واستعمل على الكوفة عبد الرحمن بن أم الحكم، وبقي الضحاك على دمشق حتى هلك يزيد.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن الضحاك خطب بالكوفة قاعدا، فقام كعب بن عجرة فقال: لم أر كاليوم قط، إمام قوم مسلمين يخطب قاعدا.
وكان الضحاك أحد الأجواد، كان عليه برد قيمته ثلاثمائة دينار، فأتاه رجل لا يعرفه فساومه به، فأعطاه إياه وقال: شح بالرجل أن يبيع عطافه، فخذه فالبسه.
وقال الليث بن سعد: أظهر الضحاك بيعة ابن الزبير بدمشق ودعا له، فسار عامة بني أمية وحشمهم وأصحابهم حتى لحقوا بالأردن، وسار مروان وبنو بحدل إلى الضحاك.
وقال ابن سعد (١): أخبرنا المدائني عن خالد بن يزيد بن بشر، عن أبيه. وعن مسلمة بن محارب، عن حرب بن خالد، وغير واحد - أن معاوية بن يزيد لما مات دعا النعمان بن بشير بحمص إلى ابن الزبير، ودعا زفر بن الحارث أمير قنسرين إلى ابن الزبير، ودعا الضحاك بدمشق إلى ابن الزبير سرا لمكان بني أمية وبني كلب.
وبلغ حسان بن مالك بن بحدل وهو بفلسطين، وكان هواه في خالد بن يزيد، فكتب إلى الضحاك كتابا يعظم فيه حق بني أمية يذم ابن الزبير، وقال للرسول: إن قرأ الكتاب، وإلا فاقرأه أنت على الناس! وكتب إلى بني أمية يعلمهم، فلم يقرأ الضحاك كتابه، فكان في ذلك اختلاف، فسكنهم خالد بن يزيد، ودخل الضحاك الدار. فمكثوا أياما، ثم خرج الضحاك فصلى بالناس. وذكر يزيد فشتمه، فقام إليه رجل من كلب فضربه بعصا، فاقتتل الناس بالسيوف، ودخل الضحاك داره.
وافترق الناس ثلاث فرق، فرقة زبيرية، وفرقة بحدلية هواهم في بني أمية، وفرقة لا يبالون. وأرادوا أن يبايعوا الوليد بن عتبة (٢) بن أبي سفيان، فأبى وهلك تلك الليالي.
فأرسل الضحاك إلى مروان، فأتاه هو وعمرو بن سعيد الأشدق، وخالد وعبد الله ابنا يزيد، فاعتذر إليهم وقال: اكتبوا إلى حسان
стр. 1822
حتى ينزل الجابية ونسير إليه، ونستخلف أحدكم. فكتبوا إلى حسان، فأتى الجابية، وخرج الضحاك وبنو أمية يريدون الجابية، فلما استقلت الرايات موجهة قال معن بن ثور ومن معه من أشراف قيس للضحاك: دعوتنا إلى بيعة رجل أحزم الناس رأيا وفضلا وبأسا، فلما أجبناك خرجت إلى هذا الأعرابي تبايع لابن أخته؟! قال: فما العمل؟ قالوا: تصرف الرايات، وتنزل فتظهر البيعة لابن الزبير، ففعل وتبعه الناس.
وبلغ ابن الزبير، فكتب إلى الضحاك بإمرة الشام، ونفي من بمكة والمدينة من الأمويين، فكتب الضحاك إلى الأمراء الذين دعوا إلى ابن الزبير فأتوه، فلما رأى مروان ذلك سار يريد ابن الزبير ليبايع له ويأخذ الأمان لبني أمية.
فلقيهم بأذرعات عبيد الله بن زياد مقبلا من العراق، فحدثوه، فقال لمروان: سبحان الله! أرضيت لنفسك بهذا؟ أتبايع لأبي خبيب وأنت سيد قريش وشيخ بني عبد مناف؟ والله؛ لأنت أولى بها منه!
قال: فما ترى؟ قال: الرأي أن ترجع وتدعو إلى نفسك، وأنا أكفيك قريشا ومواليها. فرجع ونزل عبيد الله بباب الفراديس، فكان يركب إلى الضحاك كل يوم، فعرض له رجل فطعنه بحربة في ظهره، وعليه من تحت الدرع، فأثبت الحربة، فرجع عبيد الله إلى منزله، فأتاه الضحاك يعتذر، وأتاه بالرجل فعفا عنه.
وعاد يركب إلى الضحاك، فقال له يوما: يا أبا أنيس، العجب لك، وأنت شيخ قريش تدعو لابن الزبير وأنت أرضى عند الناس منه؛ لأنك لم تزل متمسكا بالطاعة، وابن الزبير مشاق مفارق للجماعة!
فأصغى إليه، ودعا إلى نفسه ثلاثة أيام، فقالوا: قد أخذت عهودنا وبيعتنا لرجل، ثم تدعو إلى خلعه من غير حدث أحدثه؟ وامتنعوا عليه، فعاد إلى الدعاء لابن الزبير، فأفسده ذلك عند الناس.
فقال عبيد الله بن زياد: من أراد ما تريد لم ينزل المدائن والحصون، بل يبرز ويجمع إليه الخيل، فاخرج عن دمشق وضم إليك الأجناد.
فخرج ونزل المرج، وبقي ابن زياد بدمشق، وكان مروان وبنو أمية بتدمر، وابنا يزيد بالجابية عند حسان، فكتب عبيد الله إلى مروان: أن ادع الناس إلى بيعتك، ثم سر إلى الضحاك، فقد أصحر. فبايع مروان بنو أمية، وتزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية، وهي بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة، واجتمع خلق على بيعة مروان. وخرج ابن زياد، فنزل بطرف المرج، وسار إلى عنده مروان
стр. 1823
في خمسة آلاف. وأقبل من حوارين (١) عباد بن زياد في ألفين من مواليه، وكان بدمشق يزيد بن أبي النمس، فأخرج عامل الضحاك منها، وأمد مروان بسلاح ورجال، فقدم إلى الضحاك زفر بن الحارث الكلابي من قنسرين، وأمده النعمان بن بشير بشرحبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص، فصار الضحاك في ثلاثين ألفا، ومروان في ثلاثة عشر ألفا أكثرهم رجاله.
ولم يكن في عسكر مروان غير ثمانين عتيقا نصفها لعباد بن زياد، فأقاموا بالمرج عشرين يوما يلتقون في كل يوم. وعلى ميمنة مروان عبيد الله بن زياد، وعلى ميسرته عمرو بن سعيد الأشدق، فقال عبيد الله لمروان: إنا لا ننال من الضحاك إلا بمكيدة، فادع إلى الموادعة، فإذا أمنوا فكر عليهم. فراسله مروان، فأمسك الضحاك والقيسية عن القتال، وهم يطمعون أن مروان يبايع لابن الزبير. فأعد مروان أصحابه وشد على الضحاك، ففزع قومه إلى راياتهم، ونادى الناس: يا أبا أنيس، أعجزا بعد كيس؟ فقال الضحاك: نعم، أنا أبو أنيس، عجز لعمري بعد كيس! والتحم الحرب، وصبر الضحاك.
فترجل مروان وقال: قبح الله من يوليهم اليوم ظهره حتى يكون الأمر لإحدى الطائفتين، فقتل الضحاك، وصبرت قيس على راياتها يقاتلون عندها. فاعترضها رجل بسيفه، فكان إذا سقطت الراية تفرق أهلها، ثم انهزموا، فنادى منادي مروان: لا تتبعوا موليا.
قال الواقدي: قتلت قيس بمرج راهط مقتلة لم يقتل منها قط، وذلك في نصف ذي الحجة سنة أربع وستين.
وقال المدائني عن خالد بن يزيد بن بشر الكلبي قال: حدثني من شهد مقتل الضحاك قال: مر بنا زحمة (٢) بن عبد الله الكلبي، لا يطعن أحدا إلا صرعه، إذ حمل على رجل فطعنه فصرعه، فأتيته فإذا هو الضحاك، فاحتززت رأسه فأتيت به مروان، فكره قتله، وقال: الآن حين كبرت سني
стр. 1824
واقترب أجلي، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض، وأمر لي بجائزة (١).
٤٥ - ع سوى ق: عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عمر العدوي.
ولد في حياة النبي ﷺ ، وروى عن أبيه. روى عنه ابناه حفص وعبيد الله، وعروة بن الزبير.
قال أبو حاتم (٢): لا يروى عنه إلا حديث واحد (٣).
وأمه هي جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح الأنصارية التي كان اسمها عاصية، فغير النبي ﷺ اسمها. وتزوجت بعد عمر يزيد بن جارية الأنصاري، فولدت له عبد الرحمن.
وكان عاصم طويلا جسيما، يقال: إن ذراعه كان ذراعا ونحوا من شبر، وكان خيرا فاضلا دينا شاعرا مفوها فصيحا، وهو جد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز لأمه.
ولقد رثاه أخوه عبد الله فقال:
فليت المنايا كن خلفن عاصما … فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا
وقيل: كنيته أبو عمرو، توفي سنة سبعين بالمدينة (٤).
٤٦ - عامر بن عبد قيس، التميمي العنبري البصري الزاهد، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، عابد زمانه.
