ورجع الباقون خائبين، وقيل: إن أهل تونس تحيلوا حتى سموه، وأراح الله الإسلام منه.
ولقد كاد أن يستولي على إقليم مصر، فإنه نازل دمياط، فهرب منه العسكر الذي تجاهها لحفظها، فلما رأى المقاتلة الذين بها وأهلها هروب العسكر تبعوهم هاربين تحت الليل، بحيث أن دمياط أصبحت وما بها أحد، وتسلمتها الفرنج بلا ضربةٍ ولا طعنةٍ ولا امتناع لحظةٍ بذخائرها وعدتها وخيرها، وكان ما قد ذكرناه من الحوادث، فبقيت في أيديهم نحواً من سنةٍ ونصف، والفرنسيس ويُدعى ريذافرنس (١)، نازل بجموعه يحامي عنها والمسلمون منازلوه مدةً طويلة، يستظهر عليهم ويستظهرون عليه، إلى أن كان الظفر للإسلام آخر شيء وقتل خلائق من الفرنج لا يحصون، ووقع هو في أسر المسلمين، ثم استفك نفسه بدمياط وبجملةٍ من الذهب.
قال ابن واصل: دخل إليه حسام الدّين ابن أبي علي وهو مقيد بالمنصورة فحاوره طويلاً حتى وقع الاتفاق على تسليم دمياط، ويُطلق هو ومن معه من كبراء الفرنج، فحكى لي حسام الدّين، قال: كان فطناً عاقلاً، قلت له: كيف خطر للملك مع ما رأى من عقله وفضله وصحة ذهنه أن يقدم على خشب، ويركب في هذا البحر، ويأتي هذه البلاد المملوءة من عساكر الإسلام، ويعتقد أنه يحصل له تملكها، وفيما فعل غاية الغرر؟ فضحك ولم يحر جواباً، وقلت: ذهب بعض فقهائنا أن من ركب البحر مرةً بعد أخرى مغرراً بنفسه أنه لا تقبل شهادته؛ لأنه يستدل بذلك على ضعف عقله، قال: فضحك، وقال: لقد صدق هذا القائل وما قصّر فيما حكم به.
ولما أفرج عن ريذافرنس وأصحابه أقلعوا إلى عكا، وأقام بالساحل مدةً وعمّر قيسارية، ثم رجع إلى بلاده وأخذ يجمع ويحشد إلى هذا الزمان، وأراد قصد بلاد الإسلام ثانياً، ثم فتر عن قصد مصر وقصد بلد إفريقية؛ ذلك أنه من ملك بلاد المغرب تمكن من قصد مصر في البر والبحر، ويسهل عليه
стр. 14492
تملكها، فنازل تونس إلى أن كاد يملكها، ولكن وقع الوباء في جيشه فهلك هو وجماعةٌ من ملوكهم، كما ذكرنا (١).
وفيها ولد:
شيخنا تقيّ الدّين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم ابن تيمية الفقيه بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، ومجد الدّين محمد بن محمد سبط ابن الحُبوبي في رجب، والنجم محمد بن إبراهيم بن عبد الغني بن سليمان بن بنين المصري؛ يروي عن النجيب، والزين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن ابن القيراط، والنفيس سلامة ابن أمين الدّين ابن شقير في شعبان، والتقيّ سليمان بن عبد الرحيم بن أبي عباس الصالحي العطار، وعبد الرحمن محمد بن عبد الحميد المقدسيّ.
стр. 14493
سنة اثنتين وستين وستمائة
٤٠ - أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن رافع، قاضي حلب كمال الدّين أبو العباس وأبو بكر ولد الإمام قاضي القضاة بحلب زين الدّين ابن المحدث الإمام الزاهد أبي محمد ابن الأستاذ الحلبي الشّافعيّ.
ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، وسمع حضورا من الافتخار الهاشمي، وسمع من: ثابت بن مشَّرف، وجده أبي محمد بن علوان، وابن روزبة، وطائفة.
وحدث وأفتى ودرس وأقام بمصر بعد أخذ حلب، ودرس بالمدرسة المعِّزية بمصر وبالهكارية بالقاهرة.
وكان صدراً معظماً وافر الحرمة، مجموع الفضائل، صاحب رياسة ومكارم وأفضال وسؤدد وتواضع، ولي القضاء مدةً فحمدت سيرته.
روى عنه أبو محمد الدّمياطيّ، وكان يدعوا له، لما أولاه من الإحسان.
وسمع منه الطلبة المصريون، وولي قضاء حلب بعد موت والده، وكان ذا مكانةٍ عظيمة عند الملك الناصر وكلمته نافذة، فلما خربت حلب أصيب بأهله وماله، والله يعظم أجره، وسلمت نفسه، فأتى مصر ودرس بها إلى أن ولي قضاء حلب، فأتاها في صدر هذا العام.
توفي ليلة نصف شوال (١).
٤١ - أحمد بن عمران، الرئيس نجم الدّين الباجسرائي، ناظر سواد العراق للمغل.
قتلوه في جمادى الآخرة، وكان نصيرياً ظاهر الفسق (٢).
٤٢ - أحمد بن محمد بن صابر بن محمد بن صابر بن منذر، الحافظ المتقن، ضياء الدّين أبو جعفر القيسي الأندلسي المالقي.
ولد بمالقة سنة خمس وعشرين وستمائة.
وسمع الكثير ببلاد المغرب،
стр. 14494
وحج، وسمع بمصر، وقدم دمشق فسمع من أصحاب يحيى الثقفي، وكتب بخطه الكثير، وكان سريع الكتابة والقراءة، شديد العناية بالطلب، كثير الفوائد، ديناً، فاضلاً، جيد المشاركة في العلوم.
كتب عنه الشريف عز الدّين (١)، وآحاد الطلبة، ومات شاباً في ثامن شعبان بالقاهرة.
٤٣ - إبراهيم بن مكي بن عمر بن نوح، الرئيس الصدر ضياء الدّين، أبو إسحاق المخزومي الدماميني الكاتب.
تقلب في الخدم الديوانية، وحدث عن: أبي الحسن علي ابن البنّاء.
ولد بدمامين من الصعيد سنة أربع وثمانين، ومات ببلبيس سنة اثنتين في ذي الحجة (٢).
٤٤ - إبراهيم بن محمود بن موسى بن أبي القاسم، أبو إسحاق الكردي، الضرير، الهذباني.
ولد سنة أربع وسبعين تقديراً، وسمع من عبد الخالق بن فيروز الجوهري، وحدث بالقاهرة ودمشق، وهو من شيوخ الدّمياطيّ.
توفي ببعض قرى القاهرة في الحادي والعشرين من رجب.
روى عنه يوسف بن عمر الختني (٣).
٤٥ - إسماعيل بن صارم بن علي بن عز بن تميم، أبو الطاهر الكناني، العسقلاني ثم المصري الخياط.
روى عنه جماعة المصريين، وكان عالي الإسناد، حدث عن: البوصيري، وإسماعيل بن ياسين، وفاطمة بنت سعد الخير. روى عنه: الدّمياطيّ، وشعبان الإربلي، وقطب الدّين ابن اليونيني، وعلم الدّين الدوادري، والأمين عبد القادر الصعبي، ومحمد بن محمد ابن القواس، وطائفة سواهم.
وبلغني أنه شنق نفسه. ٥٠
стр. 14495
توفي في تاسع جمادى الأولى (١).
٤٦ - أيوب بن محمود بن سيما، المحتسب، تاج الدّين الدّمشقيّ.
قد ذكرناه في السنة الماضية (٢) على ما ورخّه الدّمياطيّ، والشريف.
وقال الإمام أبو شامة (٣)، وغيره: توفي سنة اثنتين وستين في شعبان، فالله أعلم.
٤٧ - بهرام، أبو الفضل، عتيق مؤيد الدّين ابن عساكر.
روى عن عمر بن طبرزد، ومات في العشرين من صفر، ودفن بسفح قاسيون، قاله الشريف في الوفيات (٤)، ولا أعرفه.
٤٨ - حسين بن محمد بن أبي عمرو، أبو علي الإسكندراني المالكي الفقيه.
درس وأفتى، وحدث عن: أبي الحسن بن المفضل، ومات في رمضان بالثغر (٥).
٤٩ - خضر بن غزي بن عامر، أبو العباس الأنصاري الشارعي المؤدب.
ولد ببلبيس سنة أربع وثمانين وسمع في كهولته من مكرم القرشي.
كتب عنه الشريف عز الدّين (٦) وغيره، ومات في ربيع الآخر.
٥٠ - السّديد، شيخ الرافضة بالحلة وفقيههم، واسمه أبو علي بن خشرم الحلي.
مات في هذه السنة وقد جاوز الثمانين، ودفنوه بمشهد علي ﵁.
٥١ - سليمان بن أحمد بن يوسف، أبو الربيع المراكشي.
стр. 14496
سمع بمكة من السهروردي. وحدث بالقاهرة، ومات بالإسكندرية في جمادى الآخرة (١).
٥٢ - سليمان بن المؤيد بن عامر المقدسيّ العقربائي الطبيب، الزَّين الحافظي.
رئيس فاضل، حسن المشاركة في الأدب والعلم، زنديق، خدم الملك الحافظ صاحب جعبر بالطب، وإليه ينسب، ثم خدم الملك الناصر يوسف، وارتفعت منزلته، وأُعطي إمرةً وطبلخاناه من التتار.
حدثني الرشيد الرقي الأديب، قال: كنت أقابل معه في صحاح الجوهري فلما أمروه قلت، وأنشدته:
قيل لي: الحافظي قد أمّروه … قلت: ما زال بالعلاء جديرا
وسليمان من خصائصه الملـ … ـك فلا غرو أن يكون أميرا
وقال قطب الدّين (٢): فيها قتل الزين الحافظي بين يدي هولاكو في أواخرها بعد أن أحضره وقال: قد ثبت عندي خيانتك وتلاعبك بالدُّول خدمت صاحب بعلبك طبيباً، وصاحب قلعة جعبر الحافظ، والملك الناصر، فخنت الجميع، ثم انتقلت إلي، فأحسنت إليك، فشرعت تكاتب صاحب مصر وعدّد ذنوبه ثم قتله وقتل أولاده وأقاربه، وكانوا نحواً من خمسين، ضربت أعناقهم.
وكان من أسباب قتله كتبٌ سعى الملك الظاهر في إرسالها إليه من مصر بحيث وقعت في يد هولاكو، وأما خيانته في الأموال وأخذه البرطيل وجناياته في الإسلام فكثيرة، يعني أيام التتار بدمشق، قال: ولم تكن الإمرة لائقةً به.
وللموفق أحمد بن أبي أُصيبعة فيه (٣):
وما زال زين الدّين في كل منصبٍ … له في سماء المجد أعلى المراتب
أمير حوى في العلم كل فضيلةٍ … وفاق الورى في رأيه والتجارب
إذا كان في طب فصدر مجالس … وإن كان في حرب فقلب الكتائب
ففي السلم كم أحيى ولياً بطبه … وفي الحرب كم أفنى العدى بالقواضب
стр. 14497
قال الموفق (١): وما زال في خدمة الملك الناصر، فلما جاءت التتار بعثه رسولاً إلى هولاوو فأحسن إليه، واستمالوه حتى صار جهتهم ومازجهم، وتردد في المراسلة، وطمًّع التتار في البلاد، وصار يهِّول على الناصر أمرهم ويفخم مملكتهم، فلما ملكوا دمشق جعلوه بها أميراً وكانوا يدعونه الملك زين الدّين.
