← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

عنقك، قال: فوثب على فرسه، ودعا بسلاحه وعلا فرسه، ثم سار إليهم، فقاتلهم حتى قتلهم، قال سعد: وإني لأنظر إليهم، وإنهم لقريب مائة رجل، ففيه من صلب علي ﵁ خمسة أو سبعة، وعشرة من الهاشميين، ورجل من بني سليم، وآخر من بني كنانة. وروى أبو شيبة العبسي عن عيسى بن الحارث الكندي قال: لما قتل الحسين مكثنا أياما سبعة، إذا صلينا العصر نظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان، كأنها الملاحف المعصفرة، وبصرنا إلى الكواكب، يضرب بعضها بعضا. وقال المدائني، عن علي بن مدرك، عن جده الأسود بن قيس قال: احمرت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستة أشهر، يرى فيها كالدم، فحدثت بذلك شريكا، فقال لي: ما أنت من الأسود؟ قلت: هو جدي أبو أمي، فقال: أما والله إن كان لصدوق الحديث. وقال هشام بن حسان، عن ابن سيرين قال: تعلم هذه الحمرة في الأفق مم؟ هو من يوم قتل الحسين. رواه سليمان بن حرب، عن حماد، عنه. وقال جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد قال: قتل الحسين ولي أربعة عشرة سنة، وصار الورس الذي في عسكرهم رمادا، واحمرت آفاق السماء، ونحروا ناقة في عسكرهم، وكانوا يرون في لحمها النيران. وقال ابن عيينة: حدثتني جدتي قالت: لقد رأيت الورس عاد رمادا، ولقد رأيت اللحم كأن فيه النار حين قتل الحسين. وقال حماد بن زيد: حدثني جميل بن مرة قال: أصابوا إبلا في عسكر الحسين يوم قتل، فنحروها وطبخوها، فصارت مثل العلقم. وقال قرة بن خالد: حدثنا أبو رجاء العطاردي قال: كان لنا جار من بلهجيم، فقدم الكوفة فقال: ما ترون هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله - يعني الحسين، قال أبو رجاء: فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره، وأنا رأيته. وقال معمر بن راشد: أول ما عرف الزهري أنه تكلم في مجلس الوليد بن عبد الملك، فقال الوليد: تعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم

стр. 1752

قتل الحسين؟ فقال الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط. وروى الواقدي عن عمر بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه قال: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال: ما كشف يومئذ حجر إلا وجد تحته دم عبيط. وقال جعفر بن سليمان: حدثتني أم سالم خالتي قالت: لما قتل الحسين مطرنا مطرا كالدم على البيوت والجدر (١). وقال علي بن زيد بن جدعان، عن أنس قال: لما قتل الحسين جيء برأسه إلى عبيد الله بن زياد، فجعل ينكت بقضيب على ثناياه، وقال: إن كان لحسن الثغر، فقلت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقبل موضع قضيبك من فيه (٢). وقال حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم بنصف النهار، أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل منذ اليوم ألتقطه، فأحصي ذلك اليوم، فوجدوه قتل يومئذ.

стр. 1753

وعن سلمى أنها دخلت على أم سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا. أخرجه الترمذي من حديث أبي خالد الأحمر قال: حدثنا رزين قال: حدثتني سلمى. قلت: رزين هو ابن حبيب، كوفي. قال الترمذي: هذا حديث غريب (١). وقال حماد بن سلمة، عن عمار: سمعت أم سلمة قالت: سمعت الجن تبكي على حسين وتنوح عليه. وروي عن أم سلمة نحوه من وجه آخر. وروى عطاء بن مسلم عن أبي جناب الكلبي قال: أتيت (٢) كربلاء، فقلت لرجل من أشراف العرب بها: بلغني أنكم تسمعون نوح الجن، فقال: ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه سمع ذلك، قلت: فأخبرني ما سمعت أنت، قال: سمعتهم يقولون: مسح الرسول جبينه … فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريـ … ـش وجده خير الجدود رواه ثعلب في أماليه، قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا عبيد بن جناد قال: حدثنا عطاء، فذكره. وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن حسن المخزومي قال: لما أدخل ثقل الحسين على يزيد ووضع رأسه بين يديه بكى يزيد، وقال: نفلق هاما من رجال أحبة إلينا وهم كانوا أعق وأظلما أما والله لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك أبدا. فقال علي بن الحسين: ليس هكذا، قال: فكيف يا ابن أم؟ قال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ وعنده عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، فقال: لهام بجنب الطف أدنى قرابة من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل

стр. 1754

سمية أمسى نسلها عدد الحصى … وبنت رسول الله ليس لها نسل فضرب يزيد صدره، وقال: اسكت. قال يحيى بن بكير: حدثني الليث بن سعد قال: أبى الحسين أن يستأسر، فقاتلوه، فقتل، وقتل ابنه وأصحابه بالطف، وانطلق ببنيه علي وفاطمة وسكينة إلى عبيد الله بن زياد، فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية، فجعل سكينة خلف سريره، لئلا ترى رأس أبيها، وعلي بن الحسين في غل، فضرب يزيد على ثنيتي الحسين وقال: نفلق هاما من أناس أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال علي: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ فثقل على يزيد أن تمثل ببيت، وتلا علي آية، فقال: بل ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فقال علي: أما والله لو رآنا رسول الله ﷺ مغلولين، لأحب أن يخلينا من الغل، قال: صدقت، خلوهم. قال: ولو وقفنا بين يدي رسول الله ﷺ على بعد لأحب أن يقربنا، قال: صدقت، قربوهم. فجعلت فاطمة وسكينة يتطاولان ليريا رأس أبيهما، وجعل يزيد يتطاول في مجلسه ليستره عنهما، ثم أمر بهم فجهزوا، وأصلح آلتهم وأخرجوا إلى المدينة. كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما أتي يزيد بن معاوية برأس الحسين جعل ينكت بمخصرة (١) معه سنة، يقول: ما كنت أظن أبا عبد الله بلغ هذا السن، وإذا لحيته ورأسه قد نصل من الخضاب الأسود. وقال ابن سعد (٢)، عن الواقدي والمدائني، عن رجالهما: إن محفز (٣) بن ثعلبة العائذي - عائذة قريش - قدم برأس الحسين على يزيد، فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم، فقال يزيد: ما ولدت أم محفز أحمق وألأم، لكن الرجل لم يقرأ كتاب الله

стр. 1755

: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ الآية. ثم بعث يزيد برأس الحسين إلى عامله على المدينة، فقال: وددت أنه لم يبعث به إلي، ثم أمر به فدفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة. وقال عبد الصمد بن سعيد القاضي: حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني قال: سمعت أبا أمية الكلاعي قال: سمعت أبا كرب قال: كنت في القوم الذين توثبوا على الوليد بن يزيد، وكنت فيمن نهب خزائنهم بدمشق، فأخذت سفطا وقلت: فيه غنائي، فركبت فرسي وجعلته بين يدي، وخرجت من باب توما ففتحته، فإذا بحريرة فيها رأس مكتوب عليه: هذا رأس الحسين، فحفرت له بسيفي ودفنته. وقال ابن جرير الطبري (١): حدثت عن أبي عبيدة أن يونس بن حبيب حدثه قال: لما قتل الحسين وبنو أبيه، بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسر بقتلهم أولا، ثم ندم، فكان يقول: وما علي لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي، وحكمته فيما يريد، وإن كان علي في ذلك وهن في سلطاني حفظا لرسول الله ﷺ ، ورعاية لحقه وقرابته، لعن الله ابن مرجانة - يريد عبيد الله - فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأل أن يخلي سبيله، ويرجع من حيث أقبل، أو يأتيني فيضع يده في يدي، أو يلحق بثغر من الثغور، فأبى ذلك ورده عليه، فأبغضني بقتله المسلمون. وقال المدائني، عن إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن دينار: حدثني محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه قال: لما قتل الحسين دخلنا الكوفة، فلقينا رجل، فدخلنا منزله فألحفنا، فنمت، فلم أستيقظ إلا بحس الخيل في الأزقة، فحملنا إلى يزيد، فدمعت عينه حين رآنا، وأعطانا ما شئنا، وقال لي: إنه سيكون في قومك أمور، فلا تدخل معهم في شيء، فلما كان من أهل المدينة ما كان، كتب مع مسلم بن عقبة كتابا فيه أماني، فلما فرغ مسلم من الحرة بعث إلي، فجئته وقد كتبت وصيتي، فرمى إلي بالكتاب، فإذا فيه: استوص بعلي بن الحسين خيرا، وإن دخل معهم في أمرهم فأمنه واعف عنه، وإن لم يكن معهم فقد أصاب وأحسن. وقال غير واحد: قتل مع الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي

стр. 1756

طالب، وقد كان في آخر سنة ستين، قتله ابن زياد صبرا، وكان الحسين قد قدمه إلى الكوفة ليخبر من بها من شيعته بقدومه، فنزل على هانئ بن عروة المرادي، فأحس به عبيد الله بن زياد، فقتل مسلما وهانئا. وممن قتل مع الحسين يوم عاشوراء إخوته بنو أبيه؛ جعفر، وعتيق، ومحمد، والعباس الأكبر بنو علي، وابنه الأكبر علي - وهو غير علي زين العابدين - وابنه عبد الله بن الحسين، وابن أخيه القاسم بن الحسن، ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأخوه عون، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا مسلم بن عقيل، ﵃. وفيها ظنا وتخمينا، قدم على ابن الزبير وهو بمكة المختار بن أبي عبيد الثقفي من الطائف، وكان قد طرد إلى الطائف، وكان قوي النفس، شديد البأس، يظهر المناصحة والدهاء، وكان يختلف إلى محمد ابن الحنفية، فيسمعون منه كلاما ينكرونه، فلما مات يزيد استأذن ابن الزبير في المضي إلى العراق، فأذن له وركن إليه، وكتب إلى عامله على العراق عبد الله بن مطيع يوصيه به، فكان يختلف إلى ابن مطيع، ثم أخذ يعيب في الباطن ابن الزبير ويثني على ابن الحنفية، ويدعو إليه، ويحرض أهل الكوفة على ابن مطيع، ويكذب وينافق، فراج أمره واستغوى طائفة، وصار له شيعة، إل أن خافه ابن مطيع، وهرب منه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. سنة اثنتين وستين توفي فيها بريدة بن الحصيب، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث الهاشمي، ومسلمة بن مخلد، وأبو مسلم الخولاني الداراني الزاهد، وعلقمة بن قيس النخعي الفقيه. وفيها استعمل عبيد الله بن زياد أمير العراق على السند (١) المنذر بن الجارود العبدي، ولأبيه الجارود بن عمرو صحبة. وكان المنذر من وجوه أهل البصرة من أصحاب علي، قتله الحجاج.

