الزقزوق الأنصاري، الفاسي الأصل، المصري، الصوفي الكُتبي.
ولد سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة بمصر، وسمع بدمشق من حنبل الرصافي، وأبي القاسم بن الحرستاني، سمع منه المصريون. وروى عنه الدّمياطيّ وغيره، ومات بالقاهرة في نصف رجب (١).
٣٦١ - محمد بن محمد بن أحمد، أبو بكر بن مُشليون الأنصاري، البلنسي، المقرئ، المحدث.
كان عالي الإسناد في القراءات. أخذها عن أبي جعفر بن عون الله الحصّار، فكان آخر أصحابه واستوطن سبْتة وأقرأ بها إلى أن تحول في أواخر عمره إلى تونس فتوفي بها سنة سبعين أو بعدها بقليل، قرأ عليه القراءات الشيخ أبو إسحاق الغافقي المتوفى سنة ست عشرة وسبعمائة بسبتة.
٣٦٢ - محمد بن ملكداذ الموقاني، الفقيه نجم الدّين، معيد الباذرائية.
٣٦٣ - محمد بن أبي فِراس، قاضي القضاة سراج الدّين الهنايسي.
مات في رمضان ودفن عند معروف الكرخي، سمع من علي بن إدريس ودرّس بالبشيرية. وكان ديِّنًا، متحريًا، بصيرًا بمذهب الشّافعيّ، ﵀.
٣٦٤ - مُدللة بنت محمد بن إلياس بن عبد الرحمن بن الشَّيرجيّ، أمُّ محمد (٢) الدّمشقيّة.
خرج لها جمال الدّين بن الصابوني أربعين حديثًا بالإجازات من شيوخها، أجاز لها: عبد اللطيف بن أبي سعد والخُشوعيّ والقاسم ابن عساكر، والحافظ عبد الغني، روى عنها ابن الخباز وأبو الحسن بن العطار وغيرهما.
وتوفيت في ثاني شعبان عن ثمانين سنة (٣).
٣٦٥ - مظفر ابن القاضي مجد الدّين عبد الرحمن بن رمضان بن إبراهيم، الحكيم بدر الدّين الطبيب، شيخ الطب، المعروف بابن قاضي بعلبك.
стр. 14632
قرأت بخط الإمام شمس الدّين محمد بن الفخر أنه توفي في يوم الثلاثاء ثاني وعشرين صفر سنة سبعين، قال: وكان رئيس الأطباء شرقًا وغربًا، فيلسوف زمانه، لم نعلم في وقته مثله. انهدم بعده ركنٌ من الحكمة. وله مصنفات عظيمة النفع في الطب. ووقع له من حسن العلاج في زماننا ما لم يقع إلا للأكابر، فمنه أن الملك المنصور صاحب حماة نزل به خوانيق أشرف منها على الموت، فأنفذ إلى دمشق يطلب البدر المذكور والموفق السامري فذهبا إليه فكوياه في وسط رأسه بميل من ذهب، فبرأ وأعطاهما شيئًا عظيمًا. وكان ذلك بإشارة البدر.
قال ابن أبي أصيبعة (١): نشأ بدمشق وقد جمع الله فيه من العلم الغزير والذكاء المفرط والمروءة ما تعجز الألسن عن وصفه، قرأ الطب على الدخوار وأتقنه في أوسع وقت وحفظ كثيرًا من الكتب. وكان ملازمًا له. عرض عليه مقالته في الاستفراغ وسافر معه إلى الشرق. وخدم بمارستان الرقة. وصنَّف مقالةً في مزاج الرقَّة. واشتغل بها على الزين الأعمى الفيلسوف، ثم قدم دمشق، فلما تسلطن الجواد بدمشق استخدمه وحظي عنده وتمكن. وولاه رياسة الأطباء والكحالين والجراحية وكتب له منشورًا في صفر سنة سبعٍ وثلاثين وقد اشترى دُورًا إلى جانب مارستان نور الدّين وغرم عليها مبلغًا وكبرّ بها قاعات للمرضى وبناها أحسن بناء. وشكروه على ذلك وخدم الملك الصالح وغيره. ثم تجرد لحفظ مذهب أبي حنيفة. وسكن بيتًا في القليجية. وحرر حفظ القرآن، ثم القراءات وأخذها عن الإمام أبي شامة على كبر وأتقنها.
وفيه عبادة ودين وقد مدحه ابن أبي أُصيبعة بقصائد في تاريخه (٢). وله كتاب مفرج النفس استوفى فيه الأدوية القلبية وكتاب الملح في الطب.
٣٦٦ - مظفر بن لؤلؤ، أبو غالب الدّمشقيّ الضرير، ابن الشربدار.
يروي عن عمر بن طبرزد، توفي في جمادى الأولى (٣).
وقال ابن الخباز فيه: مظفر بن ياقوت زين الدّين الشربدار العادلي. روى عن ابن طبرزد. وولد سنة ثلاثٍ وتسعين وخمسمائة.
стр. 14633
٣٦٧ - النصير بن تمام بن معالي، أبو الذكر المقدسيّ، رئيس المؤذنين بجامع دمشق.
ولد سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة، وسمع في كهولته من ابن اللتي وحدث. وذكر أنه سمع من الكندي وكان طيب الصوت، مليح الشكل.
توفي في المحرم ودفن بمقبرة باب الفراديس (١).
٣٦٨ - يحيى بن عبد الرحيم بن المفرج بن علي بن المفرج بن مسلمة، المحدث أبو زكريا.
سمع بدمشق من أبي القاسم الحسين بن صصرى وجماعة وبمصر من عبد العزيز بن باقا، وعبد الصمد الغضاري وجماعة وكتب الأجزاء وأسمع ولده عبد الرحيم. ثم خدم بالكتابة. وتوفي بالغور في تاسع جمادى الأولى. وكان مولده في سنة أربعٍ وستمائة.
روى عنه ابن الخباز وزاد أنه سمع من أبي المجد القزويني وزين الأمناء وقال: لقبه محيي الدّين وحدثنا عنه علي بن الموفق (٢).
٣٦٩ - يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن عبدة، الصدر نجم الدّين بن اللبودي، الدّمشقيّ، الطبيب.
ترقى بالطب عند صاحب حمص ووزر له، ثم اتصل بصاحب الشام الملك الناصر فجعله ناظر الدواوين. ثم ولي ذلك في الدولة الظاهرية.
وكان محتشما، نبيلًا، جليلًا. اختصر الإشارات والمعالمين في الأصلين؛ واختصر الكليات في الطب وتوفي في ذي الحجة ودفن بتربته التي بقرب بركة الحميريين وجعل تربته دار طبِّ وهندسةٍ وقرر لها شيخًا وقُرّاءً.
وكان والده شمس الدّين محمد بن اللبُودي من كبار الأطباء. توفي سنة إحدى وعشرين وستمائة، وعمر نجم الدّين يومئذٍ أربع عشرة سنة (٣).
٣٧٠ - يعقوب بن المعتمد والي دمشق مبارز الدّين أبي إسحاق إبراهيم بن موسى، العادلي، الدّمشقيّ، الأمير شرف الدّين أبو يوسف الحنفيّ.
стр. 14634
روى عن حنبل بدمشق والقاهرة، وسمع من أبي القاسم أحمد بن عبد الله العطار، روى عنه الدّمياطيّ، وابن الخباز، وابن العطار والدويداري وجماعة.
وتوفي في ثالث عشر رجب عن ثلاثٍ وثمانين سنة (١).
٣٧١ - يوسف بن عبد الله بن عثمان، الشيخ التقيّ المقدسيّ. عرف بالكيزاني.
روى عن ابن اللتي، روى عنه ابن الخباز، والشيخ علي بن العطار.
ونزل بكفر بطنا ولقن بها وعلّم وأمَّ بمسجدٍ بها ومات بها (٢).
٣٧٢ - الرشيد أبو حليقة، الطبيب المصري المشهور النصراني. واسمه أبو الوحش ابن الفارس أبي الخير ابن الطبيب دواد بن أبي المُنى.
كان أستاذ هذه الصناعة في عصره وفيه لطفٌ وتودد ورأفة بالمرضى، اشتغل على عمه المهذب أبي سعيد بدمشق، ثم اشتغل بمصر وقرأ أيضًا على المهذب الدخوار.
ولد بجعبر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ونشأ بالرُّها وبعثه أبوه قبل الستمائة إلى دمشق فتعلم عند عمه قليلًا. ودخل القاهرة وسكنها؛ وخدم الملك الكامل وكان له إقطاع وافر. ثم خدم الصالح نجم الدّين بن الكامل وغيره. وخدم الملك الظاهر ركن الدّين.
وطال عُمُرُه واشتهر ذكره. وله نوادر في أعمال الطب تميز بها. وكان في شبيبته يعرف بابن الفارس فطلبه الكامل يومًا وقال: اطلبوا لنا أبو حليقة. فغلب ذلك عليه.
قال ابن أبي أُصيبعة (٣): وقد أحكم نبضَ الملك الكامل حتى إنه أخرج إليه من خلف الستارة مع الآدُر المريضات، فرأى نبض الجميع ووصف لهنّ، فلما وصل إلى نبضه عَرَفَه فقال: هذا نبض مولانا السلطان وهو صحيح بحمد الله. فتعجب منه غاية العجب وزاد تمكُّنُه عنده.
وقد عمل الترياق الفاروق وتعب عليه وسهر ليالي حتى عمله، فحصل للسلطان نزلةٌ في أسنانه ففُصِد بسببها وداواه الأسعد لاشتغال الرشيد بعمل الترياق، فلم ينجع وزاد الألم، فطلب الرشيد وتضور، فقال: تسوك من
стр. 14635
الترياق الذي عمله المملوك في البرنية الفضة وترى العجب، قال: وخرج إلى الباب فلم يشعر إلا بورقة بخط السلطان: يا حكيم استعملت ما قلت فزال جميع ما بي لوقته، ثم بعث إليه خِلعًا وذهبًا وقد سقى من ترياقه مفلوجًا عند السّور فقام بعد ساعتين. وسَقى منه من به حصاة ففتّتها وأراق الماء لساعته.
وله أخبار كثيرة ذكرها ابن أبي أصيبعة وقال (١): سمي بأبي حليقة لحلقة فضة كانت في أذنه عملتها أمه من الصغر وعاهدته أمه أن لا ينزعها، فبقيت لأنها كان لا يعيش لها ولد، فقيل لها: اعملي لمولودك حليقة فضة، فإذا ولد اعمليها في أذنه، فعملتها وعاش اتفاقًا، له شعر جيد ومقالة في حفظ الصحة ومقالة في أن الملاذ الروحانية ألذ من الجسمانية، كتاب الأدوية المفردة سماه المختار في ألف عقار، مقالة في ضرورة الموت (٢).
٣٧٣ - أبو القاسم بن سالم الزملكاني.
حدث عن ابن اللتي وغيره ومات في جمادى الآخرة (٣).
وفيها ولد:
فخر الدّين عثمان ابن شيخنا جمال الدّين أحمد بن الظاهري، وشمس الدّين محمد، ابن الشهاب أحمد بن محمد بن صالح العرضي، إمام مسجد الرحبة في صفر، وشهاب الدّين أحمد بن إبراهيم بن الجزري، وشمس الدّين محمد بن عبد الواحد المراكشي النحوي وبدر الدّين محمد ابن شيخنا كمال الدّين أحمد بن العطار في جمادى الأولى والصارم إبراهيم بن محمد الجندي بن الغزال، وشمس الدّين محمد ابن القاضي سالم بن أبي الهيجاء الأذرعي، والشيخ علي بن محمد الختني تقريبًا، والتقيّ عبد الملك بن أبي بكر بن مشِّرف نزيل طرابلس، والقاضي كمال الدّين أحمد بن العماد بن الشيرازي، والشيخ شهاب الدّين أحمد بن يحيى بن جهبل في المحرم، والشيخ محمد بن أحمد البالسي، وعزيز الدّين إبراهيم بن الخطيب جمال الدّين الدّينوري بكفر بطنا،
стр. 14636
الطبقة الثامنة والستون
(٦٧١ - ٦٨٠ هـ)
стр. 14637
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ومن الحوادث في هذه العشر سنين على الترتيب (١)
سنة إحدى وسبعين وستمائة
ففي المحرم سار السلطان من دمشق إلى مصر على البريد وفي صحبته البيسري، وجرمك الناصري، وآقوش الرومي، فوصلوا في ستة أيام، وأقام خمسة ورجع فوصل دمشق في خمسة.
وفي المحرم قدم الكافر صاحب النوبة فنهب عيذاب وقتل خلقا، منهم واليها وقاضيها، فسار متولي قوص وقصد بلاد النوبة، فدخل بلد الجون وقتل من فيه وأحرقه وكذا فعل بحمص إبريم وأرميا، وغير ذلك. وهو علاء الدين أيدغدي الحرب دار.
وفي جمادى الأولى بلغ السلطان وهو بدمشق أن فرقة من التتار نازلوا البيرة، فسار إلى حمص، ثم إلى بزاعة، فأخبر أن التتار ثلاثة آلاف على الفرات، فرحل إلى الفرات وأمر الجيش بخوضها، فخاض الأمير سيف الدين قلاوون وبدر الدين بيسري في أول الناس، ثم تبعهما هو ووقعوا على التتار، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا نحو المائتين، وساق وراءهم البيسري إلى سروج. أما الذين نازلوا البيرة فإنهم سمعوا بذلك، فترحلوا عن البيرة منهزمين وأتاها السلطان فخلع على الكبار وفرق في أهلها مائة ألف درهم.
وللشهاب محمود، أبقاه الله، في ذلك:
سر حيث شئت لك المُهَيْمنُ جارُ … واحكُمْ فطَوْعُ مُرادك الأقدارُ
حَمَلْتكَ أمواجُ الفُرات ومَن رَأَى … بحْرًا سِواك تُقِلُّه الأنهارُ
وتقطَّعت فرقًا ولم يكُ طَوْدَها … إذ ذاك إلا جيشك الجرار
стр. 14638
وفي جمادى الآخرة أفرج عن عز الدين الدمياطي الأمير عن تسع سنين حبسها.
وفي رجب خلع على الأمراء وفرق فيهم نحو ثلاثمائة ألف دينار.
وفي شعبان أطلق علم الدين سنجر الغتمي المعزي واشتراه السلطان.
وبعث السلطان رسل منكوتمر ابن أخي بركة ومعهم رسولا بتحف وتقادم.
وفي شوال استدعى السلطان الشيخ خضرا شيخه إلى القلعة في جماعة حاققوه على أشياء ورموه بفواحش، فأمر باعتقاله. وكان السلطان ينزل إليه ويحبه ويمازحه ويستصحبه في سائر أسفاره ويمده بالعطاء ولا يرد شفاعاته وامتدت يده ودخل إلى كنيسة قمامة فذبح قسيسها بيده ونهب أصحابه ما فيها، ثم هجم كنيسة اليهود ونهبها وبدع فيها. ودخل كنيسة الإسكندرية ونهب ما فيها وصيرها مسجدا وبنى له السلطان مسجدا وزاوية بالحسينية ومن أجله بنى الجامع بالحسينية وماتا في شهر.
سنة اثنتين وسبعين وستمائة
في المحرم توجه السلطان إلى الشام في طائفة، منهم سنقر الأشقر، وبيسري وأيتمش السعدي، فلما وصل إلى عسقلان بلغه أن أبغا قدم بغداد، فنفذ السلطان وراء الجيش، فقدموا في الشتاء ولم يكن بأس.
قصة ملك الكرج
وكان قد أتى من بلاده ليزور بيت المقدس والقمامة متنكرا في زي الرهبان هو وطائفة، فسلك أرض الروم إلى سيس، ثم ركب في البحر وطلع من عكا وأتى القدس، فاطلع الأمير بدر الدين بيليك الخزندار على أمره وهو على يافا، فأرسل من قبض عليه، ثم سيره مع الأمير منكورس إلى السلطان وهو بدمشق، فسأله السلطان وقرره بلطف حتى اعترف، فحبسه وأمره أن يكتب إلى بلاده بأسره ودخل السلطان إلى القاهرة في رجب.
стр. 14639
وفي يوم العيد ختن خضر ولد السلطان في عدة صبيان من أولاد الأمراء.
وفي رمضان توجه الملك السعيد في صحبته الفارقاني وأربعون نفسا إلى دمشق على البريد، ثم رد ثاني يوم.
وفي ذي القعدة حضر والي القرافة إلى والي القاهرة وأخبر أن شخصا دخل إلى تربة الملك المعز وجلس عند القبر باكيا، فسئل عن بكائه، فذكر أنه قليج قان ابن الملك المعز. وقد كان السلطان نفى آل المعز هذا والملك المنصور علي إلى بلاد الأشكري، فطلب وقيد وطولع به السلطان، فأحضره وسأله عن أمره، فذكر أن له في البلاد نحو ست سنين يتوكل لأجناد، فحبس بمصر وحنا عليه بعض مماليك أبيه فأجرى عليه نفقة.
قلت (١): رأيت قليج قان هذا في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، فحكى لنا أخباره وأنه ولد سنة ثمان وأربعين وستمائة وأنه نجا من بلاد الأشكري وأن أخاه الملك المنصور علي تنصر هناك وبقي إلى سنة سبعمائة أو نحوها وله أولاد هناك نصارى وأنه هو الذي باع للملك الأشرف مملوكه لاجين الذي تملك بخمسة آلاف درهم (٢).
وفيها ذكر محيي الدين ابن عبد الظاهر (٣) أنه وصل كتاب صاحب الحبشة إلى السلطان في طي كتاب صاحب اليمن وفيه: أقل المماليك أمحرا ملاك يقبل الأرض وينهي بين يدي السلطان الملك الظاهر، خلد الله ملكه، أن رسولا وصل من والي قوص بسبب الراهب الذي جاءنا، فنحن ما جاءنا مطران وبلادنا بلاد السلطان ونحن عبيده، فيأمر الأب البترك يعمل لنا مطرانا رجلا عالما لا يحب ذهبا ولا فضة ويسيره إلى مدينة عوان والمملوك يسير إلى أبواب الملك المظفر ما يلزمه ليسيره إلى ديار مصر. وقد مات الملك داود وتملك ابنه وعندي في عسكري مائة ألف فارس مسلمين، وأما النصارى فكثير وكلهم غلمانك ويدعون لك.
فكتب جوابه: ورد كتاب الملك الجليل الهمام، العادل في رعيته حطي ملك أمحرة، أكبر ملوك الحبشان، نجاشي عصره، سيف الملة المسيحية
стр. 14640
حرس الله نفسه، ففهمناه؛ فأما المطران فلم يحضر من جهة الملوك رسول حتى كنا نعرف الغرض. في كلام نحو هذا.
وأمحرا: إقليم كبير، صاحبه يحكم على أكثر الحبشة ويلقب حطي وهو الخليفة.
ومدينة عوان: هي ساحل بلاد الحبشة وأول الحبشة. وكان قد نفذ هدية من جملتها سباع، فأخذ صاحب سحرت الهدية ونهبها.
وفيها وعظ بدمشق العز عبد السلام بن أحمد بن غانم، فأعجب الناس جدا.
سنة ثلاث وسبعين وستمائة
في صفر توجه السلطان إلى الكرك على الهجن وكان قد وقع بها برج أحب أن يصلح بحضوره.
غزوة سيس
دخل السلطان ـ عز نصره ـ دمشق في آخر شعبان، ثم سار إلى سيس وعبر إليها من الدربند، فافتتحها وأخذ أياس وأذنة والمصيصة في العشر الأخير من رمضان وبقي الجيش بها شهرا وقتلوا وأسروا وسبوا خلائق وغنموا. وبقي السلطان بجسر الحديد إلى أواخر ذي القعدة.
ذكر استيلاء بيت لاون على سيس والثغور
قال العماد الكاتب (١): كانت هذه البلاد يحميها متملك الروم ويحفظها، فاستولى عليها مليح بن لاون النصراني، قال: وذلك لأن السلطان نور الدين محمود بن زنكي كان يشد منه ويقوي جأشه وكان كما يقال: قد سلط الكفرة على الفجرة. فلما تقوى مليح بن لاون وجه صاحب الروم جيشا، فكسرهم ابن لاون وأسر من مقدميهم ثلاثين نفسا. وذلك في ربيع الآخر سنة ثمان وستين
стр. 14641
وخمسمائة. فبلغ ذلك نور الدين، فأرسل خلع عليه وكتب إلى الخليفة يعظم أمره ويقول: إن مليح بن لاون الأرمني من جملة غلمانه وأنه كسر الروم ويمت على الديوان بهذا. ومن هذا الوقت تملك هذا التكفور هذه البلاد نيابة عن نور الدين لا غير واستمر على ذلك.
وبلاد سيس هذه تعرف بالدروب وتعرف بالعواصم وبها كان الرباط والمثاغرة وكان أمرها مضافا إلى مملكة مصر.
وقد افتتح أحمد بن طولون هذه البلاد فأخذها من سيما الطويل وفي أيام كافور الإخشيذي حصل التهاون في أمر الثغور، فقصدها الملك تكفور ويقال: تقفور الرومي، لعنه الله، فعصت عليه، فحرق قراها وقطع أشجارها، فبعث كافور نجدة لها.
والشرح في ذلك يطول وليس هذا موضعه وللمولى محيي الدين ابن عبد الظاهر في هذه النوبة:
يا ملكَ الأرض الَّذِي جيشُهُ … يملأ من سِيسَ إِلَى قوص
مصيصة التكفور قالت لما … بالله إفرادي وتخصيصي
كم بدن فصله سيفك الـ … ـفراء والأكثر مصيصي (١)
وفي شعبان وقع رمل عظيم بالموصل وظهر من القبلة وانتشر يمينا وشمالا حتى ملأ الأفق وعميت الطرق، فخرج الخلق إلى ظاهر البلد وابتهلوا إلى الله واستغاثوا إلى أن كشف ذلك عنهم.
وفي ربيع الآخر قتل بغرناطة الزنديق الشيخ إبراهيم الصفار، قتلوه رجما بالحجارة بأمر السلطان محمد ابن السلطان محمد بن يوسف بن نصر صاحب الأندلس، وكتب بذلك إلى المرية يعلمهم بكفره ويحذرهم من سلوك سبيله. وفي الكتاب: إنه كان يفضل إبراهيم وعيسى على نبينا ﷺ وإنه كان يفضل الولي على النبي ويستحل المحرمات وفي الكتاب: وإن هؤلاء الكفرة، يعني أصحاب إبراهيم الصفار، تلاعبوا بالدين واعتقدوا الولاية في كثير من الفساق المكبين على الكبائر، كالمشورب المشهور وأبي زيدان
стр. 14642
وأشباههما من سخفاء المجانين أو المجان. وهذا في مجلد بخط أبي الوليد المالكي.
وفيها كان القحط المفرط باليمن، حتى أكلوا الميتات.
سنة أربع وسبعين وستمائة
في شهر جمادى الآخرة نزلت التتار على البيرة في ثلاثين ألفا وأكثرهم من عسكر الروم وماردين، فبيتهم أهل البيرة وأحرقوا المجانيق ونهبوا وعادوا، فجد التتار في الحصار والقلعة بحمد الله عاصية، ثم رحلوا عنها وسلم الله وأقاموا عليها تسعة أيام. ولما بلغ السلطان ذلك أنفق في الجيش ستمائة ألف دينار وأكثر وسار، فبلغه وهو بالقطيفة رحيل التتار، فوصل إلى حمص ورجع إلى القاهرة.
ولما رحلت التتار اتفقوا مع البرواناه على منابذة ملكهم أبغا، فخلف البرواناه الأمير حسام الدين بيجار وولده بهاء الدين وشرف الدين مسعود ابن الخطير وأخاه ضياء الدين والأمير ميكال، على أن يكونوا مع الملك الظاهر، ثم كتب إلى الظاهر بذلك على أن يرسل إليهم جيشا ويحمل إلى الظاهر ما يحمل إلى التتر، ويكون غياث الدين على ما هو عليه من السلطنة.
غزوة النوبة ودنقلة
توجه من مصر جيش عليهم عز الدين أيبك الأفرم وشمس الدين الفارقاني إلى النوبة في ثلاثمائة فارس، فوصلوا دنقلة، فخرج إليهم ملكها داود على النجب، بأيديهم الحراب وليس عليهم لامة، فرموهم بالنشاب، فانهزموا وقتل منهم خلق وأسر خلق وبيع الرأس من السبي بثلاثة دراهم، ومر داود في هروبه بملك من ملوك النوبة، فقبض عليه وأرسل به إلى الملك الظاهر ووضعت الجزية على أهل دنقلة ولله الحمد.
وأول ما غزيت النوبة في سنة إحدى وثلاثين، غزاها عبد الله بن سعد ابن أبي سرح في خمسة آلاف فارس، وأصيبت في هذه الغزوة عين حديج ابن
стр. 14643
معاوية وعين أبرهة بن الصباح. ثم هادنهم عبد الله ورد. ثم غزيت في زمن هشام ولم تفتح، ثم غزيت زمن المنصور، ثم غزاها تكين التركي، ثم غزاها كافور صاحب مصر، ثم غزاها ناصر الدولة ابن حمدان، فبيتوه ورد مهزوما. وغزاها تورانشاه أخو السلطان صلاح الدين في سنة ثمان وستين وخمسمائة ووصل إلى أبريم ولم تفتح إلى الآن كما قال ابن عبد الظاهر (١):
هَذَا هُوَ الفتح لا شيء سمِعْتُ بهِ … فِي شاهد العين لا ما في الأسانيد
وفي ذي الحجة عقد للملك السعيد على ابنة الأمير الكبير سيف الدين قلاوون الألفي على صداق خمسة آلاف دينار، وكتب الكتاب محيي الدين ابن عبد الظاهر وقرأه، فخلع عليه وأعطي مائة دينار وأوله: الحمد لله موفق الآمال لأسعد حركة، ومصدق المقال لمن جعل عنده أعظم بركة، ومحقق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه وصهره ملكه؛ إلى أن قال: وبعد فلو كان إيصال كل شيء بحسب المتصل به لما استصلح البدر شيئا من المنازل لنزوله ولا الغيث شيئا من الرياض لهطوله، ولا الذكر الحكيم لسانا من الألسنة لترتيله، ولا الجوهر الثمين شيئا من التيجان لحلوله .. ومنه: فخطب إليه أسعد البرية، وأمنع من تحميها السيوف المشرفية، وأعز من تسبل عليها ستور الصون الخفية، وتضرب دونها خدور الجلالة الرضية، وتتجمل بنعوتها العقود كيف لا وهي الدرة الألفية.
وفي ذي الحجة سار السلطان إلى الكرك وجعل فيه الطواشي شمس الدين صواب السهيلي ثم قدم دمشق.
الزلزلة
وفيها كانت زلزلة عظيمة بخلاط أخربت كثيرا من دورها، وهلك جماعة تحت الردم واتصلت بأرجيش (٢) فأخربتها وخسفت منها مواضع، وأما ماردين وميافارقين فشعثت فيها.
стр. 14644
وفيها افتتح حصن القصير، وهو بين حارم وأنطاكية وكان فيه قسيس عظيم يقصد من البلاد فحاصرته العسكر الحلبي مع بلبان الرومي الدويدار، فنزل القسيس وسلمه بالأمان في جمادى الأولى. وهذا الحصن لم يفتحه صلاح الدين فيما فتح، وكان أهله أهل شر وأذية.
وفيها سير السلطان رسلا إلى الفنش صاحب إشبيلية لكونه كان بعث رسولا بتقدمة سنية، فسير السلطان الأميرين سيف الدين الجلدكي وعز الدين الكبكبي، والعدل ابن البيع، ومعهم هدية، فركبوا في البحر وتوصلوا إلى بلنسية، ثم إلى الفنش، فاحتفل لالتقائهم وبالغ في إكرامهم ثم سفرهم فقدموا مصر في صفر من سنة خمس وسبعين.
وفيها أخذ رجل وامرأة في رمضان في بغداد في حمام على الفاحشة، فأفتى الفقهاء برجمهما فحصبا بظاهر بغداد، وما رجم ببغداد أحد قبل هذين فكأنهما اعترفا.
سنة خمس وسبعين وستمائة
في أولها دخل السلطان دمشق من الكرك، فبعث بدر الدين الأتابكي في ألف إلى الروم، فوصلوا إلى البلستين، فصادفوا بها جماعة من عسكر الروم، فبعثوا إلى بدر الدين بإقامات وخدموه وسألوه أن يقتل التتر الذين بالبلستين، ويصيروا معه إلى السلطان، فأخذهم معه، ووافوا السلطان على حارم، فأكرم موردهم، ثم بعث الأمير حسام الدين بيجار إلى مصر، فخرج الملك السعيد لتلقيه، ثم قدم على السلطان ضياء الدين ابن الخطير، ورجع السلطان إلى مصر بعد ذلك.
وحضر إلى ال وم طائفة كبيرة من المغول، وقتلوا شرف الدين ابن الخطير، وبعثوا برأسه إلى قونية، وقتل معه جماعة من الأمراء والتركمان؛ وذلك لأن ابن الخطير شرع يفرق العساكر وأذن لهم في نهب من يجدونه من التتار وقتلهم.
وانحاز الأمير محمد بن قرمان وإخوته وأصحابه التركمان إلى سواحل الروم وأغاروا على التتار، وكاتب الملك الظاهر. فطلب الملك غياث
стр. 14645
الدين صاحب الروم وابن البرواناه الأمير شرف الدين ابن الخطير، فقدم عليهما، فجمعوا من حواليهم من المغول، فخرج تاج الدين كيوي إلى ابن الخطير وعنفه ابن الخطير وأمر به فقتل وقتل معه سنان الدين والي قونية، ثم ندم وخاف من البرواناه، فأتى إلى باب الملك غياث الدين في يوم الجمعة ثالث عشر صفر في أهبة وطائفة. وتخبط البلد ولم يصلوا جمعة. ثم نودي في البلد بشعار الملك الظاهر وراسلوا الملك الظاهر يستوثقون منه باليمين لأنفسهم ولغياث الدين، فاستأذنهم ابن البرواناه في أن يدخل قيصرية ويحمل حواصله ويخرج إليهم ودخل وحمل حرمه وأمواله وخرج ليلا وسار إلى دوقات. فلما تحقق شرف الدين ابن الخطير مسيره إلى دوقات بعث أخاه ضياء الدين وسيف الدين طرمطاي وولده سنان الدين في جماعة نحو الخمسين إلى الملك الظاهر يحثه على المجيء، فوافوه على حمص وحرضوه فقال: أنتم استعجلتم في المنابذة وأنا وعدت معين الدين البرواناه قبل توجهه إلى الأردو أني أطأ البلاد في آخر هذه السنة. وأنا الآن فعساكري بمصر. وأما ذهاب مهذب الدين ابن البرواناه إلى دوقات فنعم ما فعل. ثم أكرمهم. فقال ضياء الدين: يا خوند متى لم تقصد البلاد الآن لم نأمن على أخي أن يقتل هو والأمراء الذين حلفوا لمولانا السلطان وإن كان ولا بد فتبعث عسكرا يكونون ردءا له. فقال: المصلحة أن ترجعوا إلى بلادكم وتحصنوها وتحتموا بالقلاع إلى أن أمضي إلى مصر ونربع الخيل ونعود.
ثم جهز الأمير سيف الدين بلبان الزيني إلى الروم ليحضر من خلف بها من الأمراء والملك غياث الدين، فلما كان بالطريق جاءه الخبر بعود البرواناه إلى الروم في خدمة منكوتمر وإخوته في ثلاثين ألفا، فرد.
وأما شرف الدين ابن الخطير فعزم على حرب منكوتمر، فسفه الأمراء رأيه وقالوا: كيف نلتقيه ونحن في أربعة آلاف؟ فعلم أنه مقتول، فقصد قلعة لؤلؤة ليحتمي بها، فما مكنه واليها من دخولها إلا وحده ومعه مملوك، فلما دخل قبض عليه وبعث به إلى البرواناه، فلما دخل عليه شتمه وبصق في وجهه ورسم عليه. ولما قدم البرواناه جلس هو والتوامين (١): تتاون
стр. 14646
وكريه وتقو، مجلسا عاما وأحضروا الملك غياث الدين وأمراءه، فقالوا: ما حملك على ما فعلت من خلع أبغا وميلك إلى صاحب مصر؟ فقال: أنا صبي وما علمت المصلحة. ورأيت الأمراء قد فعلوا شيئا، فخفت إن خالفتهم أن يمسكوني، فقام البرواناه إلى الطواشي شجاع الدين قانبا لالا السلطان فذبحه بيده. ثم إن الأمراء اعتذروا بأن ابن الخطير هو الذي فعل هذا كله وخفنا أن يفعل بنا كما فعل بتاج الدين كيوي. فسألوا شرف الدين ابن الخطير فقال للبرواناه: أنت حرضتني على ذلك وأنت كاتبت صاحب مصر وفعلت وفعلت. فأنكر البرواناه ذلك. وكتب المقدمون بصورة ما جرى إلى أبغا ثم أمروا بضرب ابن الخطير بالسياط ويقرروه بمن كان معه، فأقر على نور الدين ابن جيجا وسيف الدين قلاوز وعلم الدين سنجر الجمدار، وغيرهم. فلما تحقق البرواناه أنه يقتل بإقرار ابن الخطير عليه، أوحى إليه يقول: متى قتلوني لم يبقوك بعدي، فاعمل على خلاصي وخلاصك بحيث إنك تصر على الإنكار واعتذر بأن اعترافك كان من ألم الضرب.
ثم جاء الجواب بقتل ابن الخطير، فقتل في جمادى الأولى وبعث برأسه إلى قونية وبإحدى يديه إلى أنكورية (١) وبالأخرى إلى أرزنكان. وقتلوا معه سيف الدين قلاوز، والجمدار وجماعة كبيرة. وأثبتوا ذنبا على طرمطاي، ففدى نفسه بأربعمائة ألف درهم وبمائتي فرس وعلى أن يقيم بألف من المغل في الشتاء.
وفيها قتل مرخسيا النصراني القسيس، لا رحم الله فيه عضوا وكان واصلا عند أبغا، متمكنا منه وله عليه دالة زائدة. وكان يغريه بأذية المسلمين. قتله معين الدين محمود والي أرزنكان بأمر البرواناه وقتل نيفا وثلاثين نفسا معه من أهله وأتباعه، فالحمد لله.
وفيها تواقع أبو نمي صاحب مكة وجماز صاحب المدينة، فالتقوا على مر الظهران وسببها أن إدريس بن حسن بن قتادة صاحب الينبع وهو ابن عم أبي نمي اتفق هو وجماز على أبي نمي وسارا لقصده، فخرج وكسرهما وأسر إدريس وهرب جماز.
стр. 14647
وفي شوال قدم السلطان دمشق ودخل حلب في أول ذي القعدة. وسار ابن مجلي بعسكر حلب فنزل على الفرات وسار السلطان بالجيوش فقطع الدربند الرومي ووقع سنقر الأشقر بثلاثة آلاف من التتار، فالتقاهم فكسرهم وأسر منهم وصعد العسكر الجبال وأشرفوا على صحراء البلستين، فشاهدوا التتار، قد رتبوا عسكرهم أحد عشر طلبا، الطلب ألف ومقدم الكل النوين تتاون وعزلوا عنهم عسكر الروم خوفا من مخامرتهم، فلما التقى الجمعان حملت ميسرة التتار فصدمت سناجق السلطان ودخلت طائفة منهم وحملوا على الميمنة، فلما رأى ذلك السلطان ردفهم بنفسه وخاصكيته، ثم رأى ميسرته قد اضطربت، فردفها بطائفة، ثم حمل بالجيش حملة واحدة على التتار، فترجلوا وقاتلوا أشد قتال وقتل منهم مقتلة عظيمة وانهزم الباقون في الجبال والوعر، فأحاطت بهم العساكر المنصورة، فقاتلوا حتى قتل أكثرهم وقتل من المسلمين جماعة، منهم الأمراء: ضياء الدين ابن الخطير وشرف الدين قيران العلاني وعز الدين أخو المحمدي وسيف الدين قلنجق الششنكير (١) وعز الدين أيبك الشقيفي وأسر خلق من التتار، فمنهم على ما ذكر المؤيد (٢): سيف الدين سلار وسيف الدين قبجق، وسنذكر من أخبارهما ونجا البرواناه وساق إلى قيصرية وذلك في ذي القعدة. واجتمع بصاحب الروم غياث الدين وأعيان الدولة وأخبرهم بكسرة التتار، فاجتمع رأيهم على الانتقال إلى دوقات خوفا من مرور التتار بهم وأذيتهم.
وأما السلطان فبعث سنقر الأشقر إلى قيصرية بأمان أهلها وإخراج السوقية، ثم رحل السلطان، عز نصره، إلى قيصرية، فمر بقلاع ونزل ولاتها إلى خدمته ودخلوا في الطاعة وقدم قيصرية وطلع الأعيان والأمراء والكبار والفضلاء على طبقاتهم وتلقوه وفرح به المسلمون وكان يوما مشهودا. وركب يوم الجمعة للصلاة، فدخل إلى مدينة قيصرية ونزل بدار السلطنة وجلس على سرير المملكة وجلس بين يديه القضاة والعلماء على
стр. 14648
قاعدة مملكة الروم ومدوا سماطا عظيما وخطبوا له وضربت السكة باسمه، ثم بلغ السلطان أن البرواناه كتب إلى أبغا يحرضه على إدراك السلطان الملك الظاهر بالروم. وبلغه أيضا الغلاء الذي بالبلد، فرحل عنه إلى الشام.
وممن أسر المسلمون في وقعة البلستين من الكبار: مهذب الدين ابن البرواناه، وابن أخته والأمير نور الدين جبريل والأمير قطب الدين محمود والأمير سراج الدين إسماعيل بن جاجا والأمير سيف الدين سنقر شاه الزوباشي ونصرة الدين بهمن وكمال الدين إسماعيل عارض الجيش وحسام الدين كياوك والأمير سيف الدين الجاويش وشهاب الدين غازي التركماني ومن أمراء التتار: زيرك صهر أبغا، وسرطق، وجركر، وتماديه وسركدة.
وأما صاحب الروم فتحول إلى دوقات وهي حصينة، على أربعة أيام من قيصرية ورجع الملك الظاهر على المعركة، فسأل عن عدة القتلى كم بلغت؟ فقيل: إن عدة القتلى المغل ستة آلاف وسبعمائة وسبعون نفسا. وتعب الجيش وقاسوا مشقة عظيمة وكان على يزك الجيش عز الدين أيبك الشيخي، وكان قد ضربه السلطان بسبب تقدمه، فتسحب إلى التتار.
وجاء إلى السلطان رسول البرواناه يستوقفه عن الحركة، فكان جوابه: إنا قد عرفنا طرق الروم وبلاده، وما كان جلوسنا على تخت الملك رغبة فيه إلا لنعلمكم أنه لا عائق لنا عن شيء نريده بحول الله وقوته، ثم قطع السلطان الدربند وعبر النهر الأزرق وقدم الشام في آخر العام.
ولما بلغ شمس الدين ابن قرمان وقعة البلستين جمع وحشد وقصد أقصرا ونازلها، ثم قصد قونية ومعه ثلاثة آلاف فارس فنازلها ورفع السناجق الظاهرية وأحرق بابها ودخلها يوم عرفة، فنهب دور الأمراء والنائب، ثم ظفر بنائبها، فعذبه وقتله وعلق رأسه. وأقام بقونية سبعة وثلاثين يوما.
وأما الملك أبغا فإنه أسرع إلى الروم فوافى البلستين على أثر رجوع الملك الظاهر، فشاهد القتلى وبكى وأنكر على البرواناه كونه لم يعرفه بجلية الأمر، فقال: لم أعرف. فلم يقبل قوله وحنق عليه وبعث أكثر جيشه إلى جهة الشام وكان معه أيبك الشيخي، فقال له: أرني مكان ميمنتكم
стр. 14649
وميسرتكم، فأراه، فقال: ما هذا عسكر يكفيه هذه الثلاثون ألفا التي معي. ثم بعث يجمع العساكر. وكان قد هلك لهم خيل كثيرة. ثم عطف، لعنه الله، على قيصرية فخرج إليه القضاة والعلماء وقال: كم للملك الظاهر عنكم؟ قالوا: خمسة وعشرون يوما. وعزم على قتل أهل قيصرية فلاطفوه وقالوا: هؤلاء رعية لا طاقة لهم بدفع جيش، فلم يقبل هذا العذر وقتل جماعة من الأعيان صبرا. ثم أمر عسكره بالقتل والنهب في البلد.
قال قطب الدين في تاريخه (١): فيقال إنه قتل من الرعية ما يزيد على مائتي ألف، وقيل خمسمائة ألف من قيصرية إلى أرزن الروم. وممن قتل: القاضي جلال الدين حبيب. فما قوم دخول السلطان وحكمه على الروم أسبوعا بما جرى على أهلها. فلا قوة إلا بالله.
سنة ست وسبعين وستمائة ٥٠ دخل السلطان دمشق في سابع المحرم، فدخل القلعة، ثم نزل إلى قصره.
وتواترت الأخبار بوصول أبغا إلى البلستين، فضرب السلطان مشورة ووقع الاتفاق على الخروج من دمشق بالعساكر المنصورة وملتقى أبغا حيث كان. وأمر بالدهليز فضرب على القصر. ثم بلغه رجوع أبغا، فأمر برد الدهليز.
وجلس في رابع عشر المحرم بالقصر فرحا مسرورا لشرب القمز، فتوعك عقيب ذلك اليوم وتقيأ، فعسر عليه القيء، ثم ركب لكي ينشط فقوي به الألم ومرض واشتكى في اليوم الثالث حرارة في باطنه، ثم أجمعت الأطباء على استفراغه، فسقوه دواء، فلم ينجع، فحركوه بدواء آخر كان سببا لإفراط إسهاله وضعف والحمى تتضاعف، فتخيل خواصه أن كبده تتقطع وأنه سم، فسقوه جواهر في اليوم السادس. وكانت المرضة ثلاثة عشر يوما. ومات ﵀ وعفا عنه، كما هو مؤرخ في ترجمته في المحرم.
وفي سادس عشر ربيع الأول ركب السلطان الملك السعيد بأبهة الملك،
стр. 14650
وخلع على الأمراء وله نحو ثمان عشرة سنة.
وفي الخامس والعشرين من ربيع الأول قبض الملك السعيد على سنقر الأشقر والبيسري وسجنهما وكان قبل ذلك بأيام قد مات نائب السلطنة بيليك الخزندار، فولى مكانه شمس الدين آقسنقر الفارقاني.
وفيه قدمت رسل بركة في البحر وطلعوا من الإسكندرية.
وفي ربيع الآخر قبض السلطان على نائبه الفارقاني في جماعة من الأمراء وحبسوا، وولى نيابة السلطنة الأمير شمس الدين سنقر الألفي.
وفيه أفرج السلطان عن سنقر الأشقر وبيسري وخلع عليهما ورضي عنهما.
وفي جمادى الآخرة قبض السلطان على خاله بدر الدين بركة خان لأمر نقمه عليه، ثم أطلقه بعد عشرة أيام. وبقيت الآراء مختلفة وكل واحد يشير على السلطان بما يوافق هواه والسلطان شاب غر بالأمور.
وعملت التربة الظاهرية بدمشق وبالغوا في الإسراع في إنشائها ونقل تابوت المرحوم الملك الظاهر من قلعة دمشق إلى تربته في رجب ليلا ومعه نائب السلطنة عز الدين أيدمر ومن الخواص دون العشرة.
وفي ذي القعدة عزل القاضي محيي الدين عبد الله ابن قاضي القضاة شرف الدين ابن عين الدولة عن قضاء مصر وأعمالها، ثم أضيف ذلك إلى قاضي القضاة تقي الدين ابن رزين ولم يفرد بعد ذلك قضاء مصر عن قضاء القاهرة.
وفي ذي الحجة ولي قضاء الشام ابن خلكان وصرف ابن الصائغ، رحمهما الله.
سنة سبع وسبعين وستمائة
فدخل قاضي القضاة ابن خلكان دمشق في أول العام وتلقاه نائب السلطان والدولة والأعيان، وفرح الأكابر بمقدمه ومدحه غير واحد من الشعراء، وتكلم نور الدين ابن مصعب وأنشأ هذه الأبيات:
стр. 14651
رأيت أَهْل الشّام طُرًّا … ما فيهم قَطُّ غيرُ راضِ
نالهم الخيرُ بعد شَرّ … فالوقتُ بسْطٌ بلا انقباضِ
وعُوِّضوا فرحةً بحُزْنِ … قد أنصف الدّهرُ فِي التّقاضي
وسَرَّهم بعد طول غمٍّ … قدومُ قاضٍ وعَزْلُ قاض
فكُّلهُم شاكرٌ وشاك … كحال مستقبل وماضي
وفي صفر أديرت المدرسة الظاهرية بدمشق ولم تكن تكملت عمارتها، وكانت قبل ذلك دار إمرة وتعرف بدار العقيقي، فاشتريت، فدرس للشافعية الشيخ رشيد الدين الفارقي، ودرس للحنفية الشيخ صدر الدين سليمان.
وفي جمادى الأولى ولي قضاء الحنفية بدمشق الشيخ صدر الدين سليمان، بعد وفاة ابن العديم، فتوفي بعد ثلاثة أشهر، وولي بعده القاضي حسام الدين الرومي قاضي ملطية.
وفي ذي القعدة أديرت المدرسة النجيبية وهي صغيرة، إلى جانب المدرسة النورية فدرس بها قاضي القضاة ابن خلكان مديدة، ثم نزل عنها لولده. وفتحت أيضا الخانكاه النجيبية وكان سبب تأخر فتح المكانين عن تاريخ وفاة النجيبي شمول الحوطة التركة والوقف.
وفي خامس ذي الحجة كان عبور السلطان الملك السعيد إلى قلعة دمشق وكان يوما مشهودا، وعملت القباب، وفرح الناس ودعوا له دعاء كثيرا وسروا به سرورا زائدا لجودته ولينه.
وفي يوم عرفة باشر الوزارة بمصر القاضي برهان الدين الخضر بن الحسن السنجاري بحكم وفاة الوزير بهاء الدين ابن حنى بمقتضى مرسوم سلطاني.
وفي هذا الشهر ولي الوزارة بالشام الصاحب فتح الدين ابن القيسراني، وبسط يده وأمر القضاة بالركوب معه أول مباشرته.
وبعث السلطان شطر الجيش للإغارة على بلاد سيس وعليهم الأمير الكبير سيف الدين قلاوون.
وبقي السلطان يتردد إلى المرج والزنبقية للفرجة، وجلس بدار العدل،
стр. 14652
وأسقط ما قرره أبوه على الأمداد، فسر الناس ودعوا له على هذه الحسنة العظيمة ولعل الله قد رحمه بها.
وفيها عزل عن الشد بكتوت الأقرعي وأرسل إلى حلب على خبز الأمير علم الدين الدواداري، ثم أحضر الدواداري وأعطي شد الشام، فباشر في أواخر ذي الحجة.
سنة ثمان وسبعين وستمائة
في المحرم ولي قضاء المالكية بدمشق الذي كان ينوب عن الشيخ زين الدين الزواوي، وهو جمال الدين أبو يعقوب الزواوي.
وفيه ولي ولاية دمشق عز الدين ابن أبي الهيجا، وعزل الأمير ناصر الدين الحراني.
وفي ربيع الأول وقع الخلف بين الخاصكية بدمشق وعجز السلطان عن تلافي ذلك، وخرج عن طاعته نائبه الأمير سيف الدين كوندك وتقدم بالذين التفوا عليه نحو القطيفة ومعه نحو أربعمائة من الظاهرية، وفيهم فرسان وشجعان، فنزل بالقطيفة ينتظر الجيش الذين في سيس، فقدموا واتصل بهم كوندك وأصحابه ونزل الكل بعذرا، وراسلوا السلطان في معنى الخلف الذي حصل. وكان كوندك مائلا إلى البيسري، ولما اجتمع به وبالأمير سيف الدين قلاوون وغيرهما من الكبار أوحى إليهم ما وغر صدورهم وخوفهم من خواص الملك السعيد، وأن نيتهم نحسة، وأن السلطان موافق لما يختارونه وكثر القول ونفر الخواطر. فاقترح الأمراء على السعيد إبعاد الخاصكية عنه وتفريقهم، فلم يجب إلى ذلك عجزا عنهم وخوفا من العاقبة، وحار في أمره وصار وحيدا، فرحل الجيش من عذرا وساروا على المرج إلى الكسوة، وترددت الرسل بينهم. ثم ساروا إلى مرج الصفر، ففارقهم نائب دمشق عز الدين أيدمر ومعه أكثر عسكر دمشق، ودخلوا البلد، فبعث السلطان أمه بنت بركة خان في محفة، وفي خدمتها سنقر الأشقر، فإنه كان مقيما بدمشق عند السلطان، فتلقتها الأمراء وقبلوا الأرض أمام المحفة، فكلمتهم في الصلح وحلفت لهم على بطلان ما نقل إليهم، وأن السلطان يعرف
стр. 14653
حقهم، فاشترطوا شروطا كثيرة التزمت لهم بها، وعادت إلى ولدها وعرفته الصورة، فمنعه من حوله من الخاصكية من الدخول تحت تلك الشروط وقالوا: قصدهم إبعادنا ليتمكنوا منك ويعزلوك. ولم يتفق أمر، وترحل العسكر طالبين الديار المصرية، فساق السلطان جريدة في طلبهم، فبلغ رأس الماء، فوجدهم قد أبعدوا، فعاد من آخر النهار، ودخل القلعة ليلا، وأصبح في غرة ربيع الآخر، فسافر بمن بقي معه من الجيش المصري والشامي في طلبهم، وسير والدته وخزائنه إلى الكرك. ووصل إلى بلبيس في خمسة عشر يوما. وقد دخل أولئك القاهرة، ورجع نائب دمشق وأكثر الأمراء إلى الشام. وساق هو إلى قلعة مصر، فوجد العساكر محدقة بالقلعة وكان بها نائبه الأمير عز الدين الأفرم، فحصل بينهم مقاتلة يسيرة، وحمل به الأمير علم الدين سنجر الحلبي، وشق الأطلاب، وفتح له الأفرم وطلع إلى القلعة، وقتل جماعة يسيرة، وبقي جماعة ممن كان مع السلطان برا (١)، فاحتاجوا أن ينضموا إلى سائر العسكر.
وأما سنقر الأشقر فإنه انعزل بالمطرية بطلبه، وحاصروا القلعة، وقطعوا عنها الماء الذي يطلع في المدارات وزحفوا عليها، وجدوا في ذلك. فرأى السلطان تخلي من يرجو نصره عنه، وتخاذل من بقي معه وأنه عاجز، وكان مقدم الجيش الذي قام على الملك السعيد حموه الأمير سيف الدين قلاوون، فجرت المراسلات على أنه يخلع نفسه ويسلطنوا أخاه سلامش، وأن يعطوا للسعيد الكرك، ويعطوا أخاه الشوبك - يعني نجم الدين خضر - فبعث علم الدين الحلبي وتاج الدين ابن الأثير الكاتب إليهم، وحلفوا له على ذلك، ونزل من القلعة، وكان الحصار يومين، فعقدوا له مجلسا لخلعه من الملك، وأحضروا القضاة والعلماء والأمراء، وعملوا محضرا بخلعه، وكتبوا به نسخا، ورتبوا في السلطنة أخاه بدر الدين سلامش، وهو ابن سبع سنين، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون، وحلفت الأمراء له ولأتابكه، وضربت السكة باسمه على وجه، وباسم أتابكه على وجه، ودعي لهما معا في الخطبة، وتوجه السعيد إلى الكرك، وقد زال ملكه وعليه صورة ترسيم. ثم أعيد إلى
стр. 14654
القلعة من الغد لأمر أرادوه، ثم سيروه ليلا؛ وجاء سنقر الأشقر واجتمع بالأتابك سيف الدين، وصار معه.
وجاءت الأخبار إلى دمشق قبل وصول نائبها أيدمر، فقدم دمشق في أول جمادى الأولى، فخرج يتلقاه الأمير جمال الدين آقوش الشمسي، فقبض هو وجماعة من الأمراء على نائب السلطنة عز الدين أيدمر عند المصلى، وفصلوه عن الموكب، ودخلوا به من باب الجابية، ورسموا عليه بدار عند مأذنة فيروز إلى العشي، وحبسوه بالقلعة، وكان بها الأمير علم الدين الدويداري، أعني بدمشق والقلعة، قد استنابه السلطان الملك السعيد عليها مدة غيبة نائبها عز الدين.
وفيه عزل قضاة مصر الثلاثة معا، تقي الدين بن رزين الشافعي، ونفيس الدين بن شكر المالكي، ومعز الدين النعمان الحنفي.
وفي ثالث جمادى الآخرة قدم سنقر الأشقر نائبا على دمشق، وقرر الدواداري مشدا كما كان.
سلطنة السلطان الملك المنصور
في الحادي والعشرين من رجب شالوا سلامش من السلطنة من غير نزاع، وبايعوا المولى السلطان سيف الدين قلاوون الصالحي التركي المعروف بالألفي، ولقب بالملك المنصور، وحلف له الأمراء: البيسري والحلبي، ولم يختلف عليه اثنان.
وفي رجب قبض على الصاحب فتح الدين ابن القيسراني، ثم وصل أمير يحلف أمراء الشام فحلفوا. وقيل: إن سنقر الأشقر لما حلف الأمراء لم يحلف هو وكاسر، ولم يرضه ما جرى، ودقت البشائر بدمشق يوم السابع والعشرين من رجب وزين البلد.
وفي شعبان عزل برهان الدين السنجاري عن وزارة مصر بالصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء.
وفيه سير الأمير عز الدين أيدمر الظاهري من قلعة دمشق في محفة متمرضا إلى مصر، فحبس بقلعتها.
стр. 14655
وفي شوال خرج الركب الشامي وأميرهم عماد الدين يوسف ابن الشقاري، وحج الشيخ شمس الدين شيخ الجبل وطائفة من الحنابلة، وحج أبي وخالي، وحدثني أبي أنهم رأوا الملك السعيد يسير بظاهر الكرك في أواخر شوال.
قلت: ثم مات في منتصف ذي القعدة أو في عاشره، وعمل عزاؤه بمصر؛ وحضر السلطان وهو لابس البياض.
وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة ركب نائب السلطنة شمس الدين سنقر الأشقر الصالحي بعد العصر من دار السعادة وبين يديه جماعة من الأمراء والجند ودخل البلد، فأتى باب القلعة فهجمها راكبا، ودخل وجلس على تخت الملك، وحلفوا له، وتلقب بالملك الكامل. ودقت البشائر بعد ساعة، ونودي في البلد بسلطنته، وكان محببا إلى الناس، وحلف له القضاة والأكابر، وقبض على الوزير تقي الدين البيع، وكان له في الوزارة شهرا ونصفا، واستوزر مجد الدين ابن كسيرات. ولم يحلف له الأمير ركن الدين الجالق، فقبض عليه وحبسه. وقبض على نائب القلعة حسام الدين لاجين المنصوري الذي تسلطن. وولى في المدينة علم الدين سلطان.