ومات في عشر السبعين وهو ممن قرأ على الدخوار.
فمن تحيُّل الملك الظاهر عليه أنه استدعى أخاه العماد أحمد الأشتر من دمشق ثم أنعم عليه، وقرر له في الشهر خمسمائة درهم، وأمره أن يكتب إلى أخيه كتاباً يعرفه فيه نية السلطان له، وأنه ما له عنده ذنب، وأنه كارهٌ لإقامته عند التتار، ويلتمس أن يكون مناصحاً له، فلما وصلت إليه الكتب حملها إلى هولاكو وقال: إنما قصد الظاهر أن يغيرك علي: فتأذن لي أن أكاتب أمراءه لأكيده، فلم ير هولاكو ذلك، ثم تخيل منه.
٥٣ - صالح بن أبي بكر بن أبي الشبل بن سلامة بن شبل، القاضي الإمام أبو التقى المقدسيّ، ثم المصري السمنودي الشّافعيّ قاضي حمص.
شيخ، عالمٌ، دين، خيِّر، مؤثر، مشكور، مسن، معمر، حسن السيرة.
ولد سنة سبعين وخمسمائة بمصر، وسمع ببغداد: من الحسين بن سعيد بن شنيف، وبدمشق من: الكندي، وابن الحرستاني، وابن ملاعب.
وكتب عنه ابن الحاجب سنة اثنتين وعشرين، وبقي مدةً طويلة في قضاء حمص، روى عنه: الدمياطي، ومحمد بن محمد الكنجي، والمجد ابن الحلوانية، والتاج الجعبري الحاكم، وغيرهم.
ومات في صفر، وقيل: في المحرم (٢).
٥٤ - عبد العزيز ابن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خلف، الإمام العلامة شيخ الشيوخ شرف الدّين أبو محمد الأنصاري الأوسي الدّمشقيّ ثم الحموي الشّافعيّ الأديب الصاحب ابن قاضي حماة ويعرف بابن الرّفّاء.
стр. 14498
ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة بدمشق، ورحل به والده وهو صبي، فسمعه جزء ابن عرفة، من ابن كليب، والمسند كله من عبد الله بن أبي المجد الحربي، وحدث بالجزء نحواً من ستين مرة بدمشق، وحماة، وبعلبك، ومصر، وروى المسند غير مرة، قرأه عليه الشيخ شرف الدّين الفزاري وغيره، وقرأ الكثير من كتب الأدب على أبي اليمن الكندي، وسمع منه أيضاً، ومن: أبيه، وأبي الحسن علي بن محمد بن يعيش الأنباري، وأبي أحمد بن سكينة، ويحيى بن الربيع الفقيه، وتفقه وبرع في العلم والأدب والشعر، وكان من أذكياء بني آدم المعدودين، وله محفوظات كثيرة، وسكن بعلبك مدة، وسمع بها من البهاء عبد الرحمن، وحدث معه، وسكن دمشق مدة، ثم سكن حماة.
وكان صدراً محتشماً، نبيلاً، معظماً، وافر الحرمة، كبير القدر. روى عنه: الدّمياطيّ، وأبو الحسين ابن اليونيني، وأبو العباس ابن الظاهري، وقاضي القضاة أبو عبد الله بن جماعة، وأبو عبد الله ابن الفخر البعلبكي، وأبو محمد عبد الخالق بن سعيد، وأبو محمد صالح بن ثامر قاضيا بعلبك، وأبو العباس الفزاري خطيب دمشق، وأبو المظفر موسى ابن اليونيني، وأبو الفضل الأسدي الصّفّار، وأبو الخير محمد ابن المجد عبد الله، وأخوه محمد، وأبو محمد إبراهيم بن داود المقرئ، وأبو العباس أحمد بن فرج اللخمي، وأبو الفتح نصر بن سليمان المنبجي، وأبو عبد الله ابن الزراد، وأبو المظفر يوسف ابن قاضي حران، وخلق سواهم.
وقد قرأت له عدة قصائد على تاج الدّين عبد الخالق، قرأها عليه، ومن شعره:
شرحت لوجدي في محبتكم صدراً … وصبرني صحبي فلم أسْتَطِع صَبْرا
وقلتُ لعُذّالي: أَلَمْ تَعْرِفُوا الهَوَى … لقد جئتم شيئًا بعذْلِكُم نُكْرا
لَعَمْري لقد طاوعتُ رائدَ لَوْعَتي … عليكم وما طاوعتُ زيدًا ولا عَمْرا
خليليَّ ها سقط اللَّوَى قد بدا لنا … فلا تقطعاه بل قِفَا نَبْكِ من ذِكْرى
فيا يوسُف الحُسْنِ الّذي مُذْ علقته … بسيْارة من فكرتي قلت: يا بُشْرى
стр. 14499
بدا فاسْتَرقّ العالمينَ جمالُه … فمن أجلِ هذا جل بالبخ أنّ يُشْرى
لقد حَلَّ من سرّي بوادٍ مقدِّسٍ … ليقبس من قلبي الكليمِ به جَمْرا
وأَذْكَرَ آيات الخليلِ عِذَارُهُ … بجنّتِه الخضراء في ناره الحمرا
وأجَّج كَرْبي فترةٌ من لِحاظِه … فأرسلت دمعاً حرم النوم والصبرا
فلا تعجبوا للسَّيفِ والسَّيل واعجبوا … لأجفانه الوَسْنَى ومُقْلَتي العَبْرا
وتُوُفّي في ثامن رمضان (١).
٥٥ - عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن علي الإمام القاضي الخطيب عماد الدّين أبو الفضائل الأنصاري الخزرجي الدّمشقيّ الشّافعيّ ابن الحرستاني.
ولد في سابع عشر رجب سنة سبعٍ وسبعين وخمسمائة بدمشق، وسمع من أبيه قاضي القضاة جمال الدّين، ومن: الخُشوعيّ، والبهاء ابن عساكر، وحنبل، وابن طبرزد، وغيرهم، وتهاون أبوه وفوَّته السماع من يحيى الثقفي وطبقته، والسماع رزق، وتفقه على والده وبرع في المذهب، ودرّس وأفتى وناظر.
وولي قضاء القضاة بعد والده من جهة السلطان الملك العادل، وقد ناب عن والده في القضاء ثم عزل؛ ودرس بالغزالية مدة وولي الخطابة مدة، وكان من كبار الأئمة وشيوخ العلم، مع التواضع والديانة وحسن السمت والتجمل، وولي مشيخة الأشرفية بعد ابن الصلاح.
روى عنه: الدّمياطيّ، وبرهان الدّين الإسكندراني، وابن الخباز، وابن الزراد، وناصر الدّين ابن المهتار، ومحمد ابن المحب، ومحيي الدّين إمام المشهد، والكمال محمد بن نصر الله الكاتب ابن النحاس، وآخرون.
ومات في التاسع والعشرين من جمادى الأولى (٢).
٥٦ - عبد الملك بن نصر بن عبد الملك بن عتيق بن مكي، الشيخ الإمام شرف الدّين، أبو المجد القرشي الفهري المقرئ النحوي.
ولد بالإسكندرية سنة تسعٍ وسبعين وخمسمائة، وسمع من أبي الحسن
стр. 14500
الحافظ، واشتغل بالأدب وبرع فيه، وأقرأ مدةً، واشتهر باللغة والنحو، وانتفع الناس به، وحدث، كتب عنه الشريف، وقال (١): توفي في رابع عشر ربيع الأول بمصر.
٥٧ - عبد المنعم بن أبي بكر بن أحمد، القاضي أبو الفضل الدّمشقيّ الدقاق.
حدث عن: حنبل، ومات في صفر، قاله الشريف (٢).
٥٨ - عبد الوهاب بن عبد العزيز بن عبد الوهاب بن مهدي، العدل أبو محمد الدمراوي.
روى عن حماد الحراني، ومات بالإسكندرية في ثاني عشر جمادى الأولى (٣).
لا أعرفه، ثم وجدت أن الشيخ شعبان روى لنا عنه.
٥٩ - عثمان الفخر المصري، المعروف بعين غين.
قال أبو شامة (٤): جاءنا الخبر من مصر بوفاته.
قلت: وكان لنا صاحبٌ فقيه حج عام حججت وكان كثير التحصيل، واسمه الفخر عثمان المصري، لقبه ابن الوكيل عين غين لصغر عينه الواحدة، مات في حدود السبعمائة.
٦٠ - عفيف الدّين ابن أبي الفوارس.
شاب فاضل متميز في الكتابة، حاذقٌ بالحساب، مطبوعٌ، ماهر.
ولي عمالة الجامع، وعمالة الأيتام معاً، فعاجلته المنية، ودفنه أبوه المسكين بالتربة التي أنشأها لنفسه في حائط بستانه المجاور للشبلية الخانكاه، ثم صار البستان والتربة إلى عز الدّين ابن السويدي فدفن بالتربة أيضاً.
توفي العفيف في رجب، وهو أخو نجم الدّين عامل الصدقات الآن (٥).
стр. 14501
٦١ - علي بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن منصور بن مؤمل، المحدث العالم ضياء الدّين أبو الحسن ابن البالسي المعدل الخطيب.
ولد سنة خمسٍ وستمائة بدمشق، وأسمع من: حمزة بن أبي لقمة، وأبي محمد ابن البنّ وغيرهما، وأجاز له التاج الكندي، وغيره، وطلب الحديث، وسمع من: زين الأمناء، وأبي القاسم بن صصرى، وابن الزبيدي، ومكرم، وخلق بعدهم، وحج سنة ثمان وعشرين فسمع بمكة من أبي الحسن القطيعي، وأبي علي الحسن ابن الزبيدي، ونسخ بخطة المنسوب الكثير، وعني بالطلب وحرص وأسمع أولاده شيوخنا، وارتزق بالشهادة وتميز فيها.
روى لنا عنه ولده أبو المعالي، وروى عنه الدّمياطيّ في معجمه.
وذهب هو وابنه إلى مصر في شهادةٍ فأدركه أجله في رابع صفر بالقاهرة (١).
٦٢ - عمر، الملك المغيث فتح الدّين ابن السلطان الملك العادل سيف الدّين أبي بكر ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن العادل.
تملك الكرك مدةً، قُتل أبوه وهذا صغير، فأنزل إلى عمة أبيه فنشأ عندها، ولما مات عمه الملك الصالح أيوب أراد شيخ الشيوخ ابن حمويه أن يسلطنه فلم يتم ذلك، ثم حبس بقلعة الجبل، ثم نقله ابن عمه الملك المعظم لما قدم فبعث به إلى الشوبك فاعتقل بها، وكان الملك الصالح نجم الدّين أيوب لما أخذ الكرك من أولاد الناصر داود استناب عليها وعلى الشوبك الطواشي بدر الدّين بدر الصوابي، فلما بلغ الصوابي قتل المعظم ابن الصالح أخرج الملك المغيث من قلعة الشوبك وسلطنه بالكرك والشوبك، وصار أتابكه.
وكان المغيث ملكاً كريماً، جواداً، شجاعاً، محسن السيرة في الرعية، غير أنه كان ما له حزم ولا حسن تدبير، ضيع الأموال والذخائر التي كانت بالكرك من ذخائر الملك الصالح، فلما قل ما عنده ألجأته الضرورة إلى الخروج من الكرك، وذلك لأن الملك الظاهر نزل على غزة في ربيع الآخر سنة إحدى وستين وهو على قصد الكرك، فنزلت إليه والدة المغيث فأكرمها،
стр. 14502
وبقيت الرسل تتردد إلى المغيث وهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى خوفاً من القبض عليه، ثم إنه خرج منها، فلما وصل إلى خدمة الملك الظاهر تلقاه، وأراد أن ينزل له فمنعه، وسايره إلى باب الدهليز، ثم أنزل المغيث في خركاه واحتيط عليه، وبعث به إلى قلعة مصر مع الفارقاني، فكان آخر العهد به.