стр. 1757

وفيها غزا سلم بن أحوز (١) خوارزم فصالحوه على مال، ثم عبر إلى سمرقند، فنازلها، فصالحوه أيضا. وفيها نقض أهل كابل، وأخذوا أبا عبيدة بن زياد بن أبي سفيان بن حرب أسيرا، فسار أخوه يزيد في جيش، فهجم عليهم، فقاتلوه، فقتل يزيد، وقتل معه زيد بن جدعان التيمي والد علي بن زيد، وصلة بن أشيم العدوي، وولداه (٢)، وعمرو بن قثم (٣)، وبديل بن نعيم العدوي (٤)، وعثمان بن آدم العذوي، في رجال من أهل الصدق. قاله خليفة (٥). وأقام الموسم للناس عثمان بن محمد بن أبي سفيان بن حرب. سنة ثلاث وستين فيها توفي ربيعة بن كعب الأسلمي، ومسروق بن الأجدع. وفيها وقعة الحرة على باب طيبة، واستشهد فيها خلق وجماعة من الصحابة. وفيها بعث سلم بن زياد ابن أبيه طلحة بن عبد الله الخزاعي واليا على سجستان، فأمره أن يفدي أخاه من الأسر، ففداه بخمسمائة ألف، وأقدمه على أخيه، وأقام طلحة بسجستان. وفيها غزا عقبة بن نافع من القيروان، فسار حتى أتى السوس الأقصى، وغنم وسلم، ورد فلقيه كسيلة وكان نصرانيا، فالتقيا، فاستشهد في الوقعة عقبة بن نافع، وأبو المهاجر دينار مولى الأنصار، وعامة أصحابهما. ثم سار كسيلة الكلب، فسار لحربه زهير بن قيس البلوي خليفة عقبة على القيروان، فقتل في الوقعة كسيلة وهزم جنوده، وقتلت منهم مقتلة كبيرة. قصة الحرة: قال جويرية بن أسماء: سمعت أشياخنا يقولون: وفد إلى يزيد عبد الله

стр. 1758

ابن حنظلة بن الغسيل الأوسي المدني، وله صحبة، وفد في ثمانية بنين له، فأعطاه يزيد مائة ألف، وأعطى لكل ابن عشرة آلاف سوى كسوتهم، فلما رجع إلى المدينة قالوا: ما وراءك؟ قال: أتيتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم، قالوا: إنه قد أكرمك وأعطاك، قال: نعم، وما قبلت ذلك منه إلا لأتقوى به عليه، ثم حض الناس فبايعوه. وقال خليفة بن خياط (١): قال أبو اليقظان: دعوا إلى الرضا والشورى، وأمروا على قريش عبد الله بن مطيع العدوي، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة، وعلى قبائل المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، وأخرجوا من بالمدينة من بني أمية. وقال غيره: خلعوا يزيد، فأرسل إليهم جيشا عليه مسلم بن عقبة، وأرسل أهل المدينة إلى مياه الطريق، فصبوا في كل ماء زق قطران وغوروه، فأرسل الله السماء عليهم، فما استقوا بدلو. وجاء من غير وجه أن يزيد لما بلغه وثوب أهل المدينة بعامله وأهل بيته ونفيهم، جهز لحربهم مسلم بن عقبة المري، وهو شيخ، وكانت به النوطة، وجهز معه جيشا كثيفا، فكلم يزيد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في أهل المدينة، وكان عنده، وقال: إنما تقتل بهم نفسك، فقال: أجل، أقتل بهم نفسي وأشتفي، ولك عندي واحدة، آمر مسلما أن يتخذ المدينة طريقا، فإن هم لم ينصبوا له الحرب وتركوه يمضي إلى ابن الزبير فقاتله، وإن منعوه وحاربوه قاتلهم، فإن ظفر بهم قتل من أشرف له وأنهبها ثلاثا، ثم يمضي إلى ابن الزبير. فكتب عبد الله بن جعفر إلى أهل المدينة أن لا تعرضوا لجيشه، فورد مسلم بن عقبة، فمنعوه ونصبوا له الحرب، ونالوا من يزيد، فأوقع بهم وأنهبها ثلاثا، وسار إلى ابن الزبير، فمات بالمشلل (٢)، وعهد إلى حصين بن نمير في أول سنة أربع وستين. وروى محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم قال: دخل عبد الله بن مطيع ليالي الحرة على ابن عمر، فقال ابن عمر: سمعت النبي ﷺ يقول: من نزع يدا من طاعة لم يكن له حجة يوم القيامة، ومن مات مفارقا

стр. 1759

للجماعة فإنه يموت موتة جاهلية (١). وقال المدائني: توجه مسلم بن عقبة إلى المدينة في اثني عشر ألف رجل، ويقال: في اثني عشر ألف فارس، وخمسة عشر ألف راجل، ونادى منادي يزيد: سيروا على أخذ أعطياتكم كملا، ومعونة أربعين دينارا لكل رجل. فقال النعمان بن بشير ليزيد: وجهني أكفك، قال: لا، ليس لهم إلا هذا الغشمة، والله لا أقيلهم بعد إحساني إليهم وعفوي عنهم مرة بعد مرة، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين في عشيرتك وأنصار رسول الله ﷺ ، وقال له عبد الله بن جعفر: أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك، أتقبل ذلك منهم؟ قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم، يا مسلم إذا دخلت المدينة ولم تصد عنها وسمعوا وأطاعوا فلا تعرضن لأحد، وامض إلى الملحد ابن الزبير، وإن صدوك عن المدينة فادعهم ثلاثة أيام، فإن لم يجيبوا فاستعن بالله وقاتلهم، فستجدهم أول النهار مرضى، وآخره صبرا، سيوفهم أبطحية، فإذا ظهرت عليهم، فإن كان بنو أمية قد قتل منهم أحد فجرد السيف واقتل المقبل والمدبر، وأجهز على الجريح وانهبها ثلاثا، واستوص بعلي بن الحسين، وشاور حصين بن نمير، وإن حدث بك حدث فوله الجيش. وقال جرير بن حازم، عن الحسن أنه ذكر الحرة فقال: والله ما كاد ينجو منهم أحد، ولقد قتل ابنا زينب بنت أم سلمة، فأتيت بهما فوضعتهما بين يديها، فقالت: والله إن المصيبة علي فيكما لعظيمة، وهي في هذا - وأشارت إلى أحدهما - أعظم منها في هذا - وأشارت إلى الآخر -؛ لأن هذا بسط يده، وأما هذا فقعد في بيته فدخل عليه فقتل، فأنا أرجو له. وقال جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة قال: أنهب مسرف (٢) بن عقبة المدينة ثلاثا، واقتض فيها ألف عذراء. قال يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلاد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. رواه مسلم بن أبي

стр. 1760

مريم، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن عطاء، عن السائب (١). وخالفهم موسى بن عقبة، عن عطاء، فقال: عن عبادة بن الصامت، والأول أصح. وقال جويرية بن أسماء: سمعت أشياخنا من أهل المدينة يتحدثون، قالوا: خرج أهل المدينة يوم الحرة بجموع كثيرة وهيئة لم ير مثلها، فلما رآهم أهل الشام كرهوا قتالهم، فأمر مسلم بن عقبة بسريره، فوضع بين الصفين، ثم أمر مناديه: قاتلوا عني أو دعوا، فشد الناس في قتالهم، فسمعوا التكبير خلفهم من المدينة، وأقحم عليهم بنو حارثة وهم على الحرة فانهزم الناس، وعبد الله بن حنظلة متساند إلى بعض بنيه يغط نوما، فنبهه ابنه، فلما رأى ما جرى أمر أكبر بنيه، فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقدمهم واحدا واحدا، حتى أتى على آخرهم، ثم كسر جفن (٢) سيفه، فقاتل حتى قتل. وقال وهيب بن خالد: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: قيل لعبد الله بن زيد يوم الحرة: ها ذاك ابن حنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع عليه أحدا بعد رسول الله ﷺ . إسناده صحيح (٣). وقال الواقدي: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي حسان. وأخبرنا إسماعيل بن إبراهيم المخزومي، عن أبيه. وحدثنا سعيد بن محمد بن عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، كل قد حدثني، قالوا: لما وثب أهل الحرة وأخرجوا بني أمية عن المدينة، واجتمعوا على عبد الله بن حنظلة، وبايعهم على الموت، قال: يا قوم، اتقوا الله، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إن رجلا ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة، قال: فكان ابن حنظلة يبيت تلك الليالي في المسجد، وما يزيد على أن يشرب، يفطر على شربة سويق ويصوم الدهر، وما رؤي رافعا رأسه إلى السماء أحيانا، فلما قرب القوم خطب عبد الله بن حنظلة أصحابه، وحرضهم على القتال، وأمرهم

стр. 1761

بالصدق في اللقاء، وقال: اللهم إنا بك واثقون، فصبح القوم المدينة، فقاتل أهل المدينة قتالا شديدا حتى كثر أهل الشام، ودخلت المدينة من النواحي كلها، وابن حنظلة يحض أصحابه على القتال. وقتل الناس، فما ترى إلا راية عبد الله بن حنظلة يمشي بها مع عصابة من أصحابه، فقال لمولى له: احم لي ظهري حتى أصلي الظهر، فلما صلى قال له مولاه: ما بقي أحد، فعلام تقيم؟ ولواؤه قائم ما حوله خمسة، فقال: ويحك! إنما خرجنا على أن نموت، قال: وأهل المدينة كالنعام الشرود، وأهل الشام يقتلون فيهم، فلما هزم الناس طرح الدرع، وقاتلهم حاسرا حتى قتلوه، فوقف عليه مروان وهو ماد إصبعه السبابة، فقال: أما والله لئن نصبتها ميتا لطالما نصبتها حيا (١). وقال مبارك بن فضالة، عن أبي هارون العبدي قال: رأيت أبا سعيد الخدري ممعط اللحية، فقلت: تعبث بلحيتك! فقال: لا، هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام يوم الحرة، دخلوا علي زمن الحرة فأخذوا ما في البيت، ثم دخلت علي طائفة، فلم يجدوا في البيت شيئا، فأسفوا وقالوا: أضجعوا الشيخ، فأضجعوني، فجعل كل واحد منهم يأخذ من لحيتي خصلة. وعن بعضهم قالوا: ودخلوا المدينة ونهبوا وأفسدوا، واستحلوا الحرمة. قال خليفة (٢): فجميع من أصيب من قريش والأنصار يوم الحرة ثلاثمائة وستة رجال، ثم سرد أسماءهم في ثلاثة أوراق، قال: وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة. الواقدي: حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر أنه سأله عن يوم الحرة؛ هل خرج فيها أحد من بني عبد المطلب؟ قال: لا، لزموا بيوتهم، فلما قدم مسرف وقتل الناس، سأل عن أبي؛ أحاضر هو؟ قيل: نعم، قال: ما لي لا أراه! فبلغ ذلك أبي فجاءه، ومعه ابنا محمد ابن الحنفية، فرحب بأبي وأوسع له على سريره، وقال: كيف كنت؟ إن أمير المؤمنين أوصاني بك خيرا، فقال: وصل الله تعالى أمير المؤمنين، ثم سأله عن عبد الله والحسن ابني محمد، فقال: هما ابنا عمي، فرحب بهما.

