قال الزهري: استخلف عثمان، فنزع عمير بن سعد، وجمع الشام لمعاوية.
وقال مسلم بن جندب، عن أسلم مولى عمر، قال: قدم علينا معاوية، وهو أبض الناس وأجملهم، فحج مع عمر، وكان عمر ينظر إليه، فيعجب له، ثم يضع إصبعه على متنه ويرفعها، عن مثل الشراك. ويقول: بخ بخ، نحن إذا خير الناس، أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين سأحدثك: إنا بأرض الحمامات والريف، فقال عمر: سأحدثك، ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام، وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك، وذوو الحاجات وراء الباب، قال: فلما جئنا ذا طوى، أخرج معاوية حلة، فلبسها، فوجد عمر منها ريحا طيبة، فقال: يعمد أحدكم يخرج حاجا تفلا، حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فيلبسهما، فقال: إنما لبستهما لأدخل فيهما على عشيرتي، والله لقد بلغني أذاك ها هنا وبالشام، والله يعلم إني لقد عرفت الحياء فيه، ونزع معاوية الثوبين، ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما.
وقال أبو الحسن المدائني: كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب.
وروى ابن أبي ذئب، عن المقبري، قال: تعجبون من دهاء هرقل وكسرى، وتدعون معاوية!.
وقال مجالد، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: لا تكرهوا إمرة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها.
وروى علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، قالت: قدم معاوية المدينة، فأرسل إلى عائشة: أرسلي إلي بأنبجانية رسول الله ﷺ وشعره، فأرسلت بذلك معي أحمله، فأخذ الأنبجانية، فلبسها، وغسل الشعر بماء، فشرب منه، وأفاض على جلده.
وروى أبو بكر الهذلي، عن الشعبي، قال: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة، تلقته رجال قريش فقالوا: الحمد لله الذي أعز نصرك وأعلى أمرك، فما رد عليهم جوابا، حتى دخل المدينة، فعلا المنبر، ثم حمد الله.
стр. 1717
وقال: أما بعد، فإني، والله، ما وليت أمركم حين وليته، إلا وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي، ولا تحبونها، وإني لعالم بما في نفوسكم، ولكن خالستكم بسيفي هذا مخالسة، ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبي قحافة، فلم أجدها تقوم بذلك، وأردتها على عمل عمر، فكانت عنه أشد نفورا، وحاولتها على مثل سنيات عثمان فأبت علي، فأين مثل هؤلاء، هيهات أن يدرك فضلهم أحد من بعدهم، غير أني قد سلكت بها طريقا لي فيه منفعة، ولكم فيه مثل ذلك، ولكل فيه مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة ما استقامت السيرة، وحسنت الطاعة، فإن لم تجدوني خيركم، فأنا خير لكم، والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه، ومهما تقدم مما علمتموه، فقد جعلته دبر أذني، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله، فارضوا مني ببعضه، فإنها ليست بقائبة قوبها (١)، وإن السيل إذا جاء تترى، وإن قل أغنى، وإياكم والفتنة، فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة، وتكدر النعمة، وتورث الاستئصال، وأستغفر الله لي ولكم، ثم نزل.
وقال جندل بن والق وغيره: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه (٢).
مجالد ضعيف. وقد رواه الناس عن علي بن زيد بن جدعان، وليس بالقوي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره.
ويروى عن أبي بكر بن أبي داود، قال: هو معاوية بن تابوه رأس المنافقين، حلف أن يتغوط فوق المنبر.
وقال بسر بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: ما رأيت أحدا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب، يعني معاوية.
وقال أبو بكر بن أبي مريم، عن ثابت مولى أبي سفيان: إنه سمع معاوية يخطب ويقول: إني لست بخيركم، وإن فيكم من هو خير مني؛ عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما من الأفاضل، ولكني عسيت
стр. 1718
أن أكون أنكاكم في عدوكم، وأنعمكم لكم ولاية، وأحسنكم خلقا.
وقال همام بن منبه: سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت رجلا كان أخلق للملك من معاوية، كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب، لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب. يعني ابن الزبير.
وقال جبلة بن سحيم، عن ابن عمر: ما رأيت أحدا أسود من معاوية، قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرا منه، وكان معاوية أسود منه.
وقال أيوب، عن أبي قلابة: إن كعب الأحبار، قال: لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية.
قلت: توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية، وصدق كعب فيما نقله، فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة، لا ينازعه أحد الأمر في الأرض، بخلاف خلافة عبد الملك بن مروان، وأبي جعفر المنصور، وهارون الرشيد، وغيرهم، فإنهم كان لهم مخالف، وخرج عن أمرهم بعض الممالك.
قال سويد بن سعيد: حدثنا ضمام بن إسماعيل بالإسكندرية: سمعت أبا قبيل حيي بن هانئ يخبر عن معاوية، وصعد المنبر يوم الجمعة، فقال عند خطبته: أيها الناس، إن المال مالنا، والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا، فلم يجبه أحد، فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل ذلك، فلم يجبه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل فقال: كلا، إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حكمناه إلى الله بأسيافنا. فنزل معاوية، فأرسل إلى الرجل، فأدخل عليه، فقال القوم: هلك، ففتح معاوية الأبواب، ودخل الناس، فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال: إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ستكون أئمة من بعدي. يقولون فلا يرد عليهم قولهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة، وإني تكلمت فلم يرد علي أحد، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت الثانية، فلم يرد علي أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم، ثم تكلمت الجمعة الثالثة، فقام هذا فرد علي فأحياني أحياه الله، فرجوت أن يخرجني الله منهم، فأعطاه وأجازه. هذا حديث حسن.
стр. 1719
محمد بن مصفى: حدثنا بقية، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان قال: وفد المقدام بن معدي كرب، وعمرو بن الأسود، ورجل من الأسد له صحبة إلى معاوية، فقال معاوية للمقدام: توفي الحسن، فاسترجع، فقال: أتراها مصيبة؟ قال: ولم لا، وقد وضعه رسول الله ﷺ في حجره وقال: هذا مني وحسين من علي. فقال للأسدي: ما تقول أنت؟ قال: جمرة أطفئت، فقال المقدام: أنشدك الله هل سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن لبس الذهب والحرير، وعن جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم، قال: فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك، فقال معاوية: عرفت أني لا أنجو منك (١).
قلت: وكان يضرب المثل بحلم معاوية، وقد أفرد ابن أبي الدنيا، وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفا في حلم معاوية.
قال ابن عون: كان الرجل يقول لمعاوية: والله لتستقيمن بنا يا معاوية أو لنقومنك، فيقول: بماذا؟ فيقولون: بالخشب (٢)، فيقول: إذا نستقيم.
وعن قبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية، فما رأيت رجلا أثقل حلما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعد أناة منه.
وقال جرير، عن مغيرة، قال: أرسل الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه، فبعث إليهما بمائة ألف، فبلغ عليا ﵁، فقال لهما: ألا تستحيان، رجل نطعن فيه غدوة وعشية، تسألانه المال! قالا: لأنك حرمتنا وجاد لنا.
وقال مالك: إن معاوية نتف الشيب كذا وكذا سنة، وكان يخرج إلى الصلاة ورداؤه يحمل، فإذا دخل مصلاه جعل عليه، وذلك من الكبر.
وذكر غيره: إن معاوية أصابته اللقوة قبل أن يموت، وكان اطلع في بئر عادية (٣) بالأبواء لما حج، فأصابته لقوة، يعني بطل نصفه.
المدائني: عن أبي عبيد الله، عن عبادة بن نسي، قال: خطب معاوية
стр. 1720
فقال: إني من زرع، قد استحصد، وقد طالت إمرتي عليكم، حتى مللتكم ومللتموني، ولا يأتيكم بعدي خير مني كما أن من كان قبلي خير مني، اللهم قد أحببت لقاءك، فأحبب لقائي.
الواقدي: حدثنا ابن أبي سبرة، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى قال: قال معاوية ليزيد وهو يوصيه: اتق الله، فقد وطأت لك الأمر، ووليت من ذلك ما وليت، فإن يك خيرا، فأنا أسعد به، وإن كان غير ذلك، شقيت به، فارفق بالناس، وإياك وجبه أهل الشرف والتكبر عليهم. في كلام طويل، أورده ابن سعد.
وروى يحيى بن معين، عن عباس بن الوليد النرسي، وهو من أقرانه، عن رجل، أن معاوية قال ليزيد: إن أخوف ما أخاف شيئا عملته في أمرك، شهدت رسول الله ﷺ قلم يوما أظفاره، وأخذ من شعره، فجمعت ذلك، فإذا مت فاحش به فمي وأنفي.
