لديننا. وكانت الصلاة أصل الإسلام، وهي عظم الأمر، وقوام الدين. فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا، لم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع منه البراءة، فأديت إلى أبي بكر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قبض، ولاها عمر، فأخذ بسنة صاحبه، وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع منه البراءة. فأديت إلى عمر حقه، وعرفت طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي. فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظن أن لا يعدل بي، ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة، أنا أحدهم. فلما اجتمع الرهط تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وفضلي، وأنا أظن أن لا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ثم أخذ بيد ابن عفان فضرب بيده على يده، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخد إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي. فلما أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله ﷺ إليهما بالصلاة قد مضيا (١)، وهذا الذي قد أخذ له الميثاق، قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين، وأهل هذين المصرين.
روى إسحاق بن راهويه نحوه، عن عبدة بن سليمان، قال: حدثنا أبو
стр. 1542
العلاء سالم المرادي (١)، سمعت الحسن، روى نحوه وزاد في آخره: فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحق بها منه.
قالا: فأخبرنا عن قتالك هذين الرجلين - يعنيان: طلحة والزبير - قال: بايعاني بالمدينة، وخلعاني بالبصرة، ولو أن رجلا ممن بايع أبا بكر وعمر خلعه لقاتلناه.
وروى نحوه الجريري، عن أبي نضرة (٢).
وقال أبو عتاب الدلال: حدثنا مختار بن نافع التيمي، قال: حدثنا أبو حيان التيمي، عن أبيه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : رحم الله أبا بكر، زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالا. رحم الله عمر، يقول الحق، وإن كان مرا، تركه الحق وما له من صديق. رحم الله عثمان تستحييه الملائكة. رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار (٣).
وقال إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، سمع رسول الله ﷺ يقول: إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وكان أعطى عليا نعله يخصفها (٤).
قلت: فقاتل الخوارج الذين أولوا القرآن برأيهم وجهلهم.
وقال خارجة بن مصعب، عن سلام بن أبي القاسم، عن عثمان بن أبي عثمان قال: جاء أناس إلى علي فقالوا: أنت هو، قال: من أنا! قالوا: أنت هو، قال: ويلكم من أنا؟ قالوا: أنت ربنا، قال: ارجعوا، فأبوا، فضرب
стр. 1543
أعناقهم، ثم خد لهم في الأرض، ثم قال: يا قنبر ائتني بحزم الحطب، فحرقهم بالنار وقال:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا … أوقدت ناري ودعوت قنبرا
وقال أبو حيان التيمي: حدثني مجمع، أن عليا ﵁ كان يكنس بيت المال ثم يصلي فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين (١).
وقال أبو عمرو بن العلاء، عن أبيه قال: خطب علي ﵁ فقال: أيها الناس، والله الذي لا إله إلا هو، ما رزأت (٢) من مالكم قليلا ولا كثيرا، إلا هذه القارورة، وأخرج قارورة فيها طيب، ثم قال: أهداها إلي دهقان (٣).
وقال ابن لهيعة: حدثنا عبد الله بن هبيرة، عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: دخلت على علي يوم الأضحى فقرب إلينا خزيرة (٤)، فقلت: لو قربت إلينا من هذا الوز، فإن الله قد أكثر الخير، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين يدي الناس (٥).
وقال سفيان الثوري: إذا جاءك عن علي شيء فخذ به، ما بنى لبنة، على لبنة، ولا قصبة على قصبة، ولقد كان يجاء بجيوبه في جراب.
وقال عباد بن العوام، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: دخلت على علي بالخورنق، وعليه سمل قطيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال نصيبا، وأنت تفعل هذا بنفسك! فقال: إني والله ما أرزؤكم شيئا، وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من بيتي (٦).
стр. 1544
وعن علي أنه اشترى قميصا بأربعة دراهم فلبسه، وقطع ما فضل عن أصابعه من الكم (١).
وعن جرموز قال: رأيت عليا وهو يخرج من القصر، وعليه إزار إلى نصف الساق، ورداء مشمر، ومعه درة له يمشي بها في الأسواق، ويأمرهم بتقوى الله وحسن البيع، ويقول: أوفوا الكيل والميزان، ولا تنفخوا اللحم (٢).
وقال الحسن بن صالح بن حي: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز ﵀، فقال: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب.
وعن رجل أنه رأى عليا قد ركب حمارا ودلى رجليه إلى موضع واحد، ثم قال: أنا الذي أهنت الدنيا.
وقال هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن عمار الحضرمي، عن أبي عمر زاذان، أن رجلا حدث عليا بحديث، فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل، قال: إن كنت كذبت أدعو عليك، قال: ادع، فدعا، فما برح حتى عمي (٣).
وقال عطاء بن السائب، عن أبي البختري، عن علي قال: وأبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول: الله أعلم.
وقال خيثمة بن عبد الرحمن: قال علي: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه.
وقال عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: جاء رجل إلى علي فأثنى عليه، وكان قد بلغه عنه أمر، فقال: إني لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك.
وقال محمد بن بشر الأسدي - وهو صدوق - حدثنا موسى بن مطير - وهو واه - عن أبيه، عن صعصعة بن صوحان قال: لما ضرب علي أتيناه،
стр. 1545
فقلنا: استخلف، قال: إن يرد الله بكم خيرا استعمل عليكم خيركم، كما أراد بنا خيرا واستعمل علينا أبا بكر.
وروى الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن أبي وائل قال: قيل لعلي: ألا توصي؟ قال: ما أوصى رسول الله ﷺ فأوصي، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا سيجمعهم على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.
وروي بإسناد آخر، عن الشعبي، عن أبي وائل.
روى عبد الملك بن سلع الهمداني، عن عبد خير، عن علي قال: استخلف أبو بكر، فعمل بعمل رسول الله ﷺ وسنته … الحديث (١).
وقال الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن سبع، سمع عليا يقول: لتخضبن هذه من هذه، فما ينتظرني إلا شقي، قالوا: يا أمير المؤمنين، فأخبرنا عنه لنبيرن عترته، قال: أنشدكم بالله أن يقتل غير قاتلي، قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا، ولكني أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ (٢)، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك، وأنت فيهم، إن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم (٣).
وقال الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال: سمعت عليا يقول: أشهد أنه كان يسر إلي النبي ﷺ : لتخضبن هذه من هذه - يعني لحيته من رأسه - فما يحبس أشقاها (٤).
وقال شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن زيد بن وهب قال: قدم على علي قوم من البصرة من الخوارج، فقال منهم الجعد بن بعجة: اتق الله يا علي فإنك ميت، فقال علي: بل مقتول؛ ضربة على هذه تخضب هذه، عهد معهود وقضاء مقضي، وقد خاب من افترى. قال: وعاتبه في لباسه،
стр. 1546
فقال: ما لكم ولباسي، هو أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم (١).
وقال فطر، عن أبي الطفيل: إن عليا ﵁ تمثل:
أشدد حيازيمك للموت … فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من القتل … إذا حل بواديكا
وقال ابن عيينة، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه، عن علي قال: أتاني عبد الله بن سلام، وقد وضعت قدمي في الغرز، فقال لي، لا تقدم العراق فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف، قلت: وايم الله لقد أخبرني به رسول الله ﷺ ، قال أبو الأسود: فما رأيت كاليوم قط محاربا يخبر بذا عن نفسه (٢).
قال ابن عيينة: كان عبد الملك رافضيا (٣).