стр. 1762

قلت: فممن أصيب يومئذ: أميرهم عبد الله بن حنظلة وبنوه، وعبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري الذي حكى وضوء رسول الله ﷺ ، ومعقل بن سنان الأشجعي حامل لواء قومه يوم الفتح، وواسع بن حبان الأنصاري ـ مختلف في صحبته ـ وكثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، أحد من نسخ المصاحف التي سيرها عثمان ﵁ إلى الأمصار، وأبوه أفلح، ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، ومحمد بن أبي حذيفة، قتلا مع معقل الأشجعي صبرا. وممن قتل يومئذ: سعد، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، وسليط، وعبد الرحمن، وعبد الله؛ بنو زيد بن ثابت لصلبه. قاله محمد بن سعد (١). وممن قتل يوم الحرة: إبراهيم بن نعيم النحام بن عبد الله بن أسيد القرشي العدوي. قال ابن سعد (٢): كان ابن النحام أحد الرؤوس يوم الحرة، وقتل يومئذ، وكان زوج رقية ابنة عمر بن الخطاب. وقتل يومئذ عبد الرحمن بن حويطب بن عبد العزى القرشي العامري (٣). وقتل يوم الحرة أيضا محمد بن أبي بن كعب، وعبد الرحمن بن أبي قتادة، ويزيد ووهب ابنا عبد الله بن زمعة، ويعقوب بن طلحة بن عبيد الله التيمي، وأبو حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري القارئ الذي أقامه عمر يصلي بالناس التراويح، وقد روى عن أبي بكر وعمر، وروى عنه سعيد المقبري ونافع مولى ابن عمر (٤). ومنهم عمران بن أبي أنس، توفي النبي ﷺ وله ست سنين، والفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ومحمد بن ثابت بن قيس بن شماس. قال عوانة بن الحكم: أتى مسلم بن عقبة بيزيد بن عبد الله بن زمعة بن

стр. 1763

الأسود الأسدي، فقال: بايع على كتاب الله وسنة نبيه، فامتنع، فأمر به مسلم فقتل. وقال جويرية: دخل مسلم بن عقبة المدينة، ودعا الناس إلى البيعة، على أنهم خول ليزيد، يحكم في أهلهم ودمائهم وأموالهم ما شاء، حتى أتي بابن عبد الله بن زمعة، وكان صديقا ليزيد وصفيا له، فقال: بل أبايعك على أني ابن عم أمير المؤمنين، يحكم في دمي وأهلي، فقال: اضربا عنقه، فوثب مروان بن الحكم فضمه إليه، فقال مسلم: والله لا أقيله أبدا، وقال: إن تنحى مروان، وإلا فاقتلوهما معا، فتركه مروان، فضربت عنقه. وقتل يومئذ أيضا صبرا أبو بكر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ويعقوب بن طلحة بن عبيد الله. وجاء أن معقل بن سنان ومحمد بن أبي الجهم كانا في قصر العرصة، فأنزلهما مسلم بالأمان، ثم قتلهما، وقال لمحمد: أنت الوافد على أمير المؤمنين، فوصلك وأحسن جائزتك، ثم رجعت تشهد عليه بالشرب. وقيل: بل قال له: تبايع أمير المؤمنين على أنك عبد قن، إن شاء أعتقك، وإن شاء استرقك، قال: بل أبايع على أني ابن عم كريم، فقال: اضربوا عنقه. وروي عن مالك بن أنس قال: قتل يوم الحرة من حملة القرآن سبعمائة. قلت: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل، وقتل الحسين وإخوته وآله، وشرب يزيد الخمر، وارتكب أشياء منكرة، بغضه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك الله في عمره، فخرج عليه أبو بلال مرداس بن أدية الحنظلي. قال ثابت البناني: فوجه عبيد الله بن زياد جيشا لحربه، فيهم عبد الله بن رباح الأنصاري، فقتله أبو بلال. وقال غيره: وجه عبيد الله بن زياد أيضا عباد بن أخضر في أربعة آلاف، فقاتلوا أبا بلال في سواد ميسان، ثم قتل عباد غيلة. وقال يونس بن عبيد: خرج أبو بلال أحد بني ربيعة بن حنظلة في أربعين رجلا، فلم يقاتل أحدا ولم يعرض للسبيل، ولا سأل، حتى نفد زادهم ونفقاتهم، حتى صاروا يسألون، فبعث عبيد الله لقتالهم جيشا عليهم عبد الله بن حصن الثعلبي، فهزموا وقتلوا أصحابه، ثم بعث عليهم عباد بن أخضر، فقتلهم أجمعين.

стр. 1764

وروى غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد قال: خرج أبو بلال من البصرة في أربعين رجلا، فلم يقاتلوا، فحدثني من كان في قافلة قال: جاؤونا يقودون خيولهم، فتكلم أبو بلال فقال: قد رأيتم ما كان يؤتى إلينا، ولعلنا لو صبرنا لكان خيرا لنا، وقد أصابتنا خصاصة، فتصدقوا، إن الله يجزي المتصدقين، قال: فجاءه التجار بالبدر، فوضعوها بين يديه، فقال: لا، إلا درهمين لكل رجل، فلعلنا لا نأكلها حتى نقتل، فأخذ ثمانين درهما لهم، قال: فسار إليهم جند فقتلوهم. وقال عوف الأعرابي: كان أبو بلال صديقا لأبي العالية، فلما بلغ أبا العالية خروجه أتاه فكلمه، فما نفع. وقال ابن عيينة: كان أبو بلال يلبس سلاحه في الليل، ويركب فرسه فيرفع رأسه إلى السماء ويقول: إني وزنت الذي يبقى لأعدله … ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا خوف الإله وتقوى الله أخرجني … وبيع نفسي بما ليست له ثمنا وخرج نافع بن الأزرق في آخر خلافة يزيد، فاعترض الناس، فانتدب له أهل البصرة مع مسلم بن عبيس العبشمي القرشي، فقتلا كلاهما. قال معاوية بن قرة: خرجت مع أبي في جيش ابن عبيس، فلقيناهم بدولاب (١)، فقتل منا خمسة أمراء. وقال غيره: قتل في الوقعة قرة بن إياس المزني أبو معاوية، وله صحبة ورواية. وقال أبو اليقظان: قتل ربيعة السليطي مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة، ولما قتل ابن الأزرق رأست الخوارج عليهم عبد الله بن ماحوز، فسار بهم إلى المدائن. ولما قتل مسعود المعني غلبوا على الأهواز وجبوا المال، وأتتهم الأمداد من اليمامة والبحرين، وخرج طواف بن المعلى السدوسي في نفر من العرب، فخرج في يوم عيد، فحكم، قال: لا حكم إلا لله عند قصر أوس، فرماه الناس بالحجارة، وقاتله ابن زياد ثلاثة أيام، ثم قتل وتمزق جمعه.

стр. 1765

سنة أربع وستين توفي فيها ربيعة الجرشي في ذي الحجة بمرج راهط، وشقيق بن ثور السدوسي، والمسور بن مخرمة، والضحاك بن قيس الفهري، ويزيد بن معاوية، ومعن بن يزيد السلمي، وابنه ثور، والنعمان بن بشير في آخرها، ومعاوية بن يزيد بن معاوية، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان الأموي، والمنذر بن الزبير بن العوام، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، ومسعود بن عمرو الأزدي، ومسلم بن عقبة. قال محمد بن جرير (١): لما فرغ مسلم بن عقبة المري من الحرة، توجه إلى مكة، واستخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي، فأدرك مسلما الموت، وعهد بالأمر إلى حصين بن نمير، فقال: انظر يا برذعة الحمار، لا ترع سمعك قريشا، ولا تردن أهل الشام عن عدوهم، ولا تقيمن إلا ثلاثا حتى تناجز ابن الزبير الفاسق، ثم قال: اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد الشهادتين أحب إلي من قتل أهل المدينة، ولا أرجى عندي منه، ثم مات، فقدم حصين على ابن الزبير، وقد بايعه أهل الحجاز، وقدم عليه فل (٢) أهل المدينة، وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي الحروري في أناس من الخوارج، فجرد أخاه المنذر لقتال أهل الشام، وكان ممن شهد الحرة، ثم لحق به فقاتلهم ساعة، ثم دعي إلى المبارزة، فضرب كل واحد صاحبه، وخر ميتا. وقاتل مصعب بن عبد الرحمن حتى قتل، ثم صابرهم ابن الزبير على القتال إلى الليل، ثم حاصروه بمكة شهر صفر، ورموه بالمنجنيق، وكانوا يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شررة هبت بها الريح، فأحرقت الأستار وخشب السقف؛ سقف الكعبة، واحترق قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل، وكان في السقف. قال: فبلغ عبد الله بن الزبير وهو محصور موت يزيد بن معاوية، فنادى: يا أهل الشام، إن طاغيتكم قد هلك. فغدوا يقاتلون، فقال ابن الزبير للحصين بن نمير: ادن مني أحدثك، فدنا فحدثه،

стр. 1766

فقال: لا نقاتلك، فائذن لنا نطف بالبيت وننصرف، ففعل. وذكر عوانة بن الحكم أن الحصين سأل ابن الزبير موعدا بالليل، فالتقيا بالأبطح، فقال له الحصين: إن يك هذا الرجل قد هلك، فأنت أحق الناس بهذا الأمر، هلم نبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإن هؤلاء هم وجوه أهل الشام وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وأخذ الحصين يكلمه سرا، وابن الزبير يجهر جهرا، ويقول: لا أفعل، فقال الحصين: كنت أظن أن لك رأيا، ألا أراني أكلمك سرا وتكلمني جهرا، وأدعوك إلى الخلافة وتعدني القتل! ثم قام وسار بجيشه، وندم ابن الزبير فأرسل وراءه يقول: لست أسير إلى الشام، إني أكره الخروج من مكة، ولكن بايعوا لي بالشام، فإني عادل عليكم، ثم سار الحصين، وقل عليهم العلف، واجترأ على جيشه أهل المدينة وأهل الحجاز، وجعلوا يتخطفونهم وذلوا، وسار معهم بنو أمية من المدينة إلى الشام. وقال غيره: سار مسرف بن عقبة وهو مريض من المدينة، حتى إذا صدر عن الأبواء هلك، وأمر على جيشه حصين بن نمير الكندي، فقال: قد دعوتك، وما أدري أستخلفك على الجيش، أو أقدمك فأضرب عنقك؟ قال: أصلحك الله! سهمك، فارم بي حيث شئت، قال: إنك أعرابي جلف جاف، وإن قريشا لم يمكنهم رجل قط من أذنه إلا غلبوه على رأيه، فسر بهذا الجيش، فإذا لقيت القوم فاحذر أن تمكنهم من أذنك، لا يكون إلا الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف. وقال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أبي عون قال: جاء نعي يزيد ليلا، وكان أهل الشام يودون ابن الزبير، قال أبو عون: فقمت في مشربة لنا في دار مخرمة بن نوفل، فصحت بأعلى صوتي: يا أهل الشام، يا أهل النفاق والشؤم، قد والله الذي لا إله إلا هو مات يزيد، فصاحوا وسبوا وانكسروا، فلما أصبحنا جاء شاب فاستأمن، فأمناه، فجاء ابن الزبير وعبد الله بن صفوان وأشياخ جلوس في الحجر، والمسور يموت في البيت، فقال الشاب: إنكم معشر قريش، إنما هذا الأمر أمركم، والسلطان لكم، وإنما خرجنا في طاعة رجل منكم وقد هلك، فإن رأيتم أن تأذنوا لنا فنطوف

стр. 1767

بالبيت وننصرف إلى بلادنا، حتى يجتمعوا على رجل. فقال ابن الزبير: لا، ولا كرامة، فقال ابن صفوان: لم! بلى نفعل ذلك، فدخلا على المسور فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية، قد خربوا بيت الله وأخافوا عواده، فأخفهم كما أخافوا عواده، فتراجعوا، وغلب المسور ومات من يومه. قلت: وكان له خمسة أيام قد أصابه من حجر المنجنيق شقفة في خده فهشم خده. وروى الواقدي عن جماعة أن ابن الزبير دعاهم إلى نفسه، فبايعوه، وأبى عليه ابن عباس وابن الحنفية، وقالا: حتى تجتمع لك البلاد وما عندنا خلاف، فكاشرهما، ثم أغلظ عليهما كما سيأتي. وقال غيره: لما بلغ ابن الزبير موت يزيد بايعوه بالخلافة لما خطبهم ودعاهم إلى نفسه، وكان قبل ذلك إنما يدعو إلى الشورى، فبايعوه في رجب. ولما هلك يزيد بويع بعده ابنه معاوية بن يزيد، فبقي في الخلافة أربعين يوما، وقيل: شهرين أو أكثر متمرضا، والضحاك بن قيس يصلي بالناس، فلما احتضر قيل له: ألا تستخلف؟ فأبى، وقال: ما أصبت من حلاوتها، فلم أتحمل مرارتها! وكان لم يغير أحدا من عمال أبيه. وكان شابا صالحا، أبيض جميلا وسيما، عاش إحدى وعشرين سنة، وصلى عليه عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان، فأرادت بنو أمية عثمان هذا على الخلافة، فامتنع ولحق بخاله عبد الله بن الزبير. وقال حصين بن نمير لمروان بن الحكم عند موت معاوية: أقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شامكم، فتكون فتنة، فكان رأي مروان أن يرد إلى ابن الزبير فيبايعه، فقدم عليه عبيد الله بن زياد هاربا من العراق، وكان عندما بلغه موت يزيد خطب الناس ونعى إليهم يزيد، وقال: اختاروا لأنفسكم أميرا، فقالوا: نختارك حتى يستقيم أمر الناس، فوضع الديوان وبذل العطاء، فخرج عليه سلمة الرياحي بناحية البصرة، فدعا إلى ابن الزبير، فمال الناس إليه.

стр. 1768

وقال سعيد بن يزيد الأزدي: قال عبيد الله لأهل البصرة: اختاروا لأنفسكم، قالوا: نختارك، فبايعوه وقالوا: أخرج لنا إخواننا، وكان قد ملأ السجون من الخوارج، فقال: لا تفعلوا؛ فإنهم يفسدون عليكم، فأبوا عليه فأخرجهم، فجعلوا يبايعونه، فما تتام آخرهم حتى أغلظوا له، ثم خرجوا في ناحية بني تميم. وروى جرير بن حازم عن عمه أنهم خرجوا، فجعلوا يمسحون أيديهم بجدر باب الإمارة ويقولون: هذه بيعة ابن مرجانة، واجترأ عليه الناس حتى نهبوا خيله من مربطه. وقال غيره: فهرب بالليل، فاستجار بمسعود بن عمرو رئيس الأزد، فأجاره. ثم إن أهل البصرة بايعوا عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي ببه، ورضوا به أميرا عليهم، واجتمع الناس لتتمة البيعة، فوثبت الحرورية على مسعود بن عمرو فقتلوه، وهرب الناس، وتفاقم الشر، وافترق الجيش فرقتين، وكانوا نحوا من خمسين ألفا، فاقتتلوا ثلاثة أيام، فكان على الخوارج نافع بن الأزرق. وقال الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد: إن مسعودا جهز مع عبيد الله بن زياد مائة من الأزد، فأقدموه الشام. وروى ابن الخربت، عن أبي لبيد، عن الحارث بن قيس الجهضمي قال: قال ابن زياد: إني لأعرف سوء رأي كان في قومك، قال الحارث: فوقفت عليه فأردفته على بغلتي، وذلك ليلا، وأخذت به على بني سليم، فقال: من هؤلاء؟ قلت: بنو سليم، قال: سلمنا إن شاء الله، ثم مررنا على بني ناجية وهم جلوس معهم السلاح، فقالوا: من ذا؟ قلت: الحارث بن قيس، قالوا: امض راشدا، فقال رجل: هذا والله ابن مرجانة خلفه، فرماه بسهم، فوضعه في كور عمامته، فقال: يا أبا محمد، من هؤلاء؟ قلت: الذين كنت تزعم أنهم من قريش، هؤلاء بنو ناجية، فقال: نجونا إن شاء الله، ثم قال: إنك قد أحسنت وأجملت، فهل تصنع ما أشير به عليك؟ قد عرفت حال مسعود بن عمرو وشرفه وسنه، وطاعة قومه له، فهل لك أن تذهب بي إليه، فأكون في داره؟ فهي أوسط الأزد دارا، فإنك إن لم تفعل تصدع

стр. 1769

عليك أمر قومك. قلت: نعم، فانطلقت به، فما شعر مسعود وهو جالس يوقد له بقضيب على لبنة، وهو يعالج أحد خفيه بخلعه، فعرفنا فقال: إنه قد كان يتعوذ من طوارق السوء، فقلت له: أفتخرجه بعدما دخل عليك بيتك؟ فأمره، فدخل بيت ابنه عبد الغافر، وركب معي في جماعة من قومه، وطاف في الأزد فقال: إن ابن زياد قد فقد، وإنا لا نأمن أن نلطخ به، فأصبحت الأزد في السلاح، وأصبح الناس قد فقدوا ابن زياد، فقالوا: أين توجه؟ ما هو إلا في الأزد. قال خليفة (١): قال أبو اليقظان: فسار مسعود وأصحابه يريدون دار الإمارة، ودخلوا المسجد، وقتلوا قصارا كان في ناحية المسجد، ونهبوا دار امرأة، وبعث الأحنف حين علم بذلك إلى بني تميم، فجاءوا، ودخلت الأساورة المسجد فرموا بالنشاب، فيقال: إنهم فقأوا عين أربعين نفسا. وجاء رجل من بني تميم إلى مسعود فقتله، وهرب مالك بن مسمع، فلجأ إلى بني عدي، وانهزم الناس. وقال الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد: إن عبيد الله قدم الشام، وقد بايع أهلها عبد الله بن الزبير، ما خلا أهل الجابية ومن كان من بني أمية، فبايع هو ومروان وبنو أمية خالد بن يزيد بن معاوية بعد موت أخيه معاوية (٢) في نصف ذي القعدة، ثم ساروا فالتقوا هم والضحاك بن قيس الفهري بمرج راهط، فاقتتلوا أياما في ذي الحجة، وكان الضحاك في ستين ألفا، وكان مروان في ثلاثة عشر ألفا، فأقاموا عشرين يوما يلتقون في كل يوم، فقال عبيد الله بن زياد لمروان: إن الضحاك في فرسان قيس، ولن تنال منهم ما تريد إلا بمكيدة، فسلهم الموادعة، وأعد الخيل، فإذا كفوا عن القتال فادهمهم، قال: فمشت بينهم السفراء حتى كف الضحاك عن القتال، فشد عليهم مروان في الخيل، فنهضوا للقتال من غير تعبئة، فقتل الضحاك، وقتل معه طائفة من فرسان قيس، وسنورد من أخباره في اسمه.

стр. 1770

وقال أبو عبيدة: لما مات يزيد انتقض أهل الري، فوجه إليهم عامر بن مسعود أمير الكوفة محمد بن عمير بن عطارد الدارمي، وكان إصبهبذ (١) الري يومئذ الفرخان، فانهزم الفرخان والمشركون. وفيها ظهرت الخوارج الذين بمصر، ودعوا إلى عبد الله بن الزبير، وكانوا يظنونه على مذهبهم، ولحق به خلق من مصر إلى الحجاز، فبعث ابن الزبير على مصر عبد الرحمن بن جحدم الفهري، فوثبوا على سعيد الأزدي فاعتزلهم. وأما الكوفيون، فإنهم بعد هروب ابن زياد اصطلحوا على عامر بن مسعود الجمحي، فأقره ابن الزبير. وفيها هدم ابن الزبير الكعبة لما احترقت، وبناها على قواعد إبراهيم الخليل صلى الله عليه وعلى نبينا للحديث المشهور، وهو في البخاري؛ ومتنه أن رسول الله ﷺ قال: يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة، ولأدخلت الحجر في البيت، ولجعلت لها بابين؛ بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه، وقال: إن قريشا قصرت بهم النفقة، فتركوا من أساس إبراهيم الحجر، واقتصروا على هذا، وقال: إن قومك عملوا لها بابا عاليا، ليدخلوا من أرادوا، ويمنعوا من أرادوا (٢). فبناه ابن الزبير كبيرا، وألصق بابه بالأرض، فلما قتل ابن الزبير وولي الحجاج على مكة أعاد البيت على ما كان في زمن النبي ﷺ ، ونقض حائطه من جهة الحجر فصغره، وأخرج منه الحجر، وأخذ ما فضل من الحجارة، فدكها في أرض البيت، فعلا بابه، وسد الباب الغربي. سنة خمس وستين توفي فيها أسيد بن ظهير الأنصاري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وسليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ومالك بن هبيرة السكوني - وله صحبة - والنعمان بن بشير في أول سنة - وقيل: في آخر سنة أربع - والحارث بن عبد الله الهمداني الأعور.

стр. 1771

ولما انقضت وقعة مرج راهط في أول السنة بايع أكثر أهل الشام لمروان، فبقي تسعة أشهر ومات، وعهد إلى ابنه عبد الملك. وفيها دخل المهلب بن أبي صفرة الأزدي خراسان أميرا عليها من جهة ابن الزبير، فكلمه أميرها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي في قتال الأزارقة والخوارج، وأشار بذلك الأحنف بن قيس، وأمدوه بالجيوش، فسار وحارب الأزارقة أصحاب ابن الأزرق، وصابرهم على القتال حتى كسرهم، وقتل منهم أربعة آلاف وثماني مائة. وفيها سار مروان بجيوشه إلى مصر، وقد كان كاتبه كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد قاضي مصر، فحاصر جيشه والي مصر لابن الزبير، فخندق على البلد، وخرج أهل مصر، وهو اليوم الذي يسمونه يوم التراويح، لأن أهل مصر كانوا ينتابون القتال ويستريحون، واستحر القتل في المعافر، فقتل منهم خلق، وقتل يومئذ عبد الله بن يزيد بن معدي كرب الكلاعي أحد الأشراف، ثم صالحوا مروان، فكتب لهم كتابا بيده، وتفرق الناس، وأخذوا في دفن قتلاهم وفي البكاء، ثم تجهز والي مصر عبد الرحمن بن جحدم وأسرع إلى ابن الزبير، وضرب مروان عنق ثمانين رجلا تخلفوا عن مبايعته، وضرب عنق الأكيدر بن حمام اللخمي سيد لخم وشيخها في هذه الأيام، وكان من قتلة عثمان ﵁، وذلك في نصف جمادى الآخرة يوم مات عبد الله بن عمرو ﵄، وما قدروا يخرجون بجنازة عبد الله، فدفنوه بداره. واستولى مروان على مصر، وأقام بها شهرين، ثم استعمل عليها ابنه عبد العزيز، وترك عنده أخاه بشر بن مروان، وموسى بن نصير وزيرا، وأوصاه بالمبالغة في الإحسان إلى الأكابر، ورجع إلى الشام. وفيها وفد الزهري على مروان، قال عنبسة بن سعيد، عن يونس، عن الزهري: وفدت على مروان وأنا محتلم. قلت: وهذا بعيد، وإنما المعروف وفادته أول شيء على عبد الملك في أواخر إمارته. وفيها وجه مروان حبيش بن دلجة القيني في أربعة آلاف إلى المدينة،