وروى عبد الأعلى بن ميمون بن مهران، عن أبيه: أن معاوية قال في مرضه: كنت أوضئ رسول الله ﷺ يوما، فنزع قميصه وكسانيه، فرفعته، وخبأت قلامة أظفاره في قارورة، فإذا مت فاجعلوا القميص على جلدي، واسحقوا تلك القلامة واجعلوها في عيني، فعسى (١).
حميد بن هلال، عن أبي بردة بن أبي موسى قال: دخلت على معاوية حين أصابته قرحته فقال: هلم ابن أخي، تحول فانظر، فنظرت، فإذا هي قد سرت.
وعن الشعبي قال: أول من خطب الناس قاعدا معاوية، وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه.
وعن ابن سيرين قال: أخذت معاوية قرة (٢)، فاتخذ لحفا خفافا تلقى عليه، فلا يلبث أن يتأذى بها، فإذا أخذت عنه، سأل أن ترد عليه، فقال:
стр. 1721
قبحك الله من دار، مكثت فيك عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، ثم صرت إلى ما أرى!.
وقال أبو عمرو بن العلاء: لما حضرت معاوية الوفاة قيل له: ألا توصي؟ فقال:
هو الموت لا منجى من الموت والذي … نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فما وراءك مذهب.
وقال أبو مسهر: صلى الضحاك بن قيس الفهري على معاوية، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير فيما بلغني.
وقال أبو معشر وغيره: مات معاوية في رجب سنة ستين، وقيل: إنه عاش سبعا وسبعين سنة (١).
٩٦ - ع: ميمونة بنت الحارث، أم المؤمنين الهلالية.
تزوجها رسول الله ﷺ سنة سبع.
روى عنها مولياها عطاء وسليمان ابنا يسار، وابن أختها يزيد بن الأصم، وكريب مولى ابن عباس، وابن أختها عبد الله بن عباس، وابن أختها عبد الله بن شداد بن الهاد، وعبيد بن السباق، وجماعة.
وكانت قبل النبي ﷺ عند أبي رهم بن عبد العزى العامري، فتأيمت منه، فخطبها رسول الله ﷺ ، فجعلت أمرها إلى العباس، فزوجها منه، وبنى بها بسرف بطريق مكة، لما رجع من عمرة القضاء.
وهي أخت لبابة الكبرى زوجة العباس، ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، وأخت أسماء بنت عميس لأمها، وأخت زينب بنت خزيمة أيضا لأمها.
روى محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس قال: كان اسم ميمونة برة، فسماها النبي ﷺ ميمونة (٢).
стр. 1722
وقيل: إنها لما ماتت صلى عليها ابن عباس ودخل قبرها، وهي خالته.
ابن علية: حدثنا أيوب، عن ميمون بن مهران قال: أمرني عمر بن عبد العزيز، فسألت يزيد بن الأصم عن نكاح ميمونة، فقال: نكحها رسول الله ﷺ حلالا بسرف، وبنى بها حلالا بسرف، وماتت بسرف، فذاك قبرها تحت السقيفة (١).
وروى زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ميمونة: أن رسول الله ﷺ سئل عن الجبن فقال: اقطع بالسكين وسم الله وكل.
قال إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : الأخوات الأربع ميمونة؛ وأم الفضل، وسلمى، وأسماء بنت عميس، أختهن لأمهن مؤمنات، أخرجه النسائي (٢).
قال الواقدي: توفيت سنة إحدى وستين، وهي آخر من مات من أمهات المؤمنين.
وقال خليفة (٣): توفيت سنة إحدى وخمسين.
وقيل: إنها ماتت أيضا بسرف، ووهم من قال: إنها ماتت سنة ثلاث وستين (٤).
٩٧ - ٤: ميمونة بنت سعيد، أو سعد، خادم النبي ﷺ .
لها صحبة ورواية.
روى عنها أيوب بن خالد، وزياد بن أبي سودة، وعثمان بن أبي سودة، وأبو يزيد الضبي، وطارق بن عبد الرحمن القرشي،
стр. 1723
وغيرهم (١).
٩٨ - م ٤: هشام بن عامر الأنصاري.
له صحبة ورواية، نزل البصرة، واستشهد أبوه يوم أحد.
روى عنه سعد بن هشام، ومعاذة العدوية، وأبو قتادة العدوي، وأبو الدهماء العدوي، وحميد بن هلال (٢).
٩٩ - هند بن حارثة الأسلمي المدني، أخو أسماء.
قال الواقدي: قال أبو هريرة: ما كنت أرى أسماء وهندا إلا خادمين لرسول الله ﷺ ، من طول لزومهما بابه، وخدمتهما إياه.
وقال غيره: كانا من أصحاب الصفة، ولهما إخوة.
توفي هند في خلافة معاوية (٣).
١٠٠ - د ت ق: وابصة بن معبد بن عتبة الأسدي، أسد خزيمة.
وفد على رسول الله ﷺ سنة تسع في عشرة من رهطه، فأسلموا ورجعوا إلى أرضهم، ثم نزل وابصة الجزيرة، وسكن الرقة، وله بدمشق دار.
روى عن النبي ﷺ ، وعن ابن مسعود، وخريم بن فاتك.
وعنه زر بن حبيش، والشعبي، وعمرو بن راشد، وهلال بن يساف، وابنه عمر بن وابصة، وجماعة.
وقبره بالرقة عند الجامع، وكنيته: أبو سالم (٤).
١٠١ - يزيد بن شجرة الرهاوي، و (رُها) بالضم قبيلة من مذحج.
روى عنه مجاهد، وله صحبة ورواية، وكان متألها متوقيا.
وروى عنه أيضا أبو الزاهرية، وأرسل عنه الزهري. وقد روى هو أيضا عن أبي عبيدة بن الجراح، ونزل الشام. وكان معاوية يستعمله على الغزو، وسيره مرة يقيم للناس الحج.
стр. 1724
استشهد يزيد وأصحابه في غزو البحر، وقيل: بالروم سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين.
زائدة، عن منصور، عن مجاهد قال: كان يزيد بن شجرة ممن يذكرنا فيبكي، وكان يصدق بكاءه بفعله.
وقال الأعمش، عن مجاهد: خطبنا يزيد بن شجرة الرهاوي، وكان معاوية استعمله على الجيوش (١).
والرهاوي قيده عبد الغني بالفتح (٢)، فخطأه ابن ماكولا (٣).
١٠٢ - ع: يعلى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي المكي، حليف قريش.
وهو يعلى بن منية بنت غزوان، أخت عتبة بن غزوان. أسلم يوم الفتح، وشهد الطائف وتبوكا، وروى عن النبي ﷺ ، وعن عمر.
وعنه بنوه محمد، وصفوان، وعثمان، وأخوه عبد الرحمن، وابن أخيه صفوان بن عبد الله، وعكرمة، وعبد الله بن بابيه، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وآخرون.
قال ابن سعد: كان يعلى يفتي بمكة.
وقيل: إنه عمل لعمر على نجران، وله أخبار في السخاء.
وقال زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار قال: كان أول من ورخ الكتب يعلى بن أمية، وهو باليمن.
قلت: كان قد ولي صنعاء لعثمان، وكان يعلى ممن شهد مع عائشة يوم الجمل، وأنفق أموالا عظيمة في ذلك الجيش، فلما هزم الناس هرب يعلى، وبقي إلى أواخر خلافة معاوية.
وقيل: قتل بصفين مع علي، والله أعلم.
أبو عاصم النبيل: عن عبد الله بن أمية، عن محمد بن حيي، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : البحر من جهنم.
стр. 1725
فقيل له في ذلك، فقال: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ والله لا أدخله، ولا يصيبني منه قطرة حتى أعرض على الله (١). قال أبو عاصم: حلف على غيب، وهو ممن أعان على علي ﵁ (٢).
١٠٣ - ت ن ق: يعلى بن مرة بن وهب الثقفي، ويقال: العامري، واسم أمه سيابة.
شهد الحديبية وخيبر، وله أحاديث، وسكن العراق.
روى عنه ابناه عثمان، وعبد الله، وعبد الله بن حفص بن أبي عقيل الثقفي، وراشد بن سعد، وأبو البختري.
وأرسل عنه المنهال بن عمرو، ويونس بن خباب، وعطاء بن السائب. وكان فاضلا (٣).
١٠٤ - أبو أروى الدوسي.