وقال يونس بن بكير: حدثني علي بن أبي فاطمة، قال: حدثني الأصبغ الحنظلي قال: لما كانت الليلة التي أصيب فيها علي ﵁ أتاه ابن النباح (٤) حين طلع الفجر، يؤذنه بالصلاة، فقام يمشي، فلما بلغ الباب الصغير، شد عليه عبد الرحمن بن ملجم، فضربه، فخرجت أم كلثوم فجعلت تقول: ما لي ولصلاة الصبح، قتل زوجي عمر صلاة الغداة، وقتل أبي صلاة الغداة.
وقال أبو جناب الكلبي: حدثني أبو عون الثقفي، عن ليلة قتل علي قال: قال الحسن بن علي: خرجت البارحة وأمير المؤمنين يصلي فقال لي: يا بني إني بت البارحة أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر، لسبع عشرة من رمضان، فملكتني عيناي، فسنح لي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد (٥)؟! فقال: ادع عليهم.
стр. 1547
فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني. فجاء ابن النباح فآذنه بالصلاة، فخرج، وخرجت خلفه، فاعتوره رجلان: أما أحدهما فوقعت ضربته في السدة، وأما الآخر فأثبتها في رأسه.
وقال جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليا ﵁ كان يخرج إلى الصلاة، وفي يده درة يوقظ الناس بها، فضربه ابن ملجم، فقال علي: أطعموه واسقوه فإن عشت فأنا ولي دمي.
رواه غيره، وزاد: فإن بقيت قتلت أو عفوت فإن مت فاقتلوه قتلتي، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.
وقال محمد بن سعد (١): لقي ابن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي، فأعلمه بما عزم عليه من قتل علي، فوافقه، قال: وجلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي. قال الحسن: وأتيته سحرا، فجلست إليه فقال: إني ملكتني عيناي وأنا جالس، فسنح لي النبي ﷺ ، فذكر المنام المذكور. قال: وخرج وأنا خلفه، وابن النباح بين يديه، فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة، وكذلك كان يصنع في كل يوم، ومعه درته يوقظ الناس، فاعترضه الرجلان، فضربه ابن ملجم على دماغه، وأما سيف شبيب فوقع في الطاق، وسمع الناس عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل، فشد الناس عليهما من كل ناحية، فهرب شبيب، وأخذ عبد الرحمن، وكان قد سم سيفه.
ومكث علي يوم الجمعة والسبت، وتوفي ليلة الأحد، لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان. فلما دفن أحضروا ابن ملجم، فاجتمع الناس، وجاؤوا بالنفط والبواري، فقال محمد ابن الحنفية، والحسين، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: دعونا نشتف منه، فقطع عبد الله يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه، فلم يجزع، وجعل يقول: إنك لتكحل عيني عمك، وجعل يقرأ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى ختمها، وإن عينيه لتسيلان، ثم أمر به فعولج عن لسانه ليقطع، فجزع، فقيل له في ذلك. فقال: ما ذاك بجزع، ولكني أك هـ أن أبقى في الدنيا فواقا لا أذكر
стр. 1548
الله، فقطوا لسانه، ثم أحرقوه في قوصرة، وكان أسمر، حسن الوجه، أفلج، شعره مع شحمة أذنيه، وفي جبهته أثر السجود (١).
ويروى أن عليا ﵁ أمرهم أن يحرقوه بعد القتل (٢).
وقال جعفر بن محمد، عن أبيه قال: صلى الحسن على علي، ودفن بالكوفة، عند قصر الإمارة، وعمي قبره.
وعن أبي بكر بن عياش قال: عموه لئلا تنبشه الخوارج.
وقال شريك، وغيره: نقله الحسن بن علي إلى المدينة (٣).
وذكر المبرد عن محمد بن حبيب قال: أول من حول من قبر إلى قبر علي (٤).
وقال صالح بن أحمد النحوي: حدثنا صالح بن شعيب، عن الحسن بن شعيب الفروي، أن عليا- ﵁ صير في صندوق، وكثروا عليه الكافور، وحمل على بعير، يريدون به المدينة، فلما كان ببلاد طيء، أضلوا البعير ليلا، فأخذته طيء وهم يظنون أن في الصندوق مالا، فلما رأوه خافوا أن يطلبوا فدفنوه ونحروا البعير فأكلوه (٥).
وقال مطين: لو علمت الرافضة قبر من هذا الذي يزار بظاهر الكوفة لرجمته، هذا قبر المغيرة بن شعبة (٦).
قال أبو جعفر الباقر: قتل علي ﵁ وهو ابن ثمان وخمسين (٧).
وعنه رواية أخرى أنه عاش ثلاثا وستين سنة، وكذا روي عن ابن الحنفية، وقاله أبو إسحاق السبيعي، وأبو بكر بن عياش، وينصر ذلك ما
стр. 1549
رواه ابن جريج، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، أنه أخبره أن عليا توفي لثلاث أو أربع وستين سنة (١).
وعن جعفر الصادق، عن أبيه، قال: كان لعلي سبع عشرة سرية.
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن هبيرة بن يريم، قال: خطبنا الحسن بن علي فقال: لقد فارقكم بالأمس رجل ما سبقه إلا الأولون بعلم، ولا يدركه الآخرون، كان رسول الله ﷺ يعطيه الراية، فلا ينصرف حتى يفتح له، ما ترك بيضاء ولا صفراء، إلا سبع مائة درهم فضلت من عطائه، كان أرصدها، لا خادم لأهله (٢).
وقال أبو إسحاق، عن عمرو الأصم، قال: قلت للحسن بن علي: إن الشيعة يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا والله ما هؤلاء بشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه (٣). ورواه شريك عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، بدل عمرو.
ولو استوعبنا أخبار أمير المؤمنين ﵁ لطال الكتاب.
عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل علي ﵁.
: خارجي مفتر، ذكره ابن يونس في تاريخ مصر فقال: شهد فتح مصر، واختط بها مع الأشراف. وكان ممن قرأ القرآن، والفقه. وهو أحد بني تدول، وكان فارسهم بمصر. قرأ القرآن على معاذ بن جبل. وكان من العباد. ويقال: هو الذي أرسل صبيغا التميمي إلى عمر فسأله عما سأله من مستعجم القرآن.
وقيل: إن عمر كتب إلى عمرو بن العاص: أن قرب دار عبد الرحمن بن ملجم من المسجد ليعلم الناس القرآن والفقه، فوسع له مكان داره، وكانت إلى جانب دار عبد الرحمن بن عديس البلوي، يعني أحد من أعان
стр. 1550
على قتل عثمان. ثم كان ابن ملجم من شيعة علي بالكوفة سار إليه إلى الكوفة، وشهد معه صفين.
قلت: ثم أدركه الكتاب، وفعل ما فعل، وهو عند الخوارج من أفضل الأمة، وكذلك تعظمه النصيرية.
قال الفقيه أبو محمد بن حزم (١): يقولون إن ابن ملجم أفضل أهل الأرض، خلص روح اللاهوت من ظلمة الجسد وكدره، فاعجبوا يا مسلمين لهذا الجنون.
وفي ابن ملجم يقول عمران بن حطان الخارجي:
يا ضربة من تقي ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينا فأحسبه … أوفى البرية عند الله ميزانا
وابن ملجم عند الروافض أشقى الخلق في الآخرة. وهو عندنا أهل السنة ممن نرجو له النار، ونجوز أن الله يتجاوز عنه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه. وحكمه حكم قاتل عثمان: وقاتل الزبير، وقاتل طلحة، وقاتل سعيد بن جبير، وقاتل عمار، وقاتل خارجة، وقاتل الحسين. فكل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله، ونكل أمورهم إلى الله .
ع: معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي حليف بني عبد شمس، من مهاجرة الحبشة.
قال ابن منده وحده: إنه شهد بدرا.
كان معيقيب على خاتم النبي ﷺ ، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال. له عن النبي ﷺ حديثان.
روى عنه حفيده إياس بن الحارث، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (٢).
