جزورا فأطعم الناس، فقال رسول الله ﷺ : أنت طلحة الفياض (١).
وقال مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر: صحبت طلحة، فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه.
وقال أبو إسماعيل الترمذي: حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة التيمي، قال: حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، أن أباه أتاه مال من حضرموت سبعمائة ألف، فبات ليلته يتململ، فقالت له زوجته: ما لك؟ فقال: تفكرت فقلت: ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته، قالت: فأين أنت عن بعض أخلائك، فإذا أصبحت فاقسمها، فقال: إنك موفقة - وهي أم كلثوم بنت الصديق - فقسمها بين المهاجرين والأنصار، فبعث إلى علي منها، وأعطى زوجته ما فضل، فكان نحو ألف درهم.
أخبرنا عبد الرحمن بن أبي عمرو وجماعة كتابة، أن عمر بن طبرزد أخبرهم، قال: أخبرنا هبة الله بن الحصين، قال أخبرنا ابن غيلان، قال (٢): حدثنا أبو بكر الشافعي، قال: حدثنا إبراهيم الحربي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، قال: حدثنا محمد بن يعلى، قال: حدثنا الحسن بن دينار، عن علي بن زيد قال: جاء أعرابي إلى طلحة، فسأله وتقرب إليه برحم، فقال: إن هذه لرحم (٣) ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف، فإن شئت الأرض، وإن شئت ثمنها، قال: بل الثمن، فأعطاه (٤).
وروي أنه فدى عشرة من أسارى بدر بماله (٥)، ولطلحة حكايات
стр. 1472
سوى هذه في السخاء.
وعن محمد بن إبراهيم التيمي، قال: كان يغل طلحة بالعراق أربعمائة ألف، ويغل بالسراة (١) عشرة آلاف دينار، وكان يكفي ضعفاء بني تيم، ويقضي ديونهم، ويرسل إلى عائشة كل سنة بعشرة آلاف (٢).
وقال عمرو بن دينار: حدثني مولى لطلحة أن غلته كانت كل يوم ألف درهم.
وقال الواقدي: حدثني إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة، أن معاوية سأله: كم ترك أبو محمد من العين؟ قال: ترك ألفي ألف ومائتي درهم، ومائتي ألف دينار، فقال: عاش سخيا حميدا، وقتل فقيدا.
قد ذكرنا أن مروان كان في جيش طلحة والزبير يوم الجمل، وأنه رمى بسهم على طلحة فقتله، فقال مجالد، عن الشعبي قال: رأى علي طلحة في بعض الأودية ملقى، فنزل فمسح التراب عن وجهه، ثم قال: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلا في الأودية، ثم قال: إلى الله أشكو عجري وبجري.
قال الأصمعي: معناه: سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي.
وقال ليث، عن طلحة بن مصرف، إن عليا انتهى إلى طلحة وقد مات، فنزل وأجلسه، ومسح الغبار، عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه وهو يقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة (٣).
قال أبو أسامة: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثنا قيس قال: رمى مروان يوم الجمل طلحة بسهم في ركبته، فجعل الدم يسيل، فإذا أمسكوه استمسك، وإذا تركوه سال، فقال دعوه، فإنما هو سهم أرسله الله، قال: فمات، فدفناه على شاطئ الكلاء، فرآه بعض أهله أنه أتاه في المنام فقال: ألا تريحوني من هذا الماء، فإني قد غرقت - ثلاث مرات يقولها - قال: فنبشوه، فإذا هو أخضر كأنه السلق، فنزعوا عنه الماء فاستخرجوه، فإذا
стр. 1473
ما يلي الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض. فاشتروا له دارا من دور آل أبي بكرة، بعشرة آلاف فدفنوه فيها.
الكلاء بالمد والتشديد: مرسى المراكب، ويسمى الميناء.
وقال أبو معاوية وغيره: حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة مولى طلحة قال: دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعد الجمل، فرحب به وأدناه منه ثم قال: إني لأرجو الله أن يجعلني وأباك ممن قال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ِخْوَانًا﴾ الآية. فقال رجلان عنده: الله أعدل من ذلك، فقال: قوما أبعد أرضا وأسحقها، فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة، يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فأتنا.
وعن أم يحيى قالت: قتل طلحة وفي يد خازنه ألف ألف درهم، ومائتا ألف درهم، وقومت أصوله وعقاره بثلاثين ألف ألف درهم.
وقد مضى من أخباره في وقعة الجمل، حشرنا الله معه (١).
عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، أبو يحيى، أخو عثمان من الرضاعة له صحبة، ولاه عثمان مصر، ولما مات عثمان اعتزل الفتنة. وجاء من مصر إلى الرملة، فتوفي بها. وكان صاحب ميمنة عمرو بن العاص في حروبه. وكان بطلا شجاعا مذكورا. غزا بالجيش غير مرة المغرب. وكان أمير غزوة ذات الصواري من أرض الروم، غزاها في البحر. وكان قد أسلم وكتب للنبي ﷺ ، ثم ارتد ولحق بالمشركين. فلما كان يوم الفتح أهدر دمه، فأجاره عثمان. ثم حسن إسلامه وبلاؤه.
وقال الليث بن سعد: إنه كان محمود السيرة، وإنه غزا إفريقية، وقتل جرير صاحبها، وغزا ذات الصواري، فالتقى الروم وكانوا في ألف مركب، فقتلهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها.
ولما احتضر قال: اللهم اجعل آخر عملي صلاة الصبح، فلما طلع
стр. 1474
الفجر توضأ وصلى، فلما ذهب يسلم عن يساره فاضت نفسه.
وقيل: شهد صفين مع معاوية.
وقال أبو سعيد بن يونس المصري: توفي بعسقلان (١).
عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص الأموي
ولد قديما. وأمه جويرية بنت أبي جهل بن هشام التي كان قد خطبها علي، ثم تزوجها عتاب بن أسيد أمير مكة.
كان عبد الرحمن يوم الجمل مع عائشة، فكان يصلي بهم، وقتل يومئذ. وقيل: لما رآه علي قتيلا قال: هذا يعسوب (٢) القوم. وقيل: إن يده قطعت فحملها الطير حتى ألقتها بالمدينة، فعرفوا أنها يده بخاتمه، فصلوا عليه.
عبد الرحمن بن عديس، أبو محمد البلوي
له صحبة، وبايع تحت الشجرة. وله رواية. سكن مصر. وكان ممن خرج على عثمان وسار إلى قتاله - نسأل الله العافية - ثم ظفر به معاوية فسجنه بفلسطين في جماعة، ثم هرب من السجن، فأدركوه بجبل لبنان فقتل. ولما أدركوه قال لمن قتله: ويحك اتق الله في دمي، فإني من أصحاب الشجرة، فقال: الشجر بالجبل كثير، وقتله.
قال ابن يونس: كان رئيس الخيل التي سارت من مصر إلى عثمان.
وعن محمد بن يحيى الذهلي قال: لا يحل أن يحدث عنه بشيء، هو رأس الفتنة (٣).
عمرو بن أبي عمرو، الحارث بن شداد. وقيل: الحارث بن زهير بن شداد القرشي الفهري
стр. 1475
أحد من شهد بدرا في قول الواقدي وابن عقبة.
قدامة بن مظعون أبو عمر الجمحي
توفي فيها عن ثمان وستين سنة. شهد بدرا، واستعمله عمر على البحرين. وهو خال عبد الله وحفصة ابني عمر، وزوج عمتهما صفية بنت الخطاب. وله هجرة إلى الحبشة.
ثم إن عمر عزله عن البحرين لما شرب الخمر، وتأول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ وحده عمر (١).
كعب بن سور الأزدي
قاضي البصرة لعمر بن الخطاب. أتاه - وهو يذكر الناس يوم الجمل - سهم فقتله.
كنانة بن بشر التجيبي
أحد رؤوس المصريين الذين ساروا إلى حصار عثمان، ثم إنه هرب وقتل في هذه المدة.
خ م د ق: مجاشع بن مسعود بن ثعلبة السلمي
له صحبة. روى عنه أبو عثمان النهدي، وكليب بن وائل، وغيرهما. قتل في هذه السنة كما ذكرنا (٢).
خ م: مجالد بن مسعود، أخو مجاشع المذكور
له رواية عن أخيه. روى عنه أبو عثمان النهدي، وقتل مع أخيه (٣).
محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي
ولد في حياة رسول الله ﷺ ، فسماه محمدا، وكناه أبا سليمان. وكان يلقب السجاد لكثرة صلاته وعبادته، لم يزل به أبوه حتى وافقه وخرج معه
стр. 1476
على علي. وأمه حمنة بنت جحش، قتل يوم الجمل.