له صحبة ورواية، وكان من شيعة عثمان، نزل ذا الحليفة. وقد روى عن أبي بكر أيضا.
روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو واقد صالح بن محمد بن زيادة المدني؛ فروى وهيب، عن أبي واقد، عنه، قال: كنت أصلي العصر مع رسول الله ﷺ ، ثم آتي الشجرة قبل غروب الشمس.
١٠٥ - ع: أبو أيوب الأنصاري اسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار، الخزرجي، النجاري، المالكي، المدني.
شهد بدرا والعقبة، وعليه نزل رسول الله ﷺ لما قدم المدينة، فبقي في داره شهرا حتى بنيت حجره ومسجده.
وكان من نجباء الصحابة، وروى أيضا عن: أبي.
وعنه مولاه أفلح، والبراء بن عازب، وسعيد بن المسيب، وعروة، وعطاء بن يزيد، وموسى بن طلحة، وآخرون.
روى إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن حبيب بن أبي ثابت، أن أبا أيوب الأنصاري وفد على ابن عباس بالبصرة، ففرغ ابن عباس
стр. 1726
له داره وقال: لأصنعن بك ما صنعت برسول الله ﷺ ، كم عليك من الدين؟ قال: عشرون ألفا، فأعطاه أربعين ألفا، وعشرين مملوكا وقال: لك ما في البيت كله.
وقد شهد أبو أيوب الجمل وصفين مع علي، وكان من خاصته، وكان على مقدمته يوم النهروان، ثم إنه غزا الروم مع يزيد بن معاوية ابتغاء ما عند الله، فتوفي عند القسطنطينية، فدفن هناك، وأمر يزيد بالخيل، فمرت على قبره حتى عفت أثره لئلا ينبش، ثم إن الروم عرفوا مكان قبره، فكانوا إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فمطروا، وقبره تجاه سور القسطنطينية.
توفي سنة إحدى وخمسين، أو في آخر سنة خمسين، ووهم من قال: توفي سنة اثنتين وخمسين (١).
١٠٦ - ع: أبو برزة الأسلمي اسمه نضلة بن عبيد، صاحب رسول الله ﷺ .
قيل: إنه قتل ابن خطل يوم الفتح، وهو تحت أستار الكعبة.
روى عن النبي ﷺ ، وأبي بكر.
وعنه ابنه المغيرة، وحفيدته منية بنت عبيد، وأبو عثمان النهدي، والأزرق بن قيس، وأبو المنهال سيار بن سلامة، وأبو الوضيء عباد بن نسيب، وكناية بن نعيم العدوي، وجماعة.
سكن البصرة، وتوفي غازيا بخراسان.
وقيل: اسمه نضلة بن عمرو، وقيل: ابن عائذ، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل: خالد بن نضلة. وكان مع معاوية بالشام، وقيل: شهد صفين مع علي ﵁.
وعن أبي برزة قال: كنا نقول في الجاهلية: من أكل الخمير (٢) سمن، فأجهضنا القوم يوم خيبر عن خبزة لهم، فجعل أحدنا يأكل منه الكسرة ثم يمس عطفيه، هل سمن!.
وقيل: إن أبا برزة كان يقوم الليل، وله بر ومعروف.
توفي سنة ستين قبل معاوية؛ وقال الحاكم: توفي سنة أربع وستين، فالله أعلم.
стр. 1727
فائدة تدل على بقاء أبي برزة بعد هذا الوقت:
قال الأنصاري: حدثنا عوف، قال: حدثني أبو المنهال سيار بن سلامة قال: لما خرج ابن زياد، ووثب ابن مروان بالشام، وابن الزبير بمكة، اغتم أبي فقال: انطلق معي إلى أبي برزة الأسلمي، فانطلقنا إليه في داره، فإذا هو قاعد في ظل، فقال له أبي: يا أبا برزة ألا ترى! فكان أول شيء تكلم به أن قال: إني أحتسب عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، وذكر الحديث.
قال ابن سعد: مات أبو برزة بمرو، ثم روى ابن سعد أن أبا برزة وأبا بكرة كانا متآخيين.
وقال بعضهم: رأيت أبا برزة أبيض الرأس واللحية (١).
١٠٧ - ع: أبو بكرة الثقفي اسمه نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو. وقيل: نفيع بن مسروح.
وقيل: كان عبدا للحارث فاستلحقه، وهو أخو زياد بن أبيه لأمه، واسمها سمية مولاة الحارث بن كلدة، وقد كان تدلى يوم الطائف من الحصن ببكرة، وأتى إلى بين يدي النبي ﷺ فأسلم، وكني يومئذ بأبي بكرة. وله أحاديث.
روى عنه: عبد الرحمن، وعبد العزيز، ومسلم، ورواد، وعبيد الله، وكبشة أولاده، والأحنف بن قيس، وأبو عثمان النهدي، وربعي بن حراش، والحسن، وابن سيرين.
وسكن البصرة، فعن الحسن قال: لم ينزل البصرة أفضل منه ومن عمران بن حصين.
وكان أبو بكرة ممن شهد على المغيرة، فحده عمر لعدم تكميل أربعة شهداء، وأبطل شهادته، ثم قال له: تب لتقبل شهادتك، فقال: لا أشهد بين اثنين أبدا.
وكان أبو بكرة كثير العبادة. وكان أولاده رؤساء البصرة شرفا ومالا وعلما وولاية.
مغيرة بن مقسم، عن شباك، عن رجل، أن ثقيفا سألوا رسول الله ﷺ أن يرد إليهم أبا بكرة عبدا، فقال: لا، هو طليق الله وطليق رسوله (٢).
стр. 1728
يزيد بن هارون: أخبرنا عيينة بن عبد الرحمن، قال: أخبرني أبي، أنه رأى أبا بكرة عليه مطرف خز سداه حرير.
قال خليفة (١): توفي سنة اثنتين وخمسين، وقال غيره: سنة إحدى وخمسين (٢).
١٠٨ - م د ن: أبو بصرة الغفاري، اسمه حميل (٣) بن بصرة.
له صحبة ورواية، وروى عن أبي ذر أيضا.
وعنه أبو هريرة وهو من طبقته، وأبو تميم الجيشاني، وعبد الرحمن بن شماسة، وأبو الخير مرثد اليزني، وأبو الهيثم سليمان بن عمرو العتواري.
وشهد فتح مصر، وسكنها، وبها توفي (٤).
١٠٩ - أبو جهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي.
اسمه عبيد، أسلم في الفتح، وابتنى دارا بالمدينة، وهو صاحب الأنبجانية. توفي في آخر خلافة معاوية.
ويقال: اسمه عامر، أسلم يوم الفتح، وشهد اليرموك، وحضر يوم الحكمين بدومة الجندل، واستعمله النبي ﷺ على الصدقة، وكان من مشيخة قريش ونسابهم.
والأصح أنه بقي بعد معاوية (٥)، فسيعاد (٦).
١١٠ - ع: أبو جهم (٧) بن الحارث بن الصمة الأنصاري. ابن أخت أبي بن كعب.
له صحبة ورواية. وعنه: بسر بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن يسار مولى ميمونة.
стр. 1729
توفي في أواخر زمن معاوية (١).
١١١ - ع: أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان.
قد تقدمت سنة أربع وأربعين (٢).
وقال أحمد بن أبي خيثمة: توفيت قبل أخيها معاوية بسنة.
١١٢ - ع: أبو حميد الساعدي الأنصاري المدني، اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد.
من فقهاء الصحابة. روى عنه: جابر بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وعمرو بن سليم الزرقي، وعباس بن سهل بن سعد، وخارجة بن زيد، ومحمد بن عمرو بن عطاء.
توفي سنة ستين، وقيل: توفي قبلها بقليل (٣).
١١٣ - م ٤: أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري، جد عزرة بن ثابت.
قال: مسح رسول الله ﷺ على رأسي ودعا لي (٤).
ويقال: إنه عاش مائة وعشرين سنة.
روى عنه علباء بن أحمر، والحسن البصري.
وقيل له: أنصاري تجوزا، لأنه من غير ذرية الأوس والخزرج، بل من ولد أخيهما عدي. وأبوهم هو حارثة بن ثعلبة (٥).
١١٤ - ع سوى د: أم شريك.
هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ . مختلف في اسمها ونسبها، ولها أحاديث.
روى عنها جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وعروة، وشهر بن حوشب، وغيرهم.
стр. 1730
وهي من بني عامر بن لؤي، وفي ذلك اضطراب (١).
١١٥ - أبو ضبيس الجهني.
كان يلزم البادية، وبايع تحت الشجرة، وشهد الفتح.