ع: أبو أسيد الساعدي واسمه مالك بن ربيعة بن البدن الأنصاري.
من كبار الصحابة. شهد بدرا والمشاهد كلها، وذهب بصره في آخر عمره. له عدة أحاديث.
روى عنه بنوه المنذر، والزبير، وحمزة، وأنس بن
стр. 1551
مالك، وعباس بن سهل بن سعد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعلي بن عبيد الساعدي مولاه.
توفي سنة أربعين، قاله خليفة (١) وغيره، وهو الصحيح.
وقال المدائني: توفي سنة ستين.
وقال ابن منده، سنة خمس وستين.
وقال أبو حفص الفلاس: توفي سنة ثلاثين.
وقال ابن سعد (٢): كانت مع أبي أسيد راية بني ساعدة يوم الفتح.
وأخبرني محمد بن عمر، حدثني أبي بن عباس بن سهل، عن أبيه، قال: رأيت أبا أسيد بعد أن ذهب بصره قصيرا دحداحا أبيض الرأس واللحية.
وقال ابن عجلان عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: رأيت أبا أسيد يحفي شاربه كأخي الحلق.
وقال ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبيد الله، قال: رأيت أبا أسيد، وأبا هريرة، وأبا قتادة، وابن عمر، يمرون بنا ونحن في الكتاب، فنجد منهم ريح العبير، وهو الخلوق يصفرون به لحاهم.
وقال عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، والزبير بن المنذر بن أبي أسيد أنهما نزعا من يد أبي أسيد خاتما من ذهب حين مات. وكان بدريا.
قيل: إنه عاش ثمانيا وسبعين سنة، وله عقب بالمدينة وبغداد. ﵁ (٣).
ع: أبو مسعود البدري.
ولم يكن بدريا بل سكن ماء ببدر فنسب إليه، بل شهد العقبة، وكان أصغر من السبعين حينئذ.
اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة الأنصاري. نزل الكوفة وكان من الفقهاء.
стр. 1552
روى عنه ابنه بشير بن أبي مسعود، وأوس بن ضمعج، وربعي بن حراش، وعلقمة، وهمام بن الحارث، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، وآخرون.
وقال الحكم بن عتيبة: كان بدريا.
وقال ابن أبي ذئب: قال عمر لأبي مسعود الأنصاري: نبئت أنك تفتي الناس، ولست بأمير، فول حارها من تولى قارها.
وقال خليفه (١): لما خرج علي يريد معاوية استخلف أبا مسعود على الكوفة.
حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، قال: لما خرج علي إلى صفين استخلف أبا مسعود الأنصاري على الكوفة، فكانوا يقولون له: قد والله أهلك الله أعداءه وأظهر أمير المؤمنين، فيقول: إني والله ما أعده ظفرا أن تظهر إحدى الطائفتين على الأخرى. قالوا: فمه؟ قال: الصلح. فلما قدم علي ذكروا له ذلك، فقال له علي: اعتزل عملنا. قال: ممه؟ قال: إنا وجدناك لا تعقل عقلة. فقال أبو مسعود: أما أنا فقد بقي في عقلي أن الآخر شر.
عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة بن عبد الرحمن، قال: قام أبو مسعود على منبر الكوفة فقال: من كان تخبأ فليظهر، فإن كان إلى الكثرة، فإن أصحابنا أكثر، وما يعد فتحا أن يلتقي هذان الحيان، فيقتل هؤلاء هؤلاء، حتى إذا لم يبق إلا رجرجة من هؤلاء وهؤلاء، ظهرت إحدى الطائفتين. ولكن الفتح أن يحقن الله دماءهم، ويصلح بينهم.
قال المدائني وغيره: توفي سنة أربعين. وقال خليفة (٢) توفي قبل الأربعين.
وقال الشيخ محيي الدين النووي في شرحه للبخاري: الجمهور على أنه
стр. 1553
سكن بدرا، ولم يشهدها، وقال أربعة كبار شهدوها. قاله الزهري، وابن إسحاق، والبخاري، والحكم.
وقال الواقدي: مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة.
وله مائة حديث وحديثان، اتفقا منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بسبعة (١).
المتوفون في خلافة علي تحديدا وتقريبا على الحروف.
خ ٤: رفاعة (٢) بن رافع بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الأنصاري الزرقي، أخو مالك، وخلاد.
شهد بدرا هو وأخوه خلاد، وكان أبوه من نقباء الأنصار. له أحاديث.
روى عنه ابناه: عبيد، ومعاذ، وابن أخيه يحيى بن خلاد، وغيرهم.
وله عقب كثير بالمدينة، وبغداد.
توفي في حدود سنة أربعين.
وقال ابن سعد (٣): توفي في أول خلافة معاوية.
سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي، أبو سفيان.
أسلم بعد حصار الطائف، وقيل: بل شهد حنينا. وهو المذكور في هجرة النبي ﷺ وهو الذي سأل عن متعة الحج أللأبد هي؟ وكان ينزل قديدا.
توفي بعد عثمان بعامين، توفي سنة أربع وعشرين كما مر.
ت ن ق: صفوان (٤) بن عسال المرادي.
غزا مع رسول الله ﷺ ثنتي عشرة غزوة. وله أحاديث.
روى عنه زر بن حبيش، وعبد الله بن مسلمة المرادي وأبو الغريف عبيد الله بن خليفة، وأبو
стр. 1554
سلمة بن عبد الرحمن. وسكن الكوفة.
ق: قرظة (١) بن كعب الأنصاري الخزرجي.
أحد فقهاء الصحابة. وهو أحد العشرة الذين وجههم عمر إلى الكوفة ليعلموا الناس، ثم شهد فتح الري زمن عمر. وولاه علي على الكوفة. ثم سار إلى الجمل مع علي، ثم شهد صفين.
توفي بالكوفة، وصلى عليه علي على الصحيح. وهو أول من نيح عليه بالكوفة. وقيل: توفي بعد علي (٢).
القعقاع بن عمرو التميمي.
قيل: إنه شهد وفاة رسول الله ﷺ . وله أثر عظيم في قتال الفرس في القادسية وغيرها. وكان أحد الأبطال المذكورين.
يقال: إن أبا بكر قال: صوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل. وشهد الجمل مع علي وكان الرسول في الصلح يومئذ بين الفريقين. وسكن الكوفة (٣).
م د ن: هشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي.
هو وأبوه من مسلمة الفتح. ولهذا رواية.
وعنه جبير بن نفير، وعروة بن الزبير، وغيرهما.
وهو الذي صارعه النبي ﷺ فصرعه.
قال ابن سعد: كان صليبا مهيبا (٤).
وقال الزهري: كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان عمر إذا رأى منكرا قال: أما ما عشت أنا وهشام بن حكيم، فلا يكون هذا.
وقال ابن سعد: توفي في أول خلافة معاوية. وقيل: إنه قتل بأجنادين،
стр. 1555
ولا يصح (١).
د: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، القرشي الأموي، أبو وهب.
له صحبة يسيرة، وهو أخو عثمان لأمه.
روى عنه الشعبي، وأبو موسى الهمداني. وولي الكوفة لعثمان. ولما قتل عثمان سكن الجزيرة، ولم يشهد الفتنة. وكان سخيا شاعرا شريفا.
قال ابن سعد (٢): إنه أسلم يوم الفتح، وبعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق، وولاه عمر صدقات بني تغلب. وولاه عثمان الكوفة بعد سعد، ثم عزله عنها، فقدم المدينة، ولم يزل بها حتى بويع علي، فخرج إلى الرقة فنزلها، واعتزل عليا ومعاوية. وقبره بعين الروحية على بريد من الرقة، وولده بالرقة إلى اليوم.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، إن رسول الله ﷺ أرسل الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقوه، فتلقوه بالصدقة، فتوهم منهم، ورجع إلى رسول الله ﷺ فقال: إن بني المصطلق قد جمعوا لك ليقاتلوك. فنزلت: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية. وكذا قال قتادة، ويزيد بن رومان، وزاد يزيد فقال: كان رجلا جبانا، فلما ركبوا يتلقونه ظن أنهم يريدون قتله.