قال قطب الدّين (١): أمر الملك الظاهر بخنقه، وأعطى لمن خنقه ألف دينار، فأفشى الذي خنقه السّر، فأُخذ منه الذهب وقتل، وكان قتل المغيث في أوائل سنة اثنتين، وكان (٢) مولد أبيه في سنة خمس عشرة وستمائة، وخنق أيضاً في سنة خمسٍ وأربعين أو سنة ستِّ، وعاش المغيث نحو ثلاثين سنة كأبيه، وكان (٣) للمغيث ولدٌ صبٌي أعطاه السلطان إمرة مائة فارس.
٦٣ - فاطمة بنت أبي الثناء محمود بن عبد الله بن محمد ابن الملثم العادلي، أم شهاب.
سمعت من البوصيري والأرتاحي، وعاشت اثنتين وثمانين سنة، روى عنها الدّمياطيّ، وغير واحد.
وماتت في رابع رجب (٤).
٦٤ - قريش بن حجاج، أبو هاشم القرشي المصري المقرئ الضرير.
سمع: أبا المجد القزويني، وابن باقا، كتب عنه: الدّمياطيّ، والشريف عز الدّين، (٥) والدواداري، وغيرهم. ومات في تاسع عشر شوال عن ثلاث وسبعين سنة.
٦٥ - محمد بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن معروف، أبو عبد الله الأنصاري، الدّمشقيّ، البزاز بجيرون، المعروف بالبابشرقي.
ولد سنة أربعٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع من: الخشوفي، وأحمد بن حيوس الغنوي، وعبد اللطيف بن أبي سعد، والعماد الكاتب، وحنبل المكبر،
стр. 14503
وابن طبرزد، وجماعة.
روى عنه: الدّمياطيّ، وابن الخباز، ومحمد ابن المحب، وأبو عبد الله ابن الزراد، وفاطمة بنت الرهاوي، وغيرهم.
وقد كتب عنه ابن الحاجب، وقال: لم يكن محمود السيرة، كان يلي جباية الخراج.
توفي البابشرقي في الثامن والعشرين من ربيع الأول (١).
٦٦ - محمد بن الحسين بن إسحاق العلوي الحسيني.
حدث عن ابن جبير الكناني، وعنه الدّمياطيّ، وقال: قتل سنة اثنتين وستين.
٦٧ - محمد بن حمدان بن جراح، الفقيه العالم شرف الدّين أبو أحمد النميري الجزري الحراني الشّافعيّ الأديب إمام مسجد تربة القضاة بكفر بطنا.
شيخ فاضل من طلبة ابن الصلاح، سمع من ابن اللتي، وجماعة، وسكن كفر بطنا، وجاءته الأولاد، وكان يدخل ويحضر المدارس، ويقول الشعر، وينبسط ويقول: أنا زعيم بني نمير.
روى عنه الدّمياطيّ من نظمه، وقال: ولد بعد التسعين وخمسمائة، ومات في رمضان، وذكر أنه كان خطيباً بكفر بطنا، فسألت ولده النجم محمود، فقال: لم يخطب بها قط (٢).
٦٨ - محمد ابن الإمام الفقيه عبد القادر بن أبي عبد الله، البغدادي الأصل المصري، أبو عبد الله.
روى عن: أبيه، والحافظ ابن المفضل، وعاش تسعاً وسبعين سنة، توفي في ربيع الآخر (٣).
٦٩ - محمد بن علي البكري المراكشي، والد الأجل أبي الحسن علي وأبي الفرج عبد الرحمن.
стр. 14504
مات بدمشق في ذي القعدة (١).
٧٠ - محمد بن علي بن عبد الوهاب بن محمد بن أبي الفرج، القاضي الإمام زين الدّين ابن القاضي موفق الدّين الإسكندراني، قاضي الإسكندرية وخطيبها.
روى عن: علي ابن البناء، والحافظ ابن المفضل، روى عنه الدّمياطيّ، وغيره، وكان صدراً، محتشماً، وافر الجلالة، ولأهله الآثار الجميلة والأوقاف والخير بالإسكندرية.
توفي في عاشر رجب (٢).
٧١ - محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة، الإمام محيي الدّين أبو بكر الأنصاري الشاطبي.
ولد سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وسمع من أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي القاضي، ثم حج ورحل إلى العراق، فسمع من عبد السلام الداهري، وعمر بن كرم، وأبي علي ابن الجواليقي، ومحمد بن محمد بن أبي حرب النرسي، وشرف النساء بنت الآبنوسي، وأبي المنجى ابن اللتي، وجماعة كثيرة. وولي مشيخة دار الحديث البهائية بحلب، ثم دخل ديار مصر وولي مشيخة دار الحديث الكاملية إلى حين وفاته.
روى عنه: الدّمياطيّ، وعلم الدّين الدواداري، وشرف الدّين محمد بن النشو القرشي، وغيرهم.
وكان فاضلاً متفنناً، كثير المعارف، ذا تصوفٍ ولطفٍ، وكرم أخلاق، ولين جانب، وله مصنفات في التصوف.
توفي في العشرين من شعبان بالقاهرة (٣).
وقد روى عنه الفخر التوزري بمكة الموطأ بسماعه من ابن بقي.
٧٢ - محمد بن أبي بكر بن سيف، الفقيه شمس الدّين التنوخي الموصلي ابن الوتار، خطيب المزة.
стр. 14505
توفي بالمزة في ذي الحجة، وله نيف وثمانون سنة، له شعر حسن، وكان مولده بالموصل سنة تسع وسبعين وخمسمائة (١).
٧٣ - محمد ابن الأمير أبي العلاء بن أبي بكر بن مبارك، مجد الدّين أبو عبد الله النجمي الموصلي الأصل المصري، المعروف بابن أخي المهتر.
ولد بالقاهرة سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وسمع وهو كهل من: مكرم، وعبد القادر بن أبي عبد الله البغدادي، وكان فاضلاً رئيساً، من بيت تقدم، تولى عدة ولايات، وحدث.
والمهتر: بكسر الميم وتاء، مستفاد مع المهير بضم الميم وياء.
توفي في ثاني جمادى الآخرة بالقاهرة (٢).
٧٤ - محمود بن محمد بن حسن، أبو الثناء البسطامي الصوفي.
ولد سنة ثمانٍ وسبعين بالقاهرة، وسمع من عبد اللطيف بن إسماعيل الصوفي.
قال الدّمياطيّ: قرأت عليه قبل الاختلاط، وتوفي في ثاني عشر جمادى الأولى، وكان مولده يوم موت الشيخ روزبهان (٣).
٧٥ - موسى السلطان الملك الأشرف، مظفر الدّين ابن السلطان الملك المنصور إبراهيم ابن الملك المجاهد شيركوه ابن الأمير ناصر الدّين محمد ابن الملك أسد الدّين شيركوه بن شاذي الحمصي.
ولد سنة سبعٍ وعشرين وستمائة، وتملك حمص بعد موت أبيه سنة أربعٍ وأربعين، ووزر له الصدر مخلص الدّين إبراهيم بن إسماعيل بن قرناص، واعتضد بالملك الصالح صاحب مصر، فعظم ذلك على صاحب حلب وأخذ منه حمص، وجرت له أمور، ثم سار مع صاحب الشام الملك الناصر لقصد الديار المصرية، فأسر في وقعة العباسة سنة ثمانٍ وأربعين، وبقي محبوساً في قلعة الجبل إلى أن وقع الصلح في سنة إحدى وخمسين، وأُطلق فيمن أُطلق،
стр. 14506
وعاد إلى معاداة الملك الناصر، وكان له مكاتبات إلى التتار وله قصادٌ، لما بقي بالرحبة وتلك البلاد المتطرفة، فلما ملك هولاوو قصده فأقبل عليه وأكرمه، واستعان به في تسلم القلاع، ثم ولاه نيابة الشام، وأعاد إليه مدينة حمص، ولما مر به الملك الناصر تحت حوطة التتر نزل به، فلم يلتفت عليه ووبخه وعنَّفه، ثم إن الملك المظفر قطز بعث إليه يستميله ويلومه على ميله إلى العدو المخذول، ويعده بأمور، فأجاب، فلما طلبه النوين كتبغا لحضور المصاف تمرض واعتل بالمرض، وكان إذ ذاك بدمشق، فلما انكسرت التتار هرب هو والزين الحافظي والتتار، ثم انفصل عنهم الملك الأشرف من أرض قارا وسار إلى تدمر، وراسل السلطان، فَوفَى له، فقدم عليه دمشق، فأكرمه وأقرَّه على مملكة حمص، فتوجه إليها.
ثم غسل فعائله بالوقعة الكائنة على حمص سنة تسعٍ وخمسين، وثبت وكسر التتار، فنبل قدره، ورأى له الملك الظاهر وأعاد إليه تل باشر، فلما قبض الظاهر على المغيث عمر المذكور في هذه السنة تخيل الأشرف من الملك الظاهر، وشرع في إظهار أمورٍ كامنة في نفسه، وعزم الملك الظاهر على الوثوب عليه، فقدر الله مرضه ووفاته، ويقال إنه سقي.
ذكره قطب الدّين، فقال (١): كان ملكاً حازماً، كبير القدر، يقظاً، خبيراً، شجاعاً، كبير النفس، له غور ودهاء، وكان وافر العقل، قليل البسط والحديث، يقيد ألفاظه ويلازم الناموس حتى في خلواته، ويحذو حذو الصالح نجم الدّين أيوب، وخلّف أموالاً عظيمة من الجواهر والذهب والذخائر، وتسلم الملك الظاهر بلاده وحواصله، توفي في صفر بحمص وله خمسٌ وثلاثون سنة، ودفن بتربة جده الملك المجاهد.
وقال أبو شامة (٢): كان شاباً عفيفاً، له صلاتٌ إلى من يقصده، وكسر التتار بحمص.
وقال ابن شداد: ملك الرحبة، وحمص، وتدمر، وزلوبية بعد أبيه، وخرج من دمشق مع الناصر في نصف صفر، ففارقه من الصفين، وسار إلى
стр. 14507
تدمر وسار إلى هولاكو، وهو على قلعة حلب، فتوسط بينه وبين أهلها حتى سلموها في ربيع الأول، وبقي عنده يسفر بينه وبين من في القلاع، فلما رد هولاكو، ولاّه على الشام بأسره نيابةً عنه، ورد إليه بلاده.
٧٦ - نصر بن تروس بن قسطة، أبو محمد الإفرنجي القضائي الزكوي.
سمع من أبي اليمن الكندي، روى عنه: الدّمياطيّ وكناه أبا الفتح، وكان تاجراً بقيسارية الفرش بدمشق، ومات في جمادى الأولى (١).
٧٧ - نصير (٢) بن نبا (٣) بن صالح، بدر الدّين أبو الفتح التميمي المصري الكتبي المحدث.
عُني بالحديث والسماع وتحصيل الأصول، وسمع الكثير، ومات شاباً (٤).
٧٨ - لاجين، الأمير، حسام الدّين، الجوكندار، العزيزي، من كبار الأمراء بدمشق.