توفي في آخر خلافة معاوية؛ قاله ابن سعد (٢).
١١٦ - د ن: أبو عياش الزرقي. قيل: عبيد بن الصامت، وقيل: عبيد بن زيد بن الصامت، وقيل: عبيد بن معاوية الأنصاري الخزرجي، وهو والد النعمان بن أبي عياش.
روى عنه مجاهد، وأبو صالح السمان، وقبلهما أنس بن مالك.
وهو فارس حلوة، وحلوة فرس كانت له، له غزوات مع النبي ﷺ .
وتوفي في زمن معاوية بعد الخمسين، وقيل: قبلها (٣).
١١٧ - ع: أبو قتادة الأنصاري السلمي فارس رسول الله ﷺ . اسمه على الصحيح الحارث بن ربعي، وقيل: النعمان، وقيل: عمرو.
شهد أحدا وما بعدها، وكان من فضلاء الصحابة.
روى عنه أنس، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وعبد الله بن رباح الأنصاري، وعلي بن رباح، وعبد الله بن معبد الزماني، وعمرو بن سليم الزرقي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابنه عبد الله بن أبي قتادة، ونافع مولاه، وآخرون.
وقال الواقدي: اسم أبي قتادة النعمان.
وقال الهيثم بن عدي: عمرو.
وقال ابن معين (٤) والبخاري (٥) وغيرهما: الحارث بن ربعي.
وفي حديث ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في مسيرهم وإعوازهم الماء، وأن النبي ﷺ نعس، فدعمته غير مرة، فقال له
стр. 1731
النبي ﷺ : حفظك الله بما حفظت به نبيه (١).
وقال حماد، عن أيوب، عن محمد: إن أبا قتادة قتل مسعدة رأس المشركين.
وقال إياس بن سلمة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع (٢).
توفي سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وشهد مع علي مشاهده كلها (٣).
١١٨ - ع: أم قيس بنت محصن أخت عكاشة، من المهاجرات الأول.
روى عنها مولاها عدي بن دينار، ووابصة بن معبد، وعبيد الله (٤) بن عبد الله بن عتبة، وعمرة، ونافع موليا حمنة، وغيرهم.
تأخرت وفاتها (٥).
١١٩ - ٤: أم كرز الكعبية الخزاعية المكية.
لها صحبة ورواية.
روى عنها سباع بن ثابت، وطاوس، وعروة، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح. وتأخرت وفاتها (٦).
١٢٠ - خ م د ق: أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري المدني.
قد ذكرنا في خلافة عثمان أيضا له ترجمة، وإنما ذكرته هنا لرواية سالم بن عبد الله، ونافع، وعبيد الله بن أبي يزيد (٧)، عنه.
١٢١ - م ٤: أبو محذورة الجمحي المكي المؤذن.
له صحبة ورواية، اختلفوا في اسمه وفي نسبه، وهو أوس بن معير
стр. 1732
على الصحيح، وهو من مسلمة الفتح.
روى عنه ابنه عبد الملك، وزوجته، والأسود بن يزيد، وابن أبي مليكة، وعبد الله بن محيريز الجمحي، وغيرهم.
وكان من أحسن الناس وأنداهم صوتا. قاله الزبير بن بكار.
قال: وأنشدني عمي لبعضهم:
أما ورب الكعبة المستوره … وما تلا محمد من سوره
والنغمات من أبي محذوره … لأفعلن فعلة مذكوره
وتوفي سنة تسع وخمسين، وكان مؤذن المسجد الحرام، علمه النبي ﷺ الأذان (١).
١٢٢ - ع: أبو مسعود الأنصاري.
مر سنة أربعين، وقال الواقدي: مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة (٢).
١٢٣ - ع: أم هانئ بنت أبي طالب الهاشمية، اسمها فاختة، وقيل: هند.
أسلمت عام الفتح، وصلى ابن عمها رسول الله ﷺ في بيتها يوم الفتح صلاة الضحى، وقال لها: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، وكانت قد أجارت رجلا (٣).
روى عنها حفيدها يحيى بن جعدة، ومولاها أبو صالح باذام، وكريب مولى ابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعروة، ومجاهد، وعطاء، وآخرون.
لها عدة أحاديث، وتأخر موتها إلى بعد الخمسين، وكانت تحت هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي، فهرب يوم الفتح إلى نجران، وولدت
стр. 1733
له: عمرو بن هبيرة وهانئا، ويوسف، وجعدة.
قال ابن إسحاق: لما بلغ هبيرة إسلام أم هانئ قال أبياتا منها:
وعاذلة هبت بليل تلومني … وتعذلني بالليل ضل ضلالها
وتزعم أني إن أطعت عشيرتي … سأوذى وهل يؤذيني إلا زوالها
فإن كنت قد تابعت دين محمد … وقطعت الأرحام منك حبالها
فكوني على أعلى سحيق بهضبة … ململمة غبراء يبس بلالها (١)
١٢٤ - ع: أبو هريرة الدوسي.
ودوس قبيلة من الأزد.
في اسمه، واسم أبيه عدة أقوال أشهرها عبد الرحمن بن صخر وكان اسمه قبل الإسلام عبد شمس، وقال: كناني أبي بأبي هريرة، لأني كنت أرعى غنما فوجدت أولاد هر وحشية، فأخذتهم، فلما رآهم أخبرته، فقال: أنت أبو هر.
قال: وكان اسمي في الجاهلية عبد شمس.
وقال المحرر بن أبي هريرة: اسم أبي: عبد عمرو بن عبد غنم.
وساق ابن خزيمة من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عبد شمس، وقال: هذه دلالة واضحة أن اسمه كان عبد شمس، فإنه إسناد متصل، وهو أحسن إسنادا من سفيان بن حسين، عن الزهري، عن المحرر، اللهم إلا أن يكون كان له اسمان قبل الإسلام.
وقال أحمد بن حنبل: اسمه عبد شمس، ويقال: عبد غنم، ويقال سكين.
وقال ابن أبي حاتم (٢): اسمه عبد شمس، ويقال: عبد غنم، ويقال: عامر، قال: وسمي في الإسلام عبد الله، ويقال: عبد الرحمن.
وقد استوعب الحافظ ابن عساكر أكثر ما ورد في اسمه (٣).
وكان أحد الحفاظ المعدودين في الصحابة.
روى عنه ابن عباس، وأنس، وجابر، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين، وعروة، والقاسم،
стр. 1734
وسالم، وعبيد الله بن عبد الله، والأعرج، وهمام بن منبه، ومحمد بن سيرين، وحميد بن عبد الرحمن الزهري، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وأبو صالح السمان، وزرارة بن أوفى، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وأبوه، وسعيد بن مرجانة، وشهر بن حوشب، وأبو عثمان النهدي، وعطاء بن أبي رباح، وخلق كثير.
قدم من أرض دوس مسلما هو وأمه وقت فتح خيبر.
قال البخاري (١): روى عنه ثمان مائة رجل أو أكثر.
قلت: روي له نحو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وسبعين حديثا، في الصحيحين، منها ثلاث مائة وخمسة وعشرون حديثا، وانفرد البخاري أيضا له بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعين.
وبلغنا أنه كان رجلا آدم، بعيد ما بين المنكبين، ذا ضفيرتين، أفرق الثنيتين، يخضب شيبته بالحمرة، ولما أسلم كان فقيرا من أصحاب الصفة، ذاق جوعا وفاقة، ثم استعمله عمر وغيره، وولي إمرة المدينة في زمن معاوية، فمر في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يقول: أوسعوا الطريق للأمير.
وقال أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع: قلت لأبي هريرة: لم اكتنيت بأبي هريرة؟ قال: أما تفرق مني! قلت: بلى والله إني لأهابك، قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها في شجرة بالليل، فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلقبت بها، وكان من أصحاب الصفة. أخرجه الترمذي (٢).
وقال المقبري، عن أبي هريرة قلت: يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها، فقال: ابسط رداءك، فبسطته، فحدث حديثا كثيرا، فما نسيت شيئا حدثني به (٣).
وقال الوليد بن عبد الرحمن عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: أنت
стр. 1735
كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ ، وأحفظنا لحديثه (١).
وقال الأعرج: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تقولون: إني أكثر عن رسول الله ﷺ ، والله الموعد، كنت رجلا مسكينا أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، وقال رسول الله ﷺ يوما: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني، فبسطت ثوبي، حتى قضى حديثه، ثم ضممته إلي فما نسيت شيئا سمعته بعد (٢).