وقال محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعلي: أنا أحد منك سنانا، وأبسط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك. فقال علي: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾
وقال طارق بن شهاب: لما قدم الوليد أميرا على الكوفة، أتاه سعد فقال: يا أبا وهب، أكست بعدي أو استحمقت بعدك (٣).
وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا في جيش بالروم
стр. 1556
، ومعنا حذيفة، وعلينا الوليد، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم، فبلغه فقال:
لأشربن وإن كانت محرمة … وأشربن على رغم أنف من رغما
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن عبد الله الداناج، عن أبي ساسان حضين بن المنذر قال: صلى الوليد بن عقبة بالناس الفجر أربع ركعات (١) وهو سكران، ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم. فركب ناس من الكوفة إلى عثمان فكلمه علي في ذلك، فقال له عثمان: دونك ابن عمك فخذه. قال: قم يا حسن فاجلده. قال: فيم أنت وهذا؟ قال: بل ضعفت ووهنت، قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده، فقام فجلده علي يعد حتى بلغ أربعين. رواه مسلم (٢).
وقيل: إن أهل الكوفة كذبوا عليه.
وذكر أبو مخنف لوط - وهو واه - عن خاله الصعق بن زهير، عن محمد بن مخنف قال: كان أول عمال عثمان أحدث الوليد بن عقبة: كان يدني السحرة، ويشرب الخمر، ويجالسه أبو زبيد الطائي النصراني. قال: وجاء ساحر من أهل بابل، فأخذ يريهم حبلا في المسجد مستطيلا، وعليه فيل يمشي، وناقة تخب، والناس يتعجبون، ثم يريهم حبلا يشتد حتى يدخل في فيه، فيخرج من دبره، ثم يضرب رأس رجل فيقع ناحية، ثم يقول: قم. فيقوم. فرأى جندب بن كعب ذلك، فأخذ سيفا وضرب عنق الساحر وقال: أحيي نفسك، فأمر الوليد بقتله، فقام رجال من الأزد فمنعوه، وقالوا: تقتله بعلج ساحر، فسجنه، وساق القصة بطولها.
ع: أبو رافع القبطي مولى رسول الله ﷺ ، اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم.
وكان عبدا للعباس، فوهبه للنبي ﷺ ، فلما بشرة بإسلام العباس أعتقه.
روى عنه ابنه عبيد الله، وحفيده الحسن بن علي بن أبي رافع، وحفيده الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، وعلي بن الحسين، وأبو سعيد المقبري، وعمرو بن الشريد الثقفي، وجماعة كثيرة.
стр. 1557
وشهد أحدا والخندق. توفي بعد مقتل عثمان. ورواية علي بن الحسين عنه مرسلة. وقيل: توفي سنة أربعين بالكوفة (١).
أبو لبابة بن عبد المنذر.
قيل: بقي إلى خلافة علي. وقد تقدم.
وممن كان في هذا الوقت:
سحيم عبد بني الحسحاس (٢).
شاعر مفلق، بديع القول، لا صحبة له.
روى معمر، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن السائب قال: قيل لعمر ﵁: هذا عبد بني الحسحاس يقول الشعر، فدعاه فقال: كيف قلت؟ فقال:
ودع سليمى إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا قال: حسبك، صدقت صدقت. هذا حديث صحيح.
وهذه قصيدة طنانة يقول بها:
جنونا بها فيما اعتلقنا علاقة علاقة … حب ما استسر وباديا
ليالي تصطاد الرجال بفاحم … تراه أثيثا (٣) ناعم النبت عافيا
وجيد كجيد الريم ليس بعاطل … من الدر والياقوت أصبح حاليا
كأن الثريا علقت فوق نحرها … وجمر غضى هبت له الريح زاكيا
إذا اندفعت في ريطة وخميصة … وألقت بأعلى الرأس سبا (٤) يمانيا
تريك غداة البين كفا ومعصما … ووجها كدينار الأعزة صافيا
فلو كنت وردا لونه لعشقتني … ولكن ربي شانني بسواديا
أتكتم حييتم على الناي تكتما … تحية من أمسى بحبك مغرما
وماشية مشي القطاة اتبعتها من السير تخشى أهلها أن تكلما
стр. 1558
فقالت له يا ويح غيرك إنني … سمعت كلاما بينهم يقطر الدما
وله من قصيدة:
وإن لا تلاقي الموت في اليوم فاعلمن … بأنك رهن أن تلاقيه غدا
رأيت المنايا لم يدعن محمدا … ولا أحدا إلا له الموت أرصدا
وقيل: إن سحيما لما أكثر التشبيب بنساء الحي عزموا على قتله، فبكت امرأة كان يرمى بها، فقال:
أمن سمية دمع العين مذروف … لو أن ذا منك قبل اليوم معروف
المال مالكم والعبد عبدكم … فهل عذابك عني اليوم مصروف
كأنها يوم صدت ما تكلمنا … ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف
ثم قتل عفا الله عنه.
стр. 1559
الطبقة الخامسة
(٤١ - ٥٠ هـ)
стр. 1560
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين
ويسمى عام الجماعة لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد، وهو معاوية.
قال خليفة (١): اجتمع الحسن بن علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان بمسكن، وهي من أرض السواد من ناحية الأنبار، فاصطلحا وسلم الحسن الأمر إلى معاوية وذلك في ربيع الآخر أو جمادى الأولى واجتمع الناس على معاوية فدخل الكوفة.
وقال عبد الله بن شوذب: سار الحسن في أهل العراق يطلب الشام، وأقبل معاوية في أهل الشام فالتقوا، فكره الحسن القتال، وبايع معاوية على أن يجعل العهد من بعده للحسن، فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار المؤمنين، فيقول: العار خير من النار.
وقال جرير بن حازم: بايع أهل الكوفة الحسن بعد أبيه، وأحبوه أكثر من أبيه.
وعن عوانة بن الحكم قال: سار الحسن حتى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفا، فبينا الحسن بالمدائن إذ نادى مناد ألا إن قيسا قد قتل، فاختبط الناس، وانتهب الغوغاء سرادق الحسن حتى نازعوه بساطا تحته، وطعنه رجل من الخوارج من بني أسد بخنجر، فوثب الناس على الرجل فقتلوه، لا ﵀، نزل الحسن القصر الأبيض بالمدائن، وكاتب معاوية في الصلح. وقال نحو هذا: أبو إسحاق، والشعبي.
وروي أنه إنما خلع نفسه لهذا، وهو أنه قام فيهم فقال: ما ثنانا عن
стр. 1561
أهل الشام شك ولا زيغ، لكن كنتم في منتدبكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم.
وروي أن الخنجر الذي جرح به في إليته كان مسموما، فتوجع منه أشهرا ثم عوفي، ولله الحمد.
وقال أبو روق الهمداني (١): حدثنا أبو الغريف قال: لما رد الحسن إلى الكوفة وبايع معاوية، قال له رجل منا يقال له أبو عامر: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك.
وروي أنه قال في شرطه لمعاوية: إن علي عدات وديونا، فأطلق له من بيت المال نحو أربعمائة ألف أو أكثر.
وكان الحسن ﵁ سيدا لا يرى القتال، وقد قال جده رسول الله ﷺ : إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (٢).
