الناس، فقال معاوية: لا تفعلوا، فوالله لقد رأيت رسول الله ﷺ يمص لسانه وشفته، ولن يعيا لسان مصه النبي ﷺ أو شفه (١). قال: فأبوا على معاوية، فصعد معاوية المنبر، ثم أمر الحسن فصعد، وأمره أن يخبر الناس: إني قد بايعت معاوية، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإني قد أخذت لكم على معاوية أن يعدل فيكم وأن يوفر عليكم غنائمكم، وأن يقسم فيكم فيأكم، ثم أقبل على معاوية فقال: أكذاك؟ قال: نعم.
ثم هبط من المنبر وهو يقول ويشير بإصبعه إلى معاوية: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ فاشتد ذلك على معاوية، فقالوا: لو دعوته فاستنطقته يعني استفهمته ما عنى بالآية، فقال: مهلا، فأبوا عليه، فدعوه فأجابهم، فأقبل عليه عمرو، فقال له الحسن: أما أنت فقد اختلف فيك رجلان، رجل من قريش وجزار أهل المدينة فادعياك، فلا أدري أيهما أبوك، وأقبل عليه أبو الأعور فقال له الحسن: ألم يلعن رسول الله ﷺ رعلا وذكوان وعمرو بن سفيان، هذا اسم أبي الأعور، ثم أقبل عليه معاوية يعينهما، فقال له الحسن: أما علمت أن رسول الله ﷺ لعن قائد الأحزاب وسائقهم، وكان أحدهما أبو سفيان والآخر أبو الأعور السلمي.
زهير بن معاوية: حدثنا أبو روق الهمداني، قال: حدثنا أبو الغريف، قال: كنا في مقدمة الحسن اثني عشر ألفا تقطر سيوفنا من الجدة على قتال الشاميين، فلما أتانا صلح الحسن لمعاوية كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، قال: وقام سفيان بن الليل إلى الحسن، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: لا تقل ذاك، إني كرهت أن أقتلكم في طلب الملك.
قال ابن عبد البر (٢): قال قتادة، وأبو بكر بن حفص: سم الحسن زوجته بنت الأشعث بن قيس. وقالت طائفة: كان ذلك بتدسيس معاوية إليها، وبذل لها على ذلك، وكان لها ضرائر.
стр. 1577
قلت: هذا شيء لا يصح، فمن الذي اطلع عليه؟
قال ابن عبد البر (١): روينا من وجوه أنه لما احتضر قال: يا أخي، إياك أن تستشرف لهذا الأمر، فإن أباك استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه، ووليها أبو بكر، ثم استشرف لها فصرفت عنه إلى عمر، ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما مات عثمان بويع، ثم نوزع حتى جرد السيف، فما صفت له، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخفك سفهاء الكوفة فأخرجوك، وقد كنت طلبت إلى عائشة أن أدفن مع رسول الله ﷺ ، فقالت: نعم، وإني لا أدري لعل ذلك كان منها حياء، فإذا ما مت فاطلب ذلك إليها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم. فلما مات أتى الحسين عائشة فقالت: نعم وكرامة، فمنعهم مروان، فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة، ثم دفن في البقيع إلى جنب أمه، وشهده سعيد بن العاص وهو الأمير، فقدمه الحسين للصلاة عليه وقال: هي السنة.
توفي الحسن ﵁ في ربيع الأول سنة خمسين، ورخه فيها المدائني، وخليفة العصفري (٢)، وهشام ابن الكلبي، والزبير بن بكار، والغلابي، وغيرهم.
وقال الواقدي، ومحمد بن سعد (٣): توفي سنة تسع وأربعين بالمدينة، ﵁.
١٦ - خ ٤: الحكم بن عمرو الغفاري، أخو رافع بن عمرو، وإنما هما من بني ثعلبة أخي غفار.
للحكم صحبة ورواية، ونزل البصرة، وكان رجلا صالحا فاضلا، قد ولي غزو خراسان فسبى وغنم، وتوفي بمرو. وروى عنه أبو الشعثاء جابر بن زيد، وسوادة بن عاصم، والحسن البصري، وابن سيرين.
стр. 1578
وكان محمود السيرة. توفي سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة خمسين.
هشام بن حسان: إن زيادا بعث الحكم بن عمرو على خراسان، فأصابوا غنائم، فكتب إليه: لا تقسم ذهبا ولا فضة، فكتب إليه: أقسم بالله لو كانت السموات والأرض رتقا على عبد فاتقى الله يجعل الله له من بينهما مخرجا، والسلام.
وروي أن عمر نظر إلى الحكم بن عمرو وقد خضب بصفرة فقال: هذا خضاب أهل الإيمان (١).
١٧ - ع: حفصة أم المؤمنين بنت أبي حفص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث من الهجرة.
قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ (٢).
ويروى أنها ولدت قبل النبوة بخمس سنين.
لها عدة أحاديث؛ روى عنها: أخوها عبد الله بن عمر، وحارثة بن وهب الخزاعي، وشتير بن شكل، والمطلب بن أبي وداعة، وعبد الله بن صفوان الجمحي، وغيرهم. وأمهما - أعني حفصة وعبد الله - هي زينب أخت عثمان بن مظعون.
وكانت حفصة قبل النبي ﷺ تحت خنيس بن حذافة السهمي، أحد من شهد بدرا فتوفي بالمدينة، فلما تأيمت عرضها عمر على أبي بكر فلم يجبه، فغضب عمر، ثم عرضها على عثمان فقال: لا أريد أن أتزوج اليوم، فشكاه إلى النبي ﷺ فقال: تتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان
стр. 1579
من هي خير من حفصة ثم خطبها منه فزوجه عمر، ثم لقي أبو بكر عمر فقال: لا تجد علي فإن رسول الله ﷺ كان ذكر حفصة فلم أكن لأفشي سره، فلو تركها لتزوجتها (١).
عفان وجماعة: عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا أبو عمران الجوني، عن قيس بن زيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة، فأتاها خالاها عثمان وقدامة ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شبع، فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها فتجلببت فقال: إن جبريل قال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة (٢).
حديث مرسل قوي الإسناد (٣).
هشيم: أخبرنا حميد، عن أنس؛ أن النبي ﷺ لما طلق حفصة أمر أن يراجعها (٤).
عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر أوصى إلى حفصة.
موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة، فبلغ ذلك عمر، فحثا على رأسه التراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر (٥). وفي رواية: وهي زوجتك في الجنة. رواه موسى بن علي بن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر.
توفيت سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة خمس وأربعين، وصلى عليها مروان وهو والي المدينة؛ قاله الواقدي.
١٨ - م ت ن ق: حنظلة بن الربيع بن صيفي التميمي الحنظلي الأسيدي الكاتب، كاتب رسول الله ﷺ ، وهو ابن أخي حكيم العرب أكثم بن صيفي.
стр. 1580
كان حنظلة ممن اعتزل الفتنة، وكان بالكوفة، فلما شتموا عثمان انتقل إلى قرقيسياء.
روى عنه مرقع بن صيفي، وأبو عثمان النهدي، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، والحسن، وغيرهم (١).
١٩ - ٤: خريم بن فاتك أبو أيمن الأسدي، واسم أبيه الأخرم بن شداد، وخريم هو أخو سبرة، ووالده فاتك.
قيل: إنه شهد بدرا، وروى عن النبي ﷺ وعن كعب. روى عنه ابنه فاتك، ووابصة بن معبد، وأبو هريرة، وابن عباس، والمعرور بن سويد، وشمر بن عطية. ونزل الرقة، وبها توفي زمن معاوية.
روى أبو إسحاق السبيعي، عن شمر بن عطية، عن خريم بن فاتك قال: قال لي رسول الله ﷺ : نعم الرجل أنت يا خريم لولا خلتين فيك، قلت: وما هما؟ قال: إسبالك إزارك وإرخاؤك شعرك. رواه أحمد في مسنده (٢).
وقال البخاري في تاريخه (٣): خريم بن فاتك شهد بدرا، وقال: قال أبو إسحاق: كنيته أبو يحيى (٤).
٢٠ - د: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي القضاعي.
أرسله النبي ﷺ بكتابه إلى قيصر، وله أحاديث. روى عنه الشعبي، وعبد الله بن شداد بن الهاد، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن يزيد بن معاوية، ومنصور بن سعيد.
وكان يوم اليرموك أميرا على كردوس. ثم سكن المزة.
قال ابن سعد (٥): أسلم دحية قبل بدر ولم يشهدها وكان يشبه بجبريل ﵇، وبقي إلى زمن معاوية.
стр. 1581
وقال عفير بن معدان، عن قتادة، عن أنس: إن النبي ﷺ كان يقول: يأتيني جبريل في صورة دحية (١). وكان دحية رجلا جميلا.
وقال رجل لعوانة بن الحكم: أجمل الناس جرير بن عبد الله، فقال: بل أجمل الناس من نزل جبريل على صورته، يعني دحية.
وقال ابن قتيبة في حديث ابن عباس: كان دحية إذا قدم لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه.
المعصر: هي التي دنت من الحيض، ويقال: هي التي أدركت.
٢١ - ت ق: ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي.
من مسلمة الفتح، له صحبة ورواية. وعنه: ابنه يزيد وغيره. وهو الذي صارع النبي ﷺ بمكة قبل الهجرة، وكان أشد قريش، فقال: يا محمد إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي ﷺ ، فقال: يا محمد إنك ساحر.
ولما أسلم أعطاه النبي ﷺ خمسين وسقا بخيبر، وسكن المدينة وبها توفي في أول خلافة معاوية (٢).
٢٢ - د ت ن: رويفع بن ثابت الأنصاري النجاري.
له صحبة، شهد فتح مصر، وروى أحاديث. روى عنه حنش الصنعاني، وبسر بن عبيد الله، ومرثد اليزني. وولي غزو إفريقية لمعاوية سنة ست وأربعين.
وقال أحمد بن عبد الله البرقي: توفي ببرقة وهو أمير عليها، رأيت قبره ببرقة (٣) ﵁.
٢٣ - ق: زياد بن ثعلبة بن سنان، أبو عبد الله الخزرجي. أحد بني بياضة.
стр. 1582
شهد بدرا والعقبة، وكان لبيبا فقيها، ولي للنبي ﷺ حضرموت، وله أثر حسن في قتال أهل الردة.
روى عنه أبو الدرداء ومات قبله، وعوف بن مالك، وسالم بن أبي الجعد، وروايته مرسلة.
وقد كان أسلم وسكن مكة ثم هاجر، فهو أنصاري مهاجري. له حديث في ذهاب العلم (١).
قال خليفة (٢): مات في أول خلافة معاوية (٣).
٢٤ - ع: زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار أبو سعيد، وأبو خارجة الأنصاري النجاري المقرئ الفرضي، كاتب الوحي.
قتل أبوه يوم بعاث قبل الهجرة، وقدم النبي ﷺ المدينة وزيد صبي ابن إحدى عشرة سنة، فأسلم وتعلم الخط العربي والخط العبراني، وكان فطنا ذكيا إماما في القرآن إماما في الفرائض.
روى عن النبي ﷺ وَعَرَضَ عليه القرآن، وروى أيضا عن أبي بكر، وعمر. وعنه ابنه خارجة، وابن عباس، وابن عمر، ومروان بن الحكم، وعبيد بن السباق، وعطاء بن يسار، وبشر بن سعيد، وعروة بن الزبير، وطاوس، وخلق سواهم، وَعَرَضَ عليه القرآن طائفة.
قال أبو عمرو الداني: عرض عليه ابن عباس، وأبو العالية، وأبو عبد الرحمن السلمي، وشهد الخندق وما بعدها. وكان عمر إذا حج استخلفه على المدينة. وهو الذي ندبه عثمان لكتابة المصاحف، وهو الذي تولى قسمة غنائم اليرموك.
وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن أبيه قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن إحدى عشرة سنة، وأمرني أن أتعلم كتاب يهود، فكنت أقرأ إذا كتبوا إليه، ولما قدم أبي بي إليه فقالوا: هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أنزل عليك بضع عشرة سورة، فقرأت عليه فأعجبه
стр. 1583
ذلك وقال: يا زيد تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمنهم على كتابي. قال: فتعلمته فحذقته في نصف شهر (١).
وعن زيد قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل الوحي بعث إلي فكتبته (٢).
وقال زيد: قال لي أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه. فقلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ! قال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك (٣).
وقال أنس: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد الأنصاري (٤).
وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : أفرض أمتي زيد بن ثابت.
ويروى عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد، وأقرأهم أبي، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
رواه الترمذي (٥) وقال: غريب لا نعرفه من حديث قتادة إلا من هذا (٦) الوجه. وقد رواه أبو قلابة، عن أنس.
قلت: هو صحيح من حديث أبي قلابة، رواه جماعة عن خالد
стр. 1584
الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال النبي ﷺ : أعلمهم بالفرائض زيد (١).
وقال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين: على الفرائض والقرآن.
وقال مسروق: كان أهل الفتوى من الصحابة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى.
وقال أبو نضرة، عن أبي سعيد لما قال قائل الأنصار: منكم أمير ومنا أمير، قال: فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين ونحن أنصاره. فقال أبو بكر: جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا وثبت قائلكم، ولو قلتم غير هذا ما صالحناكم.
وعن ابن عمر قال: فرق عمر الصحابة في البلدان، وحبس زيد بن ثابت بالمدينة يفتي أهلها.
وعن سليمان بن يسار، قال: ما كان عمر وعثمان يقدمان أحدا على زيد بن ثابت في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة.
وقال حجاج بن أرطاة، عن نافع، قال: استعمل عمر زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقا.
وقال ابن شهاب: لو هلك عثمان وزيد بن ثابت في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرهما.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي (٢): الناس على قراءة زيد، وفرض زيد.
وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس: إنه قدم إلى زيد بن ثابت، فأخذ له بركابه فقال: تنح يا ابن عم رسول الله، قال: إنا هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا.
وقال الأعمش، عن ثابت بن عبيد قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله ومن أزمته عند القوم.
стр. 1585
وقال يحيى بن سعيد: لما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا.
الأنصاري: حدثنا هشام بن حسان، قال: حدثنا محمد بن سيرين قال: خرج زيد بن ثابت يريد الجمعة فاستقبله الناس راجعين، فدخل دارا، فقيل له، فقال: إنه من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله.
قال الواقدي، ويحيى بن بكير، وخليفة، ومحمد بن عبد الله بن نمير: توفي سنة خمس وأربعين.
وقال علي ابن المديني: توفي سنة أربع وخمسين.
وقال أحمد بن حنبل وأبو حفص الفلاس: سنة إحدى وخمسين.
وقال الهيثم بن عدي، والمدائني، ويحيى بن معين: توفي سنة خمس وخمسين (١).
٢٥ - زيد بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، وأمه أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء.
قال عطاء الخراساني: توفي شابا ولم يعقب.
وقال ابن عمر: إنه صلى على أخيه زيد، وأمه أم كلثوم.
وقال أبو عمرو بن العلاء، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، قال: وفدنا مع زيد بن عمر إلى معاوية، فأجلسه على السرير، وهو يومئذ من أجمل الناس، فأسمعه بسر بن أبي أرطاة كلمة، فنزل إليه زيد فخنقه حتى صرعه، وبرك على صدره، وقال لمعاوية: إني لأعلم أن هذا عن رأيك وأنا ابن الخليفتين، ثم خرج إلينا زيد وقد تشعث رأسه وعمامته، ثم اعتذر إليه معاوية، وأمر له بمائة ألف، وأمر لكل واحد منا بأربعة آلاف، ونحن عشرون رجلا.
يقال: أصابه حجر في خرابة ليلا فمات.
٢٦ - سالم بن عمير بن ثابت بن النعمان الأنصاري الأوسي.
стр. 1586
أحد البكائين، شهد بدرا والمشاهد، وبقي إلى خلافة معاوية (١).
٢٧ - م ت ن ق: سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث، وقيل: ابن عبد الله بن حطيط بن عمرو الثقفي الطائفي.
ولي الطائف لعمر بن الخطاب، وله صحبة ورواية، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ : قل آمنت بالله ثم استقم (٢).
روى عنه ابناه عبيد الله، وعاصم، وعروة بن الزبير، وعبد الرحمن بن ماعز، وآخرون.
٢٨ - سفيان بن مجيب الأزدي.
ولي بعلبك لمعاوية، وله صحبة.
روى إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام، عن حجاج الثمالي، وله صحبة، قال: حدثني سفيان بن مجيب، وكان من قدماء الصحابة.
٢٩ - د ن ق: السائب بن أبي السائب، صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
مختلف في إسلامه، فابن إسحاق يقول: قتل يوم بدر كافرا. ثم تبعه الزبير بن بكار، ثم نقض الزبير ذلك في موضعين من كتابه، والظاهر إسلامه وبقاؤه إلى خلافة معاوية، وأنه هو شريك النبي ﷺ كان قبل المبعث.
وفي السنن حديث لمجاهد، عن قائد السائب، عن السائب، عن النبي ﷺ (٣).
وروى الزبير بإسناده، عن كعب مولى سعيد بن العاص، أن معاوية طاف في خلافته بالبيت في جنده، فزحموا السائب بن صيفي بن عائذ فوقع. فقال: ما هذا يا معاوية، تصرعوننا حول البيت! أما والله لقد أردت أن أتزوج أمك. قال: ليتك فعلت، فجاءت بمثل ولدك أبي السائب.
стр. 1587
وقد ورد عن ابن عباس، أن السائب أسلم يوم الفتح، وأنه من المؤلفة قلوبهم.
قال ابن عبد البر (١): وهو ممن حسن إسلامه. وقد اختلف في اسم شريك النبي ﷺ على أقوال، فقيل: هو عبد الله ولد السائب هذا.
٣٠ - سلمة بن وقش الأنصاري الأشهلي، أبو عوف.
من أهل المدينة. كان أحد من شهد بدرا والعقبتين، وعاش سبعين سنة.
توفي سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة أربع وثلاثين.
روى عنه محمود بن لبيد (٢) في مسند أحمد (٣).
٣١ - ع: سهل بن أبي حثمة، أبو عبد الرحمن، وأبو يحيى الأنصاري الخزرجي المدني.
قال أبو حاتم (٤): كان دليل النبي ﷺ ليلة أحد، وشهد المشاهد كلها سوى بدر، حدثني بذلك رجل من ولده.
وأما الواقدي فقال: توفي النبي ﷺ وله ثمان سنين، وهذا غلط.
روى عنه من الصحابة محمد بن مسلمة، وأبو ليلى الأنصاريان، وابنه محمد، وابن أخيه محمد بن سليمان، وصالح بن خوات، وبشير بن يسار، وعروة بن الزبير، ونافع بن جبير، وآخرون.
أظنه توفي في خلافة معاوية، ورواية الزهري عنه مرسلة، وفي اسم أبيه أقوال (٥).
стр. 1588
٣٢ - د ت: سهل بن الحنظلية، وهي أمه، واسم أبيه عمرو، ويقال: الربيع بن عمرو الأنصاري.
شهد بيعة الرضوان، وروى عن النبي ﷺ . وعنه بشر أبو قيس التغلبي، وأبو كبشة السلولي.
وكان رجلا متوحدا ما يجالس أحدا، إنما هو في صلاة، فإذا انصرف إنما هو في تسبيح وذكر، وشهد أحدا والخندق، وسكن الشام، وتوفي في صدر خلافة معاوية (١).
٣٣ - م ٤: صفوان بن أمية بن خلف، أبو وهب الجمحي المكي.
قتل أبوه يوم بدر، وأسلم هو يوم الفتح بل بعده، وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم شهد اليرموك أميرا على كردوس.
روى عنه: ابنه أمية، وابن أخيه حميد بن حجير، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وطاوس.
وشهد حنينا مع النبي ﷺ وهو على شركه بعد، وأعار النبي ﷺ سلاحا وأدرعا يومئذ. وكان شريفا مطاعا كثير المال، ورد أنه ملك قنطارا من الذهب.
يقال: إنه وفد على معاوية، فأقطعه زقاق صفوان.
وعن أبي حصين الهذلي، قال: استقرض النبي ﷺ من صفوان بن أمية خمسين ألفا فأقرضه.
قال الهيثم بن عدي، والمدائني: مات صفوان سنة إحدى وأربعين.
وقال خليفة (٢): سنة اثنتين (٣).
٣٤ - ع: صفية، أم المؤمنين بنت حيي بن أخطب بن سعنة، من سبط لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، ثم من ولد هارون أخي موسى ﵉.
стр. 1589
تزوجها سلام اليهودي، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، وكانا من شعراء اليهود، ثم قتل كنانة يوم خيبر، فسباها رسول الله ﷺ من خيبر، وجعل صداقها عتقها (١).
روى عنها علي بن الحسين، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، ومولاها كنانة، وغيرهم.
قال ابن عبد البر (٢): روينا أن جارية لصفية أتت عمر، فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود، فبعث إليها عمر فسألها فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما، فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان، قالت: فاذهبي فأنت حرة.
وفي الترمذي (٣) من حديث هاشم بن سعيد الكوفي، حدثنا كنانة، قال: حدثتنا صفية بنت حيي قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك له، فقال: ألا قلت: وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى. وكان بلغها أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها، نحن أزواجه، وبنات عمه (٤).
وقال ثابت البناني: حدثتني سمية أو سمسمة، عن صفية بنت حيي أن النبي ﷺ حج بنسائه، فبرك بصفية جملها، فبكت، وجاء رسول الله ﷺ لما أخبروه، فجعل يمسح دموعها بيده، وهي تبكي، وهو ينهاها، فنزل رسول الله ﷺ بالناس، فلما كان عند الرواح قال لزينب بنت جحش: أفقري (٥) أختك جملا وكانت من أكثرهن ظهرا، فقالت: أنا أفقر يهوديتك،
стр. 1590
فغضب ﷺ فلم يكلمها حتى رجع إلى المدينة ومحرم وصفر، فلم يأتها، ولم يقسم لها، ويئست منه، فلما كان ربيع الأول دخل عليها، فلما رأته قالت: يا رسول الله ما أصنع؟ قال: وكانت لها جارية تخبئها من رسول الله ﷺ فقالت: فلانة لك. قال: فمشى النبي ﷺ إلى سريرها، وكان قد رفع، فوضعه بيده، ورضي عن أهله (١).
وقال الحسين بن الحسن الأشقر: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مالك بن مالك، عن صفية بنت حيي قالت: قلت: يا رسول الله ليس من نسائك أحد إلا ولها عشيرة، فإن حدث بك حدث فإلى من ألجأ؟ قال: إلى علي.
مالك مجهول، والحديث غريب (٢).
وكانت من عقلاء النساء، توفيت سنة خمسين، وقيل: سنة ست وثلاثين.
٣٥ - د ن ق: ضباعة بنت الزيبر بن عبد المطلب الهاشمية، بنت عم رسول الله ﷺ ، وزوجة المقداد بن الأسود.
روى عنها زوجها، وبنتها كريمة بنت المقداد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والأعرج (٣).
٣٦ - ن: عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان البلوي، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله. حليف بني عمرو بن عوف.
رده النبي ﷺ من بدر إلى مسجد الضرار لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره. وطال عمره، وكان سيد بني العجلان.
روى عنه ابنه أبو البداح حديثا أخرجه النسائي في رمي الجمار (٤).
стр. 1591
وقال ابن إسحاق: رده رسول الله ﷺ من الروحاء، واستخلفه على العالية في غزوة بدر.
وقيل: إنه توفي سنة خمس وأربعين، وله من العمر مائة وخمس عشرة سنة. كذا قال الواقدي في سنه (١).
٣٧ - م ٤: عبد الله بن أنيس، الجهني، ثم الأنصاري، حليف الأنصار.
شهد العقبة، وبدرا لم يشهدها، بل شهد أحدا. كنيته أبو يحيى، وقيل: يقال له: الجهني، وليس بجهني، بل ذلك لقب له، وهو من قضاعة.
روي أن النبي ﷺ دفع إليه مخصرة كان يتخصر بها. وهو الذي رحل إليه جابر بن عبد الله إلى مصر، وسمع منه حديث القصاص.
توفي في خلافة معاوية (٢)، وسيعاد (٣).
٣٨ - ع: عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف الإسرائيلي النسب حليف الأنصار.
أسلم عند مقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان اسمه الحصين فسماه عبد الله، وشهد له بالجنة.
حماد بن سلمة: أخبرنا عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ أتي بقصعة فقال: يجيء رجل من هذا الفج من أهل الجنة يأكل هذه الفضلة، فجاء عبد الله بن سلام فأكلها. رواه عبد في مسنده (٤) عن عفان، عنه.
روى عنه أنس بن مالك، وقاضي البصرة، وزرارة بن أوفى (٥)، وأبو سعيد المقبري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بردة بن أبي موسى، وابناه
стр. 1592
يوسف ومحمد ابنا عبد الله، وجماعة. وشهد فتح بيت المقدس مع عمر.
وقيل: إنه من ذرية يوسف ﵇، وحلفه في القواقلة (١)، وكان من الأحبار.
تقدم خبر إسلامه في الترجمة النبوية، وأن اليهود شهدوا فيه أنه عالمهم وابن عالمهم.
وفي الصحيح من حديث سعد، قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام.
وقال سعد: فيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (٢)
وجاء من غير وجه: أن عبد الله رأى رؤيا، فقصها على النبي ﷺ ، فقال له: تموت وأنت مستمسك بالعروة الوثقى (٣).
وثبت عن يزيد بن عميرة قال: لما احتضر معاذ قيل: أوصنا، قال: أجلسوني، ثم قال: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، فالتمسوا العلم عن أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: إنه عاشر عشرة في الجنة.
أخرجه الترمذي (٤) من حديث أبي إدريس الخولاني، عن يزيد، ورواه زيد بن رفيع، عن معبد الجهني، عن يزيد بن عميرة.
اتفقوا على وفاته في سنة ثلاث وأربعين (٥).
٣٩ - عبد الله بن قيس العتقي.
стр. 1593
شهد فتح مصر وله صحبة. توفي سنة تسع وأربعين، ولا تحفظ له رواية.
٤٠ - عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، بن المغيرة المخزومي.
أدرك النبي ﷺ ورآه، وشهد اليرموك مع أبيه، وسكن حمص. وكان أحد الأبطال كأبيه، وكان معه لواء معاوية يوم صفين. وكان يستعمله معاوية على غزو الروم. وكان شريفا شجاعا ممدحا.
روى عنه خالد بن سلمة، وعمرو بن قيس، وغيرهما.
وقال سيف: كان عمره يوم اليرموك ثمان عشرة سنة، وكان يومئذ على كردوس.
وقال غيره: ولي إمرة حمص مدة وكان مشكور السيرة.
قال أبو عبيد وغيره: توفي سنة ست وأربعين (١).
٤١ - ع: عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أبو سعيد القرشي العبشمي.
هكذا نسبه ابن الكلبي، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو عبيد، وجماعة، وزاد في نسبه مصعب الزبيري، وابن أخيه الزبير بن بكار بعد حبيب: ربيعة.
أسلم يوم الفتح، ونزل البصرة، وقال له النبي ﷺ : لا تسأل الإمارة (٢). وغزا سجستان أميرا كما مضى.
روى عنه ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وحيان بن عمير، ومحمد بن سيرين، وحميد بن هلال، والحسن البصري، وأخوه سعيد.
ويروى أن اسمه كان: عبد كلال، فغيره النبي ﷺ (٣).
стр. 1594
توفي سنة خمسين بالبصرة، ويقال: سنة إحدى وخمسين (١).
٤٢ - ن: عتبة بن فرقد السلمي، أبو عبد الله.
له صحبة ورواية، وكان من كبار قومه. نزل الكوفة. روى عنه قيس بن أبي حازم، والشعبي، وغيرهما (٢).
٤٣ - عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي.
شهد يوم الدار مع عثمان، وداره بدمشق بدرب الحبالين. ولي المدينة وإمرة الحج غير مرة.
وحكى عنه ابنه الوليد أنه شهد الجمل مع عائشة، ثم نجا ولحق بأخيه، وذهبت عينه يومئذ. وولي مصر سنة ثلاث وأربعين، وكان فصيحا مفوها.
توفي بثغر الإسكندرية في ذي القعدة سنة أربع وأربعين، وهو أخو معاوية لأبويه (٣).
٤٤ - ت ن ق: عثمان بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي.
له صحبة، ولاه عمر السواد، وتولى مساحته بأمر عمر.
روى عنه ابن أخيه أبو أمامة بن سهل، وعمارة بن خزيمة بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله، وغيرهم، وكان أميرا شريفا.
شعيب بن أبي حمزة، مما روى عنه ابنه بشر، عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، عن حريث بن نوفل بن مساحق قال: انتجى عمر وعثمان بن حنيف في المسجد والناس محيطون بهما، فلم يزالا يتجادلان في الرأي حتى أغضب عثمان عمر، فقبض من حصباء المسجد قبضة ضرب بها وجه عثمان، فشج الحصى بجبهته آثارا من شجاج، فلما رأى عمر كثرة تسرب الدم على لحيته قال: امسح عنك الدم، فقال: يا أمير المؤمنين لا يهولنك، فوالله إني لأنتهك مما وليتني أمره من رعيتك أكثر مما انتهكت مني، فأعجب بها عمر من رأيه وحلمه وزاد به عنده خيرا.
стр. 1595
٤٥ - م د: عثمان بن طلحة بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري الحجبي، حاجب الكعبة.
هاجر مع عمرو بن العاص وخالد ثم سكن مكة. روى عنه ابن عمر، وعروة بن الزبير، وابن عمه شيبة بن عثمان، وغيرهم. ودفع إليه النبي ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح.
وقال عوف الأعرابي عن رجل: إن رسول الله ﷺ أعطى المفتاح شيبة بن عثمان عام الفتح وقال: دونك هذا فأنت أمين الله على بيته.
قلت: شيبة أسلم يوم حنين، فيحتمل أن النبي ﷺ ولاه الحجابة لما اعتمر من الجعرانة مشاركا لعثمان هذا في الحجابة، فإن شيبة كان حاجب الكعبة يوم قال له عمر: أريد أن أقسم مال الكعبة، كما في البخاري (١).
فعن أبي بشر، عن مسافع بن شيبة، عن أبيه قال: دخل النبي ﷺ الكعبة يصلي، فإذا فيها تصاوير، فقال: يا شيبة اكفني هذه، فاشتد ذلك عليه، فقال له رجل: طينها ثم الطخها بزعفران، ففعل.
وقالت صفية بنت شيبة: أخبرتني امرأة من بني سليم أن رسول الله ﷺ لما خرج من الكعبة أمر عثمان بن طلحة أن يغيب قرني الكبش، يعني كبش إسماعيل، وقال: لا ينبغي للمصلي أن يصلي وبين يديه شيء يشغله (٢).
قتل طلحة يوم أحد مشركا.
وقال عبد الله بن المؤمل المخزومي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يعني الحجابة (٣).
قال مصعب (٤): قتل بأجنادين سنة ثلاث عشرة.
стр. 1596
وقال الهيثم بن عدي، والمدائني: توفي سنة إحدى وأربعين.
وقال خليفة (١): توفي سنة اثنتين وأربعين (٢).
٤٦ - ن ق: عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي، أبو يزيد، ويقال: أبو عيسى، وكان أكبر من جعفر وعلي.
أسلم وشهد غزوة مؤتة، وله عن النبي ﷺ أحاديث. روى عنه ابنه محمد، وحفيده عبد الله بن محمد، وموسى بن طلحة، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وأبو صالح السمان.
ووفد على معاوية فأكرمه، وكان أكبر من علي بعشرين سنة، وعاش بعده مدة، وكان علامة بالنسب وأيام العرب.
قال ابن سعد (٣): وكان عقيل ممن أخرج من بني هاشم كرها إلى بدر، فأسر يومئذ، وكان لا مال له، ففداه العباس. ثم هاجر في أول سنة ثمان، ثم عرض له مرض بعد شهوده غزوة مؤتة، فلم يسمع له بذكر في الفتح ولا ما بعدها، وقد أطعمه رسول الله ﷺ بخيبر كل سنة مائة وأربعين وسقا.
وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: أعطي كل نبي سبعة رفقاء نجباء، وأعطيت أنا أربعة عشر، فذكر منهم عقيلا.
وروي من وجوه مرسلة أن رسول الله ﷺ قال لعقيل: يا أبا يزيد إني أحبك حبين، حبا لقرابتك مني، وحبا لحب أبي طالب إياك (٤).
وعن داود بن أبي هند، أن عليا دخل عليه عقيل ومعه كبش فقال: إن أحد الثلاثة أحمق، فقال عقيل: أما أنا وكبشي فلا.
وقال عطاء: رأيت عقيلا شيخا كبيرا غرب (٥) زمزم.
وقال أبو جعفر الباقر: أتى عقيل عليا بالعراق ليعطيه، فأبى، فقال:
стр. 1597
أذهب إلى من هو أوصل منك، فذهب إلى معاوية، فعرف له معاوية قدومه، ثم قال: هذا عقيل وعمه أبو لهب، فقال: هذا معاوية وعمته حمالة الحطب.
وقال غسان بن مضر: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا حميد بن هلال، أن عقيلا سأل عليا فقال: إني محتاج وفقير. فقال: اصبر حتى يخرج عطائي، فألح عليه. فقال لرجل: خذ بيده، فانطلق به إلى الحوانيت، فقل: دق الأقفال وخذ ما في الحوانيت. فقال: تريد أن تتخذني سارقا! قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقا وأعطيك أموال الناس. قال: لآتين معاوية. قال: أنت وذاك، فأتى معاوية، فأعطاه مائة ألف، ثم قال: اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك علي وما أوليتك، قال: فصعد المنبر فحمد الله ثم قال: أيها الناس إني أخبركم أني أردت عليا على دينه، فاختار دينه علي، وأردت معاوية على دينه فاختارني على دينه. فقال معاوية: هذا الذي تزعم قريش أنه أحمق!!.
توفي عقيل في خلافة معاوية (١).
٤٧ - ن ق: عمارة بن حزم، بن زيد بن لوذان الأنصاري النجاري، أبو عبد الله.
أحد من شهد بدرا، ذهب بصره، وبقي إلى خلافة معاوية (٢).
٤٨ - ع: عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن إياس، أبو أمية الضمري.
أسلم بعد أحد، وشهد بئر معونة وما بعدها، وكان من أولي النجدة والشجاعة والإقدام، وبعثه رسول الله ﷺ سرية وحده. وبعثه بكتابه إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام فأسلم.
روى عنه ابناه جعفر، وعبد الله، وابن أخيه الزبرقان بن عبد الله، والشعبي، وأبو سلمة، وأبو قلابة الجرمي. وتوفي بالمدينة، وشهد بدرا مع
стр. 1598
المشركين، وبقي إلى أيام معاوية (١).
٤٩ - ن ق: عمرو بن الحمق الخزاعي.
له صحبة ورواية، وبايع النبي ﷺ في حجة الوداع، وسمع منه. روى عنه رفاعة بن شداد، وجبير بن نفير، وعبد الله بن عامر المعافري.
وقال ابن سعد (٢): كان أحد الرؤوس الذين ساروا إلى عثمان، وقتله ابن أم الحكم بالجزيرة.
وقال خليفة (٣): كان عمرو بن الحمق يوم صفين على خزاعة مع علي.
وعن الشعبي قال: لما قدم زياد الكوفة أثاره عمارة بن عقبة بن أبي معيط فقال: إن عمرو بن الحمق من شيعة علي، فسير إليه يقول: ما هذه الزرافات التي تجتمع عندك! من أرادك أو أردت كلامه ففي المسجد.
وعنه قال: تطلب زياد رؤساء أصحاب حجر، فخرج عمرو إلى الموصل هو ورفاعة بن شداد، فكمنا في جل، فبلغ عامل ذلك الرستاق، فاستنكر شأنهما، فسار إليهما في الخيل، فأما عمرو بن الحمق فكان مريضا، فلم يكن عنده امتناع، وأما رفاعة فكان شابا، فركب وحمل عليهم، فأفرجوا له، ثم طلبته الخيل، وكان راميا فرماهم فانصرفوا، وبعثوا بعمرو إلى عبد الرحمن بن أم الحكم أمير الموصل، فكتب فيه إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: إنه زعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص، ونحن لا نعتدي عليه فاطعنه كذلك، ففعل به ذلك، فمات في الثانية.
وقال أبو إسحاق، عن هنيدة الخزاعي قال: أول رأس أهدي في الإسلام رأس عمرو بن الحمق.
وقال عمار الدهني: أول رأس نقل رأس ابن الحمق، وذلك لأنه لدغ فمات، فخشيت الرسل أن تتهم به، فحزوا رأسه وحملوه.
стр. 1599
قلت: هذا أصح مما مر، فإن ذاك من رواية ابن الكلبي، فالله أعلم هل قتل أو لدغ.
وقال خليفة (١): قتل سنة خمسين (٢).
٥٠ - عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب، أبو عبد الله، وأبو محمد القرشي السهمي.
أسلم في الهدنة وهاجر، واستعمله رسول الله ﷺ على جيش غزوة ذات السلاسل، وفيه أبو بكر وعمر، لخبرته بمكيدة الحرب. ثم ولي الإمرة في غزوة الشام لأبي بكر وعمر. ثم افتتح مصر ووليها لعمر.
وله عدة أحاديث. روى عنه ابناه عبد الله ومحمد، وأبو عثمان النهدي، وقبيصة بن ذؤيب، وعلي بن رباح، وعبد الرحمن بن شماسة، وآخرون.
وقال ابن عبد البر (٣): أسلم عمرو بن العاص في صفر سنة ثمان، وأمره النبي ﷺ على سرية نحو الشام في جمادى الآخرة سنة ثمان فيما ذكره الواقدي إلى السلاسل، ثم أمده النبي ﷺ بمائتي فارس، فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، إلى أن قال: ثم ولي مصر لمعاوية، ومات بها يوم الفطر سنة ثلاث وأربعين على الأصح، فصلى ابنه عليه، ثم رجع فصلى بالناس صلاة العيد، ثم ولي مصر بعده عتبة أخو معاوية، فبقي سنة ومات، فولي مصر مسلمة بن مخلد، انتهى.
وقدم عمرو دمشق رسولا من أبي بكر إلى هرقل، وله بدمشق دار عند سقيفة كردوس، ودار عند باب الجابية، تعرف ببني حجيجة، ودار عند عين الحمى. وأمه عنزية، وكان قصيرا يخضب بالسواد.
قال حماد بن سلمة: عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي
стр. 1600
هريرة قال: قال النبي ﷺ : ابنا العاص مؤمنان، هشام وعمرو (١).
ابن لهيعة عن مشرح، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص. رواه الترمذي (٢).
وقال ابن أبي مليكة: قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: عمرو بن العاص من صالحي قريش. أخرجه الترمذي، وفيه انقطاع (٣).
وقال ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أخبرني سويد بن قيس، عن قيس بن شفي، أن عمرو بن العاص قال: يا رسول الله أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، قال: إن الإسلام والهجرة يجبان ما كان قبلهما، قال: فوالله ما ملأت عيني منه ولا راجعته بما أريد، حتى لحق بالله حياء منه (٤).
وقال الحسن البصري: قال رجل لعمرو بن العاص: أرأيت رجلا مات رسول الله ﷺ وهو يحبه، أليس رجلا صالحا؟ قال: بلى، قال: قد مات رسول الله ﷺ وهو يحبك، وقد استعملك، قال: بلى، فوالله ما أدري أحبا كان لي منه، أو استعانة بي، ولكن سأحدثك برجلين مات وهو
стр. 1601
يحبهما: عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر. فقال الرجل: ذاك قتيلكم يوم صفين. قال: قد والله فعلنا (١).
وروي أن عمرا لما توفي النبي ﷺ كان على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بذلك.
قال ضمرة، عن الليث بن سعد، أن عمر نظر إلى عمرو بن العاص يمشي فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا.
وقال جويرية بن أسماء: حدثني عبد الوهاب بن يحيى بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا أشياخنا أن الفتنة وقعت، وما رجل من قريش له نباهة أعمى فيها من عمرو بن العاص، وما زال معتصما بمكة ليس في شيء مما فيه الناس، حتى كانت وقعة الجمل، فلما فرغت بعث إلى ولديه عبد الله ومحمد فقال: إني قد رأيت رأيا، ولستما باللذين ترداني عن رأيي، ولكن أشيرا علي، إني رأيت العرب صاروا غارين يضطربان، وأنا طارح نفسي بين جزاري مكة، ولست أرضى بهذه المنزلة، فإلى أي الفريقين أعمد؟ قال له عبد الله: إن كنت لا بد فاعلا، فإلى علي. قال: إني إن أتيت عليا قال: إنما أنت رجل من المسلمين، وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه، ويشركني في أمره، فأتى معاوية.
وعن عروة، أو غيره قال: دعا ابنيه، فأشار عليه عبد الله أن يلزم بيته، لأنه أسلم له، فقال له محمد: أنت شريف من أشراف العرب، وناب من أنيابها، لا أرى أن تتخلف، فقال لعبد الله: أما أنت فأشرت علي بما هو خير لي في آخرتي، وأما أنت يا محمد فأشرت علي بما هو أنبه لذكري، ارتحلا. فارتحلوا إلى معاوية، فأتوا رجلا قد عاد المرضى، ومشى بين الأعراض، يقص على أهل الشام غدوة وعشية: يا أهل الشام إنكم على خير وإلى خير، تطلبون بدم خليفة قتل مظلوما، فمن عاش منكم فإلى خير، ومن مات فإلى خير. فقال عبد الله: ما أرى الرجل إلا قد انقطع بالأمر دونك، قال: دعني وإياه، ثم إن عمرا قال: يا معاوية أحرقت كبدي
стр. 1602
بقصصك، أترى أنا خالفنا عليا لفضل منا عليه، لا والله، إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها، وايم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك، أو لأنابذنك، قال: فأعطاه مصر، يعطي أهلها عطاءهم، وما بقي فله.
ويروى أن عليا كتب إلى عمرو يتألفه، فلما أتاه الكتاب أقرأه معاوية وقال: قد ترى، فإما أن ترضيني، وإما أن ألحق به، قال: فما تريد؟ قال: مصر، فجعلها له.
وعن يزيد بن أبي حبيب وغيره، أن الأمر لما صار لمعاوية استكثر طعمة مصر لعمرو، ورأى عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وعنائه، وظن أن معاوية سيزيده الشام مع مصر، فلم يفعل معاوية، فتنكر له عمرو، فاختلفا وتغالظا، فدخل بينهما معاوية بن حديج، فأصلح أمرهما، وكتب بينهما كتابا: أن لعمرو ولاية مصر سبع سنين، وأشهد عليهما شهودا، ثم مضى عمرو إليها سنة تسع وثلاثين، فما مكث نحو ثلاث سنين حتى مات.
ويروى أن عمرا ومعاوية اجتمعا، فقال معاوية له: من الناس؟ قال: أنا، وأنت، والمغيرة بن شعبة، وزياد، قال: وكيف ذاك؟ قال: أما أنت فللتأني، وأما أنا فللبديهة، وأما مغيرة فللمعضلات، وأما زياد فللصغير والكبير، قال: أما ذانك فقد غابا، فهات أنت بديهتك، قال: وتريد ذلك؟ قال: نعم، قال: فأخرج من عندك، فأخرجهم، فقال: يا أمير المؤمنين أسارك، قال: فأدنى منه رأسه، فقال: هذا من ذاك، من معنا في البيت حتى أسارك؟!.
وقال جويرية بن أسماء: إن عمرا قال لابن عباس: يا بني هاشم، أما والله لقد تقلدتم بقتل عثمان قرم الإماء العوارك (١)، أطعتم فساق أهل العراق في عتبة، وأجزرتموه مراق أهل مصر، وآويتم قتلته. فقال ابن عباس: إنما تكلم لمعاوية، وإنما تكلم عن رأيك، وإن أحق الناس أن لا يتكلم في أمر عثمان لأنتما، أما أنت يا معاوية فزينت له ما كان يصنع، حتى إذا حصر طلب منك نصرك، فأبطأت عنه، وأحببت قتله وتربصت به، وأما أنت يا عمرو، فأضرمت المدينة عليه، وهربت إلى فلسطين تسأل عن أبنائه،
стр. 1603
فلما أتاك قتله أضافتك عداوة علي أن لحقت بمعاوية، فبعت دينك منه بمصر، فقال معاوية: حسبك يرحمك الله، عرضني لك عمرو، وعرض نفسه.
وكان عمرو من أفراد الدهر دهاء، وجلادة، وحزما، ورأيا، وفصاحة.
ذكر محمد بن سلام الجمحي: أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى رجلا يتلجلج في كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.
وقال مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر قال: صحبت عمر، فما رأيت رجلا أقرأ لكتاب الله منه، ولا أفقه في دين الله منه، ولا أحسن مداراة منه، وصحبت طلحة بن عبيد الله، فما رأيت رجلا أعطى لجزيل منه من غير مسألة، وصحبت معاوية، فما رأيت أحلم منه، وصحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلا أبين، أو قال أنصع، طرفا منه، ولا أكرم جليسا، ولا أشبه سريرة بعلانية منه، وصحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها.
وقال موسى بن علي بن رباح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرا كان يسرد الصوم، وقلما كان يصيب من العشاء أول الليل أكثر مما كان يأكل من السحر.
وقال عمرو بن دينار: وقع بين المغيرة بن شعبة وبين عمرو بن العاص كلام، فسبه المغيرة، فقال عمرو: يا لهصيص، أيسبني ابن شعبة! فقال عبد الله ابنه: إنا لله، دعوت بدعوى القبائل وقد نهي عنها. فأعتق ثلاثين رقبة.
وقال عمرو بن دينار: أخبرني مولى لعمرو بن العاص، أن عمرا أدخل في تعريش الوهط - وهو بستان له بالطائف - ألف ألف عود، كل عود بدرهم.
وقال يزيد بن أبي حبيب: حدثني عبد الرحمن بن شماسة قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى، فقال له ابنه: لم تبكي، أجزعا من الموت؟! قال: لا والله ولكن ما بعد، قال: قد كنت على خير، فجعل
стр. 1604
يذكره صحبة رسول الله ﷺ وفتوحه الشام، فقال عمرو: تركت أفضل من ذلك كله، شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاث أطباق (١)، ليس منها طبقة إلا عرفت نفسي فيها؛ كنت أول شيء كافرا، وكنت أشد الناس على رسول الله ﷺ فلو مت حينئذ لوجبت لي النار، فلما بايعت رسول الله ﷺ كنت أشد الناس منه حياء، ما ملأت عيني منه، فلو مت حينئذ لقال الناس: هنيئا لعمرو، أسلم على خير، ومات على خير أحواله، ثم تلبست بعد ذلك بأشياء، فلا أدري أعلي أم لي، فإذا أنا مت فلا يبكى علي ولا تتبعوني نارا، وشدوا علي إزاري، فإني مخاصم، فإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها، أستأنس بكم، حتى أعلم ما أراجع رسل ربي.
أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢).
وقال الزهري: عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو؛ أن أباه قال: اللهم أمرت بأمور ونهيت عن أمور، تركنا كثيرا مما أمرت، ووقعنا في كثير مما نهيت، اللهم لا إله إلا أنت. ثم أخذ بإبهامه، فلم يزل يهلل حتى توفي.
وقال أبو فراس مولى عبد الله بن عمرو: إن عمرا توفي ليلة الفطر، فصلى عليه ابنه ودفنه، ثم صلى بالناس صلاة العيد.
قال الليث، والهيثم بن عدي، والواقدي، وابن بكير، وغيرهم: توفي سنة ثلاث وأربعين ليلة عيد الفطر، زاد يحيى بن بكير: وسنه نحو مائة سنة.
وقال أحمد العجلي (٣): وعمره تسع وتسعون سنة.
стр. 1605
وقال ابن نمير: توفي في سنة اثنتين وأربعين.
فائدة: قال الطحاوي: حدثنا المزني، قال: سمعت الشافعي يقول: دخل ابن عباس على عمرو بن العاص وهو مريض فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلا، وأفسدت من ديني كثيرا، فلو كان ما أصلحت هو ما أفسدت لفزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت، فعظني بموعظة أنتفع بها يا ابن أخي. فقال: هيهات يا أبا عبد الله. فقال: اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك، فخذ مني حتى ترضى.
ولعمرو بن العاص ترجمة طويلة في طبقات ابن سعد (١) ثمان عشرة ورقة.
٥١ - عمرو بن معدي كرب بن عبد الله بن عمرو بن عصم بن عمرو بن زبيد، أبو ثور الزبيدي.
له وفادة على النبي ﷺ ، وشهد اليرموك وأبلى بلاء حسنا يوم القادسية. وكان فارسا بطلا ضخما عظيما، أجش الصوت، إذا التفت التفت جميعا، وهو أحد الشجعان المذكورين، وارتد عند وفاة النبي ﷺ ، ثم رجع وحسن إسلامه.
وقيل: كان يأكل أكل جماعة، أكل مرة عنزا رباعيا وثلاثة آصع ذرة.
وقال جويرية بن أسماء: شهد صفين غير واحد أبناء خمسين ومائة سنة، منهم عمرو بن معدي كرب.
توفي عمرو هذا في إمرة معاوية (٢).
٥٢ - ت: عمير بن سعد بن شهيد بن قيس الأنصاري الأوسي، صاحب رسول الله ﷺ .
كان من زهاد الصحابة وفضلائهم، روى عنه ابنه محمود، وكثير بن مرة، وأبو إدريس الخولاني، وراشد بن سعد، وغيرهم.
стр. 1606
وكان يقال له: نسيج وحده، واستعمله عمر على حمص.
ووهم ابن سعد فقال (١): إنه عمير بن سعد بن عبيد، وإنما هو ابن عم أبيه.
وقال عبد الصمد بن سعيد. ولي حمص بعد سعيد بن عامر بن حذيم.
وعن الزهري قال: فبقي على إمرة حمص حتى قتل عمر، ثم نزعه عثمان.
وقال عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمير بن سعد قال: قال لي ابن عمر: ما كان في المسلمين رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أفضل من أبيك.
وقال ابن سيرين: إن عمر من عجبه بعمير بن سعد كان يسميه: نسيج وحده.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الواحد البخاري سنة اثنتين وعشرين وستمائة، قال: أخبرنا أبو الكرم علي بن عبد الكريم بهمذان، قال: أخبرنا أبو غالب أحمد بن محمد المقرئ سنة ست وخمسمائة، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن شبابة، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن عبيد الأسدي، قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، قال: أخبرنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز أنه بلغه أن الحسن بن أبي الحسن قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ بعث عمير بن سعد أميرا على حمص، فأقام بها حولا، فأرسل إليه عمر وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد، السلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وقد كنا وليناك شيئا من أمر المسلمين، فلا أدري ما صنعت، أوفيت بعهدنا، أم خنتنا، فإذا أتاك كتابي هذا - إن شاء الله تعالى - فاحمل إلينا ما قبلك من فيء المسلمين، ثم أقبل، والسلام عليك. قال: فأقبل عمير ماشيا من حمص، وبيده عكازة،
стр. 1607
وإداوة، وقصعة، وجراب، شاحبا، كثير الشعر، فلما قدم على عمر قال له: يا عمير، ما هذا الذي أرى من سوء حالك، أكانت البلاد بلاد سوء، أم هذه منك خديعة؟ قال عمير: يا عمر بن الخطاب ألم ينهك الله عن التجسس وسوء الظن؟ ألست تراني طاهر الدم، صحيح البدن ومعي الدنيا بقرابها! قال عمر: ما معك من الدنيا؟ قال: مزودي أجعل فيه طعامي، وقصعة آكل فيها، ومعي عكازتي هذه أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوا إن لقيته، وأقتل بها حية إن لقيتها. فما بقي من الدنيا! قال: صدقت، فأخبرني ما حال من خلفت من المسلمين. قال: يصلون ويوحدون، وقد نهى الله أن نسأل عما وراء ذلك. قال: ما صنع أهل العهد؟ قال عمير: أخذنا منهم الجزية عن يد وهم صاغرون. قال: فما صنعت بما أخذت منهم؟ قال: وما أنت وذاك يا عمر! أرسلتني أمينا، فنظرت لنفسي، وايم الله لولا أني أكره أن أغمك لم أحدثك يا أمير المؤمنين، قدمت بلاد الشام، فدعوت المسلمين، وأمرتهم بما حق لهم علي فيما افترض الله تعالى عليهم، ودعوت أهل العهد، فجعلت عليهم من يجبيهم، فأخذناه منهم، ثم رددناه على فقرائهم ومجهوديهم، ولم ينلك من ذلك شيء، فلو نالك بلغناكه. قال عمر: سبحان الله، ما كان فيهم رجل يتبرع عليك بخير ويحملك على دابة، جئت تمشي، بئس المعاهدون فارقت، وبئس المسلمون، أما والله لقد سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: لتوطأن حرمهم وليجارن عليهم في حكمهم، وليستأثرن عليهم بفيئهم، وليلينهم رجال إن تكلموا قتلوهم، وإن سكتوا اجتاحوهم. فقال عمير: ما لك يا عمر تفرح بسفك دمائهم وانتهاك محارمهم! قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. ثم إن عمر قال: هاتوا صحيفة لنجدد لعمير عهدا، قال عمير: والله لا أعمل لك، اتق الله يا أمير المؤمنين واعفني بغيري.
وذكر حديثا طويلا منكرا. وروي نحوه، عن هارون بن عنترة، عن أبيه.
стр. 1608
قال المفضل الغلابي: زهاد الأنصار ثلاثة: أبو الدرداء، وشداد بن أوس، وعمير بن سعد، ﵃ (١).
٥٣ - م ٤: عنبسة بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي، أبو عامر، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو الوليد.
روى عن أخته أم المؤمنين أم حبيبة. وعنه مكحول، وعمرو بن أوس، وشهر بن حوشب، وأبو صالح السمان، والقاسم أبو عبد الرحمن، وعطاء بن أبي رباح.
ولعله بقي إلى بعد هذا الزمان، لكنه حج بالناس في سنة سبع وأربعين (٢).
٥٤ - د ت ن: قيس بن عاصم بن سنان التميمي السعدي المنقري.
قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني تميم، فأسلم، وكان عاقلا حليما كريما جوادا شريفا.
قال النبي ﷺ : هذا سيد أهل الوبر (٣).
يروى أن الأحنف بن قيس قيل له: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم.
ويقال: إن قيسا كان ممن حرم على نفسه في الجاهلية شرب الخمر.
روى عنه الأحنف، والحسن البصري، وشعبة بن التوأم، وابنه حكيم بن قيس، وحفيده خليفة بن حصين. يكنى أبا علي، ويقال: كنيته أبو طلحة، وقيل: أبو قبيصة. نزل البصرة، وتوفي عن اثنين وثلاثين ذكرا من أولاده وأولادهم. حديثه في السنن.
стр. 1609
٥٥ - ع: كعب بن مالك بن عمرو بن القين الأنصاري الخزرجي السلمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن.
شاعر رسول الله ﷺ ، وأحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، شهد العقبة وأحدا، وحديثه في تخلفه عن غزوة تبوك في الصحيحين (١).
روى عنه بنوه عبد الرحمن، وعبد الله، وعبيد الله، ومحمد، وابن عباس، وعمر بن الحكم، وعمر بن كثير بن أفلح، وحفيده عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب.
ويروى أن النبي ﷺ آخى بين طلحة وكعب بن مالك، وقيل: بل آخى بين كعب والزبير بن العوام؛ قاله عروة.
وفي مغازي الواقدي (٢): إن كعبا قاتل يوم أحد قتالا شديدا، حتى جرح سبعة عشر جرحا.
وقال ابن سيرين: كان شعراء الصحابة: عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك.
وقال عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله، قد أنزل الله في الشعراء ما أنزل، قال: إن المجاهد يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده ترمونهم به نضح النبل (٣).
قال ابن سيرين: أما كعب فكان يذكر الحرب ويقول: فعلنا ونفعل ويتهددهم. وأما حسان فكان يذكر عيوبهم وأيامهم. وأما ابن رواحة فكان يعيرهم بالكفر.
وقد أسلمت دوس فرقا من بيت قاله كعب:
نخيرها ولو نطقت لقالت … قواطعهن دوسا أو ثقيفا
وعن ابن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال لكعب بن مالك:
стр. 1610
ما نسي ربك، وما كان نسيا، بيتا قلته. قال: ما هو؟ قال: أنشده يا أبا بكر، فقال:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها … وليغلبن مغالب الغلاب (١)
عن الهيثم والمدائني أن كعبا مات سنة أربعين، وروى الواقدي: أنه مات سنة خمسين. وعن الهيثم بن عدي أيضا: أنه توفي سنة إحدى وخمسين.
٥٦ - لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل الهوازني العامري.
الشاعر المشهور، الذي له (٢):
ألا كل شيء ما خلا الله باطل … وكل نعيم لا محالة زائل
وفد على النبي ﷺ فأسلم وحسن إسلامه. قال النبي ﷺ : أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل (٣)
يقال: إن لبيدا عاش مائة وخمسين (٤) سنة، وقيل: إنه لم يقل شعرا بعد إسلامه، وقال: أبدلني الله به القرآن.
ويقال: قال بيتا واحدا وهو:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه … والمرء يصلحه القرين الصالح
وكان أحد أشراف قومه، نزل الكوفة، وكان لا تهب الصبا إلا نحر وأطعم. وكان قد اعتزل الفتن.
وقيل: إنه لم يبق إلى هذا الوقت، بل توفي في إمرة عثمان. وقيل مات يوم دخل معاوية الكوفة.
стр. 1611
وقال ابن أبي الزناد: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: رويت للبيد اثني عشر ألف بيت من الشعر.
وللبيد:
ولقد سئمت من الحياة … وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد (١)
٥٧ - ع: محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة ؛ ويقال: محمد بن مسلمة بن سلمة بن حريش الأشهلي الأنصاري، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سعيد.
شهد بدرا والمشاهد بعدها، وروي أن النبي ﷺ استخلفه على المدينة مرة. وكان رجلا طويلا، معتدلا، أسمر، أصلع، عاش سبعا وسبعين سنة، وهو حارثي من حلفاء بني عبد الأشهل.
روى عنه ابنه محمود، وسهل بن أبي حثمة، وقبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزبير، وأبو بردة بن أبي موسى، وآخرون. وكان على مقدمة عمر في قدومه إلى الجابية.
وقال ابن سعد (٢): آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة، واستخلفه في غزوة تبوك على المدينة.
قلت: وكان ممن اعتزل الفتنة.
قال علي بن زيد، عن أبي بردة: مررنا بالربذة فإذا فسطاط محمد بن مسلمة، فقلت: لو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت، فقال: قال لي رسول الله ﷺ : ستكون فرقة وفتنة واختلاف، فاكسر سيفك، واقطع وترك، واجلس في بيتك، ففعلت ما أمرني به (٣).
وقال أبو بردة، عن رجل (٤) قال: قال حذيفة: إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة، فإذا فسطاط مضروب لما أتينا المدينة، وإذا محمد بن مسلمة،
стр. 1612
فسألناه فقال: لا يشتمل على شيء من أمصاركم حتى ينجلي الأمر.
وقال عباية بن رفاعة: كان محمد بن مسلمة أسود طويلا عظيما.
وقال ابن عيينة: عن موسى بن أبي عيسى قال: أتى عمر بن الخطاب مشربة (١) بني حارثة، فإذا محمد بن مسلمة، فقال له عمر: كيف تراني؟ قال: أراك كما أحب، وكما يحب من يحب لك الخير، أراك قويا على جمع المال، عفيفا عنه، عدلا في قسمته، ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف. فقال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني.
وعن جابر قال: بعثنا عثمان في خمسين راكبا، أميرنا محمد بن مسلمة نكلم الذين جاؤوا من مصر في فتنة، فاستقبلنا رجل منهم، وفي يده مصحف، متقلدا سيفا تذرف عيناه، فقال: ها إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا، فقال محمد بن مسلمة: اسكت، فنحن ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك، وقبل أن تولد.
وعن زيد بن أسلم، أن محمد بن مسلمة، قال: أعطاني رسول الله ﷺ سيفا فقال: جاهد في سبيل الله، حتى إذا رأيت من المسلمين فئتين يقتتلان، فاضرب به الحجر حتى تكسره، ثم كف لسانك ويدك حتى تأتيك منية قاضية، أو يد خاطئة. فلما قتل عثمان خرج إلى صخرة، فضربها بسيفه حتى كسره (٢).
وقال إسحاق بن أبي فروة: كان محمد يقال له: حارس نبي الله ﷺ ، فلما كسر سيفه اتخذ سيفا من خشب، وصيره في الجفن في داره وقال: علقته أهيب به ذاعرا.
وقال محمد بن مصفى: حدثنا يحيى بن سعيد، عن موسى بن وردان، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: قدم معاوية ومعه أهل الشام، يعني إن شاء الله: إلى المدينة، فبلغ رجلا شقيا من أهل الأردن جلوس محمد بن مسلمة عن علي ومعاوية، فاقتحم عليه المنزل فقتله.
стр. 1613
وقال يحيى بن بكير، وإبراهيم بن المنذر، وابن نمير، وخليفة: توفي سنة ثلاث وأربعين في صفر، ﵁، ومن قال سنة ست فقد غلط (١).
٥٨ - مدلاج بن عمرو، حليف بني عبد شمس.
شهد بدرا، وتوفي سنة خمسين. وبعضهم يقول: مدلج بن عمرو، حليف لبني غنم بن ذودان، والله أعلم (٢).
٥٩ - المستورد بن شداد، القرشي الفهري.
يقال: توفي سنة خمسين. سيأتي (٣)، وهو صحابي مشهور. روى عنه قيس بن أبي حازم، وغيره (٤).
٦٠ - معقل بن قيس، الرياحي.
توفي سنة اثنتين وأربعين. لا أعرفه، وليست له صحبة.
٦١ - د ن ق: معقل بن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن أبي معقل، ويقال: معقل بن أم معقل، الأسدي، حليف لهم.
له صحبة، حديثه في فضل العمرة في رمضان (٥)، وفي النهي عن التغوط إلى القبلة (٦).
عداده في أهل المدينة. روى عنه: مولاه أبو زيد، وأم معقل، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وتوفي في أيام معاوية (٧).
٦٢ - ع: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب الثقفي، أبو عيسى، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد.
стр. 1614
صحابي مشهور، كان رجلا طوالا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل: يوم القادسية.
وروى المغيرة بن الريان، عن الزهري، قال: قالت عائشة: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام المغيرة بن شعبة ينظر إليها، فذهبت عينه.
وقال ابن سعد (١): كان المغيرة أصهب الشعر جدا (٢)، يفرق رأسه فروقا أربعة، أقلص الشفتين، مهتوما، ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين. قال: وكان داهية، يقال له: مغيرة الرأي.
وعن الشعبي: أن المغيرة سار من دمشق إلى الكوفة خمسا.
وقال الواقدي (٣): حدثني محمد بن سعيد الثقفي وجماعة، قالوا: قال المغيرة: كنا قوما متمسكين بديننا، ونحن سدنة اللات، فأراني لو رأيت قومنا قد أسلموا ما تبعتهم، فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المقوقس، وإهداء هدايا له، فأجمعت الخروج معهم، فاستشرت عمي عروة بن مسعود، فنهاني وقال: ليس معك من بني أبيك أحد، فأبيت وخرجت معهم، وما معهم من الأحلاف غيري، حتى دخلنا الإسكندرية، فإذا المقوقس في مجلس مطل على البحر، فركبت زورقا حتى حاذيت مجلسه، فنظر إلي فأنكرني، وأمر من يسألني، فأخبرته بأمرنا وقدومنا، فأمر أن ننزل في الكنيسة، وأجرى علينا ضيافة، ثم أدخلنا عليه، فنظر إلى رأس بني مالك، فأدناه وأجلسه معه، ثم سأله عن القوم: أكلهم من بني مالك؟ قال: نعم، إلا هذا، قال: فكنت أهون القوم عليه، وسر بهداياهم، وأعطاهم الجوائز، وأعطاني شيئا يسيرا، وخرجنا، فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم وهم مسرورون، لم يعرض علي رجل منهم مواساة، وخرجوا وحملوا معهم الخمر، فكانوا يشربون وأشرب معهم وتأبى نفسي أن تدعني ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا، ويخبرون قومي بكرامتهم على الملك، وتقصيره بي وازدرائه إياي، فأجمعت على قتلهم، فتمارضت وعصبت رأسي، فوضعوا شرابهم، فقلت: رأسي يصدع، ولكني أجلس وأسقيكم،
стр. 1615
فجعلت أصرف لهم، يعني لا أمزج (١)، وأترع الكأس، فيشربون ولا يدرون، حتى ناموا سكرا، ما يعقلون، فوثبت وقتلتهم جميعا، وأخذت ما معهم، فقدمت على النبي ﷺ ، فأجده جالسا في المسجد، وعلي ثياب سفري، فسلمت، فعرفني أبو بكر، فقال رسول الله ﷺ : الحمد لله الذي هداك للإسلام، فقال أبو بكر: أمن مصر أقبلتم؟ قلت: نعم، قال: فما فعل المالكيون؟ قلت: قتلتهم وجئت بأسلابهم إلى رسول الله ليخمسها، فقال رسول الله ﷺ : أما إسلامك فنقبله، وأما أموالهم فلا آخذ منها شيئا، هذا غدر، ولا خير في الغدر، قال: فأخذني ما قرب وما بعد، وقلت: يا رسول الله إنما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثم أسلمت حيث دخلت عليك الساعة، قال: فإن الإسلام يجب ما قبله. قال: وكان قد قتل (٢) ثلاثة عشر نفسا، فبلغ ذلك أهل الطائف، فتداعوا للقتال، ثم اصطلحوا، على أن تحمل عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية.
قال المغيرة: وأقمت مع رسول الله ﷺ حتى كانت الحديبية سنة ست، فخرجت معه، وكنت أكون مع أبي بكر، وألزم رسول الله ﷺ فيمن يلزمه، فبعثت قريش عروة بن مسعود في الصلح، فأتاه فكلمه، وجعل يمس لحيته، وأنا قائم على رأسه مقنع في الحديد، فقلت لعروة: كف يدك قبل أن لا تصل إليك، فقال: من هذا يا محمد، فما أفظه وأغلظه؟! فقال: هذا ابن أخيك المغيرة، فقال: يا غدر والله ما غسلت عني سوءتك إلا بالأمس.
روى عنه بنوه: عروة، وحمزة، وعقار، والمسور بن مخرمة، وأبو أمامة، وقيس بن أبي حازم، ومسروق، وأبو وائل، والشعبي، وعروة بن الزبير، وزياد بن علاقة، وغيرهم.
وروى الشعبي، عن المغيرة، قال: أنا آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ ، لما دفن خرج علي من القبر، ألقيت خاتمي وقلت: يا أبا حسن خاتمي، قال: انزل فخذه، قال: فنزلت فمسحت يدي على الكفن، ثم خرجت.