وأما الكرك فرتب في السلطنة بها الملك خضر بعد أخيه، وسار طائفة إلى الشوبك فتسلموها بالأمان بعد محاصرة أيام. وكان الذين بها قد عصوا على الملك المنصور لما نزح عنها الملك خضر ابن الملك الظاهر إلى عند أخيه الملك السعيد. ثم أخربت أسوار الشوبك وأذهبت حصانة قلعتها.
سنة تسع وسبعين وستمائة
في مستهلها ركب السلطان سنقر الأشقر من القلعة بأبهة الملك، ودخل الميدان وبين يديه الأمراء بالخلع، وسير لحظة، وعاد إلى القلعة، وجهز عسكرا، فنزلوا عند غزة، وكان عسكر المصريين بغزة، فأظهروا الهرب، ثم كروا على الشاميين، فكبسوهم ونالوا منهم، وهزموهم إلى الرملة.
وفي خامس المحرم وصل أمير العرب عيسى بن مهنا، ودخل في طاعة الملك الكامل سنقر الأشقر، فبالغ في إكرامه، وأجلسه على السماط إلى
стр. 14656
جانبه، ثم قدم أمير آل مري أحمد بن حجي على الكامل فأكرمه.
وفيه ولي قاضي القضاة ابن خلكان تدريس الأمينية، وعزل نجم الدين ابن سني الدولة.
وفي أواخر المحرم جهز السلطان الملك المنصور من مصر جيشا، عليهم الأمير علم الدين سنجر الحلبي لحرب الملك الكامل فتقهقر يزكه إلى أطراف دمشق، وفي ثاني عشر صفر خرج الملك الكامل سنقر الأشقر، فنزل على الجسورة واستخدم وأنفق، وجمع خلقا من البلاد، وحضر معه ابن مهنا وابن حجي بعرب الشام، وجاءته نجدة حماة وحلب، وتصمد معه جيش كثيف، لكن لم يكونوا كلهم في الباطن معه، بل كان كثير منهم عليه، وبعضهم فارغين. وأقبل الحلبي بالمصريين، فالتقوا بكرة عند الجسورة، والتحم الحرب، واستمر المصاف إلى الرابعة، وقاتل سنقر الأشقر بنفسه وحمل عليهم، وبين، لكن خامر عليه أكثر عسكره، فانهزم بعضهم وتحيز بعضهم إلى المصريين، وانهزم صاحب حماة من أول ما وقعت العين في العين، وبقي في فل من الناس، فولى وسلك الدرب الكبير إلى القطيفة، ولم يتبعه أحد، وتجمع المنهزمون على القصب من أعمال حمص، ثم عاد أكثر الأمراء ولم يعاقبوا.
وأما المصريون فأحاطوا بدمشق ونزلوا في خيم المنهزمين، وراسلوا نائب سنقر الأشقر الذي بالقلعة، ففتح لهم باب الفرج وفتحت القلعة بالأمان. ثم جهز الأمير علم الدين الحلبي ثلاثة آلاف في طلب سنقر الأشقر.
وركب قاضي القضاة ابن خلكان للسلام على الحلبي فحبسه بعلو الخانكاه النجيبية، وعزله، وولى القضاء القاضي نجم الدين ابن سني الدولة، وكان يحترمه لأنه لما تسلطن بدمشق في آخر سنة ثمان وخمسين كان نجم الدين هو قاضي دمشق حينئذ. وحكم الحلبي في البلد. وحضر إليه الأمير أحمد بن حجي، ودخل في الطاعة.
وأما ابن مهنا فإنه توجه في صحبة سنقر الأشقر ولازم خدمته، ونزل به وبمن معه من العسكر في برية الرحبة وأقام بهم.
وأخرج الحلبي من حبس القلعة ركن الدين الجالق وحسام الدين
стр. 14657
لاجين وتقي الدين الصاحب، وحبس ابن كسيرات وابن صصرى. وبقي ابن خلكان في الاعتقال نيفا وعشرين يوما. وضرب زين الدين وكيل بيت المال، لأنهم تسرعوا إلى مبايعة سنقر الأشقر. وطلب ابن الصائغ فأكرمه، فشفع في القاضي ابن خلكان وفي زين الدين الوكيل. وعرض عليه الحلبي القضاء فعين نجم الدين ابن سني الدولة، وعلم أنها ولاية مقلقلة لكونها من غير السلطان.
ثم ورد البريد في الثامن والعشرين من مصر بأنا قد عفونا عن جميع الناس من الخاص والعام، ولم نؤاخذ أحدا، وأن يقر كل أحد على منصبه.
وباشر نيابة السلطنة الأمير بدر الدين بكتوت العلائي أياما إلى أوائل ربيع الأول. ثم جاء تقليد بالنيابة لملك الأمراء حسام الدين لاجين المنصوري الذي حبسه سنقر الأشقر، فباشر يوم الأربعاء الحادي عشر من ربيع الأول، وقرئ تقليده بدار السعادة. وكان شابا عاقلا، شجاعا، دينا، من سلحدارية السلطان الملك المنصور أيام إمرته. ودخل معه دار السعادة الأمير علم الدين الحلبي، ورتبه في النيابة، ومشى في خدمته الأمراء.
وصرف الحلبي ابن خلكان إلى منزله بالمدرسة العادلية، وبقي ابن سني الدولة يتردد إلى المدرسة ويحكم بها. وأمره الحلبي بأن يتحول من العادلية ويسلمها إلى ابن سني الدولة، فشق ذلك عليه، وتكرر إليه القول بسرعة التحول، فبينا هو في ذلك وقد أحضر جمالا لنقل حوائجه إلى جبل الصالحية، وإذا بكتاب سلطاني بالإكرام، والإقرار له على منصبه، وإعادته إلى القضاء، فباشر الحكم يومئذ الظهر، ولبس الخلعة، وأعيد إلى ولاية المدينة ابن الحراني.
وفي أوائل ربيع الآخر توجه من دمشق الأمير عز الدين الأفرم نجدة للجيش المصري الذين توجهوا لمضايقة سنقر الأشقر، فاجتمعوا بحمص، ثم ساروا في طلب سنقر الأشقر، ففارق ابن مهنا وتوجه إلى الحصون التي بيد نوابه، وطلع إليها، وهي صهيون - وكان سير إليها أهله وخزائنه - وبلاطنس، وبرزية، وعكار، وجبلة، واللاذقية، وشيزر، والشغر، وبكاس.
стр. 14658
وكان قد انهزم يوم الوقعة الأمير الحاج أزدمر إلى جبل الخرديين، وأقام عندهم واحتمى بهم، ثم مضى إلى خدمة سنقر الأشقر في طائفة من الجبليين، فأنزله بشيزر يحفظها.
وفي جمادى الآخرة ولي نظر الدواوين الصاحب محيي الدين ابن النحاس.
وفيه وصل الجفال من البلاد الحلبية من التتار وتقهقر عسكرها. وسبب حركتهم ما بلغهم من اختلاف الكلمة.
وتوجه في جمادى الأولى عسكر المصريين ونازلوا شيزر وضايقوها بلا محاصرة، وترددت الرسل بينهم وبين سنقر الأشقر في تسلمها. فبينا هم في ذلك وصلت الأخبار في جمادى الآخرة بأن التتار قد دهموا البلاد، فخرج من بدمشق من العساكر، وعليهم الركن أباجو، وانضم إلى العساكر التي على شيزر، ثم نزل الكل على حماة؛ وقدم من مصر بكتاش النجمي في ألف، فلحق بهم، وأرسل هؤلاء إلى سنقر الأشقر يقولون: هذا العدو قد دهمنا وما سببه إلا الخلف الذي بيننا، وما ينبغي أن تهلك الرعية في الوسط، والمصلحة أننا نجتمع على دفعه. فنزل عسكر سنقر الأشقر من صهيون والحاج أزدمر من شيزر، وخيمت كل طائفة تحت حصنها، واتفقوا على الملتقى وقتال التتار، وجاءت طائفة عظيمة من التتار، فقتلوا من تبقى بحلب وسبوا ونهبوا وأحرقوا منبر الجامع والمدارس ودور الأمراء، وعملوا كل قبيح كعاداتهم الجميلة (١)، وأقاموا بحلب يومين، واستاقوا المواشي والغنائم.
وقيل: إن بعض من كان استتر بحلب يئس من الحياة ووقف على رأس منارة حلب، وكبر بأعلى صوته على التتار وقال: الله أكبر جاء النصر من عند الله؛ ولوح بثوبه، وبقي يقول: أمسكوهم من البيوت مثل النساء يا عساكر الإسلام. فخرج التتار على وجوههم يظنون أن المسلمين جاءوا. وكانوا قد بلغهم اجتماع العسكر على حماة، وسلم ذلك الرجل. نقل ذلك الشيخ قطب الدين (٢).
стр. 14659
وفي هذه الأيام تسحب جماعة من الأمراء الذين عند سنقر الأشقر إلى السلطان. وكان السلطان قد سار ببقية الجيش فنزل غزة.
وفي هذه المدة خطب على المنابر بولاية العهد للملك الصالح علي ابن السلطان الملك المنصور.
وفيها أعيد السنجاري إلى الوزارة، ورد ابن لقمان إلى ديوان الإنشاء.
ورجع السلطان من غزة لما بلغه رجوع التتار وأمن البلاد.
وفي رمضان أعيد تقي الدين ابن رزين إلى قضاء الديار المصرية، وعزل صدر الدين ابن بنت الأعز. وأعيد قبل ذلك إلى القضاء القاضيان نفيس الدين ابن شكر، ومعز الدين النعمان. ورتب قاض حنبلي وهو الشيخ عز الدين عمر بن عبد الله بن عوض المقدسي صهر الشيخ شمس الدين ابن العماد. أما معز الدين الحنفي فهو أيضا رتب ولم تتقدم له ولاية إلا عند ترتيب القاضي الحنبلي المذكور.
وفي ذي القعدة كان طائفة من الشاميين نزال بمرج المرقب، فداخلهم طمع فركبوا من الليل، وصبحوا المرقب للغارة، فخرج الفرنج وقد جاءتهم نجدة في البحر، وحملوا على المسلمين، فهزموهم ومزقوهم في أودية وعرة، فنالوا منهم نيلا عظيما وقتلوا وأسروا. فما شاء الله كان.
وفي أول ذي الحجة خرج السلطان إلى الشام وخلفه ولده الملك الصالح.
ويوم عرفة وقع بديار مصر برد كبار، فأهلك بعض الزرع وبدع في الوجه القبلي. ووقع تحت الجبل الأحمر صاعقة على حجر، فأخذت وسبكت وجاء منها نحو الأوقية، ووقعت يومئذ صاعقة بالإسكندرية.
وفي سابع عشر ذي الحجة نزل السلطان على الروحاء قبالة عكا، فراسله أهلها في الهدنة. وأقام هناك أياما وقدم عليه عيسى بن مهنا طائعا، فبالغ السلطان في إكرامه واحترامه، وصفح عنه قيامه مع سنقر الأشقر.
وفيها وزر بدمشق الشرف ابن مزهر، ومد يده، ثم أعيد التقي البيع.
стр. 14660
سنة ثمانين وستمائة
في أوائل المحرم هادن السلطان أهل عكا ونزل اللجون وقبض على الأمير سيف الدين كوندك الظاهري وعدة أمراء بحمراء بيسان. فقيل: إن كوندك وأيتمش السعدي وسيف الدين الهاروني وطائفة اتفقوا على الفتك بالسلطان، وعرف ذلك البيسري، فأعلمه، فقبض على كوندك وغيره وهرب الباقون؛ الهاروني والسعدي ونحو ثلاثمائة فارس على حمية إلى عند سنقر الأشقر. وأهلك كوندك، فقيل: إنه غرق ببحيرة طبرية. وساق طقصو في عسكر وراء أيتمش السعدي، فجرح ورد.
ويوم سابع عشر المحرم وصل المحمدي مقدم البحرية إلى دمشق ومعه جماعة أمراء ممسوكين، فحبسهم بقلعة دمشق ودخل السلطان دمشق يوم تاسع عشر المحرم وحمل الجتر البيسري يومئذ، فعزل ابن خلكان عن القضاء بابن الصائغ وولي قضاء الحنابلة نجم الدين أحمد ابن الشيخ شمس الدين، وذلك بعد خلو الشام من قاض حنبلي مدة.
ثم جهزت المجانيق وطائفة لحصار شيزر، فنازلوها وتسلموها وذلك أن الرسل ترددت في الصلح بين السلطان وبين سنقر الأشقر ووصل من جهته الأمير علم الدين الدواداري والأمير خزندار سنقر الأشقر. فحلف له السلطان ونودي من دمشق باجتماع الكلمة ودقت البشائر لذلك، وسير إليه فخر الدين المقري الأمير ليحلفه وحينئذ سلم سنقر الأشقر قلعة شيزر للسلطان، فعوضه عنها كفر طاب وفامية وأنطاكية والسويدية وشغر وبكاس ودركوش، بضياعها، على أن يقيم ستمائة فارس على جميع ما تحت يده من البلاد وذلك ما ذكرناه، وصهيون بلاطنس وجبلة وبرزية واللاذقية؛ وخوطب في ذلك بالمقر العالي، المولوي، السيدي، العالمي، العادلي، الشمسي، ولم يصرح له في ذلك بالملك ولا بالأمير.
وفي ربيع الأول أديرت الجهة الملعونة والخمور بدمشق وكانت بطالة من خمس عشرة سنة، وأديرت بالديار المصرية أيضا قبل هذا التاريخ بمدة، فلا قوة إلا بالله، وبقيت دائرة بدمشق أياما، ولطف الله وبطلت وأريقت
стр. 14661
الخمور. وطهر البلد من ذلك. ولله الحمد.
ووقع الصلح بين صاحب الكرك الملك خضر وبين السلطان، ثم جاءت امرأة الملك الظاهر بنت بركة خان ومعها تابوت ولدها الملك السعيد، ثم استبقوا التابوت بالليل من الصور ودفن إلى جانب والده. وأدخله القبر قاضي القضاة عز الدين ابن الصائغ، ونزلت أمه بدار صاحب حمص وعقد العزاء من الغد بالمدرسة الظاهرية، وحضره السلطان والأمراء والأعيان والوعاظ.
وعزل تقي الدين البيع من الوزارة وباشر عوضه تاج الدين ابن السنهوري.
وفي جمادى الأولى جاءت الأخبار بأن التتار على عزم المجيء.
وقعة حمص
انجفل أهل البلاد الشمالية وقويت الأخبار واهتم السلطان بدمشق للعرض، وجاء أحمد بن حجي بخلق من العربان وكثرت الأراجيف وكثرت الجفال، وعدى التتار الفرات من ناحية حلب، ونازل الرحبة منهم ثلاثة آلاف، منهم القان أبغا، فخرج السلطان بسائر الجيوش، وقنت الأئمة في الصلوات، وحضر سنقر الأشقر وأيتمش السعدي، والحاج أزدمر، وبالغ السلطان في احترام سنقر الأشقر، وأقبل منكوتمر يطوي البلاد، فالتقى الجمعان ووقع المصاف ما بين مشهد خالد بن الوليد إلى قريب الرستن، وذلك بشمالي حمص، في يوم الخميس رابع عشر رجب. ويوم الأربعاء قلق العالم بدمشق وأحسوا بقرب اللقاء، وفزعوا كافة إلى جامع دمشق بالشيوخ والأطفال واستغاثوا إلى الله، ثم خرج الخطيب بالمصحف العثماني إلى المصلى ومعه خلائق يتضرعون إلى الله، وكان يوما مشهودا، شهده مع السلطان ممالكيه، مثل طرنطية وبيدرا، وكتبغا، ولاجين، وقبجق، وقراسنقر، وسنجر الشجاعي، والطباخي، وسندمر، وعدة كلهم أمراء، وفيهم من تسلطن، وسنقر الأشقر، والحاج أزدمر الذي قيل إنه طعن طاغية العدو، وعلم الدين الدواداري، والمنصور صاحب حماة في أمرائه، فكان رأس الميمنة ويليه
стр. 14662
البيسري، ثم طيبرس الوزيري وعز الدين الأفرم ونائب دمشق لاجين المذكور في عسكر دمشق. وكان رأس الميسرة سنقر الأشقر المذكور، ثم الأيدمري، ثم بكتاش أمير سلاح. وكان في طرف الميمنة العرب، وفي طرف الميسرة التركمان، وشاليش القلب طرنطية، وكانت المغل خمسين ألفا، والمجمعة ثلاثين ألفا.
قلت: وكان الملتقى يوم الخميس، كما ذكرنا، طلوع الشمس. وكان عدد التتار على ما قيل مائة ألف أو يزيدون. وكان المسلمون على النصف من ذلك أو أقل.
وكانت ملحمة عظيمة، واستظهر التتار في أول الأمر واضطربت ميمنة المسلمين، ثم حملت التتار على الميسرة فكسروها وهزموها مع طرف القلب. وثبت السلطان بمن معه من أبطال الإسلام، وكان القتال يعمل من ضحوة إلى المغيب. وساق طلب من التتار وراء الميسرة إلى بحيرة حمص، وقتلوا خلقا من المطوعة والغلمان وأشرف الإسلام على خطة صعبة. ثم إن الكبار مثل البيسري وسنقر الأشقر وعلاء الدين طيبرس وأيتمش السعدي وبكتاش أمير سلاح وطرنطية ولاجين وسنجر الدواداري لما رأوا ثبات السلطان حملوا على التتار عدة حملات، ثم كان الفتح ونزل النصر وجرح مقدم التتار منكوتمر بن هولاكو، وجاءهم الأمير عيسى بن مهنا عرضا، فتمت هزيمتهم واشتغلوا بما دهمهم من جرح مقدمهم. وركب المسلمون أقفيتهم وقتلوا منهم مقتلة هائلة، وساقوا وراءهم حتى بقي السلطان في نفر قليل من الخاصكية ونائبه طرنطاي قدامه بالصناجق (١). وردت ميمنة التتار التي كسرت ميسرة المسلمين، فمروا بالسلطان وهو تحت العصائب والكوسات تضرب وحوله من المقاتلة أقل من ألف، فلما جاوزوه ساق وراءهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، وتم النصر بعد العصر، وانهزموا عن آخرهم قبل الغروب وافترقوا، فأخذت فرقة على سلمية والبرية، وأخرى على ناحية حلب. وعاد السلطان إلى منزلته بليل، وجهز من الغد وراءهم الأيدمري في طائفة كبيرة وجاءت يوم الجمعة بطاقة بالنصر، فضربت البشائر وزينت دمشق، فلما كان
стр. 14663
نصف الليل وصل إلى ظاهر دمشق المنهزمون من الميسرة أمراء وأجناد، ولم يعلموا بما تجدد من النصر، فقلق الخلق، وماج البلد وشرع خلق في الهروب. ثم وصل وقت الفجر بريدي بالبشارة بعد أن قاسى الخلق ليلة شديدة وتودعوا من أولادهم واستسلموا للموت، فإن أولئك التتار كانوا يبذلون السيف من غير تردد. ورأسهم كافر وأكثرهم على الكفر، فلله الحمد على السلامة. وكان للصبيان والنسوان في تلك الليلة في الأسطحة ضجيج عظيم وبكاء والتجاء إلى الله تعالى لا يعبر عنه.
وكان ركن الدين الجالق من جملة المنهزمين ولم يعنفه السلطان لأنه رأى ما لا قبل له به. فلما صليت الصبح قرئ الكتاب السلطاني بكسرة التتار وأنهم كانوا مائة ألف أو يزيدون. ثم جاء كتاب آخر قبل الظهر في المعنى وزينت دمشق. واستشهد نحو مائتي فارس منهم الحاج أزدمر، وسيف الدين الرومي، وشهاب الدين توتل الشهرزوري، وناصر الدين ابن جمال الدين الكاملي، وعز الدين ابن النصرة المشهور بالقوة المفرطة والعرامة.
ودخل السلطان دمشق يوم الجمعة المقبلة وبين يدي موكبه أسرى التتار يحملون رماحا على شعف القتلى، وقدم في خدمته ممن كان انضم إلى سنقر الأشقر أيتمش السعدي، وسيف الدين بلبان الهاروني، وعلم الدين الدواداري وودعه سنقر الأشقر من حمص وعاد إلى صهيون (١)، وترحل أولئك الذين نازلوا الرحبة.
ثم قدم بعد جمعة بدر الدين الأيدمري وقد أنكى في التتار، وتبعهم إلى قريب الفرات، وهلك منهم خلق عند تعديتهم الفرات، ونزل إليهم أهل البيرة، فقتلوا فيهم وأسروا، وتمزقوا وتعثروا، وتوصلوا إلى بلادهم في أسوأ حال، فلله الحمد على كل حال.
ودخل السلطان إلى القاهرة يوم الأحد ثاني شعبان، فوصل في عشرين يوما إلى القاهرة.
وترتب في شد دمشق علم الدين الدواداري.
стр. 14664
ومات بين العيدين ملك التتار أبغا.
وفي شعبان قبض بمصر على الأميرين: ركن الدين أباجو الحاجب وبهاء الدين يعقوبا.
وفي رمضان فتحت المدرسة الجوهرية ودرس بها القاضي حسام الدين الحنفي بحضرة واقفها الصدر نجم الدين.
وجاء في رمضان ثلج مفرط، وطال بقاؤه، واشتد البرد وجلد ببعلبك الفقاع وذلك غير منكر بها.
وفي جمادى الآخرة من هذه السنة رسم الملك المنصور بعرض الدواوين من أهل الذمة على السيف أو يسلمون، فأبوا، فأخرجوهم بدمشق إلى سوق الخيل، وجعلت الحبال في أعناقهم للشنق، فأسلموا حينئذ وأحضروا إلى الحاكم فأسلموا على يده، فلما كان في شوال من السنة فكروا في أنفسهم واستفتوا الفقهاء. ثم عقد لهم مجلس ورسم للقاضي المالكي أن يسمع كلامهم ويحكم بما يوافق مذهبهم، فأثبتوا ذلك، وعاد أكثرهم إلى دينهم وغرموا مبلغا من المال على ذلك.
وفي ثاني عشر آذار في شهر ذي القعدة خرج الناس ونائب السلطنة إلى الصحراء بدمشق يستسقون.
وفيه بعث السلطان الملك المنصور بنات الملك الظاهر وسلامش وخدمهم إلى قلعة الكرك.
وفي هذه السنة تربت جزيرة هائلة تجاه بولاق وبعد البحر عن القاهرة وغلا سعر الماء.
ويوم عرفة أفرج عن البرهان السنجاري الوزير ولزم بيته بعد مشاق شديدة.
وفي رجب درس بالأمينية الشيخ علاء الدين ابن الزملكاني، شد منه الشمسي، وتعجب الفضلاء، فإنه كان قليل الفقه، مليح الشكل، ثم أخذت منه، ثم وليها.
стр. 14665
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الوفيات
المتوفون سنة إحدى وسبعين وستمائة
١ - أحمد بن جعفر بن أبي نصر بن سعيد بن طاجيك (١)، أبو العباس المارديني.
شيخ معمر، قارب المائة وحدث بالقاهرة عن: زين الأمناء وغيره، وتوفي في نصف شعبان (٢).
٢ - أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، المسند الجليل، أبو البركات ابن النحاس الأنصاري، الإسكندراني المالكي، أخو منصور.
وكانا توأمين ولدا في حدود سنة خمس وثمانين وسمعا من عبد الرحمن بن موقى، ومحمد بن محمد الكركنتي؛ وأجاز لهما: أبو جعفر الصيدلاني، وحماد بن هبة الله الحراني، وأبو الحسن بن نجا الواعظ ومكي بن عوف الزهري وجماعة.
وحدث بمصر والإسكندرية، روى عنه الدمياطي والشريف عز الدين (٣)، والشيخ شعبان، وعلاء الدين ابن عمرون الكاتب وعلم الدين الدواداري والشريف يعقوب ابن الصابوني وسعد الدين الحارثي قاضي الحنابلة وطائفة؛ وتوفي في أواخر جمادى الأولى بالإسكندرية.
٣ - أحمد بن عبد الواحد، البصري.
عن: أبي الحسن القطيعي ونصر الحنبلي.
стр. 14666
٤ - أحمد بن عثمان بن سياوش، المقرئ الزاهد، تقي الدين، أبو العباس الإخلاطي، إمام الكلاسة.
قرأ القراءات على أصحاب أبي الجود، وحدث عن شيخه السخاوي وأقرأ ببعض الروايات. وكان مشهورا بالصلاح والخير، روى عنه ابن الخباز، وأبو الحسن ابن العطار؛ وهو والد الخطيب شمس الدين محمد إمام الكلاسة.
توفي في خامس رمضان، وقد نيف على السبعين، لقن مدة الصبيان (١).
٥ - أحمد بن علي بن حمير، البعلبكي، ابن أخت العز ابن معقل، صفي الدين.
رئيس متميز، رافضي متغال، معروف كخاله، توفي في شعبان كهلا (٢).
٦ - أحمد بن هبة الله بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب، السلمي، أبو العباس الكهفي.
ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة تقريبا بكهف جبل قاسيون؛ وسمع من عمر بن طبرزد، وحنبل والكندي، وابن ملاعب، روى عنه ابن الخباز وابن العطار وجماعة. ومات في ثالث رجب بالجبل؛ ولأبيه أبي الغنائم رواية عن عبد الواحد بن هلال (٣).
٧ - أحمد بن أبي الفضائل بن أبي المجد بن أبي المعالي، المحدث، الرئيس، كمال الدين، أبو العباس ابن الدخميسي (٤)، الحموي، ثم الدمشقي، التاجر.
صدر محتشم، متمول، سمع الكثير وعني بالحديث وكتب بخطه الكثير ورحل في الحديث وحصل وفهم. ولد في حدود الستمائة.
وحدث بالإجازة عن حنبل المكبر، وأقبل على الطلب سنة نيف وعشرين وستمائة. وسمع من أبي القاسم بن صصرى، والناصح ابن الحنبلي، وابن صباح
стр. 14667
وابن اللتي والهمداني وأبي علي الإوقي وخلق كثير؛ وسمع ببغداد من عمر بن كرم وعبد السلام الداهري وطائفة.
وكان له مماليك ملاح أتراك قد سمعوا معه. ثم إنه دخل الهند واستوطنها دهرا. وخطه طريقة معروفة بين المحدثين.
وعاش إلى هذا الوقت ولا أتحقق متى مات، بل سمع منه الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي المقدشاوي في سنة سبعين. وروى لنا عنه.
٨ - إبراهيم بن بركات بن فضائل، المصري، الحداد.
شيخ زاهد، عابد، قانت، مقبل على شأنه، متبع للسنة، صحب الحافظ زكي الدين المنذري مدة وسمع منه.
توفي في أول صفر وشيعه خلق كثير (١).
٩ - إبراهيم بن محمد بن هبة الله بن قرناص، الأديب، مخلص الدين الحموي، الشاعر.
توفي في شوال (٢).
١٠ - أسد بن أبي الطاهر، أبو الوحش الدمياطي، اللخمي.
توفي في ربيع الآخر وله بضع وسبعون سنة، روى عن جلدك التقوي، سمع منه الدمياطي، والشريف عز الدين (٣) وغيرهما.
أخبرني محمود العقيلي، عن الدمياطي، عن أسد اللخمي، عن نعمة ابن سالم، عن قاسم بن إبراهيم، عن عبد الكريم بن الحسن التككي، عن علي بن الحسن، عن علي بن إبراهيم الحوفي، عن محمد بن علي الأدفوي، عن أبي جعفر ابن النحاس، عن النسائي (٤)، عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس: أن رسول الله ﷺ (٥) دخل مكة وعليه المغفر، رواه مسلم، عن قتيبة، فوافقناه بنزول أربع درجات (٦).
стр. 14668
١١ - إسماعيل ابن الصفي أحمد بن عبد الله بن موسى العطار.
يروي عن جعفر.
١٢ - جعفر بن علي، الإربلي. خطيب منين.
١٣ - رسلان بن محمد، أبو محمد (١) المصري، الفاكهي.
حدث عن مكرم؛ ومات في جمادى الأولى بمصر (٢).
١٤ - ست العجم بنت محمد بن أبي بكر بن عبد الواسع الهروي.
شيخة مسندة، من أهل الصالحية، تروي عن: عمر بن طبرزد، كتب عنها الطلبة؛ وحدث عنها ابن الخباز، والدمياطي وجماعة.
توفيت في صفر (٣).
١٥ - سليمان بن عبد الغني، أبو الربيع الغمري (٤)، الدمياطي.
ولد بمنية غمر سنة خمس وستمائة، وحدث عن ابن المقير، ومات في المحرم (٥).
١٦ - شرف الدين ابن السكري.
عدل، رئيس، مشهور. وقف داره بالقصاعين لأهل العلم والحديث، وهي التي يسكنها شيخنا ابن تيمية.
١٧ - عبد الله بن جعفر بن عبد الجليل بن علي، الإمام، أبو الفتح القمودي، اللخمي، الإسكندراني، المالكي، الفقيه.
ولد في حدود الثمانين وخمسمائة، وسمع من أبي القاسم عبد الرحمن مولى ابن باقا؛ وحدث ودرس، روى عنه الدمياطي وغيره.
وقمودة: بليدة على يومين من القيروان.
مات في ثالث المحرم (٦).
стр. 14669
١٨ - عبد الرحمن بن عمر (١) بن خليل، أسد الدين، أبو القاسم الأرموي، ثم الموصلي.
ولد سنة بضع وتسعين، وروى بالإجازة عن عبد العزيز ابن الأخضر، وهو ابن أخت الإمام علي بن عدلان النحوي.
مات بالقاهرة في أول رمضان (٢).
١٩ - عبد الرحيم ابن الرضي محمد ابن الإمام عماد الدين محمد ابن يونس بن محمد بن منعة، العلامة، تاج الدين، أبو القاسم الموصلي، مصنف التعجيز.
ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة؛ وله أيضا: مختصر المحصول للرازي ومختصر طريقة الطاوسي في الخلاف.
قال قطب الدين (٣): توفي في جمادى الأولى ببغداد. وكان قد قدمها من قريب وولي بها قضاء الجانب الغربي وتدريس البشيرية، وخلع عليه؛ وله: التطريز في شرح الوجيز، ومختصر درة الغواص، وجوامع الكلم الشريفة في مذهب أبي حنيفة. وألف تصانيف عدة لم يكملها (٤).
وممن أخذ عنه الفقه شيخنا البرهان الجعبري.
٢٠ - عبد القاهر ابن الخطيب سيف الدين عبد الغني ابن الإمام فخر الدين محمد بن أبي القاسم ابن تيمية، الشيخ فخر الدين، أبو الفرج الحراني.
ولد سنة اثنتي عشرة وستمائة بحران، وسمع من جده ومن ابن اللتي وغيرهما، وخطب بجامع حران. وكان دينا، عالما، فاضلا، جليلا.
توفي بدمشق في حادي عشر شوال بخانكاه القصر (٥).
стр. 14670
٢١ - عبد الهادي بن عبد الكريم بن علي بن عيسى بن تميم، الخطيب، المقرئ، المعمر، أبو الفتح القيسي، المصري، الشافعي.
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وقرأ بالروايات على أبي الجود، وهو والمليجي آخر من قرأ عليه، وسمع من قاسم بن إبراهيم المقدسي، وأبي عبد الله الأرتاحي، وأبي نزار ربيعة اليمني وأبي القاسم عبد الرحمن ابن عبد الله المقرئ، وأبي عبد الله محمد بن الحسن اللرستاني، وابن المفضل الحافظ وغيرهم، وأجاز له أبو طالب أحمد بن المسلم اللخمي، ومقاتل بن عبد العزيز البرقي، وأبو الطاهر إسماعيل بن عوف الزهري، وأبو الفضل أحمد وأبو عبد الله محمد ابنا عبد الرحمن بن محمد الحضرمي، وعبد المجيد بن دليل، ومخلوف بن جارة الفقيه، وخلق.
وتفرد في عصره عن جماعة. وروى الكثير، قرأ عليه الشيخ أبو بكر الجعبري نزيل دمشق للسبعة، وعلى المليجي، فسألته: أي الرجلين أعرف بالفن؟ قال: لا ذا يعرف ولا ذا.
قلت: وكان الخطيب عبد الهادي صالحا خيرا، كثير التلاوة. خطب بجامع المقياس مدة، حدث عنه الدمياطي والدواداري وجماعة. ومات في الرابع والعشرين من شعبان ﵀ (١).
٢٢ - عبيد الله ابن الفقيه الإمام كمال الدين أبي حفص عمر بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن، المحدث، الرئيس، شهاب الدين، أبو صالح ابن العجمي، الحلبي.
ولد سنة تسع وستمائة؛ وروى عن الافتخار الهاشمي، وسمع الكثير بنفسه من ابن رواحة، وابن خليل وابن يعيش وطائفة، وكتب بخطه الكثير عن المتأخرين. وحرص كل الحرص وحدث باليسير، سمع منه: الدمياطي والشريف عز الدين (٢) وغيرهما، ومات بحلب فجاءة في تاسع عشر جمادى الأولى.