← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 14456–14495 · переход к 14461.

стр. 14456

وضمنهم الحبيس وكان كاتباً ثم ترهب، وأقام بجبل حلوان، فيقال: إنه وجد في مغارة من الجبل دفيناً للحاكم العبيدي، فلما ظفر بالمال واسى به الفقراء والصعاليك من كل ملة، فاتصل خبره بالسلطان، فطلبه وطلب منه المال، فقال: لا سبيل إلى أن أعطيك من يدي إلى يدك، ولكن يصل إليك من جهة من تصادره ولا يقدر على تطلبه منه، فلا تعجل علي، فلما جرت هذه الواقعة للنصارى ضمنهم، وقد ذكرنا وفاته في سنة ست وستين، وكانت قد وصلت الفتاوى بقتله خوفاً من الفتنة على ضعفاء الإيمان من المسلمين، من علماء الإسكندرية، فقيل إن مبلغ ما وصل إلى بيت المال من طريقه في مدة سنتين ستمائة ألف دينار، وقد ضبط ذلك بقلم الصيارفة الذين كان يجعل عندهم المال ويكتب إليهم أوراقه، وذلك خارجاً عما كان يعطيه بيده سراً، وكان لا يأكل من هذا المال ولا يلبس، بل النصارى يتصدقون عليه بما يأكل ويلبس، ولم يظهر له بعد موته ولا دينار واحد، وكان يقول: من لم يكن معه شيء أديت عنه في المصادرة، فكان يدخل الحبس ويطلق من عليه دين ومن وجده ذا هيئة رثة واساه، ومن شكى إليه ضرورة أزاحها عنه، وقد سافر إلى الإسكندرية وأدى جملة عن أهل الذمة، وكذا سافر إلى الصعيد وأدى المقرر على أهل الذمة، وكان عجيب الحال، لعنه الله، ومن لطف الله أنه غير مسلم وإلا لو كان مسلماً لتألهه الناس، وادعوا فيه النبوة أو القطبية، نسأل الله العافية. وفي شوال شرع السلطان في حفر بحر أشموم وفرقه على الأمراء وعمل معهم بنفسه، فلما فرغ ركب في الحراقة، وأخذ معه زاد أيام يسيرة، وسار ليسد فم جسر على بحي ة تنيس انفتح منه مكان، وخرج الماء فغرق الطريق بين الواردة والعريش، فأقام هناك يومين، وحصل له وعك، فعاد إلى مصر. وفيه طلع من الشرق كوكب الذنب، وهو كوكب له ذؤابة، فبقي نحو أربعين يوماً. وفيها شنق قاضي البيرة؛ لأنه كاتب صاحب سيس ليبيعه قلعة البيرة، فهتكه الله وأهلكه.

стр. 14457

وفي أولاها وصل رسول صاحب سيس يبشر السلطان بموت هولاكو ثم ورد الخبر بأن التتار ملكوا أبغا بن هولاكو، وأن بركة قصده فكسره، فعزم الملك الظاهر على التوجه إلى العراق ليغتنم الفرصة، فلم يتكمن لتفرق العساكر في الإقطاعات. وفي شوال سلطن السلطان ولده الملك السعيد وركبه بأبهة الملك في قلعة الجبل، وحمل الغاشية بنفسه بين يدي ولده من باب السر إلى السلسلة، ثم عاد، وكان صبياً ابن أربع أو خمس سنين، ثم ركب الملك السعيد وسير ودخل من باب النصر، وخرج من باب زويلة وسائر الأمراء مشاة والأمير عز الدّين الحلي راكب إلى جانبه والوزير بهاء الدّين وقاضي القضاة تاج الدّين راكبان أمامه والبيسري حامل الجتر على رأسه، وعليهم الخلع، ثم بعد عشرين يوماً ختن الملك السعيد، وختن معه جماعة من أولاد الأمراء. وفيها جدد بالديار المصرية القضاة الأربعة، من كل مذهب قاض وسبب ذلك توقف القاضي تاج الدّين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من الأحكام وكثر توقفه، فكثرت الشكاوى منه وتعطلت الأمور، فوقع الكلام في ذي الحجة بين يدي السلطان وكان الأمير جمال الدّين أيدغدي العزيزي يكره القاضي تاج الدّين، فقال له: نترك لك مذهب الشّافعيّ، ويولى معك من كل مذهب قاض، فمال السلطان إلى هذا، وكان لأيدغدي العزيزي محل عظيم عند السلطان، فولي قضاء الحنفيّة الصدر سليمان، وقضاء المالكية شرف الدّين عمر السبكي، وقضاء الحنبليّة شمس الدّين محمد ابن العماد، واستنابوا النواب، وأبقى على الشّافعيّ النظر في أموال الأيتام، وأمور بيت المال، ثم فعل ذلك بدمشق. وفيها أحضر بين يدي السلطان خروف ولد على صورة الفيل، له خرطوم وأنياب. وفيها وقع الاهتمام بعمارة مسجد الرسول ﷺ ، فوجه إليه الصناع والأخشاب والآلات والمال، فبقيت الصناع فيه أربع سنين. وفي رمضان حجب الملك الظاهر الخليفة وجعله في برج بقلعة مصر، لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد ويتكلمون في أمر الدولة

стр. 14458

وفيها ولي أمور الموصل رضي الدّين الباني، فعذب الذي كان قبله زكي الدّين الإربلي وصادره ثم قتله. وفيها قبض ببغداد مرمكيخا الجاثليق على نصراني قد أسلم وسجنه بداره التي كانت للدويدار الكبير، وعزم على تغريقه، فهاجت العامة وحاصروا البيت وأحرقوا باب داره، وقتلوا أصحابه، ثم ركب الشحنة، وقتل طائفة وسكنت الفتنة، وذهب الكلب إلى هولاكو وبنى بيعة بقلعة أرسن. ووصل شخص إلى بغداد بفيلين، ثم سار ليقدما للملك. سنة أربع وستين وستمائة فيها ظهر للناس موت الطاغية هولاكو. وفيها سمر على الجمال أحد وعشرون نفساً من مقدمي العربان بالشرقية من ديار مصر، وسيروا مسمرين إلى بلادهم فماتوا. وفي أول شعبان برز السلطان من مصر لقصد صفد، فنزل عين جالوت بعد أن زار الخليل ﵇، وجلس على سماطه وأكل من العدس حتى شبع وفرق مالاً جليلاً في أهل بلد الخليل وفي الفقراء، وتوجه إلى القدس الشريف وبلغه أن العادة جارية بأن يؤخذ من اليهود والنصارى حقوق على زيارة مغارة الخليل ﵇، فأنكر ذلك وكتب به توقيعاً قاطعاً، واستمر منعهم وإلى الآن، فلله الحمد، وجهز الأمير سيف الدّين قلاوون الألفي والأمير جمال الدّين إيدغدي العزيزي للإغارة على بلاد الساحل، فأغاروا على بلاد عكا، وصور، وطرابلس، وحصن الأكراد، فغنموا وسبوا ما لا ينحصر. ثم نزل السلطان على صفد في ثامن رمضان، ونصبت المجانيق وآلات الحصار، ووقع الجد والحصار والقتال، ونصبت السلالم على القلعة وسلطت النصوب على الأساس واشتد المراس، وصبر الفريقان على البأس، والسلطان مباشر ذلك بنفسه، فذل أهل الحصن وطلبوا الأمان والأيمان، فأجلس السلطان في دست المملكة الأمير سيف الدّين كرمون، وكان يشبه الملك الظاهر، فنزلت رسلهم فاستحلفوه، فحلف لهم وهم لا يشكون أنه السلطان، وكان في قلب الملك الظاهر منهم لما فعلوا بالمسلمين، فلما كان في يوم

стр. 14459

الجمعة ثامن عشر شوال طلعت أعلام السلطان على صفد، وأنزل من بها من الديوية وغيرهم، وكان قد وقع الشرط على أنهم لا يأخذون شيئاً من أموالهم، فاطلع عليهم أنهم أخذوا شيئاً كثيراً، فأمر السلطان بضرب أعناقهم على تل هناك وكانوا نحو مائتين أقيالاً أبطالاً فيهم أولاد ملوك، ثم حصنها وعمرها وشحنها بالرجال والأسلحة والعساكر، واستناب عليها علاء الدّين الكبكي. قال سعد الدّين في تاريخه: الذي قيل إنه قتل من العسكر نحو ألف نفس عليها، ومن الغزاة والرعية كثير، والجرحى فكثير، وقاسوا عليها شدة. وحكى العلم سنجر الحموي أنه قتل على صفد قريب ثمانمائة فارس ممن نعرف، منهم أمراء وخاصكية. ووصلت رسل صاحب سيس فلم يلتفت عليهم السلطان، وجهز لها عسكراً فأغاروا وسبوا وأسروا خلقاً، منهم ابن صاحب سيس وابن أخته، وكان مقدم العسكر صاحب حماة وشمس الدّين الفارقاني، وخرج السلطان لتلقيهم، فمر بقاره، في ذي الحجة فأمر بنهبها واستباحتها وأسر منها أكثر من ألف نفس ووسط الرهبان وصيرت كنيستها جامعاً وأنزلها التركمان وغيرهم ومن سلم منهم، وذلك لأنهم كانوا يسرقون المسلمين ويبيعونهم ببلاد الفرنج بالساحل، ثم رجع السلطان والأسرى والغنائم التي من سيس وقاره بين يديه، وسار إلى الكرك في أول سنة خمس. وكان قد استناب على الديار المصرية الأمير عز الدّين الحلي، فجلس في ذي الحجة بدار العدل، فجاء إنسان ومعه قصة، وتقدم بها إلى الحلي، ثم وثب عليه بسكين معه فجرحه، فقام إليه والي القاهرة الصارم المسعودي ليدفعه عنه، فضربه بتلك السكين فقتله، وقام الحلي جريحا والوزير وقاضي القضاة تاج الدّين وقتلت الجندارية ذلك الرجل ولم يتحقق له خبر. وفيها أمر السلطان بعمل جسر على الشريعة بقرب دامية، فلما تكامل بنيانه اضطرب بعض أركانه ثم أصلح. وفيها أخرج السلطان من مصر سبيلاً إلى مكة. وفيها توجه صاحب الروم ركن الدّين كيقباذ والبرواناه بهدية وتحف وهنوا أبغا بالملك، ثم عاد ركن الدّين وتخلف معين الدّين البرواناه، فتكلم مع

стр. 14460

أبغا وقال: هؤلاء بنو سلجوق أصحاب الروم ما يؤمنوا، وربما لركن الدّين باطن مع صاحب مصر، فقال أبغا: قد وليتك نيابة الروم، فإن تحققت أحداً يخالف طاعتي فاقتله، ثم إن البرواناه افتتح قلعة لأبغا، فعظم بذلك عنده، وتخوف منه ركن الدّين كيقباذ (١). سنة خمس وستين وستمائة في أولها توجه السلطان جريدة إلى الكرك، وتصيد بنواحي زيزى، فتقنطر به الفرس فانكسرت فخذه، فأقام يداويها حتى تصلح بعض الشيء، وسار في محفة إلى غزة وحصل له عرج منها. وفيها سافر صاحب حماة الملك المنصور إلى مصر، فاحتفل له السلطان وأكرمه، ثم سافر إلى الإسكندرية متفرجاً، فرسم السلطان لمتوليها أن يحمل إليه كل يوم مائة دينار برسم النفقة وأن ينسج له في دار الطراز ما يقترحه. وفيها أمر السلطان بعمل الجامع بالحسينية، وتمت عمارته في شوال سنة سبع وستين، وجاء في غاية الحسن، وبني في ميدان قراقوش، وأحكر ما بقي من الميدان، وقرر لمصالح الجامع، ورتب به خطيب حنفي. وفي جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الشام وصحبته صاحب حماة، فنزل على صفد، واهتم بعمارتها وتحسينها وتحصينها، ثم قدم دمشق، ثم سار إلى الكرك. وفي شعبان ولي قضاء القضاة بالقاهرة والوجه الشرقي الإمام تقيّ الدّين ابن رزين الحموي، وولي قضاء مصر والوجه القبلي محيي الدّين عبد الله ابن القاضي شرف الدّين ابن عين الدولة، وولي نظر الأحباس الشيخ تاج الدّين علي ابن القسطلاني، وولي تدريس الشّافعيّة بالصالحية صدر الدّين ابن القاضي تاج الدّين، وفوض نظر الخانقاه السعيدية إلى قاضي الحنابلة وولي نظر مدرسة الشّافعيّ بهاء الدّين علي بن عيسى بن رمضان نيابة عن الصاحب فخر الدّين ابن حنى (٢)، وهذه المناصب كلها كانت بيد القاضي تاج الدّين.