مسلم الجهني
أمره علي يوم الجمل بحمل مصحف، فطاف به على القوم يدعوهم إلى الطاعة، فقتل.
هند بن أبي هالة التيمي، ربيب رسول الله ﷺ وأخو أولاده من أمهم خديجة
اختلف في اسم أبيه فقيل: نباش بن زرارة، وقيل: مالك بن زرارة، وقيل: مالك بن النباش بن زرارة. والأول أكثر.
شهد هند أحدا ويقال: بدرا. وكان وصافا لحلية رسول الله ﷺ ولشمائله.
روى عنه ابن أخته الحسن بن علي. وقتل يوم الجمل مع علي، وقتل ابنه هند بن هند مع مصعب بن الزبير. يقال: انفرجت وقعة الجمل عن ثلاثة عشر ألف قتيل.
وعن قتادة قال: قتل يوم الجمل عشرون ألفا.
وم من قتل يومئذ:
عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر بن كريز، وعبد الله بن مسافع بن طلحة العبدري، وعبد الله بن حكيم بن حزام الأسدي، ومعبد بن مقداد بن الأسود الكندي. والله أعلم.
стр. 1477
سنة سبع وثلاثين
وقعة صفين
قال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: لما قتل عثمان ﵁، كتبت نائلة زوجته إلى الشام إلى معاوية كتابا تصف فيه كيف دخل على عثمان ﵁ وقتل، وبعثت إليه بقميصه بالدماء، فقرأ معاوية الكتاب على أهل الشام، وطيف بالقميص في أجناد الشام، وحرضهم على الطلب بدمه، فبايعوا معاوية على الطلب بدمه.
ولما بويع علي بالخلافة قال له ابنه الحسن وابن عباس: اكتب إلى معاوية فأقره على الشام، وأطمعه فإنه سيطمع ويكفيك نفسه وناحيته، فإذا بايع لك الناس أقررته أو عزلته، قال: فإنه لا يرضى حتى أعطيه عهد الله - تعالى - وميثاقه أن لا أعزله. قالا: لا تعطه ذلك. وبلغ ذلك معاوية. فقال: والله لا ألي له شيئا ولا أبايعه، وأظهر بالشام أن الزبير بن العوام قادم عليهم، وأنه مبايع له، فلما بلغه أمر الجمل أمسك، فلما بلغه قتل الزبير ترحم عليه، وقال: لو قدم علينا لبايعناه وكان أهلا.
فلما انصرف علي من البصرة، أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية، فكلم معاوية، وعظم أمر علي ومبايعته واجتماع الناس عليه، فأبى أن يبايعه، وجرى بينه وبين جرير كلام كثير، فانصرف جرير إلى علي فأخبره، فأجمع على المسير إلى الشام، وبعث معاوية أبا مسلم الخولاني إلى علي بأشياء يطلبها منه، منها أن يدفع إليه قتلة عثمان، فأبى علي، وجرت بينهما رسائل.
ثم سار كل منهما يريد الآخر، فالتقوا بصفين لسبع بقين من المحرم، وشبت الحرب بينهم في أول صفر، فاقتتلوا أياما.
فحدثني ابن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: استعملني عثمان على الحج، فأقمت للناس الحج، ثم قدمت وقد قتل وبويع لعلي، فقال: سر إلى الشام فقد وليتكها.
стр. 1478
قلت: ما هذا برأي، معاوية ابن عم عثمان وعامله على الشام، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان، وأدنى ما هو صانع أن يحبسني. قال علي: ولم؟ قلت: لقرابتي منك، وأن كل من حمل عليك حمل علي، ولكن اكتب إلى معاوية فمنه وعده. فأبى علي وقال: لا والله لا كان هذا أبدا.
روى أبو عبيد القاسم بن سلام، عمن حدثه، عن أبي سنان العجلي قال: قال ابن عباس لعلي: ابعثني إلى معاوية، فوالله لأفتلن له حبلا لا ينقطع وسطه، قال: لست من مكرك ومكره في شيء، ولا أعطيه إلا السيف، حتى يغلب الحق الباطل، فقال ابن عباس: أو غير هذا؟ قال: كيف؟ قال: لأنه يطاع ولا يعصى، وأنت عن قليل تعصى ولا تطاع. قال: فلما جعل أهل العراق يختلفون على علي ﵁ قال: لله در ابن عباس، إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
وقال مجالد، عن الشعبي، قال: لما قتل عثمان، أرسلت أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى أهل عثمان: أرسلوا إلي بثياب عثمان التي قتل فيها، فبعثوا إليها بقميصه مضرجا بالدم، وخصلة الشعر التي نتفت من لحيته، ثم دعت النعمان بن بشير، فبعثته إلى معاوية، فمضى بذلك وبكتابها، فصعد معاوية المنبر، وجمع الناس، ونشر القميص عليهم، وذكر ما صنع بعثمان، ودعا إلى الطلب بدمه. فقام أهل الشام، فقالوا: هو ابن عمك وأنت وليه، ونحن الطالبون معك بدمه، وبايعوا له.
وقال يونس، عن الزهري قال: لما بلغ معاوية قتل طلحة والزبير، وظهور علي، دعا أهل الشام للقتال معه على الشورى والطلب بدم عثمان، فبايعوه على ذلك أميرا غير خليفة.
وذكر يحيى الجعفي (١) في كتاب صفين بإسناده أن معاوية قال لجرير بن عبد الله: اكتب إلى علي أن يجعل لي الشام، وأنا أبايع له، قال: وبعث الوليد بن عقبة إليه يقول:
стр. 1479
معاوي إن الشام شامك فاعتصم … بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا
وحام عليها بالقنابل والقنا … ولا تك مخشوش الذراعين وانيا (١)
فإن عليا ناظر ما تجيبه … فأهد له حربا تشيب النواصيا
وحدثني (٢) يعلى بن عبيد: قال: حدثنا أبي، قال: قال أبو مسلم الخولاني وجماعة لمعاوية: أنت تنازع عليا! أم أنت مثله؟ فقال: لا والله إني لأعلم أن عليا أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدمه، فأتوا عليا فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان وأسلم له. فأتوا عليا فكلموه بذلك، فلم يدفعهم إليه.
وحدثني خلاد بن يزيد الجعفي، قال: حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن الشعبي - أو أبي جعفر الباقر شك خلاد - قال: لما ظهر أمر معاوية دعا علي ﵁ رجلا، وأمره أن يسير إلى دمشق، فيعقل راحلته على باب المسجد، ويدخل بهيئة السفر، ففعل الرجل، وكان قد وصاه بما يقول، فسألوه: من أين جئت؟ قال: من العراق، قالوا: ما وراءك؟ قال: تركت عليا قد حشد إليكم ونهد في أهل العراق. فبلغ معاوية، فأرسل أبا الأعور السلمي يحقق أمره، فأتاه فسأله، فأخبره بالأمر الذي شاع، فنودي: الصلاة جامعة. وامتلأ الناس في المسجد، فصعد معاوية المنبر وتشهد، ثم قال: إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق، فما الرأي؟ فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم، ولم يرفع إليه أحد طرفه، فقام ذو الكلاع الحميري، فقال: عليك الرأي وعلينا أم فعال (٣) - يعني الفعال - فنزل معاوية ونودي في الناس: اخرجوا إلى معسكركم، ومن تخلف بعد ثلاث أحل بنفسه. فخرج رسول علي حتى وافاه، فأخبره بذلك،
стр. 1480
فأمر علي فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن رسولي الذي أرسلته إلى الشام قد قدم علي، وأخبرني أن معاوية قد نهد إليكم في أهل الشام فما الرأي؟ قال: فأضب (١) أهل المسجد يقولون: يا أمير المؤمنين الرأي كذا، الرأي كذا، فلم يفهم على كلامهم من كثرة من تكلم، وكثر اللغط، فنزل وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب بها ابن أكالة الأكباد، يعني معاوية (٢).
وقال الأعمش: حدثني من رأى عليا يوم صفين يصفق بيديه ويعض عليها ويقول: واعجبا! أعصى ويطاع معاوية (٣).
وقال الواقدي: اقتتلوا أياما حتى قتل خلق وضجروا، فرفع أهل الشام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه، وكان ذلك مكيدة من عمرو بن العاص، يعني لما رأى ظهور جيش علي. فاصطلحوا كما يأتي.