وقال سكين بن عبد العزيز - بصري ثقة -: حدثنا هلال بن خباب قال: قال الحسن بن علي: يا أهل الكوفة لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث لذهلت: لقتلكم أبي، وطعنكم في فخذي، وانتهابكم ثقلي.
ولما دخل معاوية الكوفة خرج عليه عبد الله بن أبي الحوشاء بالنخيلة في جمع، فبعث لحربه خالد بن عرفطة، فقتل ابن أبي الحوشاء.
وفي جمادى الآخرة خرج بناحية البصرة سهم بن غالب الهجيمي والخطيم الباهلي، فقتلا عبادة بن قرط (٣) الليثي صاحب رسول الله ﷺ بناحية الأهواز، فانتدب لحربهما عبد الله بن عامر بن كريز، فخافا واستأمنا، فأمنهما فقتل طائفة من أصحابهما.
стр. 1562
وفيها ولي عبد الله بن عامر البصرة، وولي مروان بن الحكم المدينة لمعاوية.
وحج بالناس عتبة أخو معاوية.
وفيها غزا إفريقية عقبة بن نافع الفهري.
وفيها توفي صفوان بن أمية الجمحي، وحفصة أم المؤمنين، ولبيد الشاعر المشهور، وفيهم خلف.
سنة اثنتين وأربعين
فيها توفي بخلف: الأسود بن سريع، والأشعث بن قيس، وحبيب بن مسلمة، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعثمان بن طلحة الحجبي، وعمرو بن العاص، وفي سائرهم خلف.
وفيها وجه عبد الله بن عامر على إمرة سجستان عبد الرحمن بن سمرة، وهو من بني عمه، وكان معه في تلك الغزوة من الشباب؛ الحسن البصري، والمهلب بن أبي صفرة، وقطري بن الفجاءة، فافتتح زرنج وبعض كور الأهواز.
وفيها وجه ابن عامر راشد بن عمرو إلى ثغر الهند، فشن الغارات وتوغل في بلاد السند.
سنة ثلاث وأربعين
فيها توفي عمرو بن العاص على الصحيح، وعبد الله بن سلام الحبر، ومحمد بن مسلمة.
وأقام الحج مروان.
وفيها فتح عبد الرحمن بن سمرة الرخج وغيرها من بلاد سجستان.
وفيها افتتح عقبة بن نافع الفهري كورا من بلاد السودان وودان وهي من برقة.
وفيها شتى بسر بن أرطاة بأرض الروم مرابطا.
стр. 1563
سنة أربع وأربعين
فيها توفي على الصحيح: أبو موسى الأشعري، ويقال: فيها توفي الحكم بن عمرو الغفاري. وحبيب بن مسلمة الأمير. وأم المؤمنين أم حبيبة.
وقتل بكابل أبو قتادة العدوي، وقيل: بل هو أبو رفاعة، وافتتحها ابن سمرة.
وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة أرض الهند، وسار إلى قندابيل، وكسر العدو وسلم وغنم، وهي أول غزواته. وكان من سبي كابل فيما ذكر خليفة (١): مكحول، ونافع مولى ابن عمر، وكيسان والد أيوب السختياني، وسالم الأفطس.
وفيها استلحق معاوية زياد بن أبيه.
وفيها حج معاوية بالناس.
سنة خمس وأربعين
فيها توفي: زيد بن ثابت على الصحيح. وعاصم بن عدي. والمستورد بن شداد الفهري. وسلمة بن سلامة بن وقش. وحفصة أم المؤمنين بخلف. وأبو بردة بن نيار.
وفيها عزل معاوية: عبد الله بن عامر عن البصرة، واستعمل عليها الحارث بن عمرو الأزدي، ثم عزل عن قريب، وولي عليها زياد بن أبيه، فبادر زياد وقتل سهم بن غالب الهجيمي الذي كان قد خرج في أول إمرة معاوية وصلبه.
وفيها غزا معاوية بن حديج إفريقية.
وفيها سار عبد الله بن سوار العبدي فافتتح القيقان وغنم وسلم.
стр. 1564
سنة ست وأربعين
فيها توفي: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي على الأصح، ومحمد بن مسلمة، وقد مر.
وفيها عزل معاوية عبد الرحمن بن سمرة عن سجستان، وولاها الربيع بن زياد الحارثي، فخاف الترك.
وفيها جمع كابل شاه وزحف إلى المسلمين، فنزَّح المسلمين عن كابل، ثم لقيهم الربيع بن زياد فهزمهم الله، وساق وراءهم المسلمون إلى الرخج. وفيها شتى المسلمون بأرض الروم والله أعلم.
سنة سبع وأربعين
فيها غزا عبد الله بن سوار العبدي القيقان، فجمع له الترك والتقوا، فاستشهد عبد الله، وسار ذلك الجيش، وغلب المشركون على القيقان.
وفيها سار رويفع بن ثابت الأنصاري من أطرابلس المغرب فدخل إفريقية، ثم انصرف من سنته.
وأقام الموسم عنبسة بن أبي سفيان.
وفيها عزل عقبة بن عامر عن مصر وأمر عليها مسلمة بن مخلد.
وفيها شتى مالك بن هبيرة بأرض الروم.
وفيها توفي أهبان بن أوس، وعتي بن ضمرة.
سنة ثمان وأربعين
فيها عزل معاوية مروان عن المدينة وولاها سعيد بن العاص الأموي، وكتب معاوية إلى زياد لما بلغه قتل عبد الله بن سوار: انظر رجلا يصلح
стр. 1565
لثغر الهند فوجهه إليه. قال: فوجه زياد سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي.
وفيها قتل بالهند عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي.
وقيل: توفي فيها الحارث بن قيس الجعفي الفقيه صاحب ابن مسعود، وخريم الأسدي.
سنة تسع وأربعين
فيها توفي الحسن بن علي ﵄. وأبو بكرة الثقفي في قول. وعبد الله بن قيس العتقي، له صحبة.
وفيها قتل زياد بالبصرة الخطيم (١) الباهلي الخارجي.
وفي ولاية المغيرة على الكوفة خرج شبيب بن بجرة الأشجعي فوجه إليه المغيرة: كثير بن شهاب الحارثي فقتله بأذربيجان، وكان شبيب ممن شهد النهروان.
وفيها شتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، وقيل: بل شتاها فضالة بن عبيد الأنصاري.
وأقام الحج سعيد بن العاص.
سنة خمسين
فيها توفي: الحسن بن علي، قاله جماعة. وعبد الرحمن بن سمرة. وعمرو بن الحمق الخزاعي. وكعب بن مالك الأنصاري الشاعر. والمغيرة بن شعبة. ومدلاج بن عمرو. وصفية أم المؤمنين.
ولما احتضر المغيرة استخلف على الكوفة ابنه عروة أو جرير بن عبد الله، فجمع معاوية المصرين؛ البصرة والكوفة تحت إمرة زياد، فعزل زياد عن سجستان الربيع واستعمل عليها عبيد الله بن أبي بكرة.
وفيها نفذ معاوية عقبة بن نافع إلى إفريقية، فخط القيروان وأقام بها ثلاث سنين.
стр. 1566
وقال محمد بن عمرو بن علقمة (١)، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: لما افتتح عقبة إفريقية وقف على مكان القيروان، فقال: يا أهل الوادي إنا حالون إن شاء الله فأظعنوا ثلاث مرات، قال: فما رأينا حجرا ولا شجرا إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطن بطن الوادي، ثم قال للناس: انزلوا باسم الله.
وفيها وجه زيادٌ الربيعَ الحارثي إلى خراسان فغزا بلخ، وكانت قد أغلقت بعد رواح الأحنف بن قيس عنها، فصالحوا الربيع، ثم غزا الربيع قهستان ففتحها عنوة.
وفيها فتح معاوية بن حديج فتحا بالمغرب، وكان قد جاءه عبد الملك بن مروان في مدد أهل المدينة، وهذه أول غزاة لعبد الملك.