стр. 14461

وفيها توجه الأمير عز الدّين الحلي إلى الحج، وناب في السلطنة بدر الدّين بيليك الظاهر بن الخزندار. ودخل السلطان مصر في ذي الحجة، فأمر بتسمير جماعة، منهم الملك الأشرف ابن صاحب ميافارقين شهاب الدّين غازي، والأمير آقوش القفجاقي الصالحي الذي ادعى النبوة من نحو ثلاثة أشهر. ومنهم الناصح ضامن بلاد واحات، وكان بإخميم، فأنهي إلى السلطان ما هو فيه من الأمر المطاع، وأنه يخاف من خروجه بأرضه، وأنهي إليه أنه اتفق مع رجل نصراني ومع الملك الأشرف وهم بخزانة البنود محبوسين، على أن ينقبوا خزانة البنود ويخرجوا إلى واحات، فيسلطن فيها الملك الأشرف ابن غازي، ويكون الناصح وزيره، والنصراني كاتبه، فسمروا. وفيها ورد كتاب قاضي القدس إلى السلطان يخبر بظهور الماء ببيت المقدس؛ وسبب ذلك أن الماء انتزح من بئر السقاية وبقي الوحل، وعظمت مشقة الناس لأجل الوضوء، وأن القاضي حضر بنفسه إلى البئر، ثم نزل فأخبر أنه شاهد قناة مسدودة بالردم من عهد بخت نصر الذي هدم بيت المقدس، قال: فدخلت الصخرة وأنا مهموم بسبب إعواز الماء، فاجتمعت بالأمير علاء الدّين الركني الأعمى، فجرى الحديث واتفق الرأي على إحضار بنائين من غزة، وكشف القناة السليمانية، فحضروا فكشفوا الردم أولاً فأولاً ومشوا في القناة، وكلما مشوا في السرب علقوه بالعمد والبلاط، إلى أن وصلوا إلى الجبل الذي تحت الصخرة المباركة، فوجدوا باباً مقنطراً، ففتحوا ردمه وإذا هم بالماء، ففار على جماعة بقوة كاد أن يغرقهم، فهربوا وصعدوا في الحبال، وذلك في ذي الحجة من السنة، نقل هذا الكتاب محيي الدّين ابن عبد الظاهر في سيرة الملك الظاهر (١)، ثم قال: وجدت في كتاب دير يامين من تواريخ النصارى أن ملك الموصل لما قصد أوراشلم (٢) - يعني بيت المقدس - في جيوشه اتفق حزقيا هو وجماعته على دفن المياه التي ببيت

стр. 14462

المقدس، فدفنوا جميع الينابيع التي بها وعفوا أثرها لئلا يتقوى عليهم ملك الموصل سنحاريب بتلك المياه. قال ابن عبد الظاهر (١): وقرأت في نبوة زكريا أنه يخرج ماء عذب فيه حياة من أوراشلم، نصفه إلى البحر الشرقي، ونصفه إلى البحر الغربي، ويكون ذلك عند اعتدال الصيف والشتاء، قال: فوقت ظهور الماء نزلت الشمس برج الميزان، وهو برج الاعتدال، في يوم نزولها بعينه، ثم وصل كتاب الأمير علاء الدّين الركني يذكر أنه دخل الصناع فوجدوا سداً معمولاً بالشيد والحجر، فنقب فيه الحجارون مدة أحد وعشرين يوما، فوجدوا سقفاً بالشيد والكتان مقلفطا (٢)، فنقب فيه طول مائة وعشرين ذراعاً، فخرج الماء، فلما قوي خروجه بحيث أنه ملأ القناة تركوه. وفيها عبر جيحون يراق بن جغتاي بن القان قبلاي، فسار لحربه أباقا، فكان المصاف بناحية هراة، فانتصر أباقا، وغنم جنده أشياء كثيرة، وغرق خلق من جيش يراق. وفيها أنشأ صاحب الديوان ببغداد قصراً كبيراً وبستاناً عظيماً زرع فيه حتى الفستق، وأنشأ رباطاً، وجهز وفداً من بغداد غرم عليه أموالاً، فحجوا وسلموا (٣)، وأمر بقتل ابن الخشكري الشاعر لكونه فضل شعره على القرآن، وقد كان مدح الصاحب بقصيدة فأنشده، فأذن المؤذن، فأنصت الصاحب، فقال: ابن الخشكري: يا مولانا اسمع الجديد ودع العتيق، فقتله في سنة ست وستين (٤). سنة ست وستين وستمائة في صفر عقد مجلس بين يدي السلطان للضياء ابن الفقاعي وجرى فيه ما اقتضى ضربه والحوطة عليه، وأخذ خطه بجملة عظيمة، ثم لم يزل يضرب

стр. 14463

إلى أن مات، قال قطب الدّين (١): أحصيت السياط التي ضربها فكانت سبعة عشر ألفاً ونيف. وفيها وصل رسول صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدّين يوسف بن عمر بتقادم، منها: فيل، وحمار وحش، وخيول، ومسك، وعنبر، وصيني، وأشياء، وطلب معاضدة السلطان له وأنه يخطب له في بلاده، فبعث إليه الأمير فخر الدّين إياز المقرئ ومعه خلعة وسنجق وتقليد بالسلطنة. وفي جمادى الآخرة خرج السلطان إلى الشام واستناب بيليك الخزندار، فأتته رسل صاحب يافا فاعتقلهم وأمر العسكر بلبس السلاح ليلاً، وسار فصبح يافا، فهربوا إلى القلعة، وملكت المدينة بلا كلفة، وطلب أهل القلعة الأمان، فأمنهم وعوضهم عما نهب لهم أربعين ألف درهم، وركبوا في البحر إلى عكا، ثم هدمت يافا وقلعتها، ثم سار طالباً الشقيف فنازلها وظفر بكتاب من عكا إلى الشقيف استفاد منه أشياء كتبها إليهم كانت سبب الخلف بينهم، واشتد الحصار والزحف والمجانيق، فطلبوا الأمان، فتسلم السلطان الحصن، وكان فيه نحو خمسمائة رجل، فساروا إلى صور، وكان الحصار عشرة أيام، ثم سار السلطان جريدة فأغار على طرابلس، وخرب قراها، وقطع أشجارها، وغور أنهارها، ورحل، فنزل على حصن الأكراد بالمرج الذي تحت الحصن، فنزل إليه رسولٌ بإقامةٍ وضيافة، فردها وطلب منهم دية رجل من أجناده قتلوه مائة ألف دينار، ثم رحل إلى حمص وحماة، ثم إلى فامية، ثم رحل ليلاً وأمر العسكر بلبس العدة فنزل على أنطاكية في أول رمضان، فخرجوا إليه يطلبون الأمان، وشرطوا أشياء لم يجبهم إليها، وزحف عليها فافتتحها في رابع رمضان، وصمَّد غنائمها، ثم قسمها على الجيش بحسب مراتبهم، وحصروا من قُتل فيها من النصارى، فكانوا فوق الأربعين ألفاً. وأما ابن عبد الظاهر فقال (٢): ما رُفع السيف عن رجل بمدينة أنطاكية قط حتى لو حلف الحالف ما سلم منها أحدٌ لصدق، ثم قال: وكان بها على ما يقال مائة ألف وثمانية آلاف من الذكور، وذلك حسبما عده نائب التّتار الذي

стр. 14464

ورد إليها شحنةً واستخرج على الرأس ديناراً، هذا سوى من دخل إليها عند هجوم العساكر من الفلاحين، وأما قلعتها فلجؤوا إليها وتحاشروا بها، فكانوا ثمانية آلاف رجل، غير الحريم والأولاد، فمات بها عالمٌ كثير في زحمة الباب، وأما الوزير والوالي وغيرهما فلما شاهدوا الحال هربوا في الليل في الجبال رجّالةً، فأصبح الناس فطلبوا الأمان من القتل وأن يؤسروا، ثم خرجوا في أحسن زيِّ وزينةٍ كأنهم الزهر، وصاحوا بين يدي السلطان وسجدوا، وقالوا بصوت واحد: العفو، ارحمنا يرحمك الله، فرقَّ قلبه ورحمهم، ورفع عنهم القتل. قلت: هذه مجازفة متناقضة. وكان بها طائفة من الأسرى فخلصهم الله، وكانت أنطاكية للبرنس صاحب طرابلس، وهي مدينةٌ عظيمة، مسافة سورها اثنا عشر ميلاً، وعدد أبراجها مائةٌ وستةٌ وثلاثون برجاً، وشرفاتها أربعٌ وعشرون ألفاً وفي داخلها جبلٌ وأشجار ووحوش، وماء يجري، وفواكه مختلفة، وكان لها في يد النصارى أكثر من مائة وسبعين سنة أو نحوها. ثم إنه تسلم بغراس بالأمان، وكان قد هرب أكثر أهلها وتسلم دركوش، وصالح أهل القصير على مناصفته ومناصفة القلاع المجاورة له، ودخل دمشق في السابع والعشرين من رمضان، وكان يوماً مشهوداً. وفيها كانت الصعقة الكبر الكائنة على غوطة دمشق في ثالث نيسان أحرقت الشجر والثمر والزرع والكرم، وهلك للناس ما لا يوصف، وكان السلطان قد احتاط على الغوطة وأراد أن يتملكها، وتعثرّ الناس بالظلم والمصادرة وضجوا واستغاثوا بالله، فلما شددوا على المسلمين وألزموهم بوزن ضمان بساتينهم حتى تطرّقوا إلى الأوقاف، أحرق الله الجميع، وجاء الفلاحون والضمان بالثمر والورق والكرم، وهو أسودٌ محروق، ورفعوا الأمر إلى نواب السلطنة، فلم يلتفتوا عليهم وأهانوهم، وأُلزموا بضمان أملاكهم، والله المستعان. قال قطب الدّين (١): احتاط السلطان على البساتين وعلى القرى، وهو