كان فارساً شجاعاً حازماً، له في الحروب آثار جميلة خصوصاً في وقعة حمص الكائنة في سنة تسعٍ وخمسين، وكان محباً للفقراء وأخلاقهم، كثير البر بهم، يجمعهم على السّماعات التي يضرب بها المثل.
قال قطب الدّين (٥): كان يَغرَم على السماع الواحد ثمانية آلاف درهم، توفي في المحرم، وخلف تركةً عظيمة، ودفن بجوار الشيخ عبد الله البطائحي، وقد ناهز الخمسين، وقيل: إنه سقي، وإن مملوكاً له واطأ عليه، طلبني ليلةً فحضرت السماع بداره بالعقيبة، فرأيت من الشموع الكبار الكافوري والأتوار الفضة والمطعمة ما يقصر عنه الوصف، ثم مد بعد المغرب سماطاً نحو مائة زبدية عادلية، في الزبدية خروفٌ صحيح رضعي، وقريب ثلاثمائة زبدية، في كل زبدية ثلاثة طيور دجاج، وغير ذلك من الأطعمة، قال: وبعد العشاء
стр. 14508
شرعوا في الرقص، فرقص بين الفقراء سالكاً من الأدب معهم ما لا مزيد عليه. فلما فرغت النوبة مد صحون الحلواء والقطائف السكرية، فأكلوا بعضه وأخذ عامة ذلك الفقراء في خرقهم، ثم رقص هو وغلمانه والمشايخ، فلما فرغوا مد فواكه في غاية الكثرة والحسن. وكان ذلك في آخر الشتاء. وكان يدخرها من كفربطنا وزيدين وغير ذلك، فإنها كانت إقطاعه. ثم غنوا ثالث نوبة ومد مكسرات، فرفع الفقراء عامة ذلك. وكان الماء بالثلج والسكر والمسك والمباخر بالند والعنبر طول الليل، فلما كان وقت السحر أدخل الفقراء إلى حمام ابن السرهنك المجاور لداره، فدخل كثيرٌ من الجماعة ولم أدخل أنا، فخدمهم بنفسه وغلمانه وكسا جماعةً لما خرجوا ثياباً وسقاهم السكر ومد لهم ططماجا (١) وخلع على المغاني عدة أقبية فاخرة، وكان هذا السماع في آخر سنة تسعٍ وخمسين واللحم بسبعة دراهم (٢) والغرارة بثلاثمائة درهم.
٧٩ - يحيى بن بكران الجزري، زين الدّين الجزري (٣)، التاجر.
سكن دمشق، وصار من عدولها، وولي ديوان الحشر وغيره، ومات في شعبان (٤).
روى لنا ولده عن البكري حضوراً.
٨٠ - يحيى بن علي بن عبد الله بن علي بن مفرج بن أبي الفتح، الإمام، الحافظ، المحدث، رشيد الدّين، أبو الحسين القرشي، الأموي، النابلسي، ثم المصري المالكي، العطار.
ولد سنة أربعٍ وثمانين وخمسمائة وسمع من أبيه أبي الحسن وعمه أبي القاسم عبد الرحمن، وأبي القاسم البوصيري، وإسماعيل بن ياسين، وعلي بن حمزة الكاتب، والأثير أبي الظاهر بن بنان، وعبد اللطيف ابن أبي سعد ومحمد بن عبد المولى، ومحمد بن يوسف الغزنوي، والعماد الكاتب، وابن نجا الواعظ وزوجته فاطمة، وحماد الحراني، وعلي بن خلف الكومي، ومحمد بن يوسف الآملي، وابن المفضل الحافظ وعنه أخذ علم الحديث.
стр. 14509
وسمع بدمشق من الكندي وابن الحرستاني وابن ملاعب؛ وبمكة والمدينة من جماعة. وخرج عنهم معجماً.
وروى الكثير وأفاد وانتخب. وكان ثقةً، ثبتاً، عارفاً بفن الحديث، مليح الخط، حسن التخريج.
قال الشريف عز الدّين (١): كان حافظاً ثبتاً وإليه انتهت رياسة الحديث بالديار المصرية، ووقف جملة كتبه. وسمعت منه وصحبته مدة.
قلت: وروى عنه الدّمياطيّ وأبو الحسين اليونيني وقاضي القضاة أبو العباس بن صصرى وأبو محمد شعبان الإربلي وعبد الرحيم الساعاتي وأبو المعالي ابن البالسي، وعبد القادر الصعبي، وأبو بكر بن أبي الحسن بن الحصين، والتاج أبو بكر بن عبد الرزاق العسقلاني، وأحمد بن محمد بن الإخوة، والكمال عبد الرحمن بن يعيش السبتي، وداود بن يحيى الفقير، ويوسف الكفيري الفراء، وأبو الفتح إبراهيم بن علي ابن الخيمي، وخلق كثير.
ومات في ثاني جمادى الأولى بمصر، وقد ولي مشيخة الكاملية ست سنين.
٨١ - يوسف بن يعقوب بن عثمان بن أبي طاهر بن مفضل، جمال الدّين، أبو المظفر الإربلي، ثم الدّمشقيّ الذهبي.
ولد ظناً سنة تسعين وخمسمائة. وسمع بإفادة عمه عز الدّين عبد العزيز من أبي طاهر الخُشوعيّ، وحنبل، وابن طبرزد، والكندي، وجماعة، ولكن لم يظهر سماعه من الخُشوعيّ إلا بعد موته، وكان رجلاً جيداً خيراً. وكان خيراً من ابنه أبي الفضل محمد بكثير.
روى عنه الدّمياطيّ، زين الدّين الفارقي، وأبو علي ابن الخلال، والبرهان الذهبي، وابن الخباز، وعلاء الدّين الكندي، وأبو الفضل الإربلي ولده، حدثنا عنه، عن عبد المجيب بن زهير، ومات في ثالث ذي الحجة، ودفن بسفح قاسيون (٢).
٨٢ - أبو بكر بن مهلب بن يوسف، أبو يحيى المرادي، الألشي.
стр. 14510
أخذ القراءات عن أبي جعفر بن عون الله الحصّار تلاوةً في سنة ستمائة، وروى عن جماعة. وولي قضاء بلده، روى عنه الناس، ومات سنة اثنتين، وستين. قاله ابن الزبير.
٨٣ - أبو القاسم بن منصور، القباري الزاهد، وسماه الإمام أبو شامة (١) محمداً.
وكان شيخاً صالحاً، عابداً، قانتاً، خائفاً من الله، منقطع القرين في الورع، والإخلاص، وكان مقيماً ببستانٍ له بجبل الصيقل بظاهر الإسكندرية، وبه مات، وبه دفن بوصيةٍ منه.
قال أبو شامة (٢): كان مشهوراً بالورع والزهد، وكان في غيطٍ له هو فلاحه يخدمه، ويأكل من ثماره وزرعه، ويتورع في تحصيل بذره حتى بلغني أنه كان إذا رأى ثمرةً ساقطة تحت أشجاره لم يأكلها خوفاً من أن يكون حملها طائرٌ من بستان آخر، وكنت اجتمعت به سنة ثمانٍ، وعشرين مع جماعة، فصادفناه يستقيّ على حماره، ويسقي غيطه من الخليج، فقدم لنا من ثمر غيطه، وحدثني القاضي شمس الدّين ابن خلكان، عن المجد ابن الخليلي أن الأثاث المخلف عنه، كان له أو كان لغيره، قيمته نحو خمسين درهماً، فبيع بنحو عشرين ألف درهم للبركة.
وقال الشريف (٣): توفي في سادس شعبان. وكان أحد المشايخ المشهورين بكثرة الورع، والتحري، والمعروفين بالانقطاع والتخلي، وترك الاجتماع بأبناء الدنيا، والإقبال على ما يعنيه، وطريقه قل أن يقدر أحدٌ من أهل زمانه عليها، ولا نعلم أحداً في وقته، وصل إلى ما كان عليه من خشونة العيش والجد والعمل، وترك الاجتماع بالناس، والتحرز من الرياء والسمعة. كان تزوره الملوك فمن دونهم، فلا يكاد يجتمع بأحدٍ منهم، قال: وبالجملة فلم يترك بعده مثله، ﵀.
قلت: وبعض العلماء أنكر غلوه في الورع، وقال: هذا نوع من
стр. 14511
الوسواس في الطهارة، والنبي ﷺ يقول: بعثت بالحنيفية السمحة (١).
قلت: والجواب عنه أنه مأمورٌ بما كان عليه من الوسوسة في الورع بقوله ﵇: دع ما يريبك (٢) إلى ما لا يريبك. ولولا ارتيابه لما بالغ في شيء، وغلبة الحال حاكمة على العلم من بعض الصالحين، وأيضاً فمن الذي قال: إنه كان يتورع عن الحرام فقط. بل قد يتورع الإنسان عن الحرام، والمشتبهة، والمباح، ولا يوجب ذلك على غيره، بل، ولا على نفسه. وهذا الرجل فكان كبير القدر، له أجران على موافقة السنة، وأجرٌ واحدٌ على ما خالف ذلك، لأنه حريصٌ على ابتغاء مرضاة الله، مجتهد في خلاص نفسه. و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ والله لا يسأل العبد لم لا أكلت كل مباح، بل يسأله لم أكلت الحرام، ويسأله لماذا حرمت على نفسك ما أبحت لك مع علمك بإباحتي له، لا مع جهلك بالإباحة. هذا مع التسليم بأن الورع بالعلم أفضل، وأرفع، وذلك حال الأنبياء صلوات الله عليهم، مع أن لهم فيه شرائع، وطرائق كطريقة سليمان ﵇ في الملك، والإكثار من مباحات الدنيا، وطريقة عيسى ﵇ في السياحة، والإعراض عن الدنيا بكل وجه، وكطريقة داود في أمورٍ، وطريقة إبراهيم الخليل في قرى الضيف، وأشرف طرقهم، وأفضلها طريقة نبينا ﷺ ، فإنها حنيفية إبراهيمية، سمحة، سهلة، برئية من الغلو والتعمق والتنطع. اللهم استعملنا بها، وأمتنا على محبتها، واكفنا الوقيعة في عبادك الصالحين.
فمن مناقب القباري رحمة الله عليه:
قال العلامة ناصر الدّين أبو العباس أحمد ابن المنير الإسكندراني في مناقب القباري رحمة الله عليه، وهي نحوٌ من خمس كراريس، قال: كان الشيخ في مبدئه قد حُبِّب إليه سماع العلم، وبُغض إليه تناول غير ميراثه من أبيه، فلا يذكر منذ عَقَلَ أمره أنه قبل من أحدٍ لقمةً ولا ثمرة. حتى كان له جارٌ
стр. 14512
في الكرم، وقف به يوماً، وهو يبيع الرطب، فعرض عليه رطبةً استحسنها، وسأله أن يأكلها، فقال: لا. فألح عليه، وحلف عليه جاره يميناً: لا آكل لك شيئاً. فكان بعد يتأسف ويتندم على يمينه.
قال: وكان يحضر مجالس العلم على ثقل سمعه، فإذا انقضى الدرس سأل من أترابه أن يعيدوا له بصوتٍ عالٍ كلام المدرس.
قال: وكان قل أن يدعو لأحدٍ، بل يطلب منه الدعاء، فيقول للطالب: ما تحتاج. ويقول لآخر: ما أشتهي لأحدٍ من الأمة إلا خيراً. ويقول لآخر: أود لو كان الناس كلهم على الخير. ويقول لآخر: أحب لكل أحدٍ ما أحبه لنفسي.
