الخشوعيّ، وعمر بن طبرزد، وجماعة، روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الخباز، والقاضي تقي الدّين سليمان، والعماد ابن البالسيّ، والشمس ابن الزراد، ومحمد ابن المحب، ومحمد ابن الصّلاح.
توفي في السادس والعشرين من جمادى الآخرة (٢)، وكان يشهد بالصالحيّة وفيه ظرف.
стр. 14444
٥٥٤ - محمد بن عبيد الله بن علي، زين الدّين السميريّ (١)، الأصبهاني، الصوفيّ.
سمع بمكة من أبي الفتوح نصر ابن الحصريّ، وحدّث بمكة ومصر.
ومات ببلد الفيوم في أول رمضان (٢).
٥٥٥ - محمد بن عثمان بن محمد، ابن العلامة أبي سعد بن أبي عصرون الدمشقي، الملقب بالجنيد.
عاش ثمانيا وخمسين سنة، وحدث عن: أبي الحسن بن روزبة، وأجاز له: طائفة، روى عنه: ابن الخباز (٣).
وقد تقدَّم له ذكرٌ في ترجمة أبيه.
٥٥٦ - محمد بن عسكر بن زيد بن محمد، الطبيب، نفيس الدّين، أبو بكر الدمشقي، ويعرف بابن الإسكاف.
طبيب فاضل معروف، سمع ببغداد من أبي أحمد عبد الوهاب ابن سكينة، وحدّث بدمشق وبمصر؛ روى عنه: الدّمياطيّ، ومجد الدّين ابن الحلوانيّة، وجماعة.
توفي النفيس الطبيب بالقاهرة في الخامس والعشرين من صفر (٤)، لم يذكره ابن أبي أُصيبعة، وقد سمع منه علاء الدّين الكندي جزءا، والشيخ شعبان.
٥٥٧ - محمد بن علي بن الحسين، أبو عبد الله الطبري، المكي، المعروف بابن النجار.
حدث عن: محمد بن علوان بن مهاجر، وهو والد شيخنا يحيى، وأخيه الفقيه عبد الرحمن.
مات بمكة في ثاني رجب (٥).
стр. 14445
٥٥٨ - محمد بن أبي نصر فتوح بن خلوف بن يخلف بن مصال، الشيخ المعمر المسند أبو بكر الهمدانيّ الإسكندرانيّ، عرف بابن عرق الموت.
سمع من: التاج محمد بن عبد الرحمن المسعودي، وعبد الرحمن بن موقى، وأجاز له: أبو الضياء بدر الخداداذيّ، والعلامة أبو سعد بن أبي عصرون، وأبو المجد البانياسيّ، ومحمد بن أبي الصقر، والقطب مسعود بن محمد النيسابوريّ، وأبو الحسين ابن الموازينيّ، وعبد المجيد بن دليل، وابن كليب، وطائفة، وخرج له المحدّث أبو المظفر منصور بن سليم مشيخة، ومات في جمادى الأولى، وكان من أبناء التسعين، وقد تفرد بالرواية عن غير واحدٍ (١).
سمع منه شيخنا أبو العباس ابن الظاهري، وحدثنا عنه الشيخ شعبان.
٥٥٩ - محمد بن محمود بن أبي زيد، الحكيم الطبيب أبو عبد الله الرازي الرّصاصي.
شيخ فاضل مسن، توفي في شوال بالقاهرة، وله أربعٌ وثمانون سنة (٢).
لم يذكره ابن أبي أُصيبعة.
٥٦٠ - الصاحب عمادُ الدّين مهدي ابن الوزير نصير الدين بن ناصر ابن مهدي العلوي، الحسني.
مات وله خمسٌ وستون سنة، وكان شيعيا؛ مات بالحلة في رمضان، ودفن بمشهد علي، ﵇.
٥٦١ - نصر الله بن مظفر بن القاسم بن محمد، أبو الفتح النُّشبيّ، الدمشقيّ، الصّائغ، أخو المحدّث علي.
سمعه أخوه من الخشوعيّ، وغيره، وحدّث، وعاش خمسا وسبعين سنة.
روى عنه: ابن الحلوانيّة، وابن الخباز، وإسحاق الأسديّ، وابن الزراد، ومحمد ابن المحب، وجماعة كثيرة، وحدّث بدمشق وحلب ومصر.
стр. 14446
توفي بدمشق (١).
٥٦٢ - نصير بن نبا (٢) بن سليمان، أبو محمد المصري، الزفتاويّ، الدُّفوفيّ (٣)، والد شيخنا الشهاب أحمد، وعلي.