стр. 14465

نازل على الشقيف. وكان قد تحدث في ذلك مع العلماء، فقال له القاضي شمس الدّين ابن عطاء الحنفيّ: هذا لا يجوز لأحدٍ أن يتحدث فيه، وقام مغضباً وتوقف الحال، ولما وقعت الحوطة على البساتين صقعت بحيث عدمت الثمار بالكلية، وظن الناس أنه يرق لهم، فلما أراد التوجه إلى مصر عقد بدار العدل مجلساً، وأحضر العلماء، وأخرج فتاوى الحنفيّة بأنه يستحقها بحكم أن عمر ﵁ فتح دمشق عنوةً، ثم قال: من كان معه عتيقٍ أمضيناه، وإلا فنحن فتحنا البلاد بسيوفنا، ثم قرر عليهم ألف ألف درهم عن الغوطة، فسألوه أن يقسطها عليهم، فأبى، وتمادى الحال إلى أن خرج متوجهاً إلى مصر في ذي القعدة، فلما وصل إلى اللجون عاوده الأتابك وفخر الدّين ابن حنى وزير الصُّحبة، فاستقر الحال أن يعجّلوا منها أربعمائة ألف درهم، ويعاد إليهم ما قبضه الديوان من المغل ويسقط ما بقي كل سنة مائتي ألف درهم، وكتب بذلك توقيع. قلت: جاء على كل مدي بضعة عشر درهماً وباع الناس أملاكهم بالهوان وعجزوا، فإن بعض الأمداء لا يغل في السنة ستة دراهم. أعجوبة اللهم أعلم بصحتها، قد خلدها ابن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية، فقال: بعثت رسولاً إلى عكا في الصلح، فبالغوا في إكرامنا ونزلنا داراً على بابها أعلام وصلبان وجرص (١) كبير كالكنائس، فحركوا الأجراس ومعنا ركابي اسمه ريّان، فنادى: يا لله يا الله كسِّر هذه الأعلام واقطع هذه الأجراس وملِّك السلطان الملك الظاهر عكا، فما استتّم حديثه إلا والجرص قد انقطع والأعلام قد وقعت وتكسرت الرماح. قال قطب الدّين (٢): وبعث صاحب سيس يستفك ولده من الأسر، فطلب منه من جملة الفداء أن يسعى في خلاص الأمير شمس الدّين سنقر الأشقر من التّتار، فبعث صاحب سيس إليهم متوسلاً بطاعته وبذل أموالاً فلم يجيبوه، فلما استولى السلطان على أنطاكية بعث إليه صاحب سيس يبذل القلاع التي كان أخذها من التّتار عند استيلائهم على حلب وهي دربساك وبهسنا،

стр. 14466

ورعبان، فأبى عليه إلا أن يحضر سُنقر الأشقر، فسار صاحب سيس إلى التّتار، واستغاث بهم على الملك الظاهر، واستصحب معه أحد البحرية علم الدّين سلطان، فكان يجتمع بسنقر الأشقر سرا وعليه زي الأرمن، والأشقر يخاف أن يكون دسيسة عليه فلا يصغي إلى قوله فيقول: ما أعرف صاحب مصر، ولا أخرج عن هؤلاء القوم، فلم يزل علم الدّين يذكر له أمارات وعلامات عرف منها صحة قصده، فأذعن للهرب، فلما خرج صاحب سيس لبس سُنقُر الأشقر زيِّهم واختفى معهم، فلما وصل به صاحب سيس إلى بلاده جاء علم الدّين وعرف السلطان بوصوله، فطلب ابن صاحب سيس من مصر، فأحضر إليه وهو على أنطاكية، ثم سيرّه مع جماعة إلى سيس، فوقفوا على النهر به بالقرب من حد دربساك ووصل سنقر الأشقر مع جماعة من سيس، فوقفوا على جانب النهر، ثم أطلق كل من الفريقين أسيرهم، وتسلم نواب السلطان دربساك ورعبان وبقيت بهسنا، سأل صاحب سيس من سنقر الأشقر أن يشفع له عند السلطان في إبقائها له على سبيل الإقطاع، فوعده بذلك، ولما وصل الخبر خرج السلطان من دمشق لتلقيه، فلما رآه ترجل واعتنقا طويلاً وسارا حتى نزلا في المخيم، فلما أصبحا خرجا منه جميعاً، وشفع في بهسنا، فامتنع السلطان فقال: إني قد رهنت لساني معه، وأحسن إلي بما لا أقدر على مكافأته، فقبل شفاعته، وأجاب طلبته. وكان هولاكو قد أخذ سنقر الأشقر من حبس الملك الناصر يوسف لما افتتح حلب، وعزل البابا حاكم الموصل بالنصراني الفلاح مسعود ومعه أشموط شحنة. سنة سبع وستين وستمائة في صفر حلف السلطان الأمراء، للملك السعيد، وقرئ تقليده. وفي جمادى الآخرة توجه السلطان والأمراء إلى الشام جرائد، وناب ابنه عنه، وعلّم على التواقيع، وكاتبه نواب البلاد. وفيها وصلت رسل أبغا ومعهم جماعة من جهة صاحب سيس وأحضرهم السلطان فأدوا الرسالة، مضمونها طلب الصلح بقوة نفس، وإنا خرجنا فملكنا جميع العالم، وأنت لو صعدت إلى السماء ما تخلصت منا

стр. 14467

وأنت مملوك أبعت في سيواس، فكيف تشاق ملك الأرض؟ فأجاب: إني في طلب جميع ما استوليتم عليه من العراق والجزيرة والروم، ثم جهزهم. وفيها وصل إليه صاحب صهيون الأمير سيف الدّين محمد ابن مظفر الدّين عثمان بن منكورس، وقدم مفاتح صهيون فخلع عليه، وأبقاها بيده. وفي أواخر رجب خرج السلطان فنزل على الخربة، ثم ركب منها على البريد سراً إلى القاهرة، بعد أن عرَّف الفارقاني أنه يغيب، وقرر مع الفارقاني أن يحضر الأطباء كل يوم، ويستوصف منهم للسلطان، يوهم أنه مريض، فيعمل ما يصفونه، ويدخل به إلى الدهليز، ودخل السلطان مصر في اليوم الرابع، وأقام بها أربعة أيام ثم رد على البريد إلى المخيم الشريف، فكانت الغيبة أحد عشر يوماً، وكان غرضه كشف حال ولده، وكيف دسته. وفي رمضان تسلم نواب السلطان قلعة بلاطنس وقلعة بكسرابيل من عز الدّين أحمد بن مظفر الدّين عثمان بن منكورس الصهيوني، وعوِّض عنهما قرية من عمل شيزر، وتوجه السلطان إلى صفد، فأقام بها يومين، وأغار على أعمال صور، وعيّد بالجابية، ثم انتقل إلى الفوار، ثم سار إلى الكرك، ومنها إلى الحج فحج معه الأمير بدر الدّين بيليك الخزندار، والقاضي صدر الدّين سليمان، وفخر الدين بن لقمان، وتاج الدّين ابن الأثير، ونحو ثلاثمائة مملوك، وجماعة من أعيان الحلقة، فقدم المدينة في أواخر ذي القعدة. وكان جّماز قد طرد ابن أخيه مالكاً عن المدينة، واستقل بإمرتها، فهرب من السلطان، فقال السلطان: لو كان جماز يستحق القتل ما قتلته لأنه في حرم رسول الله ﷺ ، ثم تصدق بصدقات، وحج، فتلقاه أبو نمي وعمه إدريس فخلع عليهما، ووقف بعرفة يوم الجمعة، ثم أفاض، وغسل الكعبة بماء الورد، وطيبها بيده، وأقام إلى ثالث عشر ذي الحجة، وزار المدينة ووصل الكرك يوم التاسع والعشرين من الشهر، فصلى بها يوم الجمعة، ثم ساق منه على البريد، فوصل دمشق بكرة الأحد يوم ثاني المحرم من سنة ثمانٍ، فخرج النجيبي فصادفه في سوق الخيل، فنزل وقبّل الأرض.

стр. 14468

ثم ساق إلى حلب فدخلها في سادس المحرَّم، فأقام بها أربعة أيام، ثم رد إلى حماة، ثم إلى دمشق، ثم إنه دخل القاهرة يوم ثالث صفر، وصادف وصول الركب المصري. وفيها تقدم السلطان بالحوطة على بلاد حلب وأملاكها، وأن لا يفرج عن شيء منها إلا بكتاب عتيق. وفي ذي الحجة هبت ريح عظيمة بمصر غرقت في النيل نحو مائتي مركب وهلك كثير من الناس وأمطرت قليوب مطراً غزيراً. وفيها عصى تاكوذر على الملك أبغا وحاربه، فانتصر أبغا، ثم إن برق (١) ابن عم تاكوذر انتصر له، وقصد يبشير أخا أبغا فكسره. وفي رجب احترق سوق جبل الصالحية، وراح أكثر ما فيه من قماش ومتاع، وكان حريقاً كبيراً، قال بعض الفضلاء: ما رأيت في عمري حريقاً أكبر منه، احترق السوق من أوله إلى آخره من الجهتين، واحترق فيه دكانان للعطر لم يكن في دمشق أحسن منهما ولا أكبر، من الصيني والمطعم بالفضة وغير ذلك، وهلك لتاجر شيءٌ بخمسة عشر ألف درهم. وفي رجب أزيلت القباب التي عملت، وكانت قد اعتنوا بها لأجل مجيء السلطان، وكانت محكمةً، ضخمة الأخشاب، كل واحدةٍ طبقات، وكان عملها بالدّبادب والمغاني واللهو، وبقيت دون شهر مجردة، فلما هموا بزينتها جاء الأمر بإبطالها، فأصبح الناس وقد أزيلت ليلاً كأن لم تكن، فهرجوا ومرجوا، ثم عملت له القباب عند مجيئه من فتح أنطاكية. وفيها شتا أباقا ببغداد. سنة ثمان وستين وستمائة دخل السلطان القاهرة في صفر، ثم بعد أيام توجه إلى الإسكندرية، ومعه ولده الملك السعيد، فتصيد وعاد إلى مصر، وخلع على الأمراء، وفرق

стр. 14469

فيهم الخيل والمال. وتوجه إلى الشام في الحادي والعشرين من ربيع الأول في طائفة يسيرة من الأمراء، وقاسوا مشقة من البرد، بلغه أن ابن أخت زيتون الملك خرج من عكا في عسكر، يقصد عسكر صفد، فسار السلطان واجتمع بعسكر صفد بمكان عيَّنه، ثم سار إلى عكا فصادف ابن أخت زيتون قد خرج فكسره وأسره في جماعة من أصحابه، وقتل من عسكره مقتلة، ثم أغار على المرقب فصادف أمطاراً وثلوجاً، فرجع إلى حمص، وأقام بها نحواً من عشرين يوماً. ثم سار إلى تحت حصن الأكراد وأقام يسير كل يوم نحوها، ويعود من غير قتال، فبلغه أن مراكب الفرنج وصلت إلى ميناء الإسكندرية، وأخذت مركبين للمسلمين، فرحل لوقته وساق فدخل القاهرة في ثاني عشر شعبان. وفيها قدم صارم الدّين مبارك بن الرَّضي مقدَّم الإسماعيلية بهدية إلى السلطان، وشفع فيه صاحب حماة، فكتب له السلطان بالنيابة على حصون الإسماعيلية، على أن تكون مصياف (١) وبلدها خاصاً للملك الظاهر، وبعث السلطان معه نائباً من جهته على مصياف وهو عز الدّين العديمي، فلما وصلوا امتنع أهل مصياف، وقالوا لا نسلمها للصارم فإنه كاتب الفرنج ونحن نسلمها للعديمي؛ وقالوا له: تعال إلينا من الباب الشرقي، فلما فتحوا له هجم معه الصارم وبذل السيف وقتل منهم خلقاً وتسلم هو والعديمي القلعة، ثم غلب الصارم على البلد، وأزال عنه يد العديمي. واتفق مجيء نجم الدّين حسن ابن الشعراني إلى السلطان، ومعه تقدمة سنيّة، فقدمها عند حصن الأكراد، فكتب له السلطان بالقلاع وهي: الكهف، والخوابي، والعُلّيقة، والرصافة، والقدموس، والمينقة، ونصف جبل السماق، وقرر عليه أن يحمل في كل سنة مائة وعشرين ألف درهم، ثم أخرج الصارم من مصياف نائب السلطان وعصى، فسار إليه صاحب حماة فنزل الصارم وذل، ثم عاد إليها العديمي وحمل الصارم إلى مصر فحبس بها.