قال ابن المنير: وقال لي مرةً: يطلب أحدهم مني الدعاء بلسانه، ويظهر لي من قرائن أحواله أن قلبه غافل، وأن نفسه قاسية على نفسه، فكيف أرقّ أنا عليه، وكيف أدعو له بلا رقة؟
قال: وحضر عندي بعض أصحاب الكامل، وهو في غاية البذخ، عليه الملبوس الفاخر، وعلى الباب المراكب الثمينة، وبين يديه المماليك، وهو يتحدث مع رفيقه، ويتضاحكان، ثم سألني الدعاء، فأجريته على العادة، فناقشني، وقال: ما الناس إلا يتحدثون بأنك لا تدعو لأحدٍ معين، وينتقدون ذلك، فقلت: ألست تعلم أن الدعاء طلب العبد الضعيف من الرب الرحيم؟ قال: بلى، فقلت: أيطلب منه برقة أم بقسوة؟ قال: برقة، فقلت: ما أجدها عليك، لأني ما وجدتها منك، فبأي لسانٍ أدعو، وإن شئتم الدعاء باللسان فهو البيدق الفارغ بلا قلب.
وقال لي (١): أقمت زماناً أصافح تمسكاً بالحديث، ثم وجدت النفس عند المصافحة تتصرف في الإنسان فرب، ودودٍ تبسط الكف له بسرعة، ورب آخر تتكلف له، فقلت: العدل خيرٌ من المصافحة، فتركتها. وقد قال مالك: ليست من عمل الناس، وربما قال: الأمر فيها، واسع.
وكان ﵀ لا يأذن لأحدٍ من أرباب الدنيا، والولايات في الدخول عليه متى شاء.
قال لي: فتحت الباب فرأيت جندياً فقلت: من أنت؟ قال: أنا الذي توليت الإسكندرية. وكان ثاني يوم قدم فقلت: وما حاجتك؟ قال: أن تأذن لي كلما أردت أن أجيء ليكون حضوري بدستور منك عام. فأجرى الله
стр. 14513
على لساني أن قلت له: لا آذن لك لأنكم عندي كالمرض لا آذن له إذا استأذن، ولكن إذا دخل بقضاء الله صبرت عليه، وانفصل عن ولاية الثغر هذا الأمير من خمسٍ وعشرين سنة، فوالله ما أتم الشيخ لي الحكاية حتى أقبل هذا الأمير بعينه فقلت: سبحان الله، فقال الشيخ: اسأله عن هذه الحكاية لعله يذكرها فسألته فقال: أذكرها، وكنت أحكيها دائماً في مصر، والشام.
وكان ﵀ يقول: لو علمت أن الملوك والأمراء لا يأخذهم الغرور بإقبالي عليهم لأقبلت، ولكنهم يظنون أنهم لمجرد الزيارة ينتفعون، وأن الإقبال عليهم دليل الرضى عن أفعالهم. ولو علمت قابلاً للنصيحة لدخلت إليه أنصحه. لما جاء الملك الكامل، وخطر له أن يخرج إلى عندي جاءت له مقدمات من مماليك، وحجاب، وصادفوني أسلق الفول لعشائي، وكنت حينئذٍ لا أحب داخلاً، فقلت لرجلٍ كان عندي: السلامة، والكرامة في أن يحال بيني، وبينه.
فلما جاء إلى بابي قيض الله له بعض نصحائه فقال له: المملكة عظيمة، وقد صحبك العسكر بجملته، وأنت بين أمرين: إما أن يأذن لك، أو يحجبك. وإذا أذن لك صَّرفك كالآحاد، ونصحك بما لا تطيق فعله، فإن فعلت تغيرت عليك قواعد كثيرة، وإن تركت قامت الحجة. والمصلحة عندي الاقتصار على الوصول إلى الباب، فبلغني أنه قال: خار الله، وقد حصلت النية. فانصرف راجعاً. فقلت للشيخ: إن الناس يقولون إنك حجبته. فقال: ما حجبه إلا الله.
قال المؤلف: عرضت على الشيخ كثيراً من حكايات مشايخ الرسالة إلى أن أتيت على أكثر ما في رسالة القشيري فقال لي يوماً: ما أحب أن أسمع شيئاً خارجاً عن الكتاب، والسنة، وكلام الفقهاء.
وكان يمكّن الأطفال من دخول بستانه، فإذا ميز الطفل حجبه، ويقول: من ادعى أنه معصومٌ فقد ادعى ما ليس له في الغيب.
وكان يقول: سبق إلى ذهني في مبدأ العمر اختيار بستان في الرمل من متروك أبي أنقطع فيه، لأجل أن ماءه نبعٌ، وأستريح من شية ماء النيل، وإجرائه في الخليج بعمل. فمنعني من ذلك أن الحريم يكثرن هناك، ولا يستتر بعضهن، ولا يسلم المقيم من النظرة، فلما كثر الفساد صار الناس يقصدونه في
стр. 14514
الربيع للنيرة، والخضرة، فما زالوا حتى انتزح هذا الماء عنه بالكلية، وبقي صفصفاً موحشاً.
وكان أنشأ فيه تيناً، ورماناً، وزرجوناً، كان الناظر يقضي منه العجب، إلا أنه ما باع منه ثمرة، فكان يقدد التين، ويتخذ من الرمان عسلاً يستغني به عن العسل، ويتخذ من العنب خلاً وزبيباً، فعزم بعد على قطع الكرم لئلاً ينتقل إلى من يبيعه للذمة عصيراً، فقيل له: قطعه إضاعة مالٍ متيقن لأجل مفسدة موهومة. فتوقف وفي نفسه حسكة. فاتفق أن النيل تأخر عنه فيبس فقلعة، قال لي: وعوضني الله عن تلك الثمار بالشعير، والفول.
ومن نوادره أنه وجد في قمح اشتراه من الفرنج حبات تشبه الشعير، نحو حفنة، فازدرعها، وأقام يقتات منها مدة عشرين سنة. وكان يعجبه أنها متميزة في نباتها، وفي سنبلها. وكان إذا حصدها نقاها سنبلة سنبلة، فإن وجد غريبة تركها، وكذا كان شأنه فيما سقط من الثمار لا يتناوله، لاحتمال أن الطير نقلته. وأما النخل الملاصق لجيرانه فكان يبيحه لهم. وكذا لما بنى بينهما حائطاً احتاط، وأخرج من أرضه قطعة لهم.
وقال: طبخت يوماً فكان الهواء يسوق الدخان إلى جاري، فحولت القدر في الحال، وأبعدتها عنهم.
وقطع نخلة فوقع سعفها على حائط الجار فقال: علم الله أنها لم تضرهم إلا أنها نفضت الغبار على الجدار. فعد الشيخ ذلك تصرفاً في ملك الغير. وكان لجماعةٍ فيهم أطفال، وغيب، وأوجب على نفسه لهم شيئاً، وأعطاهم.
وكان يقول: إن كان هذا، واجباً فقد خلصت منه، وإن كان غير واجب فهو صدقة مستورة باسم الحق، وكذلك كان يقول في ترجيحه في الوزن وأخذه ناقصاً.
قال المؤلف (١): حدثني ثقة قال: خرجت يوماً إلى الشيخ ومعي الموطأ فقال لي: فيه حديث عائشة أن النبي ﵇ كان يدني إليها رأسه وترجله وهو معتكف، فهل كان ترجله بمشطٍ أو بغيره؟ فبدرت، وقلت: ما يكون الترجيل إلا بالمشط.
فقال: ويكون بالأصابع أو بعود، كما ورد في الحديث
стр. 14515
الآخر أن رجلاً اطلع على النبي ﷺ ، وبيده مدرى يحك بها رأسه. والمدرى العود المحددة بخلال فكان الشيخ لا يستعمل المشط، لأنه ما وجده في الخبر صريحاً فقيل له: أما هو مباح؟ قال: الاستكثار من المباح ذريعةٌ إلى الوقوع في المكروه.
وكان إذا ذبح دجاجة نتفها ويقول: السمط يجمد الدم. وقد جاء ما أكل النبي ﷺ سميطاً (١).
وكان لا يكربل الدقيق الشعير للحديث الوارد في ذلك، بل كان ينفخه، ويقول: بلغني عن الأطباء أنه أحمد عاقبة، وكان يعجبه الطب إذا اقتضى خشونة أو تركاً بالكلية. ويكره الملعقة، وكان ينبسط، ويقول: أكلت لوناً غريباً. فأقول: ما هو؟ فيقول: صببت في القصعة ماءً قراحاً، وصبغت به الكسرة. وكان لوناً نظيفاً.
وكان يقال له: أليس المسك طاهراً؟ فيقول: هو طاهر للطيب، فهل تجدون أن النبي ﷺ أكله!.
وقال: لو فتشوا على الملح ما وجدوه يخلص، إما من تقدم الملك على الملاحات، وإما من رسم ضمان، وإما من تغالب بين الملاحين، ولو لم يكن إلا جمل الجمال، وكان يكره استعمال الجمال، وهو ما يقتنيها إلا العرب. وقد شاهدتم أحوالهم ونهبهم، وصُف لي ملح بالمصليات فسافرت إليه، وأخذت منه حاجتي طول عمري.
وقال في تركه الثمار تحت الشجر: هب أنها مباحة، أنا تركت هذا المباح. وتذكر قوله ﵇: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وقوله: الحلال بين (٢). وقوله: لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها (٣).
стр. 14516
وكان قد لقيها على فراشه. أفليس من النادر المستبعد أن يكون من تمر الصدقة، فإن تمر الصدقة كان لا يدخل بيته.
وكان إذا سمع الناس ينسبونه إلى الورع ينكر ذلك، ويقول: إن الورع الذي يسيرون إليه أن يترك الإنسان الحلال المحض تقللاً. وأين الحلال؟ علم الله أنني ما وجدته قط. أيكون أكثر من أن أمد يدي فآخذ من البحر حوتاً بلا آلة. فما نفسي بذلك طيبة لأن القوة التي بسطت بها يدي، إنما نشأت من هذه الأقوات المشتبهات.
وكان يقول: إذا كان لا بد من اللقاء فالتواني من علامات الشقاء، فاعمل لدار البقاء، وليوم ينادى عليك: عبدٌ أطاع، أو عبدٌ طغى.
وكان يقول: لا آكل شيئاً بشهوة، وإنما آكله ضرورة. ولو جاز لي لتركته.
قال المؤلف: والظاهر أن الشهوات كانت قد خملت عنه بالكلية.
كان يقول: هذا الشواء عندي كالجيفة، وما أنا به جاهل، كنت آكله في الصبا، فسبحان مقلب القلوب، وربما سأل خادمه: ماذا أكلت؟ فربما قال: مضيرة. فيقول: يا بطن الجيفة، أما تبصر ما يقاسي أرباب الكروم من رعاة الماعز.
وكان يقول: سمعت عن حذيفة ﵁ أنه قال: أدركت زماناً يقال لي فيه: عامل من شئت. ثم أدركت زماناً يقال فيه: عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً، ثم أدركت زماناً يقال لي فيه: لا تعامل أحدًا إلا فلاناً وفلاناً، ثم أنا في زمانٍ ما أدري من أعامل، ثم يقول الشيخ: إذا كان هذا حذيفة وزمانه فكيف بزماننا ً؟.
أمر السلطان بأن يكون نصيب بيت المال من موجود الشيخ صدقة عن الشيخ، ونزل الوارث، والموصى له عن نصيبهما من الأثاث لله، فصار الكل لله، فاجتمعوا لشرائه، فتزايدوا حتى بيع منه شيءٌ يساوي درهماً بنحو الألف.
وما زال الناس يتنافسون في آثار الصالحين، وهذه تركة ابن الزبير ما ظنوا أنها تبلغ مائة ألف، فأبيعت وبورك فيها، فبلغ الدرهم أكثر من خمسمائة.
وكان ﵀ قد اختار زراعة الفول الرومي، لأن زريعته من بلاد الفرنج، ولا تستطيع العصافير نقله، فأقام يقتات الفول، وحده أربعين سنة. وقلَّ أن يكون صندوق عند أحدٍ من التجار، والمعتبرين إلا وفيه من ذلك الفول.
стр. 14517
لأنه أخذ منه بعضهم عشر فولات. وكانت له إحدى عشرة شدة، فوضع في كل شدة فولة، وبقيت شدة لم يضع فيه، فاتفقت له جائحة في الطريق أصابت الشدة، وحدها، وحمى الله البواقي. فلما أكثر الناس الحكاية عنه تركه واقتات بالشعير. وقد تجذَّم في أكل الفول، وتفتت جسمه، وكان صديده يغلب الماء، وبقي مدة. وقيل: ما عليه أضر من الفول فإنه يولد السوداء. فقال: إن الذي جعله داء قادر على جعله دواء. ولم يزل يستعمله حتى عوفي. فكان يحكي ذلك، ويقلب بدنه ويقول لي: هل ترك له أثراً أو شراً؟ فلا أرى شيئاً.
وكان لا يشرب من صهاريج السبيل، وقال لي: هذه الأمور صدقات، والصدقات أوساخ الناس، واجتنابها مأثور.
وقال لي: أقمت أربعة أيام لا أجد ما أشتريه فطويتها، ولم أجد جوعاً سوى تغيرُّ يسير في الصوت.
وكان لا يخرج بحماره إلا مكمماً. وقال لي: دخلت البلد زمن الصبا فوقفت عند حداد، والمقود بيدي، فلم أشعر إلا ورجل أراني طرف ردائه قد مضغه الحمار فقرض منه، فأعطيته قيمة ما أفسد فقال: تصدق بها علي. فقلت: لا. ومذهبنا أن المديان إذا قال له رب الدّين: لا أجده، وأنا أُسقطه عنك، فقال: لا أجد شيئاً أجبر رب الدّين على القبض، وللمديان حقاً في خلاص ذمته بلا منة.
وكان يقول مع ذلك: لا أحرّم غير الحرام، لكن لي أن أترك ما شئت تركه من المباحات عندهم، والمشتبهات عندي، فنحن على وفاق.
قال المؤلف: وكان في مبدأ أمره بمكة، وقد نهب العراقي في بعض السنين، فامتنع حينئذٍ من معامل أهل مكة مطلقاً، وبقي يقتات الأرز مصلوقاً (١) من الأرز المجلوب، حتى قرحت أشداقه، وإلى أن أُقعد ومرض.
وكان إذا تصرف له، وكيله ناوشه الأسولة (٢)، وناقشه، وكان إذا سأل عن مسألةٍ فذكر له فيها نص مالك سأل عن دليله، إلى أن يمعن في الكشف، فيقف
стр. 14518
على موضع حجته من الكتاب والسنة. فإذا قيل له: مستنده القياس فكر، فربما استنبطه من النص. لقد رأيته يدقق على الأذكياء، فإن لم يقدر رجع إلى الاحتياط بالترك أو بالتشديد على النفس. وإن كان لا يحتمل الاحتياط لتعارض المحظور من الجانبين كشف عنه المذاهب وحججها، وفي الآخر يرجع إلى التقليد بعد أن يستحضر الكتب التي فيها المسألة، ويشترط على من يحضرها أن لا تكون عاريةً ولا حبسا، وأن يكون الكتاب ملكاً نظيفاً للمحضر، فإذا وقف على المسألة أعطى المحضر بحسب الحال، إما فضة وإما مأكولاً وقال له: هذه مكافأة لا أجرة، لأن العلم لا يؤخذ عليه أجرة، وكان كثيراً ما يطلب مذهب أحمد ويقول: كان صاحب حديث، ويذكر أنه سمع مسنده بمكة، فيقال له: أفلا نسمعه منك؟ فيقول: هذا ما تقلدته، ولا سمعته إلا لنفسي خاصة.
وكان عجز عن الطواف والتعبد، فجعل عوض ذلك الجلوس للسماع.
قال: فجعلت مجلسي إلى جنب القارئ لثقل سمعي، فسمعت منه جملةً.
قال المؤلف: كان عجباً فيما يسمعه ما أظنه سمع شيئاً فنسيه.
وكان يحفظ الجمع بين الصحيحين من زمن الصبا، استكتبه ودرسه، وكان يحفظه باختلاف الطرق والألفاظ، وبالفاء والواو إلى منتهى العبادات، وكثيراً من أحاديث القدر.
وكان يأخذ ارتفاع الشمس بالميزان. وكان قل أن يتكلم إلا متبسماً منشرحاً. فإذا أقبل على مقدمات الصلاة كان كأنه مصاب بولد أو محتضر، ويتوضأ لكل فريضة.
وقال: كنت يوماً في هذه الغرفة، فإذا ثعبان عظيم مطوق، فأخذت آلةً لقتله، وقلت له: حتى أنذرك ثبت هذه الأولى. فثبت على حاله، فقلت: انصرف وإلا قتلتك هذه الثانية. فأمتد، فرأيت هولاً مهولاً، فقلت له: الثالثة ما بقي سواها. فتحرك، واستدار، وصفّر، وأخرج يدين على صورة الحرذون، فقلت: ما أنت ثعباناً، ولا حرذوناً. وعرفت أنه جان.
وقال: كنت أربط الحطب، فإذا بي قد أحسست ألماً في عقبي، فظننتها شكة دخلت فيه، فلما أكملت ربط الحزمة نظرت فإذا حنش قد التف على
стр. 14519
ساقي، وقد نهشني، ونشبت أنيابه، فأُلهمت أن قبضت على حنكه وخنقته ففتح فاه وتخلص نابه، وانبعث الدم، قال: فطرحت الحنش ومسحت الدم، وما زدت على أن توضأت، وغسلت مكان النهشة، وأحسست بالسم إلى أن صعد إلى وسطي فوقف، فلما كان بعد سنةٍ صار مكان اللسعة بثرة، فقرضتها بالمقراض، فخرج منها ماءٌ أصفر، فقدرت أنه السم دار في بدني، ثم عاد إلى موضعه، وكفى الله.
وكان في جبهته ثؤلول تزايد حتى صار سلعةً، فكنت أراه وقت السجود يجتهد في تمكينه من التراب. ثم تفاقم أمره. وكان يهاب أن يكلم في مثل هذا. فدخلت يوماً فوجدت تلك السلعة قد ذهبت بقدرة الله، ومكانها كأن لم يكن فيه شيء غير أثرٍ يسير جداً. فقلت له حينئذٍ: الحمد لله على العافية. فقال: كانت تشوش علي في السجود، وما كان لها دواء إلا تمكينها من التراب، فلم أشعر بها إلا وقد انفقأت.
وقد تزوج بصبية في شبيبته، ولم يدخل بها. وطلقها لّما تجذّم.
وقد ضعف بصره في الآخر، فأصبح يوماً قلقاً وقال: دعوت البارحة: إن ابتليتني بشيءٍ فلا تبتليني بالعمى، وإن كان ولا بد فلا تمهلني بعد بصري. ودمعت عيناه عند الحكاية، فأحسست أنه لا بد له من العمى. وعمي قبل وفاته بخسمة عشر يوماً. انفقأت عيناه إلى داخل، فكان ماؤهما يسيل من أنفه.
واحتاج في الآخر إلى زوجةٍ فباع الدابة، واستعان بما يصرفه لعلفها في حق الزوجة. واتفق أن أباه، وجد الجرة التي يشرب منها الشيخ قد وصلتها الشمس، فحولها إلى الظل، وكانت طريقة الشيخ تقتضي أن هذا القدر يمنعه من الانتفاع لأنه يرى بها منفعة لم يعاوض عليها. فلما استدعى الماء قالت له الزوجة: ما هاهنا ماءٌ تشربه. فسألها عن القضية فأخبرته، فأعجبه نصحها، وبات وأصبح صائماً وطوى حتى جاء الذي كان يستقيّ له.
سألته كم لك ما أوقدت عليك سراجاً؟ فقال: نحوٌ من ستين سنة، ما تركته عن علم بما، ورد في الحديث، والبيوت ليس فيها مصابيح. ولكن بلغني بعد. وإنني لما انقطعت عن الناس اتفق ليلة ً أن السراج انطفأ لعارضٍ، فوجدت نفسي قد استوحشت لفقده فقلت لها: تري هذا شغلاً معبراً، وأنساً منقطعاً، لا
стр. 14520
حاجة لي فيه. وكنت بمكة شاباً، وإلى جانبي جندي، فلما كان الليل سمعته يقدح، وبيننا كوة، فأغمضت عيني ليلتي كلها.
وكان يقول: الدنيا دار أسبابٍ، من زعم أن التوكل إسقاط السبب بالكلية فهو غالط.
وقال: قال لي صوفي: نحن ما نرى الأسباب، فقلت له: ما صدقت لو صفع الأبعد إنسانٌ أكنت لا تراه البتة ولا يؤثر فعله فيك؟ فسكت، فقال: أما أنا فأرى الأسباب لكن ما أقف عندها.
خرج إلى الشيخ وزير والساقية تدور بالدولاب، فأراد أن يبسط المجلس فقال: يا سيدي أيش ترى في بغلتي ندورها في الساقية؟ فقال له: ولا أنت ما أرى أن أدورك فيها. فانبسط الرجل؛ ثم قال الشيخ على عادته: ارحلوا. فقال الوزير: لماذا تطردنا؟ قال: لأن القعود معكم ضياع.
وخرج إليه أكابر فقال، واحدٌ منهم: هذا طبيب السلطان، يعني الكامل، فقال الطبيب: ما نحن أطباء بل نحن أعِلاء، إنما الأطباء الأولياء. قال الشيخ: وأشار إلي. فلم أقره فقلت: اعلم أن مثل المشار إليه بالولاية كمثل الطبيب، كم علل من عليل فما أفاد. أما داويت أحداً فمات، ولم ينجع فيه الدواء؟ فقال: كثير. فقلت: وكذا الجانب الآخر.
وكان يرى أن ترك التسبب والاعتماد على الفتوح غلط، ويقول: انتقل من سبب نظيفٍ إلى سببٍ وسخ. وذلك لأن الاحتراف سبب شرعي، والكدية سببٌ مذموم، وليته يبسط يده خاصة، ولكنه يقول: أنا صالح فأعطوني. ترى ماذا يبيعهم إن باعهم عمله فبيع الدّين بالدنيا كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، لعله عند الخاتمة يوجد مفلساً، فالحبس أولى به. وصدق الشيخ، قال بعض المشايخ: من قعد في خانقاه فقد سأل، ومن لبس مرقعة ً فقد سأل، ومن بسط سجادةً فقد سأل.
وقال: هممت بمكة بالتجرد وبيع الأملاك وإنفاقها، ثم التحول إلى الشام، والاقتناع بمباح الجبال، فسألت فصح عندي أنه ليس في الجبال ما يقيم البنية دائماً، فقلت: ما بيدي أنظف من الحاجة إلى الناس. أردت أن أعيش فقيراً ذليلاً، وأراد الله لي أن أعيش غنياً عزيزاً، فله الحمد. وعزمت على
стр. 14521
الإقامة بالبرلس (١) لأستريح من شبهة ماء النيل الجاري في الخليج. فإذا أكثر عيش أهلها السمك، وهو بضمان. فقلت: شبهة ماء النيل أخف. وكان يستحسن طريقة سلمان الفارسي، ويحصل قوت كل سنة، وكان النبي ﷺ يستعد من خيبر قوت عياله سنة (٢).
وله في ورعه حكايات، ذكرها المؤلف منها أن بعضهم رآه يحصد في بستانه، ويترك أماكن، فسأل الشيخ، وألح عليه فقال: إن ظلال نخيل الجار الساعة ممتدة، وأنا أتحرى أن لا أستظل بظله. فإذا زال الظل حصدتها، وكان إذا انفلتت له دجاجةٌ إلى الطريق تركها بالكلية، لأنه يجوز أن تكون التقطت شيئاً، وكان يشترط على الفرنج فيما يشتريه منهم من الحيوان أن لا يكون قد شرب من ماء الثغر، ويحلفهم، وأن لا يكون مشتركاً ولا غصباً. ومهما لاحت له شبهة تركه، وكانوا يتنافسون في معاملته ويغتبطون، وقال: خرج رسولهم إلي مع الوالي، فأردت أن يعلم الحال فقلت للترجمان: أعلمه أنني ما أعاملهم إلا لأنهم عندنا غير مخاطبين بالحلال والحرام، فهم كالبهائم، وأما المسلمون فإنهم قاموا بالوظيفة العظمى، فخوطبوا بالحلال والحرام. فالمسلمون هم الناس. فأنا كمختار السياحة بين الوحوش، ومزاحمتها في أرزاقها. وما ذاك لفضل الوحوش على الإنس، بل لطلب السلامة.
وكان يقول: لا ينالني من مصر إلاّ الماء، وليته كان صافياً. يشير إلى ما ينفق في عمل الخليج.
وكان يقول: من ادعى أن المحسن والمسيء يستويان فقد ادعى عظيماً، وقال: لولا الطباع لكان المحسن هو المسيء والمسيء هو المحسن.
وبعث إليه الملك العادل ألف دينار فشدد في النفور والنكير.
وحج مرةً إلى دمشق على حمار، ومنها إلى مكة على جمل. وتزود إلى دمشق خرج خرنوب، ونزل بظاهرها على حافة النهر، قال: ونفد مني الخرنوب فسألت فإذا كل ما بدمشق مضمناً حتى الملح، فدللت على حوارنة يجلبون تيناً يابساً، فجلب لي رجل خرجاً من تين فكان زادي إلى المدينة
стр. 14522
فاحتجت إلى الزاد بها فاشتريت تمراً زودني إلى مكة.
وكان يقول: أنا القباري ولي أكثر من ستين سنة ما قدرت أن آكل قبارة ً لأجل الشركة.
وكان من الشجعان المعدودين. كان في أوائل شبابه قد لقي أربعة عشر نفساً من الشلوح بمطرق كان معه فأجلاهم بالليل حتى بلغوا باب القنطرة، وبلغني أنه قال: إذا أخذت مطرقاً لقيت ثلاثين لا أبالي بهم، وبلغ من قوته في صباه أنه كان يرفع المواهي (١) مترعةً بحيث لو اجتمع عليها أربعة لكاعوا في رفعها، فيرفعها بإحدى يديه إلى ظهر الدابة، وحكى عن نفسه أنه كان يطلع النخلة ثم يلقي البطاسية، ويسبقها إلى الأرض.
وحدث أنه كان بالجانب الغربي من أهل العرامة والذعارة قطاع طريق يسفكون الدماء، فتفاقم أمرهم، وعجزت الولاة عنهم سنين، فقدر الله أنهم امتدوا إلى بستانه، فأصبح فوجد آثارهم فقال: كأنهم، وقعوا عندي، وقعوا ورب الكعبة، فأصبح، ففي ذلك اليوم بعينه أُمسكوا وصُلبوا، وقبل موته نشأت صفقة من جنس هؤلاء فعاثوا نحو السنة، فنزلوا قصراً قريباً من الباب، وقتلوا على باب الشيخ رجلاً، فقال الشيخ: كأنهم دبوا إلينا، يقعون إن شاء الله. فأخذوا بعد قيل. وكانوا ثلاثة.
وكان له في الجمع بين الطريقة والشريعة عجائب. كان يقول لي: قوله ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هذه حقيقة. ثم ينتهي إلى قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ هذه شريعة، ويقول: الحجة في الشريعة، ولا حجة لنا بالحقيقة، ويقول: أكثر ما تؤتى المتصوفة من ملاحظة الحقيقة مع الإعراض عن الشريعة، وهذه ضلالة.
اتفق أن بعض الملوك قدم الإسكندرية قبل أن يتسلطن، فخرج بعض الخربندية لأخذ حطب الناس، فأخذوا من غيط الشيخ جملين جريداً، فجاء جاره فخوفهم، فلم يفكروا وراحوا. فجاء الأميران المحمدي وشمس الدّين سنقر، فذكر لهما الجار القصة، فساقا على آثار الجمال، فهرب الخربندية، واستاقا الجملين إلى الغيط، فدخل إليه جاره، وعرّفه القصة فقال: أما أنا فما
стр. 14523
بقيت أنتفع بهذا، لأنه شيءٌ، قد عصي الله فيه، وقد صار لك فيه حق، ولهذين الأميرين ولأصحاب الأرض التي سلكها الغاصب. فأخذه المعرف، وكافأ الشيخ الأميرين بشيء.
وقال مرةً لرجل: أما أنا فما أعلق قلبي منه لا بطعامٍ، ولا بشراب، أأكون بهيمة هنا وبهيمةً هناك همه بطنه؟ إنما أطلب منه الرضى، وما عداه فضلة.
قال المؤلف: لأن غاية نعيم المؤمنين أن يحل الله عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبداً، وهو أفخر العطايا.
وقال لي بعض الأكابر بعد وفاة الشيخ ﵀: هل عاينت منه خارقاً أو تكلم معك على خاطر؟ فقلت: لا، إلاّ شيئاً خفياً من جنس الفراسة، هذا على أنني سمعت في حياته وبعد وفاته ممن صحبه أنه كان يحدثهم بما صنعوا في بيوتهم مما فيه نصيحة أو في ذكره فائدة. قال لي ابن القفاص الفقيه: تزوجت وأعرست، فأرقتُ ليلةً، ولم أدخل إلى فراشي، فانقبضت العروس لانقباضي، فلما خرجت إليه قال لي الشيخ: ويلك أخطأت في المعاشرة، شوشت الليلة على أهلك بانقباضك، واستنادك إلى الخزانة. وكان فكري يضيق بي فناولني الشيخ عشرة دراهم، وقال: خذ بهذه شيئاً يصلح لغداء العرائس.
وذكر ابن القفاص عدة كراماتٍ أوردها المؤلف. وذكر حكاية في ذاك المعنى عن الصاحب بهاء الدّين، عن الشيخ خضر الكردي شيخ الملك الظاهر، عن الشيخ.
ثم قال: ولما جاء الصاحب بها الدّين إلى البلد عزم أن لا يدخلها حتى يزور الشيخ. وكنت معه، فلما وصلنا إلى قصر الشيخ، نزل الصاحب من بعيد، وقالوا للشيخ، فقال: الفقيه معه؟ قالوا، نعم. فقال: وما تريد؟ قال: البركة. فسكت ونحن وقوف. فقلت للصاحب: اجلس. فقال: لا. وغلبت عليه الهيبة وتجلد. وطال وقوفه، فقلت للصاحب. اطلب منه شيئاً خاصاً. فقال: الموعظة، فقلت للشيخ: هو يطلب الموعظة. فقال: هو يحفظ القرآن؟ قلت: نعم. قال: اقرأ معه سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فقرأنا إلى قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ فقال: إذا علمت فإنه يراك، اعرف كيف تكون والسلام. فانصرف على ذلك.
стр. 14524
وكان يقول لطالب الدعاء، والزيارة: الذي علم نيتك يكافئك عليها.
وحدثني من لا أتمارى فيه خيراً ونبلاً قال: وصلت مع أخي في حياة الملك الصالح، فتحادثنا في الزيارات، وعزمت على زيارة الشيخ، وحملت أخي على ذلك، فعارضني من أصحابنا فلان، وفلان بكلام فيه غضاضة في حق الشيخ، فأنكرت عليهما، وبكرت إلى الشيخ، واستغرقت في النظر إليه وهو عند الساقية ووقفت وإذا بحس البغال في خلفي، فقلت في نفسي: هذا فلان وفلان وهما على نيةٍ رديئة، وهذا رجلٌ مكاشف، فما أتممت الخاطر إلا وغاب الشيخ عن بصري، فهجمت الغيط مما غلب على الحال، وقلت: لعل تحت رجليه غار دخل فيه. فلم أجد شيئاً إلا البطامية، فظننت أنه انبطح فيها، فتأملتها فلم أر شيئاً. فخرجت إلى أولئك وخاصمتهما، وحكيت لهما القصة.
قال المؤلف: وسن الشيخ نيفٌ وسبعون سنة. وكان بعضهم يظن أنه في عشر المائة، وذلك لأنه من صغره كان يسمى بالشيخ.
آخر ما اخترته من مناقب القباري، ويكون خمسة كراريس، ما ذكر فيها اسم الشيخ، ولا وفاته، ولا حليته، فرحمه الله ورضي عنه آمين (١).
وفيها ولد:
الشيخ شهاب الدّين محمد ابن المجد عبد الله بدمشق، وأحمد ابن شيخنا علي بن محمد بن هارون الثعلبي، وفتح الدّين محمد بن عثمان بن أحمد بن عثمان، وأحمد بن علي بن أيوب بن علوي العلامي؛ ولدوا بمصر وسمعوا من النجيب، وكمال بن محمد بن كمال الصالحي، سمع الكرماني والزين عبد الرحمن بن علي بن حسين بن مناع التكريتي، والمحدث شمس الدّين محمد بن عبد الرحمن بن سامة، والقاضي شمس الدّين محمد بن أبي بكر ابن النقيب، والشرف عبد الله ابن الشيخ العزّ الحنبليّ، والقاضي شمس الدّين محمد بن مسلم، وكمال الدّين إبراهيم ابن الوجيه بن مُنجى، وأحمد بن القاضي تقيّ الدّين سليمان، ورحمون المؤذن.
стр. 14525
سنة ثلاث وستين وستمائة
٨٤ - إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز بن الحسن بن علي، وعلي هو القاضي الزكي ابن القاضي المنتجب أبي المعالي محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز، المحدث، العالم، معين الدّين أبو إسحاق القرشي، الدّمشقيّ.
له سماع من أبي صادق بن صبّاح، وأبي المنجى ابن اللتي، وأكثر عن كريمة والمتأخرين، وعني بالحديث، وكتب الكثير بخطه المنسوب، ولم يزل يسمع إلى أن مات، وروى اليسير، سمع منه المعين ابن الجنيد جزأين عن ابن اللتي.
وكان حسن الفهم، قوي المعرفة. عاش ستين سنة إلا أشهراً، توفي في ثامن ربيع الأول فجاءةً، وهو سبط القاضي محيي الدّين محمد ابن الزكي (١).
٨٥ - إبراهيم بن محمد بن أحمد بن هارون، الحافظ، الحجة، الواعظ، أبو إسحاق ابن الكماد السبتي.
