سنة سبعٍ وثمانين، وأخذت الفرنج صور بعد حصارٍ طويل بالأمان في سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
فتح صور
لما نزل الملك الأشرف عكا جهّز الأمير علم الدين الصوابي والي بر صفد، إلى جهة صور، لحفظ الطرق وتعرُّف الأخبار. فلما أُخِذت عكا وأُحرقت وأضرمت النيران في جَنَباتها وعلا الدخان، وهرب أهلها في البحر، علم أهل صور ذلك، فهربوا وأخلوا البلد، وكانت حصينةً منيعة لا تُرام، فدخلها الصوابي وكتب بالبشارة إلى السلطان فجهز له رجالاً وآلةً ليخربوها ويخربوا حيفا، وبقي بصور من تأخر بها من أهلها، فاستغاثوا، وسلموها بالأمان للصوابي وآمنهم. ولم يكن السلطان يطمع بها، فيسَّر الله بما لم يكن في الحساب، وكان لها في يد الفرنج نحوٌ من مائتي سنة، بل من مائة واثنتين وسبعين سنة. وقد أُخذ منها رخام كثير وجعلت دكاً.
وأمسك السلطان على عكا نائب صفد علاء الدين أيدغدي الألدكزي، وولى مكانه علاء الدين أيدكين الصالحي، وطلب نائب الكرك ركن الدين بيبرس الخطابي الدويدار، وولى مكانه جمال الدين آقوش الأشرفي. ثم بعد عشرين سنة ولي هذا نيابة دمشق، وذاك نيابة مصر، فلم تطل أيامهما.
وفي خامس شهر جمادى الآخرة رحل السلطان عن عكا وقد تركها دكّاً، وشرع الصاحب تقي الدين وشمس الدين الأعسر المشد بدمشق في عمل القباب والزينة وحصل لذلك من الاحتفال ما لا مزيد عليه. ودخل دمشق دخولاً ما شهد مثله من الأعمار، وأمامه الأسرى على الخيل يحملون أعلامهم منكَّسة، ورماحاً فيها شُعف رؤوس القتلى، وذلك في ثالث عشر جمادى الآخرة، فأقام بدمشق خمسةً وثلاثين يوماً.
فتح صيدا
سار عسكر دمشق فنازلوا صيدا، وأما ملك الأمراء الشُجاعي فأتى في خدمة السلطان، ثم رجع إلى صيدا، ثم افتتحها، فاستولى من بها من المقاتلة على برج وتحصّنوا به، وكان لا يصل إليه حجر منجنيق، فضايقه الشجاعي في ثامن رجب وفتحه يوم السبت خامس عشر رجب، بحكم الذين فيه نزحوا
стр. 14877
منه، وانتقلوا إلى الجزيرة المجاورة لصيدا، ثم إنهم أحرقوا الجزيرة بما فيها في ثامن عشر رجب، وساروا في البحر إلى قبرس. ثم علّق المسلمون أبراج القلعة وأحرقوها ودكّوها.
وكانت الشواني الإسلامية قد حضرت من اللاذقية، فلما وصلت إلى ميناء البثرون مر بها الذين هربوا من صيدا في المراكب وظنوها للفرنج، فعرّجوا إليهم، ثم تبين لهم أنهم مسلمون، فهربوا، فتبعهم الأمير بلبان التَّقوي بالشواني، فاستولى عليهم قتلاً وأسراً ونهباً واستنقذ من الذين معهم من الأسرى، وكان ذلك من غرائب ما اتفق.
فتح بيروت
كان أهل بيروت متمسكين بالهدنة، لكن بدا منهم شيء يسير، وهو أنهم آووا المنهزمين من الفرنج، وأمرهم علم الدين الشجاعي بضم مراكبهم إلى مراكب المسلمين، فخافوا وامتنعوا، فأمر الشجاعي الأمير التقوي بحفظ الميناء، وضبط مائة من المراكب، وجاء الشجاعي بالجيش من جانب البر، فدخل المدينة، وأخرجهم منها واستولى على القلعة وما فيها. وذلك في الثالث والعشرين من رجب.
وكانت القلعة امتنعت عليه قليلاً، فوقع الحديث مع كليام النائب بها، فأجاب وسلم وأسر كل من كان بالبلد والقلعة من الخيالة والمقاتلة. وكانت من القلاع المنيعة، فهدمها الشجاعي.
فتح جبيل
وكان صاحبها قد حضر عند الملك المنصور نوبة طرابلس وبقي بجبيل، فلما أخذت عكا رسم له بأن يخرب قلعة جبيل، ثم ندب الأمير علم الدين الدواداري فسار إليها وأخرب أسوارها، وأذهب حصانتها وهدمها.
فتح عثليث
وهو حصن مشهور يضرب بحصانته المثل، والبحر يكتنفه من جميع جهاته، ولم يحدث الملوك أنفسهم بقصده، وكان السلطان قد جرد من عكا
стр. 14878
بدر الدين رمتاش التركماني بجماعةٍ من التركمان للنزول حوله على بعدٍ ليحصل الأمن من جهته من أحدٍ يخرج منه. ونودي الجلابة والمسافرون. فأُخِذت عكا وغيرها والتركمان مكانهم، فلما بلغ أهل عثليث أخذُ عكا وصور وصيدا وبيروت، أحرقوا أموالهم ومتاعهم وما لم يقدروا على حمله، وعرقبوا دوابهم وهربوا في البحر، وأخلوا الحصن ليلة أول شعبان.
وأما أهل أنطرسوس لما بلغهم ذلك عزموا على الهرب فُجِّرد الأمير سيف الدين الطَّباخي إليها، فلما أحاط بها ليلة خامس شعبان ركبوا في البحر وهربوا إلى جزيرة أرواد، وهي بالقرب منها.
وفي غضون ذلك استحضر الشجاعي مقدمي جبل الجرد (١) والكسروان، فلما حضروا بين يديه أخذ سلاحهم ودرّكهم خفر بلادهم وتوثّق منهم، ثم خلع عليهم، وأخذ منهم رهائن.
ثم قدم الشجاعي بعلبك في أواخر شعبان، وطلع إلى قلعتها، وأمر بكسر صنمين من الرخام كانا قد وجدا في بعض الحفائر في نهاية التحرير والإتقان وبراعة الصنعة، فكان إذا حضر أحدٌ من الأكابر أحضروا الصنمين للفرجة على تلك الصنعة. فلما زار الشجاعي مقام إبراهيم أحضر الوالي تلك الصنمين، فرآهما وأمر بتكسيرهما، فكُسِّرا في الحال. وهذه تدل على حسن دين الشجاعي وإن كان ظالماً. ثم دخل دمشق في السابع والعشرين من شعبان.
وفي نصف رمضان قُبض على علم الدين الدواداري وبعث به إلى مصر.
وجاءت الأخبار بالإفراج والرِّضى عن الأمراء الكبار: تقصو، وحسام الدين لاجين النائب، وشمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدين بيسري، وشمس الدين سنقر الطويل المنصوري، وبدر الدين خضر بن جودي القيمُري.
وفي شوال شرع الشجاعي بعمارة الطارمة والقبة الزرقاء ودور الحريم بقلعة دمشق، فحشد الصُّناع وحشر الرجال وعمل عمارة الجبابرة، وقلع لذلك عدة أعمدة من سوق الفِ اء الذي بطرف الفسقار، وحفر الأرض وراء
стр. 14879
الأعمدة، وإذا العمود منها نازل في الأرض بقدر ظهوره مرةً أخرى ونصف، وهو على قاعدة متينة، وتعجب الناس من ذلك، ولم يعلموا ما السّبب في نزولها في الأرض. ثم إنها جُرّت بدواليت (١) وآلات، وعبروا بها من باب السّرّ، ونقبوا لها في السور في البدنة، وهي أكبر من أعمدة الجامع، فأقيمت وعُمل عليها القبو الذي بين يدي القبة. وعسّف الصُّناع واستحثهم بنفسه، وبنى بنياناً خشناً جاهلياً وزخرفه ودخل فيه أقل من ثلاثة آلاف دينار. قد سهرت في عمله ليالي مع أبي ﵀. وتكامل جميعه في سبعة أشهر، وكان الدّهانون يعملون في المقرفص والأساس لم يرتفع بعد، وجلب لذلك الرخام المفتخر من عكا وصور وبيروت وتلك الديار. وخرّب حمام الملك السعيد الذي تجاه باب السر، ولم يكن له نظير في الحسن، وخرب الأبنية التي من جسر الزلابية إلى قرب باب الميدان، وذهبت أملاك الناس وتعثروا، وكان هذا المكان مليحا (٢)، ويعرف بالمسابح، وعلى النهر العابر إلى خندق القلعة دور حسنة، وفي النهر مركب يركب فيه الشباب للفرجة، وأحق، وقد ركبت فيه مع جدي العلم وأنا ابن خمسٍ سنين، وأعطى للذي في المركب أجره.
وكان السلطان لما قدم دمشق انبسط هو أو بعض خواصّه الملاح على نائب القلعة أرجواش فقال: وقعنا في الصبيانية. فغضب السلطان وأمر بشنقه وألبس عباءة ليشنق فيها. ثم شفعوا فيه، فحبس مدة، ثم أُطلع من الحبس ولزم بيته بلا خبز.
ثم خلع عليه في رمضان، وأعطي خبزه، وأعيد إلى نيابة القلعة، ورتب معه بالقلعة الأمير أسندمر المنصوري، وأنزل الباسطي إلى البلد.
وفي رمضان طلب القاضي بدر الدين ابن جماعة قاضي القدس وخطيبه على البريد مكرماً، وولاه الصاحب ابن السلعوس قضاء الديار المصرية، وعدة مدارس، ولم يترك لقاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز سوى المدرسة الشريفية فقط (٣).
стр. 14880
وفيها أمر الشجاعي فنودي في دمشق بإبطال العمائم للنساء، وأن لا تزيد المرأة على المقنعة، وبإبطال صباغات النساء وأن لا يخرجن إلى المقابر … وغير ذلك، وأن لأ يأكل أحد حشيشةً ولا يشرب خمراً، وتوعد على ذلك، وكان ذا هيئةٍ وسطوة مرهبة، فتأدب البلد وكانت هذه من حسناته.
وفيها هلك أرغون ملك التتار.
وفيها أعيد طوغان إلى ولاية البر بدمشق.
ومن غريب الاتفاقات أن السلطان قدم دمشق، وأراد النزول يوم الجمعة إلى الجامع، وطلب له من يخطب غير الخطيب ابن المرحل لكراهيتهم له، وشكوه إلى الصاحب، وطلب الزين الفارقي، فامتنع لعدم التهيؤ، وطلب إمام الكلاسة، فتغيب، فخطب ابن المرحل وزار السلطان الشيخ إبراهيم ابن الأرموي بالجبل بعد العشاء.
ولما دخل السلطان مصر أطلق رسل عكا الذين كانوا معوَّقين بالقاهرة.
وجاءه رسول الأشكري، وأطلق السلطان للرسول أسرى بيروت، وكانوا ستمائة وثلاثين نفساً.
وأخرج من كان في الجب من الأمراء، وأخرج الخليفة الحاكم بأمر الله، وكان في أيام أبيه خاملاً لم يطلب أبوه منه تقليداً بالملك، ولا انفعل لذلك فظهر الخليفة، وصلى للمسلمين. وبايعه الملك الأشرف بإشارة الوزير.
وفي نصف شوال خطب بالناس يوم الجمعة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، وذكر في خطبته توليته للملك الأشرف أمرَ الإسلام، فخطب يومئذٍ بالخطبة التي خطب بها في أول سنة إحدى وستين وهي مليحة، من إنشاء مؤدِّبه ومفقِّهه الإمام شرف الدين ابن المقدسي، فلما فرغ من الخطبة صلى بالناس قاضي القضاة ابن جماعة.
وفي رابع ذي القعدة عملت الختم لتمام السنة من موت السلطان الملك المنصور بتربته، وحضر القضاة والدولة ونزل السلطان وقت الختم، والخليفة الحاكم بأمر الله وخطب الخليفة، وذكر بغداد وحرّض على أخذها، وكان قد وخَطه الشيب وعليه السَّواد. وأُنقق في هذا المهم مبلغٌ عظيم واحتفل له.
وأما دمشق فإن الشجاعي جمع الناس بالميدان ونُصب مخيّم عظيم سلطاني، ومُدّ سِماط هائل، وختمت الختمة وتكلم الوعاظ، فتكلم أولاً فريد الوقت عز الدين الفاروثي، وتكلم بعده الواعظ نجم الدين ابن البزوري،
стр. 14881
وحضر أُممٌ وخلائق، وكانت ليلةً مشهودة، وعملت خلوات كثيرة.
وفي شوال مُسك الأميران بهاء الدين قرارسلان وجمال الدين آقوش الأفرم الصغير الذي صار نائباً، وحبسا بقلعة دمشق.
وفي ذي الحجة وسّع الشجاعي الميدان من شماليه وعمل في حائطه الأمراء والعامة وعمل فيه الشجاعي بنفسه وتقاسموه، ففرغ في يومين مع ضخامة حائطه.
ووصل الأمراء الثلاثة على أخباز الذين مسكوا من دمشق والثلاثة هم ركن الدين الجالق والمسّاح وعز الدين أزدمر العلائي. وعملت سلاسل عظيمة، وأظهروا قصد بغداد.
وحج بالشاميين الأمير بدر الدين الصوابي الخادم.
وعملت الشعراء القصائد في فتح عكا، فمن ذلك كلمة المولى شهاب الدين محمود:
الحمدُ لله زالت دولةُ الصُّلْبِ … وعَزّ بالتُّرْك دينُ المصطفى العربي
هذا الّذي كانت الآمالُ لو طَلَبَتْ … رؤياه فِي النّوم لاسْتَحْيَتْ من الطّلَب
ما بعد عكّا وقد هُدَّت قواعِدُها … فِي البحر المشرك عند البرَّ من أَرَبِ
عقيلةٌ ذَهَبَتْ أيدي الخُطُوب بها … دَهْرًا وشدّت عليها كَفّ مغتصِبِ
لم يبق من بَعْدها للكُفْر إذ خَربتْ … فِي البرّ والبحر ما يُنْجي سِوَى الهَرَبِ
أُمُّ الحروب فكم قد أنشأتْ فِتَنًا … شاب الوليدُ بها هَوْلًا ولم تَشِبِ
سوران برٌّ وبحرٌّ حوْلَ ساحتها … دارا وأدناهما أَنْأَى من السُّحُبِ
ففاجَأَتْها جنودُ اللَّه يَقْدُمُها … غضبانُ لله لا للمُلْك والنَّشَب
كم رَامَها ورَمَاها قبله مِلكٌ … جَمُّ الجيوش فلم يَظْفَرْ ولم يُصِبِ
لم يُلْههِ مُلْكُهُ بلْ فِي أوائله … نال الّذي لم يَنَلْهُ النّاسُ فِي الحِقَبِ
فأصبَحتْ وهي في بحرين ماثلة … ما بين مضطّرم نارًا ومُضْطَرب
جيشٌ من التُّرْكَ تَرْكُ الحرب عندهم … عارٌ وراحتُهُمْ ضَرْبٌ من النَّصَب
يا يوم عكّا لقد أنْسَيْتَ ما سبقت … به الفتوح وما قد خط في الكتب
لم يبلغ النُّطْقُ حَدّ الشُّكْر فيك فما … عسى يقوُم بِهِ ذو الشَّعر والخُطب
كانت تمنّي بك الأيام عن أُمَم … فالحمد لله شاهدناك عن كَثَبِ
وأَطْلعِ اللَّه جيشَ النْصر فابتَدَرَتْ … طلائعُ الفتْح بين السُّمْرِ والقُضُبِ
стр. 14882
وأشْرَف المصطفى الهادي البشيرُ عَلَى … ما أسلَفَ الأشرفُ السّلطانُ من قُرب
فقَرَّ عَيْنًا بهذا الفتْح وابتهَجَتْ … ببشْرهٍ الكعبةُ الغرّاءُ فِي الحُجُب
وسار فِي الأرض مَسْرَى الرّيح سُمْعَتُهُ … فالبرُّ فِي طَرَب والبحرُ فِي حَرَبِ
وخاضت البيضُ فِي بحر الدّماء فما … أبدت من البيض إلا ساقَ مُخْتَضِبِ
وغاص زرق القنا فِي زرق أعينهم … كأنها شَطَنٌ تهوي إلى قُلُبِ
أجرت إلى البحر بحْرًا من دِمائهمُ … فراح كالرّاح إذ غَرْقَاهُ كالحَبَبِ
بُشراك يا ملك الدُّنيا لقد شَرفَتْ … بك المَمَالِكُ واسْتَعْلَت عَلَى الرُتَب
ما بعد عكّا وقد لانت عريكتها … لديك شيءٌ تلاقيه عَلَى تَعَب
أدركْتَ ثأرَ صلاح الدّين إذ غصبت … منه لسر طواه الله في اللقب
بانت وقد جاوَرَتْنا ناشِزًا وغَدَت … طَوْعَ الهَوَى فِي يَدي جيرانها الْجُنُب
وجالت النّار فِي أرجائها وعَلَتْ … فأطفأتْ ما بصدر الدّين من كُرَبِ
أضحت " أَبَا لهبٍ " تِلْكَ البُرُوج وقد … كانت بتعليقها حمّالةَ الحَطبِ
وأفلت البحرُ منهم من يخبّر مَنِ … يَلقاه من قومه بالوَيْل والحَربِ
وتمّتِ النّعمةُ العُظْمَى وقد كملتْ … بفتح صور بلا حصْرٍ ولا نَصَبِ
لمّا رأتْ أُخْتَها بالأمس قد خَرَبتْ … كَانَ الخرابُ لها أعْدَى من الجرب
إن لم يكن نم لون اليم متصبغا … بها البهاء وإلّا ألسن اللّهَبِ
فاللهُ أعطاك مُلْكَ البحرِ وابتدأت … لك السعادة ملك البر فارتقب
من كَانَ مبدؤه عكّا وصور معًا … فالصّين أدنى إلى كفَّيْهِ من حَلَبِ
وله من قصيدةٍ أخرى فِي عكّا مدح بها الشّجاعيّ:
الشَّرْك أجلي وانجلت ضلماته … والدّين قرّ وأشرقت قَسَمَاتُه
والنّصر ألْوت بالفِرَنْج رياحه … من بعد ما فَتكَتُ بهم نَسَماتُه
هذا الذي كانت تخيله المنى … وتحيله قدم العِدَى وثباتُه
هذا الَّذِي كَانَ الرّجاء ببعضه … يعد النُّفوس ولا تصحّ عداته
هبّ الزّمانُ من الكرى من بعدما … طالت سني رقاده وسباته
ما كَانَ يحسُّن أن يجاورنا العِدى … لو زال عن جَفْن الجهاد سُباتُه
والآن قد ذهَبَتْ بحمد اللَّه … عَنْ أرض الشّام عِداتُنا وعداته
وتفرقت أيدي سبأ وسباؤهم … جمعت برغمهم لنا أشتاته
стр. 14883
منها:
فغدت ومن فيها كرمس بعثرت … أرجاؤه وتمزقت أمواته
بانوا فما بكت السّماءُ عليهم … فِي رَبْعهم بل أُحرِقَتْ عَرَصاتُه
ونَمَى إلى صور الحديثُ ببحرهم … إذ خُلِّقت بدمائهم صفحاتُه
وهي مائة وخمسون بيتا.
стр. 14884
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الوفيات)
سنة إحدى وثمانين وستمائة
١ - أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الجبار بن طلحة بن عمر، الفقيه، أمين الدين، أبو العباس ابن الأشتري، الحلبي، الشافعي.
ولد بحلب سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع من أبي محمد بن علوان، والموفق عبد اللطيف، وقاضي القضاة أبي المحاسن بن شداد، وأبي المجد القزويني، وأبي الحسن بن روزبة، وأبي المنجى ابن اللتي، والإربلي وطائفة، روى عنه ابن الخباز، وأبو الحسن ابن العطار، وأبو الحجاج المزّي، وجماعة وأجاز لي (١)، وكان ممن جمع بين العلم والعمل.
كان إماماً عارفاً بالمذهب ورعاً، كثير التلاوة، بارز العدالة، كبير القدر، مقبلاً على شأنه.
سألت أبا الحجاج القضاعي عنه فقال: كان ممن يظن به أنه لا يحسن أن يعصي الله.
قلت: وكان يقرئ الفقه، وله اعتناء بالحديث، توفي في ربيع الأول بدمشق فجاءة، وكان يصوم الدهر ويتصدق بفاضل قوته، وكان النّواوي ﵀ إذا جاءه صبيٌ يقرأ عليه بعث به إلى أمين الدين لعلمه بدينه وعفته (٢).
٢ - أحمد بن حذيفة، شرف الدين، أبو العباس الدمشقي، الدلال في العقار.
ولد سنة اثنتي عشرة، وحدث بجزء ابن أبي ثابت عن كريمة أو مكرم، روى عنه ابن أبي الفتح وأبو محمد البرزالي (٣) والطلبة، ومات في ربيع الآخر بدمشق.
стр. 14885
٣ - أحمد بن أبي الحرم، جلال الدين ابن الزين، الدلال في الأملاك أيضاً.
توفي في ربيع الآخر، وكان شاباً مشتغلاً، حسن الكتابة.
٤ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن حنظلة، الشيخ، موفق الدين ابن المعالج الأنصاري، البغدادي.
توفي في ذي الحجة، سمع مسند الشافعي من ابن الخازن وحدَّث.
عاش ثلاثا وستين سنة، وكان شافعياً.
٥ - أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي رقيقة، الخزرجي، الأستاذ، أبو العباس.
سمع: أبا الربيع بن سالم وأبا علي الشلوبين.
مات في رجب بالمغرب.
٦ - أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو العباس البرمكي، الإربلي، الشافعي.
ولد بإربل سنة ثمانٍ وستمائة، وسمع بها صحيح البخاري من أبي جعفر محمد بن هبة الله بن مكرم الصوفي وأجاز له: المؤيد الطوسي وعبد المعز الهروي وزينب الشِّعرية، روى عنه المزي والبرزالي (١) والطبقة.
وكان إماماً، فاضلاً، بارعاً، متفنناً، عارفاً بالمذهب، حسن الفتاوى، جيد القريحة، بصيرا بالعربية، علامةً في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع، حلو المذاكرة، وافر الحرمة، من سَروات الناس، قدم دمشق في شبيبته، وقد تفقَّه بالموصل على كمال الدين موسى بن يونس، وأخذ بحلب عن القاضي بهاء الدين ابن شداد وغيرهما.
ودخل الديار المصرية، وسكنها مدةً، وتأهل بها. وناب في القضاء عن القاضي بدر الدين السنجاري. ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسعٍ وخمسين منفرداً بالأمر، ثم أقيم معه القضاة الثلاثة في سنة أربعٍ وستين، ثم عُزل عن القضاء في سنة تسعٍ وستين بالقاضي عز الدين ابن الصائغ، ثم عزل ابن الصائغ بعد سبع سنين به.
стр. 14886
وقدم من الديار المصرية، فدخل دخولاً لم يبلُغنا أن قاضياً دخل مثله من الاحتفال والزحمة وأصحاب البغلات والشهود، وكان يوماً مشهوداً. وجلس في منصب حكمه وتكلمت الشعراء.
وكان كريماً، جواداً، ممدَّحاً. ثم عُزِل بابن الصائغ، ودرّس بالأمينية إلى أن مات، وقد جمع كتاباً نفيساً في وفيات الأعيان، وتوفي عشيّة نهار السبت السادس والعشرين من رجب. وشيّعه خلائق.
ومن شعره:
أيُّ ليل عَلَى المحب أطالَه … سائقُ الظَّعْن يوم زمَّ جمالَه
يزجر العيسَ طاويًا يقطع المهـ … ـمة عسفًا سهوله ورمالهْ
يسألُ الرَّبْعَ عن ظباء المُصَلَّى … ما عَلَى الرَّبْع لو أجاب سؤالَهْ
هذه سنة المحبين يبكو … ن عَلَى كلّ منزلٍ لا مَحَالَهْ
يا خليلي إذا أتيت ربى الجز … ع وعاينت روضَهُ وتلالَهْ
قف بِهِ ناشدًا فؤادي فلي … ثَمَّ فؤادٌ أخشى عَلَيْهِ ضلالَهْ
وبأعلا الكثيب بيت أغض الـ … ـطرف عَنْهُ مَهابةً وجلالَهْ
حوله فِتْيةٌ تهزُّ من الخو … ف عَلَيْهِ ذوابلًا عسّالَهْ
كلّ من جئته لأسألَ عنه … أظهر العي غَيْرةً وتَبَالَهْ
منزِلٌ حقُّهُ عليَّ قديمٌ … فِي زمان الصّبى وعصر البطالَهْ
يا عُرَيْب الحِمَى اعذروني فإني … ما تجنبت أرضكم عن ملالهْ
لي مذ غبتُم عن العين نارٌ … لَيْسَ تخبو وأدمعٌ هطّالَهْ
فصِلونا إنْ شئتم أو فصدُّوا … لا عَدِمْناكم عَلَى كلّ حالَه (١)
٧ - إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علوي، المسند برهان الدين، أبو إسحاق ابن الدرجي، القرشي، الدمشقي، الحنفي، إمام المدرسة العزية بالكجك.
ولد سنة تسعٍ وتسعين وخمسمائة في شعبان وأجاز له: أبو جعفر محمد بن أحمد الصيدلاني، وأبو الفخر أسعد بن سعيد، وإدريس بن محمد العطار، وأبو المفاخر خلف بن أحمد الفراء، وعبيد الله بن محمد بن أبي نصر
стр. 14887
اللفتواني، ومحمد بن معمَّر بن الفاخر، والمؤيَّد ابن الإخوة، وأم هانئ عفيفة الفارفانية، وطائفة من الأصبهانيين في عام اثنتين وستمائة، وسمع أجزاء معدودة: من أبي اليمن الكندي، وأبي القاسم ابن الحرستاني، وأبي الفتوح البكري، وحدث بالمعجم الكبير للطبراني.
وكان ثقة، فاضلاً، خيراً، سهل القياد. ولم يظهر سماعه من الكندي وابن الحرستاني إلا بعد موته، روى عن الدمياطي، وابن تيمية، والقحفازي، والمزي، وابن البرزالي (١)، وابن العطار، وجماعة، وحج في آخر عمره، فتوفي يوم عبور الركب في سابع صفر، ﵀. ولي منه إجازة (٢).
٨ - إبراهيم بن عمر بن إسماعيل، الكركي، الشافعي.
توفي بدمشق في رجب، وقد حدث بصحيح البخاري عن ابن الزبيدي، حدثنا عنه إسحاق الآمدي.
٩ - إبراهيم بن أبي بكر، أمين الدين التفليسي، إمام السلطان الملك الظاهر.
ولد سنة خمس وعشرين، وحدث بدمشق ومصر عن: ابن الجميزي والسِّبط، سمع منه: البرزالي وغيره، ومات بالقاهرة، وقيل: مات سنة ثمانين.
١٠ - إدريس بن صالح بن وهيب، الفقيه، زين الدين القليوبي، خطيب الجامع الأزهر.
ولد سنة ثمان عشرة، ومات في ربيع الآخر، وكان شديد السمرة. له شعرٌ جيد، وفيه تصوُّن وخير (٣).
١١ - إسحاق بن … (٤)، ناصر الدين الدمياطي.
يروي جامع الترمذي عن ابن البناء، توفي بدمياط في ربيع الأول.
١٢ - إسماعيل بن إسماعيل بن جوسلين، الشيخ عماد الدين البعلبكي.
стр. 14888
ولد سنة أربع وستمائة، وسمع من موفق الدين ابن قدامة، وأبي المجد القزويني، والبهاء عبد الرحمن وغيرهم، وكان من خيار من حدث في زمانه، لعلمه ودينه وثقته وورعه، وكان خبيراً بكتابة الحكم والوثائق، دمث الأخلاق، كثير التلاوة، حسن الزّهادة، حنبلي المذهب.
روى عنه أبو الحسين اليونيني، وابن أبي الفتح، وأبو الحجاج المزي، وأبو الحسن ابن العطار، وغير واحد، وأجاز لي مروياته (١).
توفي في صفر ﵀ (٢).
وقرأت بخط شيخنا ابن تيمية أنه ولي قضاء بعلبك.
سمعت منه سنن ابن ماجه.
١٣ - إسماعيل بن عبد الجبار بن بدر، الضياء، أبو الفداء النابلسي، ثم الدمشقي.
روى عن الموفق، وزين الأمناء، وعنه المزي والبرزالي (٣) وجماعة.
توفي في شعبان.
١٤ - إسماعيل بن هبة الله بن علي بن هبة الله، فخر الدين أبو الطاهر بن أبي القاسم ابن المليجي، المصري، المقرئ، المعدل، مسند القراء في زمانه.
ولد سنة تسعٍ وثمانين وخمسمائة أو قبلها بيسير، وقرأ بالسبع على أبي الجود، وهو آخر من قرأ عليه وفاة، وسمع من أبي الحسن بن جبير البلنسي، وأبي عبد الله بن محمد ابن البناء، وازدحم عليه في آخر عمره الطلبة لعلوهِ لا لإتقانه، فقرأ عليه العلامة أبو حيان، وقطب الدين عبد الكريم، والتقي أبو بكر الجعبري، وجماعة، وأجاز لأبي محمد البرزالي وغيره، ومات في الثاني والعشرين من رمضان، ﵀ وتساوى القرّاء بعده في إسناد أبي الجود، وكان بارز العدالة، ديناً.
١٥ - آقسُنقُر، الشبلي، الصفوي.
حدث عن: ابن قميرة.
стр. 14889
١٦ - بيجار بن بختيار، الأمير، حسام الدين اللاوي، الرومي.
كان له ببلاد الروم قلاع وأموال وحشمة، فنزح إلى المسلمين مهاجراً ومفارقاً للتتار، خذلهم الله، في أواخر الدولة الظاهرية، وحج من الديار المصرية، وأنفق مبلغاً في القربة والخير. وعاد ولزم بيته وترك الإمرة وشاخ.
قال الشيخ قطب الدين (١): جاوز المائة بسنين، كذا قال، وكف بصره قبل موته بثلاث سنين، توفي في شعبان.
١٧ - الحسين بن إياز، العلامة، النحوي جمال الدين، شيخ العربية بالمستنصرية ببغداد.
له مصنفات في النحو، وتوفي في ذي الحجة، كتب عنه أبو العلاء الفرضي، وابن الفوطي وجماعة، وكان إماماً في النحو والتصريف، قرأ على الشيخ تاج الدين الأرموي.
١٨ - الحسين بن عباس بن عبدان، العدل، شمس الدين المناديلي، الدمشقي والد شيخنا أحمد.
توفي في جمادى الأولى وخلف ثروةً وورثة.
١٩ - الحسين بن قتادة بن مزروع، النسّابة، رضي الدين، أبو محمد العلوي، الحسني، المقرئ، العراقي.
وكان عارفاً بالأنساب والقراءات. أمَّ بالمشهد وكتب الناس عنه.
قال ابن الفوطي: مات في حادي عشر شوال.
٢٠ - خضر بن عبد الرحمن بن الخضر، الشيخ، سديد الدين الحموي، العدل، المقرئ، صاحب السخاوي.
أقرأ القراءات وعمر دهراً وجاوز التسعين.
توفي في شوال، وكان شيخ الخانقاه بحماة. وله مشاركة وتفنُّن. وله إجازة من الكندي، وكان يلبس الخرقة عن السَّهروردي.
مولده سنة أربعٍ وثمانين وخمسمائة في سادس ذي القعدة (٢).
стр. 14890
٢١ - ذو النون بن مفضل بن فخر بن عبد الخالق، القرشي، السخاوي، أبو الفضل الشافعي، شرف الدين الأميوطي، وأميوط من عمل سخا.
ولي قضاء البهنسا وغيرهما، وله شعرٌ جيد، كتب عنه الدمياطي.
مات في المحرم.
٢٢ - الزَّين، رمضان، الخشاب، الدمشقي.
مات في جمادى الأولى.
٢٣ - زينب بنت تمام بن يحيى، الحميرية، الدمشقية.
امرأة صالحة عابدة، من بيت الرواية، روت بالإجازة عن: داود بن ملاعب وغيره وماتت في صفر.
٢٤ - سالم الدليل، دليل الركب الشامي.
توفي في ربيع الآخر.
٢٥ - سليمان بن عبد الله بن أمرن (١)، ويقال: ابن عمران، الشيخ قطب الدين، أبو الربيع الزيلعي الحنفي، خادم المصحف العثماني.
سمع: ابن الزبيدي، وابن اللتي، وأبا الحسن ابن المقير وغيرهم، كتب عنه البرزالي (٢) وجماعة كثيرة، وأجاز لي (٣).
وكان شيخاً صالحاً، حسن السَّمت، توفي في رابع ذي القعدة (٤).
٢٦ - شاذي بن داود بن عيسى بن محمد بن أيوب بن شاذي، الملك الظاهر، غياث الدين ابن صاحب الكرك، الملك الناصر.
ولد وأبوه صاحب دمشق حينئذٍ سنة خمسٍ وعشرين، ونشأ بالكرك، وسمع من أبي المنجى ابن اللتي، وحدث بدمشق.
وكان ديناً، خيراً، متواضعاً، عاقلاً، يتعانى زي العرب كعمِّه الملك القاهر، وأمه هي ابنة الأمجد حسن ابن العادل.
توفي بالغور (٥).
стр. 14891
٢٧ - عبد الله بن أبي بكر بن أبي البدر، البغدادي، الحربي، الزاهد، ويعرف بالشيخ عبد الله كُتيلة.
كان فقيراً، صالحاً، عارفاً ربّانياً، مكاشفاً له أحوال وكرامات، وله زاوية وأصحاب، سافر في شبيبته وصحب الكبار، وسمع بدمشق من الشيخ الضياء والفقيه سليمان الإسعردي، قال ابن الفوطي: روى لنا عن الشيخ الإمام موفق الدين المقدسي، وله تصانيف في الزهد، سألته عن مولده، فقال: في سنة خمس وستمائة، يكنى أبا أحمد، مات في منتصف رمضان.
قلت: واشتغل في مذهب أحمد وصحب الشيخ أحمد المهندس، صحبه شيخنا ابن الدباهي، وحكى لي عنه شعيب الكتبي وغيره.
حدثنا ابن الدباهي أنه مع جلالته كان بعض الأوقات يترنم ويغني لنفسه، وأنه كان فيه كيس وظرف وبشاشة، وقال: سمعته يقول: كنت على سطح يوم عرفة ببغداد وأنا مستلق على ظهري، فما شعرت إلا وأنا واقف بعرفة مع الركب سويعة، ثم لم أشعر إلا وأنا على حالتي الأولى مستلق، فلما قدم الركب جاءني إنسان صارخاً فقال: يا سيدي، أنا قد حلفت بالطلاق أني رأيتك بعرفة العام وقال لي واحد أو جماعة: أنت واهم، الشيخ لم يحج العام، قال: فقلت: امضِ لم يقع عليك حِنث.
توفي الشيخ عبد الله كتيلة ببغداد، وهو في عشر الثمانين، رحمة الله عليه.
وقال ابن الفوطي: له من الكتب المهم في الفقه ثمان مجلدات، وكتاب التحذير من المعاصي، ثلاث مجلدات، وكتاب العدة في أصول الدين مجلد، كتاب الإسعاف فيما وقع في السماع من الخلاف مجلد، كتاب الفوز مجلد.
٢٨ - عبد الجبار بن عبد الخالق بن محمد بن أبي نصر بن عبد الباقي ابن عكبر (١)، الإمام، الواعظ، العلامة، جلال الدين، أبو محمد البغدادي، أحد
стр. 14892
المشاهير.
ولد في حدود العشرين وستمائة، وسمع من ابن اللتي، ونصر بن عبد الرزاق الجيلي، وصنف التصانيف، وحدث، أخذ عنه ابن الفوطي، وأبو العلاء الفرضي، وطائفة، ومات في السابع والعشرين من شعبان سنة إحدى، ودفن في داره.
قرأت بخط الفوطي: توفي رئيس الأصحاب شيخنا جلال الدين الحنبلي مدرس المستنصرية في شعبان، وكان وحيد دهره في علم الوعظ، ومعرفة التفسير، وله مصنفات منها مشكاة البيان في تفسير القرآن، ومنها كتاب مراتع المرتعين في مرابع الأربعين من أخبار سيد المرسلين، وكتاب إيقاظ الوعاظ، ولم يخلف في فنه مثله.
قلت: وكان ينظم الشعر، ويتكلم في أعزية الكبار، فيكرم بخلعةٍ أو بذهب.
٢٩ - عبد الحكم بن بركات، جلال الدين، أبو محمد، رئيس المؤذنين بجامع مصر.
توفي في ربيع الأول وله ثمانون سنة، سمع من عبد القوي ابن الحباب، وحدث.
٣٠ - عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس، الشيخ العلامة، زين الدين، أبو محمد الزواوي، المقرئ المالكي، شيخ القراء بالشام، وشيخ المالكية.
ولد بظاهر بجاية من المغرب سنة تسعٍ وثمانين وخمسمائة أو قبلها بسنة، وقدم ديار مصر في حدود سنة أربع عشرة وستمائة، وأكمل القراءات سنة ست عشرة على أبي القاسم بن عيسى بالإسكندرية، وعرضها أيضاً بدمشق على أبي الحسن السخاوي سنة سبع عشرة، وسمع منه ومن غيره.
وجوّد القراءات وأتقنها، وصنَّف كتاباً نفيساً في غريب الوقف والابتداء وكتاباً في
стр. 14893
عدد الآي وبرع في المذهب، ودرس وأفتى وامتدت أيامه، وهو ممن جمع بين العلم والعمل.
ولي الإقراء بتربة أم الصالح بعد شمس الدين أبي الفتح سنة بضعٍ وخمسين وستمائة، فقرأ عليه شيخنا برهان الدين الإسكندراني في سنة ست وخمسين، وشيخنا شهاب الدين الكفري، وقرأ عليه خلق كثير، وتصدى لذلك.
وممن قرأ عليه: تقي الدين أبو بكر الموصلي، وعلي بن شعبان، والشيخ محمد المصري، والشيخ أحمد الحراني، وشهاب الدين أحمد ابن النحاس الحنفي، وخلق لا يحضرني ذكرهم.
وولي قضاء المالكية في سنة أربعٍ وستين على كراهيةٍ منه، وكان يخدم نفسه ويحمل الحطب على يده مع جلالته.
وقد أخذ أيضاً عن: أبي عمرو ابن الحاجب، سمع منه: أبو الحجاج القضاعي، وأبو محمد البرزالي (١)، وأبو الحسن ابن العطار، وآخرون، وعزل نفسه من القضاء يوم موت رفيقه القاضي شمس الدين ابن عطاء، واستمر على التدريس والفتوى والإقراء.
توفي في شهر رجب، وحضر جنازته نائب السلطنة لاجين والعالم، ومات في عشر المائة (٢).
٣١ - عبد السميع (٣) بن أحمد بن عبد السميع بن يعقوب بن مطروح، العدل، الإمام وجيه الدين.
ولد سنة تسعٍ وستمائة، ومات بالإسكندرية في نصف ذي الحجة، أكثر عن الصفراوي، وجعفر الهمداني.
٣٢ - عبد المعطي بن عبد الكريم، الخطيب، جمال الدين الخزرجي، المصري.
توفي في المحرم بمصر، روى هو وولده محمد عن: ابن اللتي، وروى هو عن: ابن المفضل وجماعة، وقارب مائة عام.
стр. 14894
٣٣ - عطا ملك (١) بن محمد بن محمد، الأجل، علاء الدين، صاحب الديوان، ابن الصاحب بهاء الدين الجويني، الخُراساني، أخو الصاحب الكبير الوزير شمس الدين.
كان إليهما الحلّ والعقد في دولة أبغا، ونالا من الجاه والحشمة ما يتجاوز الوصف.
وفي سنة ثمانين قدم بغداد مجد الملك العجمي، فأخذ صاحب الديوان علاء الدين وغله وعاقبه، وأخذ أمواله وأملاكه، وعاقب سائر خواصه، فلما عاد منكوتمر من الشام مكسوراً حمل علاء الدين معهم إلى همذان، وهناك مات أبغا ومنكوتمر، فلما ملك أرغون بن أبغا طلب الأخوين فاختفيا، فتوفي علاء الدين في الاختفاء بعد شهر، ثم أخذ ملك اللور يوسف أماناً من أرغون للصاحب شمس الدين وأحضره إليه، فغدر به أرغون وقتله بعد موت أخيه بقليل، ثم فوض أرغون أمر العراق إلى سعد الدين العجمي، والمجد ابن الأثير، والأمير علي جكيبان، ثم قتل أرق وزير أرغون الثلاثة بعد عام.
وكان علاء الدين وأخوه فيهما كرم وسؤدد وخبرة بالأمور، وفيهما عدل ورفق بالرعية وعمارة للبلاد.
ولي علاء الدين نظر العراق سنة نيفٍ وستين بعد العماد القزويني، فأخذ في عمارة القرى وأسقط عن الفلاحين مغارم كثيرة إلى أن تضاعف دخل العراق، وعمر سوادها وحفر نهراً من الفرات مبدأه من الأنبار ومنتهاه إلى مشهد علي ﵁، فأنشأ عليه مائة وخمسين قرية.
ولقد بالغ بعض الناس وقال: عمر صاحب الديوان بغداد حتى كانت أجود من أيام الخليفة، ووجد أهل بغداد به راحة.
وحكى غير واحد أن أبغا قدم العراق، فاجتمع في العيد الصاحب شمس الدين وعلاء الدين ببغداد، فأحصيت الجوائز والصِّلات التي فرَّقا، فكانت أكثر من ألف جائزة وكان الرجل الفاضل إذا صنف كتاباً، ونسبه إليهما تكون جائزته ألف دينار، وقد صنف شمس الدين محمد ابن الصَّيقل الجزري خمسين مقامة وقدمها، فأعطي ألف دينار.
وكان لهما إحسان إلى العلماء والصلحاء،
стр. 14895
وفيهما إسلام ولهما نظر في العلوم الأدبية والعقلية.
وفي وقتنا هذا الإمام المؤرخ العلامة أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد ابن الفوطي مؤرخ عصره، وقد أورد في تاريخه الذي على الألقاب ترجمة علاء الدين مستوفاة (١): صاحب الديوان هو: الصدر المعظَّم، الصاحب، علاء الدين، أبو المظَّفر، عطا ملك ابن الصاحب بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن أيوب بن الفضل بن الربيع الجويني، أخو الوزير شمس الدين.
قرأت بخط الفوطي: كان جليل الشأن تأدب بخراسان وكتب بين يدي والده، وتنقَّل في المناصب إلى أن ولي العراق بعد قتل عماد الدين الدويني، فاستوطنها وعمّر النواحي، وسد البثوق، ووفر الأموال، وساق الماء من الفرات إلى النجف، وعمر رباطاً بالمشهد، ولم يزل مطاع الأمر، رفيع القدر، إلى أن بلي بمجد الملك في آخر أيام أباقا بن هولاكو، وكان موعوداً من السلطان أحمد أن يعيده إلى العراق، فحالت المنيّةُ دون الأمنية، وسقط عن فرسه فمات، ونقل إلى تبريز فدفن بها.
وله رسائل ونظم، كتب لي منشوراً بولاية كتابة التاريخ بعد شيخنا تاج الدين علي بن أنجب، وكان مولده في سنة ثلاثٍ وعشرين وستمائة، ومدّة ولايته على بغداد إحدى وعشرون سنة وعشرة أشهر.
وقرأت بخطّه وفاة علاء الدين في رابع ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وستمائة (٢).
٣٤ - علي بن أحمد بن عبد الرحمن، القاضي بهاء الدين الشهرزوريّ، العدل.
توفي في شوال بدمشق، صحب ابن الصّلاح، وسمع منه وولي قضاء زرع، وكان شاهداً عاقداً بسوق القمح.
стр. 14896
٣٥ - علي بن بشارة، أبو الحسن الشبلي، والد الشيخ شرف الدين الحسين الحنفيّ.
توفي في ربيع الأول.
٣٦ - علي بن سلام، الفقيه، كمال الدين الدمشقي، الشافعي، مدرس الدَّولعية، والد المفتي شرف الدين.
كان فقيهاً، عالماً، متفنّناً، ذكياً، ديّناً، صالحاً، زاهداً، توفي كهلاً في رمضان بكرة الليلة التي احترقت فيها اللبادين وأسواقها.
٣٧ - علي بن صالح بن أبي علي بن يحيى بن إسماعيل، أبو الحسن العلويّ، الحسيني، المكي.
سمع من أبي الحسن علي ابن البناء الخلال، حدثنا عنه أبو الحسن ابن العطار واستجازه لي (١).
وقال شيخنا التوزري: توفي في نصف رجب سنة إحدى، وأما ابن الخباز فقال: توفي في عاشر شوال سنة ثلاثٍ وثمانين (٢)، والأول أثبت.
قال البرزالي (٣): سمع الترمذي من ابن البناء ومسند الشافعي من ابن باقا، قال: وهو تاج الدين البهنسي، عاش نحواً من خمس وثمانين سنة، وكان إمام المقام وخطيب المسجد الحرام، ومعروفاً بالصلاح، حضر عند الشيخ أبي عبد الله القرشي، وعادت بركته عليه، وأجاز لنا مروياته.
٣٨ - علي ابن الأمير ناصر الدين عيسى ابن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي ابن الأمير أسد الدين، يوسف بن أبي الفوارس، الأمير، عماد الدين القيمري، الكردى، ابن صاحب قلعة قيمر.
بطّل الخدمة، وأقام بالجبل مدة، وتوفي في رجب بالنّيرب، ودفن بتربة جدة سيف الدين التي تجاه مارستانه بالجبل.
وقيمر بقرب إسعرد، استولى عليها التتار،
ومات هذا في الكهولة (٤).
стр. 14897
٣٩ - علي بن محمد بن نصر الله بن أبي سُراقة، علاء الدين، أبو الحسن الهمداني، الدمشقي، الكاتب أحد المتصرفين.
باشر في عدة جهات، وحدَّث عن: ابن الزبيدي وجعفر الهمداني، روى عنه الشيخ برهان الدين الفزاري.
توفي في جمادى الأولى عن تسع وستين سنة.
٤٠ - عمر بن إسحاق، الأمير ناصر الدين، رئيس دمياط.
مات في ربيع الأول.
٤١ - عمر بن حسين، المحدّث، الفقيه، جمال الدين الختنيّ، الحنفيّ.
سمع: ابن رواج وابن الجمَّيزي وخلقاً، وطلب وأسمع ولده يوسف، روى عنه ابنه.
مات في ذي الحجة.
٤٢ - عمر بن منصور بن إسحاق، الأمير ناصر الدين الأرسوفي.
روى عن أبي عبد الله ابن البناء البغدادي، ومات بدمياط في ربيع الأول، وحمل ودفن بالقرافة، وأظنه هو رئيس دمياط (١).
٤٣ - عيسى بن إسماعيل بن عيسى، أبو التقى المخزومي.
ولد بمنبج سنة ستمائة، ومات في ربيع الآخر، حدَّث عن ابن روزبة.
٤٤ - عيسى بن علي، الأندلسي، الكتبي.
سمع السَّخاوي.
٤٥ - غَمْراسن - وقيل يَ غْمراسن - بن عبد الواد سلطان تلمسان.
غلب على مدينة تلمسان عند ضعف بني عبد المؤمن وطالت أيامه، وكان أحد من يُضرب به المثل في الشجاعة، وهو الذي قتل السعيد علي بن إدريس المؤمني غدراً بنواحي تلمسان.
مات غمراسن في العشرين من ذي القعدة سنة إحدى، وبقي في الملك سبعين عاماً أو أقل، وتملك بعده ابنه عثمان.
٤٦ - فخر الدين العراقي، شيخ الصوفية بدمشق.
توفي في جمادى الآخرة.
стр. 14898
٤٧ - محمد بن عبد الرحمن بن مرهف بن عبد الله، الرشيد ابن الشيخ المقرئ تقي الدين الناشري، المصري.
سمع من الفارسي فخر الدين وابن باقا، مات في رجب.
٤٨ - محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عمران بن كليب، العابد، الإمام، أبو عبد الله ابن الدهّان.
توفي في شوال بالإسكندرية، روى بالإجازة عن: أبي جعفر الصَّيدلاني وغيره، وسمع من علي بن المفضَّل، وعاش تسعين سنة،
وقيل: مات سنة اثنتين (١).
سمع منه: أبو حيّان، والصّفي العراقي، والقطب الحلبي.
٤٩ - محمد ابن الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، السلمي، الدمشقي، شرف الدين، إمام المدرسة الظاهرية التي بالقاهرة.
كان أكبر إخوته، توفي في شعبان،
حدَّث عن: أحمد بن محمد بن سيدهم، وعلي بن عبد الوهاب بن الحبقبق وغيرهما، وله مجاميع وفوائد (٢).
٥٠ - محمد الإمام المدرس صلاح الدين ابن العلامة شمس الدين علي الشَّهرزوري، الشافعي، مدرس القيمُرية وابن مدرسها، وأبو مدرسها القاضي، الإمام، شمس الدين علي، أبقاه الله وغفر له.
توفي شاباً في رجب، وكذا توفي بعده أخوه شرف الدين أحمد شاباً، وبينهما شهر ويومان، رحمهما الله، فلما أُديرت الدروس في شوال درس بالمدرسة المذكورة القاضي الإمام بدر الدين محمد ابن جماعة، وحضر درسه القضاة والأئمة.
قرأت بخط الإمام أبي عبد الله ابن الفخر: توفي صاحبي المنغَّص على شبابه، صلاح الدين محمد ابن القاضي شمس الدين علي بن محمود يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من رجب وله أربعٌ وثلاثون سنة أو أَزيَد بيسير، وكان حسن الأخلاق، كريم الشِّيم والعشرة، بشوش الوجه، حسن الخَلق والخُلُق،
стр. 14899
﵀، وعوض شبابه الجنة، ودفن بمقبرة الصوفية خارج باب النصر (١).
٥١ - محمد بن محمد وزير ممالك التتار، الصاحب، شمس الدين الجويني.
قتله أرغون بن أبغا مظلوما في آخر العام، أو في سنة اثنتين.
٥٢ - محمد بن محمد بن محمود بن نجيب، أبو البدر الواسطي، المعدل، الفقيه، نزيل بغداد.
تفقّه بالنظامية، وسمع: ابن بهروز وابن الخازن.
توفي في ذي الحجة، ولقبه كمال الدين، مات كهلاً.
٥٣ - محمود بن سلطان بن محمود، البعلبكي، الزاهد، القدوة.
صحب أباه وخدمه، وصحب الشيخ إبراهيم البطائحي وغيره.
ذكره الشيخ قطب الدين، فقال (٢): كان من الأولياء الأفراد وأرباب الأحوال والمعاملات، صحب والده وأخذ عنه، وصحب والدي ولازمه إلى حين وفاته، ولبس الخرقة تبركاً من الشيخ إبراهيم، ولبسها من الشيخ عبد الله البطائحي صاحب الشيخ عبد القادر، توفي في خامس رمضان، ودفن بتربة سيدنا الشيخ عبد الله إلى جانب والده، وقد ناهز المائة، ذكر أن والده أخبره أنه لما عاد من وقعة حطين كان لك من العمر أحد عشر شهراً، ووقعة حطين كانت في سنة ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة.
قلت: روى عن البهاء عبد الرحمن، روى عنه شمس الدين ابن أبي الفتح.
٥٤ - محمود بن عبد الله بن عبد الرحمن، العلامة، برهان الدين المراغي، الشافعي.
ولد سنة خمسٍ وستمائة، وسمع بحلب من أبي القاسم بن رواحة، والقاضي زين الدين ابن الأستاذ، روى عنه المزي وابن العطار وابن البرزالي (٣) وجماعة، وكان إماماً، مفتياً، مناظراً، أصولياً، كثير الفضائل،
стр. 14900
درس وأفتى وأشغل بدمشق مدة، وكان مع براعته في الفضائل صالحاً، زاهداً، متعففاً، عابداً.
قال قطب الدين (١): عرض عليه قضاء القضاة فامتنع، وعرض عليه مشيخة الشيوخ فامتنع أيضا، وكان لطيف الأخلاق، كريم الشمائل، عارفاً بالمذهب، والأصول، مكمل الأدوات، توفي في الثالث والعشرين من ربيع الآخر، ودفن بمقابر الصوفية، قلت: وكان عالماً بالأصلين والخلاف، له حلقة بالجامع، وكان شيخاً طوالاً حسن الوجه، مهيباً، متصوفاً.
وقال لنا ابن أبي الفتح: عُرِضت عليه الوكالة فأباها، وعُرِض عليه القضاء لما عُزل ابن خلكان فأبى ودرس مدة بالفلكية.
٥٥ - مذكور بن ناصر، اللَّخمي، المنذري.
مات ببلبيس في صفر، سمع أبي العباس القرطبي.
٥٦ - المقداد بن أبي القاسم هبة الله بن علي بن المقداد، الشيخ نجيب الدين، أبو المرهف القيسي، الشافعي.
ولد سنة ستمائة.
سألت أبا الحجاج الحافظ عنه، فقال لي: هو أبو المرهف الصقلي الأصل، البغدادي المولد، الدمشقي الدار، شيخ جليل، كثير السماع.
سمع ببغداد من عبد العزيز ابن الأخضر، وأحمد ابن الدبيقي، وأبي البقاء العكبري في آخرين، وبمكة من الحافظ أبي الفتوح نصر ابن الحصري شيئاً كثيراً، وأجاز له المؤيد الطوسي والقاسم ابن الصفّار وآخرون.
قلت: وسمع من عبد العزيز بن منينا، وأبي منصور ابن الرزّاز، وأبي القاسم موسى بن سعيد الهاشمي، وثابت بن مشرف، وبمكة من علي ابن البناء، روى عنه الدمياطي وابن الخباز، وأبو الحسن ابن العطار، وأبو العباس ابن تيمية، والمزي، والقاضي صدر الدين سليمان الهاشمي، والبرزالي (٢)، وأبي: أحمد الذهبي (٣)، والخطيب شمس الدين إمام الكلاسة،
стр. 14901
وطائفة، وسمع الكثير وحدّث به، وانتفع به الطلبة واشتهر ذكره.
وكان عدلاً، صدوقا، خيرا، تاجراً، توفي في ثامن شعبان، ودفن بسفح قاسيون (١)، أجاز لي مروياته (٢).
٥٧ - منكوتمر بن هولاكو بن تولي بن جنكزخان، المغُلي، أخو الملك أبغا ومقدَّم التتار الذين عملوا المصاف في عام أولٍ مع المسلمين بظاهر حمص.
كان ذا شجاعة وإقدام وسفكٍ للدماء وجراءة على الله وعلى عباده.
ذكره ابن اليونيني فقال (٣): هو نصراني، جُرح يوم المصاف وحصل له ألمٌ شديد، وغم على ما جرى عليه، وحدثته نفسه بجمع العساكر من سائر ممالك أبيه وقصد الشام للأخذ بثأره، فبغته موت أبغا، ففتّ ذلك في عضُده، وتملك بعد أبغا أخوه الملك أحمد وهو مسلم، فانكسرت هّمة منكوتمر واعتراه صرعٌ متدارك، فتوفي في العشر الأول من المحرم، ببلد جزيرة ابن عمر، بقرية تل خنزير، وقيل: توفي في أواخر سنة ثمانين، وله نحوٌ من ثلاثين سنة أو أكثر.
٥٨ - هبة الله، المعروف بالسديد، الماعز، القبطي، النصراني، مستوفي المملكة.
كان ماهراً في الحساب، مقدَّماً على أبناء جنسه، معروفاً بالأمانة، وله مكانة وافرة عند الملك المنصور والوزير يستضيء برأيه، وما على يده يد، وكان فيه خدمة وتودُّد ومداراة وإقالة لعثرات الكتاب، متمسكاً بملته، كثير الإحسان والصداقات على النصارى.
هلك في عاشر المحرم وهو في عشر السبعين بالقاهرة، وعجّل الله بروحه إلى النار، ورتب السلطان ولده الشيخ الأسعد جرجس مكانه، فتضاعفت منزلته، وشكرت سيرته (٤).
٥٩ - لاجين الأمير، حسام الدين العينتابي.
стр. 14902
شارك في نيابة السلطنة بحلب، وكان بطلاً شجاعاً، سائساً، جميل الصورة (١).
٦٠ - أبو بكر بن عبد الله بن كزمان بن يوسف، الدمشقي، الفرّاء.
روى عن السخاوي وغيره، وكان شيخاً صالحاً، توفي في شوال.
٦١ - أبو طالب بن إسماعيل بن أبي طالب بن بدر، الدمشقي، العطار، سعد الدين ابن بدر الطويل.
روى عن ابن اللتي، ومات في صفر، وقد رأيته ولم يكن أحد في البلد أطول منه، وكان لا يجد مداساً إلا أن يستعمله على قالب أعد له.
وفيها ولد:
شمس الدين محمد بن أحمد بن تمام السّراج والده في نصف جمادى الأولى بدمشق، وبشر بن إبراهيم البعلي.
стр. 14903
سنة اثنتين وثمانين وستمائة
٦٢ - أحمد ابن الشيخ شهاب الدين أبي المحامد إسماعيل بن حامد، نجم الدين، أبو العباس، ابن القوصي.
شيخ حسن عدل، سمع: أبا محمد ابن البُن، وأبا المجد القزويني، وأبا القاسم بن صصرى، وزين الأمناء وجماعة، روى عنه ابن الخباز والبرزالي (١) وغيرهما.
ومات في ربيع الآخر.
٦٣ - أحمد ابن السابق بشارة، الشبلي، عماد الدين.
سمع: من ابن اللتي.
٦٤ - أحمد بن حجي بن بريد، الأعرابي، الأمير، شيخ آل مري.
كان أحد الأبطال المذكورين والشجعان المعروفين، كانت غاراته تصل إلى نجد والحجاز ويؤدون له الخفر، حتى إن صاحب المدينة جمازاً، يؤدي له القطيعة ويداريه، وكان له المنزلة الرفيعة عند السلطان الملك الظاهر والسلطان الملك المنصور، وكان يزعم أنه من نسل جعفر البرمكي وزير الرشيد، وأنه من أولاد أخت هارون الرشيد، وكان إذا حضر عند قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان يقول: أنت ابن عمي، ويضيفه القاضي وبينهما مهاداة ولهذا قام معه في نصره لمّا آذاه الأمير علم الدين الحلبي نوبة سنقر الأشقر وكاتب فيه إلى مصر، وكان آفة على الناس في الطرقات، وخلّف عدة أولاد (٢).
٦٥ - أحمد بن عبد الله بن هبة الله ابن المنصور بالله، أبو الفضل الهاشمي، المنصوري.
روى عن ابن روزبة، وتوفي في رجب ببغداد.
٦٦ - أحمد بن علي بن عامر، العماد المقدسي، الأشتر.
من مشاهير الشُّهود، له ترجمة ضعيفة ويرمى بالتزوير، حدثونا عنه أنه
стр. 14904
كان يكتب في كل إثبات يقع في يده ويصيح ويقول بجهل: أنا بقي إسجال على القضاة ما شهدت فيه (١).
توفي في ذي القعدة، وقد روى لنا ولده السديد عبد الله عن النجيب ابن الصيقل.
٦٧ - أحمد بن محمد ابن مهنا، العلامة جمال الدين الحسيني، العبيدلي.
قال الفوطي: عارف بالأنساب وفنون الآداب، أوحد في علمه، صنف كتاب وزاء الزَّوراء، كتب عني وكتبت عنه، مات ببغداد في صفر.
٦٨ - أحمد بن محمد بن علي، القدوة الزاهد، نجم الدين ابن القشّ البغدادي، من بقايا المشيخة ببغداد.
كان شيخنا شمس الدين يُثني عليه ويذكره.
قرأت بخط الفوطي: إنه كان ممن صحب الشيخ عثمان القصير وتاب على يده وتفقه لأحمد، وسمع من أصحاب أبي الوقت، وصحب جدي لأمي العفيف ابن الظهيري، ولما رجعت من مراغة أهدى لي فواكه وأعطاني دراهم غير مرة، توفي ببعقوبا في رجب، ودفن إلى جانب شيخه الشيخ علي بن إدريس.
٦٩ - أحمد بن يحيى بن قمير، أبو العباس المالكي.
من أعيان الفقهاء، توفي بالدميرتين، وهو في عشر السبعين في رمضان، وكان من الزُّهاد، أخذ عن أبي الحجاج الأقصري.
٧٠ - أحمد بن أبي الهيجاء، الزراد، الحريري، الصالحي والد شيخنا أبي عبد الله.
كان رجلاً جيدًا، سمع الكثير من خطيب مردا، ومحمد بن عبد الهادي مع ولده، وسمع منه: النَّجم ابن الخباز.
توفي في رمضان وله ثمانون سنة أو نحوها.
٧١ - إبراهيم بن تروس بن عبد الله، برهان الدين الحنبلي، التاجر بقيسارية الفرش.
стр. 14905
سمع من السخاوي، والتاج القُرطبي، والرشيد ابن مَسْلَمَة، ثم سمع بنفسه وحصّل، كتب عنه ابن أبي الفتح، وابن البرزالي (١) وجماعة، ومات في ذي القعدة.
٧٢ - إبراهيم بن المبارك بن أبي البقاء، الطّيّبي، البغدادي.
سمع من أحمد بن يعقوب المارستاني، وابن القبيطي، وجماعة، ومات في ذي الحجة ببغداد، وحدَّث.
٧٣ - إبراهيم بن محمد بن أبي العز، أبو إسحاق الحربي، العتابي.
سمع: عبد الملك بن قيبا، وابن الخازن، وأعز بن العليق، كتب عنه الفرضي، وتوفي في ذي الحجة.
٧٤ - إبراهيم بن أبي إسحاق بن إبراهيم، الإمام أبو إسحاق الطرزي، الدَّامغاني، الحنفي.
قال الفرضي: كان مفتياً، عارفاً بالمذهب، زاهداً، قدم بخارى وتفقّه بها، وسمع من أبي المعالي الباخرزي ورجع إلى بلده، قال: توفي في هذه السنة في غالب ظني (٢).
٧٥ - إبراهيم بن يحيى بن عبد الواحد بن عمر، صاحب إفريقية، المجاهد في سبيل الله، أمير المسلمين أبو إسحاق ابن الأمير أبي زكري.
هو الذي توثب على ابن أخيه المخلوع وأقام في المملكة أربعة أعوام، فخرج عليه الدَّعي وقتله صبراً في هذا الوقت، وسنذكر الدعي في العام الآتي.
٧٦ - إسماعيل بن إبراهيم بن أبي القاسم بن أبي طالب بن كُسيرات، الصدر، مجد الدين، أبو الفداء الموصلي.
ولي المناصب الكبار بالموصل، ثم قدم الشام وولي نظر حمص مدةً، ثم قدم دمشق، فولي نظر الدواوين، فلما تسلطن شمس الدين سنقر بدمشق استوزره، فباشر تلك الأيام مكرهاً، وحصل له من صاحب مصر مصادرة
стр. 14906
ونكد، ثم لزم بيته وحج وأقام بطّالاً بجبل قاسيون إلى أن مات في رمضان وقد جاوز السبعين.
٧٧ - إسماعيل بن هبة الله بن علي بن المقداد، أبو الفداء، القيسي، ناصر الدين، أخو الشيخ نجيب الدين ووالد صاحبنا علاء الدين وحمو قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن الحريري.
توفي في شوال.
٧٨ - إسماعيل بن أبي عبد الله بن حماد، العسقلاني، ثم الصالحي، أبو الفداء.
ولد سنة بضعٍ وتسعين وخمسمائة، وسمع من حنبل، وابن طبرزد، والكندي، وابن الحرستاني، وغيرهم، وكان من الشيوخ المسندين، روى عنه ابن الخباز، وابن العطار، والمزي، والبرزالي (١)، وآخرون.
وسألت عنه أبا الحجاج المزي فقال: سمع المسند من حنبل، وسمع من ابن طبرزد عامة ما قرئ عليه بالجبل، وأجاز له أبو جعفر الصيدلاني وسمعنا منه أشياء كثيرة، وكان أُمّيّاً.
وقال ابن العطار: حضر جزءاً في الرابعة من عمره سنة تسعٍ وتسعين في رجب على أبي المجد الحسن بن الحسن الأنصاري، وتوفي في ذي القعدة (٢).
٧٩ - بدر بن عبد الله، الآمدي، الخادم.
يروي عن كريمة، وقد سمع الكثير مع الشَّرَف النابلسي.
كتب عنه علم الدين وغيره، ومات في رجب.
٨٠ - الحسن بن علي بن عبد الله، أبو عبد الله الشهرزوري، الفقيه، الشافعي.
إمام، علامة، زاهد، عابد، قائم على المذهب، نزل بغداد، وسمع من المؤتمن ابن قميرة وغيره.
توفي في ذي القعدة، وهو من شيوخ الفرضي.
قال الفوطي: أفتى عدة سنين، وكان يحفظ كتاب المهذب لأبي إسحاق، وكان أمياً، وكان مدرساً بمدرسة فخر الدين ابن القاضي، سألته عن
стр. 14907
مولده فقال: سنة عشر وستمائة تقريباً.
٨١ - الحسن بن علي بن عسكر، أخو الشيخة هدية.
روى عن ابن اللتي وغيره، توفي في ربيع الأول، وكان قيّم حمام، وصحب ابن الكمال وخدمه.
٨٢ - الحسين بن علي بن أبي المنصور، الأنصاري الشيخ القدوة صفي الدين أبو عبد الله.
توفي بمصر في ربيع الآخر، وله سبعٌ وثمانون سنة، وكان صاحب زاوية بالقرافة، وتؤثر عنه كرامات وكشف، وكان الوزير وغيره من الأكابر يمشون إليه ويتبركون به، وقد كتب في الإجازات وحدَّث عن أبي الحسن علي ابن البنّاء، أخذ عنه عتيق العُمري وصحبه.
وقفت على كراس لهذا الشيخ في لُقيه الأولياء وفيه عظائم لا تحتمل، والله الموعد (١).
٨٣ - خليل بن عبد الغني بن خليل بن مقلّد، الشيخ، صفي الدين ابن الصائغ، الأنصاري، الدمشقي، الرجل الصالح، ابن عم قاضي القضاة.
توفي في رجب، ودفن بقاسيون، وكان ديّناً، كثير العبادة، لا أعلم له رواية.
٨٤ - زكريا بن محمود، الإمام أبو يحيى الأنصاري، الأنسي، القزويني، القاضي عماد الدين، قاضي واسط.
وقد كان قاضي الحلة في أيام الخليفة، وله تصانيف منها كتاب عجائب المخلوقات.
مات في سابع المحرم.
٨٥ - زهرون بن خلف بن زهرون، الدمياطي.
توفي في شوال بمصر، وقد حدّث.
٨٦ - زين الحرمين، بنت الصاحب كمال الدين عمر ابن العديم، وأمّ المولى الإمام بهاء الدين يوسف ابن العجمي.
стр. 14908
توفيت في جمادى الأولى، ولها سماع، ولعلها حدثت وكانت كاتبة خيرة.
٨٧ - سعيد بن أحمد بن سعيد، أبو العز الطيبي ابن خطيب الطيب.
شيخ بغدادي، إمام في الفرائض، سمع من أبي الحسن القطيعي، وأبي المنجى ابن اللتي، وجماعة، ومات عن خمسٍ وخمسين سنة في ذي القعدة ببغداد.
٨٨ - صفية ابنة محمد بن عيسى ابن الشيخ موفق الدين ابن قدامة، المقدسيَّة، زوجة الشيخ تقي الدين إبراهيم ابن الواسطي.
سمعت من ابن اللتي وجعفر الهمداني، روى عنها علم الدين (١) والطلبة وتوفيت في ربيع الآخر بالجبل.
٨٩ - عباس بن عمر بن عبدان، الفقيه، عفيف الدين، أبو الفضل البعلبكي، الحنبلي، المقرئ، الرجل الصالح.
كان إمام مسجد بالعُقيبة، وقد سمع من الشيخ الموفَّق، والبهاء عبد الرحمن، والمجد القزويني، وزين الأمناء ابن عساكر، وقرأ شيئاً من الفقه على الشيخ الموفق أيضاً، روى عنه أبو الحسن ابن العطار، والمزي، والبرزالي (٢)، وجماعة.
توفي الفقيه عباس في ذي الحجة وبلغني أنه قرأ العمدة على الشيخ الموفق.
٩٠ - عبد الله بن يحيى بن أبي بكر بن يوسف بن حيّون، الغساني، الشيخ جمال الدين أبو محمد الجزائري، نزيل دمشق.
شيخ محدث، عالم متقن، كثير الرواية، مليح الكتابة، نسخ الكثير وعني بالحديث، مع فهمٍ ومعرفة وديانة وعبادة وتواضع، فسمع بمصر من جماعة من أصحاب السِّلفي، وحدث عن: أبي الخطاب بن دحية الحافظ، وأخيه أبو عمرو عثمان، ويوسف ابن المخيلي، وأبي الحسن السخاوي، وكريمة القرشية، وأبي عمرو ابن الصلاح، وإبراهيم ابن الخشوعي، ثم لم يزل يسمع ويكتب إلى أواخر عمره.
стр. 14909
روى عنه النجم ابن الخباز، وابن العطار، والمزي، وابن تيمية، وطائفة سواهم، وأجاز لي مروياته، وولي مشيخة النجيبية التي هي سكن أبي الحجاج المزي، وبها توفي في شوال.
٩١ - عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، الإمام، المفتي، المفنّن شهاب الدين ابن العلامة شيخ الإسلام أبي البركات ابن تيمية الحراني، الحنبلي، نزيل دمشق، والد شيخنا.
ولد سنة سبعٍ وعشرين وستمائة بحران، وسمع من أبي المنجى ابن اللتي، وأبي القاسم بن رواحة، وحامد بن أميري، وعلي بن أبي الفتح الكباري (١)، وأبي الحجاج بن خليل، وعيسى الخياط، وقرأ المذهب حتى أتقنه على والده، ودرّس وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه وخطيبه وحاكمه.
وكان إماماً متقناً، محققاً لما ينقله، كثير الفنون، جيد المشاركة في العلوم، له يد طولى في الفرائض والحساب والهيئة، وكان ديناً، خيراً، متواضعاً، حسن الأخلاق، موطَّأ الأكناف، كريماً جواداً، نبيلاً، من حسنات العصر.
تفقه عليه ولداه أبو العباس وأبو محمد، وحدثنا عنه على المنبر ولده، أيده الله بروحٍ منه، وكان قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه مهاجرًا في سنة سبعٍ وستين وستمائة.
وتوفي ليلة الأحد سلخ ذي الحجة، ودفن بمقابر الصوفية (٢)، وكان الشيخ الشهاب من أنجم الهدى، وإنما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس (٣).
٩٢ - عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن مفلح، المقدسي، الصالحي، قيّم المدرسة الشامية.
روى ابن الزبيدي، وابن اللتي، أخذ عنه ابن الخباز، وابن البرزالي (٤)،
стр. 14910
وغيرهما، ومات في ربيع الأول.
٩٣ - عبد الرحمن بن أحمد بن عباس بن أحمد بن بشير، كمال الدين، أبو الفرج اللخمي، المصري، ثم الدمشقي، المعروف بابن الفاقوسي، إمام المدرسة المجاهدية.
روى عن أبي القاسم ابن الحرستاني، وداود بن ملاعب، وابن البن، روى عنه ابن البرزالي (١)، وابن تيمية، والمزي، والطلبة،، وكان له شعر وفيه نباهة، وخطه مليح.
توفي في شعبان وله خمسٌ وسبعون سنة ﵀.
٩٤ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، شيخ الإسلام وبقية الأعلام، شمس الدين، أبو محمد وأبو الفرج، ابن القدوة الشيخ أبي عمر، المقدسي، الجماعيلي، ثم الصالحي، الحنبلي، الخطيب، الحاكم.
ولد في المحرم سنة سبعٍ وتسعين وخمسمائة بالدير المبارك بسفح قاسيون، وسمع حضوراً من ست الكتبة بنت الطرّاح سنة تسعٍ وتسعين، وسمع من أبيه وعمه الشيخ الموفق وعليه تفقه، وعرض عليه المقنع وشرحه عليه، وشرحه في عشر مجلدات.
وسمع أيضاً من حنبل، وعمر بن طبرزد، وأبي اليمن الكندي، وأبي القاسم ابن الحرستاني، وأبي المحاسن محمد بن كامل، والقاضي أبي المعالي أسعد بن المنجى، وابن البناء، وابن ملاعب، وأبي الفتوح البكري، وأبي الفتوح الجلاجلي، والشيخ العماد، والشهاب ابن راجح، والشمس البخاري، والبهاء عبد الرحمن، والعزّ ابن الحافظ، والشمس أبي القاسم العطار، وأبي الحسين غالب بن عبد الخالق الحنفي، وأحمد بن محمد بن سيدهم، ومحمد بن وهب بن الزنف، ونصر الله بن نوح المصري، والموفق عبد اللطيف اللغوي، وهبة الله الكهفي، ويوسف بن أبي الحسين الزاهد. وطلب الحديث بنفسه، وكتب وقرأ على الشيوخ، فقرأ على: ابن الزبيدي وجعفر الهمداني، والضياء المقدسي وطائفة. وسمع بمكة من أبي المجد القزويني، والتقي علي بن باسويه الواسطي، وبالمدينة من أبي طالب عبد المحسن بن أبي العميد الخفيفي، وبمصر من مرتضى بن أبي الجود،
стр. 14911
وبركات بن ظافر بن عساكر، وإبراهيم بن الجباب، وجماعة وأجاز له: الإمام أبو الفرج ابن الجوزي، وأبو جعفر الصيدلاني، وأبو سعد عبد الله ابن الصفار، وعفيفة الفارفانية، وأبو الفتح المندائي وخلق كثير.
روى عنه الأئمة أبو زكريا النواوي، وأبو الفضل بن قدامة الحاكم، وأبو العباس ابن تيمية، وأبو محمد الحارثي، وأبو الحسن ابن العطار، وأبو الحجاج الكلبي، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو الفداء إسماعيل الحراني، وأبو عبد الله بن مسلم، والبدر أبو عبد الله التّادفي، والزَّين عبد الرحمن اليلداني، وأبو عبد الله بن أبي الفتح، وأبو محمد البرزالي (١) وخلق كثير.
وتفقه عليه غير واحد، ودرّس وأفتى، وصنّف، وانتفع به الناس، وانتهت إليه رياسة المذهب في عصره، وكان عديم النظير علماً وعملاً وزهداً وصلاحاً.
ولقد بالغ نجم الدين ابن الخباز المحدث وتعب وجمع سيرة الشيخ في مائة وخمسين جزءاً، تجيء ست مجلدات كبار، ولعل ثلثها مما يختص بترجمة الشيخ، والباقي في ترجمة النبي ﷺ ؛ لكون الشيخ من أمته، وفي ترجمة الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأصحابه، وهلم جرا إلى زمان الشيخ.
وذكر أنه حج ثلاث مرات، الأولى سنة تسعٍ عشرة، والثانية سنة إحدى وخمسين، وحج معه شيخنا تقي الدين سليمان، وكانت وقفة الجمعة، والثالثة سنة ثمانٍ وسبعين لأنه رأى النبي ﷺ يطلبه في المنام، فقام بذلك.
وحضر من الفتوحات: الشقيف في سنة ست وأربعين، وصفد في سنة أربعٍ وستين، والشقيف ويافا سنة ست وستين، وحصن الأكراد سنة تسعٍ وستين.
وكان كثير الذكر والتلاوة، سريع الحفظ، مليح الخط بمرة، يصوم الأيام البيض وعشر ذي الحجة والمحرم، وكان رقيق القلب، غزير الدمعة، سليم القلب، كريم النفس، كثير القيام بالليل والاشتغال بالله، محافظاً على صلاة الضحى، ويصلي بين العشاءين ما تيسر، وكان يبلغه الأذى من جماعة فما أعرف أنه انتصر لنفسه، وكان تأتيه صِلات من الملوك والأمراء، فيفرّقها على أصحابه وعلى المحتاجين، وكان متواضعاً عند العامة، مترفِّعاً عند الملوك،
стр. 14912
حسن الاعتقاد، مليح الانقياد، كل العالم يشهد بفضله، ويعترف بنبله.
وكان حَسَن المحاورة، ظريف المجالسة، محبوب الصورة، بشوش الوجه، صاحب أناة وحلم ووقار ولطف وفتوة وكرم، وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والمحدثين وأهل الدين، وكان علامة وقته، ونسيج وحده، وريحانة زمانه، قد أوقع الله محبته في قلوب الخلق، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولم أر أحداً يصلي صلاةً أحسن منه، ولا أتم خشوعاً، وكان يدعو بدعاءٍ حسن بعد قراءتهم لآيات الحرس بالجامع بعد العشاء.
وكان ربع القامة، وليس بالقصير، أزهر اللون، واسع الوجه، مشرَباً بحمرة، واسع الجبين، أزج الحاجبين، أبلج، أقنى الأنف، كثّ اللحية، سهل الخدين، أشهل العينين، رقيق البشرة، متقارب الخطى، تسرّى أولاً بجاريةٍ ولم تُقم عنده، ثم بأخرى اسمها خطلو، فولدت له أحمد في سنة خمسٍ وعشرين، فصلى بالناس، وحفظ المقنع، وعاش ستة عشرة سنة، ثم ولدت محمداً، فمات سنة ثلاثٍ وأربعين، وله أربع عشرة سنة، وولدت له ثلاث بنات، منهن فاطمة التي ماتت سنة خمسٍ وثمانين، ثم تزوج خاتون بنت السديد عبد الرحمن بن بركات الإربلي في سنة ثمانٍ وثلاثين، فولدت له الشرف عبد الله سنة تسعٍ وثلاثين، والعزّ محمدا سنة ست وأربعين، والقاضي نجم الدين أحمد سنة إحدى وخمسين، ثم ست العرب التي توفيت سنة اثنتين وسبعين عن نحو ثلاثين سنة، وخلّفت الفخر عبد الله ابن شمس الدين محمد ابن الخطيب شرف الدين عبد الله بن أبي عمر، وتوفي الشمس أبو هذا سنة ثمانٍ وستين قبل أخيه الشيخ العز بيسير، ثم تزوج الشيخ بحبيبة بنت التقي أحمد ابن العز، فولدت له علياً، فعاش ست سنين، ومات، ثم ولدت له عليا وعمر وزينب وخديجة، فتوفي عمر سنة خمسٍ وثمانين، وقُتل الفقيه علي سنة سبعمائة بأرض ماردين شهيداً.
وقال أبو الفتح ابن الحاجب الحافظ: سألت الحافظ ابن عبد الواحد عن شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر فقال: فقيه، إمام، عالم، خير، دين، حافظ، تفقه على عمه، وسمع على جماعة كثيرة.
قال ابن الخباز: وكان كثير الاهتمام بأمور الناس كلهم ويسأل عن
стр. 14913
الأهل والجيران والأصحاب، لا يكاد يسمع بمريض إلا افتقده، ولا مات أحدٌ من أهل الجبل إلا شيّعه، ولا سمع بمكانٍ شريف إلا زاره ودعا فيه.
وكان كثير التردد إلى مغارة الدم، ومغارة الجوع، وكهف جبريل، وكان يقصد زيارة قبر والده وجده بعد العصر في كل جمعة، ويقرأ يس والواقعة وما تيسر ويهديه ويدعو للمسلمين.
وحدثني التاج عبد الدائم بن أحمد بن عبد الدائم أن شيخنا رحل إلى يونين، وأقام بها أربعين يوماً يعبد الله ويسأله ويتضرع إليه، وكان معه العز أحمد ابن العماد، قال: وأملى علينا الإمام مفتي الشام محيي الدين يحيى النواوي بدار الحديث، قال: شيخنا الإمام العلامة، ذو الفنون من أنواع العلوم والمعارف، وصاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن واللطائف، أبو الفرج، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي، سمع الكثير وأسمعه وأسمع قديماً في حياة شيوخه، وهو الإمام المتَّفَق على إمامته وبراعته وورعه وزهادته وسيادته، ذو العلوم الباهرة، والمحاسن المتظاهرة.
قال: وحدثنا الإمام أبو إسحاق اللوري المالكي، قال: كان شيخنا شيخ الإسلام، قدوة الأنام، حسنة الأيام، الرباني، شمس الدين عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام أبي عمر ممن تفتخر به دمشق على سائر البلدان، بل يزهو به عصره على متقدم العصور والأزمان، لما جمع الله له من المناقب والفضائل والمكارم التي أوجبت للأواخر الافتخار على الأوائل، منها: التواضع مع عظمته في الصدور، وترك التنازع فيما يفضي إلى التشاجر والنفور، والاقتصاد في كل ما يتعاطاه من جميع الأمور، لا عجرفة في كلامه، ولا تقعر، ولا تعظُّم في مشيته ولا تبختر، ولا شطط في ملبسه ولا تكثر، ومع هذا فكانت له صدور المجالس والمحافل، وإلى قوله المنتهى في الفصل بين العشائر والقبائل، مع ما أمده الله به من سعة العلم، وفطره عليه من الرأفة والحلم، ألحق الأصاغر بالأكابر في رواية الحديث، إلى أن قال: لا يوفر جانبه عمن قصده قريبا كان أو أجنبيا، ولا يدخر شفاعته عمن اعتمده مسلماً كان أو ذمياً، ينتاب بابه الأمراء والملوك، فيساوي في إقباله عليهم بين المالك والمملوك.
وسمعت فخر الدين عمر بن يحيى الكرجي يقول: يا أخي، الشيخ أشهر من أن يوصف، بل أقول: تعذَّر وجود مثله في أعصارٍ كثيرة على ما بلغني من سيرة العلماء.
стр. 14914
ولي الشيخ قضاء القضاة في جمادى الأولى سنة أربعٍ وستين على كرهٍ منه، سمعت عماد الدين يحيى بن أحمد الحسني الشريف يقول: الشيخ عندي في الرتبة على قدم أبي بكر والشيخ زين الدين الزواوي على قدم عمر، فما رأت عيني مثلهما.
وقال أيضاً: كان الشيخ والله رحمةً على المسلمين، ولولاه راحت أملاك الناس لما تعرَّض إليها السلطان ركن الدين، فقام فيها مقام المؤمنين الصديقين، وأثبتها لهم، وبذل مجهوده معهم، وعاداه جماعة الحكام، وعملوا في حقه المجهود، وتحدثوا فيه بما لا يليق، ونصره الله عليهم بحسن نيته، يكفيه هذا عند الله.
سمعت الإمام عماد الدين محمد بن عباس بن أحمد الرَّبعي بالبيمارستان النُّوري يقول: رحمة الله على الشيخ شمس الدين، كان كبير القدر، جعله الله رحمةً على المسلمين، ولولاه كانت أملاك الناس أُخِذت منهم.
ثم ساق ابن الخباز ثناء جماعةٍ كثيرة من الفضلاء على الشيخ، وساق فصلاً طويلاً في نحو من مائتي ورقة، فيه منامات مرئية من عدد كثير للشيخ، كلها تدل على حسن حاله، وأنه من أهل الجنة.
وقد أثنى عليه الشيخ قطب الدين، وقال (١): ولي القضاء مكرهاً وباشر مدة، ثم عزل نفسه، وتوفر على العبادة، والتدريس والتصنيف، وكان أوحد زمانه في تعدُّد الفضائل، والتفرد بالمحامد، وحج غير مرة، ولم يكن له نظير في خُلُقه وما هو عليه، وكان على قدم السلف الصالح في معظم أحواله، ورثاه غير واحد.
قلت: رثاه قريب ثلاثين شاعراً، وكانت جنازته مشهودة، لم يسمع بمثلها من دهرٍ طويل، حضرها أممٌ لا يحصون، وكان مقتصداً في ملبسه وله عمامة صغيرة بعذَبةٍ بين يديه، وثوب مقصور، وعلى وجهه نور وجلالة، وكان ينزل البلد على بهيمةٍ، ويحكم بالجامع.
ولا يسع هذا الكتاب منتخب ما أورده ابن الخباز، وربما اختصر ذلك ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد أجاز لي مروياته (٢)، ولله الحمد، وتمرض أياماً، ثم انتقل إلى الله تعالى ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الآخر،
стр. 14915
بمنزله بالدير، ودفن عند والده، وقد رثاه القاضي شهاب الدين محمود، الكاتب بقصيدةٍ طويلة أولها:
ما للوجود وقد علاه ظلام … أعراه خطب أم عداه مرام
وهي نيف وستون بيتاً.
ورثاه الأديب البارع شمس الدين محمد الصائغ بقصيدة أولها:
الحال من شكوى المصيبة أعظمُ … حيث الرّدى خصمٌ بعيد يخصم
وهي ستة وخمسون بيتاً.
ورثاه المولى علاء الدين ابن غانم بقصيدةٍ حسنة، ورثاه الشيخ محمد ابن الأرموي بقصيدةٍ قرأتها عليه، ورثاه البرهان ابن عبد الحافظ بقصيدة قرأتها عليه أيضاً، ورثاه مجد الدين ابن المهتار بقصيدةٍ، ورثاه نجم الدين علي بن عبد الرحمن بن فليتة التميمي الحنفي بقصيدة، ولم يخلف بعده مثله في جملته.
وقال شمس الدين محمد بن أبي الفتح ﵀: مرض شيخنا سبعة عشر يوماً بالبطن، فهو شهيد.
أخبرني شيخنا فخر الدين البعلبكي أنه منذ عرفه ما رآه غضب، وعرفه نحو خمسين سنة.
قال ابن أبي الفتح: وكان مع ذلك زاهداً في الدنيا والمناصب، ولي القضاء أكثر من اثنتي عشرة سنة، لم يتناول على ذلك رزقاً، ثم تركه بعد، حدث بالمسند عن حنبل وبكتابي: أبي داود والترمذي عن ابن طبرزد، وبسنن ابن ماجه عن الشيخ الموفق، وبالبخاري عن ابن الزبيدي، وبالدارمي عن ابن اللتي، ولي منه إجازة بخطه بسائر مروياته (١)، وحدثني عنه طائفة من العلماء، رحمه الله تعالى (٢).
٩٥ - عبد الرحمن بن محمد، الحسنوي، الجزري.
شيخ، صالح، عابد، عارف، حسن المحاظرة، توفي بدمشق، وله نحوٌ من ثمانين سنة، ورّخه الجزري (٣).