стр. 14470

وفيها أبطلت الخمور وأُريقت بدمشق، وشدد في ذلك الشيخ خضر الكردي شيخ السلطان، وسعى في إعدامها بالكلية، وكبس دور النصارى واليهود، وكتبوا على أنفسهم بعد القسامة أنه لم يبق عندهم منها شيء. وفيها جاء جراد عظيم إلى الغاية بالشام وإلى الديار المصرية وإلى الحجاز. وفيها ولي الصاحب تاج الدّين ابن فخر الدّين ابن حنى وزارة الصحبة على ما كان عليه والده. وفي ذي الحجّة أمر السلطان بعمل جسرين بسلاسل ومراكب على النيل إلى الجيزة لما بلغه حركة الفرنج ليجوز الجيش عليهما إلى الإسكندرية إن دهم عدو، ثم تواترت الأخبار بنزول الفرنج على تونس. وفيها سار أبغا لينصر أخاه على برق بعد أن جمع الجيوش، وسار بهم نحو شهرين، والتقوا على النهر الأسود، فكسر عسكر برق كسرةً عظيمة، وساقوا خلفهم ولزّوهم إلى الجسر، فازدحموا وتساقطوا في البحر، وردّ أبغا إلى أرضه، ووقع في عسكره الوباء فمات منهم خلق. سنة تسع وستين وستمائة في صفر توجه السلطان من مصر في بعض العسكر إلى عسقلان، فهدم بقيّة سورها المهمل من الأيام الصّلاحيّة. وورد عليه الخبر بأن عسكر ابن أخي بركة كسر عسكر أبغا. ثم بلغه أن أهل عكا ضربوا رقاب جماعة من الأسارى، فأخذ أعيان من عنده من الأسرى فغرقهم في النيل، وكانوا مائة. وفيها قبض السلطان على الملك العزيز ابن صاحب الكرك الملك المغيث. وكان من كبار الأمراء بالقاهرة، فقبض عليه وعلى جماعة عزموا على سلطنته. وفي جمادى الأولى ورد الخبر أن أبا نمي محمد بن أبي سعد بن علي بن قتادة أمير مكة تواقع هو وعمه إدريس، فاستظهر إدريس عليه وتفرد بإمرة مكة.

стр. 14471

فذهب أبو نمي إلى ينُبع، فاستنجد بصاحبها، وجمع وقصد مكة، فالتقيا، فحمل أبو نمي على عمه فطعنه رماه، ونزل فذبحه واستبدّ بإمرة مكة. وفي جمادى الآخرة خرج السلطان بالجيش لقصد حصن الأكراد، فبدأ بالإغارة على اللاذقية، والمرقب، ومرقية، وتلك النواحي، وافتتح في ذلك صافيثا، والمجدل، ثم نزل على حصن الأكراد في تاسع عشر رجب، ونصبت المجانيق والستائر، وللحصن ثلاثة أسوار فأُخذت الباشورة بعد يومين وأُخذت الباشورة الثانية في سابع شعبان، وفتحت الثالثة الملاصقة للقلعة في نصف شعبان، وكان المحاصر لها الملك السعيد، وبيليك الخزندار، وبيسري الصالحي، ودخلوا البلد بالسيف، فأسروا من فيه من الجبليّة والفلاحين، ثم أطلقهم السلطان وتسلم القلعة في الخامس والعشرين من شعبان بالأمان وترحل أهلها إلى طرابلس، ثم رتب الأفرم لعمارة الحصن، وصيِّرت الكنيسة جامعاً. وطلب صاحب أنطرسوس المهادنة، وبعث بمفاتيحها إلى السلطان، فصالحه على نصف ما يتحصل منها، وجعل عندهم نائباً وجاءت رسل صاحب المرقب، فصالحهم على النصف أيضاً، وقررت الهدنة عشر سنين، وعشرة أشهر، وعشرة أيام. ثم نزل السلطان على حصن ابن عكار، ونصبت المجانيق، ثم تسلمها بالأمان، وهي قلعة في واد بين جبال. ثم خيَّم في رابع شوال على طرابلس، فسيرَّ إليه صاحُبها يسأل عن سبب قصده، فقال: لأرعى زرعكم وأخرب بلادكم، ثم أعود لحصاركم، فبعث إليه يستعطفه، ثم هادنه عشر سنين. وفي شوّال جاء دمشق سيلٌ عظيم مهول هدم البيوت، وأخذ النُّزّال من الحجاج الروميين بين النهرين وجمالهم، وغرق جماعة، وذهب للناس شيءٌ كثير، وكان ذلك بالنهار والشمس طالعة، والمشمش قد شرع، فغُلقِّت أبواب المدينة، وطغى الماء وارتفع حتى بلغ أحد عشر ذراعاً، وارتفع عند باب الفرج ثمانية أذرُع، وكادت دمشق أن تغرق، وسدّت الزّيادة الأنهار بطين أصفر، ودخل الماء إلى البلد، وخرب خان ابن المقدَّم، وطلع الماء فوق أسطحةٍ كثيرة

стр. 14472

عند جسر باب تُوما، حتى بلغني أنه وجد فوق سطحٍ سمكةٌ ميتة، واصطادوا السمك من رواء العادلية عند دار ابن يغمور، وتحدّثت العوام أن الذين هلكوا بالزيادة والردم فوق الألفين، ووجد في بساتين مرتفعة سمكٌ في النقع إذا رأى الشخص ارتفاع تلك الأماكن زاد تعجبه، وحدثني رجلٌ أن أهل الوادي الشرقي وجدوا جملاً ميتاً فوق أصل سفرجل، وضج الخلق بالبكاء والاستغاثة بالله، وكان يوماً مشهوداً وأشرف الناس على التلف، ثم لطف الله ورحم الناس وتناقص الماء، ولو ثبت ساعةً أخرى أو ارتفع ذراعاً آخر لغرقت نصفُ دمشق. ولبعضهم: لقد أظهر الجبّار بعضَ اقتدارِه … فأرسل بحرًا طاميًا من بحارِه وأرعدها حتّى توافَتْ مياهُها … مطنَّبة محفوفة بازدجَارِه وأهلك فيه خَلْقَه وعبيدَه … فأضحوا وهم غَرَقَى بأقصى قرارِه فكَمْ مِن شبابٍ مع نساءٍ وصبيةٍ … وكم من دوابّ قد صليْن بنارِه فسُبْحان من أبدَى عجائبَ صُنْعِه … وأزعج كلَّ الخلقِ عند ابتدارِه وعاد بلُطْفٍ منه عفْوًا ومنَّةً … فنسأله الزلفى غداً في جواره وفي شوال قبل يوم الزِّيادة الموص فة جاء الشيخ خضر شيخ السلطان إلى كنيسة اليهود، ومعه أمراء وأعيان والوالي، وأخرجوا اليهود منها يوم سبتهم وآذوهم، وقرأ القرآن بها غير واحدً، ثم غنى المغنّون، ورقص الناس بحضرة الشيخ خضر، وكان يوماً عجيباً، ونهب كل ما فيها، وعمل الشيخ ثاني يوم بسيسةً عظيمة بالسمن والعسل، وازدحم الخلق حتى ديست بالرجلين في الكنيسة، وفضلت ورميت في نهر قلوط. واتخذ الشيخ خضر الكنيسة زاوية له، وكان صاحب كشف وأحوال شيطانية، وجرى ما لا ينبغي، وسيأتي ذكر خضر في سنة ست وسبعين. وجاء السلطان بالجيش في نصف شوال بعد الزيادة بيومين إلى دمشق، ولطف الله بهم إذ تأخروا عن الزيادة، وإلا كانت غرقت نصف الجيش وأكثر، فعزل السلطان ابن خَلِّكان من القضاء بابن الصائغ، ثم سار بعد عشرة أيام، فنزل على القرين، ونصب عليها المجانيق، وصدق أهلها في القتال، ودام

стр. 14473

الحصار جمعتين، ثم أُخذت بالأمان وهدمت، وكانت من أمنع الحصون. ثم سار السلطان بالجيش حتى أشرف على عكا، ورجع ودخل مصر في ثالث عشر ذي الحجة، ونابه في هذه السفرة فوق ثمانمائة ألف دينار، فلما دخل قبض على هؤلاء الأمراء الكبار: الحلبي، والمحمّدي، وإيدُغدي الحاجبي، والمساح، وبيدغان، وطرطح؛ لأنه بلغه عنهم أنهم هّموا بالفتك به. ومن عجيب الاتفاق أن مكة جاء بها زيادةٌ وسيلٌ عرمرم، بحيث أن الماء بلغ إلى فوق الحجر الأسود. ومن العجائب أن مياه دمشق والعاصي والفرات قلت ونقصت نقصاً مجحفاً، حتى هلك شيءٌ من الأشجار وبطلت الطواحين، وعملت طواحين بمدارات، وكانت الفواكة في هذه السنة قليلة. ومما جرى في هذه السنة وقبلها وبعدها تولي القاضي نجم الدّين ابن سنيّ الدولة تدريس الأمينية، والقاضي عز الدّين ابن الصائغ تدريس العادلية، وأخوه عماد الدّين تدريس العذراوية، ورشيد الدّين الفارقي الناصرية، والبرهان المراغي الركُّنية، والعز بن عبد الحق الأسدية، وتاج الدّين عبد الرحمن المجاهدية، وأخوه شرف الدّين الصارمية، والبهاء ابن النحّاس القليجية، وابن عمه مجير الدّين الرَّيحانية، والوجيه ابن منجى المسماريَّة، والتقيّ الترُّكماني المعظَّمية، والشمس ابن الكمال الضّيائية، والعز عمر الإربلي الجاروخية، وشرف الدّين ابن المقدسيّ العادلية الصغيرة. وجهز السلطان وهو منازل حصن الأكراد سبعة عشر شينياً في البحر، عليها الرئيّس ناصر الدّين رئيّس مصر، والهواري رئيّس الإسكندرية، وعلوي رئيّس دمياط، والجمال بن حسون مقدَّم على الجميع، لكونه بلغه أن صاحب قبرس قدم عكا، فاغتنم السلطان الفرصة وبعث هؤلاء إلى قبرس، فوصلوها ليلاً، فهاجت عليهم ريحٌ طردتهم عن المرسى وألقت بعض الشّواني على بعض، فتحطمت وتكسر منها أحد عشر شينياً، وأُسر من فيها من المقاتلة والبحارة، وكانوا نحواً من ألفٍ وثمانمائة، وسلم ناصر الدّين وابن حسون في الشواني السّالمة.

