← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الظاهر، وذلك أكثر تعقيدًا في التراجم، حيث نجد من الطبيعي أنْ يذكرَ الناقلُ اسمَ المترجم ونسبه وكنيته ولقبه قبل أن يُصرِّحَ بالنقلِ عن الآخرين، ومن غير المعقول أن يبدأ بذكر اسم الشخص بلفظ نَقْلٍ نحو "قال" أو "ذكر" لما لذلك من ركَّةٍ تأليفية. ومع ذلك فإن ذكر أجزاء أَخرى من الترجمة مثل الشيوخ وتاريخ الميلاد أو نحوهما من غير تصريح بالنقل لا يُفَسَّرُ إلا بافتراضِ الناقلِ معرفةً عند القارئ وفهمًا لما قام به. أما القول بأن هذه الأقسام غير المصرح بها هي من معلومات المؤلف العامة الشائعة، أو أنها من إضافات المؤلفين أنفسهم (١)، فهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر بلا ريب. ومن هنا يدرك القارئ أهمية إحالاتنا في الحواشي على المصدر الرئيس الذي اقتبس منه المؤلف جل الترجمة وصعوبة هذا المنهج الذي اتبعناه ودقته. ٤ - دلالات النقل عند عدم التصريح به: أما في حالة عدم وجود الألفاظ الدالة على النقل فيخيل للمرء لأول وهلة أن الذهبي لا يذكر موارده. وقد تبين لنا بعد المقارنات الدقيقة الكثيرة أن الذهبي يستعمل ألفاظًا معينة في أثناء الترجمة لتدل على النقل من غير تصريح به تأتي في آخرها عادة. ومن هذه الألفاظ "روى عنه" (٢) فلان، و"وثّقه" (٣) فلان، و"كتب عنه" (٤) فلان، و"حكى عنه" (٥) فلان، و"وأجاز لفلان" (٦)، _________ (١) راجع رسالة الزميل الدكتور أكرم العمري: "موارد الخطيب" حيث عقد المبحث الثالث من الفصل الثالث "طبيعة المادة التي أضافها الخطيب ولم يسندها إلى شيوخه" ص ١٠٥ فما بعد. (٢) انظر مثلًا: الورقة ٧، ٨، ٩، ٢٠، ٢٥، ٥٨، ٦٠، ٦٢، ٧٤، ٧٥، ٧٧، ٧٨، ١١٤، ١١٩، ١٢٢، ١٢٧، ١٣٠، ١٣٣، ١٣٧ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ١٢٠، ١٢٥، ١٦٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) وغيرها كثير. (٣) مثلًا: ٧/ ٢٧ و ٥٠ و ٧٠ .... الخ. (٤) انظر مثلًا: ٧/ ٥٣٦ و ٥٥٠. (٥) مثلًا: الورقة ١٣٣، ١٤٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٦) انظر مثلا: الورقة ١٣، ٢٠، ٣٠، ٣٤، ٤٣، ٤٦، ٤٧، ٧٢، ٨١ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١).

стр. 177

و"ضعفه" (١)، ونحوها. ومما يؤكد ذلك أن الذهبيَّ يستعمل في مواضع أخرى هذه الألفاظ ويلحق بها ألفاظ النقل الصريح، نحو قوله: "روى عنه أبو عبد الله الدبيثي وقال … " (٢)، و"سمع منه الضياء المقدسي وقال … " (٣)، و"وَثَّقَهُ الخطيب وقال" (٤)، و"كتب عنه أبو سعيد بن يونس وورَّخَ موته فيها" (٥)، ونحو ذلك. ومن أجل توضيح ذلك نورد بعض الأمثلة: فقد نقل الذهبي من "تاريخ مدينة السلام" للخطيب كثيرًا من التراجم باستعمال عبارة "وثقه الخطيب"، وهذه واحدة منها، قال في وفيات سنة ٣٢٣ هـ: "محمد بن أحمد بن أسد، أبو بكر الحافظ ويعرف بابن البستنبان ويلقب كزاز. سمع الزبير بن بكار وعيسى بن أبي حرب وجماعة. وعنه الدارقطني والمعافى الجريري. وثقه الخطيب، وعاش اثنتين وثمانين سنة" (٦). ونقل الذهبي كثيرًا عن "معجم أسامي مشايخ أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد" (٧) المتوفى سنة ٥١٥ هـ من غير إشارة له، بل اكتفى بالقول في نهاية التراجم: "روى عنه أبو علي الحداد"، أو "روى عنه الحداد" ونحوهما. وبعد مقارنة هذه التراجم بما وصل إلينا من هذا المعجم تبين أن الذهبي قد سلخ تراجمه (٨). _________ (١) انظر مثلًا: الورقة ١٢٨، ١٣٢، ١٤١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٢) الورقة ١٥، ٤٣، ٧٦ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٣) الورقة ٦٠ من النسخة السابقة. (٤) الورقة ١٥، ١٦، ٢٠، ٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٥) ٧/ ٣٠. (٦) ٧/ ٤٨٠ وقارن الخطيب ٢/ ١٠٢. وينظر مزيد أمثلة في كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٤٣٣. (٧) وهو برواية أبي الحسن مسعود بن أبي منصور بن محمد الخياط عنه. عندي منه نسخة بخطي نسَخْتُهَا في آخر صفر سنة ١٣٨٦ هـ عن نسخة دار الكتب المصرية رقم ٢٦ م مصطلح الحديث. وقد صَحَّحْتُها ورقمتُ تراجمها وعددها (٨١) ترجمة: فيها المحمدون، وسبع تراجم من الأحمدين. (٨) قارن مثلًا: اسم المترجم … تاريخ الوفاة … تاريخ الإسلام (أيا صوفيا ٣٠٠٩) … المعجم محمد بن إبراهيم بن علي أبو ذر الصالحاني … ٤٤٠ … الورقة ٣٧٩ … الترجمة رقم ٢٣ محمد بن علي بن محمد بن علي أبو بكر الحللي … ٤٤٠ … الورقة ٣٨٦ … الترجمة رقم ٩

стр. 178

ومن ذلك أيضًا نقله عن المنذري باستعمال لفظ "كتب عنه"، قال في وفيات سنة ٦٣١ هـ: "الخضر بن بدران بن بُغْرَى، الأديب أبو العباس التركي الشاعر. من أولاد الأمراء المصريين، وله شعر كثير. وكان شيخًا كبيرًا عاش ثمانيًا وثمانين سنة. كتب عنه الزكي المنذري وغيره، ومات في ربيع الأول" (١). وكان المنذري قال في وفيات السنة المذكورة: "وفي شهر ربيع الأول أيضًا توفي الشيخ الأجل الأديب أبو العباس الخضر بن بدران بن بُغرَى بن حطان بن كمشتكين بن عبد الله التركي الشاعر بمصر. وكتبت عنه شيئًا من شعره، وله شعر كثير. وهو من أولاد الأمراء المصريين. وقال لي في سنة ثلاث وعشرين وست مئة: لي الآن ثمانون سنة" (٢). وهكذا أعاد الذهبي ترتيب الترجمة استنادًا إلى ما ورد في "التكملة" للمنذري. على أني أود أن أشير هنا إلى أن مثل هذه النقول تكون عادة حينما يقتصر الذهبي على مؤلف واحد في النقل. ٥ - الدقة في النقل: لا نعني بدقة النقل هنا نقل النصوص الحرفي، بل نقل المعلومات بصورة صحيحة ودقيقة بحيث لا تجد اختلافًا في المادة التاريخية عند المقارنة. وقد استعمل الذهبي طريقة النقل الحرفي تارة وأغفلها تارة أخرى، لكنه على أيِّ حال كان دقيقًا في نقله، متثبتًا منه، دَلَّتْ على ذلك المقارنات التي أجريناها بين كتابه وبين بعض ما وصل إلينا من كتب (٣). _________ = محمد بن عبد الله بن فضلوية … ٤٤٢ … الورقة ٤٠٢ … الترجمة رقم ٢٨ محمد بن مهران الخويي … ٤٤٢ … الورقة ٤٠٤ … الترجمة رقم ٢٧ محمد بن الفضل بن محمد القاساني … ٤٤٥ … الورقة ٤٢٨ … الترجمة رقم ٥٧ محمد بن الحسين بن عبد الله البرجي … ٤٤٨ … الورقة ٤٥٦ … الترجمة رقم ٣٧ (١) الورقة ١٢٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٢) التكملة ٣/ الترجمة ٢٥٢٣. (٣) ومن قبل هذا كنت اعتمدت "تاريخ الإسلام" للذهبي في تصحيح الكتب التي حققتها، منها كتاب "التكملة لوفيات النقلة" لزكي الدين المنذري، وكتاب "ذيل تاريخ مدينة السلام بغداد" لابن الدبيثي، وكتاب "مشيخة النعال البغدادي" وغيرها، وثَبَّتُ المقارنات في هوامش هذه الكتب ومنها تظهر دقة نقول الذهبي.

стр. 179

وغالبًا ما كان الذهبي يعنى بنقل النصوص بألفاظها في الحالات التي تستحق ذلك وتتطلبه مثل أقوال العلماء في الجرح والتعديل، ونصوص الكتب والتوقيعات التي يوردها في كتابه، والمقطعات والقصائد الشعرية، والقطع الأدبية، ونصوص الحكايات والمناقشات بين العلماء، فضلًا عن الروايات المسندة إلى شيوخه، ونصوص الأحاديث النبوية الشريفة. فكان يؤكد ذلك بالألفاظ والعبارات الدالة عليها، نحو قوله: "قال سفيان، وشعبة واللفظ له" (١)، وقوله: "وقال الزهري، ورواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، وقاله موسى بن عقبة وهذا لفظه" (٢)، وقوله: "وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، ورواه موسى بن عقبة - واللفظ له - قال" (٣)، "وقال الليث - واللفظ له - وابن المبارك عن يونس بن يزيد" (٤)، و"هذا لفظ حكاية محمد بن طرخان عن ولده عبد الولي" (٥)، ونحو ذلك من العبارات المحددة للنقل نصًا. أما إذا انتقى من النص أو لَخَّصَهُ فإنه يشير إلى ذلك أيضًا، نحو قوله: "لخصت ترجمته من الإرشاد للخليلي" (٦)، و"اختصرت هذا من السياق لعبد الغافر" (٧)، و"له ترجمة في طبقات شيروية هذا منها" (٨)، وقال في ترجمة شهاب الدين الغوري: "استوفى ابن الأثير ترجمته وهذه نخبتها" (٩). وإذا غَيَّرَ ألفاظَ خبرٍ نقله عن مؤلف آخر وكتبه بأسلوبه أو بمعناه نَبَّه إلى ذلك ودلل عليه، نحو قوله عند حديثه عن استيلاء التتار على الدولة الخوارزمية سنة ٦١٧ هـ: "هذا معنى ما ذكره أبو سعد شهاب الدين النسوي" (١٠). وإذا لم يكن يحفظ خبرًا شفويًا بصورة جيدة أشار إلى ذلك ونبه عليه، نحو قوله: _________ (١) الورقة ٥٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٥). (٢) ١/ ٦٥٨. (٣) ١/ ٢٨٠. (٤) ١/ ١٧٩. (٥) الورقة ٥٦ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٦) ٧/ ١١٠. (٧) ١٠/ ٨٩. (٨) ٧/ ٥٤٩. (٩) الورقة ١٢ (أيا صوفيا ٣٠١١). (١٠) الورقة ٢٤٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).

стр. 180

"هذه حكاية حكاها لنا الشيخ أبو الحسين اليونيني ولا أحفظها جيدًا" (١)، وأمثلة ذلك كثيرة في الكتاب. على أننا رأينا الذهبي في الأغلب الأعم يحرر الأخبار والتراجم على طريقته، وخاصة في التراجم، فقد عرفناه فنانًا تراجميًا لا يتبع أسلوب أحد في عرض الترجمة الداخلي بل يَصُوغها بنفسه، فهو حتى عند نقله عن مؤلف واحد يُعيدُ تركيبَ الترجمة بشكل قد يختلف عن ترتيب الكتاب المنقول عنه (٢)، وقد يضطر إلى تجميع عناصر الترجمة من عدة مؤلفين، فينقل كل قسم عن واحد أو أكثر (٣). ولم يجد الذهبي ما يمنعه من نقل الأخبار وإعادة صياغتها ما زال ملزمًا نفسه بالدقة والأمانة، لاسيما في نقل خبر من الأخبار العامة التي لا تؤثر في قيمتها الصياغةُ كتاريخ وفاةٍ أو ميلاد أو قيام بعمل ما، أو اختصار في أسماء الشيوخ، ونحو ذلك. وَقد أيقنتُ أنَّ الذهبيَّ كان لابد أن يتصرف في مثل هذه النقول، وإلا صعب عليه عرض التراجم كما يريد، ولعل المثال الآتي يوضح ذلك: قال في ترجمة أبي جعفر المنصور: "قال شباب (٤): أقام الحَجَّ للناس أبو جعفر سنة ست وثلاثين، وسنة أربعين، وسنة أربع وأربعين، وسنة اثنتين وخمسين، زاد الفسوي (٥): إنه حج أيضًا سنة سبع وأربعين ومئة" (٦). ولننظر الآن إلى هذين المصدرين اللذين أخذ عنهما الذهبي وهما "تاريخ" (٧) خليفة بن خياط المعروف بشباب العصفري المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، و"المعرفة والتاريخ" (٨) لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي المتوفى سنة _________ (١) الورقة ١٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٢) انظر أعلاه بعض الأمثلة التي أتينا بها للمقارنة. (٣) انظر أعلاه كلامنا على منهجه في الموارد. (٤) هو خليفة بن خياط العصفري المعروف بشباب "ت ٢٤٠ هـ". (٥) قوله "زاد الفسوي" فيه نظر، فإننا وجدنا خليفة يذكر إقامة المنصور للحج سنة ١٤٧ هـ (تاريخ، ص ٤٢٤) فهناك ثلاثة احتمالات أولها: أن تكون النسخة التي نقل عنها الذهبي لم تحتو على هذا النص، وثانيها: أن تكون هذه العبارة قد أضيفت فيما بعد إلى النسخة التي طبع عليها الكتاب وهو مستبعد، وثالثها: أن يكون الذهبي ذهل عن رؤية هذا النصر فتوهم بعدم ذكر خليفه له. (٦) ٤/ ١٠٨. (٧) حققه الدكتور أكرم العمري ونشره بمعونة المجمع العلمي العراقي (النجف ١٩٦٧). (٨) حققه الدكتور العمري أيضًا ونشره ديوان الأوقاف العراقي بنفقاته (بغداد ١٩٧٤ - ١٩٧٥).

стр. 181

٢٧٧ هـ. فلا نجد عند خليفة نصًا كالذي ذكره الذهبي، بل نجد خليفة يذكر إقامة المنصور للحج في السنوات التي ذكرها الذهبي، فذكر السنة الأولى وهي سنة ١٣٦ هـ في قائمة أمراء الموسم على عهد أبي العباس السفاح (١)، أما السنوات الثلاث الباقيات فقد ذكر إقامة المنصور للحج في حوادثهن كلًا على انفراد (٢). كما ذكر الفسوي إقامة المنصور للحج في حوادث السنوات (٣). وهكذا جمع الذهبي عددًا من النصوص، وأَلَّفَ منها نصًا واحدًا. ٦ - المقارنة بين الروايات وترجيح الصحيح منها: قلنا سابقًا إن الذهبي اعتمد عددًا ضخمًا من الموارد، فكان من نتيجة ذلك أن أصبحت لديه موارد تأتلف في معلوماتها وأخرى تختلف عنها. ومن هنا كان على الذهبي أن يجمع الروايات المؤتلفة ويفرزها عن الروايات المختلفة، فاتبع أسلوب جمع الروايات. ولعله تأثر في ذلك بطريقة المحدثين، وهو منهم، الذين اخترعوا الإسناد الجمعي للتخلص من تكرار الأسانيد (٤)، نحو قوله: "وقال الزهري وقتادة وموسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي وسعيد بن يحيى الأموي .. "، وقوله: "قاله نافع وقتادة والزهري وابن إسحاق وغيرهم وعروة في مغازيه رواية أبي الأسود .. "، وقوله: "وأما المنذري وابن خلكان وابن الساعي وأبو المظفر الجوزي وشيخنا ابن الظاهري فقالوا (٥): "ومعظم الكتاب على هذا النحو، فهو منهج الذهبي لم يَحِدْ عنه وذلك يدل على قابلية عظيمة في استقصاء هذا العدد الكبير من المصادر وتجميعها وعرضها. إن هذا الاختلاف الكبير بين الروايات دفعه إلى محاولة ترجيح ما يراه صحيحًا منها متبعًا أسسًا معينة من أبرزها: _________ (١) تاريخ خليفة ٤١٤. (٢) المصدر نفسه ٤١٨ و ٤٢١ و ٤٢٦. (٣) المعرفة والتاريخ، م ٢ ص ١١٦، ١٢٢، ١٢٨، ١٣١، ١٣٨. (٤) وهو أن يجمع المحدث شيوخه الذين حدثوه عن شيخ معين بإسناد واحد ولحديث معين في مكان واحد فيذكر الشيوخ ثم يتبعهم بقوله: قالوا. ويعود استعمال الإسناد الجمعي إلى مطلع القرن الثاني الهجري كما هو معروف. (٥) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٤٣٧ - ٤٤٨.

стр. 182

أ - معرفة الراوي وخبرته: لقد كان يرجح المصدر الذي هو أعرفُ بالخبرِ من غيره بسبب اتصاله بالحادثة أو معاصرته لها، نحو قوله: "ضَعَّفَهُ أبو زرعة وذكره ابن حبان في الثقات وأبو زرعة أعرف" (١)، وقوله في مولد عروة بن الزبير: "ولد سنة تسع وعشرين. قاله مصعب، وقال خليفة: ولد سنة ثلاث وعشرين، ومصعب أخبرُ بنسبه، ويقويه قول هشام بن عروة عن أبيه، قال: أذكر أن أبي الزبير كان ينقزني .. ويقوي قول خليفة ما روى الزبير بن بكار عن محمد بن الضحاك الحزامي، قال: قال عروة: وقفتُ وأنا غلامٌ وقد حصروا عثمان. روى الفسوي في تاريخه عند ذكر عروة قال: حدثني .. عن عروة قال: كنت غلامًا لي ذؤابتان فقمت أركع بعد العصر فبصر بي عمر بن الخطاب ومعه الدرة ففررت منه … قلت: هذا حديث منكر مع نظافة رجاله. وقال هشام عن أبيه، قال: رُدِدْتُ أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن يومَ الجمل واسْتُصْغِرَنا، قال يحيى بن معين: كان عمره يومئذ ثلاث عشرة سنة. وقال هشام عن أبيه: ما ماتت عائشة حتى تركتها قبل ذلك بثلاث سنين. وقال مبارك بن فضالة عن هشام عن أبيه، قال: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج .. " (٢). ويتضح اهتمام الذهبي بالمشاهدة والمعاصرة في الخبر الذي نقله عن سبب وفاة محمد بن يعقوب بن يوسف أمير المؤمنين سنة ٦١٠ هـ فقد نقل أولًا من تاريخ إبراهيم بن محمد الجزري "ت ٧٣٩ هـ" الذي ذكر أن حرسه قتلوه خطأ ثم قال بعد ذلك: "وأما عبد الواحد بن علي المراكشي "ت ٦٤٧ هـ" فإنه يقول في كتابه المعجب إن أبا عبد الله مرض بالسكتة في أول شعبان ومات في خامسه. وهذا هو الصحيح لأنه أدرك موته وكان شاهدًا" (٣). _________ (١) الورقة ٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٦). (٢) ٢/ ١١٣٩ - ١١٤٠. (٣) الورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠١١).

стр. 183

ب - الوقوف على الوثائق والخطوط: وكان يرجح رواية على أخرى بعد تقويتها بما يقفُ عليه من وثائق وخطوط تؤيد ترجيحه، نحو قوله في تحديد وفاة عز الدين بن الأثير المؤرخ: "رأيتُ تصحيحه على طبقة تاريخها في نصف شعبان سنة ثلاثين" (١). ولما اختلف المؤرخون الذين ترجموا لابن دحية الكلبي "ت ٦٣٣ هـ" مثل أبي عبد الله الأبار وابن الدبيثي والضياء المقدسي والتقي الإسعردي وابن نقطة وابن مَسدي وابن واصل الحموي في تقويمه وروايته لكتاب "الموطأ"، رجع الذهبي إلى طبقات السماع والإجازات وخطوط العلماء لتبيان صحة هذه الرواية وترجيحها (٢). ج - الاستفادة من الوقائع التاريخية الأخرى: وقد يرجح رواية على أخرى لأن هناك من الوقائع التاريخية الثابتة عنده ما يؤيد هذا الترجيح. من ذلك مثلًا أن المؤرخين اختلفوا في تاريخ وفاة عبد الله بن عمر بن الخطاب، فذكر الهيثم بن عدي وأبو نعيم وعلي بن المديني وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو مسهر أنه توفي سنة ٧٣ هـ، وقال خليفة بن خياط وسعيد بن عفير إنها كانت سنة ٧٤ هـ. وقد رجح الذهبي التاريخ الأخير بالرغم من اتفاق جملة من المؤرخين الثقات في التاريخ الأول مستدلًا بصلاة ابن عمر نفسه على جنازة رافع ابن خديج الأنصاري الصحابي المشهور (٣) الذي توفي في أول سنة ٧٤ هـ (٤). وقال في ترجمة حنش بن عبد الله الصنعاني: "غزا المغرب وسكن إفريقية ولهذا عامة أصحابه مصريون، وتوفي غازيًا بإفريقية سنة مئة. وثقه العجلي، وأبو زرعة. وأما أبو سعيد بن يونس فقال: حنش الصنعاني كان مع عليّ بالكوفة وقدم مصر بعد قتل عليّ وغزا المغرب مع رويفع بن ثابت … وله عقب بمصر وهو أول من ولي عشور إفريقية وبها توفي سنة مئة. وكذا قال الواقدي في وفاة حنش الصنعاني. قلت: وهم ابن يونس _________ (١) الورقة ٩٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٢) الورقة ١٣٨ - ١٣٩ من النسخة السابقة. (٣) ٢/ ٨٥٢. (٤) ٢/ ٨١٢.

стр. 184

وابن عساكر في أنه صاحب عليّ لأن صاحب عليٍّ اسمه كما ذكرنا (١) حنش بن ربيعة أو ابن المعتمر وهو كنانيٌّ كوفيٌّ، وقد روى عنه جماعة من الكوفيين كالحكم بن عتيبة و … الذين لم يروا مصر ولا إفريقية فتبين أنهما رجلان. ولحنش صاحب علي ترجمةٌ في الكامل لابن عدي" (٢). د - مسايرة أكثر المؤرخين وعدم اعتداده بالشاذ: إن الذهبي يعتمد جملة المؤرخين ويرجح رواياتهم على رواية مَنْ تَفَرَّدَ عنهم إذا لم يكن لديه أدلة أخرى تؤيد رواية هذا المتفرد نحو قوله في ترجمة حمد بن محمد الخطابي البستي المتوفى سنة ٣٨٦ هـ: "وقد سماه أبو منصور الثعالبي في كتاب اليتيمة أبا سليمان أحمد بن محمد، والصواب حمد كما قاله الجَمُّ الغفير" (٣)، وقوله في غزوة الحديبية: "خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست؛ قاله نافع وقتادة والزهري وابن إسحاق وغيرهم وعروة في مغازيه رواية أبي الأسود، وتَفرَّدَ عليُّ بن مسهر عن هشام عن أبيه أن رسول الله خرج إلى الحديبية في رمضان" (٤). هـ - الترجيح بعد التعليل: ويعلل الذهبي نصًا من النصوص المتعارضة مع ترجيحه ويفسره مستندًا إلى معلوماته العامة، حيث أفاد - مثلًا - من معلوماته عن بعض العادات العربية في احتساب التواريخ في تعليل أحد النصوص وتفسيره، فقد نقل عن ابن إسحاق والواقدي أن غزوة الخندق كانت في سنة خمس للهجرة (٥) ثم نقل بعد ذلك عن موسى بن عقبة وعروة بن الزبير أنها كانت في شوال من سنة أربع ورجح الذهبي سنة خمس، وقال: "وقول موسى وعروة إنها في سنة أربع وهم _________ (١) ٢/ ٩٣٠. (٢) ٢/ ١٠٨٦ - ١٠٨٧. (٣) الورقة ١٩٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٤) ١/ ٢٤٢. (٥) ١/ ١٨٥.

стр. 185

بَيِّنٌ، ويشبهه قول عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: عَرَضني رسولُ الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني فلما كان يوم الخندق عرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فيحمل قوله على أنه كان قد شرع في أربع عشرة سنة وأنه يوم الخندق كان قد استكمل خمس عشرة سنة وزاد عليها فلم يَعُد تلك الزيادة، والعرب تفعل هذا في عددها وتواريخها وأعمارها كثيرًا فتارة يعتدّون بالكسر ويعدونه سنة وتارة يسقطونه" (١). ومن ذلك أيضًا قوله في نسب المؤرخ ابن الأثير: "كان يكتب بخطه: علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري (٢)، وكذا ذكره الحافظ المنذري والقوصي في معجمه وابن الظاهري في تخريجه للصاحب مجد الدين العقيلي وأبو الفتح ابن الحاجب في معجمه وغيرهم، وهو على سبيل الاختصار، وله أشباه ونظائر، وإنما هو: علي بن محمد بن محمد، بلا ريب كما هو في تسمية أخويه وابن أخيه شرف الدين، وكذا ذكره القاضي ابن خلكان وأبو المظفر بن الجوزي وابن الساعي وغيرهم، ويوضحه أن المنذري ذكر أخويه فقال: محمد بن محمد، مرتين" (٣). ٧ - انتقاء النسخ الموثقة والمقابلة بين المخطوطات: كان الذهبي يعنى بانتقاء أصحِّ نسخ الموارد التي يعتمدها وينقل منها، فكان يحاول دائمًا أن يأخذ من المصدر المكتوب بخط مؤلفه، أو أن يكون توقيعه عليه للتدليل على صحة النسخة، أو يكون بخط عالم متقن ثقة. وكانت غايته من ذلك التأكد من صحة المادة التاريخية والإشارة إلى دقتها، وتطمين القارئ إلى أنه لم يقع أيُّ تصحيفٍ أو تحريف على النص المنقول عنه مما قد يحدث على أيدي النساخ، فكان لذلك دائم الإشارة إلى كاتب النسخة التي ينقل منها سواء أكان الكتاب من تأليفِ كاتبهِ أم من تأليفِ غيره نحو قوله: "قرأت بخط الكندي في تذكرته" (٤)، و"نقلت هذا وما قبله من خط أمين الدين _________ (١) ١/ ١٩٦. (٢) وجدت أنا ذلك في طبقة سماع بخطه بنسخة من كتاب "المؤتلف والمختلف" لعبد الغني بن سعيد المصري محفوظة في مكتبة كوبرلي بإستانبول رقم ١٥٧٨. (٣) تاريخ الإسلام ١٣/ ٩٢٧ من طبعتنا هذه. (٤) الورقة ١٥٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).

стр. 186

محمد بن أحمد بن شهيد، قال: وجدت بخط عبد الغني بن سعيد الحافظ فذكر ذلك" (١)، و"ووفاته بخط أبي حكيم أحمد بن إسماعيل بن فضلان العسكري اللغوي" (٢)، و"قرأت بخط الضياء" (٣)، و"قرأت بخط ابن نقطة" (٤)، و"قرأت بخط ابن مسدي" (٥)، و"وجدت بخط السيف ابن المجد" (٦)، و"قرأت بخط عمر ابن الحاجب" (٧)، و"قرأت وفاته بخط شيخنا ابن الظاهري" (٨)، و"شاهدت بخط والده" (٩)، ونحو قوله في ترجمة أبي حفص بن طبرزد البغدادي المتوفى سنة ٦٠٧ هـ: "ورأيت بخط ابن طبرزد كتاب طبقات الحنابلة لأبي الحسين بن الفراء" (١٠)، وقوله في ترجمة أحمد بن محمد بن واجب القيسي الأندلسي المتوفى سنة ٦١٤ هـ: "قرأت في فهرسته وخطه عليه" (١١)، وغير هذا كثير في الكتاب. وقد استفاد الذهبيُّ من الرجوع إلى المصادر المكتوبة بخطوط مؤلفيها في نقده لهم وتبيان أوهامهم، من ذلك مثلًا أنه لما ترجم لموسى بن يوسف بن مسدي الزاهد نقل عن مصدرين من تأليف حفيده الحافظ محمد بن يوسف المعروف بابن مسدي المتوفى سنة ٦٦٣ هـ وهما كتاب "لباس الخرقة" وكتاب "معجم شيوخه". وقد ذكر ابن مسدي في كتاب "لباس الخرقة" أن جده توفي في شوال سنة ٦٠٢ هـ، فقال الذهبي: "كذا قال ابن مسدي في كتاب لباس الخرقة، وأما في معجم شيوخه، فقال: مات في رمضان سنة أربع وست مئة، _________ (١) الورقة ٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٢) الورقة ١٦٤ من النسخة السابقة. (٣) الورقة ٢٠، ٦٥، ٧٢، ٨٨، ١٠٨، ١٣٩، ١٥٦، ١٨٥، ١٨٦ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٨، ٣٨، ٤٠، ٤٦ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٤) الورقة ٤٦، ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٥) الورقة ٨٦، ١٣٩، ١٦٦ من النسخة السابقة. (٦) الورقة ١٣٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٧) الورقة ٦٩، ١٥٨ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٨٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٨) الورقة ٨٩ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٩) الورقة ٥١ من النسخة السابقة. (١٠) الورقة ٥٠ من النسخة السابقة. (١١) الورقة ١٢١ من النسخة السابقة.

стр. 187

نقلتهما من خطه في أحدهما" (١). وقد اضطر الذهبي في بعض الأحيان عند عدم العثور على نسخة بخط المؤلف إلى مقابلة أكثر من نسخة في محاولة للوصول إلى نقلٍ صحيح، فقد راجع نسختين من كتاب أحمد بن أبي طاهر لمعرفة مساحة بغداد إحداهما برواية الصولي والأخرى برواية غيره (٢). ولما نقل الذهبي نسب آل بويه عن ابن خلكان في ترجمة معز الدولة، قال: "كذا ساق نسبه القاضي شمس الدين وعَدَّ ما بينه وبين بهرام ثلاثة عشر أبًا، وقابلته على نسختين" (٣). _________ (١) الورقة ٢٧ من النسخة السابقة. (٢) ٣/ ٧٩٣. (٣) ٨/ ٩٢.

стр. 188

الفصل الخامس النقد تمهيد: اختلفت مناهج المؤرخين المسلمين في الاهتمام بالنقد، فاعتنت به طائفة منهم وأهملته طائفة أخرى. ثم وجدنا بعد ذلك تفاوتًا بين المعنيين به فَأَكْثَرَ من الاهتمام به قسمٌ منهم مثل الخطيب البغدادي "ت ٤٦٣ هـ"، وابن الدبيثي "ت ٦٣٧ هـ"، وابن النجار "ت ٦٤٣ هـ"، بينما أولاه القسم الآخر عناية أقل، فلم يظهر في كتبهم بشكل واسع مثل المنذري "ت ٦٥٦ هـ" وتلميذه عز الدين الحسيني "ت ٦٩٥ هـ". أما الذهبيُّ فقد كان من المعنيين بالنقد كل العناية بحيث أصبح يحتل مكانًا بارزًا في كتبه، وألف الكتب الخاصة به، ولذلك وجدناه عظيمَ الاهتمام به في كتابه "تاريخ الإسلام"، مارسه في كل أقسامه واعتبره جزءًا أساسيًا من منهجه في الدراسة التاريخية. انطلق الذهبي في هذه العناية وذاك الاهتمام من تكوينه الفكري المتصل بدراسة الحديث النبوي الشريف وروايته ودرايته الذي يؤكد ضرورة تبيين أحوال الرواة ودرجة الوثوق بهم بتمييز الصادقين منهم عن الكاذبين، فسحبه بعد ذلك على جميع كتابه سواء أكان ذلك في تراجم المحدثين أم في غيرهم وسواء أكانوا من المتقدمين أم من المتأخرين، كما طَبَّقَهُ في نقد الأخبار أيضًا. أولًا: أنواع النقد وأساليبه: لم يقتصر الذهبي على نوع واحد من أنواع النقد، ولم يُعْنَ بمجالٍ واحد من مجالاته، فقد عني بنقد المترجمين وتبيان أحوالهم، وأصدر أحكامًا وتقويمات تاريخية، وعني بنقد الروايات التي وجد مجالًا للنقد فيها.

стр. 189

١ - نقد الرجال: يقوم نقد الرجال عند الذهبي عادة على إصدار حكم في المترجم وتبيان حاله جرحًا أو تعديلًا، ويكون ذلك في الأغلب بإيراد آراء الثقات من المعاصرين فيه وانطباعاتهم الشخصية عنه، إذا كان المترجم من غير أهل عصره، ويكتفي بآرائهم أو يرد عليها أو يُرجِّحُ رأيًا منها. أما الذين عاصرهم فيكون رأيه الشخصي هو الأساس في هذا النقد نظرًا لاتصاله بهم ومعرفته بأحوالهم. وعلى الرغم من أن الغاية الأساسية من نشوء هذا النقد هو تبيان أحوال رجال الحديث، إلا أنه عني بتطبيقه على كثيرٍ من المُترجَمين في كتابه. وقد اعترض بعضُ معاصري الذهبيِّ عليه في عنايته الكبيرة بالنقد باعتبار أن الدواعي التي دعت إلى قيام النقد عند المتقدمين هي الوصول إلى تصحيح الحديث النبوي، ولما كان الحديث قد استقرَّ في الكتب الرئيسة فما عادت هناك من حاجةٍ إليه، وأن فائدته قد انقطعت منذ مطلع القرن الرابع الهجري. وممن صرح بهذا أبو عمرو محمد بن عثمان الغرناطي المعروف بابن المرابط "ت ٧٥٢ هـ" الذي ادعى أن ذكر معايب الناس غيبة لا تجوز وإنْ كان المذكور من أهل الرواية (١)، قال ابن حجر: "ورأيت بخطه جزءًا حَطَّ فيه على الذهبي وترجمه ترجمة أفرط في ذمِّه فيها وتَعقَّبها برهان الدين بن جماعة على الهامش" (٢). كما أخذ عليه بعضهم نقده لغير الرواة واعتبروا أن ذلك لا فائدة فيه (٣). ودافع السخاوي عن الذهبي وغيره ممن عنوا بالنقد في غير الرواة بقوله: "بأن الملحوظ في تسويغ ذلك كونه نصيحة، ولا انحصار لها في الرواية، فقد ذكروا من الأماكن التي يجوز فيها ذكر المرء بما يكره، ولا يُعَدُّ ذلك غِيبةً، بل هو نصيحةٌ واجبة: أن تكون للمذكور ولاية لا يقوم بها على وجهها … أو يكون مبتدعًا من المتصوفة وغيرهم، أو فاسقًا ويرى من يتردد إليه للعلم أو للإرشاد ويخاف عليه عود الضرر من قِبَلِهِ فيعلمه ببيان حاله … _________ (١) السخاوي: الإعلان، ص ٤٦٠، ٤٧٠، ٤٧٤. (٢) ابن حجر: الدرر، ج ٤ ص ١٦٤. (٣) السبكي: الطبقات، ج ٢ ص ١٤.

стр. 190

أو غير ذلك من المحرمات فكل ذلك جائز أو واجب ذكره ليحذر ضرره. وبهذا ظهر أن الجرح لم ينقطع وأنه والحالة هذه من النصيحة الواجبة المثاب فاعلها" (١). ويلاحظ أن العلماء المسلمين، ومنهم السخاوي، قد برروا استعمال النقد في غير مجال الرواة بالفائدة المتوخاة منه للنصيحة ودفع الضرر. ومثل هذا التبرير قد يكون صحيحًا في حالة نقد المعاصرين فهو تفسير ساذج، حيث أن الذهبي وغيره لم يقتصروا على نقد المعاصرين من غير الرواة، بل تناولوا نقد السابقين أيضًا فيسأل عندئذ عن الغاية من نقد السابقين؟ كما أنهم لم يستطيعوا أن يوضحوا بجلاء سبب استمرار نقد الذهبي وغيره من المتأخرين المتقدمين بعد انقطاع الفائدة من مثل هذا النقد. من كل ذلك يتضح أن تعليل مثل تلك الأمور لا يكون بمثل هذه البساطة فهناك عوامل أكثر عمقًا دفعت الذهبي إلى مثل هذه العناية لعلنا نستطيع إبراز بعضها فيما يأتي: أ - استمرار العناية بالرواية، فعلى الرغم من أن تمييز الحديث الصحيح عن غيره قد استقر بعد ظهور الكتب الستة وبعض المجاميع الحديثية الأخرى فإن المسلمين لم يتركوا الرواية بل ازدادوا عناية بها تقليدًا للسابقين من جهة، وتدينًا وحبًا بالحديث وروايته من جهة أخرى. ومعنى ذلك استمرار الإسناد ومن ثم ضرورة استمرار النقد في كل عصر لتبيان أحوال الرواة (٢). ب - لم يتقبل الذهبي آراء النقاد السابقين باعتبارها مسلمات لا يمكن ردها أو الطعن فيها دائمًا بالرغم من احترامه الشديد للثقات منهم ومدحه الكثير لهم. ويبدو أنه اعتبر باب الاجتهاد في النقد ما زال مفتوحًا، لذلك عني به كل هذه العناية، يدل على ذلك رَدُّه لآراءِ كثيرٍ من كبار النقاد وعدم قبولها مثل أحمد بن _________ (١) الإعلان، ص ٤٦١ - ٤٦٢. (٢) ركز الذهبي في كتابه "الميزان" على الرواة القدماء واعتبر مطلع القرن الرابع الهجري هو الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر، وذكر أنه لو فتح على نفسه تناول المتأخرين لما سَلِمَ معه إلا القليل إذ "الأكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنما سمعوا في الصغر، واحتيج إلى علو سندهم في الكبر فالعمدة على مَنْ قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السماع لهم". (ج ١ ص ٤)، ولكنه تناولهم في تاريخ الإسلام.

стр. 191

صالح المصري "ت ٢٤٨ هـ" (١)، وأحمد بن عبد الله العجلي "ت ٢٦١ هـ" (٢)، وابن عدي "ت ٣٦٥ هـ" (٣)، وابن حبان البستي "ت ٣٥٤ هـ" (٤)، ومحمد بن إسحاق بن مندة "ت ٣٩٥ هـ" (٥) والخطيب البغدادي "ت ٤٦٣ هـ" (٦)، وابن عساكر "ت ٥٧١ هـ" (٧)، وابن الصلاح "ت ٦٤٣ هـ" (٨)، وغيرهم مما يطول ذكره، ولعل كتابه "الميزان" أحسن دلالة على ذلك. ج - إن النقد أصبح جزءًا من مفهومه التاريخي، لذلك حاول تطبيقه في كل موضع من كتابه. وقد أخطأ كثير ممن فسر نقده لكبار العلماء من غير الرواة أو الملوك أو أرباب الولايات أو نحوهم بأنه من صنف "نقد الرجال" بل هو حكم تاريخي الغاية منه تقويم المترجم كما سيأتي. ويراعي الذهبي في مثل هذا النوع من النقد أن يورد ما يبين حال المترجم مما يتصل بعقيدته كأن يكون شيعيًا (٩)، أو رافضيًا (١٠)، أو معتزليًا (١١)، أو قدريًا (١٢)، ونحو ذلك، مما يتصل بأخلاقه (١٣)، أو مما يتصل بروايته كأن يكون قليل الفهم والضبط (١٤)، متساهلًا في الرواية (١٥)، متهاونًا فيها (١٦)، _________ (١) مثلًا: الورقة ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٦). (٢) مثلًا: الورقة ١١٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٣) مثلًا: الورقة ١٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٤) مثلًا: الورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٦). (٥) مثلًا: الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٦) مثلًا: الورقة ١٩١ من النسخة السابقة. (٧) مثلًا: ٧/ ٣٣٩. (٨) مثلًا: الورقة ٤٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٩) انظرٍ مثلا: الورقة ١٧٦، ٣١٧، ٣١٩، ٩ ٣٢، ٣٧٣، ٣٨٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (١٠) مثلًا: الورقة ٢٠٥، ٣٠٨، ٣٥٨، ٣٦٠، ٣٧٥، ٣٧٦ من النسخة نفسها. (١١) مثلًا: الورقة ٢٢٧، ٣٢٩، ٣٧٠، ٣٧٣، ٣٨٠، ٣٨٧، ٤٠٤، ٤٢٢، ٤٤٦، ٤٨٥ من النسخة السابقة. (١٢) مثلًا: الورقة ١١٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (١٣) مثلًا: الورقة ١٧٤، ١٧٥، ١٩٠، ١٩١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (١٤) الورقة ٢٠٣ من النسخة السابقة. (١٥) الورقة ١٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (١٦) الورقة ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).

стр. 192

أو مجازفًا (١)، أو مُخَلِّطًا (٢)، أو يُحَدِّثُ من غير أصل (٣)، أو يقلب الأحاديث (٤)، أو يقفز من سند إلى آخر (٥)، أو يلحق اسمه في الطبقات، ونحو ذلك (٦). وتكون نتيجة التجريح أو التعديل إصدار أحكام بعبارات فنية لها دلالاتها الدقيقة جدًّا نحو "ثقة"، و"صدوق"، و"صويلح"، و"دجال"، و "كذاب"، وما إلى ذلك (٧). إن عناية الذهبي في البحث عن عقائد المترجمين واتجاهاتهم ومذاهبهم قدمت لنا مادة غنية في معرفة عقائدهم ومذاهبهم، ومدى انتشارها بين النامر في فترة ما أو في منطقة معينة. ٢ - التقويم والأحكام: لم يكن الذهبيُّ يقتصر على "نقد الرجال" وهو "النقد الحديثي" الذي يعنى بذكر حال الرجال صدقًا أو كذبًا أو عقيدة أو نحوها، فإن هذا النوع من النقد لا يمكن تطبيقه على جميع فئات المترجمين في كتابه، وقد حوى خلفاء وملوكًا وأرباب ولاياتٍ، وشعراء وأدباء ونحوهم، ولذلك لم ينظر الذهبي إليهم بالمناظير التي نظرَ بها إلى الرواةِ وأشباههم في الأغلب الأعم، بل نظر إلى كل طائفة منهم بمنظار يختلف عن الآخر. وهذه مسألة قَلَّما انتبه إليها الباحثون فوقعوا بآفة التعميم وخرجوا بما ظنوا أنه حقيقة وهي أنَّ المؤرخين المسلمين المتأثرين بالحديث الشريف وعلومه نظروا إلى جميع الناس بمنظار واحد هو منظار الحديث والمحدثين. _________ (١) الورقة ٢٢٥ من النسخة السابقة. (٢) الورقة ٣٧٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٣) الورقة ٨٦ من النسخة السابقة، والورقة ١٤٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٤) الورقة ١٧٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٥) الورقة ١٩١ من النسخة السابقة. (٦) الورقة ٣١٥، ٤١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٧) انظر عن هذه الألفاظ ودلالاتها كتابه: "ميزان الاعتدال، ج ١ ص ٤"، وبحث الدكتور ناجي معروف: "أساليب الكتّاب العرب في البحث العلمي" المنشور في العدد الأول من مجلة "الكتّاب" (بغداد سنة ١٩٦٢).

стр. 193

نعم، نظر الذهبي إلى كثير من العلماء بمنظار المحدثين، ونظر إلى بعض من يختلفون معه في العقيدة بمنظار عقيدته وهلم جرًّا، ولكنه في الوقت نفسه استطاع أن ينظر إلى كل طائفة منهم بمنظار آخر كوّن في الأغلب صورة لجماع رأيه في ذلك الشخص. إن تعدد المناظير هذا جعل آراء الذهبي في المترجَمين تبدو لأول وهلة متناقضةً كل التناقض، نحو قوله في ترجمة هشام بن محمد الكلبي المتوفى سنة ٢٠٤ هـ: "النسابة العلامة الأخباري الحافظ … لم يكن ثقة وفيه رفض" (١)، وقوله في ترجمة أحمد بن أبي دؤاد الإيادي المعتزلي الذي قاد أعنف حملة على زعماء أهل الحديث وغير القائلين بخلق القرآن: "وكان مُصَرِّحًا بمذهب الجهمية داعية إلى القول بخلق القرآن. وكان موصوفًا بالجود والسخاء وحسن الخلق وغزارة الأدب" (٢). وقد صار عدم التعميم في الذم أو المدح أصلًا من أصوله النقدية، قال في رده على ابن الصلاح "ت ٦٤٣ هـ "الذي هاجم الماوردي "ت ٤٥٠ هـ" بسبب الاعتزال "فلا تحط يا أخي على العلماء مطلقًا ولا تبالغ في تقريظهم مطلقًا" (٣). ثم إن اختلاف المناظير عند الذهبي جعله يراعي في كل طائفة صفات معينة بصرف النظر عن اتفاقه أو اختلافه معهم، فكان ينظر إلى الخلفاء والملوك مثلًا من زاوية الحزم، والدهاء، والقوة والضعف، والسياسة، والظلم والعدل، وحب العلم ونحوها، قال في ترجمة أبي جعفر المنصور: "وقد مر من أخباره في الحوادث ما يدل على أنه كان فحل بني العباس هيبةً وشجاعة وحزمًا ورأيًا وجبروتًا، وكان جمّاعًا للمال تاركًا للهو واللعب كامل العقل جيد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس، قتل خلقًا كثيرًا حتى استقام ملكه. وكان في الجملة يرجع إلى عدل وديانة وله حظ من صلاة وتدين … خليقًا للإمارة" (٤)، وقال في ترجمة الخليفة المأمون: "كان من رجال بني العباس حزمًا وعزمًا وحلمًا وعلمًا ورأيًا ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤددًا وسماحة وله _________ (١) الورقة ٧٥ - ٧٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦). (٢) ٥/ ٧٥٨. (٣) الورقة ٤٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٤) ٤/ ١٠٦.

стр. 194

محاسن" (١)، وقال في ترجمة عضد الدولة البويهي: "وعمّر الطرق والقناطر والجسور. وكان متيقظًا شهمًا .. كثير البحث عن المشكلات وافر العقل. كان من أفراد الملوك لولا ظلمه. وكان سفاكًا للدماء … وكان يحب العلم والعلماء … وأقام مكوسًا ومظالم نسأل الله العافية" (٢)، وقال في هشام بن الحكم الأموي الأندلسي: "وكان ضعيفًا أخرق محجورًا عليه" (٣)، وقال في وصف جوهر الصقلي القائد الفاطمي: "وكان حسن السيرة في الرعية" (٤)، وقال في ترجمة العزيز بالله نزار الفاطمي: "وكان كريمًا شجاعًا حسن الصفح … حسن الخلق قريبًا من الناس لا يؤثر سفك الدماء" (٥). أما العلماء فكان يراعي فيهم البراعة والمعرفة في فنهم، قال في ترجمة نصير الدين الطوسي "ت ٦٧٢ هـ": "كان رأسًا في علم الأوائل لا سيما معرفة الرياضي وصنعة الأرصاد فإنه فاق بذلك على الكبار … وكان سمحًا كريمًا حليمًا حسن العشرة غزير الفضائل جليل القدر لكنه على مذهب الأوائل في كثير من الأصول، نسأل الله الهدى والسداد" (٦). وكان يراعي في الشعراء مثلًا الإبداع، فقد نقل في ترجمة الشاعر الماجن المتهتك ابن سكرة: "كان متسع الباع في أنواع الإبداع فائق الشعر لا سيما في المجون والسخف وكان يقال ببغداد: إن زمانًا جاد بمثل ابن سكرة وابن الحجاج لسخي جدًّا. وقد شبها في وقتهما بجرير والفرزدق في وقتهما" (٧). وفي كثير من الأحيان يقوّم الذهبي المترجمين بعد دراسة كتبهم وتبيان قيمتها العلمية بين الكتب التي من بابتها. ومثل هذا النقد يدل بلا شك على سعة في العقلية وتفهم منه لمجالات النقد وطبيعته لا سيما بالنسبة لأولئك الذين لم يشتهروا بالرواية وعرفوا بتآليفهم في علم من العلوم أو فن من الفنون. _________ (١) الورقة ١٢١ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٢) الورقة ١١٨ - ١١٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) = ٨/ ٣٧٧ - ٣٧٨ من طبعتنا. (٣) الورقة ٢٦٣ من النسخة السابقة. (٤) الورقة ١٥٩ من النسخة السابقة. (٥) الورقة ١٨٦ - ١٨٧ من النسخة نفسها. (٦) الورقة ١٤ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٧) الورقة ١٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).

стр. 195

٣ - نقد الروايات: رد الذهبيُّ كثيرًا من الروايات التي نقلها عن المؤلفين السابقين بعد نقدها أو نقد مؤلفيها. ولم يكن مستعدًا دائمًا لتصديق كل ما يقال عن شخص ما أو حادثة معينة، ولذلك وجدناه قلما ترك مؤلفًا نقل عنه من غير أن يُخَطِّئَهُ في أكثر من رواية بصرف النظر عن مكانة ذلك المؤلف من العلم وجلالته فيه، فتحصلت في الكتاب ثروة نقدية على غاية من الضخامة، يلمسها كل مَنْ يطالع الكتاب أو يتفحصه. يضاف إلى ذلك أنه لم يقتصر على أسلوب واحد في النقد بل تَوسَّلَ بكل ممكن مما يوصله إلى الحقيقة ومن ثم وجدنا تنوعًا في أساليبه النقدية في هذا المجال لعل من أبرزها: أ - نقد السند: ونجد ذلك واضحًا في كلامه على كثير من الأحاديث النبوية الشريفة وفي بعض الروايات الأولى. ويكون هذا النقد عادة بتضعيف السند بسبب الكلام في راوٍ واحد من رواته أو أكثر، أو تقويمه استنادًا إلى مقاييس المحدثين فيحكم بعد ذلك على قوة الحديث وضعفه باستعمال العبارات الدالة عليه كأن يقول مثلًا "منقطع"، و"مرسل"، و"متفق عليه"، و"صحيح"، وغيرها من المصطلحات المعروفة عندهم. ولما كان الذهبي من كبار حفاظ الحديث وجهابذته لذلك ما وجدناه ترك حديثًا من غير تعليق عليه (١). وقد طبق هذه الطريقة على بعض الأخبار بعد دراسة أسانيدها وهو نادر في كتابه (٢) لعدم عنايته بالإسناد فيه أصلًا وتعويله على المؤلفات السابقة. ومع ذلك فإن الذهبي لا يكتفي بنقد السند في معظم الأخبار التي يوردها ويضعفها استنادًا إلى ضعفٍ في سندها، بل يحاول جاهدًا إيراد ما يقوي هذا التضعيف من الأدلة التاريخية التي تتوفر له، ففي اتهام هشام بن عروة لابن إسحاق نقل الذهبي هذه الرواية عن العقيلي، قال: "قال العقيلي: حدثني _________ (١) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٧. (٢) انظر مثلًا: ٧/ ١٨٥ و ٦٤٤ و ٦٥٣.

стр. 196

الفضل بن جعفر، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن داود، قال: قال لي يحيى بن سعيد القطان: أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب. قلتُ: وما يدريك؟ قال: قال لي وهيب، فقلت لوهيب: ما يدريك؟ قال: قال لي مالك، فقلت لمالك: وما يدريك؟، قال: قال لي هشام بن عروة، قلت له: وما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي وأدخلت عليَّ وهي بنت تسع سنين وما رآها رجل حتى لقيت الله " فقال الذهبي معلقًا: "قلت: هذه حكاية باطلة وسليمان الشاذكوني ليس بثقة، وما أدخلت فاطمة على هشام إلا وهي بنت نيف وعشرين سنة فإنها أكبر منه بنحو من تسع سنين، وقد سمعت من أسماء بنت الصديق، وهشام لم يسمع من أسماء مع أنها جدَّتهما. وأيضًا فلما سمع ابن إسحاق منها كانت قد عجزت وكبرت وهو غلام أو هو رجل من خلف الستر فإنكار هشام بارد" (١). ب - نقد المتن: وهو الذي يقوم على نقد متن الرواية بكل ما يستطيع الناقد إيراده من الأدلة التي تثبت دعواه. وهذا النوع من النقد هو الذي عني به الذهبي في كتابه فردَّ مئات الروايات وأبطلها بنقده المتين، وهو ظاهرة جِدُّ واضحة فيه. ومن أمثلة عنايته بنقد المتن مع توفر الإسناد القوي، تعليقه على خبر سفر النبي ﷺ مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصة بحيرا الراهب، وملخص الحديث: أن الراهب تناقش مع أبي طالب والقرشيين في أمره حينما كانوا يتظللون بفيء شجرة، ثم أقبل النبي ﷺ وعليه غمامة تظله فلما جلس تحت الشجرة مال عليه فيء الشجرة، فلما رآه الراهب وعرف صفته ناشد أبا طالب أن يرد النبي ﷺ خوفًا عليه من الروم فرده أبو طالب، وبعث أبو بكر معه بلالًا الحبشي. فقال الذهبي: "تفرد به قراد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان (٢) _________ (١) ٤/ ١٩٦ - ٩٧ ١. (٢) توفي سنة ٢٠٧ هـ، انظر الذهبي: ميزان ج ٢ ص ٥٨١ - ٥٨٢.

стр. 197

(وهو) (١) ثقة احتج به البخاري والنسائي، ورواه الناس عن قراد وحسنه الترمذي. وهو حديث منكر جدًّا، وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين فإنه أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين ونصف. وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث ولم يكن ولد بعد. وأيضًا: فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة؟ لأن ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها. ولم نر النبي ﷺ ذَكَّر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ مع توفر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيما اشتهار، ولبقي عنده ﷺ حِسٌّ من النبوة ولما أنكر مجيءَ الوحي إليه أولًا بغارِ حراء، وأتى خديجة خائفًا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه ﷺ . وأيضًا: فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب ورده كيف كانت تَطِيبُ نَفْسُه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرًا لخديجة؟ وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية مع أن ابن عائذ قد روى معناه في مغازيه دون قوله: وبعث معه أبو بكر وبلالًا إلى آخره، فقال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو داود سليمان بن موسى، فذكره بمعناه" (٢). ونرى من هذا النقد أن الذهبي قد حَلَّلَ الخبر تحليلًا علميًّا من كافة جوانبه: في أحداثه، وألفاظه، ودلالاته، واستعمل عقله، والأدلة التاريخية ليثبت بطلانه، وهو يدل على مَلَكَةٍ عظيمة في النقد وتمكن فيه. والحق أن الذهبي استعمل عقله في رَدِّ كثير من الروايات حتى وإن لم تتوفر لديه الأدلة الكافية، لكن حِسَّهُ التاريخي جعله لا يقبلها وإنْ رواها أو نقلها الثقات، فقد نقل عن الخطيب نصًا عن عدد حمامات بغداد وأنها كانت ستين ألف حمام، فقال: "قلت: كذا نقل الخطيب في تاريخه وما أعتقد أنا هذا قط ولا عشر ذلك" (٣). ولم يقبل تصديق ضخامة أعداد الناس الذين كانوا يحضرون مجالس وعظ ابن الجوزي مع أن ابن الجوزي ذكرها بنفسه في _________ (١) إضافة مني للتوضيح. (٢) ١/ ٥٠٣ - ٥٠٤. (٣) ٣/ ٣٩٧.

стр. 198

المنتظم، كما هو مشهور وأيدها عبد اللطيف البغدادي "ت ٦٢٩ هـ " وجماعة من المعاصرين كما نقل الذهبي في ترجمته (١). ثانيًا: التعصب والإنصاف في النقد: كان من منهج الذهبي نقل آراء الموافقين والمخالفين في المترجم ليقدم صورة كاملة عنه، وهو طابع عام في كتابه تجده في كل ترجمة من تراجمه، بينما اقتصر آخرون على إيراد المدائح في كتبهم مثل السبكي "ت ٧٧١ هـ" وغيره. كما أن الذهبيَّ عني بترجمة عدد كبير من المعاصرين له ولا سيما في معجمه الكبير، ومعجمه المختص بالمحدثين، ولا ريب أنه نَقَدَ بعضهم فلم يعجبهم ذلك، وتأذى البعض منهم وغضب غضبًا شديدًا مثل شمس الدين محمد بن أحمد بن بصخان المقرئ المتوفى سنة ٧٤٣ هـ الذي ترجم له الذهبي وأورد بعض ما فيه من القدح. فكتب ابن بصخان هذا بخط غليظ على الصفحة التي بخط الذهبي كلامًا أقذع فيه بحق الذهبي بحيث صار خط الذهبي لا يقرأ غالبه (٢). وقد عرفنا من حياة الذهبي أنه رافق الحنابلة وتأثر بشيخه ابن تيمية لا سيما في العقائد (٣)، فكان شافعي الفروع حنبلي الأصول، ولذلك عني عند النقد بإيراد العقائد على طريقة أهل الحديث واعتبرها جزءًا منه كما بينا قبل قليل. ووجدنا في البيئة الدمشقية في الوقت نفسه مَنْ يتعصبُ للأشاعرةِ غاية التعصب. وبسبب العقائد انْتُقِدَ الذهبيُّ من بعض معاصريه لاسيما تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي "٧٢٨ - ٧٧١ هـ" (٤) في غير موضعٍ من كتابه "طبقات _________ (١) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٤٥٧. (٢) السخاوي: الإعلان، ص ٤٧٠، وانظر الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٣٠ - ٣١. (٣) انظر أعلاه الفصل الأول من الباب الأول. (٤) اتصل السبكي بالذهبي سنة ٧٣٩ هـ ولم يبلغ آنذاك اثني عشر عامًا، ولازمه فكان يذهب إليه في كل يوم مرتين، وقد ترجم له الذهبي في معجمه المختص (انظر مقدمة طبقات الشافعية).

стр. 199

الشافعية الكبرى" (١) وفي كتابه الآخر "معيد النعم" (٢)، فقال في ترجمته من الطبقات: "وكان شيخنا - والحق أحق ما قيل والصدق أولى ما آثره ذو السبيل - شديد الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الإزراء بأهل السنة، الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا يَصِفُهم بخيرٍ إلا وقد رَغِمَ منه أنفُ الراغم. صنّف التاريخ الكبير، وما أحسنه لولا تعصب فيه، وأكمله لولا نقص فيه وأي نقص يعتريه" (٣)، وقال في ترجمة أحمد بن صالح المصري من الطبقات أيضًا: "وأما تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له، فإنه على حُسْنِه وجمعه مشحونٌ بالتعصب المفرط لا واخذه الله، فلقد أكثرَ الوقيعةَ في أهل الدين، أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط على الأشاعرة، ومدح فزاد في المُجَسِّمة، هذا وهو الحافظ المدره والإمام المبجل، فما ظنك بعوام المؤرخين" (٤). وذكر في موضع آخر أنه نقل من خط صلاح الدين خليل بن كيلكدي العلائي "٦٩٤ - ٧٦١ هـ"، وهو من تلاميذ الذهبي والمتصلين به (٥)، أنه قال ما نصه: "الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا أشك في دينه وورعه وتَحَرِّيه فيما يقوله الناس، ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات" ومنافرة التأويل، والغفلة عن التنزيه حتى أثرَ ذلك في طبعه انحرافًا شديدًا عن أهل التنزيه وميلًا قويًا إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم واحدًا منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويبالغ في وصفه، ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن، وإذا ذكر أحدًا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه، ويكثر من قول مَنْ طعن فيه، ويعيد ذلك ويبديه، ويعتقده دينًا، وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها. وكذلك فعله في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: والله يصلحه، ونحو ذلك، وسببه المخالفة في _________ (١) انظر مثلًا: ج ٢ ص ١٣ فما بعد، ج ٣ ص ٢٩٩، ٣٥٢ - ٣٥٣، ٣٥٦، ج ٤ ص ٣٣، ١٣٣، ١٤٧، ج ٩ ص ١٠٣ - ١٠٤ وغيرها. (٢) معيد النعم، ص ٧٤، ٧٧. (٣) ج ٩ ص ١٠٣ - ١٠٤. (٤) ج ٢ ص ٢٢. (٥) ابن حجر: الدرر، ج ٢ ص ١٧٩ - ١٨٢.

стр. 200

العقائد" (١)، ثم ذكر السبكي أن الخال أزيد مما وصف العلائي ثم قال: "والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه، وعدم اعتبار قوله. ولم يكن يستجري أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه" (٢). وبالغ السبكي بعد ذلك فذكر أن الذهبي متقصد في ذلك وأنه كان يغضب عند ترجمته لواحد من علماء الحنفية والمالكية والشافعية غضبًا شديدًا ثم يقرطم الكلام ويمزقه "ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي، فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق بها" (٣). وقد أثارت انتقادات السبكي هذه نقاشًا بين المؤرخين فرد عليه السخاوي "ت ٩٠٢ هـ" حيث اتهم السبكي بالتعصب الزائد للأشاعرة ونقل قول عز الدين الكناني "ت ٨١٩ هـ" في السبكي: "هو رجل قليل الأدب عديم الإنصاف، جاهل بأهل السُّنة ورتبهم" (٤). وقال يوسف بن عبد الهادي "ت ٩٠٩ هـ" في معجم الشافعية: "وكلامه هذا في حق الذهبي غير مقبول فإن الذهبي كان أجل من أن يقول ما لا حقيقة له .. والإنكار عليه أشد من الإنكار على الذهبي، لا سيما وهو شيخه وأستاذه فما كان ينبغي له أن يفرط من هذا الإفراط" (٥). والحق أنَّ السبكيَّ أشعريّ جَلْدٌ متعصب غاية التعصب ولا أدل على ذلك من شتيمته المقذعة في حق الذهبي في ترجمة أبي الحسن الأشعري من الطبقات فقد سَفَّ بها إسفافًا كبيرًا بسبب عدم قيام الذهبي بترجمته ترجمة طويلة في "تاريخ الإسلام" ولأنه اكتفى بإحالة القارئ إلى كتاب "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر فاعتبر ذلك نقيصة كبيرة في حق الأشعري (٦). وقد قرأ السخاوي بخطه تجاه ترجمة سلامة الصياد المنبجي الزاهد ما نصه: "يا مسلم استحي من الله، كم تجازف، وكم تضع من أهل السُّنة الذين هم الأشعرية، _________ (١) الطبقات ج ٢ ص ١٣. (٢) نفسه، ج ٢ ص ١٣ - ١٤. (٣) نفسه، ج ٢ ص ١٤. (٤) الإعلان، ص ٤٦٩ فما بعد. (٥) معجم الشافعية، الورقة ٤٧ - ٤٨ (ظاهرية). (٦) الذهبي: تاريخ الإسلام ٧/ ٤٩٤ - ٤٩٨. وقد وصف الذهبي الأشعري بأحسن الأوصاف وذكر تصانيفه وقال: "من نظر في هذه الكتب عرف محله ومن أراد أن يتبحر في معرفة الأشعري فليطالع كتاب تبيين كذب المفتري .. ".

стр. 201

ومتى كانت الحنابلة، وهل ارتفع للحنابلة قط رأس" (١). ومع ذلك فإن هذه القضية جديرة بالدرس لأنها توضح أهمية كتاب الذهبي من جهة، ومنهجه ومدى عدالته في النقد والتحري من جهة أخرى. ولقد أبانت دراستنا لتاريخ الإسلام أن الذهبي قد وُفِّقَ إلى أنْ يكون منصفًا إلى درجة غير قليلة في نقده لكثير من الناس وما رأينا عنده تفريقًا كبيرًا بين علماء المذاهب الأربعة. وما كان يرضى الكلام بغير حق ولا حتى نقله في بعض الأحيان، قال في ترجمة الحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه الحنفي: "قد ساق في ترجمة هذا أبو بكر الخطيب أشياء لا ينبغي لي ذكرها" (٢) وقال في ترجمة ابن الحريري الدمشقي الحنفي "ت ٧٢٨ هـ": "قاضي القضاة علّامة المذهب ذو العلم والعمل" (٣)، وقوله في قاضي الحنفية شمس الدين الأذرعي "ت ٦٧٣ هـ": "لم يخلف بعده مثله" (٤)، وترجم لأبي جعفر الطحاوي ترجمة رائقة ودلل على سعة معرفته وفضله وعلمه الجم (٥). وهذا هو منهجه في معظم الحنفية لم نره تكلم في أحدهم بسبب المذهب، لا من الشافعية ولا المالكية، ولا الحنفية. ولو قال السبكي إنه كان يتعصب على الأشاعرة حسب لوجدَ بعضَ الآذانِ الصاغية ولبحث له المؤيدون عن بضعة نصوص قد تؤيد رأيه، علمًا أني بحثتُ في "تاريخ الإسلام" ولم أستطع أن أحصل على مثل يَصْلُح أن يسمى انتقادًا لأشعري. نعم قد نجد بعضَ تقصيرٍ في تراجم قسم من الأشاعرة. وفي هذا المجال صرت أشعر أن سبب قصر بعض تراجم الأشاعرة قد جاء من عدم قيام الذهبي بنقل آراء المخالفين بتوسع حبًا منه للعافية كما في ترجمة أبي الحسن الأشعري الذي لم يأت الذهبي بكلمة نقد فيه مع أن الأشعري قضى القسم الأكبر من حياته معتزليًا، ونحن نعرف موقف الذهبي من المعتزلة. والواقع أن الذهبي ما بخس فضل هذا الرجل إلى درجة أنه اعتبره مُجَدِّدًا في أصول _________ (١) طبقات، ج ٣ ص ٣٥٢ - ٣٥٣. (٢) الورقة ١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٣) معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٥١. (٤) الورقة ١٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٥) ٧/ ٤٣٩ - ٤٤٠.

стр. 202

الدين على رأس المئة الرابعة (١). أما كلام الذهبي في الصوفية فصحيح ما قاله السبكي، ولكن في النادر منهم، وهذا رأي ارتآه الذهبي واعتقد فيه وآمن به؛ فقد ميّز بين طائفتين منهم: أولاهما: كانت متمسكة بالدين القويم متبعة للسنة، احترمهم الذهبي الاحترام كله، بل لبس هو خرقة التصوف من الشيخ ضياء الدين عيسى بن يحيى الأنصاري السبتي عند رحلته إلى مصر (٢) وقال في ترجمة فرج الزنجاني المتوفى سنة ٤٥٨ من تاريخه: "وهو الذي لبسنا خرقة السهروردي من طريقه" (٣). وكان يعتقد ببعض كرامات كبار الزهاد ويعنى بإيرادها في كتابه بل يكثر منها عادة (٤)، ويورد بعض أقوالهم وحكاياتهم في الزهد والمحبة فيه (٥). أما الثانية: فقد اعتبرهم الذهبي مارقين عن الدين مشعوذين بهم مَسٌّ من الجنون، ومنهم الأحمدية (٦) أتباع الشيخ أحمد الرفاعي، والقلندرية (٧) وشيخها جمال الدين محمد الساوجي فقد ذكر تُرَّهَاتهِ وانغشاشَ الناس به وبحاله الشيطاني (٨)، ووصف بعض أحوالهم في ترجمة يوسف القميني "ت ٦٥٧ هـ " فقال: "وكان يأوي إلى قمين حمام نور الدين ولما توفي شَيَّعَهُ خَلْقٌ لا يحصون من العامة، وقد بصرنا الله تعالى وله الحمد وعرّفنا هذا النموذج … فقد عَمَّ البلاء في الخَلْقِ بهذا الضرب … ومن هذه الأحوال الشيطانية التي تضل العامة: أكل الحيات ودخول النار، والمشي في الهواء ممن يتعانى المعاصي ويخل بالواجبات … وقد يجيء الجاهل فيقول: اسكت لا تتكلم في أولياء الله، ولم يشعر أنه هو الذي تكلم في أولياء الله وأهانهم إذ _________ (١) تفسير للحديث الشريف: "يبعث الله من يجدد .. الحديث"، وقد فسر الذهبي "من" لصيغة الجمع. انظر السبكي: طبقات، ج ٣ ص ٢٦. (٢) الورقة ١٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٣) تاريخ الإسلام ١٠/ ١٠٠ من طبعتنا. (٤) انظر مثلًا: ٧/ ٣٩ - ٤٠ و ٨٥. (٥) مثلًا: ٧/ ٦٧ - ٦٨ و ١٠٢ و ٧٣٣ - ٧٣٤. (٦) معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٤٠. (٧) القلندرية: المحلقون أي: الذين يحلقون رؤوسهم ولحاهم. (٨) الورقة ١٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢).

стр. 203

أدخل فيهم هؤلاء الأوباش المجانين أولياء الشياطين" (١). ولم يكن الذهبي متعصبًا للحنابلة بالمعنى الذي صوّره السبكي فالرجل كان محدثًا يحب أهل الحديث ويحترمهم، إلا أن هذا لم يمنعه من تناول مساوئ بعضهم فقد نقل عن الإمام ابن خزيمة في ترجمة الطبري المؤرخ قوله: "ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة"، ثم قال الذهبي معقبًا وناقلا عن أبي محمد الفرغاني: "كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد" (٢). وقال في ترجمة عبد الساتر بن عبد الحميد تقي الدين الحنبلي المتوفى سنة ٦٧٩ هـ: "ومهر في المذهب … وقَلَّ مَنْ سمع منه لأنه كان فيه زعارة، وكان فيه غلو في السُّنة، ومنابذة للمتكلمين ومبالغة في اتباع النصوص … وهو فكان حنبليًا خشنًا متحرقًا على الأشعري … كثير الدعاوى قليل العلم" (٣). ومع ما كان للذهبيِّ من إعجاب بشيخه ابن تيمية فإنه أخذ عليه "تغليظه وفظاظته وفجاجة عبارته وتوبيخه الأليم المبكي المنكي المثير النفوس" (٤)، كما أخذ عليه: "الكبر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والإزراء بالكبار" (٥) وقد رأى في بعض فتاويه انفرادًا عن الأمة، قال: "وقد انفرد بفتاوى نِيلَ من عِرْضِه لأجلها، وهي مغمورةٌ في بحرِ علمه - فالله تعالى يسامحه ويرضى عنه - فما رأيتُ مثله وكل أحد من الأمة فيؤخذ من قوله ويترك فكان ماذا؟ " (٦). وقد بلغ حرص الذهبي في النقد وشدة تحريه أنه تكلم في ابنه أبي هريرة عبد الرحمن فقال: "إنه حفظ القرآن ثم تشاغل عنه حتى نسيه" (٧). ولست هنا في حال دفاع عن الرجل فكتابه خير مدافع عنه وهو الحكم في تقويمه، ولكنني أقول: إن تحقيق كثير من الإنصاف، وإن لم يكن كله، أمرٌ له قيمته العظمى في كل عصر. _________ (١) تاريخ الإسلام ١٤/ ٨٧٠ من طبعتنا. (٢) نفسه ٧/ ١٦٢. (٣) الورقة ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٤) الورقة ٣٣٢ من النسخة السابقة. (٥) بيان زغل العلم، ص ١٧ - ١٨. (٦) تذكرة الحفاظ، ج ٤ ص ١٤٩٧. (٧) السخاوي: الإعلان، ص ٤٨٨.

стр. 204

الباب الثالث نسخ تاريخ الإسلام الخطية

стр. 205

مدخل: تدوين الكتاب لا ندري الوقت الذي بدأ الذهبي فيه بتأليف كتابه، ولكننا نعلم أنه فرغ من إخراجه الأول في جُمادى الآخرة من سنة ٧١٤ هـ كما جاء بخطه في آخر المجلدة الأخيرة منه (١). ورجح الدكتور صلاح الدين المنجد أنه بدأ به إثر عودته من مصر سنة ٧٥٥ هـ (٢). وقد بينا عند كلامنا على سيرة الذهبي أن رحلته إلى مصر لم تكن في هذا التاريخ، إنما كانت في سنة ٦٩٥ هـ ودللنا على ذلك بأدلة لا تقبل الشك (٣). ومع ذلك فإننا نعتقد بأنه بدأ بكتابة المسودة الأولى قبل سنة ٧٠٤ هـ وهي السنة التي اختصر فيها الذهبي تاريخ ابن الدبيثي (٤) حيث لم يذكره من بين ما اختصر من كتب رئيسة في مقدمته لتاريخ الإسلام. ولكن من المحتمل جدًّا أن يكون قد جمع كثيرًا من مادة الكتاب قبل هذا التاريخ بكثير، إذ من غير المعقول أن يكون قد كتب مثل هذا التاريخ الواسع ذي الموارد المتعددة قبل جمع مادته بصورة دقيقة ومنظمة، واختصار عدد من المؤلفات الرئيسة التي كونت مادة كتابه مثل "تاريخ نيسابور" لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٥٥ هـ، و"تاريخ مصر" لابن يونس المتوفى سنة ٣٤٧ هـ، و"تاريخ مدينة السلام" للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، والذيل عليه لأبي سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢ هـ، و"الأنساب" للسمعاني أيضًا، و"تاريخ دمشق" لأبي القاسم ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، و"وفيات الأعيان" لابن خَلِّكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ، وتاريخ أبي شامة المتوفى سنة ٦٦٥ هـ، و"ذيل مرآة الزمان" لشيخه قطب الدين اليونيني المتوفى سنة ٧٢٦ هـ. وحينما انتهى الذهبي من تدوين تاريخه لأول مرة سنة ٧١٤ هـ، صار الكتاب كما يبدو في تسعة عشر مجلدًا ضخمًا بخطه. ثم أضافَ إليه كثيرًا من _________ (١) الورقة ٣٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٢) مقدمته لطبعته من سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٢٧. (٣) انظر أدناه الفصل الأول من الباب الأول. (٤) الذهبي: المختصر المحتاج إليه، الورقة ١٣٢ (نسخة دار الكتب المصرية وهي بخط الذهبي) وقد جاء في آخرها: "تم اختصاره للذهبي في أواخر سنة أربع وسبع مئة من نسخة الوقف بالناصرية".

стр. 206

تراجم المئة الثانية وبَيَّض هذا القسم ثانية سنة ٧٢٦ هـ (١) فجاءت النسخة في واحد وعشرين مجلدًا، يدل على ذلك قوله في طرة المجلد الحادي والعشرين الذي بخطه: "المجلد الحادي والعشرون من كتاب تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام تأليف الغبد الفقير إلى الله محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي. ثم إنني زدتُ جملةً كثيرةً في أرباب المئة الثانية فآل الحال إلى أن هذا المجلد صار في العدد الحادي والعشرين (٢). ولعل هذا هو الذي يفسر لنا ذكر تلميذه ابن شاكر الكتبي "ت ٧٦٤ هـ" أن الذهبي ألف "تاريخ الإسلام" في تسعة عشر مجلدًا (٣). ولكن إذا كان الذهبي قد انتهى من تدوين كتابه في تسعة عشر مجلدًا سنة ٧١٤ هـ ثم زاد في تراجم المئة الثانية بعد ذلك فأصبح في واحد وعشرين مجلدًا سنة ٧٢٦ هـ فكيف نفسر التناقض الحاصل بين تسلسل عناوين المجلدات الباقية بخطه وبين قوله في نهاية المجلد الحادي والعشرين أنه انتهى منه سنة ٧١٤ هـ؟ وهل يعني هذا أنه أعادَ نسخ الكتاب وتنظيمه ثانية منذ سنة ٧٢٦ هـ؟ فإذا كان ذلك كذلك فإن التناقض باق بسبب كتابته على طرة المجلد الأخير: إنه المجلد الحادي والعشرون، وأنه صار كذلك بعد الزيادة التي أضافها في أهل المئة الثانية وبَيَّضها سنة ٧٢٦ هـ، وقوله في آخر المجلد الأخير نفسه: إنه انتهى منه سنة ٧١٤ هـ! وجوابنا عن ذلك أن المؤلف، فيما نعتقد، لم يبيض سوى المئة الثانية أو قسمًا منها في الأقل، فكان أن زاد هذا القسم المُبيض زيادةً جعلت المؤلف يزيده مجلَّدين آخرين، ثم إنه أعاد كتابه عناوين المجلدات اعتبارًا من المجلد الثامن وحتى المجلد الحادي والعشرين بعد أن أعادَ تنظيمها وصلَّح بعض ما أمكن تصليحه (٤)، وعليه فإن عناوين هذه المجلدات قد كتبت في حدود سنة _________ (١) وصل إلينا من هذا القسم المبيض تبييضًا ثانيًا بخط المؤلف قسم من وفيات الطبقة الثامنة عشرة في أثناء ترجمة الإمام مالك بن أنس، وجميع الطبقتين التاسعة عشرة والعشرين في حوادثهما ووفياتهما، وهو في (٣٠١) ورقة (أيا صوفيا ٣٠٠٦). وقد جاء في نهاية المجلد: "فرغتُ من تبييض الطبقة تبييضًا ثانيًا في سنة ٧٢٦"، وهذا هو قسم من المجلد السابع من نسخة المؤلف. (٢) أيا صوفيا ٣٠١٤. (٣) عيون التواريخ، الورقة ٨٦ (كيمبرج ٢٩٢٣). (٤) مثل ما فعل في المجلد الثالث عشر حيث حاول تصليحه وجعله المجلد الخامس عشر. =

стр. 207

٧٢٦ هـ. بينما بقيت المادة التي احتوتها هي تلك التي انتهى من كتابتها في سنة ٧١٤ هـ. واعتقادنا هذا له من الأدلة التي تؤيده ما يجعلنا مطمئنين إليه، وها هي ذي: ١ - إن القسم غير المُبَيَّض الذي وصل إلينا بخط الذهبي والذي يتكون من المجلدات: الثاني (١)، والثامن (٢)، والثاني عشر (٣)، والثالث عشر (٤)، والخامس عشر (٥)، والثامن عشر (٦)، والتاسع عشر (٧)، والعشرين (٨)، والحادي والعشرين (٩) مليئة بالزيادة التي كتبها الذهبي بخطه على حواشيها، وفي الطيارات الكثيرة التي وضعها بين الأوراق، بينما لا نجد في المجلد السابع (١٠)، وهو المبيض ثانية، إلا النزر اليسير من ذلك، بل يكاد أن يخلو منه. ٢ - يظهر الاختلاف في الخط واضحًا بين النشرتين؛ فخط الذهبي في المجلد السابع أكثر إتقانًا ووضوحًا، وقد خط المؤلف بعض العناوين الداخلية بخط جميل (١١)، ومَيَّزَ التراجم الحافلة عن غيرها بأن خط اسم الشُّهرة بخط غليظ جميل في أعلى الترجمة وفي وسط الصفحة (١٢). بينما لا نجد أي أثر لذلك في المجلدات الأخرى. ٣ - وصول بعص الطُّرر المُصَلَّحة إلينا، فمن ذلك طرة المجلد الخامس عشر الذي كان سابقًا المجلد الثالث عشر، وهو تصليح جد ظاهر. ومن ذلك _________ = ومثل ذلك أيضًا تصليحه طرة عنوان المجلد التاسع عشر وتحويلها إلى المجلد الحادي والعشرين. (١) أيا صوفيا ٣٠٠٥. (٢) أيا صوفيا ٣٠٠٧. (٣) أيا صوفيا ٣٠٠٨. (٤) أيا صوفيا ٣٠٠٩. (٥) أيا صوفيا ٣٠١٠. (٦) أيا صوفيا ٣٠١١. (٧) أيا صوفيا ٣٠١٢. (٨) أيا صوفيا ٣٠١٣. (٩) أيا صوفيا ٣٠١٤. (١٠) أيا صوفيا ٣٠٠٦. (١١) انظر مثلا الورقة ١٧١، ١٧٢، ١٧٤، ١٧٥، ١٧٧، ١٨١، ١٩٢ … إلخ. (١٢) انظر مثلا الورقة ١٩٧، ٢٠٢، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢١٠، ٢١٢، ٢١٧، ٢١٨، ٢٢٠، ٢٢٥، ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٢٣ .. إلخ.

стр. 208

أيضًا طرة المجلد الحادي والعشرين الذي كان قبل التصليح المجلد التاسع عشر، وهو تصليح لا يعرفه ولا يلاحظه إلا من يطيل التمعن فيه، فقد حَوَّل الذهبي كلمة "التاسع" إلى "الحادي" بأن غير حرف (التاء) إلى (حاء) ثم وضع ركزةً للسين بحيث صارت دالًا ومَدَّ حرف العين وقَعَّره فصار (ياء). وهذا هو الذي بفسر التصاق الياء بالدال التصاقًا بينًا، ووجود فتحة فوق الحاء مع عدم الحاجة إليها لأنها كانت في الأصل نقطتي التاء. أما كلمة "عشر" فقد أضاف إليها الياء والنون في آخرها فصارت "عشرين"، وهي تظهر واضحة وقد حُشِرَت بين "عشر" وحرف الجر "من". والطريف أن الفتحات التي وضعها الذهبي فوق كلمة "عشر" ظلت باقية بعد تحويل الكلمة إلى "عشرين" (١). ٤ - ويتبين من دراسة السماعات التي كتبها صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي بخطه على صفحات العنوان، وعلى هوامش المجلدات في الداخل، تسلسل تواريخ هذه السماعات ابتداء من أوائل سنة ٧٣٥ هـ حتى شهر شعبان منها، ووجود الوقفية على المدرسة المحمودية على معظم المجلدات التي وصلت إلينا وهذا يؤيد أن القسم المبيض سنة ٧٢٦ هـ قد أصبح جزءًا من النسخة القديمة. ٥ - لم يشر الذهبي في أيِّ من تلك المجلدات إلى تبييض الكتاب ثانية، بله ما هو مذكور في آخر المجلد الحادي والعشرين من أنه فرغ منه سنة ٧١٤ هـ وما جاء في آخر المجلد الخامس عشر بخط الذهبي: (آخر المجلد الثالث عشر والحمد لله"، مع أنه كتب في طرته أنه المجلد الخامس عشر. إن هذا التناقض الظاهري جعل مفهرسي هذه النسخة في معهد إحياء المخطوطات العربية يظنون أن الذهبي كتبها سنة ٧٢٦ هـ وسنة ٧٢٧ هـ من غير دليل لديهم غير إشارته الواردة في المجلد السابع (٢). وعلى الرغم من وصول نسخ عديدة من "تاريخ الإسلام"، إلا أنه لم تصل إلينا نسخة كاملة منه، لذلك اعتمدنا في تحقيقنا على المجلدات العشر التي وصلت إلينا بخطه، ثم جمعنا النسخ من خزائن الكتب بالخافقين لما لم يصل إلينا بخطه. _________ (١) انظر صورة طرة هذا المجلد. (٢) راجع فهرس المخطوطات المصورة، ج ٢ قسم ١ ص ٥٣.

стр. 209

الفصل الأول نسخة المؤلف ذكرنا فيما تقدم أن المصنف كتبَ نسختَهُ من "تاريخ الإسلام" في واحدٍ وعشرين مجلدًا بعد إعادة تبييض بعض أقسامها. وقد وصل إلينا منها عَشْر مُجلدات محفوظة في خزانة كتب أيا صوفيا بالأرقام ٣٠٠٥ إلى ٣٠١٤، وفيما يأتي وصف مختصر لها: أ - مجلد أيا صوفيا رقم ٣٠٠٥ (من بداية الترجمة النبوية إلى سنة ٣٠ هـ): وهو المجلد الثاني من نسخة المؤلف التي بخطه، وقد جاء في طرة النسخة "المجلد الثاني (١) من تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام وأوله الترجمة النبوية جمع كاتبه محمد بن أحمد بن عثمان الفارقي ابن الذهبي". وعلى طرة النسخة أيضًا سماع لصلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ على المؤلف وقد كتب بخطه المتقن المليح "قرأت هذه المجلدة، وهي الجزء الثاني من تاريخ الإسلام على كاتبه ومؤلفه شيخنا الإمام الحافظ العلامة قدوة المؤرخين حجة المحدثين شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - أدام الله الإمتاع بفوائده - في ثمانية عشر ميعادًا آخرها تاسع عشر ربيع الأول سنة ٧٣٥ وسمعها كاملة فتاي طيدمر بن عبد الله الرومي ومن أول الترجمة النبوية إلى آخر ترجمة عيينة بن حصن. وسمع بعض ذلك في مياعيد مفرقة جماعة ذكرتهم في البلاغات على الهامش وأجازنا رواية ذلك عنه أجمع. وكتب خليل بن أيبك بن عبد الله الشافعي الصفدي حامدًا ومصليًا" (٢). وعلى الطرة أيضًا نص وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية بالقاهرة _________ (١) كُتب فوق هذه الكلمة بخط يشبه خط الذهبي، وليس خطه، كلمة "الأول" وهو وهم من هذا الكاتب. (٢) انظر بعض هذه البلاغات في الأوراق: ١٥، ٣٠، ٤٩، ٦٠٠، ٧٤، ٨٦، ٩٨، ١٣٠، ١٣٩ … إلخ.

стр. 210

وهو: "الحمد لله حق حمده. وقف وحبس وسبل المقر الأشرف العالي الجمالي محمود أستدار العالية الملكي الظاهري - أعز الله تعالى أنصاره - جميع هذا المجلد وما قبله وما بعده من المجلدات من تاريخ الإسلام للذهبي بخطه، وعدة ذلك أحد وعشرون مجلدًا، وقفًا شرعيًا على طلبة العلم الشريف ينتفعون به على الوجه الشرعي. وجعل مقر ذلك بالخزانة السعيدة المرصدة لذلك بمدرسته التي أنشأها بخط الموازين بالقاهرة (١) المحروسة، وشرط الواقف المشار إليه أن لا يخرج ذلك ولا شيء منه من المدرسة المذكورة برهن ولا بغيره. وجعل النظر في ذلك لنفسه أيام حياته ثم من بعده لمن يؤول إليه النظر على المدرسة المذكورة على ما شرح في وقفها. وجعل لنفسه أن يزيد في شرط ذلك وينقص ما يراه دون غيره من النظار، جعل ذلك لنفسه في وقف المدرسة المذكورة، فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه، إن الله سميع عليم، بتاريخ الخامس والعشرين من شعبان المكرم سنة سبع وتسعين وسبع مئة". ثم شهادة اثنين بذلك. وفي أعلى الطرة خطوط جماعة من العلماء ممن نسخوا تاريخ الإسلام عن هذه النسخة أو اختصروه أو طالعوه واستفادوا منه وهي: "فرغه نسخًا وقراءة عبد الرحمن بن محمد ابن البعلي داعيًا لجامعه". و"طالعه وانتقاه وما قبله إبراهيم بن يونس البعلبكي الشافعي". و"أنهاه تعليقا البدر البشتكي". و"طالعه يوسف الكرماني". و"فرغ تراجمه ترتيبًا محمد بن السخاوي، ختم له بخير" (٢). يبدأ هذا المجلد، كما مر، بالترجمة النبوية التي تستغرق ١٧٠ ورقة منه وينتهي في أثناء سنة ٣٠ هـ ويقع في ٢٣١ ورقة، وآخر ما فيه ترجمة عيينة بن حصن. _________ (١) في صورة الوقفية الموجودة على المجلدات الأخرى يضيف عبارة "بالشارع الأعظم". (٢) إن هذه الإشارة تؤيد قول السخاوي في الإعلان (٥٨٩) أنه رتب "تاريخ الإسلام" على حروف المعجم.

стр. 211

٢ - مجلد مكتبة أيا صوفيا رقم ٣٠٠٦ (بعض وفيات ١٧١ - ١٨٠ هـ وحوادث ووفيات ١٨١ - ٢٠٠ هـ): هذا المجلد مخروم من أوله حيث يبدأ هذا القسم الذي وصل إلينا في أثناء ترجمة الإمام مالك بن أنس من تراجم الطبقة الثامنة عشرة (١٧١ - ١٨٠ هـ) (١) وتجيء بعدها ١١٥ ترجمة من تراجم الطبقة المذكورة (٢). وقد عرفنا من إشارة لبدر الدين البشتكي في آخر ترجمة فضالة بن عبد الملك الشَّحام من الطبقة الثامنة عشرة (٣) انتهاء المجلد السادس من نسخة المؤلف (٤)، فتبين لنا أن الساقط من المجلد قد لا يزيد عن تسع أوراق (٥). وتبدأ حوداث الطبقة التاسعة عشرة (١٨١ - ١٩٠ هـ) في الورقة ٣٢ وتنتهي عند الورقة ٤٣ حيث تبدأ تراجم أهل الطبقة مرتبة حسب حروف المعجم فتنتهي في الورقة ١٧٠. أما الطبقة العشرون (١٩١ - ٢٠٠ هـ) فتبدأ حوادثها في الورقة ١٧١ وتنتهي عند الورقة ١٩٢ حيث يبدأ المؤلف بذكر المترجمين من أهل الطبقة العشرين على حروف المعجم، وينتهي المجلد بآخر المترجمين فيه (الورقة ٣٥١). وهذا المجلد فيما نرى هو قسم من المجلد السابع من نسخة المؤلف التي بخطه والتي أوقفت فيما بعد على المدرسة المحمودية بالقاهرة، وليس المجلد الثامن كما توهم الدكتور لطفي عبد البديع صانع فهرس معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية (٦)، فقد وصل إلينا المجلد الثامن من النسخة المذكورة وهو يبدأ بالطبقة الحادية والعشرين (٧). وهذا المجلد من القسم الذي أعاد الذهبي كتابته ثانية سنة ٧٢٦ هـ بسبب _________ (١) استغرق القسم الباقي من ترجمة الإمام مالك ثمانية أوراق من النسخة. (٢) الورقة ٨ - ٣١. (٣) ٤/ ٧٠٧، الترجمة ٢٣٣ من طبعتنا. (٤) قال البشتكي: "آخر المجلد السادس بخط مؤلفه ومنه نقلت". وهذا عجيب من المصنف أن يُنهي مجلدًا في أثناء طبقة، ولكنه كرر ذلك حينما توقف في المجلد الخامس عشر في أثناء وفيات سنة ٥٤٦ هـ!! (٥) هي الصفحات ٧٠٧ - ٧٢٢ من المجلد الرابع من طبعتنا. (٦) انظر الفهرس المذكور، ج ٢ قسم ١ ص ٥٣. (٧) انظر وصف المجلد الآتي.

стр. 212

الإضافات الكثيرة التي أضافها على تراجم القرن الثاني بعد تأليف الكتاب (١). ونجد في نهاية حوادث الطبقتين التاسعة عشرة والعشرين بلاغًا لصلاح الدين الصفدي بقراءة حوادثهما على المؤلف (٢)، ثم خط البدر البشتكي في آخر المجلد الذي يشير فيه إلى انتساخه (٣). ٣ - مجلد مكتبة أيا صوفيا رقم ٣٠٠٧ (حوادث ووفيات ٢٠١ - ٢٣٠ هـ): وهو المجلد الثامن من نسخة المؤلف التي بخطه، وقد جاء في صفحة العنوان بخط الذهبي: "المجلد الثامن من كتاب تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام تأليف كاتبه محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي، سامحه الله". وعلى هذه الصفحة أيضًا سماع الصفدي، وصورة وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية وخطوط جماعة من الفضلاء. ويقع هذا المجلد في (٢٤٠) ورقة. يبتدئ المجلد بحوادث الطبقة الحادية والعشرين (٤) (٢٠١ - ٢١٠ هـ)، فوفياتها مرتبة على حروف المعجم (٥)، ثم يتناول حوادث الطبقة الثانية والعشرين (٦) (٢١١ - ٢٢٠ هـ) ووفياتها المرتبة على حروف المعجم (٧)، ثم حوادث الطبقة التالية وهي الطبقة الثالثة والعشرون (٨) (٢٢١ - ٢٣٠ هـ)، وينتهي المجلد بآخر المترجمين من وفيات هذه الطبقة (٩). _________ (١) راجع أعلاه كلامنا على تدوين الكتاب، وانظر الورقة ٣٠١ من هذه النسخة وطرة المجلد الحادي والعشرين الذي في مكتبة أباصوفيا (٣٠١٤). (٢) الورقة ٤٣، ١٩٢ ونص البلاغ "بلغت قراءة خليل بن أيبك على مؤلفه وكاتبه، فسح الله في مدته". (٣) الورقة ٣٠١ ونصه "أنهاه تعليقًا البدر البشتكي". (٤) الورقة ٣ - ٩. (٥) الورقة ٩ - ٨٥. (٦) الورقة ٨٦ - ٩٤. (٧) الورقة ٩٤ - ١٦٧. (٨) الورقة ١٦٨ - ١٧٦. (٩) الورقة ١٧٦ - ٢٤٠.

стр. 213

وهذا المجلد مليء باستدراكات الذهبي وتعليقاته المدونة في حواشي النسخة وفي الجزازات الكثيرة التي وضعها بين طيات أوراقه. ٤ - مجلد مكتبة أيا صوفيا رقم ٣٠٠٨ (وفيات ٣٥١ - ٤٠٠ هـ). هذا المجلد هو المجلد الثاني عشر من نسخة المؤلف كما جاء في طرته حيث كتب المصنف عنوانه كما يأتي: "المجلد الثاني عشر من كتاب تاريخ الإسلام، تأليف محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي". وعلى هذا المجلد سماع صلاح الدين الصفدي، وفي الجهة اليمنى من طرة العنوان خط البدر البشتكي يشير فيه إلى انتساخه: "أنهاه تعليقًا البدر البشتكي". وعليه أيضًا وقفية النسخة على المدرسة المحمودية بالقاهرة، وخطوط جماعة من الفضلاء. يقع هذا المجلد في ٢٦٦ ورقة ويتناول تراجم الطبقات من السادسة والثلاثين إلى آخر الأربعين. والمجلد مليء باستدراكات المصنف وتعليقاته سواء أكان ذلك في حواشيه أم في الجزازات الكثيرة التي وضعها بين الأوراق وألصقها بها. وكانت جامعة الدول العربية قد صورت هذا المجلد مع المجلدات الأخرى، لكن التصوير كان مهتزًا لا يقرأ بين سنتي ٣٥١ - ٣٦٧ هـ، لذلك اضطررت إلى شد الرحال من أجله إلى إستابنول في شتاء سنة ٢٠٠٢ هـ وقابلت هذا القسم على النسخة الأصلية. ٥ - مجلد أيا صوفيا رقم ٣٠٠٩ (وفيات ٤٠١ - ٤٥٠ هـ): على هذا المجلد خط السخاوي وبعض الفضلاء وفي آخر النسخة خط البدر البشتكي بالانتهاء من انتساخه. كما نجد خط ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ في حاشية الورقة (٢٣١) عند ترجمة أبي العلاء المعري. ويقع هذا المجلد في (٢٤٧) ورقة لكن نسختي المصورة منه تقع في ٤٩٤ لوحة ذات وجه واحد (١). ويلاحظ كثرة استدراكات المؤلف وتعليقاته في حواشي النسخة وفي الجزازات الكثيرة التي وضعها بين طيات المجلد. _________ (١) أبقيت على هذا الترقيم لوجوده في أصل نسختي المصورة، والظاهر أن أحدهم قد رقم النسخة الأصلية.

стр. 214

ويتضمن هذا المجلد وفيات الطبقات من الحادية والأربعين إلى آخر الطبقة الخمسين (٤٠١ - ٤٥٠ هـ). وقد جاء في الطرة التي وصلت إلينا لهذا المجلد بخط الذهبي: "المجلد الحادي عشر من كتاب تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام تأليف محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي، عفا الله عنه". ويبدو لنا أن هذا العنوان هو العنوان الذي كان يحمله هذا المجلد قبل أن يعيد الذهبي تنظيم كتابه ثانية بسبب الزيادات الكثيرة الحاصلة في تراجم أهل المئة الثانية (١). فهذا هو المجلد الثالث عشر والذي وجدنا على طرته صورة وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية وخط الصفدي بقراءة حوادثه على المؤلف، ثم إن السخاوي أشار إلى أن المجلد العاشر ينتهي بسنة ٣٠٠ هـ (٢)، فكيف يصح بعد هذا أن يكون هذا المجلد هو المجلد الحادي عشر؟ ولكن أين ذهب العنوان الجديد الذي وضعه الذهبي لهذا المجلد بعد أن أصبح الثالث عشر؟ ثم أين هي صورة وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية وخط الصلاح الصفدي بالقراءة على شيخه؟ فنقول: إننا نعتقد أصلًا أن هذا الذي وصل إلينا هو ليس جميع المجلد الثالث عشر بل القسم الخاص بالوفيات منه، أما الحوادث التي تضمنها هذا المجلد والتي استرجحنا أنها تناولت المدة نفسها فلم تصل إلينا. فلعل العنوان الجديد كان في صدر الحوادث، وهو الذي عليه خط الصفدي وصورة الوقفية كما هو في المجلد الخامس عشر الذي سيأتي وصفه، وكأن المجلد صار في قسمين: قسم خاص بالحوادث وقسم خاص بالوفيات. أما خط السخاوي على طرة المجلد فهو أمر طبيعي لأن السخاوي لم يهتم بالحوادث وكان اهتمامه ينصب على تجريد التراجم فقط. يضاف إلى ذلك أن المجلد الثالث عشر الذي وصل إلينا بخط البدر البشتكي في نسخة المتحف البريطاني رقم (٤٩ شرقيات) قد تضمن الحوادث المذكورة، كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني من هذا الباب. _________ (١) انظر أعلاه كلامنا على تدوين الكتاب. (٢) الإعلان، ص ٥٩٧، وانظر أدناه كلامنا على الخطة العامة للكتاب في الفصل الأول من الباب الثاني.

стр. 215

٦ - مجلد مكتبة أيا صوفيا رقم ٣٠١٠ (حوادث ٥٠١ - ٥٥٠ هـ ووفيات ٥٠١ إلى أثناء ٥٤٦ هـ): ويقع هذا المجلد في (٣٢٣) ورقة، ويشمل حوادث السنوات (٥٠١ - ٥٥٠ (١) هـ) والوفيات من سنة ٥٠١ هـ إلى أثناء سنة ٥٤٦ هـ وآخر ما فيه ترجمة "علي بن مرشد بن علي بن مقلد الكناني الشيزري" من وفيات السنة المذكورة. وجاء في آخر النسخة بخط الذهبي: "آخر المجلد الثالث عشر والحمد لله يتلوه: علي بن هبة الله". على أنه جاء في طرة المجلد بخط الذهبي وبخط جميل: "المجلد الخامس عشر من كتاب تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام تأليف كاتبه محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي، سامحه الله"، ثم نجد بعد ذلك خط الصفدي بقراءة حوادث السنين من هذه المجلدة على المؤلف، وصورة وقفية الكتاب على المدرسة المحمودية بالقاهرة، ثم خط السخاوي بالفراغ من ترتيب تراجمه، ثم نجد بعد ذلك في الورقة (٤٨) من النسخة عنوانًا آخر بخط الذهبي أيضًا كان مكتوبًا فيه أولًا: "المجلد الثالث عشر من تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام جمع كاتبه محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي الدمشقي" ثم صحح كلمة "الثالث" بقطة قلم دقيقة بحيث أصبحت "الخامس" وكتب فوقها بالقطة الدقيقة نفسها كلمة "حوداث" فأصبح العنوان "حوادث المجلد الخامس عشر … " ولم نجد على هذه الطرة خط الصفدي ولا صورة الوقفية غير إشارة بخط البدر البشتكي وهي: "أنهاه كتابة البدر البشتكي" ثم مرور أحدهم على النسخة. وتفسير ذلك - فيما نرى - بسيط، فهذا هو عنوان المجلد قبل أن يعيد الذهبي تنظيم كتابه مرة ثانية، وقد اضطر بسبب هذا التنظيم أن يعيد كتابة بعض المجلدات. واسترجحنا أنَّه غَيَّرَ عناوين المجلدات الأخرى من غير تغيير أو إعادة كتابة لمحتويات هذه المجلدات بحيث بقيت إشارته في نهاية هذا المجلد أنه المجلد الثالث عشر (٢). _________ (١) الورقة ٢ - ٤٧. (٢) انظر أعلاه كلامنا على تدوين الكتاب.
следующие страницы →