стр. 1825
روى عن عمر، وسلمان الفارسي.
وعنه الحسن، وابن سيرين، وأبو عبد الرحمن الحبلي وغيرهم.
قال أحمد العجلي (١): كان ثقة، من كبار عباد التابعين.
رآه كعب الأحبار فقال: هذا راهب هذه الأمة.
وقال أبو عبيد في القراءات: كان عامر بن عبد الله الذي يعرف بابن عبد قيس يقرئ الناس.
حدثنا عباد عن يونس، عن الحسن - أن عامرا كان يقول: من أقرئ؟ فيأتيه ناس، فيقرئهم القرآن، ثم يقوم يصلي إلى الظهر، ثم يصلي إلى العصر. ثم يقرئ الناس إلى المغرب، ثم يصلي ما بين العشاءين، ثم ينصرف إلى منزله، فيأكل رغيفا وينام نومة خفيفة. ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحر رغيفا، ويخرج إلى المسجد.
وقال بلال بن سعد: إن عامر بن عبد قيس وشي به إلى زياد، وقيل: إلى ابن عامر، فقالوا له: ها هنا رجل قيل له: ما إبراهيم ﵇ خيرا منك، فسكت وقد ترك النساء. قال: فكتب فيه إلى عثمان، فكتب إليه، أن انفه إلى الشام على قتب.
فلما جاءه الكتاب أرسل إلى عامر فقال: أنت قيل لك: ما إبراهيم خيرا منك، فسكت؟ فقال: أما والله ما سكوتي إلا تعجبا، لوددت أني غبار قدميه، فيدخل بي الجنة! قال: ولم تركت النساء؟ قال: والله ما تركتهن إلا أني قد علمت أنها متى تكون امرأة فعسى أن يكون ولد، ومتى يكون ولد تشعبت الدنيا قلبي، فأحببت التخلي من ذلك!
فأجلاه على قتب إلى الشام، فلما قدم أنزله معاوية معه الخضراء، وبعث إليه بجارية، وأمرها أن تعلمه ما حاله. فكان يخرج من السحر، فلا تراه إلا بعد العتمة، فيبعث إليه معاوية بطعام، فلا يعرض له، ويجيء معه بكسر فيبلها ويأكل منها، ثم يقوم إلى أن يسمع النداء فيخرج، ولا تراه إلا مثلها.
فكتب معاوية إلى عثمان يذكر حاله، فكتب إليه عثمان: أن اجعله أول داخل وآخر خارج، ومر له بعشرة من الرقيق وعشرة من الظهر. فأحضره، وقال: إن أمير المؤمنين أمر لك بكذا، قال: إن علي شيطانا قد غلبني، فكيف أجمع علي عشرة.
وكانت له بغلة، فروى بلال بن سعد عمن رآه
стр. 1826
بأرض الروم يركبها عقبة (١)، ويحمل المهاجرين عقبة.
قال بلال بن سعد: وكان إذا فصل غازيا يتوسم، يعني من يرافقه، فإذا رأى رفقة تعجبه اشترط عليهم أن يخدمهم، وأن يؤذن، وأن ينفق عليهم طاقته. رواه ابن المبارك بطوله في الزهد (٢).
وقال همام عن قتادة قال: كان عامر يسأل ربه أن ينزع شهوة النساء من قلبه، فكان لا يبالي أذكرا لقي أو أنثى، وسأل ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة فلم يقدر عليه، ويقال: إن ذلك ذهب عنه.
وعن أبي الحسين المجاشعي قال: قيل لعامر بن عبد قيس. أتحدث نفسك في الصلاة؟ قال: نعم، أحدث نفسي بالوقوف بين يدي الله ومنصرفي.
قال جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: لما رأى كعب الأحبار عامرا بالشام قال: من ذا؟ قالوا: عامر بن عبد قيس، فقال كعب: هذا راهب هذه الأمة.
وروى جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني قال: قيل لعامر بن عبد قيس: إنك تبيت خارجا، أما تخاف الأسد؟ قال: إني لأستحي من ربي أن أخاف شيئا دونه. وروى مثله همام، عن قتادة.
حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة: لقي رجل عامر بن عبد قيس فقال: ما هذا؟ ألم يقل الله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾؟ يعني: وأنت لا تتزوج؟ فقال: أفلم يقل الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾؟
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي قال: حدثنا جعفر بن أبي جعفر الرازي عن أبي جعفر السائح قال: حدثنا أبو وهب وغيره أن عامر بن عبد قيس كان من أفضل العابدين، ففرض على نفسه كل يوم ألف ركعة، يقوم عند طلوع الشمس، فلا يزال قائما إلى العصر. ثم ينصرف وقد انتفخت ساقاه فيقول: يا نفس، إنما خلقت للعبادة، يا أمارة
стр. 1827
بالسوء، فوالله لأعملن بك عملا يأخذ الفراش منك نصيبا.
وهبط واديا يقال له: وادي السباع، وفيه عابد حبشي، فانفرد يصلي في ناحية والعابد في ناحية، أربعين يوما لا يجتمعان إلا في صلاة الفريضة.
وقال محمد بن واسع عن يزيد بن عبد الله بن الشخير: إن عامرا كان يأخذ عطاءه، فيجعله في طرف ثوبه، فلا يلقاه أحد من المساكين إلا أعطاه، فإذا دخل بيته رمى به إليهم، فيعدونها فيجدونها سواء كما أعطيها.
وقال جعفر بن برقان: حدثنا ميمون بن مهران أن عامر بن عبد قيس بعث إليه أمير البصرة: مالك لا تزوج النساء؟ قال: ما تركتهن، وإني لدائب في الخطبة، قال: ومالك لا تأكل الجبن؟ قال: أنا بأرض فيها مجوس، فما شهد شاهدان من المسلمين أن ليس فيه ميتة أكلته، قال: وما يمنعك أن تأتي الأمراء؟ قال: إن لدى أبوابكم طلاب الحاجات، فادعوهم واقضوا حوائجهم، ودعوا من لا حاجة له إليكم.
وقال مالك بن دينار: حدثني فلان أن عامرا مر في الرحبة وإذا ذمي يظلم، فألقى رداءه ثم قال: لا أرى ذمة الله تخفر وأنا حي، فاستنقذه.
ويروى أن سبب إرساله إلى الشام كونه أنكر وخلص هذا الذمي، فقال جعفر بن سليمان: حدثنا الجريري قال: لما سير عامر بن عبد الله يعني ابن عبد قيس شيعه إخوانه، وكان بظهر المربد، فقال: إني داع فأمنوا، قال: اللهم، من وشى بي، وكذب علي، وأخرجني من مصري، وفرق بيني وبين إخوتي - فأكثر ماله وولده، وأصح جسمه، وأطل عمره!
وقال الحسن البصري: بعث بعامر بن عبد قيس إلى الشام، فقال: الحمد لله الذي حشرني راكبا.
وقال هشام عن قتادة: إن عامر بن عبد قيس لما احتضر جعل يبكي، فقيل: ما يبكيك؟ قال: والله ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل.
روى ضمرة عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه - أن قبر عامر بن عبد قيس ببيت المقدس.
وقيل: إنه توفي في زمان معاوية.
стр. 1828
٤٧ - عامر بن مسعود أبو سعد، وقيل: أبو سعيد الزرقي الأنصاري المدني.
مختلف في صحبته. روى عن النبي ﷺ ، وعن عائشة. وعنه يونس بن ميسرة بن حلبس ومكحول.
وقيل: إنه كان زوج أسماء بنت يزيد بن السكن، سكن دمشق (١).
٤٨ - خ م ن: عائذ بن عمرو بن هلال، أبو هبيرة المزني.
له صحبة ورواية، شهد بيعة الحديبية ونزل البصرة.
روى عنه الحسن ومعاوية بن قرة، وأبو جمرة الضبعي، وأبو شمر الضبعي، وأبو عمران الجوني.
وكان من فضلاء الصحابة وصالحيهم، أوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي. وقد دخل على عبيد الله بن زياد فوعظه، وقال: إن شر الرعاء الحطمة (٢).
٤٩ - د: عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو بكر ابن الغسيل غسيل الملائكة يوم أحد، ويعرف أبو عامر بالراهب، الأنصاري الأوسي المدني.
أدرك النبي ﷺ وصحبه، وروى عنه، وهو من صغار الصحابة.
روى عنه عبد الله بن يزيد الخطمي، وابن أبي مليكة، وضمضم بن جوس، وأسماء بنت زيد بن الخطاب. وله رواية عن عمر، وكعب الأحبار. وكان رأس أهل المدينة يوم الحرة.
قال الحسن بن سوار: حدثنا عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوس، عن عبد الله بن حنظلة ابن الراهب قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت على ناقة. تفرد به الحسن، وقد وثقه أحمد وغيره (٣).
وقال إبراهيم بن المنذر: توفي رسول الله ﷺ وله سبع سنين،
стр. 1829
وأصيب يوم الحرة، وأمه جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، ولدته بعد مقتل أبيه (١).
٥٠ - عبد الله بن خيثمة، أبو خيثمة الأنصاري السالمي الخزرجي.
قال ابن سعد (٢): شهد أحدا، وبقي إلى دهر يزيد بن معاوية.
٥١ - ع: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري النجاري المازني المدني، أخو حبيب الذي قطعه مسيلمة الكذاب، وعم عباد بن تميم، وهو الذي حكى وضوء رسول الله ﷺ .
وله ولأبيه صحبة، وقيل: إنه الذي قتل مسيلمة مع وحشي، اشتركا في قتله، وأخذ بثأر أخيه. روى عنه ابن أخيه عباد، وسعيد بن المسيب، وواسع بن حبان وغيرهم. واستشهد يوم الحرة (٣).
٥٢ - م ٤: عبد الله بن السائب بن أبي السائب صيفي بن عابد المخزومي العابدي، أبو السائب ويقال: أبو عبد الرحمن، المكي، قارئ أهل مكة.
له صحبة ورواية، وكان أبو السائب شريك النبي ﷺ قبل المبعث، وأسلم السائب يوم الفتح، وجاء أن عبد الله أم الناس بمكة في رمضان زمن عمر.
وقال ابن جريج: عن ابن أبي مليكة قال: رأيت ابن عباس لما فرغوا من قبر عبد الله بن السائب، وقام الناس عنه - قام ابن عباس، فوقف على قبره، فدعا له وانصرف.
روى عنه ابن أبي مليكة، وعطاء، ومجاهد، وسبطه محمد بن عباد بن جعفر، وآخرون. قرأ على أبي بن كعب. وقرأ عليه مجاهد وغيره، وآخر من روى عنه القرآن عبد الله بن كثير.
توفي بعد السبعين، وقيل غير ذلك، وهو من صغار الصحابة (٤).
стр. 1830
٥٣ - عبد الله بن سخبرة، أبو معمر الأزدي الكوفي.
تابعي مشهور، ولد على عهد رسول الله ﷺ . وروى عن علي، وعبد الله بن مسعود، والمقداد بن الأسود، وخباب بن الأرت.
روى عنه إبراهيم، ومجاهد، وعمارة بن عمير التيمي، وغيرهم.
وثقه ابن معين (١).
٥٤ - ع: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، الحبر البحر أبو العباس، ابن عم رسول الله ﷺ ، وأبو الخلفاء.
ولد في شعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين، وذكر ابن عباس أنه يوم حجة الوداع كان قد ناهز الاحتلام.
وروى البخاري في صحيحه (٢) عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم، فيحقق هذا.
وصحب النبي ﷺ ، ودعا له رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين. وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
روى عن النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي، وأبيه العباس، وأبي ذر، وأبي سفيان بن حرب، وطائفة من الصحابة.
روى عنه أنس وغيره من الصحابة، وابنه علي، ومواليه الخمسة: كريب، وعكرمة، ومقسم، وأبو معبد نافذ، وذفيف. ومجاهد، وطاوس، وعطاء، وعروة، وسعيد بن جبير، والقاسم، وأبو الشعثاء، وأبو العالية، والشعبي، وأبو رجاء العطاردي، وعطاء بن يسار، وعلي بن الحسين، وأبو صالح السمان، وأبو صالح باذام، ومحمد بن سيرين.
والحسن البصري، وأخوه سعيد، وابن أبي مليكة، ومحمد بن كعب القرظي، وميمون بن مهران، والضحاك، وشهر بن حوشب، وعبيد بن عمير، وأبو حمزة الضبعي، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير المكي، وعبيد الله بن أبي يزيد، وإسماعيل السدي، وبكر بن عبد الله المزني، وخلق سواهم.
стр. 1831
قال أبو بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمعت المحكم في عهد رسول الله ﷺ ، وقبض وأنا ابن عشر حجج، قلت: وما المحكم؟ قال: المفصل.
خالفه أبو إسحاق السبيعي فروى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة، وأنا ختين.
وقال الزهري عن عبيد الله، عن ابن عباس، قال: أقبلت راكبا على أتان، وأنا قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى (١).
قال الواقدي: لا خلاف بين أهل العلم عندنا أنه ولد في الشعب.
وقد ذكر أحمد بن حنبل حديث أبي بشر المذكور فقال: هذا عندي حديث واه، قال: وحديث أبي إسحاق يوافق حديث الزهري.
وقال الزبير بن بكار: توفي النبي ﷺ وله ثلاث عشرة سنة.
وقال ابن يونس: غزا ابن عباس إفريقية مع عبد الله بن سعد، وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفسا.
وقال ابن منده: ولد قبل الهجرة بسنتين، قال: وكان أبيض طويلا مشربا صفرة، جسيما، وسيما، صبيحا، له وفرة، يخضب بالحناء.
وقال ابن جريج: قال لنا عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلا ذكرت وجه ابن عباس.
وقال إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه، عن عكرمة: إن ابن عباس كان إذا مر في الطريق قلن النساء على الحيطان: أمر المسك؟ أم مر ابن عباس؟
وقال عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة، فوضعت للنبي ﷺ غسلا، فقال: من وضع هذا؟ قالوا: عبد الله، فقال: اللهم، علمه التأويل وفقهه في الدين!
وقال ورقاء: حدثنا عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، قال:
стр. 1832
وضعت لرسول الله ﷺ وضوءا فقال: اللهم، فقهه في الدين وعلمه التأويل! (١)
وروى أبو مالك عبد الملك بن الحسين النخعي عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأيت جبريل مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين.
أحمد بن منصور زاج قال: حدثنا سعدان المروزي قال: حدثنا عبد المؤمن بن خالد الحنفي، عن عبد الله بن بريدة، عن ابن عباس قال: أرسلني أبي إلى رسول الله ﷺ أطلب الإدام، وعنده جبريل، فقال: هو ابن عباس؟ قال: بلى، قال: فاستوص به خيرا فإنه حبر أمتك، أو قال: حبر من الأحبار. هذا حديث منكر، وعبد المؤمن ثقة، رواه أيضا محمد بن الحكم المروزي عن رجل، عنه.
قلت: جاء من غير وجه أنه رأى جبريل عند رسول الله ﷺ في صورة دحية الكلبي، فروي أن رسول الله ﷺ قال: لن يموت عبد الله حتى يذهب بصره، فكان كذلك.
وقال جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: وا عجبا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب رسول الله من ترى؟ فترك الرجل وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح علي التراب فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله، ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسألك، قال: فعاش الرجل رآني وقد اجتمع الناس علي، فقال: هذا الفتى أعقل مني!
وقال عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير قال: كان ناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر ﵁ في إدنائه ابن عباس
стр. 1833
دونهم، قال: وكان يسأله، فقال عمر: أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله به (١)، فسألهم عن هذه السورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا أن يحمده ويستغفره، فقال: تكلم يا ابن عباس! فقال ابن عباس: أعلمه متى يموت. قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ فهي آيتك من الموت ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾
وقال أبو بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يأذن لي مع أهل بدر.
وقال المعافى بن عمران عن يزيد بن إبراهيم، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ .
وقال أبو بكر الهذلي عن الحسن قال: كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران، فيفسرهما آية آية. وكان عمر إذا ذكره قال: ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول.
وقال عكرمة عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا الرقيم، وغسلين، وحنانا.
وعن سعيد بن جبير قال: قال عمر لابن عباس: لقد علمت علما ما علمناه. سنده صحيح.
وعن يعقوب بن زيد قال: كان عمر يستشير ابن عباس في الأمر يهمه، ويقول: غواص.
وعن سعيد بن جبير، قال عمر: لا يلومني أحد على حب ابن عباس. وعن الشعبي: قال ابن عباس: قال لي أبي: يا بني، إن عمر يدنيك، فاحفظ عني ثلاثا: لا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا يجربن عليك كذبا.
стр. 1834
وقال عكرمة: حرق علي ناسا ارتدوا، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أكن أحرقهم بالنار؛ إن رسول الله ﷺ قال: لا تعذبوا بعذاب الله. ولقتلتهم؛ لقوله ﵇: من بدل دينه فاقتلوه (١)، فبلغ ذلك عليا فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الهنات.
وعن سعد بن أبي وقاص قال: ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا ألب لبا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما - من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، فلا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر.
وعن طلحة بن عبيد الله قال: لقد أعطي ابن عباس فهما ولقنا وعلما، وما كنت أرى عمر يقدم عليه أحدا. هذا والذي قبله من رواية الواقدي (٢).
وقال الأعمش عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد. وفي لفظ: ما عاشره منا أحد. وكذا قال جعفر بن عون وغيره، والأول أصح.
وقال الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لو أن هذا الغلام أدرك ما أدركنا ما تعلقنا معه بشيء.
قال الأعمش: وسمعتهم يتحدثون أن عبد الله قال: ولنعم ترجمان القرآن ابن عباس.
وقال الواقدي: حدثنا مخرمة بن بكير عن أبيه، عن بسر بن سعيد، عن محمد بن أبي بن كعب: سمعت أبي يقول، وكان عنده ابن عباس، فقام فقال: هذا يكون حبر هذه الأمة، أرى عقلا وفهما، وقد دعا له رسول الله ﷺ أن يفقهه في الدين.
وقال الواقدي: حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة قال: سمعت معاوية يقول: مولاك والله أفقه من مات ومن عاش.
стр. 1835
وعن عائشة قالت: ابن عباس أعلم من بقي بالحج.
وقال مجاهد: ما رأيت أحدا قط مثل ابن عباس، لقد مات يوم مات، وإنه لحبر هذه الأمة، كان يسمى البحر لكثرة علمه.
وعن عبيد الله بن عبد الله قال: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبق إليه، وفقه فيما احتيج إليه، وحلم ونسب ونائل، ولا رأيت أحدا أعلم بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ ، ولا بقضاء أبي بكر، وعمر وعثمان - منه، ولا أعلم بشعر منه، ولا أعلم بعربية، ولا بتفسير، ولا بحساب، ولا بفريضة منه، ولا أعلم بما مضى ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه.
ولقد كنا نحضر عنده فيحدثنا العشية كلها في المغازي، والعشية كلها في النسب، والعشية كلها في الشعر. رواه ابن سعد (١) عن الواقدي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عنه.
وعن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس.
وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قط.
وقال صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يصلي ركعتين. فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفا حرفا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب.
وقال معتمر بن سليمان عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشراك البالي من البكاء.
وجاء عنه أنه كان يصوم الاثنين والخميس.
وقد ولي البصرة لعلي، وشهد معه صفين، فكان على ميسرته. وقد وفد على معاوية، فأكرمه وأجازه. وجاء أنه كان يلبس حلة بألف درهم.
أبو جناب الكلبي، عن شيخ - أن ابن عباس شهد الجمل مع علي.
وقال مجالد عن الشعبي: أقام علي بعد الجمل خمسين ليلة، ثم أقبل إلى الكوفة، واستخلف ابن عباس على البصرة. ولما قتل علي حمل ابن عباس مبلغا من المال ولحق بالحجاز، واستخلف على البصرة.
стр. 1836
عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن رشدين بن كريب، عن أبيه قال: رأيت ابن عباس يعتم بعمامة سوداء حرقانية (١)، ويرخيها شبرا.
محمد بن أبي يحيى، عن عكرمة: كان ابن عباس إذا اتزر أرخى مقدم إزاره، حتى تقع حاشيته على ظهر قدمه.
ابن جريج: أخبرنا الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان ينهى عن كتاب العلم، وأنه قال: إنما أضل من كان قبلكم الكتب.
حفص بن عمر بن أبي العطاف وهو واه (٢)، عن أبي الزناد، عن الأعرج - أن ابن عباس قال: قيدوا العلم بالكتب.
نافع بن عمر: حدثنا عمرو بن دينار أنهم كلموا ابن عباس أن يحج بهم وعثمان محصور، فدخل عليه، فأخبره، فأمره أن يحج بالناس، فحج بالناس. فلما قدم وجد عثمان قد قتل، فقال لعلي: إن أنت قمت بهذا الأمر الآن ألزمك الناس دم عثمان إلى يوم القيامة.
معتمر بن سليمان وغيره، عن سليمان التيمي، عن الحسن قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس، كان مثجا (٣)، كثير العلم. قال: فقرأ سورة البقرة، ففسرها آية آية.
ابن عيينة، عن عبيد الله (٤) بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن الأمر؛ فإن كان في القرآن أو السنة أخبر به، وإلا اجتهد رأيه.
الحمادن (٥)، عن علي بن زيد، عن سعيد بن جبير، ويوسف بن مهران قالا: ما نحصي ما سمعنا ابن عباس يسأل عن الشيء من القرآن، فيقول: هو كذا، أما سمعت الشاعر يقول: كذا وكذا.
أبو أمية بن يعلى، عن سعيد بن أبي سعيد قال: كنت عند ابن عباس، فقيل له: كيف صومك؟ قال أصوم الاثنين والخميس.
стр. 1837
مالك بن دينار، عن عكرمة: كان ابن عباس يلبس الخز، ويكره المصمت منه (١).
أبو عوانة، عن أبي الجويرية: رأيت إزار ابن عباس إلى أنصاف ساقيه.
شريك، عن أبي إسحاق قال: رأيت ابن عباس طويل الشعر أيام منى، أظنه قصر، ورأيت في إزاره بعض الإسبال.
ابن جريج، عن عطاء: رأيت ابن عباس يصفر، يعني لحيته.
يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: استعمل عثمان على الحج وهو محصور ابن عباس، فلما صدر عن الموسم إلى المدينة، بلغه وهو ببعض الطريق قتل عثمان، فجزع ولقي من ذلك وقال: يا ليتني لا أصل حتى تأتيني قاتلة فتقتلني!
فلما قدم على علي خرج معه إلى البصرة، يعني في وقعة الجمل. ولما سار الحسين إلى الكوفة قال ابن عباس لابن الزبير، وقد لقيه بمكة: خلا لك والله يا ابن الزبير الحجاز، فقال: والله ما ترون إلا أنكم أحق بهذا الأمر من سائر الناس! وتكالما حتى علت أصواتهما، حتى سكتهما رجال من قريش. وكان ابن عباس وابن الحنفية قد نزلا بمكة في أيام فتنة ابن الزبير، فطلب منهما أن يبايعاه، فامتنعا وقالا: أنت وشأنك، لا نعرض لك ولا لغيرك.
وعن عطية العوفي أن ابن الزبير ألح عليهما في البيعة وقال: والله لتبايعن أو لأحرقنكم بالنار، فبعثنا أبا الطفيل عامر بن واثلة إلى شيعتهم بالكوفة، فانتدب أربعة آلاف، وساروا فلبسوا السلاح حتى دخلوا مكة، وكبروا تكبيرة سمعها الناس. وانطلق ابن الزبير من المسجد هاربا، ويقال: تعلق بالأستار، وقال: أنا عائذ الله! قال بعضهم: ثم ملنا إلى ابن عباس وابن الحنفية، وقد عمل حول دورهم الحطب ليحرقها، فخرجنا بهم حتى نزلنا بهم الطائف.
قلت: فأقام ابن عباس بالطائف سنة أو سنتين لم يبايع أحدا.
وقال ابن الحنفية لما دفن ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة.
стр. 1838
رواه سالم بن أبي حفصة، عن أبي كلثوم، عنه.
وقال أبو الزبير المكي: لما مات ابن عباس جاء طائر أبيض، فدخل في أكفانه.
وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير نحوه، وزاد: فما رؤي بعد.
توفي سنة ثمان وستين. قاله غير واحد، وله نيف وسبعون سنة.
روى الواقدي أن ابن عباس عاش إحدى وسبعين سنة، وقيل: اثنتين وسبعين سنة.
وقال إسماعيل بن أبي خالد عن شعيب بن يسار قال: لما أدرج ابن عباس في كفنه دخل فيه طائر أبيض، فما رؤي حتى الساعة.
عفان: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا يعلى بن عطاء عن بجير بن أبي عبيد - أن ابن عباس مات بالطائف، فلما أخرج بنعشه جاء طائر عظيم أبيض من قبل وج حتى خالط أكفانه، فلم يدر أين ذهب (١).
٥٥ - ع: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن، القرشي السهمي.
من نجباء الصحابة وعلمائهم، كتب عن النبي ﷺ الكثير، وروى أيضا عن أبيه، وأبي بكر، وعمر.
روى عنه حفيده شعيب بن محمد بن عبد الله، وسعيد بن المسيب وعروة، وطاوس، وأبو سلمة ومجاهد، وعكرمة، وجبير بن نفير، وعطاء، وابن أبي مليكة، وأبو عبد الرحمن الحبلي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وحميد بن عبد الرحمن، وسالم بن أبي الجعد، ووهب بن منبه، وخلق سواهم.
وأسلم قبل أبيه، ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثنتي عشرة سنة، وقيل: بإحدى عشرة سنة. وكان واسع العلم، مجتهدا في العبادة، عاقلا يلوم أباه على القيام مع معاوية بأدب وتؤدة.
قال قتادة: كان رجلا سمينا.
стр. 1839
وقال علي بن زيد بن جدعان عن العريان بن الهيثم قال: وفدت مع أبي إلى يزيد، فجاء رجل طوال، أحمر، عظيم البطن، فقلت: من ذا؟ قيل: عبد الله بن عمرو.
وقال ابن أبي مليكة: قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم أهل البيت: عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله (١).
وروي نحوه من حديث ابن لهيعة، عن مشرح، عن عقبة بن عامر.
وقال ابن جريج: سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة، فقال رسول الله ﷺ : اقرأه في شهر، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى (٢).
وقال أحمد في مسنده (٣): حدثنا قتيبة قال: حدثنا ابن لهيعة عن واهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو، قال: رأيت كأن في أحد إصبعي سمنا وفي الأخرى عسلا، فأنا ألعقهما. فلما أصبحت ذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: تقرأ الكتابين: التوراة، والفرقان، فكان يقرؤهما.
وعن شفي، عن عبد الله قال: حفظت عن رسول الله ﷺ ألف مثل. وقال أبو قبيل (٤): سمعت عبد الله بن عمرو يقول: كنا عند
стр. 1840
رسول الله ﷺ نكتب ما يقول.
وقال ابن إسحاق وغيره عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قلت: يا رسول الله، أكتب ما أسمع منك في الرضا والغضب؟ قال: نعم؛ فإني لا أقول إلا حقا (١).
وقال أبو هريرة: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب.
وقال إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن مجاهد، قال: دخلت على عبد الله بن عمرو، فتناولت صحيفة تحت رأسه، فتمنع علي، فقلت: تمنعني شيئا من كتبك؟ فقال: إن هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه أحد، فإذا سلم لي كتاب الله، وسلمت لي هذه الصحيفة والوهط، لم أبال ما صنعت الدنيا. الوهط: بستانه بالطائف.
وقال عياش بن عباس عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة أحب إلي من أن أكون عاشر عشرة أغنياء؛ فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا، يقول: يتصدق يمينا وشمالا.
وقال شعبة عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال: كنت أصنع الكحل لعبد الله بن عمرو، وكان يطفئ السراج ثم يبكي، حتى رسعت عيناه (٢).
وعن عبد الله بن عمرو قال: دخل النبي ﷺ بيتي فقال: ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار؟ قلت: إني لأفعل. قال: إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وذكر الحديث (٣).
وقال خليفة (٤): كان عبد الله على ميمنة معاوية بصفين، وقد ولاه معاوية الكوفة، ثم عزله بالمغيرة بن شعبة.
стр. 1841
وقال أحمد في مسنده (١): حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا العوام قال: حدثني أسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد قال: بينا أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، كل واحد يقول: أنا قتلته! فقال عبد الله بن عمرو: ليطب أحدكما به نفسا لصاحبه؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية! فقال معاوية: يا عمرو، ألا ترد عنا مجنونك! فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال لي: أطع أباك ما دام حيا، فأنا معكم، ولست أقاتل.
وقال ابن أبي مليكة: قال ابن عمرو: مالي ولصفين! مالي ولقتال المسلمين! لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة، أما والله على ذلك ما ضربت بسيف، ولا رميت بسهم. وذكر أنه كانت الراية بيده.
وقال قتادة: عن عبد الله بن بريدة، عن سليمان بن الربيع، قال: انطلقت في رهط من نساك أهل البصرة إلى مكة، فقلنا: لو نظرنا رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ فيحدثنا، فدللنا على عبد الله بن عمرو. فأتينا منزله، فإذا قريب من ثلاثمائة راحلة، فقلنا: على كل هؤلاء حج عبد الله؟ قالوا: نعم، هو ومواليه وأحباؤه. فانطبقنا إلى البيت، فإذا رجل أبيض الرأس واللحية، بين بردين قطريين، عليه عمامة، ليس عليه قميص. رواه حسين المعلم عن ابن بريدة، فقال: عن سليمان بن ربيعة الغنوي.
قال غير واحد: إنه توفي سنة خمس وستين، وتوفي بمصر على الصحيح. وقيل: مات بالطائف. وقيل: مات بمكة. وقيل: مات بالشام. فالله أعلم (٢).
٥٦ - عبد الله بن مسعدة الفزاري، ويقال: ابن مسعود، ويدعى صاحب الجيوش؛ لأنه كان أميرا على غزو الروم.
قال الطبراني (٣): له صحبة.
стр. 1842
وقال الحافظ ابن عساكر (١): له رؤية، ونزل دمشق، وبعثه يزيد مقدما على جند دمشق في جملة جيش مسلم بن عقبة إلى الحرة، ثم بايع مروان بالجابية.
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن مسعدة - أن النبي ﷺ سها في صلاة، وذكر الحديث.
وقيل: إن ابن مسعدة من سبي فزارة، وهبه النبي ﷺ لابنته فاطمة، فأعتقته.
وقال عباد بن عبد الله بن الزبير: كان ابن مسعدة شديدا في قتال ابن الزبير، فجرحه مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، فما عاد للحرب حتى انصرفوا.
٥٧ - ع: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين الأنصاري الأوسي الخطمي، أبو موسى.
شهد الحديبية، وله سبع عشرة سنة. وروى أحاديث عن النبي ﷺ ، وعن حذيفة، وزيد بن ثابت.
روى عنه ابن بنته عدي بن ثابت، والشعبي ومحارب بن دثار، وأبو إسحاق السبيعي، وآخرون.
وكان من نبلاء الصحابة، كان الشعبي كاتبه وشهد أبوه يزيد أحدا، ومات قبل الفتح. وشهد أبو موسى مع علي صفين والنهروان، وولي إمرة الكوفة لابن الزبير، فاستكتب الشعبي، وذلك في سنة خمس وستين، ثم صرف بعبد الله بن مطيع.
مسعر، عن ثابت بن عبيد، قال: رأيت على عبد الله بن يزيد خاتما من ذهب، وطيلسانا مدبجا.
الواقدي: حدثنا جحاف بن عبد الرحمن، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد - أن الفيل لما برك على أبي عبيد يوم الجسر فقتله، هرب الناس، فسبقهم عبد الله بن يزيد الخطمي فقطع الجسر، وقال:
стр. 1843
قاتلوا عن أميركم! ثم قدم عبد الله بن يزيد فأسرع السير، وأخبر عمر خبرهم (١).
٥٨ - د: عبد الله بن أبي أحمد، ابن جحش بن رئاب الأسدي. اسم أبيه عبد.
أدرك النبي ﷺ ، وحدث عن أبيه، وعلي، وكعب الأحبار، وغيرهم.
روى عنه سعيد بن عبد الرحمن، وحسين بن السائب، وعبد الله بن الأشج.
ووفد على معاوية، وكان سمحا جوادا، وكان أبوه من المهاجرين.
قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، قال: قال عبد الله بن أبي أحمد: قدمت من عند معاوية بثلاث مائة ألف دينار، فأقمت سنة، وحاسبت قوامي، فوجدتني قد أنفقت مائة ألف دينار، ليس بيدي منها إلا رقيق وغنم وقصور، ففزعت من ذلك. فلقيت كعب الأحبار، فذكرت ذلك له، فقال: أين أنت من النخل؟
قلت: هذا حديث منكر، ويقوي وهنه أنه يقول فيه: فلقيت كعبا، وكعب قد مات في خلافة عثمان، قبل أيام معاوية بسنين (٢).
٥٩ - د: عبد الرحمن بن أزهر الزهري، ابن عم عبد الرحمن بن عوف.
له صحبة ورواية، وشهد حنينا.
روى عنه ابناه عبد الله، وعبد الحميد، وطلحة بن عبد الله بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم التيمي.
وأمه من بني عبد مناف، وهو مقل من الرواية، له أربعة أحاديث (٣).
٦٠ - خ د ق: عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث بن وهب، أبو محمد القرشي الزهري المدني.
روى عن أبي بكر، وعمر، وأبي بن كعب.
روى عنه عبيد الله بن عدي
стр. 1844
ابن الخيار، ومروان بن الحكم - وهما من طبقته - وأبو سلمة بن عبد الرحمن.
وكان من أشراف قريش. قيل: إنه شهد فتح دمشق، وأنه ممن عين في حكومة الحكمين، فقالوا: ليس له ولا لأبيه هجرة، وكان ذا منزلة من عائشة، وأبوه ممن نزل فيه ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾
قال أحمد العجلي (١): هو ثقة، من كبار التابعين.
وقال أبو صالح كاتب الليث: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: لما حصر عثمان اطلع من فوق داره، فذكر لهم أنه يستعمل عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث على العراق، فبلغ ذلك عبد الرحمن، فقال: والله لركعتان أركعهما أحب إلي من إمرة العراق (٢).
٦١ - عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو، أبو يحيى اللخمي
رأى النبي ﷺ ، وروى عن أبي عبيدة بن الجراح، وعمر، وعثمان، ووالده.
روى عنه ابنه يحيى، وعروة بن الزبير.
وكان فقيها ثقة. ذكره ابن سعد (٣) وغيره.
توفي سنة ثمان وستين (٤).
٦٢ - عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، أبو محمد، ويقال: أبو سعيد الأنصاري الخزرجي المدني، الشاعر المشهور، ابن شاعر رسول الله ﷺ
يقال: إنه أدرك النبي ﷺ ، وله رواية عن أبيه.
وأمه سيرين القبطية أخت مارية سرية النبي ﷺ وأم إبراهيم.
حكى محمد بن كثير عن الأوزاعي أن معاوية قال له ابنه يزيد: ألا
стр. 1845
ترى إلى عبد الرحمن بن حسان يشبب بابنتك؟ فقال: وما يقول؟ قال: يقول: هي زهراء مثل لؤلؤة الغـ واص ميزت من جوهر مكنون فقال: صدق.
قال: فإنه يقول:
فإذا ما نسبتها لم تجدها … في سناء من المكارم دون
قال: صدق.
قال: فإنه يقول:
ثم خاصرتها إلى القبة الخضـ … راء أمشي في مرمر مسنون
قال معاوية: كذب.
خاصرتها أخذت بيدها.
ولعبد الرحمن شعر سائر، وفيه يقول بعضهم: فمن للقوافي بعد حسان وابنه ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت (١).
٦٣ - عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو حرب، ويقال: أبو الحارث الأموي، أخو مروان.
شاعر محسن، شهد يوم الدار مع عثمان، ومن شعره:
وأكرم ما تكون علي نفسي … إذا ما قل في الكربات مالي
فتحسن سيرتي وأصون عرضي … ويجمل عند أهل الرأي بالي
وقد عاش إلى يوم مرج راهط، فقال ابن الأعرابي: قال عبد الرحمن بن الحكم:
لحا الله قيسا قيس عيلان إنها … أضاعت فروج المسلمين وولت
أترجع كلب قد حمتها رماحها … وتترك قتلى راهط ما أجنت
فشاول بقيس في الطعان ولا تكن … أخاها إذا ما المشرفية سلت
ألا إنما قيس بن عيلان قملة … إذا شربت هذا العصير تغنت (٢)
٦٤ - ن: عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي.
стр. 1846
أدرك النبي ﷺ ، وحدث عن أبيه، وعمه عمر بن الخطاب.
روى عنه ابنه عبد الحميد، وسالم بن عبد الله، وحسين بن الحارث، وأبو جناب الكلبي.
وولي إمرة مكة ليزيد.
قال الزبير: كان عبد الرحمن فيما زعموا من أطول الرجال وأتمهم، وكان شبيها بأبيه، وكان عمر إذا نظر إليه قال: أخوكم غير أشيب قد أتاكم … بحمد الله عاد له الشباب
وزوجه عمر بابنته فاطمة، فولدت له عبد الله.
وقال ابن سعد (١): قبض رسول الله ﷺ وله ست سنين، وجده أبو لبابة بن عبد المنذر. وتوفي أيام عبد الله بن الزبير.
وقال غيره: ولاه يزيد مكة سنة ثلاث وستين (٢).
٦٥ - خ ت: عبد الرحمن بن عمرو بن سهل الأنصاري، وهو عبد الرحمن بن سهل.
عن سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وقيل: لقي عثمان.
وعنه طلحة بن عبد الله بن عوف، وابنه عمرو بن عبد الرحمن، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب.
ويقال: قتل يوم الحرة، وقيل: بقي إلى زمن عبد الملك (٣).
٦٦ - ت: عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني.
صحابي، له أحاديث، وقد سكن حمص وتاجر.
روى عنه خالد بن معدان، والقاسم أبو عبد الرحمن، وربيعة بن يزيد القصير.
وبعضهم يقول: هو تابعي (٤).
٦٧ - عبيد الله بن زياد بن عبيد، المعروف أبوه بزياد بن أبيه عند
стр. 1847
الناس، وعند بني أمية بزياد بن أبي سفيان.
قد ذكرنا أن زيادا استلحقه معاوية وجعله أخاه، ولي أبو حفص عبيد الله إمرة الكوفة لمعاوية، ثم ليزيد، ثم ولاه إمرة العراق.
وقد روى عن سعد بن أبي وقاص، وغيره.
قال الفضل بن دكين: ذكروا أن عبيد الله بن زياد كان له وقت قتل الحسين ثمان وعشرون سنة.
وقال ابن معين (١): هو ابن مرجانة، وهي أمُّه.
وعن معاوية أنه كتب إلى زياد: أن أوفد علي ابنك عبيد الله، ففعل، فما سأله معاوية عن شيء إلا أنفذه له، حتى سأله عن الشعر، فلم يعرف منه شيئا، فقال: ما منعك من رواية الشعر؟ قال: كرهت أن أجمع كلام الله وكلام الشيطان في صدري! فقال: اغرب، والله لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين مرارا، فما يمنعني من الهزيمة إلا أبيات ابن الإطنابة، حيث يقول:
أبت لي عفتي وأبى بلائي … وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإعطائي على الإعدام مالي … وإقدامي على البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي
وكتب إلى أبيه فرواه الشعر، فما سقط عليه منه بعد شيء.
قال أبو رجاء العطاردي: ولى معاوية عبيد الله البصرة سنة خمس وخمسين، فلما ولي يزيد الخلافة ضم إليه الكوفة.
وقال خليفة (٢): وفي سنة ثلاث وخمسين ولى معاوية عبيد الله بن زياد خراسان، وفي سنة أربع غزا عبيد الله خراسان وقطع النهر إلى بخارى على الإبل، فكان أول عربي قطع النهر، فافتتح زامين ونسف وبيكند من عمل بخارى.
وقال أبو عتاب: ما رأيت رجلا أحسن وجها من عبيد الله بن زياد.
стр. 1848
ونقل الخطابي أن أم عبيد الله، يعني مرجانة، كانت بنت بعض ملوك فارس.
قال أبو وائل: دخلت على ابن زياد بالبصرة، فإذا بين يديه تل من ورق، ثلاثة آلاف ألف من خراج أصبهان، فقال: ما ظنك برجل يموت ويدع مثل هذا؟ فقلت: فكيف إذا كان من غلول؟ قال: ذاك شر على شر.
وروى السري بن يحيى، عن الحسن البصري قال: قدم علينا عبيد الله، أمره علينا معاوية، غلاما سفيها، يسفك الدماء سفكا شديدا، فدخل عليه عبد الله بن مغفل المزني، فقال: انته عما أراك تصنع؛ فإن شر الرعاء الحطمة، قال: ما أنت وذاك، إنما أنت من حثالة أصحاب محمد ﷺ ، فقال له: وهل كان فيهم حثالة؟ لا أم لك! بل كانوا أهل بيوتات وشرف! سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من إمام ولا وال بات ليلة غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة. ثم خرج من عنده، فأتى المسجد، فجلست إليه، ونحن نعرف في وجهه ما قد لقي منه، فقلت له: يغفر الله لك أبا زياد، ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم خفي من علم رسول الله ﷺ ، فأحببت أن لا أقول حتى أقول به علانية، ولوددت أن داره وسعت أهل هذا المصر، حتى سمعوا مقالتي ومقالته. قال: فما لبث الشيخ أن مرض، فأتاه الأمير عبيد الله يعوده، قال: أتعهد إلينا شيئا نفعل فيه الذي تحب؟ قال: أسألك أن لا تصلي علي، ولا تقم على قبري.
قال الحسن: وكان عبيد الله رجلا جبانا فركب، فإذا الناس في السكك، ففزع وقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: مات عبد الله بن مغفل، فوقف حتى مر بسريره، فقال: أما إنه لولا أنه سألنا شيئا فأعطيناه إياه لسرنا معه.
له إسناد آخر، وإنما الصحيح كما أخرجه مسلم (١) أن الذي دخل عليه وكلمه عائذ بن عمرو المزني، ولعلهما واقعتان، فقال جرير بن حازم: حدثنا الحسن أن عائذ بن عمرو دخل على ابن زياد، فقال: أي بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم،
стр. 1849
فقال: اجلس، فإنما أنت من نخالة أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: هل هؤلاء كان لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم.
المحاربي: حدثنا ابن إسحاق عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن الحسن، قال: كان عبد الله بن مغفل أحد الذين بعثهم عمر إلى البصرة ليفقهونهم، فدخل عليه عبيد الله بن زياد يعوده، فقال: اعهد إلينا أبا زياد؛ فإن الله قد كان ينفعنا بك! قال: وهل أنت فاعل ما آمرك به؟ قال: نعم، قال: إذا مت لا تصل علي، وذكر بقية الحديث.
وقد ذكرنا مقتل عبيد الله في سنة سبع وستين يوم عاشوراء، كذا ورخه أبو اليقظان.
وروى يزيد بن أبي زياد، عن أبي الطفيل قال: عزلنا سبعة رؤوس وغطيناها، منها رأس حصين بن نمير، وعبيد الله بن زياد، فجئت فكشفتها، فإذا حية في رأس عبيد الله تأكله.
روى الترمذي (١) نحوه، وصححه من حديث الأعمش، عن عمارة بن عمير، قال: جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، فأتيت وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله، فمكثت هنيهة، ثم خرجت، فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا.
٦٨ - م ت د ن: عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
له صحبة وحديث رواه عنه عبد الله بن الحارث بن نوفل، وروى عن علي حديثا.
توفي بدمشق، وداره بزقاق الهاشميين، وكان شابا في زمان النبي ﷺ ، بعثه أبوه إلى النبي ﷺ ليوليه عمالة، والحديث في مسلم (٢)، وفي المسند (٣) والترمذي (٤).
стр. 1850
قال مصعب الزبيري: أمر رسول الله ﷺ أبا سفيان بن الحارث أن يزوج بنته عبد المطلب بن ربيعة، ففعل وسكن الشام في أيام عمر.
وقال خليفة (١): توفي عبد المطلب في دولة يزيد.
وقال الطبراني: توفي سنة إحدى وستين (٢).
٦٩ - عبيد الله بن علي بن أبي طالب الهاشمي، وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد التميمي، أخت نعيم بن مسعود.
قدم على مصعب بن الزبير، فوصله بمائة ألف درهم، ثم قتل معه في محاربة المختار سنة سبع وستين.
٧٠ - ع: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي، أبو طريف الطائي، ويكنى أبا وهب، ولد حاتم الجواد.
وفد على النبي ﷺ في شعبان سنة سبع، فأكرمه النبي ﷺ ، وكان سيد قومه. له عن النبي ﷺ ، وعن عمر.
روى عنه الشعبي، ومحل بن خليفة الطائي، وسعيد بن جبير، وخيثمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن معقل (٣) المزني، وتميم بن طرفة، وهمام بن الحارث، ومصعب بن سعد، وأبو إسحاق السبيعي، وآخرون.
قدم الشام مع خالد من العراق، ثم وجهه خالد بالأخماس إلى أبي بكر، وسكن الكوفة مدة، ثم قرقيسياء.
وقال أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم، وهو إلى جنبي لا آتيه، فأتيته فسألته، فقال: بعث رسول الله ﷺ حيث بعث، فكرهته أشد ما كرهت شيئا قط، حتى كنت في أقصى أرض مما يلي الروم، فكرهت مكاني ذلك.
стр. 1851
فقلت: لو أتيت هذا الرجل؛ فإن كان كاذبا لم يخف علي، وإن كان صادقا اتبعته. فأقبلت، فلما قدمت المدينة استشرفني الناس، وقالوا: جاء عدي بن حاتم، جاء عدي بن حاتم، فأتيته، فقال لي: يا عدي، أسلم تسلم، قلت: إن لي دينا، قال: أنا أعلم بدينك منك، ألست ترأس قومك؟ قلت: بلى. قال: ألست ركوسيا تأكل المرباع (١)؟ قلت: بلى، قال: فإن ذلك لا يحل لك في دينك. قال: فتضعضت لذلك، ثم قال: يا عدي، أسلم تسلم، فأظن مما يمنعك أن تسلم خصاصة تراها بمن حولي، وأنك ترى الناس علينا إلبا واحدا! هل أتيت الحيرة؟ قلت: لم آتها، وقد علمت مكانها، قال: توشك الظعينة أن ترتحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، ولتفتحن علينا كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز مرتين أو ثلاثا. وليفيضن المال حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة. قال عدي: فلقد رأيت اثنتين، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة، يعني فيض المال.
وقال قيس بن أبي حازم وغيره: إن عدي بن حاتم جاء إلى عمر فقال: أما تعرفني؟ قال: أعرفك، أقمت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا. ورواه جماعة عن الشعبي، وكان قد أتى عمر يسأله من المال.
وقال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد عن نافع مولى بني أسيد، عن نائل مولى عثمان قال: جاء عدي بن حاتم إلى باب عثمان وأنا عليه، فمنعته، فلما خرج عثمان إلى الظهر عرض له. فلما رآه عثمان رحب به وانبسط له، فقال عدي: انتهيت إلى بابك وقد عم إذنك الناس، فحجبني هذا، فالتفت عثمان إلي فانتهرني وقال: لا تحجبه، واجعله أول من يدخل، فلعمري إنا لنعرف حقه وفضله ورأي الخليفتين فيه وفي قومه؛ فقد جاءنا بالصدقة يسوقها، والبلاد كأنها شعل النار من أهل الردة، فحمده المسلمون على ما رأوا منه.
стр. 1852
وقال ابن عيينة: حدثت عن الشعبي عن عدي قال: ما دخلت وقت صلاة حتى أشتاق إليها.
وعن عدي قال: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء.
وقال أبو عبيدة: كان عدي بن حاتم على طيئ يوم صفين مع علي.
وقال سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن سيرين، قال: لما قتل عثمان قال عدي بن حاتم: لا ينتطح فيها عنزان، ففقئت عينه يوم صفين، فقيل له: أليس قلت: لا ينتطح فيها عنزان؟ فقال: بلى، وتفقأ عيون كثيرة. وروي أن ابنه قتل يومئذ.
وقال أبو إسحاق: رأيت عديا رجلا جسيما أعور، فرأيته يسجد على جدار ارتفاعه من الأرض ذراع أو نحو ذراع.
وقال أبو حاتم السجستاني: قالوا: وعاش عدي بن حاتم مائة وثمانين سنة، فلما أسن استأذن قومه في وطاء يجلس فيه في ناديهم، وقال: إني أكره أن يظن أحدكم أني أرى أن لي عليه فضلا، ولكني قد كبرت ورق عظمي.
وروى جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، قال: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله البجلي، وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيسياء وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان.
قال أبو عبيد: توفي عدي سنة ست وستين.
وقال ابن سعد (١): توفي سنة ثمان وستين.
وقال هشام ابن الكلبي: توفي سنة سبع وستين، وله مائة وعشرون سنة (٢).
٧١ - ع: عروة بن الجعد، ويقال: ابن أبي الجعد، البارقي الأسدي. وبارق جبل نزله قومه.
له صحبة ورواية ثلاثة أحاديث (٣)، استعمله عمر على قضاء الكوفة
стр. 1853
مع سلمان بن ربيعة قبل شريح، قاله الشعبي.
روى عنه الشعبي، ولمازة بن زبار، والعيزار بن حريث، وشبيب بن غرقدة، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم.
وقد أعطاه النبي ﷺ دينارا ليشتري له أضحية، فاشترى له شاتين، فباع إحداهما بدينار، وأتى النبي ﷺ بشاة ودينار، فدعا له النبي ﷺ ، فكان لو اشترى التراب ربح فيه (١).
وقال شبيب بن غرقدة: رأيت في دار عروة يعني البارقي سبعين فرسا مربوطة.
قال ابن سعد (٢): كان عروة مرابطا، وله أفراس، فيها فرس أخذه بعشرين ألف درهم (٣).
٧٢ - ٤: عطية القرظي.
له صحبة ورواية قليلة. روى عنه مجاهد، وكثير من السائب، وعبد الملك بن عمير.
وقال: كنت من سبي بني قريظة، فكان من أنبت قتل (٤)، فكنت فيمن لم ينبت، فتركت (٥).
٧٣ - خ د ت ن: عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي أبو سروعة القرشي النوفلي المكي.
أسلم يوم الفتح، وروى عن النبي ﷺ ، وأبي بكر.
روى عنه إبراهيم
стр. 1854
ابن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد بن أبي مريم المكي، وابن أبي مليكة، وغيرهم. وهو قاتل خبيب.
وأما أبو حاتم الرازي فقال (١): ليس هو الذي روى عنه ابن أبي مليكة؛ فإن أبا سروعة قديم الوفاة.
حماد بن زيد: حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة قال: سمعت عقبة بن الحارث، وحدثني صاحب لي، وأنا لحديث صاحبي أحفظ، قال عقبة: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فدخلت علينا امرأة سوداء، فزعمت أنها أرضعتنا جميعا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني، ثم قلت: إنها كاذبة، قال: وما يدريك أنها كاذبة وقد قالت ما قالت؟ دعها عنك (٢)!
قلت: فيه دليل على ترك الشبهات، وفيه الرجوع من اليقين إلى الظن احتياطا وورعا، واستبراء للعرض والدين (٣).
٧٤ - عقبة بن نافع بن عبد قيس بن لقيط القرشي الفهري الأمير.
قال أبو سعيد بن يونس: يقال: إن له صحبة، ولم تصح، شهد فتح مصر واختط بها، وولي المغرب لمعاوية ويزيد بن معاوية، وهو الذي بنى قيروان إفريقية وأنزلها المسلمين، قتله البربر بتهودة من أرض المغرب سنة ثلاث وستين، وولده بمصر والمغرب.
وقال ابن عساكر (٤): وفد على معاوية ويزيد، وحكى عن معاوية، روى عنه قوله ابنه أبو عبيدة مرة وعبد الله بن هبيرة، وعلي بن رباح، وعمار بن سعد، وغيرهم.
وقال الواقدي: حدثنا الوليد بن كثير عن يزيد بن أبي حبيب، عن
стр. 1855
أبي الخير قال: لما فتح المسلمون مصر بعث عمرو بن العاص إلى القرى التي حولها الخيل يطأوهم، فبعث عقبة بن نافع بن عبد قيس، وكان نافع أخا العاص بن وائل السهمي لأمه، فدخلت خيولهم أرض النوبة غزاة غزوا كصوائف الروم، فلقي المسلمون من النوبة قتالا شديدا، رشقوهم بالنبل، فلقد جرح عامتهم، وانصرفوا بحدق مفقأة.
قال الواقدي: لما ولي معاوية وجه عقبة بن نافع على عشرة آلاف إلى إفريقية، فافتتحها واختط قيروانها، وقد كان موضعه غيضة لا ترام من السباع والحيات، فدعا عليها، فلم يبق منها شيء إلا خرج هاربا بإذن الله، حتى إن كانت السباع وغيرها لتحمل أولادها، فحدثني موسى بن علي، عن أبيه قال: نادى عقبة: إنا نازلون فأظعنوا فخرجن من جحورهن هوارب.
وقال محمد بن عمرو: عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: لما افتتح عقبة بن نافع إفريقية وقف وقال: يا أهل الوادي، إنا حالون إن شاء الله، فأظعنوا، ثلاث مرات. قال: فما رأينا حجرا ولا شجرا إلا يخرج من تحته دابة، حتى هبطن بطن الوادي، ثم قال لنا: انزلوا باسم الله.
وعن مفضل بن فضالة وغيره قالوا: كان عقبة بن نافع مجاب الدعوة.
وعن علي بن رباح قال: قدم عقبة بن نافع على يزيد، فرده واليا على إفريقية سنة اثنتين وستين، فخرج سريعا لحنقه على أبي المهاجر دينار، هو مولى مسلمة بن مخلد، فأوثق أبا المهاجر في الحديد، ثم غزا إلى السوس الأدنى، وأبو المهاجر معه مقيد، ثم رجع وقد سبقه أكثر الجيش، فعرض له كسيلة في جمع من البربر والروم، فالتقوا، فقتل عقبة وأصحابه وأبو المهاجر.
٧٥ - ع: علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك، أبو شبل النخعي الكوفي، الفقيه المشهور، خال إبراهيم النخعي، وشيخه، وعم الأسود بن يزيد.
أدرك الجاهلية، وسمع: عمر، وعثمان، وعليا، وابن مسعود، وأبا
стр. 1856
الدرداء، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبا موسى، وحذيفة، وتفقه بابن مسعود وقرأ عليه القرآن.
روى عنه إبراهيم النخعي، والشعبي، وإبراهيم بن سويد النخعي، وهني بن نويرة، وأبو الضحى مسلم، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي أخو الأسود، والقاسم بن مخيمرة والمسيب بن رافع، وأبو ظبيان.
وقرأ عليه القرآن يحيى بن وثاب، وعبيد بن نضيلة، وأبو إسحاق، وغيرهم.
وكان فقيها إماما مقرئا، طيب الصوت بالقرآن، ثبتا حجة، وكان أعرج، دخل دمشق واجتمع بأبي الدرداء بالجامع، وكان الأسود أكبر منه؛ فإن أبا نعيم قال: قال الأسود: إني لأذكر ليلة بني بأم علقمة.
وقال خليفة (١) وغيره: إنه شهد صفين مع علي.
وقال مغيرة عن إبراهيم: إن عبد الله كنى علقمة أبا شبل، وكان علقمة عقيما لا يولد له.
وقال حماد بن أبي سليمان الفقيه، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: صليت خلف عمر سنتين.
وقال مغيرة عن إبراهيم: إن الأسود وعلقمة كانا يسافران مع أبي بكر وعمر.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان علقمة يشبه بعبد الله بن مسعود في هديه ودله وسمته.
وقال الأعمش: حدثنا عمارة بن عمير عن أبي معمر، وهو عبد الله بن سخبرة، قال: كنا عند عمرو بن شرحبيل، فقال: اذهبوا بنا إلى أشبه الناس هديا ودلا وأمرا بعبد الله، فقمنا معه لم ندر من هو، حتى دخل بنا على علقمة.
وقال داود الأودي: قلت للشعبي: أخبرني عن أصحاب عبد الله كأني أنظر إليهم، قال: كان علقمة أبطن القوم به، وكان مسروق قد خلط منه ومن غيره، وكان الربيع بن خثيم أشدهم اجتهادا، وكان عبيدة يوازي شريحا في العلم والقضاء.
стр. 1857
وقال إبراهيم: كان أصحاب عبد الله يقرأون ويفتون: علقمة، ومسروق، والأسود، وعبيدة، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل.
وقال مرة بن شراحيل: كان علقمة من الربانيين.
وقال زائدة عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: قال عبد الله: ما أقرأ شيئا إلا وعلقمة يقرأه.
وقال ابن عون: سألت الشعبي عن علقمة والأسود، أيهما أفضل؟ فقال: كان علقمة مع البطيء ويدرك السريع.
وقال قابوس بن أبي ظبيان: قلت لأبي: كيف تأتي علقمة، وتدع أصحاب محمد ﷺ ؟ قال: يا بني، إن أصحاب محمد كانوا يسألونه.
وقال إبراهيم: كان علقمة يقرأ القرآن في خمس، والأسود في ست، وعبد الرحمن ين يزيد في سبع.
وقال الشعبي: إن كان أهل بيت خلقوا للجنة فهم أهل هذا البيت: علقمة، والأسود.
وقال الأعمش عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قلنا لعلقمة: لو صليت في هذا المسجد ونجلس معك فتسأل؟ قال: أكره أن يقال: هذا علقمة، قالوا: لو دخلت على الأمراء فعرفوا لك شرفك؟ قال: أخاف أن ينتقصوا مني أكثر مما أنتقص منهم.
وقال علقمة لأبي وائل وقد دخل على ابن زياد: إنك لم تصب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك ما هو أفضل منه، ما أحب أن لي مع ألفي ألفين، وإني من أكرم الجند عليه.
وقال إبراهيم: إن أبا بردة كتب علقمة في الوفد إلى معاوية، فقال علقمة: امحني امحني.
وقال علقمة: ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس.
قال الهيثم: توفي علقمة في خلافة يزيد.
وقال أبو نعيم: توفي سنة إحدى وستين.
стр. 1858
وقال المدائني، وأبو عبيد، وخليفة (١)، وابن معين، ومحمد بن سعد، وابن نمير، وأبو حفص الفلاس: توفي سنة اثنتين وستين.
وعن عثمان بن أبي شيبة وغيره: توفي سنة اثتنين وسبعين، وهو غلط (٢).
٧٦ - ن: عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري، أبو حفص المدني نزيل الكوفة.
روى عن أبيه.
وروى عنه ابنه إبراهيم، وابن ابنه أبو بكر بن حفص، والعيزار بن حريث، وأبو إسحاق السبيعي، وأرسل عنه قتادة، والزهري، ويزيد بن أبي حبيب.
ولعمر بن سعد جماعة إخوة: عمرو بن سعد، أحد من قتل يوم الحرة. وعمير بن سعد: قتل أيضا يوم الحرة. ومصعب بن سعد، وعامر بن سعد: ماتا بعد المائة. وإبراهيم بن سعد: وله رواية. وإسماعيل، وعبد الرحمن، ويحيى ذكر تراجمهم ابن سعد (٣).
وقد مر أنه الذي قاتل الحسين ﵁، وشهد دومة الجندل مع أبيه.
وقال بكير بن مسمار: سمعت عامر بن سعد، يقول: كان سعد في إبله أو غنمه، فأتاه ابنه عمر، فلما لاح له قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب! فلما انتهى إليه قال: يا أبت، أرضيت أن تكون أعرابيا في إبلك والناس يتنازعون في الملك؟ فضرب صدره بيده وقال: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب العبد التقي الخفي الغني (٤).
وروى ابن عيينة عمن حدثه، عن سالم، إن شاء الله، قال: قال عمر بن سعد للحسين: إن قوما من السفهاء يزعمون أني قاتلك! قال: ليسوا
стр. 1859
بسفهاء ولكنهم حلماء، ثم قال: والله إنه ليقر عيني أنك لا تأكل بر العراق بعدي إلا قليلا.
وروى هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن بعض أصحابه، قال: قال علي لعمر بن سعد: كيف أنت إذا قمت مقاما تخير فيه بين الجنة والنار، فتختار النار؟
ويروى عن عقبة بن سمعان قال: كان عبيد الله قد جهز عمر بن سعد في أربعة آلاف لقتال الديلم، وكتب له عهده على الري. فلما أقبل الحسين طالبا للكوفة دعا عبيد الله عمر، وقال: سر إلى الحسين، قال: إن رأيت أن تعفيني! قال: فرد إلينا عهدنا! قال: فأمهلني اليوم أنظر في أمري! فانصرف يستشير أصحابه، فنهوه.
وقال أبو مخنف، وليس بثقة لكن له اعتناء بالأخبار: حدثني مجالد والصقعب بن زهير أنهما التقيا مرارا الحسين وعمر بن سعد، قال: فكتب عمر إلى عبيد الله: أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، فهذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن يأتي أمير المؤمنين فيضع يده في يده، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلا من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وفي هذا لكم رضا، وللأمة صلاح.
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب ناصح لأميره، مشفق على قومه، نعم قد قبلت. فقام إليه شمر بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك؟ والله، لئن خرج من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعز، ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه؛ فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة، وإن غفرت كان ذلك لك. والله، لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل، فقال له: نعم ما رأيت! الرأي رأيك (١).
وقال البخاري في تاريخه (٢): حدثنا موسى بن إسماعيل قال:
стр. 1860
حدثنا سليمان بن مسلم العجلي، قال: سمعت أبي يقول: أول من طعن في سرداق الحسين عمر بن سعد، فرأيت عمر وولديه قد ضربت أعناقهم، ثم علقوا على الخشب، ثم ألهب فيهم النار.
وعن أبي جعفر الباقر: إنما أعطاه المختار أمانا بشرط ألا يحدث، ونوى بالحدث دخول الخلاء، ثم قتله.
وقال عمران بن ميثم: أرسل المختار إلى دار عمر بن سعد من قتله وجاءه برأسه، بعد أن كان أمنه، فقال ابنه حفص لما رأى ذلك: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال المختار: اضرب عنقه، ثم قال: عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين، ولا سواء.
قلت: هذا علي الأكبر، ليس هو زين العابدين.
قال خليفة (١): وسنة ست وستين قتل عمر بن سعد على فراشه.
وقال ابن معين (٢): سنة سبع (٣).
٧٧ - ٤: عمر بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، وهذا عمر الأكبر قتل مع المختار بن أبي عبيد.
وقد روى عن أبيه.
روى عنه بنوه علي وعبيد الله ومحمد، وأبو زرعة عمرو بن جابر الحضرمي. ولابنه محمد حديث عنه في السنن.
قتل إلى رحمة الله سنة سبع (٤).
٧٨ - ع: عمرو بن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي المصطلقي، أخو أم المؤمنين جويرية.
له صحبة ورواية، نزل الكوفة، وروى أيضا عن ابن مسعود، وزوجته زينب.
روى عنه: مولاه دينار، وأبو وائل، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق السبيعي.