стр. 14474

قال الشيخ قطب الدّين (١): وفي ذي الحجة أمر السلطان بإراقة الخمور في بلاده، والوعيد على من يعصرها بالقتل، فأريق ما لا يُحصر، وكان ضمان ذلك في ديار مصر خاصة ألف دينار في كل يوم. قال (٢): وفيها نزلت الفرنج على تونس انتصاراً لأهل جنوة بسبب ما أخذ من أموالهم، فنازلها الفرنسيس في أربعمائة ألف منها: ستة وعشرون ألف فارس، وفيهم جماعة ملوك، ومجموع عدّه مراكبهم أربعمائة مركب، وقاتلتهم البربر والعربان والعوامّ فقُتل ولد الفرنسيس. وقيل إن الفرنسيس مات ولم يبق عندهم ملك يحكم عليهم، وطلبت الفرنج الصُّلح، فوقع الصُّلح على ردّ مال أهل جنوة. سنة سبعين وستمائة في المحَّرم ركب السلطان من الصّناعة في الشّواني ومعه نائب السلطنة بيليك الخزندار، فلما صار في الشّيني مال فوقع الخزندار في البحر، فنزل خلفه من أطلعه بشعره، وقد كاد. ثم خرج السلطان إلى الكرك وأخذ معه النائب عز الدّين أيدمر، وقدم به دمشق، فجعله نائباً عليها وعزل النجيبي، ثم سار إلى حماة ورجع، ثم مضى إلى حلب، وسببه أن صمغرا ومعين الدّين البرواناه والتتر لما عادوا من عند أبغا في السنة الخالية جاءهم أمر بقصد الشام فحشدوا، وجاء صمغرا في عشرة آلاف إلى البلستين، ثم إلى مرعش، وبلغهم أن السلطان بدمشق، فبعثوا من المغل ألفاً وخمسمائة للإغارة وتجسس الأخبار، فوصلوا إلى عين تاب ثم إلى قسطون، ووقعوا على التركمان هناك بين حارم وأنطاكية فاستأصلوهم، فأمر السلطان بتجفيل البلاد حتى أهل دمشق ليطمع التتار فيتوغلون في البلاد ويتمكن منهم، وطلب جيش مصر فقدموا ومقدمهم الأمير بدر الدّين بيسري، فوصلتهم الأخبار فأسرعوا الرَّجعة، وساق الفارقاني وراء التتر فلم يدركهم.

стр. 14475

وأغارت الفرنج من عثليث إلى قاقون، وأُخذت التركمان، وساق الأمير علاء الدّين طيبرس الوزيري، وعيسى بن مُهنى، فخاضوا الفرات إلى حرّان، فخرج إليهم من بها من التتار، فطاردهم ابن مُهنَّى، فخرج عليهم طيبرس، فلما رأوا الجيش نزلوا وقبّلوا الأرض وألقوا سلاحهم، فأخذوهم وكانوا ستين نفساً، وسار طيبرس فغلقوا أبواب حرّان سوى باب واحد، وخرج إليه الشيخ محاسن وهو من أصحاب الشيخ حيوة وجماعة من الأعيان، ومعهم أطعمة، فأكرمهم طيبرس، ونزل عن فرسه وأتوه بمفاتيح حرّان، وقالوا: البلد للسلطان أيَّده الله، ثم عاد طيبرس. قال شمس الدّين محمد ابن الفخر، ﵀: من أعجب ما يؤرخ أن امرأة أمشاطي في جوار دار بني هلال بباب الناطفيين في جمادى الأولى في مدة سبعة أيام وضعت طروحاً أحد عشر ولداً ذكوراً وإناثاً، وبعضهم قد كملت خلقته وبعضهم قد تبين بعضها لأربعة أشهر ونصف، وهذا غريبٌ نادر، واشتهر ذلك في دمشق، واستثبته قاضي القضاة عز الدّين وأرّخه. وفي جمادى الآخرة عبر السلطان إلى بر الجيزة، فأخبر أن ببوصير مغارةٌ فيها مطلب، فجمع لها خلقاً وحفرواً مداً طويلاً، فوجدوا كلاباً ميتة وقطاطاً وطيوراً، والكل ملفوف في عصائب وخرقٍ، فإذا حُلت اللفائف ولاقى ذلك الحيوان الهواء صار هباءً، وأقاموا ينقلون من ذلك شيئاً كثيراً ولا ينفد فتركوه. وفي شعبان احتيط على دار القاضي شمس الدّين محمد ابن العماد، وحمل ما فيه من الودائع إلى قلعة الجبل؛ وذلك لأن ابن العماد عزل نجم الدّين ابن حمدان عن نيابة الحكم لأمر، فحمل أخاه التقيّ شبيباً الكحّال التّعُّصبُ على أن كتب ورقةً إلى السلطان أن عند ابن العماد ودائع كثيرة لتجار من حّران وبغداد والشام وقد مات أهلها، فاستدعاه السلطان وسأله عن الودائع فأنكر، فحلف متأولاً، فكُبس بيته، فوجد فيه كثيرٌ مما قيل، لكن أصحابها أحياء ومنهم من مات وله وارث، فأخذ من ذلك زكاته مدة سنتين وحنق عليه السلطان وحبسه، فتسلَّط عليه شبيب، وادَّعى أنه حشويّ، وأنه يقدح في الدولة وكتب بذلك محضراً، وسافر السلطان إلى الشام، ثم عقد مجلسٌ بحضرة الأمير بدر الدّين بيليك الخزندار، فاستدعي بالشهود الذين

стр. 14476

في المحضر، فرجع بعضهم في الشهادة وشهد الباقون، فأخرق بهم وجرحهم، وتبين للخزندار تحامل شبيب فحبسه، واحتاط على موجوده، وأعيد الشيخ شمس الدّين إلى الحبس بالقلعة، فأقام بها سنتين إلى أن أفرج عنه في نصف شعبان من سنة اثنتين وسبعين، ولولا عناية الخزندار به ومحبته له لكان شيئاً آخر. وأما السلطان فسار إلى الشام وشن الغارات على بلاد عكا فراسلوه، وطلبوا الصلح، فصالحهم عشر سنين، ثم دخل دمشق. وفي رمضان جاءت طائفة من التتار، فأخربوا شرفات سور حرّان وبعض أسوقها، ونقلوا كثيراً من أخشابها واستاقوا معهم أهلها وأخليت ودثرت بالكلية. وفيها وصلت رسل صمغرا والبرواناه فقالوا للسلطان: إن صمغراً يقول لك: منذ جاورك في البلاد لم يصله من جهتك رسول، وقد رأى من المصلحة أن تبعث إلى أبغا رسولاً بما تحب حتى نساعدك ونتوسط، فأكرم السلطان الرسل، ثم بعث في الرسلية الأمير فخر الدّين إياز المقري، والأمير مبارز الدّين الطوري إلى أبغا، وبعث له جيوشنا، وبعث لصمغرا قوساً، فوصلا قونية، فسار بهما البرواناه إلى أبغا، فقال: ما شأنكما؟ قالا: إن سلطاننا أرسلنا يقول لك: إن أردت أن أكون مطاوعاً لك فرد ما في يدك من بلاد المسلمين، فغضب وأغلظ لهما وقال: ما يرضى رأساً برأس، وانفصلا من غير اتفاق. وعندي في وقوع ذلك نظر، لكن لعله سأله رد ما بيده من العراق والجزيرة، وإلا فجميع ما بيده بلاد المسلمين. وفيها وصلت رسل بيت بركة من عند منكوتمر بن طغان يطلبون من السلطان الإعانة على استئصال شأفة أبغا. وفي ذي الحجة سار السلطان إلى حصن الأكراد وحصن عكار، فأشرف عليهما، ورجع إلى دمشق. وفيها تزوج الصاحب شرف الدّين هارون ابن الوزير شمس الدّين الجويني ببغداد برابعة بنت أحمد بن أمير المؤمنين المستعصم، على صداقٍ

стр. 14477

مبلغه مائة ألف دينار مصري، وعقده قاضي القضاة سراج الدّين محمد بن أبي فراس في دار صاحب الديوان علاء الدّين، بإنشاء بهاء الدّين علي بن عيسى الإربلي، وشرطت عليه والدة العروس بأن لا يشرب الخمر، فأجاب. واحترق ببغداد سوق النظامية كله، واحترق فيه خلقٌ كانوا في الغرف.

стр. 14478

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الوفيات) سنة إحدى وستين وستمائة ومن توفي فيها: ١ - أحمد بن عبد الله، الشيخ الصالح، أبو العباس المقدسيّ الحنبليّ تربية البدوي. سمع من: شيخه عبد الله بن عبد الجبار البدوي، وحنبل، وابن طبرزد، وحدَّث بدمشق والقدس. روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الخباز، والشيخ شعبان، وحدَّث بدمشق. وكان موته بقرية أبي ثور بظاهر القدس في نصف المحرم (١). ٢ - أحمد بن محمد بن إبراهيم بن رزمان (٢) بن علي بن بشارة، الفقيه فخر الدّين أبو العباس الدّمشقيّ الحنفيّ. فقيهٌ، إمامٌ، مدرس، عدلٌ، متميزٌ من أعيان الحنفيّة. روى عن الخُشوعيّ نسخة وكيع وغيرهما. روى عنه: ابن الحلوانية، والدّمياطيّ، وابن الخباز، وطائفة، ومحمد ابن المحب. توفي في أوائل شوال، ودفن بسفح قاسيون (٣). ٣ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن خلف بن محمد بن سليمان بن سوار بن أحمد بن حزب الله بن عامر بن سعد الخير بن عياش، وهو أبو عيشون بن محمود الداخل إلى الأندلس ابن عنبسة بن

стр. 14479

حارثة بن العباس بن مرداس السُّلمي، الإمام المحدّث أبو إسحاق ابن الشيخ أبي عبد الله الأندلسي، البلفيقي، المعروف بابن الحاج، نزيل دمشق. ولد بالمريّة سنة ست عشرة وستمائة وكان محدثاً، فاضلاً، مفيداً، عارفاً. وبِلّفِيق: بباءٍ موحدةٍ ولامٍ مشددة، حصن عند المريّة. ذكره الشريف عز الدّين، فقال (١): سمعت منه، وحصّل الأصول الحسنة الكثيرة، وسمع بمصر من جماعة وحج وعاد، ثم سافر إلى دمشق فتوفي بها في المحرم. قلت: هذا كتبته ولا أعرفه. ٤ - إلياس بن عيسى الإربلي. شيخ فقيرٌ مشهور بالدّين والخير، كان يجلس أكثر نهاره برواق الحنابلة، ويجلس إليه أعيان ورؤساء لدينه وعلى ذهنه عجائب ونوادر. وكان ظريفاً، مليح الشكل. مات في شعبان (٢). ٥ - أيوب بن محمود بن أبي القاسم عبد اللطيف بن أبي المجد بن سيما بن عامر، السلمي، محتسب دمشق، تاج الدّين أبو المجد. توفي في سلخ شعبان وله تسع وستون سنة، حدَّث عن: عمر بن طبرزد (٣). ٦ - بدر الخشنيّ الشهابي الطواشي، أبو الضياء. توفي بالمدينة النبوية، وروى عن عبد الوهاب بن رواج، كتب عنه الشريف عز الدّين (٤) وغيره. ٧ - بهادر الخوارزميّ الأمير. .