وفيها غزوة القسطنطينية، كان أمير الجيش إليها يزيد بن معاوية، وكان معه وجوه الناس، وممن كان معه أبو أيوب الأنصاري ﵁.
وقال سعيد بن عبد العزيز: لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية ولا صائفة، حتى اجتمعوا على معاوية سنة أربعين، فأغزى الصوائف وشتاهم بأرض الروم، ثم غزاهم ابنه يزيد في جماعة من الصحابة في البر والبحر حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها ثم قفل راجعا.
وفيها دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد فبايعوه.
وفيها غزا سنان بن سلمة بن المحبق القيقان، فجاءه جيش عظيم من العدو، فقال سنان لأصحابه: أبشروا فإنكم بين خصلتين؛ الجنة أو الغنيمة. ففتح الله عليه ونصره وما أصيب من المسلمين إلا رجل واحد.
стр. 1567
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تراجم أهل هذه الطبقة على ترتيب الحروف
١ - الأرقم بن أبي الأرقم بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أحد السابقين الأولين، واسم أبيه: عبد مناف.
استخفى النبي ﷺ في أوائل الإسلام في داره، وهي عند الصفا، شهد بدرا وعاش إلى دهر معاوية، وسيأتي (١).
٢ - ن: الأسود بن سريع بن حمير بن عبادة التميمي السعدي، أبو عبد الله.
صاحب رسول الله ﷺ ، هو أول من قص بجامع البصرة. روى عنه الأحنف بن قيس، والحسن (٢)، وعبد الرحمن بن أبي بكرة.
يقال: توفي سنة اثنتين وأربعين (٣).
٣ - أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس الأموية النبوية، بنت السيدة زينب ابنة رسول الله ﷺ ، وهي التي كان يحملها النبي ﷺ في الصلاة.
تزوجها علي ﵁ في إمرة عمر، وبقيت معه إلى أن استشهد وجاءه منها الأولاد، ثم تزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فتوفيت عنده بعد أن ولدت له يحيى (٤).
стр. 1568
٤ - خ: أهبان بن أوس الأسلمي أبو عقبة، مكلم الذئب، وكان من أصحاب الشجرة (١).
روى له البخاري حديثا واحدا (٢).
٥ - ت ق: أهبان بن صيفي، الغفاري أبو مسلم. نزل البصرة.
روت عنه بنته عديسة، أن عليا ﵁ أتاه بعد فتنة الجمل فقال: ما خلفك عنا؟! وكان قد اتخذ سيفا من خشب (٣).
وله قصة مشهورة صحيحة عن بنته، قال: لما احتضر: كفنوني في ثوبين، فزدناه ثوبا فدفناه فيه، فأصبح ذلك القميص موضوعا على المشجب (٤).
٦ - جارية بن قدامة، التميمي السعدي، أبو أيوب، ويقال: أبو يزيد.
له صحبة، وكان بطلا شجاعا شريفا مطاعا من كبار أمراء علي، وشهد معه صفين، ثم وفد بعده على معاوية مع ابن عمه الأحنف.
وكان سفاكا فاتكا، ويدعى محرقا لأن معاوية وجه ابن الحضرمي إلى البصرة ينعى عثمان ويستنفرهم، فوجه علي جارية هذا، فتحصن منه ابن الحضرمي كما ذكرنا، فأحرق عليه الدار، فاحترق فيها خلق.
ويروى أن عليا بلغه ما صنع بسر بن أرطاة من السفك بالحجاز، فبعث جارية هذا، فجعل لا يجد أحدا خلع عليا إلا قتله وحرقه بالنار حتى انتهى إلى اليمن، فسمي محرقا (٥).
٧ - جبلة بن الأيهم، أبو المنذر الغساني ملك آل جفنة عرب الشام، وكان ينزل الجولان.
стр. 1569
كتب إليه النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، وأهدى لرسول الله ﷺ هدية، فلما كان زمن عمر داس جبلة رجلا من مزينة، فوثب المزني فلطمه، فأخذه وانطلق به إلى أبي عبيدة، فقالوا: هذا لطم جبلة. قال: فليلطمه، قالوا: وما يقتل ولا تقطع يده؟ قال: لا، فغضب جبلة وقال: بئس الدين هذا، ثم دخل بقومه إلى أرض الروم وتنصر.
وقيل: إنه إنما أسلم بعد اليرموك ثم ندم على تنصره، فلم يسلم فيما علمت.
٨ - جبلة بن عمرو بن أوس بن عامر الأنصاري الساعدي.
وهم بعضهم وقال: هو أخو أبي مسعود البدري، فأبو مسعود من بني الحارث بن الخزرج.
شهد أحدا وغيرها، وشهد فتح مصر وصفين.
قال ابن عبد البر (١): كان فاضلا من فقهاء الصحابة، روى عنه ثابت بن عبيد، وسليمان بن يسار.
وقال ابن سيرين: كان بمصر جبلة الأنصاري له صحبة، جمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها.
وقال ابن يونس: غزا جبلة بن عمرو إفريقية مع معاوية بن حديج سنة خمسين
قال سليمان بن يسار: نفلنا معاوية بإفريقية فأبى جبلة أن يأخذ من النفل شيئا.
٩ - ت: جندب بن كعب بن عبد الله بن غنم الأزدي الغامدي الذي قتل الساحر على الصحيح.
وكان هذا الساحر يقتل رجلا ثم يحييه، ويدخل في فم ناقة ويخرج من حياها، فضرب جندب بن كعب عنقه ثم قال: أحي نفسك. وتلا: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فرفعوا جندبا إلى الوليد بن عقبة فحبسه، فلما رأى السجان قومه وصلاته أطلقه.
стр. 1570
وقيل: بل قتل السجان أقرباء جندب وأطلقوه، فذهب إلى أرض الروم يجاهد، ومات سنة خمسين، وكان شريفا كبيرا في الأزد.
وقيل: بل الذي قتل الساحر جندب الخير المذكور بعد الستين (١).
١٠ - جعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ابن ابن عم رسول الله ﷺ .
شهد حنينا مع أبيه وثبتا يومئذ، لا أعلم له رواية.
قال ابن سعد (٢): مات وسط إمرة معاوية.
١١ - حارثة بن النعمان بن رافع، وقيل: نفع بدل رافع، الأنصاري الخزرجي.
أحد من شهد بدرا وبقي إلى هذا الوقت (٣).
١٢ - ن: الحارث بن قيس، الجعفي الكوفي العابد.
صحب عليا، وابن مسعود، ولا يكاد يوجد له حديث مسند، بل روى عنه خيثمة بن عبد الرحمن قال: إذا كنت في الصلاة، فقال لك الشيطان: إنك ترائي، فزدها طولا.
وحكى عنه أبو داود الأعمى، ويحيى بن هانئ المرادي.
قال خيثمة: كان الحارث بن قيس من أصحاب ابن مسعود، وكانوا معجبين به، كان يجلس إليه الرجل والرجلان فيحدثهما، فإذا كثروا قام وتركهم.
وقال حجاج بن دينار: كان أصحاب عبد الله ستة: علقمة، والحارث بن قيس، والأسود، وعبيدة، ومسروق، وعمرو بن شرحبيل.
قال ابن المديني: قتل الحارث مع علي.
وأما خيثمة بن عبد الرحمن فقال: صلى عليه أبو موسى الأشعري،
стр. 1571
﵀ (١).
١٣ - د ق: حبيب بن مسلمة القرشي الفهري.
له صحبة. روى عنه زياد بن جارية في النفل. وهو الذي افتتح أرمينية زمن عثمان، ثم كان من خواص معاوية، وله معه آثار محمودة شكرها له معاوية.
يروى أن الحسن قال: يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله، قال: أما إلى أبيك فلا، قال: بلى والله، ولقد طاوعت معاوية على دنياه وسارعت في هواه، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك، فليتك إذ أسأت الفعل أحسنت القول.
قيل: توفي سنة اثنتين، وقيل: سنة أربع وأربعين، قيل: لم يبلغ الخمسين، وكان شريفا مطاعا معظما (٢).
١٤ - حجر بن يزيد بن سلمة الكندي المعروف بحجر الشر، لأنه كان شريرا. وقالوا في حجر بن عدي: حجر الخير.
له وفادة على النبي ﷺ فأسلم، ثم رجع إلى اليمن، ثم نزل الكوفة، وشهد الحكمين، ثم ولاه معاوية أرمينية (٣).
١٥ - الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، أبو محمد الهاشمي السيد، ريحانة رسول الله ﷺ وابن بنته السيدة فاطمة.
ولد في شعبان سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: في نصف رمضان منها؛ قاله الواقدي. له صحبة ورواية عن أبيه وجده.
روى عنه: ابنه الحسن، وسويد بن غفلة، والشعبي، وأبو الحوراء السعدي، وآخرون.
وكان يشبه النبي ﷺ . قاله: أبو جحيفة وأنس فيما صح عنهما (٤).
стр. 1572
وقد رآه أبو بكر الصديق يلعب فأخذه وحمله على عنقه وقال:
بأبي شبيه بالنبي … ليس شبيه بعلي (١)
وعلي يبتسم.
وقال أسامة بن زيد: كان النبي ﷺ يأخذني والحسن فيقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما (٢).
وقال أبو بكرة: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقول: إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين. أخرجه البخاري (٣).
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. صححه الترمذي (٤).
وعن أسامة بن زيد قال: خرج إلي رسول الله ﷺ ليلة وهو مشتمل على شيء، فلما فرغت من حديثي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشف فإذا حسن وحسين على وركيه، فقال: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما. قال الترمذي (٥): حديث حسن غريب.
قلت: رواه من حديث عبد الله بن أبي بكر بن زيد بن المهاجر، مدني مجهول، عن مسلم بن أبي سهل النبال، وهو مجهول أيضا، عن الحسن بن أسامة بن زيد، وهو كالمجهول، عن أبيه، وما أظن لهؤلاء الثلاثة ذكر في
стр. 1573
رواية إلا في هذا الواحد، تفرد به موسى بن يعقوب الزمعي، عن عبد الله.
وتحسين الترمذي لا يكفي في الاحتجاج بالحديث (١)، فإنه قال (٢): وما ذكرنا في كتابنا من حديث حسن فإنما أردنا بحسن إسناده عندنا كل حديث لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن (٣).
وقال يوسف بن إبراهيم: سمعت أنسا يقول: سئل رسول الله ﷺ أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال: الحسن والحسين، وكان يقول لفاطمة: ادعوا لي ابني، فيشمهما ويضمهما إليه. حسنه الترمذي (٤).
وقال ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن حذيفة: سمع النبي ﷺ يقول: هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. قال الترمذي (٥): حسن غريب.
وصحح الترمذي (٦) من حديث عدي بن ثابت، عن البراء قال: رأيت النبي ﷺ واضعا الحسن على عاتقه وهو يقول: اللهم إني أحبه فأحبه.
وصحح أيضا بهذا السند أن النبي ﷺ أبصر الحسن والحسين فقال: اللهم إني أحبهما فأحبهما (٧).
стр. 1574
وقال جرير بن عبد الحميد، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ فرج بين فخذي الحسن وقبل زبيبته (١). قابوس: حسن الحديث (٢).
ومناقب الحسن ﵁ كثيرة، وكان سيدا حليما ذا سكينة ووقار وحشمة، كان يكره الفتن والسيف، وكان جوادا ممدحا، تزوج سبعين امرأة ويطلقهن، وقلما كان تفارقه أربع ضرائر.
وعن جعفر الصادق قال: قال علي: يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق، فقال رجل: والله لنزوجنه، فما رضي أمسك، وما كره طلق.
وقال ابن سيرين: تزوج الحسن بن علي امرأة فبعث إليها بمائة جارية، مع كل جارية ألف درهم.
وقال ابن سيرين: إن الحسن كان يجيز الرجل الواحد بمائة ألف درهم.
وقال غيره: حج الحسن بن علي خمس عشرة مرة.
وقيل: إنه حج أكثرهن ماشيا من المدينة إلى مكة، وإن نجائبه تقاد معه.
وقال جرير: بايع أهل الكوفة الحسن وأحبوه أكثر من أبيه.
روى الحاكم في مستدركه (٣) من طريق عمرو بن محمد العنقزي: حدثنا زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن طاوس، عن ابن عباس قال: أقبل
стр. 1575
النبي ﷺ قد حمل الحسن على كتفه، فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي ﷺ : ونعم الراكب هو (١).
شعبة: حدثنا يزيد بن خمير، سمع عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، قال: قلت للحسن: إنهم يقولون إنك تريد الخلافة، فقال: قد كانت جماجم العرب في يدي، يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء الأمة، ثم أبتزها بأتياس أهل الحجاز؟
ابن عيينة: حدثنا أبو موسى: سمعت الحسن يقول: استقبل الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: والله إني لأرى كتائب لا تولي أو تقتل أقرانها. وقال معاوية - وكان خير الرجلين -: أرأيت إن قتل هؤلاء هؤلاء، من لي بذراريهم، من لي بأمورهم، من لي بنسائهم؟ قال: فبعث عبد الرحمن بن سمرة، فصالح الحسن معاوية وسلم الأمر له، وبايعه بالخلافة على شروط ووثائق، وحمل إليه معاوية مالا، يقال: خمسمائة ألف في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين.
وقال عبد الله بن بريدة: قدم الحسن فاجتمع بمعاوية بعدما سلم إليه الخلافة، فقال معاوية: لأجيزنك بجائزة ما أجزت بها أحدا قبلك ولا أجيز بها أحدا بعدك. فأعطاه أربعمائة ألف، ثم إن الحسن ﵁ رجع بآل بيته من الكوفة ونزل المدينة.
قال ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: عدنا الحسن بن علي قبل موته، فقام وخرج من الخلاء فقال: إني والله قد لفظت طائفة من كبدي قلبتها بعود، وإني قد سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذا قط، فحرض به الحسين أن يخبره من سقاه، فلم يخبره وقال: الله أشد نقمة إن كان الذي أظن، وإلا فلا يقتل بي، والله، بريء.
وقال قتادة: قال الحسن بن علي: لم أسق مثل هذه المرة.
وقال حريز بن عثمان: حدثنا عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي قال: لما بايع الحسن معاوية قال له عمرو بن العاص وأبو الأعور السلمي: لو أمرت الحسن فصعد المنبر فتكلم عيي عن المنطق، فيزهد فيه
стр. 1576
الناس، فقال معاوية: لا تفعلوا، فوالله لقد رأيت رسول الله ﷺ يمص لسانه وشفته، ولن يعيا لسان مصه النبي ﷺ أو شفه (١). قال: فأبوا على معاوية، فصعد معاوية المنبر، ثم أمر الحسن فصعد، وأمره أن يخبر الناس: إني قد بايعت معاوية، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإني قد أخذت لكم على معاوية أن يعدل فيكم وأن يوفر عليكم غنائمكم، وأن يقسم فيكم فيأكم، ثم أقبل على معاوية فقال: أكذاك؟ قال: نعم.
ثم هبط من المنبر وهو يقول ويشير بإصبعه إلى معاوية: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ فاشتد ذلك على معاوية، فقالوا: لو دعوته فاستنطقته يعني استفهمته ما عنى بالآية، فقال: مهلا، فأبوا عليه، فدعوه فأجابهم، فأقبل عليه عمرو، فقال له الحسن: أما أنت فقد اختلف فيك رجلان، رجل من قريش وجزار أهل المدينة فادعياك، فلا أدري أيهما أبوك، وأقبل عليه أبو الأعور فقال له الحسن: ألم يلعن رسول الله ﷺ رعلا وذكوان وعمرو بن سفيان، هذا اسم أبي الأعور، ثم أقبل عليه معاوية يعينهما، فقال له الحسن: أما علمت أن رسول الله ﷺ لعن قائد الأحزاب وسائقهم، وكان أحدهما أبو سفيان والآخر أبو الأعور السلمي.
زهير بن معاوية: حدثنا أبو روق الهمداني، قال: حدثنا أبو الغريف، قال: كنا في مقدمة الحسن اثني عشر ألفا تقطر سيوفنا من الجدة على قتال الشاميين، فلما أتانا صلح الحسن لمعاوية كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، قال: وقام سفيان بن الليل إلى الحسن، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: لا تقل ذاك، إني كرهت أن أقتلكم في طلب الملك.
قال ابن عبد البر (٢): قال قتادة، وأبو بكر بن حفص: سم الحسن زوجته بنت الأشعث بن قيس. وقالت طائفة: كان ذلك بتدسيس معاوية إليها، وبذل لها على ذلك، وكان لها ضرائر.
стр. 1577
قلت: هذا شيء لا يصح، فمن الذي اطلع عليه؟
قال ابن عبد البر (١): روينا من وجوه أنه لما احتضر قال: يا أخي، إياك أن تستشرف لهذا الأمر، فإن أباك استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه، ووليها أبو بكر، ثم استشرف لها فصرفت عنه إلى عمر، ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما مات عثمان بويع، ثم نوزع حتى جرد السيف، فما صفت له، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخفك سفهاء الكوفة فأخرجوك، وقد كنت طلبت إلى عائشة أن أدفن مع رسول الله ﷺ ، فقالت: نعم، وإني لا أدري لعل ذلك كان منها حياء، فإذا ما مت فاطلب ذلك إليها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم. فلما مات أتى الحسين عائشة فقالت: نعم وكرامة، فمنعهم مروان، فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة، ثم دفن في البقيع إلى جنب أمه، وشهده سعيد بن العاص وهو الأمير، فقدمه الحسين للصلاة عليه وقال: هي السنة.
توفي الحسن ﵁ في ربيع الأول سنة خمسين، ورخه فيها المدائني، وخليفة العصفري (٢)، وهشام ابن الكلبي، والزبير بن بكار، والغلابي، وغيرهم.
وقال الواقدي، ومحمد بن سعد (٣): توفي سنة تسع وأربعين بالمدينة، ﵁.
١٦ - خ ٤: الحكم بن عمرو الغفاري، أخو رافع بن عمرو، وإنما هما من بني ثعلبة أخي غفار.
للحكم صحبة ورواية، ونزل البصرة، وكان رجلا صالحا فاضلا، قد ولي غزو خراسان فسبى وغنم، وتوفي بمرو. وروى عنه أبو الشعثاء جابر بن زيد، وسوادة بن عاصم، والحسن البصري، وابن سيرين.
стр. 1578
وكان محمود السيرة. توفي سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة خمسين.
هشام بن حسان: إن زيادا بعث الحكم بن عمرو على خراسان، فأصابوا غنائم، فكتب إليه: لا تقسم ذهبا ولا فضة، فكتب إليه: أقسم بالله لو كانت السموات والأرض رتقا على عبد فاتقى الله يجعل الله له من بينهما مخرجا، والسلام.
وروي أن عمر نظر إلى الحكم بن عمرو وقد خضب بصفرة فقال: هذا خضاب أهل الإيمان (١).
١٧ - ع: حفصة أم المؤمنين بنت أبي حفص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث من الهجرة.
قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ (٢).
ويروى أنها ولدت قبل النبوة بخمس سنين.
لها عدة أحاديث؛ روى عنها: أخوها عبد الله بن عمر، وحارثة بن وهب الخزاعي، وشتير بن شكل، والمطلب بن أبي وداعة، وعبد الله بن صفوان الجمحي، وغيرهم. وأمهما - أعني حفصة وعبد الله - هي زينب أخت عثمان بن مظعون.
وكانت حفصة قبل النبي ﷺ تحت خنيس بن حذافة السهمي، أحد من شهد بدرا فتوفي بالمدينة، فلما تأيمت عرضها عمر على أبي بكر فلم يجبه، فغضب عمر، ثم عرضها على عثمان فقال: لا أريد أن أتزوج اليوم، فشكاه إلى النبي ﷺ فقال: تتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان
стр. 1579
من هي خير من حفصة ثم خطبها منه فزوجه عمر، ثم لقي أبو بكر عمر فقال: لا تجد علي فإن رسول الله ﷺ كان ذكر حفصة فلم أكن لأفشي سره، فلو تركها لتزوجتها (١).
عفان وجماعة: عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا أبو عمران الجوني، عن قيس بن زيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة، فأتاها خالاها عثمان وقدامة ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شبع، فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها فتجلببت فقال: إن جبريل قال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة (٢).
حديث مرسل قوي الإسناد (٣).
هشيم: أخبرنا حميد، عن أنس؛ أن النبي ﷺ لما طلق حفصة أمر أن يراجعها (٤).
عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر أوصى إلى حفصة.
موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة، فبلغ ذلك عمر، فحثا على رأسه التراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر (٥). وفي رواية: وهي زوجتك في الجنة. رواه موسى بن علي بن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر.
توفيت سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة خمس وأربعين، وصلى عليها مروان وهو والي المدينة؛ قاله الواقدي.
١٨ - م ت ن ق: حنظلة بن الربيع بن صيفي التميمي الحنظلي الأسيدي الكاتب، كاتب رسول الله ﷺ ، وهو ابن أخي حكيم العرب أكثم بن صيفي.
стр. 1580
كان حنظلة ممن اعتزل الفتنة، وكان بالكوفة، فلما شتموا عثمان انتقل إلى قرقيسياء.
روى عنه مرقع بن صيفي، وأبو عثمان النهدي، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، والحسن، وغيرهم (١).
١٩ - ٤: خريم بن فاتك أبو أيمن الأسدي، واسم أبيه الأخرم بن شداد، وخريم هو أخو سبرة، ووالده فاتك.
قيل: إنه شهد بدرا، وروى عن النبي ﷺ وعن كعب. روى عنه ابنه فاتك، ووابصة بن معبد، وأبو هريرة، وابن عباس، والمعرور بن سويد، وشمر بن عطية. ونزل الرقة، وبها توفي زمن معاوية.
روى أبو إسحاق السبيعي، عن شمر بن عطية، عن خريم بن فاتك قال: قال لي رسول الله ﷺ : نعم الرجل أنت يا خريم لولا خلتين فيك، قلت: وما هما؟ قال: إسبالك إزارك وإرخاؤك شعرك. رواه أحمد في مسنده (٢).
وقال البخاري في تاريخه (٣): خريم بن فاتك شهد بدرا، وقال: قال أبو إسحاق: كنيته أبو يحيى (٤).
٢٠ - د: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي القضاعي.
أرسله النبي ﷺ بكتابه إلى قيصر، وله أحاديث. روى عنه الشعبي، وعبد الله بن شداد بن الهاد، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن يزيد بن معاوية، ومنصور بن سعيد.
وكان يوم اليرموك أميرا على كردوس. ثم سكن المزة.
قال ابن سعد (٥): أسلم دحية قبل بدر ولم يشهدها وكان يشبه بجبريل ﵇، وبقي إلى زمن معاوية.