وقال أبو معشر، عن محمد بن قيس قال: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، كناني رسول الله ﷺ : أبا هر، قال لي: ثكلتك أمك أبا هر، والذكر خير من الأنثى (٣).
وقال ابن سيرين: كان أبو هريرة أبيض لينا لحيته حمراء.
وقال ابن المسيب، عن أبي هريرة: شهدت خيبر مع رسول الله ﷺ .
وقال قيس بن أبي حازم عنه: جئت يوم خيبر بعدما فرغوا من القتال.
وقال ابن سيرين، عنه: لقد رأيتني أصرع بين القبر والمنبر من الجوع، حتى يقول الناس: مجنون.
وتمخط مرة بردائه فقال: الحمد لله الذي يمخط أبا هريرة في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر من الجوع، فيجلس الرجل على صدري، فأرفع رأسي، فأقول: ليس الذي ترى، إنما هو الجوع.
وقال أبو كثير السحيمي: حدثني أبو هريرة قال: والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي إلا أحبني، قلت: وما علمك بذاك؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وكنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى علي، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيته أبكي، وسألته أن يدعو لها، فقال: اللهم اهد أم أبي هريرة، فخرجت أعدو أبشرها، فأتيت فإذا الباب
стр. 1736
مجاف، وسمعت خضخضة الماء، وسمعت حسي فقالت: كما أنت، ثم فتحت، وقد لبست درعها، وعجلت عن خمارها، فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله ﷺ أبكي من الفرح، فأخبرته فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين، فقال: اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما. هذا حديث صحيح، أظنه في مسلم (١).
أيوب، عن محمد قال: تمخط أبو هريرة وعليه ثوب من كتان ممشق، فتمخط فيه، وقال: بخ بخ، يتمخط أبو هريرة في الكتان، لقد رأيتني أخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة، يجيء الجائي يظن بي جنونا (٢).
شعبة، عن محمد بن زياد قال: رأيت على أبي هريرة كساء خز.
وقال قتادة وغير واحد: كان أبو هريرة يلبس الخز.
قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن خباب بن عروة قال: رأيت أبا هريرة عليه عمامة سوداء.
إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي هريرة قال: هاجرت، فأبق مني غلام في الطريق، فلما قدمت على النبي ﷺ بايعته، وجاء الغلام، فقال لي النبي ﷺ : يا أبا هريرة هذا غلامك، قلت: هو حر لوجه الله، فأعتقته (٣).
عفان: حدثنا سليم بن حيان، عن أبيه، سمع أبا هريرة يقول: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان، بطعام بطني وعقبة رجلي، وكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدوا إذا ركبوا، فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما.
ابن سيرين، عن أبي هريرة، أكريت نفسي من ابنة غزوان بطعام بطني
стр. 1737
وعقبة رجلي، فقالت لي: لتردن حافيا، ولتركبن قائما، ثم زوجنيها الله بعد.
وقد دعا لنفسه، وأمن النبي ﷺ على دعائه.
فقال النسائي (١): أخبرنا محمد بن صدران قال: حدثنا الفضل بن العلاء، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن قيس، عن أبيه، أن رجلا جاء زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال: عليك بأبي هريرة، بينما أنا وأبو هريرة وفلان ذات يوم في المسجد ندعو ونذكر ربنا، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فسكتنا، فقال: عودوا للذي كنتم فيه، فدعوت أنا وصاحبي، فأمن النبي ﷺ على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل صاحبي، وأسألك علما لا ينسى، فقال النبي ﷺ : آمين، فقلنا: يا رسول الله نحن نسألك كذلك، فقال: سبقكما بها الغلام الدوسي (٢). قال الطبراني: لا يروى إلا بهذا الإسناد.
وقال أبو نضرة العبدي، عن الطفاوي قال: قرأت على أبي هريرة بالمدينة ستة أشهر، فلم أر من أصحاب رسول الله ﷺ رجلا أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه، فدخلت عليه ذات يوم ومعه كيس فيه نوى أو حصى يسبح به (٣).
وقال ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن مالك بن أبي عامر الأصبحي قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله فقال: يا أبا محمد أرأيت هذا اليماني، يعني أبا هريرة، أهو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم؟ نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل؟ قال: أما أن يكون سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع فلا أشك، كنا أهل بيوتات وعمل وغنم، فنأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار، وكان مسكينا لا
стр. 1738
مال له، ضيفا على باب رسول الله ﷺ ، يده مع يده، ولا أجد أحدا فيه خير، يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل (١).
وقال محمد بن سعد (٢): حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن زياد بن مينا قال: كان ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول الله ﷺ من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا، وهؤلاء الخمسة، إليهم صارت الفتوى.
وقال أبو سعد السمعاني: سمعت أبا المعمر المبارك بن أحمد الأزجي يقول: سمعت أبا القاسم يوسف بن علي الزنجاني الفقيه يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآباذي، يقول: سمعت أبا الطيب يقول: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة (٣)، فطالب بالدليل، فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال الشاب، وكان حنفيا: أبو هريرة غير مقبول الحديث، فما استتم كلامه حتى سقط عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب منها وهي تتبعه، فقيل له: تب تب، فقال: تبت فغابت الحية، فلم ير لها أثر.
الزنجاني ممن برع في الفقه على أبي إسحاق، توفي سنة خمس مائة.
وقال حماد بن زيد، عن العباس بن فروخ الجريري: سمعت أبا عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعا، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا هذا ويصلي، فقلت: يا أبا هريرة كيف تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثا.
قال الداني: عرض أبو هريرة القرآن على أبي بن كعب قرأ عليه من التابعين: عبد الرحمن بن هرمز.
стр. 1739
وقال قتيبة بن مهران: حدثنا سليمان بن مسلم: سمعت أبا جعفر يحكي لنا قراءة أبي هريرة في: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ يحزنها شبه الرثاء.
وروى عمر بن أبي زائدة، عن أبيه عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة أنه كان إذا قرأ بالليل خفض طورا ورفع طورا، وذكر أنها قراءة رسول الله ﷺ .
قلت: وكان أبو هريرة ممن يجهر ببسم الله في الصلاة.
وفي البخاري (١) من حديث المقبري: مر أبو هريرة بقوم، بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه أن يأكل فأبى وقال: إن رسول الله ﷺ خرج من الدنيا وما شبع من خبز الشعير.
وعن شراحيل أن أبا هريرة كان يصوم الخميس والاثنين.
وقال خالد الحذاء عن عكرمة إن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، ويقول: أسبح بقدر ذنبي.
همام بن يحيى: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن عمر قال لأبي هريرة: كيف وجدت الإمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها، وأتاه بأربع مائة ألف من البحرين قال: أظلمت أحدا؟ قال: لا، قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفا، قال: من أين أصبتها؟ قال: كنت أتجر، قال: انظر رأس مالك ورزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال.
وقال محمد بن سيرين: استعمل عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه، قال: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، قال: فمن أين هذا؟ قال: خيل نتجت لي وغلة رقيق، وأعطية تتابعت علي، فنظروا فوجدوه كما قال. ثم بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى.
وروى معمر، عن محمد بن زياد قال: كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة، فإذا غضب عليه بعث مروان وعزل أبا هريرة، فلم يلبث
стр. 1740
أن نزع مروان وبعث أبا هريرة، فقال لغلام أسود: قف على الباب، فلا تمنع أحدا إلا مروان، ففعل الغلام، ودخل الناس، ومنع مراون، ثم جاء نوبة فدخل وقال: حجبنا منك، فقال: إن أحق من لا ينكر هذا لأنت.
قلت: كأنه بدا منه نحو هذا في حق أبي هريرة.
وقال ثابت البناني، عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حمارا ببرذعة، وخطامه ليف، فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق، قد جاء الأمير. وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، فلا يشعرون بشيء حتى يلقي نفسه بينهم، ويضرب برجليه، فيفزع الصبيان ويفرون.
وعن ثعلبة بن أبي مالك قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للأمير.
وقال سعيد المقبري: دخل مروان على أبي هريرة في شكواه فقال: شفاك الله يا أبا هريرة، فقال: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي قال: فما بلغ مروان القطانين حتى مات.
وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ قال: قال أبو هريرة: اللهم لا تدركني سنة ستين، فتوفي فيها أو قبلها بسنة.
قال الواقدي: توفي أبو هريرة سنة تسع وخمسين، وله ثمان وسبعون سنة. وهو الذي صلى على عائشة في رمضان سنة ثماني وخمسين.
وقال هشام بن عروة: مات أبو هريرة وعائشة سنة سبع وخمسين، تابعه المدائني، وعلي ابن المديني، وغيرهما.
وقال أبو معشر، وضمرة، وعبد الرحمن بن مغراء، والهيثم بن عدي ويحيى بن بكير: توفي سنة ثمان وخمسين.
وقال الواقدي، وقبله محمد بن إسحاق، وبعده أبو عبيد، وأبو عمر الضرير، ومحمد بن عبد الله بن نمير: توفي سنة تسع وخمسين.
وقيل: صلى عليه الوليد بن عتبة بالمدينة، ثم كتب إلى معاوية بوفاته، فكتب إلى الوليد: ادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، فإنه كان ممن ينصر عثمان، وكان معه في الدار.
стр. 1741
وقيل: كان الذين تولوا حمل سريره ولد عثمان (١).
١٢٥ - م ٤: أبو اليسر السلمي.
من أعيان الأنصار، اسمه كعب بن عمرو، وشهد العقبة وله عشرون سنة، وهو الذي أسر العباس يوم بدر.
روى عنه صيفي مولى أبي أيوب الأنصاري، وعبادة بن الوليد الصامتي، وموسى بن طلحة بن عبيد الله، وحنظلة بن قيس الزرقي، وغيرهم.
وكان دحداحا قصيرا، ذا بطن، وهو الذي انتزع راية المشركين يوم بدر، وقد شهد صفين مع علي.
وتوفي بالمدينة سنة خمس وخمسين، وقال بعضهم: هو آخر من مات من البدريين (٢) والله أعلم.
آخر هذه الطبقة (٣).
стр. 1742
الطبقة السابعة
(٦١ - ٧٠ هـ)
стр. 1743
بسم الله الرحمن الرحيم.
(الحوادث).
سنة إحدى وستين.
توفي فيها جرهد الأسلمي، والحسين بن علي ﵄، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وأم سلمة أم المؤمنين، وجابر بن عتيك بن قيس الأنصاري، وخالد بن عرفطة، وعثمان بن زياد بن أبيه أخو عبيد الله، توفي شابا وله ثلاث وثلاثون سنة، وهمام بن الحارث، وهو مخضرم.
مقتل الحسين:
واستشهد مع الحسين ستة عشر رجلا من أهل بيته. وكان من قصته أنه توجه من مكة طالبا الكوفة ليلي الخلافة، فروى ذلك ابن سعد الكاتب من وجوه متعددة (١)، ثم قال بعد أن سرد عدة أسطر أسانيد: وغير هؤلاء حدثني في هذا الحديث بطائفة، فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين ﵁، قالوا: لما أخذ البيعة معاوية لابنه يزيد، كان الحسين ممن لم يبايع، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى الحسين يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية، وهو يأبى، فقدم منهم قوم إلى محمد ابن الحنفية، فطلبوا إليه أن يخرج معهم، فأبى، وجاء إلى الحسين، فأخبره بما عرضوا عليه، وقال: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا ويشيطوا (٢) دماءنا، فأقام الحسين على ما هو عليه مهموما، يجمع الإقامة مرة، ويريد أن يسير إليهم مرة، فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله إني لك ناصح ومشفق، وقد بلغني أن قوما من شيعتكم كاتبوك، فلا تخرج فإني سمعت أباك بالكوفة يقول: والله إني لقد مللتهم، وأبغضوني وملوني، وما بلوت منهم وفاء، ومن
стр. 1744
فاز بهم، فإنما فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم ثبات ولا عزم ولا صبر على السيف.
قال: وقدم المسيب بن نجبة الفزاري وعدة معه إلى الحسين، بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك، فقال: إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نيته، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين.
وكتب مروان إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلا.
فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله تعالى صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك، وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، وما أردت لك محاربة، ولا عليك خلافا، وما أظن لي عند الله عذرا في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة. فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلا أسدا. رواه بطوله الواقدي، عن جماعة، عن أشياخهم.
وقال جويرية بن أسماء، عن مسافع (١) قال: لقي الحسين معاوية بمكة، فأخذ بخطام راحلته، فأناخ به، ثم ساره طويلا وانصرف، فزجر معاوية راحلته، فقال له يزيد ابنه: لا يزال رجل قد عرض لك، فأناخ بك، فقال: دعه لعله يطلبها من غيري، فلا يسوغه، فيقتله.
رواه ابن سعد، عن المدائني، عن جويرية، ثم قال: رجع الحديث إلى الأول. قالوا: ولما احتضر معاوية دعا يزيد فأوصاه وقال: انظر حسين بن فاطمة، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه، وارفق به، فإن يك منه شيء، فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخا.
ولما بويع يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة أمير المدينة: أن ادع الناس إلى البيعة، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول من تبدأ به الحسين، وارفق به،
стр. 1745
فبعث الوليد في الليل إلى الحسين وابن الزبير، فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البيعة، فقالا: نصبح وننظر فيما يصنع الناس، ووثبا فخرجا، وأغلظ الوليد للحسين، فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها، فقال الوليد: إن هجنا بأبي عبد الله إلا أسدا، فقيل للوليد: اقتله، قال: إن ذلك لدم مصون.
وخرج الحسين وابن الزبير من وقتهما إلى مكة، وطلبا فلم يقدر عليهما، فنزل الحسين دار العباس. ولزم ابن الزبير الحجر، ولبس المعافري (١)، وجعل يحرض على بني أمية، وكان يتردد إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراق ويقول له: هم شيعتكم، وكان ابن عباس يقول له: لا تفعل. وقال له عبد الله بن مطيع: فداك أبي وأمي متعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذنا خولا وعبيدا. وقد لقيهما عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بالأبواء، منصرفين من العمرة، فقال لهما ابن عمر: أذكركما الله إلا رجعتما، فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا، فإن أجمع على يزيد الناس لم تشذوا، وإن افترقوا عليه كان الذي تريدان. وقال ابن عمر للحسين: لا تخرج فإن رسول الله ﷺ خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه، ولا تنالها - يعني الدنيا - فاعتنقه وبكى، وودعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش.
وقال له ابن عباس: أين تريد يا ابن فاطمة؟ قال: العراق وشيعتي، قال: إني لكاره لوجهك (٢) هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك، حتى تركهم سخطة وملهم، أذكرك الله تغرر بنفسك!.
الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر المخرمي، عن أبي عون قال: خرج الحسين من المدينة، فمر بابن مطيع وهو يحفر بئره، فقال: إلى أين، فداك أبي وأمي متعنا بنفسك ولا تسر، فأبى الحسين، قال: إن بئري هذه
стр. 1746
رشحتها، وهذا اليوم ما خرج إلينا في الدلو ماء، فلو دعوت لنا فيها بالبركة، قال: هات من مائها، فأتى بما في الدلو فشرب منه، ثم مضمض، ثم رده في البئر.
وقال أبو سعيد: غلبني الحسين على الخروج، وقد قلت له: اتق الله والزم بيتك، ولا تخرج على إمامك، وكلمه في ذلك جابر بن عبد الله، وأبو واقد الليثي، وغيرهما.
وقال سعيد بن المسيب: لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له.
وقد كتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بلزوم الجماعة، وتخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه وتقول: أشهد لحدثتني عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: يقتل حسين بأرض بابل.
وكتب إليه عبد الله بن جعفر كتابا يحذره أهل الكوفة، ويناشده الله أن يشخص إليهم. فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا ورأيت فيها رسول الله ﷺ ، وأمرني بأمر أنا ماض له، ولست بمخبر أحدا بها حتى ألاقي عملي. ولم يقبل الحسين من أحد، وصمم على المسير إلى العراق. فقال له ابن عباس: والله إني لأظنك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان، وإني لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فقال: أبا العباس إنك شيخ قد كبرت، فبكى ابن عباس وقال: أقررت عين ابن الزبير، ولما رأى ابن عباس عبد الله بن الزبير قال له: قد أتى ما أحببت، هذا الحسين يخرج ويتركك والحجاز. ثم تمثل:
يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك البر (١) فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
وبعث الحسين إلى أهل المدينة، فسار إليه من خف معه من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلا، ونساء وصبيان، وتبعهم محمد ابن الحنفية فأدرك أخاه الحسين بمكة، وأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه
стр. 1747
هذا، فأبى الحسين عليه، فحبس محمد ولده، فوجد عليه الحسين وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه؟!.
وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل، والكتب يدعونه إليهم، فخرج من مكة متوجها إلى العراق، في عشر ذي الحجة، فكتب مروان إلى عبيد الله بن زياد أمير الكوفة: أما بعد فإن الحسين قد توجه إليك، وبالله ما أحد أحب إلينا يسلمه الله من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء.
وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أما بعد، قد توجه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تسترق كما تسترق العبيد.
وقال جرير بن حازم: بلغ عبيد الله بن زياد مسير الحسين وهو بالبصرة، فخرج على بغاله هو واثنا عشر رجلا حتى قدموا الكوفة، فاعتقد أهل الكوفة أنه الحسين وهو متلثم، فجعلوا يقولون: مرحبا بابن بنت رسول الله ﷺ ، وسار الحسين حتى نزل نهري كربلاء، وبعث عبيد الله عمر بن سعد على جيش. قال: وبعث شمر بن ذي الجوشن فقال: إن قتله وإلا فاقتله وأنت على الناس.
وقال محمد بن الضحاك الحزامي، عن أبيه: خرج الحسين إلى الكوفة، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد: إن حسينا صائر إلى الكوفة، وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وأنت من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبدا. فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه.
وقال الزبير بن الخريت: سمعت الفرزدق يقول: لقيت الحسين بذات عرق وهو يريد الكوفة، فقال لي: ما ترى أهل الكوفة صانعين معي حمل بعير من كتبهم؟ قلت: لا شيء، يخذلونك، لا تذهب إليهم. فلم يطعني.
وقال ابن عيينة: حدثني بجير، من أهل الثعلبية، قلت له: ابن كم كنت حين مر الحسين؟ قال: غلام قد أيفعت، قال: كان في قلة من الناس، وكان أخي أسن مني، فقال له: يا ابن بنت رسول الله، أراك في قلة من
стр. 1748
الناس. فقال بالسوط، وأشار إلى حقيبة الرحل: هذه مملوءة كتبا.
قال ابن عيينة: وحدثني شهاب بن خراش، عن رجل من قومه قال: كنت في الجيش الذين بعثهم عبيد الله بن زياد إلى الحسين، وكانوا أربعة آلاف يريدون الديلم، فصرفهم عبيد الله إلى الحسين، فلقيت حسينا، فرأيته أسود الرأس واللحية، فقلت له: السلام عليك يا أبا عبد الله، فقال: وعليك السلام، وكانت فيه غنة.
قال شهاب: فحدثت به زيد بن علي، فأعجبه قوله وكانت فيه غنة.
ابن سعد (١)، عن الواقدي، وغيره، بإسنادهم، أن عمر بن سعد بن أبي وقاص أرسل رجلا على ناقة إلى الحسين، يخبره بقتل مسلم بن عقيل، وكان قد بعثه الحسين إلى الكوفة كما مر في سنة ستين، فقال للحسين ولده علي الأكبر: يا أبة ارجع، فإنهم أهل العراق وغدرهم، وقلة وفائهم، ولا يفون لك بشيء، فقالت بنو عقيل: ليس هذا حين رجوع، وحرضوه على المضي.
وقال الحسين لأصحابه: قد ترون ما يأتينا، وما أرى القوم إلا سيخذلوننا، فمن أحب أن يرجع فليرجع، فانصرف عنه جماعة، وبقي فيمن خرج معه من مكة، فكانت خيلهم اثنين وثلاثين فرسا، وأما ابن زياد فجمع المقاتلة وأمر لهم بالعطاء.
وقال يزيد الرشك: حدثني من شافه الحسين، قال: رأيت أبنية مضروبة بالفلاة للحسين، فأتيته، فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خذيه، فقلت: بأبي وأمي يا ابن رسول الله، ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟ قال: هذه كتب أهل الكوفة إلي، ولا أراهم إلا قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة، يعني مقنعتها.
قلت: ندب ابن زياد لقتال الحسين، عمر بن سعد بن أبي وقاص؛ فروى الزبير بن بكار، عن محمد بن حسن، قال: لما نزل عمر بن سعد بالحسين أيقن أنهم قاتلوه، فقام في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم
стр. 1749
قال: قد نزل بنا ما ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها، واستمرت حتى لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا ندما.
وقال خالد الحذاء، عن الجريري، عن عبد ربه أو غيره (١): إن الحسين لما أرهقه السلاح قال: ألا تقبلون مني ما كان رسول الله ﷺ يقبل من المشركين؟ قيل: وما كان يقبل منهم؟ قال: كان إذا جنح أحدهم قبل منه (٢)، قالوا: لا، قال: فدعوني أرجع، قالوا: لا، قال: فدعوني آتي أمير المؤمنين يزيد. فأخذ له رجل السلاح، فقال له: أبشر بالنار، فقال: بل إن شاء الله برحمة ربي وشفاعة نبيي، قال: فقتل وجيء برأسه حتى وضع في طست بين يدي ابن زياد، فنكته بقضيبه وقال: لقد كان غلاما صبيحا، ثم قال: أيكم قاتله؟ فقام الرجل، فقال: ما قال لك؟ فأعاد الحديث، فاسود وجهه.
وروى ابن سعد في الطبقات (٣) بأسانيده، قالوا: وأخذ الحسين طرق العذيب، حتى نزل قصر أبي مقاتل، فخفق خفقة، ثم انتبه يسترجع وقال: رأيت كأن فارسا يسايرنا ويقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنه نعى إلينا أنفسنا، ثم سار فنزل بكربلاء، فسار إليه عمر بن سعد في أربعة آلاف كالمكره، واستعفى عبيد الله فلم يعفه، ومع الحسين خمسون رجلا، وتحول إليه من الجيش عشرون رجلا، وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلا، وقتل عامة أصحابه حوله، وذلك في يوم الجمعة يوم عاشوراء، وبقي عامة نهاره لا يقدم عليه أحد، وأحاطت به الرجالة، فكان يشد عليهم فيهزمهم، وهم يتدافعونه، يكرهون الإقدام عليه، فصاح بهم شمر: ثكلتكم أمهاتكم، ماذا تنتظرون به؟ فطعنه سنان بن أنس النخعي في
стр. 1750
ترقوته، ثم انتزع الرمح وطعن في بواني صدره (١)، فخر ﵁ صريعا، واحتز رأسه خولي الأصبحي لا ﵀ ولا رضي عنه.
وقال أبو معشر نجيح، عن بعض مشيخته: إن الحسين قال حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء، قال: كرب وبلاء، قال: وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد لقتالهم، فقال الحسين: يا عمر، اختر مني إحدى ثلاث؛ إما تتركني أن أرجع، أو تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم في ما رأى، فإن أبيت فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل عمر إلى ابن زياد بذلك، فهم أن يسيره إلى يزيد، فقال له شمر بن جوشن - كذا قال، والأصح: شمر بن ذي الجوشن: لا أيها الأمير، إلا أن ينزل على حكمك، فأرسل إليه بذلك، فقال الحسين: والله لا أفعل. وأبطأ عمر بن سعد عن قتاله، فأرسل إليه ابن زياد شمر المذكور، فقال: إن تقدم عمر وقاتل وإلا فاقتله وكن مكانه، وكان مع عمر ثلاثون رجلا من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله ﷺ ثلاث خصال، فلا تقبلون منها شيئا؟! وتحولوا مع الحسين فقاتلوا.
وقال عباد بن العوام، عن حصين، عن سعد بن عبيدة قال: رأيت الحسين وعليه جبة برود، ورماه رجل يقال له: عمرو بن خالد الطهوي بسهم، فنظرت إلى السهم معلقا بجنبه.
وقال ابن عيينة، عن أبي موسى، عن الحسن قال: قتل مع الحسين ﵁ ستة عشر رجلا من أهل بيته.
وعن غير واحد قالوا: قاتل يومئذ الحسين - وكان بطلا شجاعا - إلى أن أصابه سهم في حنكه، فسقط عن فرسه، فنزل شمر - وقيل غيره - فاحتز رأسه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وروى شريك عن مغيرة قال: قالت مرجانة لابنها عبيد الله: يا خبيث، قتلت ابن رسول الله ﷺ ، لا ترى الجنة أبدا.
وقال عباد بن العوام، عن حصين: حدثني سعد بن عبيدة قال: إنا لمستنقعين في الفرات مع عمر بن سعد، إذ أتاه رجل فساره، فقال: قد بعث إليك عبيد الله جويرة بن بدر التميمي، وأمره إن أنت لم تقاتل أن يضرب
стр. 1751
عنقك، قال: فوثب على فرسه، ودعا بسلاحه وعلا فرسه، ثم سار إليهم، فقاتلهم حتى قتلهم، قال سعد: وإني لأنظر إليهم، وإنهم لقريب مائة رجل، ففيه من صلب علي ﵁ خمسة أو سبعة، وعشرة من الهاشميين، ورجل من بني سليم، وآخر من بني كنانة.