стр. 14480

أول من ولي العراق لهولاكو، وكان على ظلمه له ميلٌ إلى الإسلام وعلم أولاده القرآن، وكان ربما صلى، ويعرف بالعربي، وفيه دهاء ومكر، قتلته التتار لأمور نقموها. ٨ - الحسن بن علي بن منتصر بن زكريا، أبو علي الفاسي، ثم الإسكندراني الكُتبي. شيخ معمر فاضل، ولد سنة أربع وسبعين، وسمع سنة أربعٍ وثمانين من عبد المجيد بن دليل الكندي، وسمع من عبد الرحمن بن موقى وتفرد بالرواية عن ابن دليل، روى عنه الدّمياطيّ والشيخ شعبان الإربلي، وجماعة. مات في ثامن وعشرين ربيع الآخر بالإسكندرية (١). ٩ - زكريا بن عبد السّيّد بن ناهض، أبو يحيى الأنصاري المصري النوُّيري، المالكي المؤدب. روى عن علي بن المفضل الحافظ، سمع منه: الشريف (٢)، وجماعة. ومات في رابع صفر. ١٠ - ست الدار بنت مكي بن علي بن كامل الحرّاني، أخت زينب. سمعت من: داود بن ملاعب، وموسى بن عبد القادر، وماتت في ربيع الأول (٣). ١١ - سليمان بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن فارس، الخطيب الإمام أبو الربيع الكناني العسقلاني الأصل المكي الفقيه الشّافعيّ. سمع من: زاهر بن رستم، ويحيى الفراش. روى عنه: الدّمياطيّ، والرّضي الطبري، وجماعة، وخطب مدة بمكة، وكان مشهوراً بالعلم والدّين والعبادة. ولد قبل موت جده لأمه عمر الميانشي قبل الثمانين وخمسمائة. وكف بصره في آخر أيامه، ومات في رابع عشر المحرم بمكة. وحدث بالنسائي عن ابن الحصري (٤).

стр. 14481

• - الشهاب، أجير البهاء الشروطي. هو محمد بن عبد الرحيم. يأتي. ١٢ - صلاح بن جعفر بن ضرغام بن نزار، أبو عمر العجلاني الفيومي المؤدب. توفي في جماى الأولى بالقاهرة، وقد سمع في الكهولة من: مكرم، وابن المقيّر. وحدَّث، أخذ عنه الطلبة (١). ١٣ - عبد الله بن محمد بن رضوان بن عبدك، أبو محمد العجمي. شيخ معمَّر، حدَّث عن السِّلفيّ بالإجازة العامة، قاله الشريف عز الدّين (٢). ١٤ - عبد الخالق بن جعفر بن محمد، الإمام عز الدّين، أبو محمد البليناوي (٣) المصري الشّافعيّ الفقيه. سمع وحصّل، وعُني بالحديث وأكثر بعد الخمسين وستمائة، وحدث عن ابن باقا، ومات في ذي الحجة كهلاً (٤). ١٥ - عبد الرازق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف، الإمام الحافظ المفسر عز الدّين أبو محمد الرسعني المحدث الحنبليّ. ولد برأس عين سنة تسعٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع تاريخ بغداد كله من أبي اليُمن الكندي، وسمع ببغداد من عبد العزيز بن منينا، وطبقته، وبحلب من الافتخار الهاشمي، وقدم دمشق مرة رسولاً، فقرأ عليه أبو حامد ابن الصابوني (٥) جزءاً، فسمعه جماعة، وله شعرٌ رائق، وولي مشيخة دار الحديث بالموصل، وسمع برأس عين من أبي المجد القزويني وغير واحد، وصنف تفسيراً حسناً يروي فيه بأسانيده، وله كتاب مقتل الحسين، وغير ذلك.

стр. 14482

وكان إماماً، محدثاً، فقيهاً، أديباً، شاعراً، ديِّناً، صالحاً، وافر الحرمة، وله مكانة عند صاحب الموصل لؤلؤ لجلالته وفضله، روى عنه الأبرقوهي في معجمه، وروى عنه الدّمياطيّ وغيره، ومات في ثاني عشر ربيع الآخر. وقرأت بخط سيف الدّين ابن المجد في ذكر عبد الرازق الرسعني قال: حفظ المقنع، وسمع بدمشق سنة خمس، وسنة ست، وسبع من الكندي، والخضر بن كامل، وابن الحرستاني، وابن الجلاجلي، وابن قدامة، وببغداد من الداهري، وعمر بن كرم (١). ١٦ - عبد الرحمن بن سالم بن يحيى بن خميس بن يحيى بن هبة الله، الإمام المفتي جمال الدّين أبو محمد الأنصاري الأنباري الأصل البغدادي ثم الدّمشقيّ الفقيه الحنبليّ. سمع من: التاج الكندي، وابن الحرستاني، وابن ملاعب، وبحران من الحافظ عبد القادر، وتفقه على الشيخ الموفَّق ونسخ بخطه كثيراً من كتب العلم، وكان صحيح النقل، جيد الشعر، ديِّناً، صالحاً. كتب عنه عمر بن الحاجب، والقدماء. وروى عنه: ابن الخلال، والدّمياطيّ، والشيخ تاج الدّين عبد الرحمن، وأخوه الخطيب شرف الدّين، وابن الخباز، والبرهان الذهبي، وآخرون. ومات في سلخ ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون، وكان يسكن بالجامع، بالمنارة الغربية. قال أبو شامة (٢): كان يصلي الصبح إماماً بالمتأخرين، فيطيل إطالة مفرطةً خارجةً عن المعتاد بكثير، إلى أن تكاد الشمس تطلع ولا يترك ذلك. قلت: سمع البرهان والكمال ابن النخاس منه جميع كتاب الأربعين للرهاوي، بقراءة شرف الدّين. ١٧ - عبد الرحمن بن محمد ابن الحافظ الكبير عبد الغني بن عبد الواحد، الإمام المحدث عز الدّين ابن العز، أخو التقيّ ابن العز، المقدسيّ الحنبليّ. ولد سنة تسع وتسعين، أو سنة ستمائة، وسمع حضوراً من عمر بن

стр. 14483

طبرزد وحفظ القرآن على الشيخ العماد، وتفقه على الشيخ الموفق، وسمع من: التاج الكندي، وابن الحرستاني، وابن ملاعب، وطبقتهم، ورحل فسمع ببغداد من: الفتح بن عبد السلام، وعلي بن بوزندار، وابن الجواليقي، وطبقتهم، وسمع بحلب من: أبي محمد ابن الأستاذ، وبمصر والإسكندرية من جماعة من أصحاب السلفي، وكتب الكثير، وحصل، وكان حسن الفهم، له معرفة بالرجال، من أفضل من بقي بالجبل. بالغ في الثناء عليه تلميذه نجم الدّين ابن الخباز، وقال: كان ضابطاً، متقناً ورعاً، حافظاً لأسماء الرجال، مجتهداً على فعل الخير، مفيداً للطلبة، يمشي إلى الطالب ويفيده ويعارض معه، انتفعت به جداً، وأحسن إليَّ ونصحني في ديني ودنياي، وما رأت عيناي بعد شيخنا ضياء الدّين مثله، وسمعت بقراءته في سنة تسع وثلاثين على عبد الحق بن خلف، وغيره، وأسمع الحديث مدةً بدار الحديث الأشرفية التي بالجبل، وكان ورعاً ديَّناً، عاملاً، قليل الرغبة في الدنيا، كثر التعفف. قلت: روى عنه هو، والدّمياطيّ، والقاضي تقيّ الدّين، وابن الزراد، وآخرون. ثم ظفرت بمولده في ربيع الآخر سنة اثنين وستمائة (١)، ومات في النصف من ذي الحجة، ولم يستكمل الستين. وفي كنيته أقوال، وهي: أبو الفرج، وقيل: أبو محمد، وأبو القاسم. ١٨ - عبد الرحمن بن مرهف بن عبد الله بن يحيى بن عبد المجيد، الإمام البارع، تقيّ الدّين، أبو القاسم المصري الشّافعيّ الناشري المقرئ. ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وقرأ القراءات على أبي الجود المقرئ، وسمع الحديث من علي بن المفضل الحافظ، وجماعة، وانتصب للإقراء مدة بجامع مصر، واشتهر اسمه وبعد صيته. ذكره الشريف عز الدّين، فقال (٢): سمعت منه، وسألته عن مولده، فقال:

стр. 14484

بمصر سنة ثمانين وانتفع به جماعة كثيرة، وكان شيخاً صالحاً، عارفاً بالقراءات فاضلاً فيها، وإليه انتهت رياسة الإقراء بجامع مصر، توفي ليلة السابع والعشرين من شوال بمصر. ١٩ - عبد الغني بن سليمان بن بنين بن خلف، الشيخ المسند أثير الدّين أبو القاسم وأبو محمد المصري الشّافعيّ القبّاني الناسخ. ولد بمصر سنة خمس وسبعين، وسمع الكثير بإفادة والده أبي الربيع، فسمع من: أبي القبائل عشير الجبلي، وقاسم بن إبراهيم المقدسيّ، والقاسم ابن عساكر، وهبة الله البوصيري، وإسماعيل بن ياسين، ومحمد بن عبد المولى، وابن نجا الواعظ، والأرتاحي، وغيرهم، وأجاز له: عبد الله بن بري النحوي، وأبو القاسم عبد الرحمن السبيي، والتاج محمد بن عبد الرحمن المسعودي، وحدث بالشيء مرات، وتفرد في وقته، وهو آخر من روى عن: عشير، والسبيي، وابن بري. ذكره الشريف فأثنى عليه وقال (١): كان شيخاً صالحاً، ساكناً، من أولا المشايخ الفضلاء، كان أبوه مشهوراً بالأدب، صحب أبا محمد بن بري وأخذ عنه، وسمع، وحدَّث، وصنَّف، توفي أبو القاسم في ثالث ربيع الأول. وقد سمع منه الحافظ عبد العظيم وذكره في معجمه. قلت: وروى عنه: شيخنا الدّمياطيّ، والدواداري، والشيخ شعبان، وإبراهيم ابن الظاهري، والأمين الصعبي، وجماعة، ويوسف الختني، والتقيّ محمد، ويحيى، ولدا المفتي ضياء الدّين ابن عبد الرحيم. ٢٠ - عبد المنعم بن عبد الوهاب بن محمد بن رحمة، أبو محمد القضاعي، الخولاني، المصري، المؤذن، ويعرف بابن سمعون. روى عن علي بن نصر ابن البنّاء المكي، وتوفي في ربيع الأول عن أربع وسبعين سنة، كتب عنه المصريون (٢). ٢١ - عبد الوهاب بن ضرغام بن سعيد، أبو محمد المصري.