يروي عن أبي عبد الله التجيبي نزيل تلمسان، وأبي الحجاج ابن الشيخ، وأبي ذر الخشني، ومولده في حدود الثمانين، وخمسمائة.
وقد ذكرت موته في عام ستين على ما حدثني به ابن عمران السبتي (٢)، ثم قرأت في برنامج أبي جعفر بن زبير قال: وأبو إسحاق أحفظ من لقيته لحديث رسول الله ﷺ . ولقد ذكر لي شيخنا أبو الخطاب بن خليل على جلالته، وسنه أنه لم يلق أحفظ من ابن الكماد. كان في حفظ الحديث آية من الآيات.
قلت: يعني للمتون.
قال: ولما قدم الأندلس أبو النعيم الواعظ المعروف بابن راضية قافلاً من المشرق، مرتكباً في وعظه طرائق تلحينية يركبها على أبياتٍ أرق من النسيم، ويقرأ بين يديه قرّاء قد أحكم تدريبهم، فاستجابت لذلك العامة، فلما فعل ذلك بإشبيلية وبها ابن الكماد إذ ذاك، أنكر ذلك كل الإنكار، وأبدا في ذلك وأعاد، وحمله ذلك على أن جلس على المنبر للوعظ على سنن السلف. ففعله
стр. 14526
إلى أن مات، فحضرت مجالسه فسمعته يسرد أحاديث، ويتبعها بفقه وبيانٍ ما يعرض فيها، ويورد من الخلاف ما يلائم الحال، وكانت معيشته من تفقدات الإخوان وهداياهم. وربما نبه في مجلسه إذا صمت ضرورة. توفي في سنة ثلاثٍ وستين، ﵀.
وقد تقدم في سنة ستين أنه كان من جملة محفوظاته سنن أبي داود.
٨٦ - إبراهيم بن يحيى بن محمد بن موسى، العلامة، أبو إسحاق التجيبي، التلمساني، الفقيه المالكي، المعدل.
كان فاضلاً صالحاً، ورعاً، بارعاً في العلوم. صنف في شرح الخلاف (١) كتاباً نفيساً في عدة مجلدات، أحسن فيه ما شاء. ودرس، وأعاد، وأفتى، وحدث عن: أبي الحسن علي ابن البناء (٢).
٨٧ - أيبك، أبو سعيد، وأبو محمد عز الدّين، عتيق القاضي جمال الدّين المصري.
حدث بالمدينة والجبل عن: الخُشوعيّ، وصار وكيلاً عند القضاة مدةً، وولد بقبرس سنة خمسٍ وثمانين تقريباً، روى عنه الدّمياطيّ، ومحمد ابن المحب، وابن الزراد، وابن الخباز، والبدر ابن صبيح المؤذن، وآخرون.
توفي في ثالث جمادى الآخرة (٣).
٨٨ - التاج الإسكندراني، المعروف بالشحرور.
توفي بدمشق.
وهو أبو بكر عبد الله. يأتي (٤).
٨٩ - حمزة بن محمد بن الحسين بن حمزة، القاضي أبو يعلى البهراني، الحموي، الشّافعيّ، محيي الدّين قاضي حماة.
ولي القضاء سنة اثنتين وأربعين وستمائة، فبقي عشر سنين ثم عُزل.
стр. 14527
سمع من أمه صفية بنت عبد الوهاب، وخالته كريمة، روى عنه الدّمياطيّ، وغيره (١).
٩٠ - خالد بن يوسف بن سعد بن الحسن بن مفرج بن بكار، الحافظ المفيد، زين الدّين، أبو البقاء النابلسي ثم الدّمشقيّ.
ولد بنابلس سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة، وقدم دمشق فنشأ بها، وسمع من بهاء الدّين القاسم ابن عساكر، ومحمد بن الخصيب، وحنبل وابن طبرزد وطائفة، ورحل فسمع ببغداد من الحسين بن شنيف، وأبي محمد بن الأخضر، وابن منينا، وطبقتهم، وكتب وحصل الأصول النفيسة، ونظر في اللغة والعربية، وكان إماماً متقناً ذكياً فطناً، ظريفاً، حلو النادرة، صاحب مزاحٍ ونوادر، وكان يعرف قطعةً كبيرةً من الغريب والأسماء، والمختلف والمؤتلف، وله صورة كبيرة، وله حكايات متداولة بين الفضلاء، وكان الملك الناصر يحبه، ويكرمه.
روى عنه الشيخ محيي الدّين النواوي، والشيخ تاج الدّين الفزاري، وأخوه الخطيب شرف الدّين، والشيخ تقيّ الدّين ابن دقيق العيد، والشيخ أبو عبد الله الملقن، والبرهان الذهبي، والكمال محمد ابن النحاس، والشرف صالح بن عربشاه، ومحيي الدّين إمام مشهد علي، وطائفة سواهم.
وتوفي في سلخ جمادى الأولى.
ومن أخباره المشهورة أن بعض جيران التربة العزية اعترض الزين، ﵀، وكان شيخ الحديث بها، فقال: أأنت تقول إن الإمام علي ما هو معصوم؟ فقال: ما أخفيك شي، وكان ﵀ يلهج بها كثيراً، أبو بكر الصديق عندنا أفضل من علي، وما هو معصوماً (٢)، وكان الزين خالد، ﵀، يجبه الناس بالحق وبالمزح، ولا يهاب أحداً، وله في ذلك أخبار، وكان ضعيف الكتابة جداً مع إتقانها. وكان يعرج من رجله، وولي أيضاً مشيخة النورية. وكان قصيراً، شديد السمرة، يلبس قصيرا.
حدث الشرف الناسخ أنه كان يحضر الملك الناصر ابن العزيز، فقام
стр. 14528
شاعر وأنشد مدحة في الناصر، فقام الزين خالد فقلع سراويله، وخلعه على الشاعر، فضحك السلطان كثيراً، وقال: يا زين الدّين، ما حملك على هذا؟ قال: ما وجدت مغرماً لا أحتاج إليه إلا اللباس. فتعجب السلطان ووصله (١).
٩١ - ضياء بن جبريل بن زوين، أبو بكر المصري الأزياري، المنادي.
روى عن الفخر الفارسي، كتب عنه الشريف عز الدّين (٢)، وغيره ومات في ذي القعدة.
٩٢ - ظافر بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد، أبو المنصور اللخمي، الإسكندراني.
روى بالإجازة عن أبي اليمن الكندي، والمؤيد الطوسي، ومات في شوال (٣).
٩٣ - عبد الله بن يحيى ابن الشيخ أبي المجد الفضل بن الحسين، العدل، الفقيه، نظام الدّين، أبو محمد ابن البانياسي.
ولد سنة تسع وسبعين، وسمع من الخُشوعيّ، وحنبل، والقاسم ابن عساكر، وعبد اللطيف ابن شيخ الشيوخ، ومنصور الطبري، وجماعة ورحل فسمع ببغداد من عبد الوهاب ابن سكينة، ويحيى بن الربيع الفقيه، وهو من بيت الحديث والعدالة والرياسة. وعنده فضيلة تامة، وفيه دين وتعبد، واطراح للتكلف.
روى عنه ابن الحلوانية، والدّمياطيّ، وابن الخباز، ومحمد ابن المحب، ومحيي الدّين يحيى بن أحمد المقدسيّ، وجمال الدّين علي ابن الشاطبي، وشمس الدّين ابن الزراد، وآخرون.
وتوفي في سابع صفر ببستانه عند بركة الحميريين. ومرض بالفالج مدةً (٤).
стр. 14529
٩٤ - عبد الله بن أبي طالب بن مهنا، الفقيه، المفتي، تاج الدّين، أبو بكر الإسكندراني، ثم الدّمشقيّ.
صحب الإمام فخر الدّين ابن عساكر، وتفقه عليه، وسمع من أبي الفضل سعد بن طاهر المزدقاني، وحنبل المكبر، وبرع في مذهب الشّافعيّ، ودرس، وحدث، وتوفي في سابعٍ (١) ذي الحجة بدمشق (٢).
روى عنه الشيخ تاج الدّين عبد الرحمن، وأخوه الخطيب شرف الدّين، وغيرهما، وكنيته أشهر (٣).
٩٥ - عبد الرحمن بن أحمد بن ناصر بن طعان (٤)، سراج الدّين، أبو عمر البصروي، ثم الدّمشقيّ، الطريفي (٥)، الصفار، الفامي، أخو عبد الله.
ولد سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة تقريباً، وسمع من الخُشوعيّ، وعبد اللطيف الصوفي، روى عنه أبو المعالي ابن البالسي، والبدر محمد ابن التوزي، والنجم ابن الخباز، والشمس ابن الزراد، والبهاء ابن المقدسيّ، وجماعة كثيرة، ومات فجاءة في أول ذي القعدة بدمشق (٦).
٩٦ - عبد الرحمن بن عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد ابن الفرس، الوزير الحافظ، اللغوي، أبو يحيى ابن القاضي النحوي أبي محمد الخزرجي، الأندلسي، أحد الأعلام.
ذكره ابن الزبير في برنامجه فقال: أخذ عن أبيه فأكثر، وعن: أبي الحسن بن كوثر، وعبد الحق بن بونه، وابن عبيد الله الحجري، وابن رفاعة.
وانفرد بالرواية عنهم، وأجاز له من المشرق الأرتاحي، والبوصيري، وجماعة. وكان ذاكراً لما يقع في الإسناد من مشكل الأسماء، ويدري كثيراً من مشكل الحديث، وغريبه، صنف كتاباً في غريب القرآن. وأسمع الحديث طول
стр. 14530
حياته، وكانت فيه غفلة قصرت به عن فضائله، وخطبته حتى استحكمت به بأخرة. وله أملاك تقوم به، مولده في سنة أربعٍ وسبعين.
قلت: أظنه مات بغرناطة.
وذكره أيضاً في صلة الصلة (١) فأثنى عليه، وقال: هو وأبوه وجده وجد أبيه مذكورون في هذا الكتاب، وكلهم مشاورٌ جليل، وله أصول وأمهات يُرجع إليها.
أخذ عنه الأستاذ أبو عبد الله ابن الطراز، وجماعة، لقد وقفت على إجازته لأبي عمر بن حوط الله في سنة سبعٍ وتسعين. وما زال يروي حتى هذا الوقت، روى عنه المحدث أبو عبد الله بن سعد، وأبو عبد الله الطنجالي، وأبو عبد الله الأبار، وأبو العباس بن فرتون، وجمال الدّين ابن مسدي نزيل مكة، وأبو إسحاق البلفيقي، والقاضي أبو علي بن أبي الأحوص، لازمته، وأكثرت عنه (٢).
٩٧ - عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الله، أبو القاسم المنبجي ثم المصري الصوفي.
شيخ صالح. سمع من أبي القاسم البوصيري، كتب عنه الشريف عز الدّين (٣) والطلبة، ومات في سابع شعبان.
وروى عنه الدّمياطيّ، والشيخ شعبان، والدويداري، وعبد المحسن الصابوني، ويوسف بن عمر الختني.
أخوه أبو عبد الله محمد بن يوسف: روى عن البوصيري، ومات سنة ثمانٍ وثلاثين، وستمائة (٤).
٩٨ - عبد العزيز بن عبد الباقي بن منجى بن خلف بن منجى.
أبو محمد الإسكندراني، المعروف بالوراق.
شيخ صالح. روى بالإجازة عن الخُشوعيّ، والقاسم ابن عساكر، ومات في جمادى الأولى (٥).