ولد في حدود سنة ثمانين وخمسمائة بمنية زفتا، وسمع من: أبي الحسن علي ابن الساعاتي شيئا من ديوانه، كتب عنه الشريف عز الدّين (٤)، وابنه الشهاب ابن الدُّفوفيّ، وغيرهما، وتوفي في ربيع الأول بالقاهرة.
٥٦٣ - يحيى بن عبد الملك بن عبد الملك بن يوسف بن محمد بن قدامة، الشيخ شهاب الدّين أبو زكريا المقدسيّ الحنبلي أخو عبد الرحيم، وهو الأصغر.
ولد سنة إحدى وستمائة ظنا، وسمع من: التاج الكندي، وحضر على ابن طبرزد، كتب عنه الدّمياطيّ، وابن الخباز؛ وهو من أسباط الشيخ أبي عمر.
مات في تاسع صفر (٥).
٥٦٤ - يوسف ابن الحكيم موفق الدّين عبد اللطيف بن يوسف شرف الدّين أبو الفضل، البغدادي الأصل، المصري الوفاة.
سمع أباه، وابن اللتيّ، وجماعة، وحدّث بالقاهرة، وكان متوسط الفضيلة، من أولاد الشيوخ.
مات في خامس ذي القعدة بالقاهرة كهلا (٦).
٥٦٥ - يوسف بن المظفر بن علي بن رافع، أبو الحجاج الزُّهري، الإسكندرانيّ المقرئ العدل.
ولد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع من: عبد الله بن عبد الجبار
стр. 14447
العثماني، وعبد الرحمن بن عبد الله المقرئ، وابن عماد، ولأبيه ذكرٌ ورواية (١).
٥٦٦ - يوسف بن يوسف بن يوسف بن سلامة بن عبد الله، الصدر محيي الدّين ابن زبلاق، الهاشميّ، العبّاسيّ، الموصلي، الكاتب، الشّاعر.
عاش سبعا وخمسين سنة، وكان شاعرا محسنا، مشهورا، سائر القول، قتلته التّتار حين أخذوا الموصل في شعبان (٢).
روى عنه: الدّمياطيّ، وغيره.
٥٦٧ - أبو بكر بن علي بن مكارم بن فتيان، الشيخ نجم الدّين ابن الإمام الخطيب أبي الحسن الأنصاري، الدمشقي، ثم المصري.
ولد سنة تسعٍ وسبعين وخمسمائة، وسمع من: البوصيريّ، والأرتاحيّ، وفاطمة بنت سعد الخير، وزوجها ابن نجا الواعظ، وسمع بدمشق من: داود بن ملاعب، وغيره، روى عنه: الدّمياطيّ، والشريف عز الدّين (٣)، وعلم الدّين الدواداريّ، والشيخ شعبان، ويوسف الختنيّ، والمصريّون، ومات في ثامن المحرم.
ولكن يلقب بالقبة.
٥٦٨ - أبو العز بن مشرف بن بيان، عز الدّين التاجر الدمشقي، الملقب بالجرذان، والد شيخنا الشهاب، محمد.
مات في ذي الحجة (٤).
وفيها ولد:
شيخنا برهان الدّين أبو إسحاق إبراهيم ابن الشيخ تاج الدّين عبد الرحمن شيخ الشافعية، وخطيب حمص علاء الدّين علي بن عبد الله بن مكتوم، والبدر حسن بن عبد الرحمن المراكشيّ، وناصر الدّين محمد بن أيوب بن مكارم الشاهد، والشرف عبد الحميد بن محمد ابن الشيرازيّ، والفخر محمود بن علي بن سيما، والكمال أحمد بن محمد بن حياة الرقي، وزينب بنت المحدّث
стр. 14448
إسماعيل ابن الخباز، والشهاب أحمد بن منصور ابن الجوهري، الحلبي، ثم المصري، وقطب الدّين إبراهيم ابن الملك المجاهد إسحاق ابن صاحب الموصل، والحسن بن عبد الرزاق العسقلانيّ، ثم المصري، سمع الثلاثة من النّجيب ومحمد بن بكتوت الغرزي (١)، سمع من: ابن علاق، ومحمد بن عثمان المدلجيّ، سمع ابن عزُّون.
وفي سنة ستين ولد علاء الدّين علي بن إسماعيل بن أبي العلاء بن راشد بن محسن الوتّار، وفخر الدّين محمد بن محمد بن عثمان بن عمر القرشي ابن المعلم الشافعي في شوال، وعلي ابن العز عمر في رجب منها، وعبد الرحمن بن عبد العزيز بن محمد بن عبد القادر ابن الصائغ في جمادى الآخرة، ومحمد بن نجيب بن محمد الخلاطيّ، وأحمد بن زكري بن أبي علي الرسعنيّ في ربيع الأول بالقاهرة، وسليمان بن عبد الرحيم الصالحيّ العطار، وحسن بن عبد الرحمن المراكشيّ، ووديعة الله بن علي بن سيما، ومحمد بن عمر بن أبي القاسم السّلاويّ بالزاوية، وعبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن محمود المرداويّ بالنيرب.
وفيها ولد نفيسُ الدّين سلامة بن عبد الله بن عبد الأحد بن شقير الحرّانيّ التاجر، في رجب بحرَّان، وسيأتي في سنة إحدى في شعبان، كلاهما بخط علم الدّين (٢).
(آخر الطبقة والحمد لله)
стр. 14449
الطبقة السابعة والستون
(٦٦١ - ٦٧٠ هـ)
стр. 14450
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذكر الحوادث الكائنة في هذه السنين العشر
سنة إحدى وستين وستمائة
في المحرم قال أبو شامة (١): درست بالركنية الملاصقة للفلكية.
قال (٢): وفي صفر دخل دمشق الخليفة الحاكم بأمر الله الذي بايعه برلو (٣) بحلب، ثم سافر إلى مصر.
وفي رجب جرى على الشّمس محمد بن مؤمن الحنبليّ أمر بتعصب جماعة عليه وحمل إلى والي دمشق وهم بتجريصه (٤).
قال قطب الدّين (٥): في يوم الخميس ثامن المحرم جلس السلطان مجلساً عاماً وحضر الحاكم بأمر الله راكباً إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل، وجلس مع السلطان، بسطوا له إلى جانبه، وذلك بعد ثبوت نسبه، فأقبل عليه السلطان وبايعه بإمرة المؤمنين، ثم أقبل هو على السلطان الملك الظاهر وقلده الأمور، ثم أخذ الناس يبايعون الخليفة على طبقاتهم، فلما كان من الغد خطب يوم الجمعة خطبة ذكر فيها الجهاد والإمامة وتعرض إلى ما جرى من هتك حرم الخلافة، ثم قال: وهذا السلطان الملك الظاهر قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، فبادروا إلى شكر هذه النعمة ولا يروعنكم ما جرى، فالحرب سجال.
وأول الخطبة: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركناً وظهيراً، قال: ثم كتب بدعوته إلى الآفاق، ثم
стр. 14451
خطب الحاكم جمعة أخرى بعد مدة، وهو التاسع والثلاثون من خلفاء بني العباس، وبقي في الخلافة أربعين سنة وأشهراً.
قال (١): وفي صفر جمع صاحب سيس تكفور جمعاً وأغار على الفوعة (٢) وسرمين (٣)، ومعرة مصرين (٤)، وأسر من الفوعة ثلاثمائة وثمانين نفساً، فساق وراءه جماعة كانوا مجردين بسرمين فهزموه وتخلص بعض الأسرى.
وفي ربيع الآخر خرج الملك الظاهر من القاهرة، فلما قدم غزة نزلت إليه أم المغيث صاحب الكرك تشفع في ولدها فأكرمها، ثم رحل إلى الطور وغلت الأسعار ولحق الجيش مشقة عظيمة والرسل تتردد إلى صاحب الكرك تطلبه، وهو يسوف خوفاً من القبض عليه، ثم إنه نزل، فلما وصل تلقاه السلطان وأكرمه ومنعه من الترجل له، ثم أرسل تحت الحوطة إلى قلعة مصر وكان آخر العهد به، ثم توجه السلطان إلى الكرك، وكاتب من فيه بتسليمه، فوقع الاتفاق على أن يؤمر الملك العزيز عثمان ابن المغيث، فأعطاه خبز مائة فارس بمصر، ثم دخل السطان إلى الكرك في جمادى الآخرة، ثم سار إلى مصر.
وفي رجب أمسك ثلاثة أمراء لكونهم حطوا على السلطان في إعدامه الملك المغيث، وهم الأمير شمس الدّين أقوش البرلي والأمير سيف الدّين بلبان الرشيدي، والأمير عز الدّين أيبك الدّمياطيّ.
وفي رجب جاءت رسل بركه ملك التّتار يخبرون أنه محب للإسلام ويشكو من ابن عمه هولاكو، فأرسل إليه الملك الظاهر هدية وصوب رأيه.
وفيه وصلت طائفة من التتار مستأمنين مسلمين، ثم وصلت طائفة كبيرة مقدمهم الأمير كرمون، فتلقاهم السلطان وأنعم عليهم.
وفي شعبان ولي الأستاذ دارية جمال الدّين ابن يغمور.
وفي شوال سافر السلطان إلى الإسكندرية فأقام بها نحواً من شهر، ثم
стр. 14452
عزل ناصر الدّين ابن المنير من قضائها بالبرهان إبراهيم بن محمد البوشي.
وجرت وقعة هائلة بين هولاكو وبركة، وكانت الدائرة على هولاكو، وقتل خلق من أصحابه وغرق آخرون ونجا هو بنفسه.
وقال أبو شامة (١): في صفر سمر شاب، وخنقت امرأته فعلقت في جولق تحته، كانت تتحيل على النساء وتوديهم إلى الأفراح متلبسات، فتأتي بالمرأة إلى بيتها فيخنقها زوجها، ويأخذ ما عليها، ويرميها في بئر، فعل ذلك بجماعة من النساء، فبقي مسمراً يومين ثم خنق، وذلك بدمشق.
سنة اثنين وستين وستمائة
في شهر جمادى الأولى ولي الإمام شهاب الدّين أبو شامة مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد ابن الحرستاني (٢).
وفي أولها فرغت المدرسة الظاهرية بين القصرين، فدرس بها للشافعية الإمام تقيّ الدّين ابن رزين وللحنفية الصاحب مجد الدّين ابن العديم، وولي مشيخة الحديث الحافظ شرف الدّين الدّمياطيّ، وولي مشيخة الإقراء الشيخ كمال الدّين المحلي.
وفيها بعث السلطان نائباً له على حمص عقيب موت صاحبها الملك الأشرف.
وفي ربيع الآخر زلزلت مصر زلزلة عظيمة.
وعزل الشهابي عن نيابة حلب بالأمير نور الدّين علي بن مجلي.
وفيها كان الغلاء بمصر وبلغ الإردب مائة وخمسة دراهم.
وفيها أحضر بمصر إلى السلطان طفل ميت وله رأسان، وأربعة أعين، وأربعة أيدي، وأربعة أرجل.
وفيها كان خبر الخناقة بمصر، قال شمس الدّين الجزري في تاريخه (٣): فيها ظهرت قتلى في خليج مصر، وفقد جماعة، ودام ذلك أشهراً
стр. 14453
حتى عرف أن صبية مليحة اسمها غازية كانت تتبرج بالزينة، وتطمع من يراها، ومعها عجوز، فتشاكل الرجل وتقول: هذه ما يمكنها ما تريد منها إلا في منزلها، فإذا انطلق معها، واستقر في دارها، خرج إليه رجلان جلدان فيقتلانه ويأخذان ما عليه، وكانوا يتنقلون من موضع إلى موضع، إلى أن سكنوا على الخليج، وجاءت العجوز مرة إلى ماشطة مشهورة لها حلي تخرج به العرائس، فقالت لها: عندي بنت ونريد أن تصلحي من شأنها، فجاءت بالحلي تحمله الجارية، ورجعت الجارية من الباب فدمسوا الماشطة، ولما أبطأ خبرها على جاريتها مضت إلى الوالي فأخبرته، فركب إلى الدار وهجمها، فوجد غازية والعجوز، فأخذهما وتهددهما، فأقرتا، فحبسهما فجاء إلى الحبس أحد الرجلين، فشعر به الأعوان، فأخذ وقرر وضرب، فاعترف ودل على رفيقه وكان لهما رفيق آخر له قمين (١) للطوب، كان يلقي فيه من يقتلانه في الليل فيحترق، وأظهروا أيضاً من الدار حفيرة مملوءة بالقتلى، فأنهي أمرهم إلى السلطان فسمروا خمستهم وبعد يومين شفع أمير في الصبية فأنزلت وماتت بعد أيام.
قال: وفيها اتفق أن ليلة الاثنين كانت ليلة ثاني عشر ربيع الأول وفيها أحضرت إلى قلعة مصر فلوس كثيرة من جهة قوص وجدت مطمورة، كان على الفلس صورة ملك، وفي يده ميزان وفي يده الأخرى سيف، وعلى الوجه الآخر رأس بآذان كبار وحوله أسطر، فحضر جماعة من الرهبان فيهم حكيم يوناني رومي لا يعرف العربية فقرأ الأسطر، فكان تاريخ الفلس من ألفين وثلاثمائة سنة، وفيه مكتوب: أنا غلياث الملك، ميزان العدل والكرم في يميني لمن أطاع، والسيف في شمالي لمن عصى، وفي الوجه الآخر: أنا غلياث الملك أذني مفتوحة للمظلوم وعيني أنظر بها مصالح ملكي.
وفيها قدم بغداد النصير الطوسي للنظر في الوقوف وجمع الكتب، وانحدر إلى واسط، وجمع شيئاً كثيراً لأجل الرصد.
وقتلوا ببغداد النجم أحمد بن عمران الباجسرائي، وأخذ مرارته جلال الدّين ابن الملك مجاهد الدّين الدويدار، وكان ناظراً على السواد، جيد
стр. 14454
التصرف، وعظم في دولة هولاكو، ولقبه بالملك، فعادى علاء الدّين فعقره، ثم إن ابن الدويدار بيع ما له من الغنم والجواميس وغير ذلك، واقترض أموالا واستعار خيولا، وأظهر أنه يتصيد ويزور المشهد وأخذ أمه، ثم تسحب إلى الشام، فانقطع عنه ضعفاء الجند ورجعوا، فقتلهم الشحنة قرابوقا، وقتل كل من ظفر به من آحاد الأجناد.
وفيها عزل قرابوقا عن بغداد لكونه رافع الصاحب علاء الدّين بالكذب، وولي توكال شحنة.
وسار عز الدّين كيكاوس ابن صاحب الروم إلى قسطنطينة، إلى صاحبها الأشكري، لكونه وقع بينه وبين أخيه ركن الدّين قلج أرسلان في أمر سلطنة الروم، فاستظهر عليه الركن ففر هو في حاشيته إلى قسطنطينية، فأحسن إليه الأشكري وإلى أمرائه، وداموا في عافية، فعزموا على قتل الأشكري وأن يأخذوا قسطنطينيته، ففهم فأعماهم وسجن عز الدّين، ثم طلبه بركة وذهب إليه.
سنة ثلاث وستين وستمائة
قال أبو شامة (١) ﵀: فيها جاء إلى القاهرة كتاب يتضمن نصر المسلمين على النصارى في بر الأندلس، وسلطان المسلمين أبو عبد الله ابن الأحمر، وكان الفنش ملك النصارى قد طلب من ابن الأحمر الساحل من مالقة إلى المرية، فاجتمع المسلمون والتقوهم، فكسروهم مراراً وأخذ الفنش أسيراً، ثم اجتمع العدو المخذول في جمع كبير، ونازلوا غرناطة، فانتصر عليهم المسلمون، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وجمع من رؤوسهم نحو خمسة وأربعين ألف رأس، فعملوها كوماً وأذن المسلمون فوقه، وأسروا منهم عشرة آلاف أسير، وكان ذلك في رمضان سنة اثنتين، وانهزم الفنش إلى إشبيلية وهي له، وكان قد دفن أباه بها بالجامع، فأخرجه من قبره خوفاً من استيلاء المسلمين، وحمله إلى طليطلة.
قال: ورجع إلى المسلمين اثنان وثلاثون بلداً، من جملتها إشبيلية
стр. 14455
ومرسية، كذا قال، والله ينصر المسلمين حيث كانوا.
قال قطب الدّين (١): وفي أولها بلغ السلطان أن جماعة أمراء وأجناد اجتمعوا في دار ططماج، فتكلموا في الدولة، وزاد في الكلام ثلاثة أنفس، فسمر أحدهم وكحل الآخر، وقطعت رجلا الثالث، فانحسمت مادة الاجتماعات.
قال (٢): وفي ربيع الآخر قطعت أيدي ثلاثة وأربعين نفساً من نقباء والي القاهرة، ومن الخفر والمقدمين، فمات بعضهم، وسبب ذلك ظهور شلوح (٣) ومناسر (٤) بالقاهرة وضواحيها.
وفيها نازلت التتر البيرة، فساق المحمدي وسم الموت (٥) للكشف، وأغار عيسى بن مهنا على أطراف بلادهم فرحلوا عن البيرة.
قال: وفي ربيع الآخر توجه السلطان بالعساكر إلى قيسارية فحاصرها وافتتحها عنوة في ثامن جمادى الأولى، وامتنعت القلعة عشرة أيام وأخذت وهرب من فيها إلى عكا، فخربها السلطان وأقطع قراها.
ثم سار فنازل أرسوف ونصب عليها المجانيق إلى أن تداعى برج تجاه الأمير ببليك الخزندار، فهجم البلد بأصحابه على غفلة، ووقع القتل والأسر وذلك في ثاني عشر رجب، ثم هدمت وعاد السلطان وزينب القاهرة.
وفيها أحرق بحارة الباطنية بالقاهرة حريق كبير، ذهب فيه ثلاثة وستون داراً، ثم كثر بعد ذلك الحريق بالقاهرة، واحترق ربع العادل وغير ذلك، فكانت توجد لفائف مشاق فيها النار والكبريت على الأسطحة، وعظم ذلك على الناس واتهموا بذلك النصارى وقدم السلطان فهم باستئصال النصارى واليهود، وأمر بجمع الأحطاب والحلفا في حفيرة ليحرقوا فيها، ثم كتفوا ليرموا في الحفيرة، فشفع فيهم الأمراء وأمروهم أن يشتروا أنفسهم، فقرروا عليهم خمسمائة ألف دينار يقومون منها في العام بخمسين ألف دينار
стр. 14456
وضمنهم الحبيس وكان كاتباً ثم ترهب، وأقام بجبل حلوان، فيقال: إنه وجد في مغارة من الجبل دفيناً للحاكم العبيدي، فلما ظفر بالمال واسى به الفقراء والصعاليك من كل ملة، فاتصل خبره بالسلطان، فطلبه وطلب منه المال، فقال: لا سبيل إلى أن أعطيك من يدي إلى يدك، ولكن يصل إليك من جهة من تصادره ولا يقدر على تطلبه منه، فلا تعجل علي، فلما جرت هذه الواقعة للنصارى ضمنهم، وقد ذكرنا وفاته في سنة ست وستين، وكانت قد وصلت الفتاوى بقتله خوفاً من الفتنة على ضعفاء الإيمان من المسلمين، من علماء الإسكندرية، فقيل إن مبلغ ما وصل إلى بيت المال من طريقه في مدة سنتين ستمائة ألف دينار، وقد ضبط ذلك بقلم الصيارفة الذين كان يجعل عندهم المال ويكتب إليهم أوراقه، وذلك خارجاً عما كان يعطيه بيده سراً، وكان لا يأكل من هذا المال ولا يلبس، بل النصارى يتصدقون عليه بما يأكل ويلبس، ولم يظهر له بعد موته ولا دينار واحد، وكان يقول: من لم يكن معه شيء أديت عنه في المصادرة، فكان يدخل الحبس ويطلق من عليه دين ومن وجده ذا هيئة رثة واساه، ومن شكى إليه ضرورة أزاحها عنه، وقد سافر إلى الإسكندرية وأدى جملة عن أهل الذمة، وكذا سافر إلى الصعيد وأدى المقرر على أهل الذمة، وكان عجيب الحال، لعنه الله، ومن لطف الله أنه غير مسلم وإلا لو كان مسلماً لتألهه الناس، وادعوا فيه النبوة أو القطبية، نسأل الله العافية.
وفي شوال شرع السلطان في حفر بحر أشموم وفرقه على الأمراء وعمل معهم بنفسه، فلما فرغ ركب في الحراقة، وأخذ معه زاد أيام يسيرة، وسار ليسد فم جسر على بحي ة تنيس انفتح منه مكان، وخرج الماء فغرق الطريق بين الواردة والعريش، فأقام هناك يومين، وحصل له وعك، فعاد إلى مصر.
وفيه طلع من الشرق كوكب الذنب، وهو كوكب له ذؤابة، فبقي نحو أربعين يوماً.
وفيها شنق قاضي البيرة؛ لأنه كاتب صاحب سيس ليبيعه قلعة البيرة، فهتكه الله وأهلكه.
стр. 14457
وفي أولاها وصل رسول صاحب سيس يبشر السلطان بموت هولاكو ثم ورد الخبر بأن التتار ملكوا أبغا بن هولاكو، وأن بركة قصده فكسره، فعزم الملك الظاهر على التوجه إلى العراق ليغتنم الفرصة، فلم يتكمن لتفرق العساكر في الإقطاعات.
وفي شوال سلطن السلطان ولده الملك السعيد وركبه بأبهة الملك في قلعة الجبل، وحمل الغاشية بنفسه بين يدي ولده من باب السر إلى السلسلة، ثم عاد، وكان صبياً ابن أربع أو خمس سنين، ثم ركب الملك السعيد وسير ودخل من باب النصر، وخرج من باب زويلة وسائر الأمراء مشاة والأمير عز الدّين الحلي راكب إلى جانبه والوزير بهاء الدّين وقاضي القضاة تاج الدّين راكبان أمامه والبيسري حامل الجتر على رأسه، وعليهم الخلع، ثم بعد عشرين يوماً ختن الملك السعيد، وختن معه جماعة من أولاد الأمراء.
وفيها جدد بالديار المصرية القضاة الأربعة، من كل مذهب قاض وسبب ذلك توقف القاضي تاج الدّين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من الأحكام وكثر توقفه، فكثرت الشكاوى منه وتعطلت الأمور، فوقع الكلام في ذي الحجة بين يدي السلطان وكان الأمير جمال الدّين أيدغدي العزيزي يكره القاضي تاج الدّين، فقال له: نترك لك مذهب الشّافعيّ، ويولى معك من كل مذهب قاض، فمال السلطان إلى هذا، وكان لأيدغدي العزيزي محل عظيم عند السلطان، فولي قضاء الحنفيّة الصدر سليمان، وقضاء المالكية شرف الدّين عمر السبكي، وقضاء الحنبليّة شمس الدّين محمد ابن العماد، واستنابوا النواب، وأبقى على الشّافعيّ النظر في أموال الأيتام، وأمور بيت المال، ثم فعل ذلك بدمشق.
وفيها أحضر بين يدي السلطان خروف ولد على صورة الفيل، له خرطوم وأنياب.
وفيها وقع الاهتمام بعمارة مسجد الرسول ﷺ ، فوجه إليه الصناع والأخشاب والآلات والمال، فبقيت الصناع فيه أربع سنين.
وفي رمضان حجب الملك الظاهر الخليفة وجعله في برج بقلعة مصر، لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد ويتكلمون في أمر الدولة
стр. 14458
وفيها ولي أمور الموصل رضي الدّين الباني، فعذب الذي كان قبله زكي الدّين الإربلي وصادره ثم قتله.
وفيها قبض ببغداد مرمكيخا الجاثليق على نصراني قد أسلم وسجنه بداره التي كانت للدويدار الكبير، وعزم على تغريقه، فهاجت العامة وحاصروا البيت وأحرقوا باب داره، وقتلوا أصحابه، ثم ركب الشحنة، وقتل طائفة وسكنت الفتنة، وذهب الكلب إلى هولاكو وبنى بيعة بقلعة أرسن.
ووصل شخص إلى بغداد بفيلين، ثم سار ليقدما للملك.
سنة أربع وستين وستمائة
فيها ظهر للناس موت الطاغية هولاكو.
وفيها سمر على الجمال أحد وعشرون نفساً من مقدمي العربان بالشرقية من ديار مصر، وسيروا مسمرين إلى بلادهم فماتوا.
وفي أول شعبان برز السلطان من مصر لقصد صفد، فنزل عين جالوت بعد أن زار الخليل ﵇، وجلس على سماطه وأكل من العدس حتى شبع وفرق مالاً جليلاً في أهل بلد الخليل وفي الفقراء، وتوجه إلى القدس الشريف وبلغه أن العادة جارية بأن يؤخذ من اليهود والنصارى حقوق على زيارة مغارة الخليل ﵇، فأنكر ذلك وكتب به توقيعاً قاطعاً، واستمر منعهم وإلى الآن، فلله الحمد، وجهز الأمير سيف الدّين قلاوون الألفي والأمير جمال الدّين إيدغدي العزيزي للإغارة على بلاد الساحل، فأغاروا على بلاد عكا، وصور، وطرابلس، وحصن الأكراد، فغنموا وسبوا ما لا ينحصر.
ثم نزل السلطان على صفد في ثامن رمضان، ونصبت المجانيق وآلات الحصار، ووقع الجد والحصار والقتال، ونصبت السلالم على القلعة وسلطت النصوب على الأساس واشتد المراس، وصبر الفريقان على البأس، والسلطان مباشر ذلك بنفسه، فذل أهل الحصن وطلبوا الأمان والأيمان، فأجلس السلطان في دست المملكة الأمير سيف الدّين كرمون، وكان يشبه الملك الظاهر، فنزلت رسلهم فاستحلفوه، فحلف لهم وهم لا يشكون أنه السلطان، وكان في قلب الملك الظاهر منهم لما فعلوا بالمسلمين، فلما كان في يوم
стр. 14459
الجمعة ثامن عشر شوال طلعت أعلام السلطان على صفد، وأنزل من بها من الديوية وغيرهم، وكان قد وقع الشرط على أنهم لا يأخذون شيئاً من أموالهم، فاطلع عليهم أنهم أخذوا شيئاً كثيراً، فأمر السلطان بضرب أعناقهم على تل هناك وكانوا نحو مائتين أقيالاً أبطالاً فيهم أولاد ملوك، ثم حصنها وعمرها وشحنها بالرجال والأسلحة والعساكر، واستناب عليها علاء الدّين الكبكي.
قال سعد الدّين في تاريخه: الذي قيل إنه قتل من العسكر نحو ألف نفس عليها، ومن الغزاة والرعية كثير، والجرحى فكثير، وقاسوا عليها شدة.
وحكى العلم سنجر الحموي أنه قتل على صفد قريب ثمانمائة فارس ممن نعرف، منهم أمراء وخاصكية.
ووصلت رسل صاحب سيس فلم يلتفت عليهم السلطان، وجهز لها عسكراً فأغاروا وسبوا وأسروا خلقاً، منهم ابن صاحب سيس وابن أخته، وكان مقدم العسكر صاحب حماة وشمس الدّين الفارقاني، وخرج السلطان لتلقيهم، فمر بقاره، في ذي الحجة فأمر بنهبها واستباحتها وأسر منها أكثر من ألف نفس ووسط الرهبان وصيرت كنيستها جامعاً وأنزلها التركمان وغيرهم ومن سلم منهم، وذلك لأنهم كانوا يسرقون المسلمين ويبيعونهم ببلاد الفرنج بالساحل، ثم رجع السلطان والأسرى والغنائم التي من سيس وقاره بين يديه، وسار إلى الكرك في أول سنة خمس.
وكان قد استناب على الديار المصرية الأمير عز الدّين الحلي، فجلس في ذي الحجة بدار العدل، فجاء إنسان ومعه قصة، وتقدم بها إلى الحلي، ثم وثب عليه بسكين معه فجرحه، فقام إليه والي القاهرة الصارم المسعودي ليدفعه عنه، فضربه بتلك السكين فقتله، وقام الحلي جريحا والوزير وقاضي القضاة تاج الدّين وقتلت الجندارية ذلك الرجل ولم يتحقق له خبر.
وفيها أمر السلطان بعمل جسر على الشريعة بقرب دامية، فلما تكامل بنيانه اضطرب بعض أركانه ثم أصلح.
وفيها أخرج السلطان من مصر سبيلاً إلى مكة.
وفيها توجه صاحب الروم ركن الدّين كيقباذ والبرواناه بهدية وتحف وهنوا أبغا بالملك، ثم عاد ركن الدّين وتخلف معين الدّين البرواناه، فتكلم مع
стр. 14460
أبغا وقال: هؤلاء بنو سلجوق أصحاب الروم ما يؤمنوا، وربما لركن الدّين باطن مع صاحب مصر، فقال أبغا: قد وليتك نيابة الروم، فإن تحققت أحداً يخالف طاعتي فاقتله، ثم إن البرواناه افتتح قلعة لأبغا، فعظم بذلك عنده، وتخوف منه ركن الدّين كيقباذ (١).
سنة خمس وستين وستمائة
في أولها توجه السلطان جريدة إلى الكرك، وتصيد بنواحي زيزى، فتقنطر به الفرس فانكسرت فخذه، فأقام يداويها حتى تصلح بعض الشيء، وسار في محفة إلى غزة وحصل له عرج منها.
وفيها سافر صاحب حماة الملك المنصور إلى مصر، فاحتفل له السلطان وأكرمه، ثم سافر إلى الإسكندرية متفرجاً، فرسم السلطان لمتوليها أن يحمل إليه كل يوم مائة دينار برسم النفقة وأن ينسج له في دار الطراز ما يقترحه.
وفيها أمر السلطان بعمل الجامع بالحسينية، وتمت عمارته في شوال سنة سبع وستين، وجاء في غاية الحسن، وبني في ميدان قراقوش، وأحكر ما بقي من الميدان، وقرر لمصالح الجامع، ورتب به خطيب حنفي.
وفي جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الشام وصحبته صاحب حماة، فنزل على صفد، واهتم بعمارتها وتحسينها وتحصينها، ثم قدم دمشق، ثم سار إلى الكرك.
وفي شعبان ولي قضاء القضاة بالقاهرة والوجه الشرقي الإمام تقيّ الدّين ابن رزين الحموي، وولي قضاء مصر والوجه القبلي محيي الدّين عبد الله ابن القاضي شرف الدّين ابن عين الدولة، وولي نظر الأحباس الشيخ تاج الدّين علي ابن القسطلاني، وولي تدريس الشّافعيّة بالصالحية صدر الدّين ابن القاضي تاج الدّين، وفوض نظر الخانقاه السعيدية إلى قاضي الحنابلة وولي نظر مدرسة الشّافعيّ بهاء الدّين علي بن عيسى بن رمضان نيابة عن الصاحب فخر الدّين ابن حنى (٢)، وهذه المناصب كلها كانت بيد القاضي تاج الدّين.