وروى أبو شيبة العبسي عن عيسى بن الحارث الكندي قال: لما قتل الحسين مكثنا أياما سبعة، إذا صلينا العصر نظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان، كأنها الملاحف المعصفرة، وبصرنا إلى الكواكب، يضرب بعضها بعضا.
وقال المدائني، عن علي بن مدرك، عن جده الأسود بن قيس قال: احمرت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر، يرى فيها كالدم، فحدثت بذلك شريكا، فقال لي: ما أنت من الأسود؟ قلت: هو جدي أبو أمي، فقال: أما والله إن كان لصدوق الحديث.
وقال هشام بن حسان، عن ابن سيرين قال: تعلم هذه الحمرة في الأفق مم؟ هو من يوم قتل الحسين. رواه سليمان بن حرب، عن حماد، عنه.
وقال جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد قال: قتل الحسين ولي أربعة عشرة سنة، وصار الورس الذي في عسكرهم رمادا، واحمرت آفاق السماء، ونحروا ناقة في عسكرهم، وكانوا يرون في لحمها النيران.
وقال ابن عيينة: حدثتني جدتي قالت: لقد رأيت الورس عاد رمادا، ولقد رأيت اللحم كأن فيه النار حين قتل الحسين.
وقال حماد بن زيد: حدثني جميل بن مرة قال: أصابوا إبلا في عسكر الحسين يوم قتل، فنحروها وطبخوها، فصارت مثل العلقم.
وقال قرة بن خالد: حدثنا أبو رجاء العطاردي قال: كان لنا جار من بلهجيم، فقدم الكوفة فقال: ما ترون هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله - يعني الحسين، قال أبو رجاء: فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره، وأنا رأيته.
وقال معمر بن راشد: أول ما عرف الزهري أنه تكلم في مجلس الوليد بن عبد الملك، فقال الوليد: تعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم
стр. 1752
قتل الحسين؟ فقال الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط.
وروى الواقدي عن عمر بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه قال: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال: ما كشف يومئذ حجر إلا وجد تحته دم عبيط.
وقال جعفر بن سليمان: حدثتني أم سالم خالتي قالت: لما قتل الحسين مطرنا مطرا كالدم على البيوت والجدر (١).
وقال علي بن زيد بن جدعان، عن أنس قال: لما قتل الحسين جيء برأسه إلى عبيد الله بن زياد، فجعل ينكت بقضيب على ثناياه، وقال: إن كان لحسن الثغر، فقلت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقبل موضع قضيبك من فيه (٢).
وقال حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم بنصف النهار، أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل منذ اليوم ألتقطه، فأحصي ذلك اليوم، فوجدوه قتل يومئذ.
стр. 1753
وعن سلمى أنها دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا. أخرجه الترمذي من حديث أبي خالد الأحمر قال: حدثنا رزين قال: حدثتني سلمى.
قلت: رزين هو ابن حبيب، كوفي. قال الترمذي: هذا حديث غريب (١).
وقال حماد بن سلمة، عن عمار: سمعت أم سلمة قالت: سمعت الجن تبكي على حسين وتنوح عليه.
وروي عن أم سلمة نحوه من وجه آخر.
وروى عطاء بن مسلم عن أبي جناب الكلبي قال: أتيت (٢) كربلاء، فقلت لرجل من أشراف العرب بها: بلغني أنكم تسمعون نوح الجن، فقال: ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه سمع ذلك، قلت: فأخبرني ما سمعت أنت، قال: سمعتهم يقولون:
مسح الرسول جبينه … فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قريـ … ـش وجده خير الجدود
رواه ثعلب في أماليه، قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا عبيد بن جناد قال: حدثنا عطاء، فذكره.
وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن حسن المخزومي قال: لما أدخل ثقل الحسين على يزيد ووضع رأسه بين يديه بكى يزيد، وقال:
نفلق هاما من رجال أحبة إلينا وهم كانوا أعق وأظلما أما والله لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك أبدا. فقال علي بن الحسين: ليس هكذا، قال: فكيف يا ابن أم؟ قال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ وعنده عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، فقال:
لهام بجنب الطف أدنى قرابة من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل
стр. 1754
سمية أمسى نسلها عدد الحصى … وبنت رسول الله ليس لها نسل
فضرب يزيد صدره، وقال: اسكت.
قال يحيى بن بكير: حدثني الليث بن سعد قال: أبى الحسين أن يستأسر، فقاتلوه، فقتل، وقتل ابنه وأصحابه بالطف، وانطلق ببنيه علي وفاطمة وسكينة إلى عبيد الله بن زياد، فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية، فجعل سكينة خلف سريره، لئلا ترى رأس أبيها، وعلي بن الحسين في غل، فضرب يزيد على ثنيتي الحسين وقال:
نفلق هاما من أناس أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال علي: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ فثقل على يزيد أن تمثل ببيت، وتلا علي آية، فقال: بل ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فقال علي: أما والله لو رآنا رسول الله ﷺ مغلولين، لأحب أن يخلينا من الغل، قال: صدقت، خلوهم. قال: ولو وقفنا بين يدي رسول الله ﷺ على بعد لأحب أن يقربنا، قال: صدقت، قربوهم. فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان ليريا رأس أبيهما، وجعل يزيد يتطاول في مجلسه ليستره عنهما، ثم أمر بهم فجهزوا، وأصلح آلتهم وأخرجوا إلى المدينة.
كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما أتي يزيد بن معاوية برأس الحسين جعل ينكت بمخصرة (١) معه سنة، يقول: ما كنت أظن أبا عبد الله بلغ هذا السن، وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب الأسود.
وقال ابن سعد (٢)، عن الواقدي والمدائني، عن رجالهما: إن محفز (٣) بن ثعلبة العائذي - عائذة قريش - قدم برأس الحسين على يزيد، فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم، فقال يزيد: ما ولدت أم محفز أحمق وألأم، لكن الرجل لم يقرأ كتاب الله
стр. 1755
: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ الآية.
ثم بعث يزيد برأس الحسين إلى عامله على المدينة، فقال: وددت أنه لم يبعث به إلي، ثم أمر به فدفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة.
وقال عبد الصمد بن سعيد القاضي: حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني قال: سمعت أبا أمية الكلاعي قال: سمعت أبا كرب قال: كنت في القوم الذين توثبوا على الوليد بن يزيد، وكنت فيمن نهب خزائنهم بدمشق، فأخذت سفطا وقلت: فيه غنائي، فركبت فرسي وجعلته بين يدي، وخرجت من باب توما ففتحته، فإذا بحريرة فيها رأس مكتوب عليه: هذا رأس الحسين، فحفرت له بسيفي ودفنته.
وقال ابن جرير الطبري (١): حدثت عن أبي عبيدة أن يونس بن حبيب حدثه قال: لما قتل الحسين وبنو أبيه، بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسر بقتلهم أولا، ثم ندم، فكان يقول: وما علي لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي، وحكمته فيما يريد، وإن كان علي في ذلك وهن في سلطاني حفظا لرسول الله ﷺ ، ورعاية لحقه وقرابته، لعن الله ابن مرجانة - يريد عبيد الله - فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأل أن يخلي سبيله، ويرجع من حيث أقبل، أو يأتيني فيضع يده في يدي، أو يلحق بثغر من الثغور، فأبى ذلك ورده عليه، فأبغضني بقتله المسلمون.
وقال المدائني، عن إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن دينار: حدثني محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه قال: لما قتل الحسين دخلنا الكوفة، فلقينا رجل، فدخلنا منزله فألحفنا، فنمت، فلم أستيقظ إلا بحس الخيل في الأزقة، فحملنا إلى يزيد، فدمعت عينه حين رآنا، وأعطانا ما شئنا، وقال لي: إنه سيكون في قومك أمور، فلا تدخل معهم في شيء، فلما كان من أهل المدينة ما كان، كتب مع مسلم بن عقبة كتابا فيه أماني، فلما فرغ مسلم من الحرة بعث إلي، فجئته وقد كتبت وصيتي، فرمى إلي بالكتاب، فإذا فيه: استوص بعلي بن الحسين خيرا، وإن دخل معهم في أمرهم فأمنه واعف عنه، وإن لم يكن معهم فقد أصاب وأحسن.
وقال غير واحد: قتل مع الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي