← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 14841–14880 · переход к 14846.

стр. 14841

٥٤٤ - محمد بن أحمد بن مكتوم بن أبي الخشين (١)، البعلبكي. أديب محسن وشاعر مجود، يحفظ المقامات، أعاد بأمينية بعلبك، وأقرأ النحو، استشهد في أول الكهولة بحمص (٢). ٥٤٥ - محمد بن أشرف بن محمد بن ذي الفقار، السيد الحسيب، العالم، عماد الدين الحسني، الشافعي. مدرس المستنصرية، ولما كبر نزل عنها لابنه شرف الدين، ولد بمرند سنة سبع وتسعين وخمسمائة (٣). ٥٤٦ - محمد بن الحسن بن سالم بن نبهان، الشيخ زين الدين الحمصي، الشاهد، والد شيخنا البدر ابن الصواف. توفي فجاءة بحصيرته تحت الساعات في ثالث عشر المحرم، وله ثمان وسبعون سنة، وقد روى عن ابن صباح جزءا (٤). ٥٤٧ - محمد بن الحسين بن رزين بن موسى بن عيسى بن موسى بن نصر الله، قاضي القضاة، مفتي الإسلام، تقي الدين، أبو عبد الله العامري، الحموي، الشافعي. ولد سنة ثلاث وستمائة بحماة، وحفظ من التنبيه في صغره، ثم انتقل عنه إلى الوسيط فحفظه كله، وحفظ المفصل، كله ورحل إلى حلب فقرأه على موفق الدين يعيش، ورجع إلى حماة وتصدر للإقراء والفتوى وله ثمان عشرة سنة، وحفظ المستصفى للغزالي، وكتابي أبي عمرو ابن الحاجب في الأصول والنحو، ونظر في التفسير وبرع فيه وشارك في الخلاف والمنطق والبيان والحديث. وقدم دمشق سنة نيف وثلاثين وهو من فضلاء وقته، فلازم الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، وشرح عليه وعلق عنه، وقرأ القراءات على أبي الحسن

стр. 14842

السخاوي، وسمع منهما، ومن كريمة، وأفتى بدمشق هذه الأيام، وولي إمامة دار الحديث الأشرفية، ثم ولي وكالة بيت المال في الدولة الناصرية، وتدريس الشامية الحسامية، ثم انتقل إلى القاهرة وقت أخذ حلب وولي عدة جهات، فأعاد بمدرسة الشافعي، وظهرت فضائله الباهرة، واشتغلوا عليه في أيام الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، ثم درس بالظاهرية، ثم ولي القضاء وتدريس الشافعي، وامتنع من أخذ الجامكية على القضاء دينا وورعا. وكان يقصد بالفتاوى من النواحي وتخرج به أئمة، منهم قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وغيره، وحدث عنه الدمياطي وابن جماعة والمصريون. وكان حميد السيرة، حسن الديانة، كثير العبادة، كبير القدر، جميل الذكر، رحمه الله تعالى، توفي في ثالث رجب، وولي القضاء بعده وجيه الدين البهنسي (١). ٥٤٨ - محمد بن الحسين بن وداعة، الأمير مجد الدين. حدث بالبعث عن ابن اللتي، ومات بمصر في ذي القعدة. ٥٤٩ - محمد بن الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق، الإمام، المفتي، علم الدين، أبو عبد الله الربعي، المصري، المالكي، والد شيخنا القاضي زين الدين محمد. سمع من علي بن المفضل الحافظ، وابن جبير البلنسي، وعبد الله بن مجلي وغيرهم، روى عنه الدواداري والمصريون وكان موصوفا بالعلم والعمل والزهد. توفي ليلة الجمعة ثامن ذي الحجة، ودفن بسفح المقطم عن خمس وثمانين سنة. ٥٥٠ - محمد بن ذي الفقار، الصدر، الإمام، عماد الدين الحسني، المرندي، ثم البغدادي، الشافعي، مدرس المستنصرية. سمع صحيح البخاري من أبي الحسن القطيعي ودرس وأفاد. مات في شعبان من السنة وله أربع وثمانون سنة وشهر.

стр. 14843

وقيل: محمد بن أشرف، فقد تكرر (١). ٥٥١ - محمد بن عبد الأحد بن شقير، الحراني، الحاج. أحد التجار المعروفين وجد مقتولا بالشريعة، وكان قد قدم في تجارة. ٥٥٢ - محمد بن علي بن محمود بن أحمد، الحافظ، المحدث، جمال الدين، أبو حامد ابن الشيخ علم الدين ابن الصابوني، المحمودي، شيخ دار الحديث النورية. ولد في رمضان سنة أربع وستمائة، وسمع من أبي القاسم ابن الحرستاني، وأبي البركات بن ملاعب، وأبي عبد الله ابن البناء، وأبي القاسم العطار، وأبي المحاسن بن أبي لقمة، ثم طلب بنفسه وعني بالحديث وكتب وقرأ وصار له فهم ومعرفة، وسمع من ابن البن، وابن صصرى، وهذه الطبقة، بدمشق؛ وعبد اللطيف بن يوسف، ويحيى ابن الدامغاني، وطائفة بحلب؛ وأبي علي الإوقي، وغيره بالقدس؛ وعبد العزيز بن باقا، وعلي بن رحال، وعلي بن مختار، وعلي بن جبارة، وعبد الصمد بن داود الغضاري، وخلق بمصر، وخرج لغير واحد. وكان صحيح النقل، مليح الخط، حسن الأخلاق، صنف مجلدا مفيدا سماه تكملة إكمال الإكمال (٢) ذيل به على إكمال ابن نقطة فأجاد وأفاد. وهو من رفاق ابن الحاجب والسيف ابن المجد، وابن الدخميسي، وابن الجوهري في الطلب، فطال عمره وعلت رواياته، وروى الكثير بمصر ودمشق، وكان من كبار العدول ومتميزيهم. سمع منه: عمر ابن الحاجب، والقدماء، وروى عنه الدمياطي، وشرف الدين يعقوب ابن المقرئ، وجمال الدين المزي، وعلاء الدين ابن العطار، وعلم الدين الدواداري، وعلم الدين البرزالي (٣)، وبرهان الدين الذهبي، وجمال الدين رافع، وقاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى، وطائفة سواهم من المصريين والشاميين، وكان له إجازة من عمر بن طبرزد، والمؤيد

стр. 14844

الطوسي وطبقتهما، وقد حصل له تغير قبل موته بسنة أو أكثر، واعتراه غفلة وساء حفظه. وقد أجاز لي مروياته سنة ثلاث وسبعين وستمائة (١)، وتوفي في منتصف ذي القعدة، ودفن بسفح قاسيون، ﵀ وله ست وسبعون سنة. قال شيخنا ابن أبي الفتح: اختلط قبل موته بسنة أو أكثر (٢). ٥٥٣ - محمد بن علي بن محمد بن إلياس ابن الشيرجي، الأنصاري، الصدر، بدر الدين، أبو عبد الله الدمشقي. روى عن أبي القاسم بن صصرى، ومات في جمادى الأولى، ودفن بمقبرة باب الصغير. ٥٥٤ - محمد بن علي بن علوان، الشيخ، شمس الدين المزي، مفسر الرؤيا. توفي في ذي الحجة كهلا، وكان ضريرا كثير التلاوة، وقد حج وكان إليه المنتهى في تعبير الرؤيا، بحيث يضرب به المثل في وقته، ﵀ (٣). ٥٥٥ - محمد بن محمد بن عبد الوهاب بن مناقب بن أحمد بن علي بن أحمد بن حسن بن علي بن أحمد بن حسين بن محمد بن إسماعيل المنقذي بن جعفر بن عبد الله بن حسين ابن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف فخر الدين، أبو عبد الله العلوي، الحسيني، المنقذي، الدمشقي، المعدل. ولد سنة ستمائة أو قبلها، وسمع اليسير حضورا من عمر بن طبرزد، وروى عن حنبل شيئا ثم انكشف أن ذلك غلط، وله إجازة من عين الشمس الثقفية، وعفيفة الفارفانية، وأسعد بن روح، وزاهر بن أحمد، ولم يرو عن هؤلاء بالسماع شيئا؛ لأن الإجازة ظهرت له بعد موته، وقد سمع من درع بن فارس، ومكرم بن أبي الصقر، وكان من شهود تحت الساعات، روى عنه

стр. 14845

الدمياطي، والمزي، وجماعة، وأجاز لي مروياته (١)، وتوفي في الثالث والعشرين من شعبان. وروى بالإجازة عن: المؤيد وغيره. ٥٥٦ - محمد بن محمود بن أحمد بن أبي الفوارس، شمس الدين الجزري، التاجر. شيخ معمر، ذكر أنه سمع الكثير من أبي الفرج ابن الجوزي وطبقته، وأنه ولد بالجزيرة في سنة ثمان وستين وخمسمائة. أجاز لأبي عبد الله بن سامة، وأبي الفداء ابن الخباز، والبرزالي (٢). مات في جمادى الأولى. ٥٥٧ - محمد بن منعة بن مطرف بن طريف، القنوي. توفي في رمضان. ٥٥٨ - محمد بن ميكائيل بن أحمد بن راشد، الإمام مجد الدين الموصلي، الفرضي، النحوي. استملى على ابن الخباز النحوي كتاب التوجيه في العربية. توفي في شوال عن ثمان وسبعين سنة. ٥٥٩ - محمد بن يعقوب بن أبي الفرج بن عمر بن خطاب، الشيخ المعمر، مسند العراق، شهاب الدين، أبو سعد ابن أبي الدينة، ويقال: ابن أبي الديني البغدادي. ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وسمع من أبي الفتح المندائي، وابن سكينة، وحنبل بن عبد الله الرصافي، وأبي علي ضياء ابن الخريف، والحافظ ابن الأخضر، ويقال: إنه سمع من أبي الفرج ابن الجوزي وذلك ممكن؛ لأنه سمع في حياة ابن كليب من ابن الأخضر، وذلك في ذي الحجة سنة أربع وتسعين، وقد سمع من المسند مسند ابن عمر على حنبل، وأبي الحسن علي بن المبارك بن محمد بن جابر بسماعهما من ابن الحصين، وسماعه منهما في

стр. 14846

رجب سنة أربع وتسعين أيضا، وأجاز له أبو القاسم البوصيري، والأرتاحي، وابن موقى، والخشوعي. نعم، قال الظهير الكازروني في تاريخه: قال لي: ولدت في ربيع الأول سنة تسع، ورأيت جماعة يتهمونه في هذا الإخبار، وكان كبيرا. قلت: وأجاز له يحيى بن بوش، وذاكر بن كامل، وعبد المنعم بن كليب، وعبد الخالق بن عبد الوهاب ابن الصابوني، وأبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، وإبراهيم وعبد الله ابنا محمد بن حمدية، وآخرون. روى عنه الدمياطي، وأبو العلاء الفرضي، وأبو سعد عبد الله بن محمد بن نصر الجيلي، وعبد الرزاق ابن الفوطي المؤرخ، وجماعة، وولي مشيخة المستنصرية، وأجاز لمن أدرك حياته، وتوفي في ثامن عشر رجب. وقد سمع أخوه عبد الوهاب من ابن كليب. ٥٦٠ - المسلم بن محمد بن المسلم بن مكي بن خلف بن المسلم بن أحمد بن محمد بن حصن بن صقر بن عبد الواحد بن علي بن علان، القاضي الجليل، المسند، شمس الدين، أبو الغنائم ابن علان القيسي، الدمشقي، الكاتب. ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وأجاز له الشيخ أبو طاهر الخشوعي، وأبو محمد ابن عساكر، وأبو سعد عبد الله ابن الصفار، وعبد الرحيم ابن الشعري، ومنصور ابن الفراوي، والعماد الكاتب، وعبد اللطيف ابن شيخ الشيوخ، وعلي بن هبل الطبيب، وعبد القادر الرهاوي، وعين الشمس الثقفية، وضياء الدين عبد الملك الدولعي، وخلق سواهم. وسمع المسند من حنبل، ورواه ببعلبك وبدمشق، وسمع تاريخ بغداد من أبي اليمن الكندي، وسمع الغيلانيات، والقطيعيات الأربعة، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، والزهد لابن المبارك، والأشربة للإمام أحمد، وجماعة أجزاء من أبي حفص بن طبرزد، وسمع صحيح مسلم من أبي القاسم ابن الحرستاني، وسمع صحيح البخاري من ابن مندويه، والعطار. وسمع من والده؛ ومن: تاج الأمناء، وزين الأمناء، وابن ملاعب، والشيخ العماد، وابن أبي لقمة، وابن البن، وابن صصرى، وجماعة، وسمع من الكندي أيضا كتاب الحجة