стр. 1772

وقال له: أنت على ما كان عليه مسلم بن عقبة، فسار ومعه عبيد الله بن الحكم أخو مروان، وأبو الحجاج يوسف الثقفي، وابنه الحجاج وهو شاب، فجهز متولي البصرة من جهة ابن الزبير عمر بن عبيد الله التيمي جيشا من البصرة، فالتقوا هم وحبيش بالربذة في أول رمضان، فقتل حبيش بن دلجة وعبيد الله بن الحكم وأكثر ذلك الجيش، وهرب من بقي، فتخطفتهم الأعراب، وهرب الحجاج ردف أبيه. وفيها دعا ابن الزيبر محمد ابن الحنفية إلى بيعته فأبى عليه، فحصره في شعب بني هاشم في جماعة من بنيه وشيعته وتوعدهم. وفيها خرج بنو ماحوز بالأهواز وفارس، وتقدم عسكرهم، فاعترضوا أهل المدائن، فقتلوهم أجمع، ثم ساروا إلى أصبهان، وعليها عتاب بن ورقاء الرياحي، فقتل ابن ماحوز، وانهزم الخوارج الذين معه، ثم أمروا عليهم قطري بن الفجاءة. وأما نجدة الحروري فإنه قدم في العام الماضي في جموعه من الحرورية على ابن الزبير وقاتلوا معه، فلما ذهب أهل الشام اجتمعوا بابن الزبير وسألوه ما يقول في عثمان؟ فقال: تعالوا العشية حتى أجيبكم، ثم هيأ أصحابه بالسلاح، فجاءت الخوارج، فقال نافع بن الأزرق لأصحابه: قد خشي الرجل غائلتكم، ثم دنا منه فقال: يا هذا، اتق الله وابغض الجائر، وعاد أول من سن الضلالة، وخالف حكم الكتاب، وإن خالفت فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم طيباتهم في حياتهم الدنيا. ثم تكلم خطيب القوم عبيدة بن هلال، فأبلغ. ثم تكلم ابن الزبير، فقال في آخر مقالته: أنا ولي عثمان في الدنيا والآخرة، قالوا: فبرئ الله منك يا عدو الله، فقال: وبرئ الله منكم يا أعداء الله، فتفرقوا على مثل هذا ورحلوا، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي، وعبد الله بن صفوان (١) السعدي، وعبد الله بن إباض، وحنظلة بن بيهس، وعبد الله وعبيد الله والزبير بنو الماحوز اليربوعي، حتى قدموا البصرة، وانطلق أبو طالوت وأبو فديك عبد الله بن ثور وعطية

стр. 1773

اليشكري فوثبوا باليمامة، ثم اجتمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي الحروري. ولما رجع مروان إلى دمشق إذا مصعب بن الزبير قد قدم في عسكر من الحجاز يطلب فلسطين، فسرح مروان لحربه عمرو بن سعيد الأشدق فقاتلهم، فانهزم أصحاب مصعب. وورد أن مروان تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية، وجعله ولي عهده من بعده، ثم بعده عمرو بن سعيد، ثم لم يتم ذلك. وفيها بايع جند خراسان سلم بن زياد بن أبيه بعد موت معاوية بن يزيد، وأحبوه حتى يقال: سموا باسمه تلك السنة أكثر من عشرين ألف مولود، فبايعوه على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة، ثم نكثوا واختلفوا، فخرج سلم وترك عليهم المهلب بن أبي صفرة، فلقيه بنيسابور عبد الله بن خازم (١) السلمي، فقال: من وليت على خراسان؟ فأخبره، قال: ما وجدت في مضر رجلا تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل وأزد عمان؟ وقال: اكتب لي عهدا على خراسان، فكتب له، وأعطاه مائة ألف درهم، فأقبل إلى مرو، فبلغ المهلب الخبر فتهيأ، وغلب ابن خازم على مرو، ثم سار إلى سليمان بن مرثد، فاقتتلوا أياما، فقتل سليمان، ثم سار ابن خازم إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان في سبعمائة، فبلغ عمرا فسار إليه، فالتقوا فقتل عمرو، وهرب أصحابه إلى هراة وبها أوس بن ثعلبة، فاجتمع له خلق كثير وقالوا: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم فتخرج مضر من خراسان كلها، فقال: هذا بغي، وأهل البغي مخذولون، فلم يطيعوه، وسار إليهم ابن خازم، فخندقوا على هراة، فاقتتلوا نحو سنة، وشرع ابن خازم يلين لهم، فقالوا: لا، إلا أن تخرج مضر من خراسان، وإما أن ينزلوا عن كل سلاح ومال، فقال ابن خازم: وجدت إخواننا قطعا للرحم، قال: قد أخبرتك أن ربيعة لم تزل غضابا على ربها مذ بعث الله نبيه ﷺ من مضر. ثم كانت بينه وبين أوس بعد الحصار الطويل وقعة هائلة، أثخن فيها أوس بالجراحات، وقتلت ربيعة قتلا ذريعا، وهرب أوس إلى سجستان فمات بها، وقتل من جنده يومئذ من بكر بن وائل ثمانية آلاف، واستخلف ابن

стр. 1774

خازم ولده على هراة، ورجع إلى مرو. وفيها سار المختار بن أبي عبيد الثقفي في رمضان من مكة، ومعه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أميرا من قبل ابن الزبير على خراج الكوفة، فقدم المختار الكوفة والشيعة قد اجتمعت على سليمان بن صرد، فليس يعدلون به، فجعل المختار يدعوهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين، فتقول الشيعة: هذا سليمان شيخنا، فأخذ يقول لهم: إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد ابن الحنفية، فصار معه طائفة من الشيعة، ثم قدم على الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي من قبل ابن الزبير، فنبهوه على أمر الشيعة، وأن نيتهم أن يتوثبوا، فخطب الناس، وسب قتلة الحسين، ثم قال: ليبشر هؤلاء القوم وليخرجوا ظاهرين إلى قاتل الحسين عبيد الله بن زياد، فقد أقبل إليهم، وأنا لهم على قتاله ظهير، فقتاله أولى بكم، فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة فنقم عليه هذه المقالة وعابها، فقام إليه المسيب بن نجبة فسبه، وشرعوا يتجهزون للخروج إلى ملتقى عبيد الله بن زياد. وقد كان سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة الفزاري؛ وهما من شيعة علي ومن كبار أصحابه، خرجا في ربيع الآخر يطلبون بدم الحسين بظاهر الكوفة في أربعة آلاف، ونادوا: يا لثارات الحسين، وتعبدوا بذلك، ولكن ثبط المختار جماعة وقال: إن سليمان لا يصنع شيئا، إنما يلقي بالناس إلى التهلكة، ولا خبرة له بالحرب، وقام سليمان في أصحابه فحض على الجهاد، وقال: من أراد الدنيا فلا يصحبنا، ومن أراد وجه الله والثواب في الآخرة فذلك منا، وقام صخر بن حذيفة المزني فقال: آتاك الله الرشد، أيها الناس، إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابن بنت نبينا، ليس معنا دينار ولا درهم، إنما نقدم على حد السيوف. وقام عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي في قومه، فدخل على سليمان بن صرد، فقال: إنما خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلته كلهم بالكوفة؛ عمر بن سعد، وأشراف القبائل، فقالوا: لقد جاء برأي، وما نلقى إن سرنا إلى الشام إلا عبيد الله بن زياد، فقال سليمان: أنا أرى أنه هو الذي قتله، وعبأ الجنود وقال: لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي، فسيروا إليه، وكان عمر

стр. 1775

ابن سعد في تلك الأيام خائفا، لا يبيت إلا في قصر الإمارة، فخرج عبد الله بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد فأتيا سليمان بن صرد، فقال: إنكم أحب أهل بلدنا إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم، أقيموا معنا حتى نتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلادنا خرجنا كلنا فقاتلناه، فقال سليمان: قد خرجنا لأمر، ولا نرانا إلا شاخصين إن شاء الله، قال: فأقيموا حتى نعبئ معكم جيشا كثيفا، فقال: سأنظر ويأتيك رأيي. ثم سار، وخرج معه كل مستميت، وانقطع عنه بشر كثير، فقال سليمان: ما أحب أن من تخلف عنكم معكم، وأتوا قبر الحسين فبكوا، وأقاموا يوما وليلة يصلون عليه ويستغفرون له، وقال سليمان: يا رب، إنا قد خذلناه، فاغفر لنا وتب علينا. ثم أتاهم كتاب عبد الله بن يزيد من الكوفة ينشدهم الله ويقول: أنتم عدد يسير، وإن جيش الشام خلق، فلم يلووا عليه، ثم قدموا قرقيسياء، فنزلوا بظاهرها وبها زفر بن الحارث الكلابي قد حصنها، فأتى بابها المسيب بن نجبة، فأخبروا به زفر فقال: هذا فارس مضر الحمراء كلها، وهو ناسك دين، فأذن له ولاطفه، فقال: ممن نتحصن، إنا والله ما إياكم نريد، فأخرجوا لنا سوقا، فأمر لهم بسوق، وأمر للمسيب بفرس، وبعث إليهم من عنده بعلف كثير، وبعث إلى وجوه القوم بعشر جزائز عشر جزائر وعلف وطعام، فما احتاجوا إلى شراء شيء من السوق، إلا مثل سوط أو ثوب، وخرج فشيعهم وقال: إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرقة؛ حصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم بن محرز الباهلي، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة الخثعمي، وهم عدد كثير، فقال سليمان: على الله توكلنا، قال زفر: فتدخلون مدينتنا، ويكون أمرنا واحدا، ونقاتل معكم، فقال: قد أرادنا أهل بلدنا على ذلك فلم نفعل، قال: فبادروهم إلى عين الوردة، فاجعلوا المدينة في ظهوركم، ويكون الرستاق والماء في أيديكم، ولا تقاتلوهم في فضاء، فإنهم أكثر منكم فيحيطون بكم، ولا تراموهم، ولا تصفوا لهم، فإني لا أرى معكم رجالا والقوم ذوو رجال وفرسان، والقوهم كراديس.

стр. 1776

قال: فعبأ سليمان بن صرد كتائبه، وانتهى إلى عين الوردة، فنزل في غربيها وأقام خمسا، فاستراحوا وأراحوا خيولهم، ثم قال سليمان: إن قتلت فأميركم المسيب، فإن أصيب فالأمير عبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قتل فالأمير عبد الله بن وال، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شداد، رحم الله من صدق ما عاهد الله عليه، ثم جهز المسيب بن نجبة في أربعمائة، فانقضوا على مقدمة القوم وعليها شرحبيل بن ذي الكلاع، وهم غارون، فقاتلوهم فهزموهم، وأخذوا من خيلهم وأمتعتهم وردوا، فبلغ الخبر عبيد الله بن زياد، فجهز إليهم الحصين بن نمير في اثني عشر ألفا، ثم أردفهم بشرحبيل في ثمانية آلاف، ثم أمدهم من الصباح بأدهم بن محرز في عشرة آلاف، ووقع القتال، ودام الحرب ثلاثة أيام واقتتلوا قتالا لم ير مثله، وقتل من الشاميين خلق كثير، وقتل من التوابين، وكذا كانوا يسمون؛ لأنهم تابوا إلى الله من خذلان الحسين ﵁، فاستشهد أمراؤهم الأربعة، ثم تحيز رفاعة بمن بقي ورد إلى الكوفة، وكان المختار في الحبس، فكتب إلى رفاعة بن شداد: مرحبا بمن عظم الله لهم الأجر فأبشروا، إن سليمان قضى ما عليه، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، وقاتل الجبارين، فأعدوا واستعدوا، وكان قد حبسه الأميران إبراهيم بن محمد بن طلحة وعبد الله بن يزيد الخطمي، فبقي أشهرا، ثم بعث عبد الله بن عمر يشفع فيه إلى الأميرين، فضمنوه جماعة وأخرجوه، وحلفوه فحلف لهما مضمرا للشر، فشرعت الشيعة تختلف إليه وأمره يستفحل. وكانت الكعبة احترقت في العام الماضي من مجمر، علقت النار في الأستار، فأمر ابن الزبير في هذا العام بهدمها إلى الأساس، وأنشأها محكمة، وأدخل من الحجر فيها سعة ستة أذرع، لأجل الحديث الذي حدثته خالته أم المؤمنين عائشة، ثم إنه لما نقضها ووصلوا إلى الأساس، عاينوه آخذا بعضه ببعض كأسنمة البخت، وأن الستة الأذرع من جملة الأساس، فبنوا على ذلك ولله الحمد، وألصقوا داخلها بالأرض، لم يرفعوا داخلها، وعملوا لها بابا آخر في ظهرها، ثم سده الحجاج، فذلك بين للناظرين، ثم قصر تلك الستة الأذرع فأخرجها من البيت، ودك تلك

стр. 1777

الحجارة في أرض البيت، حتى علا كما هو في زماننا، زاده الله تعظيما (١). وغلب في هذه السنة عبد الله بن خازم على خراسان، وغلب معاوية الكلابي على السند، إلى أن قدم الحجاج البحرين، وغلب نجدة الحروري على البحرين وعلى بعض اليمن. وأما عبيد الله بن زياد فإنه بعد وقعة عين الوردة مرض بأرض الجزيرة، فاحتبس بها وبقتال أهلها عن العراق نحوا من سنة، ثم قصد الموصل وعليها عامل المختار كما يأتي. سنة ست وستين توفي فيها جابر بن سمرة وزيد بن أرقم على الأصح فيهما، وهبيرة بن يريم، وأسماء بن خارجة الفزاري. وقتل عبيد الله بن زياد بن أبيه، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وحصين بن نمير السكوني، وقيل: إنما قتلوا في أول سنة سبع وستين. وفي أثناء السنة عزل ابن الزبير عن الكوفة أميريها وأرسل عليها عبد الله بن مطيع، فخرج من السجن المختار، وقد التف عليه خلق من الشيعة، وقويت بليته، وضعف ابن مطيع معه، ثم إنه توثب بالكوفة، فناوشه طائفة من أهل الكوفة القتال، فقتل منهم رفاعة بن شداد وعبد الله بن سعد بن قيس، وغلب على الكوفة، وهرب منه عبد الله بن مطيع إلى ابن الزبير، وجعل يتتبع قتلة الحسين، وقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص وشمر بن ذي الجوشن الضبابي وجماعة، وافترى على الله أنه يأتيه جبريل بالوحي، فلهذا قيل له: المختار الكذاب، كما قالوا: مسيلمة الكذاب. ولما قويت شوكته في هذا العام كتب إلى ابن الزبير يحط على عبد الله بن مطيع، ويقول: رأيته مداهنا لبني أمية، فلم يسعني أن أقره على ذلك وأنا على طاعتك، فصدقه ابن الزبير وكتب إليه بولاية الكوفة، فكفاه جيش عبيد الله بن زياد، وأخرج من عنده إبراهيم بن الأشتر، وقد جهزه لحرب ابن زياد في ذي الحجة، وشيعه المختار إلى دير ابن أم الحكم، واستقبل إبراهيم أصحاب

стр. 1778

المختار قد حملوا الكرسي الذي قال لهم المختار: هذا فيه سر، وإنه آية لكم كما كان التابوت آية لبني إسرائيل، قال: وهم يدعون حول الكرسي ويحفون به، فغضب ابن الأشتر وقال: اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، سنة بني إسرائيل إذ عكفوا على العجل. وافتعل المختار كتابا عن ابن الحنفية يأمره فيه بنصر الشيعة، فذهب بعض الأشراف إلى ابن الحنفية، فقال: وددت أن الله انتصر لنا بمن شاء، فتوثب إبراهيم بن الأشتر، وكان بعيد الصوت كثير العشيرة، فخرج بالليل وقتل إياس بن مضارب أمير الشرطة، ودخل على المختار فأخبره، ففرح ونادى أصحابه في الليل بشعارهم، واجتمعوا فعسكر المختار بدير هند، وخرج أبو عثمان النهدي فنادى: يا ثارات الحسين، ألا إن أمير آل محمد قد خرج. ثم التقى الفريقان من الغد، فاستظهر المختار، ثم اختفى ابن مطيع، وأخذ المختار يعدل ويحسن السيرة، وبعث في السر إلى ابن مطيع بمائة ألف - وكان صديقه قبل ذلك - وقال: تجهز بهذه واخرج، فقد شعرت أين أنت، ووجد المختار في بيت المال سبعة آلاف ألف، فأنفق في جنده وقواهم. قال ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة: حدثني معبد بن خالد قال: حدثني طفيل بن جعدة بن هبيرة قال: كان لجار لي زيات كرسي، وكنت قد احتجت، فقلت للمختار: إني كنت أكتمك شيئا، وقد بدا لي أن أذكره. قال: وما هو؟ قلت: كرسي كان لأبي يجلس عليه، كان يرى أن فيه أثرة من علم، قال: سبحان الله، أخرته إلى اليوم! قال: وكان ركبه وسخ شديد، فغسل وخرج عوادا نضارا، فجيء به وقد غشي، فأمر لي باثني عشر ألفا، ثم دعا: الصلاة جامعة، فاجتمعوا فقال: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت، وإن فينا مثل التابوت، اكشفوا عن هذا، فكشفوا الأثواب، وقامت السبئية فرفعوا أيديهم، فقام شبث من ربعي ينكر، فضرب. فلما قتل عبيد الله بن زياد وجنده المقتلة الآتية ازداد أصحابه به فتنة،

стр. 1779

وتغالوا فيه حتى تعاطوا الكفر، فقلت: إنا لله، وندمت على ما صنعت، فتكلم الناس في ذلك فغيب، قال معبد: فلم أره بعد. قال محمد بن جرير (١): ووجه المختار في ذي الحجة ابن الأشتر لقتال ابن زياد، وذلك بعد فراغ المختار من قتال أهل السبيع وأهل الكناسة الذين خرجوا على المختار وأبغضوه من أهل الكوفة، وأوصى ابن الأشتر وقال: هذا الكرسي لكم آية، فحملوه على بغل أشهب، وجعلوا يدعون حوله ويضجون، ويستنصرون به على قتال أهل الشام، فلما اصطلم أهل الشام ازداد شيعة المختار بالكرسي فتنة، فلما رآهم كذلك إبراهيم بن الأشتر تألم وقال: اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، سنة بني إسرائيل إذ عكفوا على العجل. وكان المختار يربط أصحابه بالمحال والكذب، ويتألفهم بما أمكن، ويتألف الشيعة بقتل قتلة الحسين. وعن الشعبي قال: خرجت أنا وأبي مع المختار من الكوفة، فقال لنا: أبشروا، فإن شرطة الله قد حسوهم بالسيوف بنصيبين أو بقرب نصيبين، فدخلنا المدائن، فوالله إنه ليخطبنا إذ جاءته البشرى بالنصر، فقال: ألم أبشركم بهذا؟ قالوا: بلى والله. قال: يقول لي رجل همداني من الفرسان: أتؤمن الآن يا شعبي؟ قلت: بماذا؟ قال: بأن المختار يعلم الغيب، ألم يقل: إنهم انهزموا؟ قلت: إنما زعم أنهم هزموا بنصيبين، وإنما كان ذلك بالخازر من الموصل، فقال لي: والله لا تؤمن حتى ترى العذاب الأليم يا شعبي. وروي أن أحد عمومة الأعشى كان يأتي مجلس أصحابه، فيقول: قد وضع اليوم وحي ما سمع الناس بمثله، فيه نبأ ما يكون من شيء. وعن موسى بن عامر قال: إنما كان يضع لهم ذلك عبد الله بن نوف ويقول: إن المختار أمرني به، ويتبرأ منها المختار. وفي المختار يقول سراقة بن مرداس البارقي الأزدي: كفرت بوحيكم وجعلت نذرا … علي هجاكم (٢) حتى الممات

стр. 1780

أري عيني ما لم ترياه (١) … كلانا عالم بالترهات وفيها وقع بمصر طاعون هلك فيه خلق من أهلها. وفيها ضرب الدنانير بمصر عبد العزيز بن مروان، وهو أول من ضربها في الإسلام. وفي ذي الحجة التقى عسكر المختار - وكانوا ثلاثة آلاف - وعسكر ابن زياد، فقتل قائد أصحاب ابن زياد، واتفق أن قائد عسكر المختار كان مريضا فمات من الغد، فانكسر بموته أصحابه وتحيزوا. سنة سبع وستين فيها توفي عدي بن حاتم، والمختار بن أبي عبيد الكذاب، وعمر وعبيد الله ابنا علي بن أبي طالب، وزائدة بن عمير الثقفي، ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي؛ قتل هؤلاء الأربعة في حرب المختار، وقتل عبيد الله (٢) وأمراؤه في أول العام. ذكر وقعة الخازر: في المحرم، وقيل: كانت يوم عاشوراء، بين إبراهيم بن الأشتر، وكان في ثمانية آلاف من الكوفيين، وبين عبيد الله بن زياد، وكان في أربعين ألفا من الشاميين، فسار ابن الأشتر في هذا الوقت مسرعا يريد أهل الشام قبل أن يدخلوا أرض العراق، فسبقهم ودخل الموصل، فالتقوا على خمسة فراسخ من الموصل بالخازر، وكان ابن الأشتر قد عبأ جيشه، وبقي لا يسير إلا على تعبئة، فلما تقاربوا أرسل عمير بن الحباب السلمي إلى ابن الأشتر: إني معك. قال: وكان بالجزيرة خلق من قيس وهم أهل خلاف لمروان، وجند مروان يومئذ كلب، وسيدهم ابن بحدل، ثم أتاه عمير ليلا فبايعه، وأخبره أنه على ميسرة ابن زياد، ووعده أن ينهزم بالناس، فقال ابن الأشتر: ما رأيك؛ أخندق على نفسي؟ قال: لا تفعل، إنا لله! هل يريد القوم إلا هذه؟ إن

стр. 1781

طاولوك وماطلوك فهو خير لهم، هم أضعافكم، ولكن ناجز القوم، فإنهم قد ملئوا منكم رعبا، وإن شاموا أصحابك وقاتلوهم يوما بعد يوم أنسوا بهم واجترءوا عليهم، فقال: الآن علمت أنك ناصح لي، والرأي ما رأيت، وإن صاحبي بهذا الرأي أمرني. ثم انصرف عمير، وأتقن ابن الأشتر أمره ولم ينم، وصلى بأصحابه بغلس، ثم زحف بهم حتى أشرف على تل مشرف على القوم فجلس عليه، وإذا بهم لم يتحرك منهم أحد، فقاموا على دهش وفشل، وساق ابن الأشتر على أمرائه يوصيهم ويقول: يا أنصار الدين وشيعة الحق، هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين، حال بينه وبين الفرات أن يشرب منه هو وأولاده ونساؤه، ومنعه أن ينصرف إلى بلده، ومنعه أن يأتي ابن عمه يزيد فيصالحه حتى قتله، فوالله ما عمل فرعون مثله، وقد جاءكم الله به، وإني لأرجو أن يشفي صدوركم ويسفك دمه على أيديكم، ثم نزل تحت رايته، فزحف إليه عبيد الله بن زياد، وعلى ميمنته الحصين بن نمير، وعلى ميسرته عمير بن الحباب، وعلى الخيل شرحبيل بن ذي الكلاع، فحمل الحصين على ميسرة ابن الأشتر فحطمها، وقتل مقدمها علي بن مالك الجشمي، فأخذ رايته قرة بن علي فقتل أيضا، فانهزمت الميسرة وتحيزت مع ابن الأشتر، فحمل وجعل يقول لصاحب رايته: انغمس برايتك فيهم، ثم يشد ابن الأشتر، فلا يضرب بسيفه رجلا إلا صرعه، واقتتلوا قتالا شديدا، وكثرت القتلى، فانهزم أهل الشام، فقال ابن الأشتر: قتلت رجلا وجدت منه رائحة المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، تحت راية منفردة على جنب النهر، فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد، قد ضربه فقده نصفين، وحمل شريك التغلبي (١) على الحصين بن نمير فاعتنقا، فقتل أصحاب شريك حصينا، ثم تبعهم أصحاب ابن الأشتر، فكان من غرق في الخازر أكثر ممن قتل. ثم إن إبراهيم بن الأشتر دخل الموصل، واستعمل عليها وعلى نصيبين ودارا وسنجار، وبعث برؤوس عبيد الله والحصين وشرحبيل بن ذي الكلاع إلى المختار، فأرسلها فنصبت بمكة. وممن قتل مع إبراهيم هبيرة بن يريم، وممن قتله المختار حبيب بن

стр. 1782

صهبان الأسدي ومحمد بن عمار بن ياسر بالكوفة. وفيها وجه المختار أربعة آلاف فارس عليهم أبو عبد الله الجدلي وعقبة بن طارق، فكلم الجدلي عبد الله بن الزبير في محمد ابن الحنفية، وأخرجوه من الشعب، ولم يقدر ابن الزبير على منعهم، وأقاموا في خدمة محمد ثمانية أشهر، حتى قتل المختار وسار محمد إلى الشام. فأما ابن الزبير فإنه غضب على المختار، وبعث لحربه أخاه مصعب بن الزبير وولاه جميع العراق، فقدم محمد بن الأشعث بن قيس وشبث بن ربعي إلى البصرة يستنصران على المختار، فسير المختار إلى البصرة أحمر بن شميط وأبا عمرة كيسان في جيش من الكوفة حتى نزلوا المذار، فسار إليهم مصعب بأهل البصرة، وعلى ميمنته وميسرته المهلب بن أبي صفرة الأزدي وعمر بن عبيد الله التيمي، فحمل عليهم المهلب فألجأهم إلى دجلة، ورموا بخيولهم في الماء وانهزموا، فاتبعوهم حتى أدخلوهم الكوفة، وقتل أحمر بن شميط وكيسان، وقتل من عسكر مصعب محمد بن الأشعث وعبيد الله بن علي بن أبي طالب، ودخل أهل البصرة الكوفة فحصروا المختار في قصر الإمارة، فكان يخرج في رجاله فيقاتل ويعود إلى القصر، حتى قتله طريف وطراف - أخوان من بني حنيفة - في رمضان، وأتيا برأسه إلى مصعب، فأعطاهما ثلاثين ألفا، وقتل بين الطائفتين سبعمائة. ويقال: كان المختار في عشرين ألفا فقتل أكثرهم، والله أعلم. وقتل مصعب خلقا بدار الإمارة غدرا بعد أن أمنهم، وقتل عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري امرأة المختار صبرا، لأنها شهدت في المختار أنه عبد صالح. وبلغنا من وجه آخر أن طائفة من أهل الكوفة لما بلغهم مجيء مصعب تسربوا إليه إلى البصرة، منهم شبث بن ربعي وتحته بغلة قد قطع ذنبها وأذنها، وشق قباءه، وهو ينادي: يا غوثاه، وجاء أشراف أهل الكوفة وأخبروا مصعبا بما جرى، وبوثوب عبيدهم وغلمانهم عليهم مع المختار، ثم قدم عليهم محمد بن الأشعث، ولم يكن شهد وقعة الكوفة، بل كان في

стр. 1783

قصر له بقرب القادسية، فأكرمه مصعب وأدناه لشرفه، ثم كتب إلى المهلب بن أبي صفرة - وكان عامل فارس - ليقدم، فتوانى عنه، فبعث مصعب خلفه محمد بن الأشعث، فقال له المهلب: مثلك يأتي بريدا؟ قال: إني والله ما أنا بريد أحد، غير أن نساءنا وأبناءنا غلبنا عليهم عبداؤنا وموالينا، فأقبل المهلب بجيوش وأموال عظيمة، وهيئة ليس بها أحد من أهل البصرة، ولما انهزم جيش المختار انهد لذلك، وقال لنجي له: ما من الموت بد، وحبذا مصارع الكرام، ثم حصن القصر، ودام الحصار أياما، وفي أواخر الأمر كان المختار يخرج فيقاتل هو وأصحابه قتالا ضعيفا، ثم جهدوا وقل عليهم القوت والماء، وكان نساؤهم يجئن بالشيء اليسير خفية، فضايقهم جيش مصعب، وفتشوا النساء، فقال المختار: ويحكم! انزلوا بنا نقاتل حتى نقتل كراما، وما أنا بآيس إن صدقتموهم أن تنصروا، فضعفوا، فقال: أما أنا فلا والله لا أعطي بيدي، فاملس (١) عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي فاختبأ، وأرسل المختار إلى امرأته بنت سمرة بن جندب، فأرسلت إليه بطيب كثير، ثم اغتسل وتحنط وتطيب، ثم خرج حوله تسعة عشر رجلا، فيهم السائب بن مالك الأشعري خليفته على الكوفة، فقال للسائب: ما ترى؟ قال: أنا أرى أم الله يرى؟ قال: بل الله يرى، ويحك! أحمق أنت؟ إنما أنا رجل من العرب، رأيت ابن الزبير انتزى على الحجاز، ورأيت نجدة انتزى على اليمامة، ورأيت مروان انتزى على الشام، فلم أكن بدونهم، فأخذت هذه البلاد فكنت كأحدهم، إلا أني طلبت بثأر أهل البيت، فقاتل على حسبك إن لم يكن لك نية، قال: إنا لله! وما كنت أصنع بحسبي؟ وقال لهم المختار: أتؤمنوني؟ قالوا: لا، إلا على الحكم. قال: لا أحكم في نفسي، ثم قاتل حتى قتل، ثم أمكن أهل القصر من أنفسهم، فبعث إليه مصعب عباد بن الحصين، فكان يخرجهم مكتفين، ثم قتل سائرهم. فقيل: إن رجلا منهم قال لمصعب: الحمد لله الذي ابتلانا بالإسار وابتلاك أن تعفو عنا، وهما منزلتان إحداهما رضا الله والأخرى سخطه، من عفا عفا الله عنه، ومن عاقب لم يأمن القصاص، يا ابن الزبير نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم، لسنا

стр. 1784

تركا ولا ديلما، فإن خالفنا إخواننا من أهل المصر، فإما أن نكون أصبنا وأخطأوا، وإما أن نكون أخطأنا وأصابوا فاقتتلنا كما اقتتل أهل الشام بينهم، ثم اصطلحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فاسجحوا (١)، وقد قدرتم فاعفوا، فرق لهم مصعب، وأرد أن يخلي سبيلهم، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال: تخلي سبيلهم؟ اخترنا أو اخترهم، ووثب محمد بن عبد الرحمن الهمداني فقال: قتل أبي وخمسمائة من همدان وأشراف العشيرة ثم تخليهم؟ ووثب أهل كل بيت، فأمر بقتلهم، فنادوا: لا تقتلنا واجعلنا مقدمتك إلى أهل الشام غدا، فوالله ما بك عنا غنى، فإن ظفرنا فلكم، وإن قتلنا لم نقتل حتى نرقهم لكم، فأبى، فقال مسافر بن سعيد: ما تقول لله غدا إذا قدمت عليه وقد قتلت أمة من المسلمين صبرا حكموك في دمائهم أن لا تقتل نفسا مسلمة بغير نفس، فإن كنا قتلنا عدة رجال منكم فاقتلوا عدة منا وخلوا سبيل الباقي، فلم يستمع له، ثم أمر بكف المختار، فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد، وبعث عماله إلى البلاد، وكتب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته ويقول: إن أجبتني فلك الشام وأعنة الخيل. وكتب عبد الملك بن مروان أيضا إلى ابن الأشتر: إن بايعتني فلك العراق، ثم استشار أصحابه فترددوا، ثم قال: لا أؤثر على مصري وعشيرتي أحدا، ثم سار إلى مصعب. قال أبو غسان مالك بن إسماعيل: حدثنا إسحاق بن سعيد، عن سعيد قال: جاء مصعب إلى ابن عمر - يعني لما وفد على أخيه ابن الزبير - فقال: أي عم، أسألك عن قوم خلعوا الطاعة وقاتلوا، حتى إذا غلبوا تحصنوا وسألوا الأمان فأعطوا، ثم قتلوا بعد، قال: وكم العدد؟ قال: خمسة آلاف، قال: فسبح ابن عمر، ثم قال: عمرك الله يا مصعب، لو أن امرءا أتى ماشية للزبير فذبح منها خمسة آلاف شاة في غداة، أكنت تعده مسرفا؟ قال: نعم، قال: فتراه إسرافا في البهائم وقتلت من وحد الله، أما كان فيهم مستكره أو جاهل ترجى توبته؟! أصب يا ابن أخي من الماء البارد ما استطعت في دنياك.

стр. 1785

وكان المختار محسنا إلى ابن عمر، يبعث إليه بالجوائز والعطايا لأنه كان زوج أخت المختار صفية بنت أبي عبيد، وكان أبوهما أبو عبيد الثقفي رجلا صالحا، استشهد يوم جسر أبي عبيد، والجسر مضاف إليه، وبقي ولداه بالمدينة. فقال ابن سعد (١): حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور. وعن رباح بن مسلم، عن أبيه. وإسماعيل بن إبراهيم المخزومي، عن أبيه؛ قالوا: قدم أبو عبيد من الطائف، وندب عمر الناس إلى أرض العراق، فخرج أبو عبيد إليها فقتل، وبقي المختار بالمدينة، وكان غلاما يعرف بالانقطاع إلى بني هاشم، ثم خرج في آخر خلافة معاوية إلى البصرة، فأقام بها يظهر ذكر الحسين، فأخبر بذلك عبيد الله بن زياد، فأخذه وجلده مائة، ودرعه عباءة وبعث به إلى الطائف، فلم يزل بها حتى قام ابن الزبير فقدم عليه. وقال الطبري في تاريخه (٢): كانت الشيعة تكره المختار لما كان منه في أمر الحسن بن علي يوم طعن، ولما قدم مسلم بن عقيل الكوفة بين يدي الحسين نزل دار المختار، فبايعه وناصحه دكان بأبيض المدائن، فخرج ابن عقيل يوم خرج والمختار في قرية له، فجاءه خبر ابن عقيل أنه ظهر بالكوفة، ولم يكن خروجه على ميعاد من أصحابه، إنما خرج لما بلغه أن هانئ بن عروة قد ضرب وحبس، فأقبل المختار في مواليه وقت المغرب، فلما رأى الوهن نزل تحت راية عبيد الله بن زياد، فقال: إنما جئت لتنصر مسلم بن عقيل، فقال: كلا، فلم يقبل منه، وضربه بقضيب شتر عينه، وسجنه. ثم إن عبد الله بن عمر كتب فيه إلى يزيد لما بكت صفية أخت المختار على زوجها ابن عمر، فكتب: إن ابن زياد حبس المختار، وهو صهري، وأنا أحب أن يعافى ويصلح، قال: فكتب يزيد إلى عبيد الله فأخرجه، وقال: إن أقمت بالكوفة بعد ثلاث برئت منك الذمة، فأتى الحجاز، واجتمع بابن

стр. 1786

الزبير، فحضه على أن يبايع الناس، فلم يسمع منه، فغاب عنه بالطائف نحو سنة، ثم قدم عليه فرحب به وتحادثا، ثم إن المختار خطب وقال: إني جئت لأبايعك على أن لا تقضي الأمور دوني، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك، فقال ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، فقال المختار: شر غلماني أنت مبايعه على هذا، مالي في هذا حظ، فبايعه ابن الزبير على ما طلب، وشهد معه حصار حصين بن نمير له، وأبلى بلاء حسنا، وأنكى في عسكر الشام. ثم بعد ذلك جاءته الأخبار أن الكوفة كغنم بلا راع، وكان رأي ابن الزبير أن لا يستعمله، فمضى بلا أمر إلى الكوفة، ودخلها متجملا في الزينة والثياب الفاخرة، وجعل كلما مر على أحد من الشيعة الأشراف قال: أبشر بالنصر واليسر، ثم يعدهم أن يجتمع بهم في داره، قال: ثم أظهر لهم أن المهدي محمد ابن الوصي - يعني ابن الحنفية - بعثني إليكم ظهيرا وأمينا ووزيرا وأميرا، وأمرني بقتال قتلة الحسين والطلب بدماء أهل البيت، فهويته طائفة، ثم حبسه متولي الكوفة عبد الله بن يزيد، ثم إنه قويت أنصاره واستفحل شره، وأباد طائفة من قتلة الحسين، واقتص الله من الظلمة بالفجرة، ثم سلط على المختار مصعبا، ثم سلط على مصعب عبد الملك: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ واستعمل مصعب على أذربيجان والجزيرة المهلب بن أبي صفرة الأزدي. سنة ثمان وستين توفي فيها عبد الله بن عباس، وأبو شريح الخزاعي، وأبو واقد الليثي، وعبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وعابس بن سعيد الغطيفي قاضي مصر، وملك الروم قسطنطين بن قسطنطين - لعنه الله - في قول. وتوفي فيها في قول زيد بن خالد الجهني وزيد بن أرقم. وفيها عزل ابن الزبير أخاه مصعبا عن العراق، وأمر عليها ولده حمزة بن عبد الله، واستعمل على المدينة جابر بن الأسود الزهري، فأراد من

стр. 1787

سعيد بن المسيب أن يبايع لابن الزبير فامتنع، فضربه ستين سوطا. كذا قال خليفة (١). وقال المسبحي: عزل ابن الزبير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس عن المدينة لكونه ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطا في بيعة ابن الزبير، فلامه ابن الزبير على ذلك وعزله. وفيها كان مرجع الأزارقة من نواحي فارس إلى العراق، حتى قاربوا الكوفة ودخلوا المدائن، فقتلوا الرجال والنساء، وعليهم الزبير بن الماحوز، وقد كان قاتلهم عمر بن عبيد الله التيمي أمير البصرة بسابور، ثم ساقوا على حمية إلى العراق، وصاح أهل الكوفة بأميرهم الحارث بن أبي ربيعة الملقب بالقباع، وقالوا: انهض، فهذا عدو ليست له بقية، فنزل بالنخيلة، فقام إليه إبراهيم بن الأشتر فقال: قد سار إلينا عدو يقتل المرأة والمولود ويخرب البلاد، فانهض بنا إليه، فرحل بهم ونزل دير عبد الرحمن، فأقام أياما حتى دخل إليه شبث بن ربعي فكلمه بنحو كلام إبراهيم، فارتحل ولم يكد (٢)، فلما رأى الناس بطء سيره رجزوا فقالوا: سار بنا القباع سيرا نكرا … يسير يوما ويقيم شهرا فأتى الصراة وقد انتهى إليها العدو، فلما رأوا أن أهل الكوفة قد ساروا إليهم قطعوا الجسر، فقال ابن الأشتر للحارث القباع: اندب معي الناس حتى أعبر إلى هؤلاء الكلاب فأجيئك برؤوسهم الساعة، فقال شبث بن ربعي وأسماء بن خارجة: دعهم فليذهبوا، لا تبدأوهم بقتال، وكأنهم حسدوا ابن الأشتر. قال: ثم إن الحارث عمل الجسر، وعبر الناس إليهم فطاروا حتى أتوا المدائن، فجهز خلفهم عسكرا فذهبوا إلى أصبهان، وحاصروها شهرا حتى أجهدوا أهلها، فدعاهم متوليها عتاب بن ورقاء وخطبهم وحضهم على مناجزة الأزارقة فأجابوه، فجمع الناس وعشاهم وأشبعهم، وخرج بهم سحرا، فصبحوا الأزارقة بغتة، وحملوا حتى وصلوا إلى الزبير بن

стр. 1788

الماحوز، فقاتل حتى قتل في جماعة من عصابته، فانحازت الأزارقة إلى قطري بن الفجاءة فبايعوه بالخلافة، فرحل بهم، وأتى ناحية كرمان، وجمع الأموال والرجال، ثم نزل إلى الأهواز، فسير مصعب لقتالهم لما أكلبوا الناس المهلب بن أبي صفرة، فالتقوا بسولاف غير مرة، ودام القتال ثمانية أشهر. وفيها كان مقتل عبيد الله بن الحر، وكان صالحا عابدا كوفيا، خرج إلى الشام وقاتل مع معاوية، فلما استشهد علي ﵁ رجع إلى الكوفة وخرج عن الطاعة، وتبعه طائفة، فلما مات معاوية قوي وصار معه سبعمائة رجل، وعاث في مال الخراج بالمدائن، وأفسد بالسواد في أيام المختار، فلما كان مصعب ظفر به وسجنه، ثم شفعوا فيه فأخرجوه، فعاد إلى الفساد والخروج، فندم مصعب ووجه عسكرا لحربه فكسرهم، ثم في الآخر قتل. سنة تسع وستين توفي فيها قبيصة بن جابر الكوفي، وأبو الأسود الدؤلي صاحب النحو. وكان في أولها طاعون الجارف بالبصرة، فقال المدائني: حدثني من أدرك الجارف قال: كان ثلاثة أيام، فمات فيها في كل يوم نحو من سبعين ألفا. قال خليفة (١): قال أبو اليقظان: مات لأنس بن مالك في طاعون الجارف ثمانون ولدا، ويقال: سبعون. وقيل: مات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ولدا، وقل الناس جدا بالبصرة، وعجزوا عن الموتى، حتى كانت الوحوش تدخل البيوت فتصيب منهم. وماتت أم أمير البصرة، فلم يجدوا من يحملها إلا أربعة. ومات لصدقة بن عامر المازني في يوم واحد سبعة بنين، فقال: اللهم إني مسلم مسلم، ولما كان يوم الجمعة خطب الخطيب ابن عامر، وليس في المسجد

стр. 1789

إلا سبعة أنفس وامرأة، فقال: ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب. وقد ورد أنه مات في الطاعون عشرون ألف عروس، وأصبح الناس في رابع يوم ولم يبق حيا إلا القليل، فسبحان من بيده الأمر. وممن قيل إنه توفي فيها يعقوب بن بحير (١) بن أسيد، وقيس بن السكن، ومالك بن يخامر السكسكي، والأحنف بن قيس، وحسان بن فائد العبسي، ومالك بن عامر الوادعي، وحريث بن قبيصة. قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن حبيب بن فليح قال: ركبني دين، فجلست يوما إلى سعيد بن المسيب، فجاءه رجل فقال: إني رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان، فوتدت في ظهره أربعة أوتاد، فقال: ما رأيت ذا، فأخبرني من رآها؟ قال: أرسلني إليك ابن الزبير بها، قال: يقتله عبد الملك، ويخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة، فركبت إلى عبد الملك فسر بذلك، وأمر لي بخمسمائة دينار وثياب. وفيها أعاد ابن الزبير أخاه مصعبا إلى إمرة العراق، لضعف حمزة بن عبد الله عن الأمور وتخليطه، فقدمها مصعب، فتجهز وسار يريد الشام في جيش كبير، وسار إلى حربه عبد الملك، فسار كل منهما إلى آخر ولايته، وهجم عليهما الشتاء فرجعا. قال خليفة (٢): كانا يفعلان ذلك في كل عام حتى قتل مصعب، واستناب مصعب على عمله إبراهيم بن الأشتر. وفيها عقد عبد العزيز بن مروان أمير مصر لحسان الغساني على غزو إفريقية، فسار إليها في عدد كثير، فافتتح قرطاجنة، وأهلها إذ ذاك روم عباد صليب.

стр. 1790

وفيها قتل نجدة الحروري؛ مال عليه أصحاب ابن الزبير، وقيل: اختلف عليه أصحابه فقتلوه (١). سنة سبعين توفي فيها عاصم بن عمر بن الخطاب، ومالك بن يخامر، وبشير بن النضر قاضي مصر، وعمرو بن سعيد الأشدق، وبخلف الحارث الأعور. وفيها أم كلثوم بنت سهل بن الأبرد الأنصاري، وعمير بن الحباب، وبشير بن عقربة، ويقال: بشر الجهني صحابي له حديثان، وأبو الجلد. ويقال: إن طاعون الجارف المذكور كان فيها. وفيها كان الوباء بمصر، فهرب منه عبد العزيز بن مروان إلى الشرقية، فنزل حلوان واتخذها منزلا، واشتراها من القبط بعشرة آلاف دينار، وبنى بها دار الإمارة والجامع، وأنزلها الجند والحرس. وفيها ثارت الروم واستجاشوا على أهل الشام، وعجز عبد الملك بن مروان عنهم لاشتغاله بخصمه ابن الزبير، فصالح ملك الروم على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار. وفيها وفد مصعب بن الزبير من العراق إلى مكة على أخيه أمير المؤمنين عبد الله بأموال عظيمة وتحف وأشياء فاخرة.
следующие страницы →