وقال الزهري: اقتتلوا قتالا لم تقتتل هذه الأمة مثله قط، وغلب أهل العراق على قتلى أهل حمص، وغلب أهل الشام على قتلى أهل العالية، وكان على ميمنة علي: الأشعث بن قيس الكندي، وعلى الميسرة: عبد الله بن عباس، وعلى الرجالة: عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، فقتل يومئذ. ومن أمراء علي يومئذ: الأحنف بن قيس التميمي، وعمار بن ياسر العنسي، وسليمان بن صرد الخزاعي، وعدي بن حاتم الطائي، والأشتر النخعي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وشبث بن ربعي الرياحي، وسعيد بن قيس الهمداني، وكان رئيس همدان: المهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي، وقيس بن مكشوح المرادي، وخزيمة بن ثابت الأنصاري، وغيرهم.
وكان علي في خمسين ألفا، وقيل: في تسعين ألفا، وقيل: كانوا مائة ألف (٤).
стр. 1481
وكان معاوية في سبعين ألفا، وكان لواؤه مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، وعلى ميمنته عمرو بن العاص، وقيل: ابنه عبد الله بن عمرو، وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ومن أمرائه يومئذ: أبو الأعور السلمي، وزفر بن الحارث، وذو الكلاع الحميري، ومسلمة بن مخلد، وبسر بن أرطاة العامري، وحابس بن سعد الطائي، ويزيد بن هبيرة السكوني، وغيرهم (١).
قال عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمار بن ياسر بصفين، ورأى راية معاوية فقال: إن هذه راية قاتلتها مع رسول الله ﷺ أربع مرات. ثم قاتل حتى قتل.
وقال غيره: برز الأشعث بن قيس في ألفين، فبرز لهم أبو الأعور في خمسة آلاف، فاقتتلوا: ثم غلب الأشعث على الماء وأزالهم عنه (٢).
ثم التقوا يوم الأربعاء سابع صفر، ثم يوم الخميس والجمعة وليلة السبت، ثم رفع أهل الشام لما رأوا الكسرة المصاحف بإشارة عمرو، ودعوا إلى الصلح والتحكيم، فأجاب علي إلى تحكيم الحكمين، فاختلف عليه حينئذ جيشه وقالت طائفة: لا حكم إلا لله. وخرجوا عليه فهم الخوارج.
وقال ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه قال: قتل مع علي بصفين خمسة وعشرون بدريا. ثوير متروك.
قال الشعبي: كان عبد الله بن بديل يوم صفين عليه درعان ومعه سيفان، فكان يضرب أهل الشام ويقول:
لم يبق إلا الصبر والتوكل … ثم التمشي في الرعيل الأول
مشي الجمال في حياض المنهل … والله يقضي ما يشا ويفعل
فلم يزل يضرب بسيفه حتى انتهى إلى معاوية فأزاله عن موقفه، وأقبل أصحاب معاوية يرمونه بالحجارة حتى أثخنوه وقتل، فأقبل إليه معاوية، وألقى عبد الله بن عامر عليه عمامته غطاه بها وترحم عليه، فقال معاوية لعبد الله: قد وهبناه لك، هذا كبش القوم ورب الكعبة، اللهم أظفر بالأشتر
стр. 1482
والأشعث، والله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها … وإن شمرت يوما به الحرب شمرا
كليث هزبر كان يحمي ذماره … رمته المنايا قصدها فتقصرا
ثم قال: لو قدرت نساء خزاعة أن تقاتلني فضلا عن رجالها لفعلت.
وفي الطبقات لابن سعد، من حديث عمرو بن شراحيل، عن حنش بن عبد الله الصنعاني عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: لقد رأيتنا يوم صفين، فاقتتلنا نحن وأهل الشام، حتى ظننت أنه لا يبقى أحد، فأسمع صائحا يصيح: معشر الناس، الله الله في النساء والولدان، من للروم ومن للترك، الله الله. والتقينا، فأسمع حركة من خلفي، فإذا علي يعدو بالراية حتى أقامها، ولحقه ابنه محمد بن الحنفية، فسمعته يقول: يا بني الزم رايتك، فإني متقدم في القوم، فأنظر إليه يضرب بالسيف حتى يفرج له، ثم يرجع فيهم (١).
وقال خليفة (٢): شهد مع علي من البدريين: عمار بن ياسر، وسهل بن حنيف، وخوات بن جبير، وأبو سعد الساعدي، وأبو اليسر، ورفاعة بن رافع الأنصاري، وأبو أيوب الأنصاري بخلف فيه، قال: وشهد معه من الصحابة ممن لم يشهد بدرا: خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وقيس بن سعد بن عبادة، وأبو قتادة، وسهل بن سعد الساعدي، وقرظة بن كعب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأبو مسعود عقبة بن عمرو، وأبو عياش الزرقي، وعدي بن حاتم، والأشعث بن قيس، وسليمان بن صرد، وجندب بن عبد الله، وجارية بن قدامة السعدي.
وعن ابن سيرين قال: قتل يوم صفين سبعون ألفا يعدون بالقصب (٣).
стр. 1483
وقال خليفة (١) وغيره: افترقوا عن ستين ألف قتيل، وقيل: عن سبعين ألفا، منهم خمسة وأربعون ألفا من أهل الشام.
وقال عبد السلام بن حرب (٢)، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن جعفر - أظنه بن أبي المغيرة - عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: شهدنا مع علي ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منهم ثلاثة وستون رجلا، منهم عمار.
وقال أبو عبيدة وغيره: كانت راية علي مع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وكان على الخيل عمار بن ياسر.
وقال غيره: حيل بين علي وبين الفرات، لأن معاوية سبق إلى الماء، فأزالهم الأشعث عن الماء.
قلت: ثم افترقوا وتواعدوا ليوم الحكمين.
وقتل مع علي: خزيمة بن ثابت، وعمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة، وعبد الله بن بديل، وعبد الله بن كعب المرادي، وعبد الرحمن بن كلدة الجمحي، وقيس بن مكشوح المرادي، وأبي بن قيس النخعي أخو علقمة، وسعد بن الحارث بن الصمة الأنصاري، وجندب بن زهير الغامدي، وأبو ليلى الأنصاري.
وقتل مع معاوية: ذو الكلاع، وحوشب ذو ظليم، وحابس بن سعد الطائي قاضي حمص، وعمرو بن الحضرمي، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، وعروة بن داود، وكريب بن الصباح الحميري أحد الأبطال، قتل يومئذ جماعة، ثم بارزه علي فقتله.
قال نصر بن مزاحم الكوفي الرافضي (٣): حدثنا عمر بن سعد، عن الحارث بن حصيرة، أن ولد ذي الكلاع أرسل إلى الأشعث بن قيس يقول: إن ذا الكلاع قد أصيب، وهو في الميسرة، أفتأذن لنا في دفنه؟ فقال الأشعث لرسوله: أقرئه السلام، وقل إني أخاف أن يتهمني أمير المؤمنين،
стр. 1484
فاطلبوا ذلك إلى سعيد بن قيس الهمداني فإنه في الميمنة، فذهب إلى معاوية فأخبره، فقال: ما عسيت أن أصنع، وقد كانوا منعوا أهل الشام أن يدخلوا عسكر علي، خافوا أن يفسدوا أهل العسكر، فقال معاوية لأصحابه: لأنا أشد فرحا بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصر لو افتتحتها، لأن ذا الكلاع كان يعرض لمعاوية في أشياء كان يأمر بها، فخرج ابن ذي الكلاع إلى سعيد بن قيس، فاستأذنه في أبيه فأذن له، فحملوه على بغل وقد انتفخ.
وشهد صفين مع معاوية من الصحابة: عمرو بن العاص السهمي، وابنه عبد الله، وفضالة بن عبيد الأنصاري، ومسلمة بن مخلد، والنعمان بن بشير، ومعاوية بن حديج الكندي، وأبو غادية الجهني قاتل عمار، وحبيب بن مسلمة الفهري، وأبو الأعور السلمي، وبسر بن أرطاة العامري.