стр. 14847

لأبي علي الفارسي بفوت، وجماعة أجزاء. روى عنه الشهاب القوصي في معجمه من شعره، والدمياطي، وأبو الحسين اليونيني، وابن تيمية، والمزي، وابن العطار، وابن أبي الفتح، والبرزالي، وشرف الدين ابن المنجى، ومحمد بن أبي الحسن المقرئ، ونجم الدين أحمد بن باجوك، وتقي الدين ابن اليونيني، وسعد الدين الحارثي، وخلق كثير من كهولنا، وأجاز لي مروياته (١). قال أحمد بن يونس الإربلي: كان ابن علان قد ألزم نفسه بتلاوة ختمة كل يوم، من سنة ثلاث وسبعين إلى أن مات، ووقف على آخر فاطر وقضى. قال قطب الدين (٢): كان من الرؤساء الكرماء، ولي نظر الدواوين بدمشق مدة، وولي نظر الجهات القبلية مدة، وولي نظر بعلبك، ثم انفصل عنها، وترك الخدمة، وأقام بدمشق، ورتب مسمعا بدار الحديث، وله مكارم مشهورة. قلت: روى المسند ثلاث مرات، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي، وسألت أبا الحجاج الحافظ عنه فقال: شيخ جليل نبيل، من أكبر بيوتات الدمشقيين، سمعنا منه مسند أحمد وغير ذلك، وكان من سروات الناس وأهل المروءات، دائم البشر، حسن الخلق، محبا لأهل الحديث، سهلا في الرواية. قلت: توفي في الخامس والعشرين من ذي الحجة، ودفن بسفح قاسيون، وهو جد قاضي القضاة الشيخ نجم الدين ابن صصرى لأمه. ٥٦١ - مظفر بن أبي السعادات المبارك بن أحمد، الشيخ سيف الدين، أبو النجيب ابن البغدادي. عاش ثلاثا وثمانين سنة، روى بالإجازة عن الناصر لدين الله. ٥٦٢ - مكثر (٣) بن غالب الأنصاري، القاضي كمال الدين. توفي في ذي الحجة، له نظم حسن.

стр. 14848

٥٦٣ - نصر الله ابن القمر عمر الحريري الدمشقي، ناصر الدين والد بدر الدين. حموي، توفي في جمادى الأولى. ٥٦٤ - نفيس الدين أبو البركات محمد بن هبة الله بن أحمد بن شكر المالكي، قاضي القضاة بمصر. مات في ذي الحجة (١). ٥٦٥ - وفيها توفي جدي علم الدين أبو بكر سنجر الموصلي كهلا، وخلف بضعة عشر ألف درهم لأولاده، وأوصى بثمانمائة حجة. • - ولي الدين، الزاهد، نزيل بيت لهيا، اسمه علي، تقدم (٢). ٥٦٦ - هبة الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن جرير، القاضي نفيس الدين أبو القاسم الحارثي، الزبداني، قاضي بلده. سمع جزءا حضورا بالزبداني من ابن ملاعب، وكان جليلا، نبيلا، فاضلا، ذا كرم وسؤدد، عرض عليه قضاء بعلبك، فأبى أن يفارق وطنه وأملاكه، وكان دينا خيرا، وسمع مسند عبد من ابن اللتي، سمع منه: المزي، والبرزالي، والطلبة، ومات فجاءة بدمشق، ودفن بقاسيون في تاسع صفر، وله ثلاث وسبعون سنة. لنا منه إجازة (٣)، وكان يدري الطب، ويعالج بعض الأعيان (٤). ٥٦٧ - يحيى بن عبد الكريم، الأجل محيي الدين ابن الكويس (٥) الكاتب، ناظر الصبيبة. ظريف خليع، معاشر للرؤساء، موصوفا بعمل الأطعمة الفاخرة والضيافات.

стр. 14849

توفي في جمادى الآخرة بالصبيبة، ونقل إلى دمشق (١). ٥٦٨ - يحيى بن عبد المنعم، القاضي جمال الدين المصري، المعروف بقاضي الغربية. ناب في القضاء مدة، ودرس مدة بمشهد الحسين، وكان إماما محققا، نقالا للمذهب. توفي في رجب، وقد قارب الثمانين (٢). ٥٦٩ - يحيى بن محمد بن إسماعيل، القاضي تاج الدين الإربلي، الكردي، نائب الحكم بدمشق لابن الصائغ. وقد ولي قضاء حمص وقضاء بعلبك، ثم ولي في أوائل السنة قضاء حلب، وباشر مدة شهرين، ثم انجفل من التتار فقدم حمص، واستشهد يوم المصاف، وقد نيف على الستين، وكان يكرر على الوجيز للغزالي (٣). ٥٧٠ - يوسف بن إبراهيم بن قريش، المولى شمس الدين المصري. استشهد على حمص، وقد نيف على السبعين، وكان من كتاب الدرج بمصر، كتب للملك الصالح نجم الدين ولمن بعده، وكان وافر الحرمة، كثير النعمة (٤). ٥٧١ - يوسف بن الحسن بن يوسف بن الحسن بن حبيش (٥) اللخمي، شاعر المغرب، أبو الحسين. مات في جمادى الأولى عن ثمان وخمسين سنة، روى عن سهل بن مالك، وأبي الحسن بن قطرال. ٥٧٢ - يوسف بن لؤلؤ، الأديب بدر الدين الدمشقي الشاعر. له نظم يروق، وشعر يفوق، وقد مدح الملك الناصر والكبار، وسار شعره. وكان له بيت بالجاروخية، عاش ثلاثا وسبعين سنة، ومات في شعبان.

стр. 14850

فمن شعره، وكان أبوه عتيق بدر الدين دلدرم الياروقي: أمن قلم الريحان في خده خط … وَفِي قدّه من لِين ما تُنْبت الخطُ بدا منه سطر للعيون محقق … فمثل خطا لا يماثله خطُّ وخرّج فِي الخد العِذارّ حواشيا … على صفحاتٍ منه بالمِسْك تختَطّ فأشكل لمّا بان فِي الخدّ شكله … فيا عجبًا منه وخيلانه نقط وما هو إلا الآس سيج ورده … فعز على من رامه القطف واللقط فيا ليت حظي منه قرب أو الرضى … فقد طال فيما بيننا الشَحطْ والسخط تشابه قلبي في الخفوق وقرطه … فعلق منه مثل ما علق القرط وشطوا به عني فعزّ مزاره … وأغلوا عليَّ السَّوْم فِي الوصل واشتْطوا وما كنت أدري أنّ غزلان حاجر … على كل ليث من ليوث الشرا تسطو وله: يا عاذلي فِيهِ قُلْ لي … عن حبّه كيف أسلو يمرّ بي كلّ حين … وكلمّا مرَّ يحلو (١) وله: وروضة دولابها … إِلَى الغصون قد شكا من حين ضاع زهرها … دار عليه وبكى (٢) ومن شعره: هلُمَّ يا صاح إِلَى روضةٍ … يجلو بها العاني صدَى همّهِ نسيمها يعثر فِي ذيله … وزهرها يضحك فِي كمّه (٣) ٥٧٣ - يوسف بن يعقوب بن يعيش، الفقيه، العابد، جمال الدين ابن القدوة أبي يوسف، شيخ مغارة العزيز. وكان شيخنا أبو علي ابن الخلال يصحبه ويخدمه. مات في جمادى الأولى (٤).

стр. 14851

٥٧٤ - أبو بكر بن عمر بن يونس، الفقيه، الصالح، شمس الدين المزي، الحنفي. سمع البخاري من ابن مندويه، والشمس العطار، وسمع مسلما من أبي القاسم ابن الحرستاني. قال أبو محمد البرزالي (١): سمعت منه الكتابين. وسمع منه: الدواداري، والمزي، وابن الخباز، والشيخ أحمد الحنبلي، وأخوه مجد الدين، وطائفة، وتوفي في ثاني شعبان بالقيمازية، وله سبع وثمانون سنة، فإنه ولد سنة ثلاث وتسعين بالمزة. ٥٧٥ - أبو القاسم بن محمد بن عثمان بن محمد، الصدر، الإمام، صفي الدين التميمي، الدارمي، البصروي، الحنفي، والد قاضي القضاة صدر الدين علي الحنفي. ولد ببصرى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ودرس بالأمينية ببصرى دهرا، وكان رئيسا فقيها، عارفا بالمذهب. توفي ببصرى في شعبان عن سبع وتسعين سنة. وفيها ولد: بهاء الدين محمد ابن شهاب الدين أحمد ابن المرجاني، وتقي الدين أحمد ابن العلم الحراني ظنا، وأبو بكر ابن شيخنا الحسام آقش الشبلي، ومحتسب الصالحية الشمس محمد بن عبد الهادي، وعبد الرحمن ابن شيخنا برهان الدين الإسكندراني، وابن أخيه أبو المعالي محمد بن أحمد، وعز الدين محمد ابن ضياء الدين إسماعيل ابن الحموي، وأحمد ابن شيخنا شمس الدين محمد بن أبي الفتح الحنبلي.

стр. 14852

(المتوفون على التقريب) (١) ٥٧٦ - جوبان بن مسعود بن سعد الله، الأديب البارع، أمين الدين الدنيسري، القواس، التوزي الشاعر. كان من أذكياء بني آدم، وله نظم في الذروة، وكان حيا في هذا الحين، كتب عنه الوجيه عبد الرحمن السبتي وغيره. وقال الجزري (٢): هو أمين الدين رمضان الجوبان: فمن شعره: إذا افترَّ جُنْحُ اللّيل عن مَبْسَمِ الفجرِ … ولاح به ثغرٌ من الأنْجمُ الزُّهرِ وفاحت له من عابق الرَّوْضِ نَفحةٌ … رشفنا به بردَ الرّضابِ من الخمرِ وعهدي بوجْهِ الأرضِ مبتسمًا فلِم … تغرغَر منها الدَّمْع فِي مُقَل الغدر إذا أرجف الماءَ النّسيمُ لوقتهِ … كساهُ شعاعُ الشّمسِ دِرْعًا من التِبْرِ وبحرُ الرّياض الخُضْر بالزهر مزبد … كأنا به فِي فُلْك مجلسنا نسري ومن شُهب الكاسات بالنجم نهتدي … إذا تاه ساري العقل في لُجَّة السُّكرِ نصون الحُمَيّا بالقناني وإنّما … نصون القناني بالحُمَيّا ولا ندري ولمّا حكى الرّاووقُ فِي العين شكلَه … وقد عُلِّق العنقود فِي سالِف الدّهرِ تذكّر عهدًا بالكُرُوم فكلّه … عيون على أيّام عصر الصبّا تجري عجِبتُ له والرّاحُ تبكي به فلِمْ … غدتْ بحُباب الكأس باسمة الثّغرِ إذا ما أتاني كأسُها غير مُتْرَع … تحقّقتُ عين الشّمس فِي هالة البدرِ يناولنيها فاترُ اللّحظ أَغْيَدٌ … فللّهِ ذاك الأغْيَد المُخْطَفُ الخصر ينادمنا نظما ونثرا ولفظه … ومبسمه يغني عن النظم والنثر فلم يسقني كأس المُدامة دون أن … سقاني بعينيه كؤوسا من السّحرِ وقال وفَرط السُّكر يثني لسانه … إلى غير ما يرضي التقى وهو لا يدري ردوا من رضابي ما ينوب عن الطلا … إذا كان وجهي فيه مغنى عن الزهر ومَن كان لا تحوي ذراعاهُ مِئزري … فدون الذي تحوي أنامله خصري

стр. 14853

وله من قصيدة: أبِيت على جمْر الغَضَا متمللا … سليم هوى مُلْقَى وأنت سليمُ دعاني إليك الحبُّ والقلبُ فارغٌ … وورْدك عذْبٌ واللّواحظ هِيمُ أيجمل يا حُلْو الشّمائل أنّني … أموتُ من البلوى وأنت عليم لك العمر سلواني وصبري تُوفُيا … وأكبرُ إثمٍ أن يُهان يتيمُ يمين بلذّات العتاب وأنّني … لذو قَسَمٍ لو تسمعون عظيمُ نُحُولي ووجْديّ والتّهتُّكُ فِي الهوى … وإتلافُ روحي فِي هواك نعيمُ ومِن أعجب الأشياء صدُّك والّذي … يزيل الْجَوَى سهلٌ وأنت كريمُ وله: وظبي أنسٍ رآه الظَّبْيُ فاختلست … لحاظه لمحاتٍ من تلفُّتهِ وافَيتُه وبكفّي مثل قامتِه لِينًا … يفوحُ بنشْرٍ مثل نكهتهِ فحين حيِّيتُه بالبان مندهشًا … والشّمس تخجل من إشراق جبهته أهوى إِلَى لثْم كفّي حين صافحني … فمِلْتُ أطلب شكرا لثْم يمنته ولاح لي دون أن أدنو شعاعُ سنًا … يُزْري على الشمس من تضريج وجنته وله: وذات رقصٍ ورهجٍ فِي تَمَايُلها … منيعة الوصل من ضم وملتزم بيضاء حمراء مثل الشمس طَلْعتُها … سودٌ ذوائبها من أنفع الخدم لها أبٌ ولها أمٌّ إذا ازدوجا … جاءت على الفور تبغي الأكل بالنّهمِ لو أطعمت كلّ ما فِي الأرض ما شبعت … حَتَّى إذا سُقيتْ عادت إِلَى العدم وله: نَفَّش غُصنُ البانِ أذنابَه … واهتزَّ عند الصُّبح عُجْبًا وفاحْ وقال مَن فِي الرّوض مثلي وقد … تُعْزَى إلى قدي قدود الملاح فحدق النرجس يهزو به … وقال حقًّا قلتَهُ أو مزاحْ بل أنت بالطّول تحامَقْتَ يا … مقصوف عدوًا بالدعاوى القِباحْ قَالَ له البان: أما تستحي … ما هذه إلا عيون وقاح وله في الناعورة: وثاكلة فارَقَتْ … ما آلف من رسْمها تدور على قلبها … وتبكي على جسمها ما أدريّ تُوُفِّيَ الجوبان بعد الثمانين أو قبلها.

стр. 14854

ونقل الجزري أنه لم يكن يعرف الخط ولا النحو، قال (١): وكانت كتابته من جهة التويز في غاية القوة، بحيث إنه استعار من القاضي عماد الدين محمد بن الشيرازي درجا بخط ابن البواب، ونقل ما فيه إلى درج بورق التوز، وألزق التوز على خشب، وأوقف عليه ابن الشيرازي، فأعجبه وشهد له أن في بعض حروفه شيئا أقوى من خط ابن البواب، واشتهر ذلك بدمشق، وبقي الناس يقصدونه ويتفرجون عليه، وكان له ذهن خارق. قلت: وقد ذكرت في ترجمة ابن سبعين أبياتا من شعره في الاتحاد، نسأل الله السلامة. ٥٧٧ - حسين بن علي بن ظافر، الشيخ صفي الدين الأنصاري، الخزرجي، أبو عبد الله. سمع الجامع من ابن البناء، ومولده بمصر في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وأجاز للبرزالي، ولخلق في سنة ثمانين وستمائة من مكة، وله زاوية بالقرافة بقرب بركة الحبش، وكان معظما يزوره الوزير والأمراء ويحكون عنه أحوالا ومكاشفات، وجده يكنى أبا المنصور (٢). ٥٧٨ - عبد الله بن علي بن إسماعيل بن علي بن حسن بن عطية، الإمام ناصر الدين ابن الأبياري، الإسكندري، المالكي. ولد سنة ثلاث عشرة، وسمع من الصفراوي، وجعفر، ودرس وأفتى وتفنن، وولي القضاء مدة ثم عزل، ثم ولي ثم عزل، وكان ذا دين متين وورع وزهد وشهرة، أجاز للبرزالي. ٥٧٩ - عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن زهرة بن الحسن بن زهرة، البدر الحسيني، الحلبي، الشيعي، أبو المحاسن، أخو نقيب الأشراف بحلب علي بن الحسن. سمع جزء الوخشي من الافتخار الهاشمي، ولد في حدود سنة خمس وستمائة، وأجاز للبرزالي في سنة ثمان وسبعين من حلب. ٥٨٠ - عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، الشيخ زين الدين الشافعي، ابن قاضي الكرك.

стр. 14855

مولده في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وسمع من الفخر ابن عساكر وغيره، كتب في إجازة ابن عبد الحميد في سنة ثمانين. ٥٨١ - محمد بن علي بن هبة الله بن أحمد بن هبة الله، الشيخ موفق الدين ابن المحيي ابن قرناص الخزاعي، الحموي، الشافعي. ولد في شعبان سنة أربع وستمائة بحماة، وأجاز للنفري في سنة ثمان وسبعين، فذكر تحت خطه أنه سمع من الافتخار الهاشمي، وابن الأستاذ وجماعة. ٥٨٢ - محمد بن مبارك بن مقبل بن الحسن، الأديب، الرئيس، جمال الدين الغساني، الحمصي، الشاعر، صاحب النظم والنثر. وكان أبوه وزيرا من أجلاد الشيعة وغلاتهم. ولد محمد في يوم عيد الفطر سنة سبع وستمائة، وأجاز في سنة ثمان وسبعين. ٥٨٣ - ملكشاه بن أبي الحسن بن محمود بن الحسين، بدر الدين الدمشقي، الحنبلي، نزيل بعلبك. ولد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وحج خمسا وأربعين حجة، وجاور عشرين سنة بمكة. قال الوجيه النفري: ذكر أنه سمع جميع المسند من حنبل، أجاز في سنة ثمان وسبعين وستمائة. ٥٨٤ - العزفي صاحب سبتة الفقيه، وهذا لقب له، أبو القاسم محمد ابن صاحب سبتة الفقيه أبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد، اللخمي، السبتي العزفي. حكم على بلد سبتة بعد أبيه في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فحدثني أبو الصفا خليل بن أيبك الكاتب أن الإمام أبا حيان حدثه أن أبا القاسم هذا لم يؤد طاعة لأحد من ملوك المغرب، وساس بلده أحسن سياسة بحيث لم يختلف عليه اثنان، ولم يتسم بألقاب الملوك، إنما يقال الفقيه وكان أبيض، ربعة، ذا شيبة، شهما، عاقلا، داهية، سائسا لا يدخل سبتة غريب إلا بضامن، ولا يخرج إلا بإذن، ولا قتل ولا قطع إلا في حد، ولا يدخل أحد بلده راكبا، وكان متواضعا، قريبا، يمر في الأزقة، ويسلم ويسأل العامة عن أحوالهم،

стр. 14856

ويؤانس صبيانهم ويسألهم عما يشتغلون به من علم أو صنعة، بقي الغرباء يرغبون في بلده، ويشترون به العقار، وكان عسكره أهل بلده قد جعلهم يتعلمون الرمي وأجرى عليهم رزقا ولهم صنائع، وكان له مراكب يقاتل بها، وصاهر بني الرنداحي رؤساء البحر، وكانوا شجعانا أجلادا، فقوي أمره، حدث عن أبيه، وكان أبوه عالما بالحديث، وحدث أيضا عن أبي القاسم بن بقي، وأبي الربيع بن سالم، كتب إلي بالإجازة وألف كتاب الدر المنظم في المولد المعظم، وكان يعمل بسبتة المولد بخلاف سائر الأندلس، فإنه لا يعمل فيها سوى ميلاد عيسى تبعا للنصارى إلى أن قال: وله نظم. قلت: امتدت أيام دولته وشاخ وبقي إلى سنة بضع وسبعين وستمائة (١). ٥٨٥ - أبو القاسم بن أحمد بن طولون، المرائغي. شيخ معمر، ولد قبل سنة تسعين وخمسمائة، وصحب الشيخ أبا الحسن بن الصباغ، وسمع منه الحديث، وكتب في إجازة ابن عبد الحميد، وكان من الصلحاء المشهورين (٢). • - بنو مرين، قبيلة كبيرة من عرب المغرب فيهم شجاعة مفرطة وإقدام. كان مقامهم بالريف الجنوبي من أرض تازة، ولما رأوا ضعف دولة بني عبد المؤمن نزعوا الطاعة وتابعوا الغارة واستفحل أمرهم واقتلعوا فاس من الموحدين واستولوا عليها في سنة تسع وثلاثين وستمائة، فأول من قام بالزعامة منهم أبو بكر بن عبد الحق بن محيو بن حمامة المريني، ثم سار بعساكره وضايق بني عبد المؤمن إلى أن مات في سنة ثلاث وخمسين، فتملك بعده أخوه يعقوب بن عبد الحق، فقوي أمره وكثرت جيوشه، فحاصر أبا دبوس إلى أن أخذ منه مراكش، وزالت أيام بني عبد المؤمن، ثم إنه افتتح سبتة في سنة اثنتين وسبعين، ثم … (٣). وتملك بعده ابنه السلطان يوسف بن يعقوب، ودانت له الأمم إلى أن قتل سنة ست وسبعمائة. (آخر الطبقة، والحمد لله)

стр. 14857

الطبقة التاسعة والستون (٦٨١ ـ ٦٩٠ هـ)

стр. 14858

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر الحوادث الكائنة في هذه السنين العشر على الترتيب مختصراً سنة إحدى وثمانين وستمائة سلطان مصر والشام، الملك المنصور وصاحب العراق وخراسان وغير ذلك: أحمد بن هولاوو. وفي صفر قبض المنصور بمصر على بدر الدين بيسري وكشتغدي الشمسي، فبقيا في السجن تسعة أعوام. وفيه ولي تدريس الأمينية القاضي شمس الدين ابن خلكان. وفي رجب ناب في القضاء شمس الدين الأبهري. وفي رجب درس بالأمينية الشيخ علاء الدين ابن الزملكاني بعد موت ابن خلكان، ودرس شمس الدين ابن الحريري بالفرخشاهية بعد موت الجمال يحيى مدرسها. قال قطب الدين (١): وفي أوائلها تسلطن الملك أحمد وله نحو ثلاثين سنة، فأمر بإقامة شعائر الإسلام وضرب الجزية على الذمة، ويقال: إنه أسلم صغيراً وأبوه حي. وفيها ولي الوزارة بمصر نجم الدين ابن الأصفوني، وأصفون من قرى قوص، وولي قضاء القاهرة شهاب الدين ابن الخويي. وفيها قدم رسول الملك أحمد، وهو بهاء الدين أتابك الروم، وشمس الدين ابن التيتي الآمدي، وقطب الدين الشيرازي العلامة، وزاروا القدس، والخليل في طريقهم، وكان سيرهم في الليل. وفي ليلة الاثنين حادي عشر رمضان احترقت اللبادين والكتبيين،

стр. 14859

والخواتميين والزجاجين وبعض سوق الأساكفة والمرجانيين وما فوق ذلك وما تحته من الأسواق والقياسير والفوّارة، وكان حريقاً عظيماً مهولاً، ذهب فيه من الأموال ما لا يحصى ولم يحترق فيه أحد، وأصله أن دكان أولاد الجابي كانت إلى جنب دكان أبي وعملوا مجمرة نار على العادة، ووضعت في البويت (١) وخرج الخارج بزعجة، ودفع الكساء الذي يكون على الباب، فرمى المجمرة وأغلق الدكان وذهب للإفطار، فعملت النار والناس في إفطارهم، واشتد الدخان وخرجت من الدكان قبل عشاء الآخرة، فعلقت بالسقوف العتق والبواري، واشتد عملها وعجزوا عنها، وجاء الوالي ونزل ملك الأمراء حسام الدين لاجين، فأعجزتهم وقضي الأمر، واستمرت إلى نصف الليل، ولولا لطف الله لاحترق الجامع واجتهدوا في إطفائها بكل ممكن، ثم اهتم بذلك محيي الدين ابن النحاس ناظر الجامع اهتماماً لا مزيد عليه، وشرع في عمارته، فبني ذلك وتكامل في سنتين، وبعض ذلك وقف المارستان الصغير. قال شمس الدين ابن الفخر: إن فخر الدين الكتبي أحرق له كتب بعشرة آلاف درهم، وأن الشمس الكتبي - يعني الفاشوشة - ذهب له كتب ومالٌ في الحريق بما يقارب مائة ألف، قال: وكان مغل الأملاك المحترقة - يعني الأوقاف - في السنة مائة ألف وأربعين ألف درهم. قلت: وفُرقت هذه الأسواق، فعملوا سوق تجار جيرون على باب دار الخشب، وسكن الزّجّاجون عند حمام الصحن، وسكن الذَّهبيون في أماكن إلى أن تكامل البنيان وعادوا. سنة اثنتين وثمانين وستمائة في رجب قدم السلطان الملك المنصور دمشق. وفي صفر ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح شيخنا جمال الدين الفاضلي، لموت العماد الموصلي وحضر عنده قاضي القضاة ابن الصائغ، والشيخ تاج الدين عبد الرحمن، وخطب وذكر فضل القرآن، وبحثوا في الجمع وهل هو بدعة.

стр. 14860

وفيها ولي حسبة دمشق جمال الدين ابن صصرى، وولي ابن عمه الإمام نجم الدين ابن صصرى درس العادلية الصغرى، نزل له عنها القاضي شرف الدين ابن المقدسي لما ولي الشامية الكبرى بعد أخيه، وولي نجم الدين البيساني نائب القاضي تدريس الرواحية عوضاًَ عن ابن المقدسي، لكونه صحت له الشامية. سنة ثلاث وثمانين وستمائة فيها ولي سلطنة حماة الملك المظفر بعد موت المنصور والده. وفي شعبان ليلة الرابع والعشرين منه نصف الليل كانت الزيادة العظمى، توالت الرعود والبروق وأرسلت السماء عزاليها، وجاء سيل هائل، وطلع الماء فوق جسر باب الفرج قامةً وأكثر، واشتد الأمر وغرق شيءٌ كثير من الخيل والجمال وبني آدم، وذهب للمصريين شيء كثير، وافتقروا، وراحت خيمهم وأثقالهم، فذكر أستاذ دار بكتاش النجمي أنه هلك لأستاذه ما قيمته أربعمائة ألف وخمسون ألف درهم، وخربت بيوت كثيرة وكانت في تشرين، فأخذت مصاطب السفرجل من الغياط. وجاءت بعدها بأيامٍ يسيرة زيادة أخرى بدّعت في جبل الصالحية، وحدث في الأرض أودية، وجرت الحجارة الجمالية، وانطمّت الأنهار، وسخروا العامة للعمل في الأنهار عند الربوة، وطلعت إلى الربوة يومئذٍ مع أبي، فطلع بنا إلى فوق الجنك، ولم يعمل شيئاً. وفي شعبان ولي ولاية دمشق سيف الدين طوغان المنصوري عوض الأمير ناصر الدين الحرّاني، وأُعيد الصارم المطروحي إلى ولاية البر بدل طوغان. وفيها عمل الدرس ابن تيمية شيخنا بالقصاعين في الحرم، وخضع العلماء لحسن درسه، وحضره قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدين، ووكيل بيت المال زين الدين، وزين الدين المنجى، وجماعة، وجلس بجامع دمشق على كرسي أبيه يوم الجمعة عاشر صفر، وشرع في تفسير القرآن من الفاتحة (١).

стр. 14861

قال الشيخ تاج الدين في تاريخه: وعمل ابن تيمية بالسكرية درساً حسناً، وكان يوماً مشهوداً. قال: وقدم الركب وكان السعر رخيصاً، قال: حدثني نجم الدين ابن أبي الطيب أنه اشترى غرارة شعير بعرفات بخمسة وثلاثين درهماً. وفيها درس بمقصورة الحنفية جلال الدين ولد القاضي حسام الدين بمعلومٍ على المصالح. وفيها عزل الدويداري من الشد بالأعسر وقتل. سنة أربع وثمانين وستمائة في أولها خرج الملك المنصور إلى الشام، ثم قصد حصار المرقب في صفر، وتقدمت المجانيق، ونازل الحصن في عاشر صفر، فلما انتهت ستارة المنجنيق المقابل لباب الحصن سقطت إلى بركةٍ كبيرة كان عليها جماعة من أصحاب علم الدين الدواداري، منهم أستاذ داره سنقر، فاستشهدوا، ثم طلب الإسبتار الصلح، فلم يجبهم السلطان ورماهم بالمنجنيق، وهدم بعض الأبرجة، واستمر الحصار إلى سادس عشر ربيع الأول، فزحف الجيش على المرقب، فأذعنوا بتسليمه وراسلوا بذلك، فأُجيبوا، ثم رفعت عليه أعلام السلطان يوم الجمعة ثامن عشر الشهر، وجهز السلطان معهم من وصلهم إلى أنطرطوس، وكانت مرقية بالقرب من المرقب على البحر، وكان صاحبها قد بنى على البحر برجاً عظيماً لا يناله النشاب، فاتفق حضور رسل صاحب طرابلس يطلب رضى السلطان، فاقترح عليه خراب البرج المذكور وإحضار من أسره من الجبليين الذين كانوا مع صاحب جبيل، فأحضر من كان حياً منهم، واعتذر عن البرج بأنه ليس له، فلم يقبل عذره، فقيل: إنه اشتراه من صاحبه بمالٍ وعدة قرى وهدمه وحصل للاستيلاء على المرقب ومرقية وبانياس، وعمّروا ما تشعّث من المرقب، وكان لبيت الإسبتار ولم يتهيأ للسلطان صلاح الدين فتحه، وممن شهد فتحه القاضي نجم الدين ابن الشيخ، وأخوه العز، وشيخنا العز ابن العماد، وشمس الدين ابن الكمال، وابنه، وشمس الدين ابن حمزة، وبلغني أن صلاح الدين وقف عليهم جمّاعيل على أن يشهدوا الغزاة مع المسلمين، فلهذا يخرجون في مثل هذه الغزوات. وفي ثالث جمادى الأولى قدم السلطان دمشق وزين البلد.

стр. 14862

وعزل التقيّ البيّع، وولي الوزارة محيي الدين ابن النحاس، وعزل طوغان من الولاية بعزّ الدين ابن أبي الهيجاء. وقدم دمشق قبل المرقب الملك المظفر تقي الدين الحموي، فتلقاه السلطان، وبعث إليه بالخلعة والغاشية، فركب وحمل بين يديه الغاشية نائب السلطنة طرنطاي. وفيها توجه على قضاء حلب الإمام شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام. واشتد القحط بالعراق وكثر الظلم ونهبت الأكراد البوازيج وقتلوا النصارى. وأغار عسكر الشام على بلاد الجزيرة وماردين. وفيها ذكر صدر الدين ابن الوكيل درساً بالعذراوية ولي إعادتها، فقال الشيخ تاج الدين: ذكر خطبة بديعة ودروساً، ثم جاء هو وأبوه إلى الحلقة فأعاد ما أورده. سنة خمس وثمانين وستمائة فيها صُرف ابن النحاس من الوزارة وأعيد التقيُّ توبة. وفيها أُعيد الدواداري إلى الشد. وفيها أُخذت الكرك من الملك المسعود خضر ابن الملك الظاهر ركن الدين، وذلك في صفر، ودُقّت البشائر. وفيها درس بالغزالية القاضي بدر الدين ابن جماعة، انتزعها من شمس الدين إمام الكلاسة نائب شمس الدين الأيكي في تدريسها، ثم وليها الأيكي، وناب عنه في تدريسها جمال الدين الباجريقي. وفي صفر جاءت زوبعة عظيمة بالغسولة إلى عيون القصب، فأتلفت أشياء كثيرة للجند المجردين مع بكتوت العلائي، بحيث إنها حملت خرجاً ملآن نعال خيل. وفيها نازلت الفرنج جزيرة ميورقة وحاصروها مدة ورأس أهلها الحكم بن سعيد بن الحكم الذي ذكرنا ترجمة أبيه في سنة ثمانين، ثم سلموها صلحاً، على أن يعطوا عن كل آدمي بها سبعة دنانير، فعجزوا وبقي أكثرهم في الأسر، وأما الذين خلصوا فأعطتهم الفرنج مركبين، فجاءوا مع الحكم إلى

стр. 14863

المَرية ثم إلى سبتة، فبالغ صاحبها في لم شعثهم وأكثر من الإحسان إليهم. ثم إن الحكم قصد السلطان أبا يعقوب المريني ليسأله في أسرى بلده، فأعطاه جملة، ثم جاز إلى غرناطة فأعطى ابن الأحمر مالاً، ثم ركب البحر قاصداً صاحب تونس وبجاية يطلب في الأسرى، فغرق به المركب، رحمه الله تعالى. ومن تاريخ الشيخ تاج الدين: فيها عزم الدواداري على إحضار جماعة إلى دار العدل ليضربوا وليشهروا، منهم المجد المارداني والتاج الحيوان وابن السكاكري والعلاء ابن الزملكاني، وناصر الدين ابن المقدسي، والمحقق والفخر ابن الصيرفي. ثم ترك ذلك. سنة ست وثمانين وستمائة في المحرم دخل دمشق نائب المملكة حسام الدين طرنطاي في تجمُّل زائد لا يدخله إلا ملك، ثم سار لحصار صهيون وبرزية وانتزاعهما من سنقر الأشقر، وتوجه معه الشاميون بالمجانيق، وقاسوا مشقةً وشدة من الأوحال. وتهيأ سنقر الأشقر للحصار ونازله الجيش. ثم توجه بعد أيام نائب دمشق حسام الدين لاجين لحصار برزية، فافتتحه بلا كلفة، ووجد فيه خيلاً لسنقر الأشقر، فلما أُخذ ضعفت همة صاحبه، وأجاب إلى تسليم صهيون على شروطٍ يشترطها، فأجابه طرنطاي وحلف له بما وثق به. ونزل بعد حصار شهر وأعين على نقل ثقله بجمال وظهر وحضر بعياله ورخته (١) في صحبة طرنطاي إلى خدمة الملك المنصور، ووفى له طرنطاي وذب عنه أشد ذب، وأعطي بمصر مائة فارس، وبقي وافر الحرمة إلى آخر الدولة المنصورية. وفي ربيع الأول قدم ابن الخويي على الشام قاضياً، وناب له الشيخ شرف الدين ابن المقدسي. وفي شعبان درس صفي الدين الهندي بالرواحية. وفيها طُلب السيف أحمد السامري إلى مصر، فطلبوا منه أن يبيع للسلطان قرية جزرما، فقال: وقفتُها وكان ناصر الدين ابن المقدسي قد سافر إلى مصر، فتحدث مع الشجاعي في أمر ابنة الملك الأشرف ابن العادل وأنّ أباها خلف لها أملاكا، ً فباعتها حال كونها سفيهة تحت الحجر، فتكلموا في ذلك

стр. 14864

ليتم لهم سفهها وتستعيد الأملاك، ثم يرشدونها ويشترون منها بعد ذلك. فعملوا محضراً، فشهد فيه الزين والد عبد الحق- وكان يخدمها- وخادم يصبو عن القضية وطشتدار. ثم ذكر القاضي زين الدين ابن مخلوف أن السلطان شهد عنده بذلك. ثم أحضروا السامري وأثبتوا المحضر في وجهه، وأبطلوا ما اشتراه منها، وذلك ربع جزرما. ثم ادَّعوا عليه بالمغل، فأخذوا منه حصته بالزنبقية وهي سبعة عشر سهماً، وأخذوا منه مائة ألف درهم، وتركوه معثراً. ثم طلبوا شريكه في جزرما نصر الدين ابن الوجيه بن سويد، وشرعوا في طلب رؤساء دمشق في مثل ذلك. فسار على البريد عز الدين ابن القلانسي، وشمس الدين بن يمن. ودرس بدار الحديث القوصية مختصر النواوي. سنة سبع وثمانين وستمائة في أولها طلب القاضي حسام الدين الحنفي والتقي البيّع الوزير وشمس الدين ابن غانم وجمال الدين ابن صصرى والنصير ابن سويد، فراحوا إلى مصر على البريد، فأخذ الشجاعي يتهددهم ويضرب بحضرتهم ليرعبهم، ثم يقول: ارحموا نفوسكم واحملوا. فيقولون: ما لنا من يُقرضنا هنا. فقِّرر علينا ما ترسم به. فلم يقبل وأحضر لهم تجاراً كالمجد معالي الجزري والشهاب ابن كويك، والنجم ابن الدماميني، وأمرهم بأن يحملوا عن المصادرين، ويكتبوا عليهم وثائق، فأخذ من عز الدين ابن القلانسي مائة وخمسين ألفاً، ومن ابن صصرى أملاكاً ودراهم تكملة ثلاثمائة ألف درهم، ومن التقي توبة نحو ذلك، ومن ابن سويد ثلاثين ألفاً، ومن ابن غانم خمسة آلاف درهم، ومن حسام الدين بحسب البركة ثلاثة آلاف درهم، ومن ابن يمن أملاكاً بمائةٍ وسبعين ألف درهم، فتعامل هؤلاء والمصريون على نكاية الشجاعي، وكان يؤذي الجمال ابن الجوجري الكاتب، فحضر إلى عند طرنطية، فقال له سراً: تقدر ترافع الشجاعي؟ قال: نعم. فدخل به إلى السلطان، فعرفه السلطان، وسأله عن حاله فقال: لم أزل في دولة مولانا السلطان بطّالاً ومصادراً. فرقّ له وذم الشجاعي لكونه لم يستخدمه، فتكلم ورافع الشجاعي، فأصغى إليه، وطلب الشجاعي فعصره بين يديه، فحمل إلى الخزانة في يومٍ واحد سبعة وعشرين ألف دينار، ثم باع من بركه وخيله وكمّل خمسين ألف

стр. 14865

دينار، وعزله وولى الوزارة بدر الدين بيدرة، وقدم الدمشقيون وأرضوهم بأن ولوا نظرَ الديوان جمال الدين ابن صصرى وأعطوا الحسبة لشرف الدين أحمد ابن الشيرجي وقدم بعدهم ابن المقدسي بالوكالة ونظر الأوقاف. وفي رمضان أُمسك النصراني كاتب كجكن مع مسلمة يشربان بالنهار، فبذل في نفسه جملةً، ودافع عنه مخدومه، فلم ينفع وأُحرِق بسوق الخيل، وقطع من أنف المرأة، وحصل فيها شفاعات لملاحتها. وفيها في ربيع الآخر صلى بالناس الجمعة بجامع دمشق خطيبه جمال الدين ابن عبد الكافي، فأحدث في الركعة الأولى، فاستخلف نجم الدين مؤذن النجيبي، فتمّم الصلاة وصلى الناس الجمعة خلف إمامين. وفي رمضان درس بالقيمرية القاضي علاء الدين ابن بنت الأعز، بحكم انتقال مدرسها ابن جماعة إلى خطابة القدس. وفيها ولي شرف الدين ابن الشيرجي حسبة دمشق بعد جمال الدين ابن صصرى، ثم عزل بعد أشهر بابن السلعوس الذي توزَّر. وفيها أُخِذت على جسر باب الفراديس دكاكين وأكريت سوقاً، ثم بعد مديدة عمل على جسر باب السلامة كذلك، ثم بعد خمسين سنة عمل سوقٌ على جسر باب الفرج، وفي داخل الباب. وفيها قدِم جمال الدين الزَّواوي قاضياً للمالكية. سنة ثمان وثمانين وستمائة مات البرنس صاحب طرابلس إلى لعنة الله، فبادر السلطان الملك المنصور مُسِرّاً حصارها، وقدم دمشق، وسار فنازلها في أول ربيع الأول، ونصب عليها المجانيق، وحفرت النُّقوب ودام الحصر إلى أن أخذها بالسيف في رابع ربيع الآخر. وغرق خلق في الميناء، وأخذ منها ما لا يوصف، سوى ما نجا في البحر، ثم أُحرقت وأُخرب سورها، وكان سورا منيعا محكما عديم المثل، وكانت من أحسن المدن وأطيبها، ثم بعد ذلك اتخذوا مكانا على ميل من البلد، وبنوه مدينة صغيرة بلا سور، فجاء مكانا رديء الهواء والمزاج، ثم تسلم السلطان حصن أنفه، وكان لصاحب طرابلس، فأمر بتخريبه، وتسلم السلطان البثرون، وجميع ما هناك من الحصون، وأنشأ تاج الدين ابن الأثير بأمر السلطان كتابا إلى صاحب اليمن بالبشارة أعز الله نصرة المقام العالي

стр. 14866

السلطاني الملكي المظفري الشمسي، وهو كتاب مليح ذكر فيه أن طرابلس فتحت في إمرة معاوية، وتنقلت في أيدي الملوك، وعظمت في زمن بني عمار، فلما كان في آخر المائة الخامسة ظهرت طوائف الفرنج بالشام، واستولوا على البلاد، فامتنعت عليهم طرابلس مدة، ثم ملكوها في سنة ثلاث وخمسمائة، واستمرت في أيديهم إلى الآن. وما أحسن ما قَالَ في بشارة صاحب اليمن، وكانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم إلا من هو مشغول بنفسه مكب على مجلس أنسه، يرى السلامة غنيمة، وإذا عن له وصف الحرب لم يسلك إلا عن طرق الهزيمة، قد بلغ أمله من الرتبة، وقنع بالسكة والخطبة، أموال تنهب، وممالك تذهب، لا يبالون بما سلبوا، وهم كما قيل: إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا … أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا إلى أن أوجد الله من نصر دينه وأذل الكفر وشياطينه. وذكر شرف الدين محمد بن موسى القدسي الكاتب في السيرة المنصورية أن طرابلس عبارة عن ثلاثة حصون مجتمعة باللسان الرومي، وكان فتحها على يد سفيان بن مجيب الأزدي، بعثه لحصارها معاوية في خلافة عثمان ﵁، فبنى بالمرج عن أميال منها حصنا سمي به، وقطع الواصل عنها برا وبحرا، وكان يجلب عليها خيلا ورجلا في النهار، ثم يأوي إلى حصنه في الليل، فكتبوا إلى ملك الروم لينجدهم، أو يبعث لهم مراكب للهزيمة، فبعث إليهم مراكب، فهربوا بالليل، فأصبح الحصن خاليا فكتب سفيان إلى معاوية فأسكنه جماعة من اليهود، فنقضوا العهد أيام عبد الملك بن مروان، ثم قَالَ: هذا حكاه المدائني عن عباد بن إبراهيم، وذكر أسامة بن منقذ أنها انتقلت إلى ملوك الشام إلى أن ملك المصريون الشام، فدخل فيما ملكوه، ثم تغلب عليه جلال الملك محمد بن عمار القاضي، فأخرج عامل المصريين منه، ثم تملكه بعده أخوه فخر الملك، ثم قصدها الفرنج في سنة اثنتين وخمسمائة، وأخذوها بعد مطاولة، وكان المنازل لها ابن صنجيل، فقصد فخر الملك بغداد في البحر مستنجدا بالسلطان محمد بن ملكشاه، واستخلف في الحصن ابن عمه، فأضاع الحزم وتشاغل عن القتال، فسأل أهل الحصن الأمان فأجيبوا، ولم يزل بيد الفرنج إلى الآن.

стр. 14867

وقال قطب الدين (١): حكي لي أن سبب أخذ الفرنج لها أن ابن صنجيل جرى له أمرٌ أوجب خروجه عن بلاده، فركب البحر، وثجج فيه، وتوقفت عليه الريح، ثم رماه الموج إلى الساحل، فنزل بساحل طرابلس، فسيَّر إليه ابن عمار يسأله عن أمره، فأخبره بأنه نزل يستريح ويتزود، وسأله أن يخرج إليه سوقا، فخرج إليه جماعة فبايعوه وكسبوا عليه. ثم نزل إليه أهل جُبَّة بشرِّي (٢)، وهم نصارى فبايعوه، وعرّفوه أمر طرابلس، وأن الرعية نصارى، وأن صاحبه متغلب عليه، وحسّنوا له المقام، ووعدوه بالمساعدة على أخذه، فأقام. وحضر إليه خلقٌ من نصارى البلاد، وعجز ابن عمار عن ترحيله. ثم بنى ابن صنجيل الحصن المشهور به التي بنيت طرابلس المنصورية تحته، وأقام به واستولى على بر طرابلس، ولم يزل مصابراً لها، وكلما له يقوى ويكثر جمعه، ويضعف أهل البلد، ولا ينجد ابن عمار أحدٌ، ثم حصل الاتفاق على أنه يخرج منها بجميع ماله إلى عرقة، فخرج إليها وأقام بها مدةً ثم فارقها. وقوي شأن الفرنج بالساحل. ثم صلح أمر ابن صنجيل في بلاده التي بالبحر، وتوجه إليها واستناب على طرابلس بيمند جد صاحبها. ثم مات ابن صنجيل وترك بنتاً، فكان بيمند يحمل إليها كل وقتٍ شيئاً إلى أن مات، وقام بعده ولده بيمند الأعور، فاستقل بمملكتها.، وكان شهما شجاعاً وطالت أيامه، ثم تملك بعده ولده بيمند، ولم يزل إلى حين توفي، وكان جميل الصورة، جاء إلى التتار أيام هولاوو، فقدم بعلبك وطمع أن يعطاها، فطلع إلى قلعتها ودارها، ونازل الملك الظاهر بلده مرتين، وكان ابن بنت صاحب سيس وبيده أيضاً أنطاكية، فهلك وتملك بعده ابنه، فلم تطل مدّته وهلك وتملك بعده سير بلمه (٣). وعندما أخذت طرابلس قصد الميناء فقيل: إنه غرق، وقيل: نجا. وذكر القاضي شمس الدين ابن خلكان (٤) أن الفرنج أخذت طرابلس في ثاني عشر ذي الحجة،، وكان صاحبها فخر الملك عمار بن محمد بن عمار قد

стр. 14868

صبر على محاصرته سبع سنين، واشتد الغلاء، فخرج منها وقصد بغداد طالباً للإنجاد. وللشهاب محمود أبقاه الله: علينا لمن أولاك نِعمتَه الشُّكْرُ … لأنّك للإسلام يا سيفَه ذخر ومِنّا لك الإخلاص فِي صالح الدُّعا … إلى من لَهُ فِي أمر نُصْرتك الأمرُ ألا هكذا يا وارث الملك فليكن … جهاد العدى لا ما تولى بِهِ الدَّهرُ فإنْ يكُ قد فاتَتْك بدْرٌ، فهذه … بما أنزل الرحمن من نصره بدرُ نَهضْتَ إلى عَلْيا طرابُلُس التي … أقَلّ عناها أنَّ خَنْدَقَها بحرُ وقد ضمّها كالطَّوْق إلّا بقيّة … كنحر وأنت السّيفُ لاح لَهُ نحرُ مُمَنَّعَةٌ بِكْرٌ، وهل فِي جميع ما … تَمّلكْتَهُ إلّا مُمَنَّعَةٌ بِكْرُ؟ ومن دون سورَيها عُقاب منيعة … يزلّ إذا ما رام أوطاءها الذر وما برحت ثغرا ولكن عدا العدى … عليها بحُكم الدَّهر فانثغر الثغرُ وكانت بدار العلم تُعرفُ قبل ذا … فمن أجل ذا للسّيف فِي نظْمها نَثْرُ وكم مَرّ من دهْرٍ وما مسّها أذًى … وكم راح من عصرٍ وما راعها حصْرُ ففاجأتها بالجيش كالموج فانثنَتْ … تميدُ وقد أربى عَلَى بحرها البرُ فظلت لدى بَحْرَيْن أنكاهما لها … وأقتله العذب الذي جره مصر منها: كأنّ المجانيق التي أوترت ضُحى … عليها لها فِي شُمّ أبراجها وَترُ أصابعُها تُومِي إليهم ليسجدوا … فتقبّل منها دون سكّانها الْجُدُرُ ويُمطرها من كلّ قَطْر حجارةً … لقد خاب قومٌ جادَهُم ذَلِكَ القَطْرُ تخلَّقَ وجْهُ السُّور منهم كأنّما … غَدَت وعليها فِي الّذي فَعَلْتَ نذرُ منها: وأطلقتَ فيها طائر السَّيفِ فاغْتَدَى … وليس لَهُ إلا رؤوسهم وَكْرُ ولاذُوا بباب البحر منك فما نجا … إلَيْهِ سوى مَن جرّه من دمٍ نهرُ ولم ينج إلّا من يخبّر قومه … ليدروا وإلا من تغمَّده الأسرُ فللَّه كم بيضٍ وسُمْرٍ كواعب … عَلَى رغمهم قد حازت البيض والسمر

стр. 14869

وفي هُلْكهم يوم الثُّلاثاء إشارةٌ … إلى أنّ في الدارين تثليثهم خسر منها: وماذا بِهِ يُثْني عليك مُفَوَّهٌ … ولا قدرهُ يأتي بذاك ولا قدر ولكن دعاء وابتهال بأنه … يعز على رغم الأعادي لك النَّصر وهي بضعةٌ وستون بيتاً انتقيتها. وعمل قصيدةً في ملك الأمراء لاجين وقصيدة في ملك الأمراء بلبان الطباخي. وذكر سيف الدين ابن المحفدار أن عدة المجانيق التي نصبت عليها تسعة عشر منجنيقاً، ستة إفرنجية والباقي قُرابُغا. والذي تسلمناه من الأسرى ألف ومائتا أسير، وقُتل عليها من الأمراء عز الدين معن، وركن الدين منكورس الفارقاني، ومن الحلقة خمسة وخمسون نفساً، وقال: عرض سُورها مسير ثلاثة خيّالة. ونقل العدل شمس الدين الجزري في تاريخه قال (١): قدم بطريق وجماعته في أيام عبد الملك بن مروان فطلب أن يقيم بطرابلس ويؤدّي الجزية، فأُجيب. فلبث بها مدة سنتين وتوثَّب بها، فقتل طائفة من اليهود وأسر طائفة من الجند، وهرب لمّا لم يتم له الأمر؛ فظفر به عبد الملك فصلبه. ثم لم تزل في أيدي المسلمين إلى أن ملكها ابن عمار، إلى أن مات سنة اثنتين وسبعين (٢) وأربعمائة وملكها بعده أخوه فخر الملك. فلما أخذت الفرنج أنطاكية في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، نزل الملك صنجيل بجموعه عليها، واسمه ميمون، نازلها في سنة خمسٍ وتسعين وعمّر قبالتها حصناً وضايقها مدة، ثم خرج صاحبها يستنجد في سنة إحدى وخمسمائة، فاستناب ابن عمه أبا المناقب، ورتب معه سعد الدولة فتيان بن الأعز، فجلس يوماً فشرع يهذي

стр. 14870

ويتجنن، فنهاه سعد الدولة فرماه بالسيف فقتله، فأمسكه الأمراء ونادوا بشعار الأفضل أمير الجيوش سلطان مصر وحموا البلد إلى أن مات صنجيل. ثم ما زال جنده يحاصرونها إلى أن أخذوها في ذي الحجة سنة اثنتين، وتولاها السرداني (١) مقدَّم منهم، فوصل بعد مدة تيران (٢) بن صنجيل، ومعه طائفة من جند أبيه، فقالوا للسرداني: هذا ولد صنجيل، وهو يريد مدينة والده يعني الحصن. فقام السرداني ورفسه، فأخذه أعوانه وداروا به على أعيان الفرنج، فرحموه وتذكروا الأيمان التي حلفوها لأبيه وقالوا: إذا كان غداً فاحضر، ونحن نتكلم مع السرداني، فلما حضر عنده كلّمه، فصاح عليه السرداني، فقاموا كلهم عليه، وخلعوه وملّكوا الصبي، فأقام مِلكاً إلى أن قتله برواج (٣) في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة (٤). واستخلف على البلد ولده القومص بدران إلى أن أسره الأتابك زنكي بن آقسنقر بقرب بعرين، ثم فدى نفسه بمالٍ، وعاد إلى طرابلس، ثم وثبت عليه الإسماعيلية قتلوه، وولي بعده ريمند، وهو صبي. ثم إنه حضر الوقعة مع السلطان نور الدين في سنة تسعٍ وخمسين على حارم، فأبقى عليه صلاح الدين لأنه كان مهادناً للمسلمين. قال الجزري (٥): وفيها احتاط الشجاعي بدمشق على حواصل التقي البيّع وصادره، ثم طرح أملاكه. وأخشابه على الرؤساء بثلاثة أثمان، وهرب جماعة من المصادرة منهم أبي وإخوتي وغبنا عن البلد شهراً، وتغيّب عز الدين ابن القلانسي، ثم طالبوا نجم الدين عباس الجوهري بمغل ضيعة كان اشتراها من بنت الأشرف بالبقاع، فأعطاهم جوهراً قيمته ثمانون ألف درهم، فقالوا: نحن نريد دراهم وألحّوا عليه، فنزل إلى مدرسته، وحفر في دهليزها، فاخرج له خونجاه (٦) ذهب مرصَّعة بجواهر، فقِّومت بأربعمائة ألف.

стр. 14871

ثم سافر السلطان من دمشق في شعبان والقلوب في غاية الألم منه، وأخذ معه التقي توبة مقيداً إلى حمراء بيسان، فمر طرنطاي وكتبغا على الزردخاناه وبها التقي توبة، فلم يكلموه، فصاح وشتم وقال: والكم يا أولاد الزنا، أنا ضيعت دنياي وآخرتي لأجلكم، وأنا شيخ كبير في القيد، وقد أخذوا جميع ما أملك، هذا جزاء خدمتي؟ فضحكوا، ثم إنهم كلموا السلطان فيه، وضمنوه أنه لا يهرب، فأطلقه وأخذوه. ولم يكن الشجاعي حاضراً. قال شمس الدين (١): وفي أول السنة سافر ابن السَّلعوس إلى مخدومه الملك الأشرف، فاستناب عنه في الحسبة تاج الدين ابن الشيرازي. وفي ربيع الآخر ولي الحسبة الجمال يوسف أخو الصاحب تقي الدين، فلما احتاطوا على تقي الدين أعادوا ابن الشيرازي إلى الحسبة مستقلا. وفيها حج بركب الشام زين الدين غلبك. وفيها قدم دمشق الواعظ نجم الدين ابن البزوري ووالده، ووعظ على باب مشهد علي مرات وحضره الخلق، وكان رأساً في الوعظ. سنة تسع وثمانين وستمائة فيها ثارت عرب الصعيد، فسار لتسكين الأهواء نائب السلطنة طرنطاي، فسكّنهم وأخذ خلقاً من أعيانهم رهائن، وأخذ سائر أسلحتهم، وأكثر خيولهم، وأحضر الجميع إلى القاهرة. فكانت أسلحتهم عدة أحمال. وفيها عاد عز الدين أيبك الأفرم من بلاد السودان برقيقٍ كثير وفيل صغير. وفيها درس الشيخ صفي الدين الهندي بالدولعية وعلاء الدين ابن القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز بالظاهرية بعد خنق رشيد الدين الفارقي. ودرس تقي الدين ابن الزكي بالتقوية بالخلعة والطيلسان من جهة صاحب حماة، ودرس بدر الدين أبو اليسر ابن الصائغ بالعمادية. وفي جمادى الآخرة رتِّب خطيباً بالجامع الأموي العلامة زين الدين ابن المرحل الوكيل، فتكلموا فيه، حتى قالوا إنه يلحن في الفاتحة ولا يحفظ الختمة واستفتوا عليه، ثم استمر وأوذي من تكلم فيه واستمر في الخطابة

стр. 14872

وكان من بلغاء الخطباء وكبار الأئمة، فاستقر على رغم من ناوأه. وفيه ولي القضاء شرف الدين الحسن ابن الشرف الحنبلي بعد ابن عمه القاضي نجم الدين. وولي تدريس الجوزية القاضي تقي الدين سليمان والخطابة بالجبل ولد المتوفى القاضي نجم الدين. وفيها قررت الأخباز بأطرابلس، واستخدام بها ستمائة فارس. وفيها مسك الأمير سيف الدين جرمك الناصري. ومسك شمس الدين ابن السلعوس وحبس مديدة، ثم أفرج عنه بمصر ولزم بيته وسار مع الركب المصري وحج. وفيها ولي نظر الجامع وجيه الدين ابن المنجى. وفيها قبض على ناصر الدين ابن المقدسي واعتقل بالعذراوية، ثم شنق نفسه والظاهر أنه شُنق لأنه طلب إلى مصر، فخافوا من مرافعته وبتّوه، وكان ظالماً مرافعاً، فقيهاً في فتح أبواب الشر والحيل، سامحه الله. وفيها ولي نيابة غزة أحد أمراء دمشق عز الدين الموصلي. وفي رجب وقع حريق كبير بدرب اللبان، واتصل بدرب الوزير بدمشق واحترقت دار صاحب حماة بحماة، وعملت النار فيها يومين، وكان هو في الصيد وراح فيها من الأموال والمتاع ما لا يوصف. وفيها درس بأم الصالح بعد ناصر الدين ابن المقدسي إمام الدين القزويني الذي ولي القضاء. وفيها قدم عكا طائفةٌ من الفرنج غتمٌ، فثاروا بها وقتلوا من بها من التجار المسلمين. ودرس بالرواحية البدر أحمد ابن ناصر الدين المقدسي المشنوق بعد والده ولم يكن أهلاً لذلك، بل فعلوا ذلك تطييباً لقلبه. وفي شوال توجه الأمير المُشد شمس الدين الأعسر إلى وادي مربّين من البقاع لقطع الأخشاب للمجانيق، فقطع منها ما يحار فيه الناظر من عِظمه وطوله وجرّها إلى دمشق وسخرت الأبقار والرجال وقاسى الخلق مشاقاً لا توصف، وهي خشب صنوبر، غرم على كل عودٍ منها جملة، حتى قال من له خبرة من ولاة النّواحي: ناب العود منها خمسون ألفاً.

стр. 14873

وفيها خرج من دمشق المحمل والسبيل مع الزوباشي وعزم السلطان على الحج، فلما بلغه نكث أهل عكا غضب واهتم لغزوهم وضرب الدهليز بظاهر القاهرة. وأخذ في التأهب، وخرج إلى الدهليز، وهو متوعك في شوال، ثم مرض ومات في ذي القعدة. وجاءت الأخشاب المذكورة إلى المزة، ثم شحطت إلى الميادين، وكانت منظراً مهولاً، وقد ربع سفل العود وسفط، وهو نحو ذراع وثلث بالنجار وأكثر. ثم رأوا أنها لا تنفع للمنجنيق، فلما ولي الشجاعي نيابة دمشق أدخل بعضها في عمارة دار السلطنة بالقلعة، ثم نشر بعضها، وعمل منه أبواب الجامع التي في الرواق الثالث. وفي ذي القعدة أمسك الأمير بدر الدين المسعودي بدمشق نائب الخزندار، وأمسك مخدومه طرنطاي في ذي القعدة في أواخره بمصر، وبسط عليه العذاب إلى أن تلف. وخطب للملك الأشرف صلاح الدين يوم تاسع عشر ذي القعدة بدمشق. ثم جاء مرسوم لتاج الدين ابن الشيرازي بوكالة بيت المال مضافاً إلى الحسبة. وطلب الأمير بكتوت العلائي إلى مصر وأُكرم. وتوجه صاحب حماة إلى مصر مهنئاً في ذي الحجة، وخلع على معين الدين ابن المغيزل، وولاّه تدريس التقوية. واشتد البلاء بالعراق بدولة اليهود التي من سعد الدولة الطبيب وآذوا الرعية. وخرب للحجاج قيمةٌ كبيرة بمكة، وقتل نحو أربعين نفساً. سنة تسعين وستمائة دخلت وسلطان الإسلام الملك الأشرف، وقد فوَّض الوزارة إلى الصاحب شمس الدين ابن السلعوس، وهو في الحج، ثم وصلته الأخبار فأسرع المجيء على الهجن ونائب المملكة بدر الدين بيدرا. فتح عكا ولما استقر السلطان في المُلك اهتم بإتمام ما شرع فيه والده من قصد عكا. فسار بالجيوش من مصر في ثالث ربيع الأول ونزل عليها في رابع ربيع

стр. 14874

الآخر، وهو خامس نيسان وجاءت إليه جيوش الشام بأسرها وأُمم لا يحصيهم إلا الله تعالى، من المطوِّعة والمتفرّجة والسُّوقية، فكانوا في قدر الجند مرات. ونصب عليها خمسة عشر منجنيقاً إفرنجياً، منها ما يرمي بقنطار بالدمشقي ومن المجانيق القرابغا وغيرها عدد كثير. وشرعوا في النقوب واجتهدوا في الحصار، ووقع الجد من الفريقين، وأنجد أهلها صاحب قبرس بوكه بن سيروك بنفسه. وليلة قدومه عليهم أشعلوا نيراناً وشمعاً عظيماً فرحاً به، فأقام عندهم ثلاثة أيام ثم ركب في البحر وأقلع لما شاهد من هول ما أحيط بهم، ولما رأى من ضعفهم وانحلال أمرهم. وشرع أهلها في الهرب في البحر، ولم يزل الأمر في جدٍّ حتى هدمت المجانيق شرفات الأبراج، وكملت النقوب عليها، وعلقت الأسوار، وأضرمت في أسافلها النار، واستشهد عليه خلقٌ من المسلمين، وثبت الفرنج ثباتاً كلياً. وعند منازلتها نودي في دمشق: من أراد أن يسمع البخاري فليحضر إلى الجامع. فاجتمع خلقٌ وقرأ فيه الشيخ شرف الدين الفزاري، وحضر قاضي القضاة ونائبه ونجم الدين بن مكي وعز الدين الفاروثي، وكان السماع على جماعة. وفي ثامن جمادى الأولى حصل تشويش على عكا، وهو أن الأمير علم الدين الحموي أبو خرص أتى إلى نائب دمشق لاجين فقال: السلطان يريد أن يمسكك. فخاف وجمع ثقله وطلبه في الليل وشرع في الهروب، فشعر به علم الدين الدواداري، فجاء ورده وقال: بالله لا تكن سبب هلاك المسلمين، فإن الفرنج إن علموا بهروبك قووا على المسلمين. فرجع. ثم طلبه السلطان من الغد وخلع عليه وطمّنه، ثم أمسكه بعد يومين وقيده وبعث به إلى مصر وأمسك معه ركن الدين تقصوه، وهو حموه وأمسك قبلهما بيومين ثلاثة أبا خرص وقيّده، واستناب على دمشق علم الدين الشجاعي. ثم هيأ السلطان أسباب الزحف ورتب كوسات عظيمة، فكانت ثلاثمائة حمل، وزحف عليها سحر يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى بسائر الجيش. ، وكان للكوسات أصوات مهولة، وانقلبت لها الدنيا، فحين لاصق الجيش الأسوار هرب الفرنج ونصبت الأعلام الأشرفية على الأسوار مع طلوع الشمس وبُذل السيف، ولم يمض ثلاث ساعات من النهار إلا وقد استولى المسلمون عليها ودخلوها من أقطارها، وطلب الفرنج جهة البحر، فقُتل من

стр. 14875

أُدرك منهم، وأسهل القتل والأسر والسبي على سائر أهلها. وعصت الدِّيوية والإسبتار والأمن في أربعة أبرجة شواهق في وسط البلد، فحُصروا فيها، ثم طلبوا الأمان من الغد، فأمنهم السلطان وسيَّر لهم سنجقاً، فنصبوه على برجهم وفتحوا الباب، فطلع إليهم الأجناد وبعض الأمراء وتعرّضوا لهم بالنَّهب وأخذ النساء، فغلق الفرنج الأبواب ورموا السنجق، وقتلوا طائفة من الجند، وقتلوا الأمير آقبغا المنصوري. وعاودهم الحصار، ونزل إسبتار الأمن بالأمان على يد زين الدين كتبغا الذي تسلطن. وفي يوم الثالث من الفتح طلب الديوية الأمان وكذا الإسبتار، فأمنهم السلطان وخرجوا، ثم نكث وقتل منهم فوق الألفين وأسر مثلهم وساق إلى باب الدهليز فوق الألف من نسائهم وصبيانهم. فلما رأى من تبقى في أحد الأبرجة ما جرى تحالفوا على الموت، وامتنعوا من قبول الأمان، وقاتلوا أشد قتال، وتخطفوا خمسة من المسلمين ورموهم من أعلى بالبرج، فسلم واحدٌ ومات أربعة. وأُخِذ هذا البرج يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الأولى بالأمان، وكان قد نُقب وعلِّق من نواحيه، فلما نزل منه وحول أكثر ما فيه سقط على جماعة من المتفرجين، والذين ينهبون فهلكوا. ثم عزل السلطان الحريم والولدان، وضرب رقاب الرجال ولم يف لهم وهذا مكافأةً لفعلهم حين أخذوا عكا من السلطان صلاح الدين فإنهم - أعني الفرنج - أمّنوا من بها من المسلمين، ثم غدروا بهم وقتلوا أكثرهم وأسروا الأمراء وباعوهم فسلّط الله على ذرياتهم من انتقم منهم وغدر بهم جزاءً وفاقاً، فيا لله العجب، وأعجب من ذلك أن الفرنج أخذوا عكا في يوم الجمعة سابع عشر شهر في الثالثة من النهار من شهر جمادى الآخرة، كما ذكرناه في سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة، ثم افتتحها المسلمون بعد مائة سنة وثلاث سنين إلا شهر واحد. وفي سنة سبع وستين وأربعمائة افتتح أمير التُّركمان عكا، ثم عادت الفرنج فملكتها، ثم في سنة اثنتين وثمانين جهزّ أمير الجيوش بدر الجمالي نصير الدولة الجيوش في جيشٍ من مصر فافتتح صور وعكا وصيدا، ونزل على بعلبك، ثم في سنة ستِّ وتسعين وأربعمائة نزل على عكا بغدوين ملك القدس، لعنه الله، فحاصرها، وأخذها بالسيف، فدامت في يد الفرنج إلى أن أخذها السلطان صلاح الدين في سنة ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة، ثم أُخِذت منه

стр. 14876

سنة سبعٍ وثمانين، وأخذت الفرنج صور بعد حصارٍ طويل بالأمان في سنة ثمان عشرة وخمسمائة. فتح صور لما نزل الملك الأشرف عكا جهّز الأمير علم الدين الصوابي والي بر صفد، إلى جهة صور، لحفظ الطرق وتعرُّف الأخبار. فلما أُخِذت عكا وأُحرقت وأضرمت النيران في جَنَباتها وعلا الدخان، وهرب أهلها في البحر، علم أهل صور ذلك، فهربوا وأخلوا البلد، وكانت حصينةً منيعة لا تُرام، فدخلها الصوابي وكتب بالبشارة إلى السلطان فجهز له رجالاً وآلةً ليخربوها ويخربوا حيفا، وبقي بصور من تأخر بها من أهلها، فاستغاثوا، وسلموها بالأمان للصوابي وآمنهم. ولم يكن السلطان يطمع بها، فيسَّر الله بما لم يكن في الحساب، وكان لها في يد الفرنج نحوٌ من مائتي سنة، بل من مائة واثنتين وسبعين سنة. وقد أُخذ منها رخام كثير وجعلت دكاً. وأمسك السلطان على عكا نائب صفد علاء الدين أيدغدي الألدكزي، وولى مكانه علاء الدين أيدكين الصالحي، وطلب نائب الكرك ركن الدين بيبرس الخطابي الدويدار، وولى مكانه جمال الدين آقوش الأشرفي. ثم بعد عشرين سنة ولي هذا نيابة دمشق، وذاك نيابة مصر، فلم تطل أيامهما. وفي خامس شهر جمادى الآخرة رحل السلطان عن عكا وقد تركها دكّاً، وشرع الصاحب تقي الدين وشمس الدين الأعسر المشد بدمشق في عمل القباب والزينة وحصل لذلك من الاحتفال ما لا مزيد عليه. ودخل دمشق دخولاً ما شهد مثله من الأعمار، وأمامه الأسرى على الخيل يحملون أعلامهم منكَّسة، ورماحاً فيها شُعف رؤوس القتلى، وذلك في ثالث عشر جمادى الآخرة، فأقام بدمشق خمسةً وثلاثين يوماً. فتح صيدا سار عسكر دمشق فنازلوا صيدا، وأما ملك الأمراء الشُجاعي فأتى في خدمة السلطان، ثم رجع إلى صيدا، ثم افتتحها، فاستولى من بها من المقاتلة على برج وتحصّنوا به، وكان لا يصل إليه حجر منجنيق، فضايقه الشجاعي في ثامن رجب وفتحه يوم السبت خامس عشر رجب، بحكم الذين فيه نزحوا

стр. 14877

منه، وانتقلوا إلى الجزيرة المجاورة لصيدا، ثم إنهم أحرقوا الجزيرة بما فيها في ثامن عشر رجب، وساروا في البحر إلى قبرس. ثم علّق المسلمون أبراج القلعة وأحرقوها ودكّوها. وكانت الشواني الإسلامية قد حضرت من اللاذقية، فلما وصلت إلى ميناء البثرون مر بها الذين هربوا من صيدا في المراكب وظنوها للفرنج، فعرّجوا إليهم، ثم تبين لهم أنهم مسلمون، فهربوا، فتبعهم الأمير بلبان التَّقوي بالشواني، فاستولى عليهم قتلاً وأسراً ونهباً واستنقذ من الذين معهم من الأسرى، وكان ذلك من غرائب ما اتفق. فتح بيروت كان أهل بيروت متمسكين بالهدنة، لكن بدا منهم شيء يسير، وهو أنهم آووا المنهزمين من الفرنج، وأمرهم علم الدين الشجاعي بضم مراكبهم إلى مراكب المسلمين، فخافوا وامتنعوا، فأمر الشجاعي الأمير التقوي بحفظ الميناء، وضبط مائة من المراكب، وجاء الشجاعي بالجيش من جانب البر، فدخل المدينة، وأخرجهم منها واستولى على القلعة وما فيها. وذلك في الثالث والعشرين من رجب. وكانت القلعة امتنعت عليه قليلاً، فوقع الحديث مع كليام النائب بها، فأجاب وسلم وأسر كل من كان بالبلد والقلعة من الخيالة والمقاتلة. وكانت من القلاع المنيعة، فهدمها الشجاعي. فتح جبيل وكان صاحبها قد حضر عند الملك المنصور نوبة طرابلس وبقي بجبيل، فلما أخذت عكا رسم له بأن يخرب قلعة جبيل، ثم ندب الأمير علم الدين الدواداري فسار إليها وأخرب أسوارها، وأذهب حصانتها وهدمها. فتح عثليث وهو حصن مشهور يضرب بحصانته المثل، والبحر يكتنفه من جميع جهاته، ولم يحدث الملوك أنفسهم بقصده، وكان السلطان قد جرد من عكا

стр. 14878

بدر الدين رمتاش التركماني بجماعةٍ من التركمان للنزول حوله على بعدٍ ليحصل الأمن من جهته من أحدٍ يخرج منه. ونودي الجلابة والمسافرون. فأُخِذت عكا وغيرها والتركمان مكانهم، فلما بلغ أهل عثليث أخذُ عكا وصور وصيدا وبيروت، أحرقوا أموالهم ومتاعهم وما لم يقدروا على حمله، وعرقبوا دوابهم وهربوا في البحر، وأخلوا الحصن ليلة أول شعبان. وأما أهل أنطرسوس لما بلغهم ذلك عزموا على الهرب فُجِّرد الأمير سيف الدين الطَّباخي إليها، فلما أحاط بها ليلة خامس شعبان ركبوا في البحر وهربوا إلى جزيرة أرواد، وهي بالقرب منها. وفي غضون ذلك استحضر الشجاعي مقدمي جبل الجرد (١) والكسروان، فلما حضروا بين يديه أخذ سلاحهم ودرّكهم خفر بلادهم وتوثّق منهم، ثم خلع عليهم، وأخذ منهم رهائن. ثم قدم الشجاعي بعلبك في أواخر شعبان، وطلع إلى قلعتها، وأمر بكسر صنمين من الرخام كانا قد وجدا في بعض الحفائر في نهاية التحرير والإتقان وبراعة الصنعة، فكان إذا حضر أحدٌ من الأكابر أحضروا الصنمين للفرجة على تلك الصنعة. فلما زار الشجاعي مقام إبراهيم أحضر الوالي تلك الصنمين، فرآهما وأمر بتكسيرهما، فكُسِّرا في الحال. وهذه تدل على حسن دين الشجاعي وإن كان ظالماً. ثم دخل دمشق في السابع والعشرين من شعبان. وفي نصف رمضان قُبض على علم الدين الدواداري وبعث به إلى مصر. وجاءت الأخبار بالإفراج والرِّضى عن الأمراء الكبار: تقصو، وحسام الدين لاجين النائب، وشمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدين بيسري، وشمس الدين سنقر الطويل المنصوري، وبدر الدين خضر بن جودي القيمُري. وفي شوال شرع الشجاعي بعمارة الطارمة والقبة الزرقاء ودور الحريم بقلعة دمشق، فحشد الصُّناع وحشر الرجال وعمل عمارة الجبابرة، وقلع لذلك عدة أعمدة من سوق الفِ اء الذي بطرف الفسقار، وحفر الأرض وراء

стр. 14879

الأعمدة، وإذا العمود منها نازل في الأرض بقدر ظهوره مرةً أخرى ونصف، وهو على قاعدة متينة، وتعجب الناس من ذلك، ولم يعلموا ما السّبب في نزولها في الأرض. ثم إنها جُرّت بدواليت (١) وآلات، وعبروا بها من باب السّرّ، ونقبوا لها في السور في البدنة، وهي أكبر من أعمدة الجامع، فأقيمت وعُمل عليها القبو الذي بين يدي القبة. وعسّف الصُّناع واستحثهم بنفسه، وبنى بنياناً خشناً جاهلياً وزخرفه ودخل فيه أقل من ثلاثة آلاف دينار. قد سهرت في عمله ليالي مع أبي ﵀. وتكامل جميعه في سبعة أشهر، وكان الدّهانون يعملون في المقرفص والأساس لم يرتفع بعد، وجلب لذلك الرخام المفتخر من عكا وصور وبيروت وتلك الديار. وخرّب حمام الملك السعيد الذي تجاه باب السر، ولم يكن له نظير في الحسن، وخرب الأبنية التي من جسر الزلابية إلى قرب باب الميدان، وذهبت أملاك الناس وتعثروا، وكان هذا المكان مليحا (٢)، ويعرف بالمسابح، وعلى النهر العابر إلى خندق القلعة دور حسنة، وفي النهر مركب يركب فيه الشباب للفرجة، وأحق، وقد ركبت فيه مع جدي العلم وأنا ابن خمسٍ سنين، وأعطى للذي في المركب أجره. وكان السلطان لما قدم دمشق انبسط هو أو بعض خواصّه الملاح على نائب القلعة أرجواش فقال: وقعنا في الصبيانية. فغضب السلطان وأمر بشنقه وألبس عباءة ليشنق فيها. ثم شفعوا فيه، فحبس مدة، ثم أُطلع من الحبس ولزم بيته بلا خبز. ثم خلع عليه في رمضان، وأعطي خبزه، وأعيد إلى نيابة القلعة، ورتب معه بالقلعة الأمير أسندمر المنصوري، وأنزل الباسطي إلى البلد. وفي رمضان طلب القاضي بدر الدين ابن جماعة قاضي القدس وخطيبه على البريد مكرماً، وولاه الصاحب ابن السلعوس قضاء الديار المصرية، وعدة مدارس، ولم يترك لقاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز سوى المدرسة الشريفية فقط (٣).

стр. 14880

وفيها أمر الشجاعي فنودي في دمشق بإبطال العمائم للنساء، وأن لا تزيد المرأة على المقنعة، وبإبطال صباغات النساء وأن لا يخرجن إلى المقابر … وغير ذلك، وأن لأ يأكل أحد حشيشةً ولا يشرب خمراً، وتوعد على ذلك، وكان ذا هيئةٍ وسطوة مرهبة، فتأدب البلد وكانت هذه من حسناته. وفيها هلك أرغون ملك التتار. وفيها أعيد طوغان إلى ولاية البر بدمشق. ومن غريب الاتفاقات أن السلطان قدم دمشق، وأراد النزول يوم الجمعة إلى الجامع، وطلب له من يخطب غير الخطيب ابن المرحل لكراهيتهم له، وشكوه إلى الصاحب، وطلب الزين الفارقي، فامتنع لعدم التهيؤ، وطلب إمام الكلاسة، فتغيب، فخطب ابن المرحل وزار السلطان الشيخ إبراهيم ابن الأرموي بالجبل بعد العشاء. ولما دخل السلطان مصر أطلق رسل عكا الذين كانوا معوَّقين بالقاهرة. وجاءه رسول الأشكري، وأطلق السلطان للرسول أسرى بيروت، وكانوا ستمائة وثلاثين نفساً. وأخرج من كان في الجب من الأمراء، وأخرج الخليفة الحاكم بأمر الله، وكان في أيام أبيه خاملاً لم يطلب أبوه منه تقليداً بالملك، ولا انفعل لذلك فظهر الخليفة، وصلى للمسلمين. وبايعه الملك الأشرف بإشارة الوزير. وفي نصف شوال خطب بالناس يوم الجمعة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، وذكر في خطبته توليته للملك الأشرف أمرَ الإسلام، فخطب يومئذٍ بالخطبة التي خطب بها في أول سنة إحدى وستين وهي مليحة، من إنشاء مؤدِّبه ومفقِّهه الإمام شرف الدين ابن المقدسي، فلما فرغ من الخطبة صلى بالناس قاضي القضاة ابن جماعة. وفي رابع ذي القعدة عملت الختم لتمام السنة من موت السلطان الملك المنصور بتربته، وحضر القضاة والدولة ونزل السلطان وقت الختم، والخليفة الحاكم بأمر الله وخطب الخليفة، وذكر بغداد وحرّض على أخذها، وكان قد وخَطه الشيب وعليه السَّواد. وأُنقق في هذا المهم مبلغٌ عظيم واحتفل له. وأما دمشق فإن الشجاعي جمع الناس بالميدان ونُصب مخيّم عظيم سلطاني، ومُدّ سِماط هائل، وختمت الختمة وتكلم الوعاظ، فتكلم أولاً فريد الوقت عز الدين الفاروثي، وتكلم بعده الواعظ نجم الدين ابن البزوري،
следующие страницы →