стр. 14485

روى عن المحدث أبي الفتوح نصر ابن الحصري، وعاش ستاً وثمانين سنة. توفي في رجب (١). ٢٢ - عزية بنت محمد بن أحمد بن مفلح، أم أحمد الصالحية. روت عن عمر بن طبرزد، روى عنها: ابن الخباز، وابن الزّرّاد، وابنها الشيخ محمد البجدي، وغيرهم، وماتت في الثامن والعشرين من ذي الحجة (٢). ٢٣ - عتيق بن الحسين بن عبد الله بن محمد بن رشيق، أبو بكر التغلبي، البياسي. أخذ عن: أبيه، وأبي الخطاب بن واجب، وأبي بكر بن حسنون، وأبي محمد بن حوط الله، وقرأ عليهم. أخذ عنه ابن الزبير بمرسية، وقال: مات في ذي الحجة سنة إحدى وستين. ٢٤ - علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن طلحة، أبو الحسن المقدسيّ الأصل، الدّمشقيّ الحنبليّ. روى عن: أبي طاهر الخُشوعيّ، وحنبل المكبر، وكان إنساناً مباركاً، خيرا ً، روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الخباز، وابن الزراد، محمد ابن المحب، وأبو بكر القطان، وآخرون، ومات في أوائل رجب ودفن بالصالحية (٣). ٢٥ - علي بن شجاع بن سالم بن علي بن موسى بن حسان بن طوق بن سند بن علي بن الفضل بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، الشيخ الإمام كمال الدّين أبو الحسن بن أبي الفوارس الهاشمي العباسي المصري المقرئ الشّافعيّ الضرير. مسند الآفاق في القراءات، فإنه قرأ القراءات السبعة مفرداً لكل رواة

стр. 14486

الأئمة سوى رواية الليث عن الكسائي، وجامعاً لهم إلى سورة الأحقاف، على حميِّه الإمام أبي محمد بن فيرُّه الشاطبي، ومات الشاطبي ﵀ وللكمال الضرير ثمانية عشر عاماً، وتزوج من بعد موته بابنته، ثم قرأ القراءات على أبي الجود بالطرق السبعة، ويعقوب، وغير ذلك، وقرأ قبل وفاة الشاطبي للسبعة على أبي الحسن شجاع بن محمد بن سيّدهم المُدلجي صاحب ابن الحطيئة. وتفقه على أبي القاسم عبد الرحمن ابن الوراق، وغيره، وقرأ النحو على أبي الحسين يحيى بن عبد الله النحوي، وسمع الكثير ولاسيما في أثناء عمره من: الشاطبي، وشجاع المدلجي، وهبة الله بن علي البوصيري، وأبي الفضل الغزنوي، وأبي عبد الله الأرتاحي، والمطهر بن أبي بكر البيهقي، وأبي نزار ربيعة بن الحسن، وعبد الرحمن مولى ابن باقا، ومحمد بن عبد المولى ابن اللبني، وأبي الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني البلنسي، وقد سمع من ابن جبير التيسير عن علي بن أبي العيش، عن ابن الدش، عن المصنف، وسمعه أيضاً من الشاطبي، وسمع الشاطبية وصححها دروساً عليه، وروى بالإجازة العامة عن السلفي كتاب المستنير، بسماعه لمعظمه عن مصنفه ابن سوار، وإجازته لباقيه، وروى التجريد لابن الفحّام تلاوةً وسماعاً عن سماع، وسمعه من القاضي أبي المحاسن يوسف بن شداد، بروايته سماعاً عن يحيى بن سعدون القرطبي، عن المصنف، وروى التذكار لابن شيطا، عن أبي بكر عبد الرحمن بن أحمد بن باقا، قدم عليهم قال: أخبرنا علي بن أبي سعد الخباز قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد الباقرحي قال: أخبرنا المصنف. وله سماعات كتب كثيرة وفضائل، تصدر للإقراء بجامع مصر وبمسجد ابن موسك بالقاهرة، وقرأ عليه خلقٌ كثير، وطار ذكره ورحل إليه من النواحي، وتفرد في عصره وإليه انتهت رياسة الإقراء وعلوُّ إسنادها، وكان أحد الأئمة المشاركين في فنون العلم، مع ما جبل عليه من حسن الأخلاق والتواضع ولين الجانب، والتودد، والصبر على الطلبة، والسعي التام في مصالحهم بكل ممكن. قرأ عليه القراءات: الإمام أبو عبد الله محمد بن إسرائيل القصاع، والشيخ

стр. 14487

حسن بن عبد الله الراشدي، وشمس الدّين محمد بن منصور الحاضري، والشيخ نصر المنبجي، والحافظ شرف الدّين الدّمياطيّ، وبرهان الدّين إبراهيم الوزيري، وطائفة سواهم. وروى عنه: الشيخ داود الحريري، والعماد محمد ابن الجرائدي، والشيخ شعبان والزين عبد الرحيم البغدادي، وعلم الدّين سنجر الدواداري، وإسحاق ابن الوزيري، والشرف محمد بن عبد الرحيم بن مسكين، وخلقٌ في الأحياء. توفي في سابع ذي الحجة، وكان مولده في سابع شعبان من سنة اثنتين وسبعين بالمعتمدية، قرية من أعمال الجيزة (١). ٢٦ - عمر بن عبد الغني بن فتيان الجدياني المؤذن. سمع: ابن الزبيدي، وابن اللّتّيّ، ومات في ربيع الآخر، لم يكمل الأربعين، كتب عنه ابن الخباز وغيره. ٢٧ - القاسم بن أحمد ابن الموفق بن جعفر، الإمام العلاّمة ذو الفنون، علم الدّين أبو محمد المرسي اللورقي المقرئ النحوي، ومنهم من سماه: أبو القاسم محمد، والأول أصح. ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقرأ القراءات سنة ثمان وتسعين وبعدها على أبي جعفر أحمد بن علي بن يحيى بن عون الله الحصّار، وأبي عبد الله محمد بن سعيد المرادي المرسي، والقاضي أبي عبد الله محمد بن نوح الغافقي البلنسي، عن قراءتهم على ابن هذيل، وقرأ بمصر القراءات على أبي الجود، وبدمشق على الكندي وابن باسوية، وأحكم العربية وبرع فيها، واجتمع بالجزولي وسأله عن مسألة من مقدمته، وسمع ببغداد من أبي محمد بن الأخضر، وبحلب من الافتخار الهاشمي، وبدمشق من الكندي، وقرأ عليه كتاب سيبويه بكماله، واشتغل ببغداد أيضاً على الشيخ أبي البقاء، وقرأ علم الكلام والأصلين والفلسفة، وكان خبيراً بهذه العلوم، قائماً عليها، مقصوداً بإقرائها. ولي مشيخة التربة العادلية التي شرطها القراءات والنحو، ودرس بالعزيزية نيابةً، وصنف شرحاً مختصراً للشاطبية وشرح المفصل

стр. 14488

للزمخشري في عدة مجلدات وما قصر فيه. وشرحاً للجزولية وغير ذلك. وكان مليح الشكل، حسن البزة، إماماً كبيراً، مهيباً، متفنناً. وقد عزم على الرحلة إلى الفخر ابن الخطيب فبلغه موته، وكان له حلقة إشغال. وهو كان الحكم بين أبي شامة والشمس أبي الفتح في أيهما أولى بمشيخة التربة الصالحية، والقصة معروفة، فرجّح أبا الفتح بعض الشيء، وقيل: لم يرجحه، بل قال: هذا رجل يدري القراءات، وقال عن أبي شامة: هذا إمام، فوقعت العناية بأبي الفتح. وقد ذكره أبو شامة في تاريخه وما أنصفه، فقال (١): في سابع رجب توفي العلم أبو محمد القاسم بن أحمد بن أبي السداد المغربي النحوي، وكان معمراً، مشتغلاً بأنواع من العلوم على خلل في ذهنه. قلت: قرأ عليه القراءات: سبطه بهاء الدّين محمد ابن البرزالي، والشيخ أبو عبد الله القصاع، وبرهان الدّين الإسكندراني، وشهاب الدّين حسين الكفري، وعلاء الدّين علي الكندي لكنه نسي - أعني الكندي - وحدث عنه العماد ابن البالسي، وغيره (٢). ٢٨ - قاسم بن بركات بن أبي القاسم، أبو محمد ابن القيسراني، المصري البزاز العدل، ويعرف بعز القضاة. روى عن أبي عبد الله بن عبدون البناء، ومات بالقاهرة في تاسع صفر، وله تسعٌ وسبعون سنة (٣). ٢٩ - محمد بن أحمد بن عنتر، الصدر شرف الدّين الدّمشقيّ. ولي حسبة دمشق في أيام هولاوو، فطلب لذلك إلى مصر وهدد. توفي في صفر (٤)، وهو والد شيخنا المعمر أبي بكر. ٣٠ - محمد ابن القدوة الإمام شيخ خراسان سيف الدّين سعيد بن المطهر الباخرزي، الإمام جلال الدّين نزيل بخارى.

стр. 14489

مات في جمادى الأولى، ودفن بجنب أبيه، وله ست وثلاثون سنة. ٣١ - محمد بن عبد الرحيم الدّمشقيّ الشروطي العدل، شهاب الدّين ابن الضياء، المعروف بأجير البهاء، الشريف. كان بارعاً في كتابة الشروط، انتهت إليه معرفة ذلك، ولم يكن يشهد على القضاة لاستغنائه بصناعته، وكان صاحب حظوة. توفي عشر الستين في رجب بدمشق (١). ٣٢ - محمد بن نصر الله بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد، الصدر جمال الدّين أبو الفضل التميمي الدّمشقيّ ابن القلانسي، ابن أخي مؤيد الدّين. ولد سنة ست وستمائة، وحدث عن: الكندي، وابن الحرستاني، وغيرهما (٢). ٣٣ - مظفر بن علي بن الحسن ابن سنيّ الدولة، العدل عماد الدّين ابن بهاء الدّين ابن عم قاضي القضاة صدر الدّين، الدّمشقيّ الشروطي. توفي في رجب (٣). ٣٤ - يحيى بن فضل الله، الشيخ شرف الدّين ابن السيسي، إمام المدرسة الصالحية النجمية بالقاهرة. كان من أصحاب الشيخ علم الدّين السخاوي، وهو أول من أمَّ بالدار الأشرفية، ثم سكن مصر (٤). ٣٥ - يحيى بن أبي حامد محمد ابن قاضي القضاة أبي القاسم عبد الملك عيسى بن درباس، الماراني المصري الشّافعيّ. سمع من عبد العزيز بن باقا، ومات في المحرم (٥). ٣٦ - يعقوب بن عبد الله، المقدسيّ، تربية البدوي، أخو أحمد بن عبد الله.

стр. 14490

روى عن: شيخه عبد الله بن عبد الجبار البدوي، وحنبل، وابن طبرزد. مات في رجب بالقاهرة، وكتب عنه الطلبة (١). ٣٧ - أبو بكر الدّينوري، الرجل الصالح صلاح الدّين صاحب الشيخ عزيز الدّين عمر الدّينوري. وهو الذي بنى له الزاوية بالصالحية، وصار هو وجماعته يذكرون فيه عقب الصبح بأصوات طيبة، فلما مات الشيخ ﵀ بقي الصلاح يقوم بعده بهذه الوظيفة، وعاش إلى هذا الوقت، ومات في ذي القعدة (٢). ٣٨ - أبو الهيجاء بن عيسى بن خشترين (٣)، الأمير الكبير مجير الدّين ابن الأمير الكبير حسام الدّين الكردي. كان أحد الشجعان وله اليد البيضاء يوم عين جالوت، ثم رتبه الملك المظفر قطز مشاركاً للحلبي في نيابة دمشق في الرأي والتدبير، وكان أبوه أكبر أمير عند الملك الظاهر صاحب حلب. توفي مجير الدّين في شعبان بدمشق (٤). ٣٩ - ملك الفرنج الفرنسيس، الذي قصد دمياط نوبة المنصورة. كان متسع الممالك، كثير الجيوش والبلاد، عالي الهمة، ذا رأي ودهاء وأموال وحشم، أسره المسلمون يوم المنصورة فقِّيد وحبس في دار كان ينزلها فخر الدّين ابن لقمان الكاتب، ورسم عليه الطواشي صبيح المعظمي، ثم استفكّ نفسه بأموال عظيمة، وفي ذلك يقول ابن مطروح: وقل لهم إن أضمروا عودة … لأخذ ثأرٍ أو لقصدٍ صحيح دار ابن لقمان على حالها … والقيد باقٍ والطواشي صبيح وكان هذا الملعون في همته أن يستعيد القدس، وكان هلاكه بظاهر مدينة تونس، فإنه قصدها وبها المستنصر بالله محمد بن يحيى بن عبد الواحد، وكاد أن يملكها، فأوقع الله الوباء في جيشه فهلك هو وجماعةٌ من ملوك الفرنج

стр. 14491

ورجع الباقون خائبين، وقيل: إن أهل تونس تحيلوا حتى سموه، وأراح الله الإسلام منه. ولقد كاد أن يستولي على إقليم مصر، فإنه نازل دمياط، فهرب منه العسكر الذي تجاهها لحفظها، فلما رأى المقاتلة الذين بها وأهلها هروب العسكر تبعوهم هاربين تحت الليل، بحيث أن دمياط أصبحت وما بها أحد، وتسلمتها الفرنج بلا ضربةٍ ولا طعنةٍ ولا امتناع لحظةٍ بذخائرها وعدتها وخيرها، وكان ما قد ذكرناه من الحوادث، فبقيت في أيديهم نحواً من سنةٍ ونصف، والفرنسيس ويُدعى ريذافرنس (١)، نازل بجموعه يحامي عنها والمسلمون منازلوه مدةً طويلة، يستظهر عليهم ويستظهرون عليه، إلى أن كان الظفر للإسلام آخر شيء وقتل خلائق من الفرنج لا يحصون، ووقع هو في أسر المسلمين، ثم استفك نفسه بدمياط وبجملةٍ من الذهب. قال ابن واصل: دخل إليه حسام الدّين ابن أبي علي وهو مقيد بالمنصورة فحاوره طويلاً حتى وقع الاتفاق على تسليم دمياط، ويُطلق هو ومن معه من كبراء الفرنج، فحكى لي حسام الدّين، قال: كان فطناً عاقلاً، قلت له: كيف خطر للملك مع ما رأى من عقله وفضله وصحة ذهنه أن يقدم على خشب، ويركب في هذا البحر، ويأتي هذه البلاد المملوءة من عساكر الإسلام، ويعتقد أنه يحصل له تملكها، وفيما فعل غاية الغرر؟ فضحك ولم يحر جواباً، وقلت: ذهب بعض فقهائنا أن من ركب البحر مرةً بعد أخرى مغرراً بنفسه أنه لا تقبل شهادته؛ لأنه يستدل بذلك على ضعف عقله، قال: فضحك، وقال: لقد صدق هذا القائل وما قصّر فيما حكم به. ولما أفرج عن ريذافرنس وأصحابه أقلعوا إلى عكا، وأقام بالساحل مدةً وعمّر قيسارية، ثم رجع إلى بلاده وأخذ يجمع ويحشد إلى هذا الزمان، وأراد قصد بلاد الإسلام ثانياً، ثم فتر عن قصد مصر وقصد بلد إفريقية؛ ذلك أنه من ملك بلاد المغرب تمكن من قصد مصر في البر والبحر، ويسهل عليه

стр. 14492

تملكها، فنازل تونس إلى أن كاد يملكها، ولكن وقع الوباء في جيشه فهلك هو وجماعةٌ من ملوكهم، كما ذكرنا (١). وفيها ولد: شيخنا تقيّ الدّين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم ابن تيمية الفقيه بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، ومجد الدّين محمد بن محمد سبط ابن الحُبوبي في رجب، والنجم محمد بن إبراهيم بن عبد الغني بن سليمان بن بنين المصري؛ يروي عن النجيب، والزين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن ابن القيراط، والنفيس سلامة ابن أمين الدّين ابن شقير في شعبان، والتقيّ سليمان بن عبد الرحيم بن أبي عباس الصالحي العطار، وعبد الرحمن محمد بن عبد الحميد المقدسيّ.

стр. 14493

سنة اثنتين وستين وستمائة ٤٠ - أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن رافع، قاضي حلب كمال الدّين أبو العباس وأبو بكر ولد الإمام قاضي القضاة بحلب زين الدّين ابن المحدث الإمام الزاهد أبي محمد ابن الأستاذ الحلبي الشّافعيّ. ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، وسمع حضورا من الافتخار الهاشمي، وسمع من: ثابت بن مشَّرف، وجده أبي محمد بن علوان، وابن روزبة، وطائفة. وحدث وأفتى ودرس وأقام بمصر بعد أخذ حلب، ودرس بالمدرسة المعِّزية بمصر وبالهكارية بالقاهرة. وكان صدراً معظماً وافر الحرمة، مجموع الفضائل، صاحب رياسة ومكارم وأفضال وسؤدد وتواضع، ولي القضاء مدةً فحمدت سيرته. روى عنه أبو محمد الدّمياطيّ، وكان يدعوا له، لما أولاه من الإحسان. وسمع منه الطلبة المصريون، وولي قضاء حلب بعد موت والده، وكان ذا مكانةٍ عظيمة عند الملك الناصر وكلمته نافذة، فلما خربت حلب أصيب بأهله وماله، والله يعظم أجره، وسلمت نفسه، فأتى مصر ودرس بها إلى أن ولي قضاء حلب، فأتاها في صدر هذا العام. توفي ليلة نصف شوال (١). ٤١ - أحمد بن عمران، الرئيس نجم الدّين الباجسرائي، ناظر سواد العراق للمغل. قتلوه في جمادى الآخرة، وكان نصيرياً ظاهر الفسق (٢). ٤٢ - أحمد بن محمد بن صابر بن محمد بن صابر بن منذر، الحافظ المتقن، ضياء الدّين أبو جعفر القيسي الأندلسي المالقي. ولد بمالقة سنة خمس وعشرين وستمائة. وسمع الكثير ببلاد المغرب،

стр. 14494

وحج، وسمع بمصر، وقدم دمشق فسمع من أصحاب يحيى الثقفي، وكتب بخطه الكثير، وكان سريع الكتابة والقراءة، شديد العناية بالطلب، كثير الفوائد، ديناً، فاضلاً، جيد المشاركة في العلوم. كتب عنه الشريف عز الدّين (١)، وآحاد الطلبة، ومات شاباً في ثامن شعبان بالقاهرة. ٤٣ - إبراهيم بن مكي بن عمر بن نوح، الرئيس الصدر ضياء الدّين، أبو إسحاق المخزومي الدماميني الكاتب. تقلب في الخدم الديوانية، وحدث عن: أبي الحسن علي ابن البنّاء. ولد بدمامين من الصعيد سنة أربع وثمانين، ومات ببلبيس سنة اثنتين في ذي الحجة (٢). ٤٤ - إبراهيم بن محمود بن موسى بن أبي القاسم، أبو إسحاق الكردي، الضرير، الهذباني. ولد سنة أربع وسبعين تقديراً، وسمع من عبد الخالق بن فيروز الجوهري، وحدث بالقاهرة ودمشق، وهو من شيوخ الدّمياطيّ. توفي ببعض قرى القاهرة في الحادي والعشرين من رجب. روى عنه يوسف بن عمر الختني (٣). ٤٥ - إسماعيل بن صارم بن علي بن عز بن تميم، أبو الطاهر الكناني، العسقلاني ثم المصري الخياط. روى عنه جماعة المصريين، وكان عالي الإسناد، حدث عن: البوصيري، وإسماعيل بن ياسين، وفاطمة بنت سعد الخير. روى عنه: الدّمياطيّ، وشعبان الإربلي، وقطب الدّين ابن اليونيني، وعلم الدّين الدوادري، والأمين عبد القادر الصعبي، ومحمد بن محمد ابن القواس، وطائفة سواهم. وبلغني أنه شنق نفسه. ٥٠

стр. 14495

توفي في تاسع جمادى الأولى (١). ٤٦ - أيوب بن محمود بن سيما، المحتسب، تاج الدّين الدّمشقيّ. قد ذكرناه في السنة الماضية (٢) على ما ورخّه الدّمياطيّ، والشريف. وقال الإمام أبو شامة (٣)، وغيره: توفي سنة اثنتين وستين في شعبان، فالله أعلم. ٤٧ - بهرام، أبو الفضل، عتيق مؤيد الدّين ابن عساكر. روى عن عمر بن طبرزد، ومات في العشرين من صفر، ودفن بسفح قاسيون، قاله الشريف في الوفيات (٤)، ولا أعرفه. ٤٨ - حسين بن محمد بن أبي عمرو، أبو علي الإسكندراني المالكي الفقيه. درس وأفتى، وحدث عن: أبي الحسن بن المفضل، ومات في رمضان بالثغر (٥). ٤٩ - خضر بن غزي بن عامر، أبو العباس الأنصاري الشارعي المؤدب. ولد ببلبيس سنة أربع وثمانين وسمع في كهولته من مكرم القرشي. كتب عنه الشريف عز الدّين (٦) وغيره، ومات في ربيع الآخر. ٥٠ - السّديد، شيخ الرافضة بالحلة وفقيههم، واسمه أبو علي بن خشرم الحلي. مات في هذه السنة وقد جاوز الثمانين، ودفنوه بمشهد علي ﵁. ٥١ - سليمان بن أحمد بن يوسف، أبو الربيع المراكشي.
следующие страницы →