تحكيم الحكمين
عن عكرمة (١)، قال: حكم معاوية عمرو بن العاص، فقال الأحنف بن قيس لعلي: حكم أنت ابن عباس، فإنه رجل مجرب، قال: أفعل، فأبت اليمانية وقالوا: لا، حتى يكون منا رجل، فجاء ابن عباس إلى علي لما رآه قد هم أن يحكم أبا موسى الأشعري، فقال له: علام تحكم أبا موسى، فوالله لقد عرفت رأيه فينا، فوالله ما نصرنا، وهو يرجو ما نحن فيه، فتدخله الآن في معاقد أمرنا، مع أنه ليس بصاحب ذاك، فإذ أبيت أن تجعلني مع عمرو فاجعل الأحنف بن قيس، فإنه مجرب من العرب، وهو قرن لعمرو. فقال علي: أفعل، فأبت اليمانية أيضا. فلما غلب جعل أبا موسى، فسمعت ابن عباس يقول: قلت لعلي يوم الحكمين: لا تحكم أبا موسى، فإن معه رجلا حذرا مرسا قارحا (٢)، فلزني إلى جنبه، فإنه لا يحل عقدة إلا
стр. 1485
عقدتها ولا يعقد عقدة إلا حللتها. قال: يا ابن عباس ما أصنع: إنما أوتى من أصحابي، قد ضعفت نيتهم وكلوا في الحرب، هذا الأشعث بن قيس يقول: لا يكون فيها مضريان أبدا حتى يكون أحدهما يمان، قال: فعذرته وعرفت أنه مضطهد، وأن أصحابه لا نية لهم. وقال أبو صالح السمان: قال علي لأبي موسى: احكم ولو على حز عنقي (١).
وقال غيره: حكم معاوية عمرا، وحكم علي أبا موسى، على أن من ولياه الخلافة فهو الخليفة، ومن اتفقا على خلعه خلع. وتواعدا أن يأتيا في رمضان، وأن يأتي مع كل واحد جمع من وجوه العرب. فلما كان الموعد سار هذا من الشام، وسار هذا من العراق، إلى أن التقى الطائفتان بدومة الجندل، وهي طرف من الشام من جهة زاوية الجنوب والشرق.
فعن عمر بن الحكم قال: قال ابن عباس لأبي موسى الأشعري: احذر عمرا، فإنما يريد أن يقدمك ويقول: أنت صاحب رسول الله ﷺ وأسن مني فتكلم حتى أتكلم، وإنما يريد أن يقدمك في الكلام لتخلع عليا. قال: فاجتمعا على إمرة، فأدار عمرو أبا موسى، وذكر له معاوية فأبى، وقال أبو موسى: بل عبد الله بن عمر، فقال عمرو: أخبرني عن رأيك؟ فقال أبو موسى: أرى أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين، فيختاروا لأنفسهم من أحبوا. قال عمرو: الرأي ما رأيت.
قال: فأقبلا على الناس وهم مجتمعون بدومة الجندل، فقال عمرو: يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اجتمع، فقال: نعم، إن رأينا قد اجتمع على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر الأمة، فقال عمرو: صدق وبر، ونعم الناظر للإسلام وأهله، فتكلم يا أبا موسى، فأتاه ابن عباس، فخلا به، فقال: أنت في خدعة، ألم أقل لك لا تبدأه وتعقبه، فإني أخشى أن يكون أعطاك أمرا خاليا، ثم ينزع عنه على ملأ من الناس، فقال: لا تخش ذلك فقد اجتمعنا واصطلحنا.
стр. 1486
ثم قام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، قد نظرنا في هذا الأمر وأمر هذه الأمة، فلم نر شيئا هو أصلح لأمرنا ولا ألم لشعثها من أن لا نثير أمرها ولا بعضه، حتى يكون ذلك عن رضا منها وتشاور، وقد اجتمعت أنا وصاحبي على أمر واحد: على خلع علي ومعاوية، وتستقيل الأمة هذا الأمر فيكون شورى بينهم يولون من أحبوا، وإني قد خلعت عليا ومعاوية، فولوا أمركم من رأيتم. ثم تأخر.
وأقبل عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، وإني خلعت صاحبه وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان، والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه، فقال سعد بن أبي وقاص: ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو ومكايده، فقال: ما أصنع به؟ جامعني على أمر، ثم نزع عنه، فقال ابن عباس: لا ذنب لك، الذنب للذي قدمك، فقال: رحمك الله غدر بي، فما أصنع؟ وقال أبو موسى: يا عمرو إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. فقال ابن عمر: إلى ما صير أمر هذه الأمة! إلى رجل لا يبالي ما صنع، وآخر ضعيف (١).
قال المسعودي في المروج (٢): كان لقاء الحكمين بدومة الجندل في رمضان، سنة ثمان وثلاثين، فقال عمرو لأبي موسى: تكلم، فقال: بل تكلم أنت، فقال: ما كنت لأفعل، ولك حقوق كلها واجبة. فحمد الله أبو موسى وأثنى عليه، ثم قال: هلم يا عمرو إلى أمر يجمع الله به الأمة، ودعا عمرو بصحيفة، وقال للكاتب: اكتب وهو غلام لعمرو، وقال: إن للكلام أولا وآخرا، ومتى تنازعنا الكلام لم نبلغ آخره حتى ينسى أوله، فاكتب ما نقول، قال: لا تكتب شيئا يأمرك به أحدنا حتى تستأمر الآخر، فإذا أمرك فاكتب، فكتب: هذا ما تقاضى عليه فلان وفلان. إلى أن قال عمرو: وإن عثمان كان مؤمنا، فقال أبو موسى: ليس لهذا قعدنا. قال عمرو: لا بد أن يكون مؤمنا أو كافرا. قال: بل كان مؤمنا. قال: فمره أن يكتب، فكتب،
стр. 1487
قال عمرو: ظالما قتل أو مظلوما؟ قال أبو موسى: بل قتل مظلوما، قال عمرو: أفليس قد جعل الله لوليه سلطانا يطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم، قال عمرو: فعلى قاتله القتل، قال: بلى. قال: أفليس لمعاوية أن يطلب بدمه حتى يعجز؟ قال: بلى، قال عمرو: فإنا نقيم البينة على أن عليا قتله.
قال أبو موسى: إنما اجتمعنا لله، فهلم إلى ما يصلح الله به أمر الأمة، قال: وما هو؟ قال: قد علمت أن أهل العراق لا يحبون معاوية أبدا، وأهل الشام لا يحبون عليا أبدا، فهلم نخلعهما معا، ونستخلف ابن عمر - وكان ابن عمر على بنت أبي موسى - قال عمرو: أيفعل ذلك عبد الله؟ قال: نعم إذا حمله الناس على ذلك. فصوبه عمرو وقال: فهل لك في سعد؟ وعدد له جماعة، وأبو موسى يأبى إلا ابن عمر، ثم قال: قم حتى نخلع صاحبينا جميعا، واذكر اسم من تستخلف، فقام أبو موسى وخطب وقال: إنا نظرنا في أمرنا، فرأينا أقرب ما نحقن به الدماء ونلم به الشعث خلعنا معاوية وعليا، فقد خلعتهما كما خلعت عمامتي هذه، واستخلفنا رجلا قد صحب رسول الله ﷺ بنفسه، وله سابقة: عبد الله بن عمر، فأطراه ورغب الناس فيه.
ثم قام عمرو فقال: أيها الناس، إن أبا موسى قد خلع عليا، وهو أعلم به، وقد خلعته معه، وأثبت معاوية علي وعليكم، وإن أبا موسى كتب في هذه الصحيفة أن عثمان قتل مظلوما، وأن لوليه أن يطلب بدمه، فقام أبو موسى فقال: كذب عمرو، ولم نستخلف معاوية، ولكنا خلعنا معاوية وعليا معا.
قال المسعودي: ووجدت في رواية أنهما اتفقا وخلعا عليا ومعاوية، وجعلا الأمر شورى، فقام عمرو بعده، فوافقه على خلع علي، وعلى إثبات معاوية، فقال له: لا وفقك الله، غدرت. وقنع شريح بن هانئ الهمداني عمرا بالسوط. وانخذل أبو موسى، فلحق بمكة، ولم يعد إلى الكوفة، وحلف لا ينظر في وجه علي ما بقي. ولحق سعد بن أبي وقاص، وابن عمر ببيت المقدس فأحرما، وانصرف عمرو، فلم يأت معاوية، فأتاه وهيأ طعاما كثيرا، وجرى بينهما كلام كثير، وطلب الأطعمة، فأكل عبيد عمرو، ثم قاموا ليأكل عبيد معاوية، وأمر من أغلق الباب وقت أكل عبيده، فقال
стр. 1488
عمرو: فعلتها؟ قال: إي والله بايع وإلا قتلتك. قال: فمصر، قال: هي لك ما عشت (١).
وقال الواقدي: رفع أهل الشام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه. فاصطلحوا، وكتبوا بينهما كتابا على أن يوافوا رأس الحول أذرح ويحكموا حكمين، ففعلوا ذلك فلم يقع اتفاق، ورجع علي بالاختلاف والدغل من أصحابه، فخرج منهم الخوارج، وأنكروا تحكيمه، وقالوا: لا حكم إلا لله، ورجع معاوية بالألفة واجتماع الكلمة عليه. ثم بايع أهل الشام معاوية بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين (٢). كذا قال.
وقال خليفة (٣) وغيره: إنهم بايعوه في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين، وهو أشبه، لأن ذلك كان إثر رجوع عمرو بن العاص من التحكيم.
وقال محمد بن الضحاك الحزامي، عن أبيه، قال: قام علي على منبر الكوفة، فقال: حين اختلف الحكمان: لقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فعصيتموني، فقام إليه شاب آدم، فقال: إنك والله ما نهيتنا ولكن أمرتنا ودمرتنا، فلما كان منها ما تكره برأت نفسك ونحلتنا ذنبك. فقال علي: ما أنت وهذا الكلام قبحك الله؟ والله لقد كانت الجماعة فكنت فيها خاملا، فلما ظهرت الفتنة نجمت فيها نجوم الماغرة. ثم قال: لله منزل نزله سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، والله لئن كان ذنبا إنه لصغير مغفور، وإن كان حسنا إنه لعظيم مشكور.
قلت: ما أحسنها لولا أنها منقطعة السند.
وقال الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: دخلت على حفصة، فقلت: قد كان بين الناس ما ترين، ولم يجعل لي من الأمر شيء، قالت: فالحق بهم، فإنهم ينتظرونك، وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فذهب.
فلما تفرق الحكمان خطب معاوية، فقال: من كان يريد أن يتكلم في
стр. 1489
هذا الأمر فليطلع إلي قرنه فلنحن أحق بهذا الأمر منه ومن أبيه - يعرض بابن عمر - قال ابن عمر: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق به من قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجمع وتسفك الدم، فذكرت ما أعد الله في الجنان.
قال جرير بن حازم، عن يعلى، عن نافع، قال: قال أبو موسى: لا أرى لها غير ابن عمر، فقال عمرو لابن عمر: أما تريد أن نبايعك؟ فهل لك أن تعطي مالا عظيما على أن تدع هذا الأمر لمن هو أحرص عليه منك. فغضب ابن عمر وقام. رواه معمر، عن الزهري.
وفيها أخرج علي سهل بن حنيف على أهل فارس، فمانعوه، فوجه علي زيادا، فصالحوه وأدوا الخراج (١).
وفيها قال أبو عبيدة (٢): خرج أهل حروراء في عشرين ألفا، عليهم شبث بن ربعي، فكلمهم علي فحاجهم، فرجعوا.
وقال سليمان التيمي، عن أنس قال: قال شبث بن ربعي: أنا أول من حرر الحرورية، فقال رجل: ما في هذا ما تمتدح به.
وعن مغيرة قال: أول من حكم ابن الكواء وشبث.
قلت: معنى قوله: حكم هذه كلمة قد صارت سمة للخوارج. يقال: حكم إذا خرج وقال: لا حكم إلا لله.
(و توفي فيها):
أويس القرني بن عامر بن جزء بن مالك المرادي القرني الزاهد، سيد التابعين، في نسبه أقوال مختلفة، وكنيته أبو عمرو.
قال ابن الكلبي: استشهد أويس يوم صفين مع علي.
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: إن أويسا شهد
стр. 1490
صفين مع علي، ثم روى عن رجل أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أويس خير التابعين بإحسان (١).
وقال غيره: إن أويسا وفد على عمر من اليمن، وروى عنه، وعن علي. روى عنه يسير بن عمرو، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عبد رب الدمشقي. وسكن الكوفة، وليس له حديث مسند، بل له حكايات.
قال أسير بن جابر، عن عمر بن الخطاب، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: خير التابعين رجل يقال له: أويس بن عامر، كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدرهم في سرته، لا يدع باليمن غير أم له، فمن لقيه منكم فمروه فليستغفر لكم. قال عمر: فقدم علينا رجل فقلت له: من أين أنت؟ قال: من اليمن، قلت: ما اسمك؟ قال: أويس. قلت: فمن تركت باليمن؟ قال: أما لي، قلت: أكان بك بياض، فدعوت الله فأذهبه عنك؟ قال: نعم، قلت: فاستغفر لي، قال: أو يستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين! قال: فاستغفر لي، وقلت له: أنت أخي لا تفارقني، قال: فانملس مني.
فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة، قال: فجعل رجل كان يسخر بأويس بالكوفة ويحقره، يقول: ما هذا فينا ولا نعرفه، فقال عمر: بلى إنه رجل كذا وكذا، فقال - كأنه يضع شأنه -: فينا رجل يا أمير المؤمنين يقال له أويس، فقال عمر: أدركه فلا أراك تدركه، قال: فأقبل ذلك الرجل حتى دخل على أويس قبل أن يأتي أهله، فقال له أويس: ما هذه عادتك، فما بدا لك؟ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول فيك كذا وكذا فاستغفر لي، قال: لا أفعل حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر مني فيما بعد، وأن لا تذكر ما سمعته من عمر لأحد، قال: نعم، فاستغفر له، قال أسير: فما لبثنا أن فشا أمره بالكوفة، قال: فدخلت عليه فقلت: يا أخي إن أمرك لعجب ونحن لا نشعر، فقال: ما كان في هذا ما أتبلغ به في الناس، وما يجزى كل عبد إلا
стр. 1491
بعمله، قال: وانملس مني فذهب. رواه مسلم (١).
وفي أول الحديث: قال أسير: كان رجل بالكوفة يتكلم بكلام لا أسمع أحدا يتكلم به، ففقدته فسألت عنه، فقالوا: ذاك أويس فاستدللت عليه وأتيته، فقلت: ما حبسك عنا؟ قال: العري. قال: وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه، فقلت: هذا برد فخذه، فقال: لا تفعل فإنهم إذن يؤذونني، فلم أزل به حتى لبسه، فخرج عليهم فقالوا: من ترون خدع عن هذا البرد! قال: فجاء فوضعه، فأتيت فقلت: ما تريدون من هذا الرجل؟ فقد آذيتموه والرجل يعرى مرة ويكتسي أخرى، وآخذتهم بلساني، فقضي أن أهل الكوفة وفدوا على عمر، فوفد رجل ممن كان يسخر به، فقال عمر: ما ها هنا أحد من القرنيين؟ فقام ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قال: إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس فذكر الحديث.
وروى نحو هذه القصة عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، وزاد فيها؛ ثم إنه غزا أذربيجان، فمات، فتنافس أصحابه في حفر قبره.
وعن علقمة بن مرثد، عن عمر - وهو منقطع - قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل الجنة بشفاعة أويس مثل ربيعة ومضر.
وقال فضيل بن عياض: حدثنا أبو قرة السدوسي، عن سعيد بن المسيب قال: نادى عمر بمنى على المنبر: يا أهل قرن، فقام مشايخ، فقال: أفيكم من اسمه أويس؟ فقال شيخ: يا أمير المؤمنين ذاك مجنون يسكن القفار لا يألف ولا يؤلف، قال: ذاك الذي أعنيه، فإذا عدتم فاطلبوه وبلغوه سلامي وسلام رسول الله ﷺ فعادوا إلى قرن، فوجدوه في الرمال، فأبلغوه سلام عمر، وسلام رسول الله ﷺ قال: فقال: عرفني أمير المؤمنين وشهر باسمي، اللهم صل على محمد وعلى آله، السلام على رسول الله، ثم هام على وجهه، فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهرا، ثم عاد في أيام علي فاستشهد معه بصفين، فنظروا فإذا عليه نيف وأربعون جراحة.
стр. 1492
وقال هشام بن حسان، عن الحسن قال: يخرج من النار بشفاعة أويس أكثر من ربيعة ومضر.
وقال خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن أبي الجدعاء: سمع رسول الله ﷺ يقول: يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم (١).
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لما كان يوم صفين، نادى مناد أصحاب معاوية: أفيكم أويس القرني؟ قالوا: نعم، فضرب دابته ودخل معهم وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خير التابعين أويس القرني. قال: فوجد في قتلى صفين ﵁ (٢).
قال ابن عدي (٣): أويس ثقة صدوق، ومالك ينكر أويسا. قال: ولا يجوز أن يشك فيه.
قلت: وروى قصة أويس مبارك بن فضالة، عن مروان الأصفر، عن صعصعة بن معاوية. ورواه هدبة، عن مبارك، عن أبي الأصفر، وقد ذكر ابن حبان أبا الأصفر في الضعفاء (٤)، وساق الحديث بطوله. وأخبار أويس مستوعبة في تاريخ دمشق (٥)، ليس في التابعين أحد أفضل منه، وأما أن يكون أحد مثله في الفضل فيمكن كسعيد بن المسيب، وهم قليل.
جندب بن زهير بن الحارث الغامدي الأزدي
كوفي، يقال: له صحبة. وله حديث تفرد به السري بن اسماعيل،
стр. 1493
وهو ضعيف. وكان يوم صفين على الرجالة مع علي، فقتل.
جهجاه بن قيس، وقيل: ابن سعيد الغفاري
مدني، له صحبة. شهد بيعة الرضوان، وكان في غزوة المريسيع أجيرا لعمر، ووقع بينه وبين سنان الجهني، فنادى: يا للمهاجرين: ونادى سنان: يا للأنصار.
وعن عطاء بن يسار، عن جهجاه أنه هو الذي شرب حلاب سبع شياه قبل أن يسلم، فلما أسلم لم يتم حلاب شاة.
وقال ابن عبد البر (١): هو الذي تناول العصا من يد عثمان ﵁ وهو يخطب، فكسرها على ركبته، فوقعت فيها الآكلة، وكانت عصا رسول الله ﷺ . توفي بعد عثمان بسنة.
ق: حابس بن سعد الطائي
ولي قضاء حمص زمن عمر، وكان أبو بكر قد وجهه إلى الشام، وكان من العباد. روى عنه جبير بن نفير. قتل يوم صفين مع معاوية (٢).
ع: خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة التميمي، مولى أم سباع بنت أنمار أبو عبد الله
من المهاجرين الأوليين. شهد بدرا والمشاهد بعدها. وروى عدة أحاديث. وعنه أبو وائل، ومسروق، وعلقمة، وقيس بن أبي حازم، وخلق سواهم.
قيل: كان أصابه سبي، فبيع بمكة، فاشترته أم سباع بنت أنمار الخزاعية من حلفاء بني زهرة، ويقال: كانت ختانة بمكة. أسلم قبل دخول دار الأرقم، وكان من المستضعفين بمكة الذين عذبوا في الله.
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب إلى عمر فقال: ادنه، فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار بن ياسر، قال:
стр. 1494
فجعل خباب يريه آثارا في ظهره مما عذبه المشركون.
وقال مجالد، عن الشعبي: دخل خباب بن الأرت على عمر، فأجلسه على متكئه، وقال: ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا، إلا رجل واحد وهو بلال، فقال: ما هو بأحق به مني، إنه كان من المشركين من يمنعه، ولم يكن لي أحد يمنعني، لقد رأيتني يوما أخذوني وأوقدوا لي نارا، ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري، فما اتقيت الأرض إلا بظهري، قال: ثم كشف عن ظهره، فإذا هو قد برص.
وقال حارثة بن مضرب: دخلت على خباب وقد اكتوى سبع كيات، فسمعته يقول: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا ينبغي لأحد أن يتمنى الموت لألفاني قد تمنيته، قال: وقد أتي بكفنه قباطي، فبكى، ثم قال: لكن حمزة عم النبي ﷺ كفن في بردة، إذا مدت على قدميه قلصت عن رأسه، وإذا مدت على رأسه قلصت عن قدميه، ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ما أملك دينارا ولا درهما، وإن في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف واف، ولقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا (١).
وقال الواقدي: سمعت من يقول: هو أول من قبره علي بالكوفة، وصلى عليه منصرفه من صفين.
وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: إن خباب بن الأرت لبس خاتما من ذهب، فدخل به على ابن مسعود، فقال له: أما آن لهذا الخاتم أن يطرح، فقال: لا تراه علي بعد اليوم ﵁ (٢).
م ٤: خزيمة بن ثابت بن الفاكه، أبو عمارة الأنصاري الخطمي، ذو الشهادتين.
стр. 1495
يقال: إنه بدري، والصحيح أنه شهد أحدا وما بعدها. له أحاديث.
روى عنه إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن ميمون الأودي، وابنه عمارة بن خزيمة، وأبو عبد الله الجدلي، وغيرهم.
شهد صفين مع علي، وقاتل حتى قتل (١).
ذو الكلاع الحميري، اسمه السميفع، ويقال: سميفع بن ناكور. وقيل: اسمه أيفح، كنيته أبو شرحبيل
أسلم في حياة النبي ﷺ ، وقيل: له صحبة، فروى ابن لهيعة، عن كعب بن علقمة، عن حسان بن كليب، سمع ذا الكلاع يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اتركوا الترك ما تركوكم.
كان ذو الكلاع سيد قومه، شهد يوم اليرموك، وفتح دمشق، وكان على ميمنة معاوية يوم صفين. روى عن عمر، وغير واحد. روى عنه أبو أزهر بن سعيد، وزامل بن عمرو، وأبو نوح الحميري.
والدليل على أنه لم ير النبي ﷺ ما روى إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير قال: كنت باليمن، فلقيت رجلين من أهل اليمن: ذا الكلاع، وذا عمرو، فجعلت أحدثهم عن رسول الله ﷺ ، فأقبلا معي، حتى إذا كنا في بعض الطريق، رفع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم، فقالوا: قبض النبي ﷺ واستخلف أبو بكر … . الحديث، رواه مسلم (٢).
وروى علوان بن داود، عن رجل قال: بعثني أهلي بهدية إلى ذي الكلاع، فلبثت على بابه حولا لا أصل إليه، ثم إنه أشرف من القصر، فلم يبق حوله أحد إلا سجد له، فأمر بهديتي فقبلت، ثم رأيته بعد في الإسلام، وقد اشترى لحما بدرهم فسمطه على فرسه.
وروي أن ذا الكلاع لما قدم مكة كان يتلثم خشية أن يفتتن أحد بحسنه. وكان عظيم الخطر عند معاوية، وربما كان يعارض معاوية، فيطيعه
стр. 1496
معاوية (١).
عبد الله بن بديل بن ورقاء بن عبد العزى الخزاعي، كنيته أبو عمرو
روى البخاري في تاريخه أنه ممن دخل على عثمان، فطعن عثمان في ودجه، وعلا التنوخي عثمان بالسيف (٢).
أسلم مع أبيه قبل الفتح، وشهد الفتح وما بعدها، وكان شريفا وجليلا. قتل هو وأخوه عبد الرحمن يوم صفين مع علي، وكان على الرجالة.
قال الشعبي: كان على عبد الله يومئذ درعان وسيفان، فأقبل يضرب أهل الشام حتى انتهى إلى معاوية، فتكاثروا عليه فقتلوه، فلما رآه معاوية صريعا قال: والله لو استطاعت نساء خزاعة لقاتلتنا فضلا عن رجالها (٣).
عبد الله بن كعب المرادي، من كبار عسكر علي
قتل يوم صفين، ويقال: إن له صحبة (٤).
عبيد الله بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني
ولد في زمان النبي ﷺ ، وسمع أباه، وعثمان، وأرسل عن النبي ﷺ . كنيته أبو عيسى. غزا في أيام أبيه، وأمه أم كلثوم الخزاعية.
وعن أسلم، أن عمر ضرب ابنه عبيد الله بالدرة وقال: أتكتني بأبي عيسى، أو كان لعيسى أب!.
وقد ذكرنا أن عبيد الله لما قتل عمر أخذ سيفه وشد على الهرمزان فقتله، وقتل جفنية، ولؤلؤة بنت أبي لؤلؤة، فلما بويع عثمان هم بقتله، ثم عفا عنه. وكان قد أشار علي على عثمان بقتله، فلما بويع ذهب عبيد الله هاربا منه إلى الشام. وكان مقدم جيش معاوية يوم صفين، فقتل يومئذ. ويقال: قتله عمار بن ياسر، وقيل: رجل من همدان، ورثاه بعضهم بقصيدة
стр. 1497
مليحة (١).
ع: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين المذحجي العنسي أبو اليقظان مولى بني مخزوم.
من نجباء أصحاب محمد ﷺ ، شهد بدرا والمشاهد كلها، وعاش ثلاثا وتسعين سنة، وكان من السابقين إلى الإسلام، وممن عذب في الله في أول الإسلام.
وأمه سمية أول شهيدة في الإسلام، طعنها أبو جهل في قبلها بحربة فقتلها.
له نحو ثلاثين حديثا؛ روى عنه ابن عباس، وجابر، ومحمد ابن الحنفية، وزر بن حبيش، وهمام بن الحارث، وآخرون.
قدم ياسر بن عامر وأخواه من اليمن إلى مكة يطلبون أخا لهم، فرجع أخواه وحالف ياسر أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فزوجه أمة اسمها سمية، فولدت له عمارا، فلما بعث رسول الله ﷺ أسلم عمار وأبواه وأخوه عبد الله، وقتل أخوهما حريث في الجاهلية.
وعن عمار قال: لقيت صهيبا على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فدخلنا فأسلمنا (٢).
وعن عمر بن الحكم قال: كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب، وعامر بن فهيرة. وفيهم نزلت ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾
وقال أبو بلج عن عمرو بن ميمون قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان الرسول ﷺ يمر به ويمر يده على رأسه فيقول: يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم. تقتلك الفئة الباغية.
رواه ابن سعد (٣)، عن يحيى بن حماد قال: أخبرنا أبو عوانة، عنه.
وقال القاسم بن الفضل: حدثنا عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي
стр. 1498
الجعد، عن عثمان بن عفان قال: أقبلت أنا، ورسول الله ﷺ آخذ بيدي نتماشى في البطحاء حتى أتينا على أبي عمار، وعمار، وأمه، وهم يعذبون، فقال ياسر: الدهر هكذا، فقال النبي ﷺ : اصبر، اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت.
كذا رواه مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، وأبو قطن عمرو بن الهيثم، عن القاسم، وهو الحداني، ورواه معتمر بن سليمان، عن القاسم الحداني (١)، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن سلمان الفارسي.
وقال هشام الدستوائي: حدثنا أبو الزبير أن النبي ﷺ مر بآل عمار وهم يعذبون، فقال: أبشروا آل عمار، فإن موعدكم الجنة. مرسل.
وقال ابن سيرين: لقي النبي ﷺ عمارا وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه ويقول: أخذك الكفار فغطوك في الماء، فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم.
قلت: حتى تكلم يعني بالكفر، فرخص له في ذلك لأنه مكره.
وقال المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن: أول من بنى مسجدا يصلى فيه عمار.
وقال ابن سعد (٢): قالوا: وهاجر عمار إلى الحبشة الهجرة الثانية.
وقال فطر بن خليفة وغيره، عن كثير النواء، سمع عبد الله بن مليل قال: سمعت عليا يقول: قال رسول الله ﷺ : إنه لم يكن نبي قط إلا وقد أعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء، وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة، وأبو بكر، وعمر، وعلي، وجعفر، وحسن، وحسين، وابن مسعود، وأبو ذر،
стр. 1499
والمقداد، وحذيفة، وعمار، وبلال، وسلمان (١).
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن هانئ بن هانئ، عن علي قال: استأذن عمار على النبي ﷺ ، فقال: مرحبا بالطيب المطيب. صححه الترمذي (٢).
وقال الأعمش، عن أبي عمار الهمداني، عن عمرو بن شرحبيل قال: قال رسول الله ﷺ : عمار ملئ إيمانا إلى مشاشه (٣).
وقال عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد. حسنه الترمذي (٤).
وقال ابن عون، عن الحسن، قال: قال عمرو بن العاص: كنا نرى رسول الله ﷺ يحب رجلا، قالوا: من هو؟ قال: عمار بن ياسر، قالوا: فذاك قتيلكم يوم صفين، قال: قد والله قتلناه (٥). رواه جرير بن حازم،
стр. 1500
عن الحسن.
وقال سلمة بن كهيل، عن علقمة، عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار كلام، فأغلظت له، فشكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله. رواه أحمد في مسنده (١)، عن يزيد بن هارون، قال: حدثنا العوام عنه. وأخرجه النسائي (٢) - لكن له علة - وهو ما رواه عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن الأشتر قال: كان بين عمار وخالد كلام، فذكر الحديث (٣).
روى أبو ربيعة الإيادي، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان. حسنه الترمذي (٤).
وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : دم عمار ولحمه حرام على النار (٥).
وقال عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: أرأيت إن أدركت فتنة، قال: عليك بكتاب الله، قال: أرأيت إن كان كلهم يدعو إلى كتاب الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق. فيه انقطاع (٦).
стр. 1501
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار أرشدهما. أخرجه النسائي (١) والترمذي (٢)، وإسناده صحيح (٣).
وقال أبو نعيم: حدثنا سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى، أن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أبو اليقظان على الفطرة، لن يدعها حتى يموت، أو يلبسه الهرم هذا منكر، وسعد ضعيف (٤).
ويروى عن عائشة (٥)، وعن سعد (٦): إن عمارا يموت على الفطرة إلا أن تدركه هفوة من كبر.
وقال علقمة: سمعت أبا الدرداء يقول: أليس فيكم صاحب السواك والوساد؟ يعني - ابن مسعود -، أليس فيكم الذي أعاذه الله على لسان نبيه من الشيطان - يعني عمارا -، أليس فيكم صاحب السر حذيفة. أخرجه البخاري (٧).
стр. 1502
وقال داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المسجد، فجعل ينقل عمار لبنتين لبنتين، فترب رأسه، فحدثني أصحابي أن رسول الله ﷺ جعل ينفض رأسه ويقول: ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية (١).
روى آخره شعبة، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: حدثني من هو خير مني أبو قتادة، أن النبي ﷺ قاله (٢).
وقال شعبة: أخبرني عمرو بن دينار، قال: سمعت أبا هشام يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ لعمار: تقتلك الفئة الباغية (٣).
وقال أحمد بن المقدام العجلي، عن عبد الله بن جعفر، حدثني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، نحوه (٤).
وقال عبد العزيز الدراوردي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أبشر عمار تقتلك الفئة الباغية. قال الترمذي (٥): صحيح غريب من حديث العلاء.
وقال خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال لي ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد الخدري واسمعا من حديثه، فانطلقنا، فإذا هو في
стр. 1503
حائط له، فحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فجعل عمار يقول: أعوذ بالله من الفتن. أخرجه البخاري (١).
وروى ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن زياد مولى عمرو بن العاص، عن مولاه، سمع رسول الله ﷺ يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية (٢). رواه شعبة عن عمرو بن دينار، فقال، عن رجل، عن عمرو بن العاص (٣).
وقال الأعمش، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين، بينه وبين عمرو، فقال عبد الله بن عمرو: يا أبه، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية؟ قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟! فقال: لا تزال تأتينا بهنة، ما نحن قتلناه، إنما قتله الذين جاؤوا به (٤).
стр. 1504
وقال جماعة عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية (١).
وقال عبد الله بن طاووس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: لما قتل عمار دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص، فقال: قتل عمار، وقد قال النبي ﷺ : تقتله الفئة الباغية، فدخل عمرو بن العاص على معاوية، فقال: قتل عمار، قال معاوية: فماذا! قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية. قال: دحضت في بولك أو نحن قتلناه، إنما قتله علي وأصحابه (٢).
وعن عثمان بن عفان، عن النبي ﷺ قال: تقتل عمارا الفئة الباغية. رواه أبو عوانة في مسنده (٣).
وقال عبد الله بن أبي الهذيل وغيره، عن عمار، قال: قال لي رسول الله ﷺ : تقتلك الفئة الباغية. وله طرق عن عمار (٤).
ويروى هذا الحديث عن ابن عباس، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي رافع، وابن أبي أوفى، وجابر بن سمرة، وأبي اليسر السلمي، وكعب بن مالك، وأنس، وجابر، وغيرهم، وهو متواتر عن النبي ﷺ ، قال أحمد بن حنبل: في هذا غير حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وقد قتلته الفئة الباغية.
стр. 1505
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب، فقال عمر: ادن، فما أحد أحق بهذا المجلس منك، إلا عمار.
وقال حارثة بن مضرب: قرئ علينا كتاب عمر: إني بعثت إليكم - يعني إلى الكوفة - عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد ﷺ ، من أهل بدر، فاسمعوا لهما، واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بهما على نفسي (١).
وعن سالم بن أبي الجعد، أن عمر جعل عطاء عمار ستة آلاف.
وعن ابن عمر قال: رأيت عمارا يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون، أنا عمار بن ياسر، هلموا إلي، وأنا أنظر إلى أذنه وقد قطعت، فهي تذبذب، وهو يقاتل أشد القتال.
وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت عمار بن ياسر اشترى قتا (٢) بدرهم، فاستزاد حبلا، فأبى، فجاذبه حتى قاسمه نصفين، وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة.
وقد روي أنهم قالوا لعمر: إن عمارا غير عالم بالسياسة، فعزله.
قال الشعبي: قال عمر لعمار: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن قلت ذاك، لقد ساءني حين استعملتني، وساءني حين عزلتني.
وقال نوفل بن أبي عقرب: كان عمار قليل الكلام، طويل السكوت، وكان عامة أن يقول: عائذ بالرحمن من فتنة، عائذ بالرحمن من فتنة، قال: فعرضت له فتنة عظيمة. يعني مبالغته في القيام في أمر عثمان وبعده.
وعن ابن عمر قال: ما أعلم أحدا خرج في الفتنة يريد الله إلا عمار بن ياسر، وما أدري ما صنع.
وعن عمار أنه قال وهو يسير إلى صفين: اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل لفعلت، وإني لا أقاتل إلا أريد وجهك.
وقال حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: قال عمار يوم صفين: ائتوني بشربة لبن، قال: فشرب، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : إن
стр. 1506
آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن، ثم تقدم فقاتل حتى قتل (١).
وقال سعد بن إبراهيم، عن رجل، سمع عمارا بصفين ينادي: أزفت الجنان، وزوجت الحور العين، اليوم نلقى حبيبنا ﷺ .
وقال حماد بن سلمة: حدثنا أبو حفص، وكلثوم بن جبر، عن أبي غادية الجهني، قال: سمعت عمار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة، فتوعدته بالقتل، فلما كان يوم صفين جعل يحمل على الناس، فحملت عليه وطعنته في ركبته فوقع، فقتلته. تمام الحديث، فقيل: قتل عمار. وأخبر عمرو بن العاص فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قاتل عمار وسالبه في النار (٢).
وقال أيوب، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : قاتل عمار وسالبه في النار.
وقال الواقدي وغيره: استلحمت الحرب بصفين، وكادوا يتفانون، فقال معاوية: هذا يوم تفانى فيه العرب إلا أن تدركهم خفة العبد، يعني عمارا، وكان القتال الشديد ثلاثة أيام ولياليهن آخرهن ليلة الهرير، فلما كان اليوم الثالث، قال عمار لهاشم بن عتبة ومعه اللواء: احمل فداك أبي وأمي، فقال هاشم: يا عمار إنك رجل تستخفك الحرب، وإني إنما أزحف باللواء رجاء أن أبلغ بذلك بعض ما أريد (٣).
وقال قيس بن أبي حازم: قال عمار: ادفنوني في ثيابي، فإني رجل مخاصم.
стр. 1507
قال أبو عاصم النبيل: توفي عن ثلاث وتسعين سنة. وكان لا يركب على سرج، وكان يركب راحتله من الكبر.
وفيها غزا الحارث بن مرة العبدي أرض الهند، إلى أن جاوز مكران، وبلاد قندابيل (١)، ووغل في جبل القيقان (٢)، فآب بسبي وغنائم، فأخذوا عليه بمضيق فقتل هو وعامة من معه في سبيل الله تعالى (٣).
قيس بن المكشوح أبو شداد المرادي.
أحد شجعان العرب، أدرك النبي ﷺ باليمن ولم يره. وهو أحد من أعان على قتل الأسود العنسي، وشهد اليرموك، وأصيبت عينه يومئذ.
وقد ارتد بعد موت النبي ﷺ فيما قيل، وقتل دادويه الأبناوي. ثم حمل عليه المهاجر بن أبي أمية فأوثقه، وبعث به إلى أبي بكر ﵁، فهم بقتله وقال: قتلت الرجل الصالح، فأنكر وحلف خمسين يمينا قسامة أنه ما قتله، فقال: يا خليفة رسول الله استبقني لحربك، فإن عندي بصرا بالحرب ومكيدة للعدو، فخلاه، ثم إنه كان من أعوان علي، وقتل يوم صفين رحمه الله تعالى.
هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، ابن أخي سعد، ويعرف بالمرقال.
ولد في حياة النبي ﷺ ، ولم تثبت له صحبة، وشهد اليرموك وأصيبت عينه يومئذ، وشهد فتح دمشق، وكان أحد الأشراف، وكانت معه راية علي يوم صفين فيما ذكر حبيب بن أبي ثابت. وقال: كان أعور فجعل علي يقول له: أقدم يا أعور، لا خير في أعور لا يأتي الفرج. فيستحي فيتقدم.
قال عمرو بن العاص: إني لأرى لصاحب الراية السوداء عملا، لئن دام على ما أرى لتقتلن العرب اليوم، قال: فما زال أبو اليقظان حتى لف بينهم.
وعن الشعبي أن عليا صلى على عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة، فجعل عمارا مما يليه، فلما قبرهما جعل عمارا أمام هاشم.
стр. 1508
أبو فضالة الأنصاري (١).
بدري، قتل مع علي يوم صفين. انفرد بهذا القول محمد بن راشد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وليسا بحجة.
ن: أبو عمرة الأنصاري.
بشير بن عمرو بن محصن الخزرجي النجاري. وقيل اسم أبي عمرة: بشير، وقيل: ثعلبة، وقيل: عمرو.
بدري كبير. له رواية في النسائي.
روى عنه ابنه عبد الرحمن بن أبي عمرة، ومحمد ابن الحنفية. وقتل يوم صفين مع علي. قاله ابن سعد (٢).
стр. 1509
سنة ثمان وثلاثين.
فيها وجه معاوية من الشام عبد الله بن الحضرمي في جيش إلى البصرة ليأخذها، وبها زياد ابن أبيه من جهة علي، فنزل ابن الحضرمي في بني تميم، وتحول زياد إلى الأزد، فنزل على صبرة بن شيمان الحداني، وكتب إلى علي فوجه علي أعين بن ضبيعة المجاشعي، فقتل أعين غيلة على فراشه. فندب علي جارية بن قدامة السعدي، فحاصر ابن الحضرمي في الدار التي هو فيها، ثم حرق عليه.
(أمر الخوارج).
وفي شعبان ثارت الخوارج وخرجوا على علي ﵁، وأنكروا عليه كونه حكم الحكمين، وقالوا: حكمت في دين الله الرجال، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ وكفروه، واحتجوا بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فناظرهم، ثم أرسل إليهم عبد الله بن عباس، فبين لهم فساد شبههم، وفسر لهم، واحتج بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وبقوله ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فرجع إلى الصواب منهم خلق، وسار الآخرون، فلقوا عبد الله بن خباب بن الأرت، ومعه امرأته فقالوا: من أنت؟ فانتسب لهم، فسألوه عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فأثنى عليهم كلهم، فذبحوه وقتلوا امرأته، وكانت حبلى، فبقروا بطنها، وكان من سادات أبناء الصحابة.
وفيها سارت الخوارج لحرب علي، فكانت بينهم وقعة النهروان، وكان على الخوارج عبد الله بن وهب السبئي، فهزمهم علي وقتل أكثرهم، وقتل ابن وهب. وقتل من أصحاب علي اثنا عشر رجلا.
وقيل في تسميتهم: الحرورية لأنهم خرجوا على علي من الكوفة، وعسكروا بقرية قريب من الكوفة يقال لها: حروراء، واستحل علي قتلهم
стр. 1510
لما فعلوا بابن خباب وزوجته. وكانت الوقعة في شعبان سنة ثمان، وقيل: في صفر.
قال عكرمة بن عمار: حدثني أبو زميل أن ابن عباس قال: لما اجتمعت الخوارج في دارها، وهم ستة آلاف أو نحوها، قلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلي ألقى هؤلاء، فإني أخافهم عليك، قال: كلا، قال: فلبس ابن عباس حلتين من أحسن الحلل، وكان جهيرا جميلا، قال: فأتيت القوم، فلما رأوني قالوا: مرحبا بابن عباس وما هذه الحلة؟ قلت: وما تنكرون من ذلك؟ لقد رأيت على رسول الله ﷺ حلة من أحسن الحلل، قال: ثم تلوت عليهم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ قالوا: فما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أمير المؤمنين، ومن عند أصحاب رسول الله ﷺ ولا أرى فيكم أحدا منهم، ولأبلغنكم ما قالوا، ولأبلغنهم ما تقولون: فما تنقمون من ابن عم رسول الله ﷺ وصهره؟ فأقبل بعضهم على بعض، فقالوا: لا تكلموه فإن الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وقال بعضهم: ما يمنعنا من كلامه، ابن عم رسول الله ﷺ ، ويدعونا إلى كتاب الله، قال: فقالوا: ننقم عليه ثلاث خلال: إحداهن أنه حكم الرجال في دين الله، وما للرجال ولحكم الله، والثانية: أنه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فإن كان قد حل قتالهم فقد حل سبيهم، وإلا فلا، والثالثة: محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير المشركين. قلت: هل غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا.
قلت: أرأيتم إن خرجت لكم من كتاب الله وسنة رسوله أراجعون أنتم؟ قالوا: وما يمنعنا، قلت: أما قولكم إنه حكم الرجال في أمر الله، فإني سمعت الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وذلك في ثمن صيد أرنب أو نحوه قيمته ربع درهم فوض الله الحكم فيه إلى الرجال، ولو شاء أن يحكم لحكم. وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ الآية. أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم: قاتل فلم يسب، فإنه قاتل أمكم، لأن الله يقول: