الدرداء، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبا موسى، وحذيفة، وتفقه بابن مسعود وقرأ عليه القرآن.
روى عنه إبراهيم النخعي، والشعبي، وإبراهيم بن سويد النخعي، وهني بن نويرة، وأبو الضحى مسلم، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي أخو الأسود، والقاسم بن مخيمرة والمسيب بن رافع، وأبو ظبيان.
وقرأ عليه القرآن يحيى بن وثاب، وعبيد بن نضيلة، وأبو إسحاق، وغيرهم.
وكان فقيها إماما مقرئا، طيب الصوت بالقرآن، ثبتا حجة، وكان أعرج، دخل دمشق واجتمع بأبي الدرداء بالجامع، وكان الأسود أكبر منه؛ فإن أبا نعيم قال: قال الأسود: إني لأذكر ليلة بني بأم علقمة.
وقال خليفة (١) وغيره: إنه شهد صفين مع علي.
وقال مغيرة عن إبراهيم: إن عبد الله كنى علقمة أبا شبل، وكان علقمة عقيما لا يولد له.
وقال حماد بن أبي سليمان الفقيه، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: صليت خلف عمر سنتين.
وقال مغيرة عن إبراهيم: إن الأسود وعلقمة كانا يسافران مع أبي بكر وعمر.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان علقمة يشبه بعبد الله بن مسعود في هديه ودله وسمته.
وقال الأعمش: حدثنا عمارة بن عمير عن أبي معمر، وهو عبد الله بن سخبرة، قال: كنا عند عمرو بن شرحبيل، فقال: اذهبوا بنا إلى أشبه الناس هديا ودلا وأمرا بعبد الله، فقمنا معه لم ندر من هو، حتى دخل بنا على علقمة.
وقال داود الأودي: قلت للشعبي: أخبرني عن أصحاب عبد الله كأني أنظر إليهم، قال: كان علقمة أبطن القوم به، وكان مسروق قد خلط منه ومن غيره، وكان الربيع بن خثيم أشدهم اجتهادا، وكان عبيدة يوازي شريحا في العلم والقضاء.
стр. 1857
وقال إبراهيم: كان أصحاب عبد الله يقرأون ويفتون: علقمة، ومسروق، والأسود، وعبيدة، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل.
وقال مرة بن شراحيل: كان علقمة من الربانيين.
وقال زائدة عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: قال عبد الله: ما أقرأ شيئا إلا وعلقمة يقرأه.
وقال ابن عون: سألت الشعبي عن علقمة والأسود، أيهما أفضل؟ فقال: كان علقمة مع البطيء ويدرك السريع.
وقال قابوس بن أبي ظبيان: قلت لأبي: كيف تأتي علقمة، وتدع أصحاب محمد ﷺ ؟ قال: يا بني، إن أصحاب محمد كانوا يسألونه.
وقال إبراهيم: كان علقمة يقرأ القرآن في خمس، والأسود في ست، وعبد الرحمن ين يزيد في سبع.
وقال الشعبي: إن كان أهل بيت خلقوا للجنة فهم أهل هذا البيت: علقمة، والأسود.
وقال الأعمش عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قلنا لعلقمة: لو صليت في هذا المسجد ونجلس معك فتسأل؟ قال: أكره أن يقال: هذا علقمة، قالوا: لو دخلت على الأمراء فعرفوا لك شرفك؟ قال: أخاف أن ينتقصوا مني أكثر مما أنتقص منهم.
وقال علقمة لأبي وائل وقد دخل على ابن زياد: إنك لم تصب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك ما هو أفضل منه، ما أحب أن لي مع ألفي ألفين، وإني من أكرم الجند عليه.
وقال إبراهيم: إن أبا بردة كتب علقمة في الوفد إلى معاوية، فقال علقمة: امحني امحني.
وقال علقمة: ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس.
قال الهيثم: توفي علقمة في خلافة يزيد.
وقال أبو نعيم: توفي سنة إحدى وستين.
стр. 1858
وقال المدائني، وأبو عبيد، وخليفة (١)، وابن معين، ومحمد بن سعد، وابن نمير، وأبو حفص الفلاس: توفي سنة اثنتين وستين.
وعن عثمان بن أبي شيبة وغيره: توفي سنة اثتنين وسبعين، وهو غلط (٢).
٧٦ - ن: عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري، أبو حفص المدني نزيل الكوفة.
روى عن أبيه.
وروى عنه ابنه إبراهيم، وابن ابنه أبو بكر بن حفص، والعيزار بن حريث، وأبو إسحاق السبيعي، وأرسل عنه قتادة، والزهري، ويزيد بن أبي حبيب.
ولعمر بن سعد جماعة إخوة: عمرو بن سعد، أحد من قتل يوم الحرة. وعمير بن سعد: قتل أيضا يوم الحرة. ومصعب بن سعد، وعامر بن سعد: ماتا بعد المائة. وإبراهيم بن سعد: وله رواية. وإسماعيل، وعبد الرحمن، ويحيى ذكر تراجمهم ابن سعد (٣).
وقد مر أنه الذي قاتل الحسين ﵁، وشهد دومة الجندل مع أبيه.
وقال بكير بن مسمار: سمعت عامر بن سعد، يقول: كان سعد في إبله أو غنمه، فأتاه ابنه عمر، فلما لاح له قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب! فلما انتهى إليه قال: يا أبت، أرضيت أن تكون أعرابيا في إبلك والناس يتنازعون في الملك؟ فضرب صدره بيده وقال: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب العبد التقي الخفي الغني (٤).
وروى ابن عيينة عمن حدثه، عن سالم، إن شاء الله، قال: قال عمر بن سعد للحسين: إن قوما من السفهاء يزعمون أني قاتلك! قال: ليسوا
стр. 1859
بسفهاء ولكنهم حلماء، ثم قال: والله إنه ليقر عيني أنك لا تأكل بر العراق بعدي إلا قليلا.
وروى هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن بعض أصحابه، قال: قال علي لعمر بن سعد: كيف أنت إذا قمت مقاما تخير فيه بين الجنة والنار، فتختار النار؟
ويروى عن عقبة بن سمعان قال: كان عبيد الله قد جهز عمر بن سعد في أربعة آلاف لقتال الديلم، وكتب له عهده على الري. فلما أقبل الحسين طالبا للكوفة دعا عبيد الله عمر، وقال: سر إلى الحسين، قال: إن رأيت أن تعفيني! قال: فرد إلينا عهدنا! قال: فأمهلني اليوم أنظر في أمري! فانصرف يستشير أصحابه، فنهوه.
وقال أبو مخنف، وليس بثقة لكن له اعتناء بالأخبار: حدثني مجالد والصقعب بن زهير أنهما التقيا مرارا الحسين وعمر بن سعد، قال: فكتب عمر إلى عبيد الله: أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، فهذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن يأتي أمير المؤمنين فيضع يده في يده، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلا من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وفي هذا لكم رضا، وللأمة صلاح.
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب ناصح لأميره، مشفق على قومه، نعم قد قبلت. فقام إليه شمر بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك؟ والله، لئن خرج من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعز، ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه؛ فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة، وإن غفرت كان ذلك لك. والله، لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل، فقال له: نعم ما رأيت! الرأي رأيك (١).
وقال البخاري في تاريخه (٢): حدثنا موسى بن إسماعيل قال:
стр. 1860
حدثنا سليمان بن مسلم العجلي، قال: سمعت أبي يقول: أول من طعن في سرداق الحسين عمر بن سعد، فرأيت عمر وولديه قد ضربت أعناقهم، ثم علقوا على الخشب، ثم ألهب فيهم النار.
وعن أبي جعفر الباقر: إنما أعطاه المختار أمانا بشرط ألا يحدث، ونوى بالحدث دخول الخلاء، ثم قتله.
وقال عمران بن ميثم: أرسل المختار إلى دار عمر بن سعد من قتله وجاءه برأسه، بعد أن كان أمنه، فقال ابنه حفص لما رأى ذلك: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال المختار: اضرب عنقه، ثم قال: عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين، ولا سواء.
قلت: هذا علي الأكبر، ليس هو زين العابدين.
قال خليفة (١): وسنة ست وستين قتل عمر بن سعد على فراشه.
وقال ابن معين (٢): سنة سبع (٣).
٧٧ - ٤: عمر بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، وهذا عمر الأكبر قتل مع المختار بن أبي عبيد.
وقد روى عن أبيه.
روى عنه بنوه علي وعبيد الله ومحمد، وأبو زرعة عمرو بن جابر الحضرمي. ولابنه محمد حديث عنه في السنن.
قتل إلى رحمة الله سنة سبع (٤).
٧٨ - ع: عمرو بن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي المصطلقي، أخو أم المؤمنين جويرية.
له صحبة ورواية، نزل الكوفة، وروى أيضا عن ابن مسعود، وزوجته زينب.
روى عنه: مولاه دينار، وأبو وائل، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق السبيعي.
стр. 1861
وهو صهر ابن مسعود (١).
٧٩ - عمرو بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، وأمه أم خالد بنت خالد بن سعيد الأموية.
سمع أباه وأخاه، ولا نعلم له رواية، وله وفادة على معاوية وابنه، وكانت بينه وبين أخيه عبد الله خصومة.
قال الزبير بن بكار: حدثني مصعب بن عثمان، قال: إنما سمي عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان المطرف؛ لأن الناس لما استشرفوا جماله قالوا: هذا حسن مطرف بعد عمرو بن الزبير. وكان عمرو بن الزبير منقطع الجمال، وكان يقال: من يكلم عمرو بن الزبير يندم، كان شديد العارضة، منيع الحوزة، وكان يجلس بالبلاط ويطرح عصاه، فلا يتخطاها أحد إلا بإذنه، وكان قد اتخذ من الرقيق مائتين.
وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، عن عمته أم بكر، وحدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، وابن أبي الزناد - قالوا: كتب يزيد إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إلى ابن الزبير جندا، فسأل: من أعدى الناس له؟ فقيل: عمرو أخوه. فولاه شرطة المدينة، فضرب ناسا من قريش والأنصار بالسياط وقال: هؤلاء شيعة عبد الله بن الزبير، ثم توجه في ألف من أهل الشام إلى قتال أخيه عبد الله، ونزل بذي طوى.
فأتاه الناس يسلمون عليه، فقال: جئت لأن يعطي أخي الطاعة ليزيد ويبر قسمه، فإن أبى قاتلته، فقال له جبير بن شيبة: كان غيرك أولى بهذا منك، تسير إلى حرم الله وأمنه، وإلى أخيك في سنه وفضله، تجعله في جامعة! ما أرى الناس يدعونك وما تريد.
قال: أرى أن أقاتل من حال دون ذلك، ثم أقبل فنزل داره عند الصفا، وجعل يرسل إلى أخيه، ويرسل إليه أخوه. وكان عمرو يخرج يصلي بالناس، وعسكره بذي طوي، وابن الزبير أخوه معه يشبك أصابعه في أصابعه ويكلمه في الطاعة، ويلين له، فقال عبد الله: ما بعد هذا شيء، إني لسامع مطيع، أنت عامل يزيد، وأنا أصلي خلفك ما عندي خلاف، فأما أن تجعل في عنقي جامعة، ثم أقاد إلى الشام، فإني نظرت في ذلك، فرأيته لا
стр. 1862
يحل لي أن أحله بنفسي، فراجع صاحبك واكتب إليه.
قال: لا والله، ما أقدر على ذلك، فهيأ عبد الله بن صفوان قوما وعقد لهم لواء، وأخذ بهم من أسفل مكة، فلم يشعر أنيس الأسلمي إلا بالقوم وهم على عسكر عمرو، فالتقوا، فقتل أنيس، وركب مصعب بن عبد الرحمن بن عوف في طائفة إلى عمرو فلقوه، فانهزم أصحابه والعسكر أيضا.
وجاء عبيدة بن الزبير إليه، فقال: يا أخي، أنا أجيرك من عبد الله، وجاء به أسيرا والدم يقطر على قدميه، فقال: قد أجرته، قال عبد الله: أما حقي فنعم، وأما حق الناس فلأقتصن منه لمن آذاه بالمدينة!
وقال: من كان يطلبه بشيء فليأت، فجعل الرجل يأتي، فيقول: قد نتف شفاري، فيقول: قم فانتف أشفاره، وجعل الرجل يقول: قد نتف لحيتي، فيقول: انتف لحيته.
فكان يقيمه كل يوم، ويدعو الناس للقصاص منه، فقام مصعب بن عبد الرحمن فقال: قد جلدني مائة جلدة، فأمره فضربه مائة جلدة فمات، وأمر به عبد الله فصلب.
رواه ابن سعد (١) عن الواقدي، وقال: بل صح من ذلك الضرب، ثم مر به ابن الزبير بعد إخراجه من السجن، فرآه جالسا بفناء منزله فقال: ألا أراه حيا، فأمر به فسحب إلى السجن، فلم يبلغه حتى مات. فأمر به عبد الله، فطرح في شعب الخيف، وهو الموضع الذي صلب فيه عبد الله بعد.
٨٠ - خ م د ت ن: عمرو بن شرحبيل، أبو ميسرة الهمداني الكوفي.
روى عن: عمر، وعلي، وابن مسعود. وكان سيدا صالحا عابدا، إذا جاءه عطاء تصدق به ﵀.
روى عنه: أبو وائل، والشعبي، والقاسم بن مخيمرة، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة.
الأعمش عن شقيق قال: ما رأيت همدانيا أحب إلي من أن أكون في مسلاخه، من عمرو بن شرحبيل.
شريك، عن عاصم، عن أبي وائل: ما اشتملت همدانية على مثل أبي ميسرة، قيل: ولا مسروق؟ فقال: ولا مسروق.
أبو إسحاق، عن أبي ميسرة، وقيل له: ما يحبسك عند الإقامة؟ قال:
стр. 1863
إني أوتر.
ولما احتضر أوصى أن لا يؤذن بجنازته أحد، وكذلك أوصى علقمة.
إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: رأيت أبا جحيفة في جنازة أبي ميسرة آخذا بقائمة السرير حتى أخرج، ثم جعل يقول: غفر الله لك أبا ميسرة!
قال ابن سعد (١): توفي في ولاية عبيد الله بن زياد بالكوفة (٢).
٨١ - م ٤: عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد، أبو نجيح السلمي، نزيل حمص، وأخو أبي ذر لأمه.
قدم على رسول الله ﷺ مكة، فكان رابع من أسلم، ورجع ثم هاجر فيما بعد إلى المدينة. له عدة أحاديث.
روى عنه جبير بن نفير، وشداد أبو عمار، وشرحبيل بن السمط وكثير بن مرة، ومعدان بن أبي طلحة، والقاسم أبو عبد الرحمن، وسليم بن عامر، وحبيب بن عبيد، وضمرة بن حبيب، وأبو إدريس الخولاني، وخلق. وقد روى عنه ابن مسعود مع جلالته، وسهل بن سعد، وأبو أمامة الباهلي.
ولا أعلم هل مات في خلافة معاوية أو في خلافة يزيد، وكان أحد الأمراء يوم اليرموك.
روى إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني (٣)، عن أبي سلام الدمشقي وعمرو بن عبد الله، سمعا أبا أمامة، عن عمرو بن عبسة قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية، رأيت أنها آلهة باطلة لا تضر ولا تنفع (٤).
٨٢ - م ت ن ق: عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، أبو أمية المعروف بالأشدق.
стр. 1864
ولي المدينة ليزيد، ثم سكن دمشق، وكان أحد الأشراف من بني أمية، وقد رام الخلافة، وغلب على دمشق، وادعى أن مروان جعله ولي العهد بعد عبد الملك.
حدث عن عمر، وعثمان.
روى عنه: بنوه موسى وأمية وسعيد، وخثيم بن مروان.
وكان زوج أخت مروان أم البنين شقيقة مروان.
قال عبد الملك بن عمير، عن أبيه قال: لما احتضر سعيد بن العاص جمع بنيه، فقال: أيكم يكفل ديني؟ فسكتوا، فقال: ما لكم لا تكلمون؟ فقال عمرو الأشدق، وكان عظيم الشدقين: وكم دينك يا أبت؟ قال: ثلاثون ألف دينار، قال: فيم استدنتها؟ قال: في كريم سددت فاقته ولئيم فديت عرضي منه، فقال: هي علي.
وعن سعيد بن المسيب، وسئل عن خطباء قريش في الجاهلية فقال: الأسود بن المطلب بن أسد، وسهيل بن عمرو. وسئل عن خطبائهم في الإسلام فقال: معاوية وابنه، وسعيد بن العاص وابنه، وابن الزبير.
وفي مسند أحمد (١)، من حديث علي بن زيد بن جدعان، قال: أخبرني من سمع أبا هريرة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليرعفن على منبري جبار من جبابرة بني أمية. قال علي: فحدثني من رأى عمرو بن سعيد رعف على منبر رسول الله ﷺ .
فقال الزبير بن بكار: كان عمرو بن سعيد ولاه معاوية المدينة، ثم ولاه يزيد، فبعث عمرو بعثا لقتال ابن الزبير. وكان عمرو يدعي أن مروان جعل إليه الأمر بعد عبد الملك، ثم نقض ذلك وجعله إلى عبد العزيز بن مروان.
فلما شخص عبد الملك إلى حرب مصعب إلى العراق، خالف عليه عمرو بن سعيد وغلق أبواب دمشق، فرجع عبد الملك وأحاط به، ثم أعطاه أمانا، ثم غدر به فقتله، فقال في ذلك يحيى بن الحكم عم عبد الملك:
أعيني جودي بالدموع على عمرو … عشية تبتز الخلافة بالغدر
كأن بني مروان إذ يقتلونه … بغاث من الطير اجتمعن على صقر
стр. 1865
غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل … وأنتم ذوو قربائه وذوو صهر
فرحنا وراح الشامتون عشية … كأن على أكتافنا فلق الصخر
لحا الله دنيا يدخل النار أهلها … وتهتك ما دون المحارم من ستر
وكان مروان يلقب بخيط باطل.
وروى ابن سعد بإسناد (١) أن عبد الملك لما سار يؤم العراق، جلس خالد بن يزيد بن معاوية وعمرو بن سعيد، فتذاكرا من أمر عبد الملك ومسيرهما معه على خديعة منه لهما، فرجع عمرو إلى دمشق فدخلها وسورها وثيق، فدعا أهلها إلى نفسه، فأسرعوا إليه، وفقده عبد الملك، فرجع بالناس إلى دمشق، فنازلها ست عشرة ليلة حتى فتحها عمرو له وبايعه، فصفح عنه عبد الملك.
ثم أجمع على قتله، فأرسل إليه يوما يدعوه، فوقع في نفسه أنها رسالة شر فركب إليه فيمن معه، لبس درعا مكفرا بها (٢)، ثم دخل إليه، فتحدثا ساعة، وقد كان عهد إلى يحيى بن الحكم أن يضرب عنقه إذا خرج إلى الصلاة، ثم أقبل عبد الملك عليه، فقال: يا أبا أمية، ما هذه الغوائل والزبى التي تحفر لنا؟ ثم ذكره ما كان منه، وخرج إلى الصلاة ورجع (٣) ولم يقدم عليه يحيى، فشتمه عبد الملك، ثم أقدم هو ومن معه عليه فقتله.
قال خليفة (٤): وفي سنة سبعين خلع عمرو بن سعيد عبد الملك، وأخرج عامله عبد الرحمن ابن أم الحكم عن دمشق، فسار إليه عبد الملك، ثم اصطلحا على أن يكون الخليفة من بعد عبد الملك، وعلى أن لعمرو مع كل عامل عاملا، وفتح دمشق ودخل عبد الملك، ثم غدر به فقتله.
فحدثني أبو اليقظان قال: قال له عبد الملك: يا أبا أمية، لو أعلم أنك تبقى وتصلح قرابتي لفديتك ولو بدم النواظر، ولكنه قلما اجتمع فحلان في إبل إلا أخرج أحدهما صاحبه.
стр. 1866
وقال الليث: قتل سنة تسع وستين (١).
٨٣ - عمرو البكالي، أبو عثمان.
صحابي، شهد اليرموك. وروى عن النبي ﷺ ، ثم عن ابن مسعود، وأبي الأعور السلمي، وغيرهما.
وعنه: معدان بن أبي طلحة، وأبو تميمة الهجيمي طريف، وأبو أسماء الرحبي، وغيرهم. وأم الناس بمسجد دمشق.
روى الجريري عن أبي تميمة: قدمت الشام، فإذا بهم يطوفون برجل، قلت: من هذا؟ فقيل: هذا أفقه من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ، هذا عمرو البكالي، ورأيت أصابعه مقطوعة، فقيل: قطعت يوم اليرموك.
وقال أبو سعيد بن يونس: قدم عمرو البكالي مصر مع مروان، فروى عنه عبد الله بن هبيرة. وقيل: هو أخو نوف البكالي.
وقال أحمد العجلي (٢): هو تابعي ثقة.
٨٤ - ت: قباث بن أشيم الليثي.
صحابي، شهد اليرموك أميرا، وطال عمره.
روى عنه: عبد الرحمن بن زياد، وأبو الحويرث.
قال ابن سعد (٣): إنه شهد بدرا مشركا، وشهد مع النبي ﷺ بعض المشاهد، وكان على مجنبة أبي عبيدة يوم اليرموك.
وقال دحيم: مات بالشام، وأدركه عبد الملك بن مروان، فسأله عن سنه، فقال: أنا أسن من رسول الله ﷺ . وكذا قال عبد الصمد (٤) بن سعيد وغيره.
стр. 1867
وقال إبراهيم بن المنذر: حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، قال: حدثنا الزبير بن موسى، عن أبي الحويرث، قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الليثي: يا قباث، أنت أكبر؟ أم رسول الله ﷺ ؟ قال: رسول الله ﷺ أكبر، وأنا أسن منه، ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل محيلا (١) أعقله.
اسم أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية.
وروى سفيان بن حسين الواسطي، عن خالد بن دريك، عن قباث، قال: انهزمت يوم بدر، فقلت في نفسي: لم أر مثل هذا اليوم قط! فلما أتيت رسول الله ﷺ لأستأمنه قال: قلت: لم أر مثل أمر الله قط، فر منه إلا النساء، فقلت: أشهد أنك رسول الله، ما ترمرمت به شفتاي، وما كان إلا شيء عرض لي في نفسي (٢).
٨٥ - ن: قبيصة بن جابر بن وهب بن مالك الأسدي الكوفي، أبو العلاء.
من كبار التابعين. روى عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وطلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص، وجماعة.
روى عنه: الشعبي، والعريان بن الهيثم، وعبد الملك بن عمير.
وشهد خطبة عمر بالجابية، وكان أخا معاوية من الرضاعة وقد وفد عليه، وكان كاتب سعيد بن العاص بالكوفة، وكان يعد من الفصحاء.
وقال ابن سعد (٣): كان ثقة، له أحاديث.
وروى محمد بن عباد عن ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة قال: ألا أخبركم عمن صحبت؟ صحبت عمر ﵁، فما رأيت أحدا أفقه في كتاب الله منه، ولا أحسن مدارسة منه. وصحبت طلحة بن عبيد الله، فما رأيت أحدا أعطى لجزيل منه عن غير مسألة.
وصحبت عمرو بن العاص، فما رأيت أحدا أنصع ظرفا منه، أو قال: أتم
стр. 1868
ظرفا منه. وصحبت معاوية، فما رأيت أحدا أكثر حلما ولا أبعد أناة منه. وصحبت زيادا فما رأيت أكرم جليسا منه، وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها أبواب لا يخرج من كل باب منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلها.
قال خليفة (١): مات قبيصة سنة تسع وستين (٢).
٨٦ - قيس بن ذريح، أبو يزيد الليثي الشاعر المشهور، من بادية الحجاز.
وهو الذي كان يشبب بأم معمر لبنى بنت الحباب الكعبية، ثم إنه تزوج بها، وقيل: إنه كان أخا الحسين من الرضاعة.
قال ثعلب: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: حدثنا موسى بن عيسى الجعفري، قال: أخبرني عيسى بن أبي جهمة الليثي، وكان مسنا، قال: كان قيس بن ذريح رجلا منا، وكان ظريفا شاعرا، وكان يكون بقديد بسرف وبوادي مكة، وخطب لبنى من خزاعة، ثم من بني كعب فتزوجها وأعجب بها، وبلغت عنده الغاية.
ثم وقع بين أمه وبينها فأبغضتها، وناشدت قيسا في طلاقها، فأبى، فكلمت أباه، فأمر بطلاقها، فأبى عليه، فقال: لا جمعني وإياك سقف أبدا حتى تطلقها. ثم خرج في يوم قيظ، فقال: لا أستظل حتى تطلقها، فطلقها، وقال: أما إنه آخر عهدك بي، ثم إنه اشتد عليه فراقها وجهد وضمر، ولما طلقها أتاها رجالها يتحملونها، فسأل: متى هم راحلون؟ قالوا: غدا تمضي. فقال:
وقالوا غدا أو بعد ذاك ثلاثة … فراق حبيب لم يبن وهو بائن
فما كنت أخشى أن تكون منيتي … بكفي إلا أن ما حان حائن
ثم جعل يأتي منزلها ويبكي، فلاموه، فقال:
كيف السلو ولا أزال أرى لها … ربعا كحاشية اليماني المخلق
ربعا لواضحة الجبين عزيزة … كالشمس إذ طلعت رخيم المنطق
قد كنت أعهدها به في عزة … والعيش صاف والعدى لم تنطق
стр. 1869
حتى إذا هتفوا وأذن فيهم … داعي الشتات برحلة وتفرق
خلت الديار فزرتها فكأنني … ذو حية من سمها لم يفرق
وهو القائل:
وكل ملمات الزمان وجدتها … سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
ومن شعره:
ولو أنني أسطيع صبرا وسلوة … تناسيت لبنى غير ما مضمر حقدا
ولكن قلبي قد تقسمه الهوى … شتاتا فما ألفى صبورا ولا جلدا
سل الليل عني كيف أرعى نجومه … وكيف أقاسي الهم مستخليا فردا
كأن هبوب الريح من نحو أرضكم … تثير فتات المسك والعنبر الندا
وعن أبي عمرو الشيباني قال: خرج قيس بن ذريح إلى معاوية فامتدحه، فأدناه وأمر له بخمسة آلاف درهم ومائتي دينار، وقال: كيف وجدك بلبنى قال: أشد وجد، قال: فنرضي زوجها؟ قال: ما لي في ذلك من حاجة، قال: فما حاجتك؟ قال: تأذن لي في الإلمام بها، وتكتب إلى عاملك، فقد خشيت أن يفرق الموت بيني وبين ذلك، وأنشده:
أضوء سنا برق بدا لك لمعه … بذي الأثل من أجراع بثنة ترقب
نعم إنني صب هناك موكل … بمن ليس يدنيني ولا يتقرب
مرضت فجاءوا بالمعالج والرقى … وقالوا بصير بالدواء مجرب
فلم يغن عني ما يعقد طائلا … ولا ما يمنيني الطبيب المجرب
وقال أناس والظنون كثيرة … وأعلم شيء بالهوى من يجرب
ألا إن في اليأس المفرق راحة … سيسليك عمن نفعه عنك يعزب
فكل الذي قالوا بلوت فلم أجد … لذي الشجو أشفى من هوى حين يقرب
عليها سلام الله ما هبت الصبا … وما لاح وهنا في دجى الليل كوكب
فلست بمبتاع وصالا بوصلها … ولست بمفش سرها حين أغضب
وله:
يقولون لبنى فتنة كنت قبلها … بخير فلا تندم عليها وطلق
فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي … وأقررت عين الشامت المتخلق
стр. 1870
وددت وبيت الله أني عصيتهم … وحملت في رضوانها كل موثق
وكلفت خوض البحر والبحر زاخر … أبيت على أثباج موج مغرق
كأني أرى الناس المحبين بعدها … عصارة ماء الحنظل المتفلق
فتنكر عيني بعدها كل منظر … ويكره سمعي بعدها كل منطق
فقال معاوية: هذا وأبيك الحب، وأذن له في زيارتها، فسار حتى نزل على امرأة بالمدينة يقال لها: بريكة، وأهدى لها وللبنى هدايا وألطافا، وأخبرها بكتاب معاوية.
فقالت: يا ابن عم، ما تريد إلى الشهرة؟ فأقام أياما، فبلغ زوج لبنى قدومه، فمنع لبنى من زيارة بريكة، فأيس قيس من لقائها، فبقي مترددا في كتاب معاوية. فرآه ابن أبي عتيق يوما، فقال: يا أعرابي، مالي أراك متحيرا؟ قال: دعني بارك الله فيك! قال: أخبرني بشأنك؛ فإني على ما تريد، وألح عليه، فأخبره وقال: لا أراني إلا في طلب مثلك، وانطلق به.
فأقام عنده ليلة يحدثه وينشده، فلما أصبح ابن أبي عتيق ركب فأتى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقال: فداك أبي وأمي، اركب معي في حاجة، فركب معه، واستنهض معه ثلاثة أو أربعة من وجوه قريش، ولا يدرون ما يريد. حتى أتى بهم باب زوج لبنى، فخرج فإذا وجوه قريش، فقال: جعلني الله فداكم، ما جاء بكم؟ قالوا: حاجة لابن أبي عتيق استعان بنا عليك، فقال: اشهدوا أن حكمه جائز علي، فقال ابن أبي عتيق: اشهدوا أن امرأته لبنى منه طالق.
فأخذ عبد الله بن جعفر برأسه، ثم قال: لهذا جئت بنا؟ فقال: جعلت فداكم، يطلق هذا امرأته ويتزوج بغيرها خير من أن يموت رجل مسلم، فقال عبد الله: أما إذ فعل ما فعل فله علي عشرة آلاف درهم، فقال ابن أبي عتيق: والله لا أبرح حتى تنقل متاعها، ففعلت، وأقامت في أهلها، حتى انقضت عدتها وتزوج بها قيس، وبقيا دهرا بأرغد عيش، فقال قيس:
جزى الرحمن أفضل ما يجازي … على الإحسان خيرا من صديق
فقد جربت إخواني جميعا … فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع … ورأي جرت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبي … أغصتني حرارتها بريقي
стр. 1871
هذه رواية.
وقال سليمان بن أبي شيخ: حدثنا أيوب بن عباية قال: خرج قيس بن ذريح إلى المدينة يبيع ناقة، فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه، فقال لقيس: انطلق معي لتأخذ الثمن، فمضى معه، فلما فتح الباب إذا لبنى قد استقبلت قيسا. فلما رآها ولى هاربا، واتبعه الرجل بالثمن، فقال: لا تركب لي مطيتين أبدا، قال: وأنت قيس بن ذريح؟ قال: نعم، قال: هذه لبنى، فقف حتى أخيرها، فإن اختارتك طلقتها، وظن الزوج أن له في قلبها موضعا، فخيرت فاختارت قيسا، فطلقها فماتت في العدة.
ولقد قيل لقيس: إن مما يسليك عنها ذكر معايبها، فقال:
إذا عبتها شبهتها البدر طالعا … وحسبك من عيب بها شبه البدر
لقد فضلت لبنى على الناس مثلما … على ألف شهر فضلت ليلة القدر
لها كفل يرتج منها إذا مشت … ومتن كغصن البان مضطمر الخصر
ولقيس:
أريد سلوا عن لبينى وذكرها … فيأبى فؤادي المستهام المتيم
إذا قلت أسلوها تعرض ذكره … وعاودني من ذاك ما الله أعلم
صحا كل ذي ود علمت مكانه … سواي فإني ذاهب العقل مغرم
وله:
هل الحب إلا عبرة بعد زفرة … وحر على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع تستهل إذا بدا … لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو (١)
٨٧ - م ن: قيس بن السكن الأسدي الكوفي.
سمع عبد الله بن مسعود، والأشعث بن قيس.
روى عنه عمارة بن عمير، وسعد بن عبيدة، والمنهال بن عمرو، وأبو إسحاق.
قال ابن معين: ثقة.
وقال أبو حاتم (٢): توفي في زمن مصعب (٣).
стр. 1872
٨٨ - قيس المجنون، ومن به يقاس المحبون.
هو قيس بن الملوح بن مزاحم، وقيل: قيس بن معاذ، وقيل: اسمه البختري بن الجعد، وقيل غير ذلك. وهو مجنون ليلى بنت مهدي أم مالك العامرية الربعية. وهو من بني عامر بن صعصعة، وقيل: من بني كعب بن سعد.
سمعنا أخباره في جزء ألفه ابن المرزبان، وقد أنكر بعض الناس ليلى والمجنون، وهذا دفع بالصدر، فليس من لا يعلم حجة على من علم، ولا المثبت كالنافي،.
فعن لقيط بن بكير المحاربي أن المجنون علق ليلى علاقة الصبا، وذلك لأنهما كانا صغيرين يرعيان أغناما لقومهما، فعلق كل واحد منهما الآخر، وكبرا على ذلك. فلما كبرا حجبت عنه، فزال عقله، وفي ذلك يقول:
تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة … ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا … إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
وذكر ابن داب، عن رياح بن حبيب العامري، قال: كان في بني عامر جارية من أجمل النساء، لها عقل وأدب، يقال لها: ليلى بنت مهدي، فبلغ المجنون خبرها، وكان صبا بمحادثة النساء، فلبس حلة ثم جلس إليها وتحادثا، فوقعت بقلبه، فظل يومه يحادثها. فانصرف فبات بأطول ليلة، ثم بكر إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، فلم تغمض له تلك الليلة عين، فأنشأ يقول:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا … لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى … ويجمعني والهم بالليل جامع (١)
ووقع في قلبها مثل الذي وقع بقلبه، فجاء يوما يحدثها، فجعلت تعرض عنه، تريد أن تمتحنه، فجزع واشتد عليه، فخافت عليه، وقالت:
كلانا مظهر للناس بغضا … وكل عند صاحبه مكين
فسري عنه، وقالت: إنما أردت أن أمتحنك، وأنا معطية لله عهدا لا
стр. 1873
جالست بعد اليوم أحدا سواك، فانصرف وأنشأ يقول:
أظن هواها تاركي بمضلة … من الأرض لا مال لدي ولا أهل (١)
ولا أحد أقضي إليه وصيتي … ولا وارث إلا المطية والرحل
محا حبها حب الألى كن قبلها … وحلت مكانا لم يكن حل من قبل
قلت: ثم اشتد بلاؤه بها، وشغفته حبا، ووسوس في عقله، فذكر أبو عبيدة أن المجنون كان يجلس في نادي قومه وهم يتحدثون، فيقبل عليه بعضهم، وهو باهت ينظر إليه لا يفهم ما يحدث به، ثم يثوب إليه عقله، فيسأل عن الحديث فلا يعرفه، حتى قال له رجل: إنك لمجنون، فقال:
إني لأجلس في النادي أحدثهم … فأستفيق وقد غالتني الغول
يهوي بقلبي حديث النفس نحوكم … حتى يقول جليسي أنت مخبول.
قال أبو عبيدة: فتزايد به الأمر حتى فقد عقله، فكان لا يقر في موضع، ولا يؤويه رحل، ولا يعلوه ثوب، إلا مزقه، وصار لا يفهم شيئا مما يكلم به إلا أن تذكر له ليلى، فإذا ذكرت له أتى بالبدائه.
وقد قيل: إن قوم ليلى شكوا منه إلى السلطان، فأهدر دمه، ثم إن قومها ترحلوا من تلك الناحية، فأشرف فرأى ديارهم بلاقع (٢)، فقصد منزلها، وألصق صدره به، وجعل يمرغ خديه على التراب، ويقول:
أيا حرجات الحي حيث تحملوا … بذي سلم لا جادكن ربيع (٣)
وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى … بلين بلى لم تبلهن ربوع
ندمت على ما كان مني ندامة … كما ندم المغبون حين يبيع (٤)
قال ابن المرزبان: قال أبو عمرو الشيباني: لما ظهر من المجنون ما ظهر، ورأى قومه ما ابتلي به اجتمعوا إلى أبيه، وقالوا: يا هذا، ترى ما بابنك، فلو خرجت به إلى مكة فعاذ ببيت الله، وزار قبر رسوله، ودعا الله
стр. 1874
رجونا أن يعافى. فخرج به أبوه حتى أتى مكة، فجعل يطوف به ويدعو الله له، وهو يقول:
دعا المحرمون الله يستغفرونه … لمكة وهنا أن يحط ذنوبها
فناديت أن يا رب أول سؤلتي … لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
فإن أعط ليلى في حياتي لا يتب … إلى الله خلق توبة لا أتوبها
حتى إذا كان بمنى نادى مناد من بعض تلك الخيام: يا ليلى، فخر مغشيا عليه، واجتمع الناس حوله، ونضحوا على وجهه الماء، وأبوه يبكي، فأفاق وهو يقول:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى … فهيج أطراب الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما … أطار بليلى طائرا كان في صدري
ونقل ابن الأعرابي قال: لما شبب المجنون بليلى وشهر بحبها اجتمع أهلها ومنعوه منها ومن زيارتها، وتوعدوه بالقتل، وكان يأتي امرأة تتعرف له خبرها، فنهوا تلك المرأة.
وكان يأتي غفلات الحي في الليل، فسار أبو ليلى في نفر من قومه، فشكوا إلى مروان ما ينالهم من قيس بن الملوح، وسألوه الكتاب إلى عامله عليهم يمنعه عنهم ويتهدده، فإن لم ينته أهدر دمه. فلما ورد الكتاب على عامل مروان، بعث إلى قيس وأبيه وأهل بيته، فجمعهم وقرأ عليهم الكتاب، وقال لقيس: اتق الله في نفسك! فانصرف وهو يقول:
ألا حجبت ليلى وآلى أميرها … علي يمينا جاهدا لا أزورها
وأوعدني فيها رجال أبوهم … أبي وأبوها خشنت لي صدورها
على غير شيء غير أني أحبها … وأن فؤادي عند ليلى أسيرها (١)
فلما يئس منها صار شبيها بالتائه، وأحب الخلوة وحديث النفس، وجزعت هي أيضا لفراقه وضنيت.
стр. 1875
ويروى أن أبا المجنون قيده فجعل يأكل لحم ذراعيه ويضرب بنفسه، فأطلقه، فكان يدور في الفلاة عريانا.
وله:
كأن القلب ليلة قيل يغدى … بليلى العامرية أو يراح
قطاة غرها شرك فباتت … تجاذبه وقد علق الجناح
وقيل: إن ليلى زوجت، فجاء المجنون إلى زوجها، فقال:
بربك هل ضممت إليك ليلى … قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفت عليك قرون ليلى … رفيف الأقحوانة في نداها
فقال: اللهم، إذ حلفتني فنعم. وكان بين يدي الزوج نار يصطلي بها، فقبض المجنون بكلتي يديه من الجمر، فلم يزل حتى سقط مغشي عليه.
وكانت له داية يأنس بها، فكانت تحمل إليه إلى الصحراء رغيفا وكوزا، فربما أكل وربما تركه، حتى جاءته يوما فوجدته ملقى بين الأحجار ميتا، فاحتملوه إلى الحي فغسلوه فدفنوه، وكثر بكاء النساء والشباب عليه، واشتد نشيجهم.
قال ابن الجوزي في المنتظم: روينا أنه كان يهيم في البرية مع الوحش يأكل من بقل الأرض، وطال شعره، وألفته الوحش، وساح حتى بلغ حدود الشام، فكان إذا ثاب إليه عقله، سأل من يمر من أحياء العرب عن نجد، فيقال له: أين أنت من نجد، أنت قد شارفت الشام، فيقول: أروني الطريق، فيدلونه.
وشعر المجنون كثير سائر، وهو في الطبقة العليا في الحسن والرقة، وكان معاصراُ لقيس بن ذريح صاحب لبنى، وكان في إمرة ابن الزبير، والله أعلم.
٨٩ - ن: كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، أحد كتاب المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الأمصار.
روى عن عثمان، وأبي بن كعب.
روى عنه محمد بن سيرين، وقال النسائي: روى عنه الزهري مرسلا لم يلحقه؛ فإن كثيرا أصيب يوم الحرة،
стр. 1876
وروى عنه ابنه (١).
٩٠ - د ن: محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب، أبو القاسم الكندي الكوفي، ابن أم فروة أخت أبي بكر الصديق لأبيه، تزوج بها الأشعث في أيام أبي بكر.
حدث عن عمر، وعثمان، وعائشة.
روى عنه الشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وابنه قيس بن محمد، وغيرهم.
ووفد على معاوية.
ومولده في حدود سنة ثلاث عشرة، وكان شريفا مطاعا في قومه، قتل مع مصعب في سنة سبع وستين، فأقام ابنه مقامه (٢).
٩١ - محمد بن أبي بن كعب، أبو معاذ الأنصاري.
ولد في حياة النبي ﷺ ، وحدث عن أبيه، وعمر.
روى عنه: الحضرمي بن لاحق، وبسر بن سعيد.
وكان ثقة، قتل بالحرة (٣).
٩٢ - د: محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي.
حنكه النبي ﷺ بريقه.
وروى عن رسول الله ﷺ ، وأبيه، وسالم مولى أبي حذيفة.
روى عنه ابناه إسماعيل ويوسف ويعقوب بن عمر قتادة (٤)، وأرسل عنه الزهري.
قتل يوم الحرة (٥).
٩٣ - ن: محمد بن عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري النجاري.
ولد في حياة النبي ﷺ ، وقيل: إنه هو الذي كناه أبا عبد الملك.
روى
стр. 1877
عن أبيه، وعمر، وعمرو بن العاص. روى عنه ابنه أبو بكر، وعمر بن كثير بن أفلح. أصيب يوم الحرة.
الواقدي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أنه اشترى مطرف خز بسبعمائة، فكان يلبسه.
وعن محمد بن أبي بكر بن حزم، قال: صلى محمد بن عمرو بن حزم يوم الحرة، وجراحه تثعب دما، وما قتل إلا نظما بالرماح.
وعن محمد بن عمرو أنه كان يرفع صوته: يا معشر الأنصار أصدقوهم الضرب، فإنهم يقاتلون على طمع دنياهم، وأنتم تقاتلون على الآخرة، ثم جعل يحمل على الكتيبة منهم فيفضها حتى قتل.
وعن عبد الله بن أبي بكر، قال: وأكثر محمد بن عمرو في أهل الشام القتل يوم الحرة، كان يحمل على الكردوس منهم فيفضه، وكان فارسا، ثم حملوا عليه حتى نظموه بالرماح، فلما وقع انهزم الناس (١).
٩٤ - مالك بن عياض المدني، يعرف بمالك الدار.
سمع أبا بكر، وعمر، ومعاذ بن جبل. روى عنه ابناه عون وعبد الله، وأبو صالح السمان، وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع.
وكان خازنا لعمر ﵁.
٩٥ - د ت ق: مالك بن هبيرة السكوني.
له صحبة ورواية حديث واحد.
روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، وأبو الأزهر المغيرة بن فروة. وولي لمعاوية حمص، وكان على الرجالة يوم مرج راهط مع مروان (٢).
٩٦ - خ ٤: مالك بن يخامر السكسكي الحمصي.
يقال: له صحبة، وكان ثقة كبير القدر متألها.
روى عن معاذ، وعبد الرحمن بن عوف.
حدث عنه معاوية على المنبر، وجبير بن نفير، وعمير بن هانئ، ومكحول، وسليمان بن موسى، وخالد بن معدان،
стр. 1878
وآخرون.
قال أبو مسهر: أكبر أصحاب معاذ: مالك بن يخامر، كان رأس القوم.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي (١): تابعي ثقة.
قال أبو عبيد: توفي سنة تسع وستين. وقال غيره سنة سبعين (٢).
٩٧ - المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب، الذي خرج بالكوفة، وتتبع قتلة الحسين فقتلهم.
قال النبي ﷺ : يكون في ثقيف كذاب ومبير فكان أحدهما المختار، كذب على الله وادعى أن الوحي يأتيه، والآخر: الحجاج.
قال أحمد في مسنده (٣): حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا عيسى بن عمر، قال: حدثنا السدي، عن رفاعة الفتياني، قال: دخلت على المختار، فألقى لي وسادة، وقال: لولا أن جبريل قام عن هذه لألقيتها لك، فأردت أن أضرب عنقه، فذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق قال: قال رسول الله ﷺ : أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله، فأنا من القاتل بريء.
مجالد، عن الشعبي قال: أقرأني الأحنف كتاب المختار إليه، يزعم فيه أنه نبي.
قلت: قتل في رمضان سنة سبع وستين مقبلا غير مدبر في هوى نفسه، كما قدمنا.
٩٨ - خ ٤: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الملك القرشي الأموي، وقيل: أبو القاسم، ويقال: أبو الحكم.
ولد بمكة بعد ابن الزبير بأربعة أشهر، ولم يصح له سماع من رسول الله ﷺ ، لكن له رؤية إن شاء الله.
стр. 1879
وقد روى عن النبي ﷺ حديث الحديبية بطوله وفيه إرسال، لكن أخرجه البخاري (١).
وروى أيضا عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت.
روى عنه: سهل بن سعد صاحب رسول الله ﷺ ، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، وابنه عبد الملك، ومجاهد.
وكان كاتب ابن عمه عثمان، وولي إمرة المدينة والموسم لمعاوية غير مرة، وبايعوه بالخلافة بعد معاوية بن يزيد، وحارب الضحاك بن قيس، فقتل الضحاك في المصاف، وسار إلى مصر، فاستولى عليها وعلى الشام، وكان ابن الزبير مستوليا على الحجاز كله والعراق وخراسان وغير ذلك في ذلك الوقت.
وقال ابن سعد (٢): توفي النبي ﷺ ولمروان ثمان سنين، ولم يحفظ عنه شيئا، وأمه آمنة بنت علقمة الكنانية.
وقال الواقدي: أسلم الحكم في الفتح وقدم المدينة، فطرده النبي ﷺ ، فنزل الطائف، فلما قبض النبي ﷺ قدم المدينة، ومات زمن عثمان، فصلى عليه، وضرب على قبره فسطاطا.
وقد ذكرنا أن مروان كان من أكبر الأسباب التي دخل بها الداخل على عثمان، لأنه زور على لسانه كتابا في شأن محمد بن أبي بكر.
وقال ابن أبي السري: كان مروان قصيرا، أحمر الوجه، أوقص، دقيق العنق، كبير الرأس واللحية، وكان يلقب خيط باطل لدقة عنقه.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: لما انهزم الناس يوم الجمل؛ كان علي يسأل عن مروان، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنك لتسأل عنه؟ قال: يعطفني عليه رحم ماسة وهو مع ذلك سيد من شباب قريش.
وقال عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: بعثني زياد إلى
стр. 1880
معاوية في حوائج، فقلت: من ترى لهذا الأمر من بعدك؟ فسمى جماعة، ثم قال: وأما القارئ لكتاب الله، الفقيه في ين الله، الشديد في حدود الله: مروان.
وقال أحمد بن حنبل: يقال: كان عند مروان قضاء، وكان يتبع قضاء عمر.
وقال يونس، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: إن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة، وقدمت المدينة تستفتي، فجاءت ابن عمر، فقال: لا أعلم في النذر إلا الوفاء، قالت: أفأنحر ابني؟ قال: قد نهى الله عن ذلك. فجاءت ابن عباس فقال: أمر الله بوفاء بالنذر، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم، وقد كان عبد المطلب نذر إن توافى له عشرة رهط أن ينحر أحدهم، فلما توافوا أقرع بينهم، فصارت القرعة على عبد الله، وكان أحبهم إليه، فقال: اللهم، أهو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بين المائة وبينه، فصارت القرعة على الإبل، فأرى أن تنحري مائة من الإبل مكان ابنك، فبلغ الحديث مروان وهو أمير المدينة فقال: ما أراهما أصابا، إنه لا نذر في معصية الله، فاستغفري الله وتوبي إليه، واعملي ما استطعت من الخير، فسر الناس بذلك وأعجبهم قوله، ولم يزل الناس يفتون بأنه لا نذر في معصية الله.
وقال الواقدي: حدثني شرحبيل بن أبي عون، عن عياش بن عباس قال: حدثني من حضر ابن البياع الليثي يوم الدار يبارز مروان فكأني أنظر إلى قبائه قد أدخل طرفيه في منطقته، وتحت القباء الدرع، فضرب مروان على قفاه ضربة قطع علابي رقبته، ووقع لوجهه، فأرادوا أن يذففوا عليه، فقيل: أتبضعون اللحم، فترك.
قال الواقدي: وحدثني حفص بن عمر، عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، وذكر مروان، فقال: والله لقد ضربت كعبه، فما أحسبه إلا قد مات، ولكن المرأة أحفظتني، قالت: ما تصنع بلحمه أن تبضعه، فأخذني الحفاظ، فتركته.
стр. 1881
وقال خليفة (١): إن مروان ولي المدينة سنة إحدى وأربعين.
وقال ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: كان مروان أميرا علينا ست سنين، فكان يسب عليا ﵁ كل جمعة على المنبر، ثم عزل بسعيد بن العاص فبقي سنتين، فكان لا يسبه، ثم أعيد مروان، فكان يسبه، فقيل للحسن: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فجعل لا يرد شيئا، قال: وكان الحسن يجيء يوم الجمعة، ويدخل في حجرة النبي صلى الله عليه سلم فيقعد فيها، فإذا قضيت الخطبة خرج فصلى، فلم يرض بذلك حتى أهداه له في بيته، قال: فإنا لعنده إذ قيل: فلان بالباب، قال: ائذن له، فوالله إني لأظنه قد جاء بشر، فأذن له فدخل، فقال: يا حسن، إني جئتك من عند سلطان وجئتك بعزمة، قال: تكلم؟ قال: أرسل مرون ويل بعلي وبعلي وبعلي، وبك وبك وبك، وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة، يقال لها: من أبوك، فتقول: أمي الفرس، قال: ارجع إليه فقل له: إني والله لا أمحو عنك شيئا مما قلت، فلن أسبك، ولكن موعدي وموعدك الله، فإن كنت صادقاُ فجزاك الله بصدقك، وإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة، وقد أكرم الله جدي أن يكون مثله، أو قال مثلي مثل البغلة، فخرج الرجل، فلما كان في الحجرة لقي الحسين، فقال: ما جئت به؟ قال: رسالة. قال: والله لتخبرني أو لآمرن بضربك، فقال: ارجع، فرجع، فلما رآه الحسن، قال: أرسله، قال: إني لا أستطيع، قال: لم؟ قال: إني قد حلفت، قال: قد لج فأخبره، فقال: أكل فلان بظر أمه إن لم تبلغه عني ما أقول له: قل له: ويل بك وبأبيك وقومك، وآية بيني وبينك أن يمسك منكبيك من لعنه رسول الله ﷺ ، قال: فقال وزاد.
وقال حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيى، قال: كنت بين الحسن والحسين ومروان، والحسين يساب مروان، فجعل الحسن ينهاه، فقال مروان: إنكم أهل بيت ملعونون، فغضب الحسن، وقال: ويلك، قلت هذا، فوالله لقد لعن الله أباك على لسان نبيه وأنت في صلبه. رواه جرير، عن عطاء، عن أبي يحيى النخعي.
стр. 1882
وقال حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: إن الحسن والحسين كان يصليان خلف مروان، فقيل: أما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما؟ قالا: لا والله.
وقال الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا، ودين الله دغلا، وعباد الله خولا (١).
سنده ضعيف، وكان عطية مع ضعفه شيعيا غاليا، لكن الحديث من قول أبي هريرة رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عنه.
وقد روى أبو المغيرة، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد قال: قال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا بلغت بنو أمية أربعين رجلا اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا، وكتاب الله دغلا. إسناده منقطع (٢).
وذكر عوانة بن الحكم، أن مروان قدم ببني أمية على حسان بن مالك بن بحدل وهو بالجابية، فقال: أتيتني بنفسك إذ أبيت أن آتيك، والله لأجادلن عنك في قبائل اليمن، أو أسلمها إليك، فبايع حسان أهل الأردن لمروان، على أن يبايع مروان لخالد بن يزيد، وله إمرة حمص، ولعمرو بن سعيد إمرة دمشق، وذلك في نصف ذي القعدة.
وقال أبو مسهر: بايع مروان أهل الأردن وطائفة من أهل دمشق، وسائر الناس زبيريون، ثم اقتتل مروان وشيعة ابن الزبير يوم راهط فظفر مروان وغلب على الشام ومصر، وبقي تسعة أشهر، ومات.
قال الليث: توفي في أول رمضان.
وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: تذكر مروان يوما، فقال: قرأت كتاب الله منذ أربعين سنة، ثم أصبحت فيما أنا فيه من هرق الدماء، وهذا الشأن.
стр. 1883
وقال ابن سعد (١): كانوا ينقمون على عثمان تقريب مروان وتصرفه، وكان كاتبه، وسار مع طلحة والزبير يطلبون بدم عثمان، وقاتل يوم الجمل أشد قتال، فلما رأى الهزيمة رمى طلحة بسهم فقتله، وقد أصابته جراح يومئذ، وحمل إلى بيت امرأة، فداووه واختفى، فأمنه علي، فبايعه وانصرف إلى المدينة، وأقام بها حتى استخلف معاوية، وقد كان يوم الحرة مع مسلم بن عقبة، وحرضه على أهل المدينة، قال: وكان قد أطمع خالد بن يزيد ثم بدا له، وعقد لولديه عبد الملك وعبد العزيز، فأخذ يضع منه ويزهد الناس فيه، وكان يجلس معه، فدخل يوما فزبره، وقال: تنح يا ابن رطبة الإست، والله ما لك عقل، فأضمرت أمه السوء لمروان، فدخل عليها، فقال: هل قال لك خالد شيئا؟ فأنكرت، وكان قد تزوج بها، فنام فوثبت هي وجواريها فعمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه، وغمرته هي والجواري حتى مات، ثم صرخن وقلن مات فجاءة.
وقال الهيثم بن مروان العنسي: مات مطعونا بدمشق (٢).
٩٩ - مسلم بن عقبة، الذي يقال له: مسرف بن عقبة، بن رباح بن أسعد، أبو عقبة المري.
أدرك النبي ﷺ ، وشهد صفين على الرجالة مع معاوية، وهو صاحب وقعة الحرة، وداره بدمشق موضع فندق الخشب الكبير قبلي دار البطيخ، التي تحت مسجد السلاليين هلك بالمشلل بين مكة والمدينة، وهو قاصد إلى قتال ابن الزبير لسبع بقين من المحرم سنة أربع وستين.
وروى المدائني، عن محمد بن عمر، أظنه الواقدي، قال: قال ذكوان مولى مروان: شرب مسلم بن عقبة دواء بعدما أنهب المدينة، ودعا بالغداء، فقال له الطبيب: لا تعجل، قال: ويحك إنما كنت أحب البقاء حتى أشفي نفسي من قتلة أمير المؤمنين عثمان، فقد أدركت ما أردت، فليس شيء أحب إلي من الموت على طهارتي، فإني لا أشك أن الله قد طهرني من ذنوبي بقتل هؤلاء الأرجاس.
стр. 1884
وقال الواقدي: حدثني الضحاك بن عثمان، عن جعفر بن خارجة، قال: خرج مسرف بن عقبة يريد مكة وتبعته أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة تسير وراءهم، ومات مسرف فدفن بثنية المشلل، فنبشته ثم صلبته على المشلل.
قال الزبير بن بكار: وكان قد قتل مولاها أبا ولدها. وقيل: إنها نبشته، فوجدت ثعبانا يمص أنفه، وأنها أحرقته، فرضي الله عنها وشكر سعيها (١).
١٠٠ - ع: مسروق بن الأجدع، واسم الأجدع عبد الرحمن بن مالك بن أمية، أبو عائشة الهمداني، ثم الوادعي الكوفي.
مخضرم، سمع أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وابن مسعود، ومعاذا، وأبي بن كعب، وخباب بن الأرت، وعائشة، وطائفة.
روى عنه أبو وائل، وسعيد بن جبير، وأبو الضحى، وإبراهيم النخعي، ويحيى بن وثاب، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الله بن مرة، وآخرون.
وقدم الشام في طلب العلم، وشهد الحكمين، فقال روح بن عبادة: حدثني المثنى القصير، عن محمد بن المنتشر، عن مسروق قال: كنت مع أبي موسى أيام الحكمين، وفسطاطي إلى جنب فسطاطه، فأصبح الناس ذات يوم قد لحقوا بمعاوية من الليل، فلما أصبح أبو موسى رفع رفرف فسطاطه، فقال: يا مسروق بن الأجدع، قلت: لبيك أبا موسى، قال: إن الإمارة ما اؤتمر فيها، وإن الملك ما غلب عليه بالسيف.
وقال ابن سعد (٢): كان مسروق ثقة، له أحاديث صالحة، وقد روى عن عمر، وعلي، وأُبي، وعبد الله، ولم يرو عن عثمان شيئا.
وقال البخاري (٣): رأى أبا بكر.
وقال أبو حاتم الرازي (٤): روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.
стр. 1885
وقال مجالد، عن الشعبي، عن مسروق: قدمت على عمر، فقال: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الأجدع شيطان. أنت مسروق بن عبد الرحمن (١).
وقال أبو داود السجستاني: كان الأجدع أفرس فارس باليمن، وابنه مسروق ابن أخت عمرو بن معدي كرب.
وقال ابن عيينة: حدثنا أيوب بن عائذ الطائي، قال: قلت للشعبي: رجل نذر أن ينحر ابنه، قال: لعلك من القياسين، ما علمت أحدا من الناس كان أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق، قال: لا نذر في معصية.
وقال علي ابن المديني: ما أقدم على مسروق أحدا من أصحاب عبد الله، صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر، وعليا، ولم يرو عن عثمان شيئا.
وعن مسروق، قال: اخلتفت إلى عبد الله من رمضان إلى رمضان، ما أغبه يوما.
وقال مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: قالت عائشة: يا مسروق إنك من ولدي، وإنك لمن أحبهم إلي، فهل عندك علم بالمخدج. فذكر الحديث.
وقال مالك بن مغول: سمعت أبا السفر يقول: ما ولدت همدانية مثل مسروق.
وقال منصور، عن إبراهيم، قال: كان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلمونهم السنة: علقمة، والأسود، وعبيدة، ومسروق، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل.
وقال عبد الملك بن أبجر، عن الشعبي، قال: كان مسروق أعلم
стр. 1886
بالفتوى من شريح، وشريح أعلم منه بالقضاء، وكان شريح يستشير مسروقا، وكان مسروق لا يستشير شريحا.
وقال سفيان الثوري: بقي مسروق بعد علقمة لا يفضل عليه أحد.
وقال عاصم، عن الشعبي: إن عبيد الله بن زياد حين قدم الكوفة، قال: أي أهل الكوفة أفضل؟ قالوا: مسروق.
وعن الشعبي، قال: إن كان أهل بيت خلقوا للجنة فهؤلاء: الأسود، وعلقمة، ومسروق.
وقال خليفة (١): لم يزل شريح على قضاء الكوفة، فأحدره معه زياد إلى البصرة، فقضى مسروق حتى رجع شريح، وذكر أن شريحا غاب سنة.
وقال الأعمش، عن القاسم، قال: كان مسروق لا يأخذ على القضاء رزقا.
عارم: حدثنا حماد، عن مجالد: أن مسروقا قال: لأن أقضي بقضية فأوافق الحق أحب إلي من رباط سنة في سبيل الله .
وقال مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: لأن أفتي يوما بعدل وحق، أحب إلي من أن أغزو في سبيل الله سنة.
وقال شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ابن أخي مسروق: إن خالد بن عبد الله بن أسيد عامل البصرة أهدى إلى مسروق ثلاثين ألفا، وهو يومئذ محتاج، فلم يقبلها.
وقال يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، قال: أصبح مسروق يوما وليس لعياله رزق، فجاءته امرأته قمير، فقالت: يا أبا عائشة، إنه ما أصبح لعيالك اليوم رزق، فتبسم، وقال: والله ليأتينهم الله برزق.
وقال سالم بن أبي الجعد: كلم مسروق زيادا لرجل في حاجة، فبعث إليه بوصيف، فرده، وحلف ألا يكلم له في حاجة أبدا.
وقال الأصمعي: سمعت أشياخنا يقولون: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين: عامر بن عبد قيس، وهرم بن حيان، وأويس القرني، وأبي
стр. 1887
مسلم الخولاني، والأسود، ومسروق، والحسن البصري، والربيع بن خثيم.
وقال إسرائيل: حدثنا أبو إسحاق أن مسروقا زوج بنته بالسائب بن الأقرع على عشرة آلاف اشترطها لنفسه، وقال: جهز أنت امرأتك من عندك، وجعلها مسروق في المجاهدين والمساكين.
وقال الأعمش، عن أبي الضحى، قال: غاب مسروق في السلسلة سنتين. يعني عاملا عليها، فلما قدم نظر أهله في خرجه فأصابوا فأسا بغير عود، فقالوا: غبت سنتين، ثم جئتنا بفأس بغير عود؟ قال: إنا لله، تلك فأس استعرناها، نسينا نردها.
وقال الشعبي: بعثه ابن زياد إلى السلسلة، فانطلق، فمات بها.
وقال الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، قال: والله ما عملت عملا أخوف عندي أن يدخلني النار من عملكم هذا، وما بي أن أكون ظلمت فيه مسلما ولا معاهدا دينارا ولا درهما، ولكن ما أدري ما هذا الحبل الذي لم يسنه رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، قيل: فما حملك؟ قال: لم يدعني زياد، ولا شريح، ولا الشيطان، حتى دخلت فيه.
وقال سعيد بن جبير: قال لي مسروق: ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب وما آسى على شيء إلا السجود لله تعالى.
وقال أبو إسحاق: حج مسروق، فما نام إلا ساجدا حتى رجع.
وقال هشام بن حسان، عن محمد، عن امرأة مسروق، قالت: ما كان مسروق يوجد إلا وساقاه قد انتفختا من طول القيام، وإن كنت لأجلس خلفه، فأبكي رحمة له. ورواه أنس بن سيرين، عن امرأة مسروق.
وقال أبو الضحى، عن مسروق: إنه سئل عن بيت شعر فقال: أكره أن أجد في صحيفتي شعرا.
وقال هشام ابن الكلبي، عن أبيه قال: شلت يد مسروق يوم القادسية، وأصابته آمة (١).
وقال أبو الضحى، عن مسروق، وكان رجلا مأموما، قال: ما أحب
стр. 1888
أنها ليست بي، لعلها لو لم تكن بي، كنت في بعض هذه الفتن.
وقال وكيع: لم يتخلف عن علي من الصحابة إلا سعد، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومن التابعين: مسروق، والأسود، والربيع بن خثيم، وأبو عبد الرحمن السلمي.
وقال عمرو بن مرة، عن الشعبي قال: كان مسروق إذا قيل له: أبطأت عن علي وعن مشاهده، ولم يكن شهد معه، يقول: أذكركم الله، أرأيتم لو أنه صف بعضكم لبعض، وأخذ بعضكم على بعض السلاح، يقتل بعضكم بعضا، فنزل ملك بين الصفين فقال هذه الآية: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أكان ذلك حاجزا لكم؟ قالوا: نعم، قال: فوالله لقد نزل بها ملك كريم، على لسان نبيكم، وإنها لمحكمة ما نسخها شيء.
وقال عاصم بن أبي النجود: ذكر أن مسروقا أتى صفين، فوقف بين الصفين، ثم قال: أرأيتم لو أن مناديا، فذكر نحوه، ثم ذهب.
وعن ابن أبي ليلى قال: شهد مسروق النهروان مع علي.
وقال شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر، قال: ما مات مسروق حتى استغفر الله من تخلفه عن علي.
قال أبو نعيم: توفي مسروق سنة اثنتين وستين.
وقال المدائني، وابن نمير، ومحمد بن سعد (١): سنة ثلاث.
وقال أبو شهاب الحناط: هو مدفون بالسلسلة بواسط (٢).
١٠١ - د: مسلمة بن مخلد بن الصامت الأنصاري الخزرجي، أبو معن، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو معاوية، ويقال أبو معمر.
له صحبة ورواية. قال: توفي رسول الله ﷺ ولي عشر سنين.
روى عنه: أبو أيوب الأنصاري مع جلالته، ومحمود بن لبيد، ومحمد بن سيرين، ومجاهد، وعلي بن رباح، وأبو قبيل حيي بن هانئ، وعبد الرحمن بن شماسة، وشيبان بن أمية وآخرون.
стр. 1889
وكان من أمراء معاوية يوم صفين، كان على أهل فلسطين، وقيل: لم يفد على معاوية إلا بعد انقضاء صفين، ولي إمرة مصر لمعاوية وليزيد. وذكر أن له صحبة جماعة؛ منهم: ابن سعد (١)، وأبو سعيد بن يونس، والدارقطني.
وقال ابن أبي حاتم (٢): كان البخاري كتب أن لمسلمة بن مخلد صحبة، فغير أبي ذلك، وقال: ليست له صحبة.
وقال ابن مهدي، ومعن بن عيسى، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن مسلمة: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأنا ابن أربع سنين، وتوفي وأنا ابن أربع عشرة.
وقال وكيع: عن موسى بخلاف ذلك، عن أبيه، عن مسلمة، فقال: ولدت حين قدم رسول الله ﷺ المدينة.
ورجح الإمام أحمد في ذلك إلى قول ابن مهدي، وقال: هو أقرب عهدا بالكتاب.
وقال الليث بن سعد: وفي سنة سبع وأربعين نزع عقبة بن عامر عن مصر، وولي مسلمة، فبقي عليها إلى أن مات.
وقال مجاهد: صليت خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ بسورة البقرة، فما ترك واوا ولا ألفا.
وقال الليث: توفي سنة اثنتين وستين.
وقال ابن يونس: في ذي القعدة بالإسكندرية (٣).
١٠٢ - المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن قصي بن كلاب، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان الزهري، ابن عاتكة أخت عبد الرحمن بن عوف.
له صحبة ورواية، وروى أيضا عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخاله.
روى عنه علي بن الحسين، وعروة، وسليمان بن يسار، وابن أبي
стр. 1890
مليكة، وولداه عبد الرحمن، وأم بكر، وعبد الله بن حنين، وعمرو بن دينار.
وقدم بريدا لدمشق من عثمان إلى معاوية أيام حصر عثمان، ووفد على معاوية في خلافته، وكان ممن يلزم عمر ويحفظ عنه، وانحاز إلى مكة كابن الزبير، وكره إمرة يزيد، وأصابه حجر منجنيق لما حاصر الحصين بن نمير ابن الزبير.
قال الزبير بن بكار (١): وكانت الخوارج تغشاه وتعظمه وينتحلون رأيه، حتى قتل تلك الأيام.
وقال أبو عامر العقدي: أخبرنا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر: أن أباها احتكر طعاما، فرأى سحابا من سحاب الخريف فكرهه، فلما أصبح جاء إلى السوق فقال: من جاءني وليته، فبلغ ذلك عمر، فأتاه بالسوق فقال: أجننت يا مسور؟ قال: لا والله، ولكني رأيت سحابا من سحاب الخريف، فكرهته، فكرهت أن أربح فيه، وأردت أن لا أربح فيه، فقال عمر: جزاك الله خيرا.
وقال إسحاق الكوسج (٢): قال ابن معين: مسور بن مخرمة ثقة.
إنما كتبت هذا للتعجب، فإنهم متفقون على صحبة المسور، وأنه سمع من النبي ﷺ .
وقال ابن وهب: حدثنا حيوة، قال: حدثنا عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة: أن المسور أخبره: أنه قدم على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: يا مسور، ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعنا من هذا، وأحسن فيما قدمنا له، قال معاوية: والله لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي، قال: فلم أترك شيئا أعيبه عليه إلا بينته له، فقال: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا يا مسور مما نلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك الإحسان؟ قلت: لا والله ما نذكر إلا ما نرى من الذنوب، فقال: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفر الله لك؟ قال: نعم، قال:
стр. 1891
فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب، إلا أن يعفو الله عنها، وإني أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها من الأجر، وألي أمورا عظاما من إقامة الصلاة، والجهاد، والحكم بما أنزل الله. قال: فعرفت أنه قد خصمني لما ذكر ذلك. قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه.
وعن أم بكر بنت المسور أن المسور كان يصوم الدهر، وكان إذا قدم مكة طاف لكل يوم غاب عنها سبعا، وصلى ركعتين.
وقال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عمته أم بكر بنت المسور، عن أبيها، أنه وجد يوم القادسية إبريق ذهب عليه الياقوت والزبرجد، فلم يدر ما هو، فلقيه فارسي فقال: آخذه بعشرة آلاف، فعرف أنه شيء، فبعث به إلى سعد بن أبي وقاص، فنفله إياه، وقال: لا تبعه بعشرة آلاف، فباعه له سعد بمائة ألف، ودفعها إلى المسور، ولم يخمسها.
وعن عطاء بن يزيد الليثي قال: لحق المسور بابن الزبير بمكة، فكان ابن الزبير لا يقطع أمرا دونه.
قال الواقدي: وحدثني شرحبيل بن أبي عون. عن أبيه قال: لما دنا الحصين بن نمير أخرج المسور سلاحا قد حمله من المدينة ودروعا، ففرقها في موال له كهول فرس جلد، فدعاني، ثم قال لي: يا مولى عبد الرحمن بن مسور، قلت: لبيك، قال: اختر درعا، فاخترت درعا وما يصلحها، وأنا يومئذ غلام حدث، فرأيت أولئك الفرس غضبوا وقالوا: تخيره علينا؟ والله لو جد الجد تركك، فقال: لتجدن عنده حزما، فلما كان القتال أحدقوا به، ثم انكشفوا عنه، واختلط الناس، والمسور يضرب بسيفه، وابن الزبير في الرعيل الأول يرتجز قدما، ومعه مصعب بن عبد الرحمن بن عوف يفعلان الأفاعيل، إلى أن أحدقت جماعة منهم بالمسور، فقام دونه مواليه، فذبوا عنه كل الذب، وجعل يصيح بهم، فما خلص إليه، ولقد قتلوا من أهل الشام يومئذ نفرا.
стр. 1892
قال: وحدثني عبد الله بن جعفر، عن أم بكر، وأبي عون قالا: أصاب المسور حجر المنجنيق، ضرب البيت فانفلق منه فلقة، فأصابت خد المسور وهو قائم يصلي، فمرض منها أياما، ثم مات في اليوم الذي جاء فيه نعي يزيد، وابن الزبير يومئذ لا يسمى بالخلافة، بل الأمر شورى.
زادت أم بكر: كنت أرى العظام تنزع من صفحته، وما مكث إلا خمسة أيام ومات. فذكرته لشرحبيل بن أبي عون فقال: حدثني أبي قال: قال لي المسور: هات درعي، فلبسها، وأبى أن يلبس المغفر، قال: وتقبل ثلاثة أحجار، فيضرب الأول الركن الذي يلي الحجر فخرق الكعبة حتى تغيب، ثم اتبعه الثاني في موضعه، ثم الثالث فينا، وتكسر منه كسرة، فضربت خد المسور وصدغه الأيسر، فهشمته هشما، فغشي عليه، واحتملته أنا ومولى له، وجاء الخبر ابن الزبير، فأقبل يعدو، فكان فيمن حمله، وأدركنا مصعب بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير، فمكث يومه لا يتكلم، فأفاق من الليل، وعهد ببعض ما يريد، وجعل عبيد بن عمير يقول: يا أبا عبد الرحمن كيف ترى في قتال هؤلاء؟ فقال: على ذلك قتلنا، فكان ابن الزبير لا يفارقه بمرضه حتى مات، فولي ابن الزبير غسله، وحمله فيمن حمله إلى الحجون، وإنا لنطأ به القتلى ونمشي بين أهل الشام، فصلوا معنا عليه.
قلت: لأنهم علموا يومئذ بموت يزيد، وكلم حصين بن نمير عبد الله بن الزبير في أن يبايعه بالخلافة، وبطل القتال بينهم.
وعن أم بكر قالت: ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين، وبها توفي لهلال ربيع الآخر سنة أربع وستين.
وقال الهيثم: توفي سنة سبعين، وهو غلط منه.
وقال المدائني: مات سنة ثلاث وسبعين من حجر المنجنيق، فوهم أيضا، اشتبه عليه بالحصار الأخير. وتابعه يحيى بن معين. وعلى القول الأول جماعة منهم: يحيى بن بكير، وأبو عبيد، والفلاس، وغيرهم (١).
١٠٣ - ت: المسيب بن نجبة بن ربيعة الفزاري، صاحب علي.
سمع عليا، وابنه الحسن، وحذيفة.
روى عنه: عتبة بن أبي عتبة،
стр. 1893
وسوار أبو إدريس، وأبو إسحاق السبيعي.
وقدم مع خالد بن الوليد من العراق، وشهد حصار دمشق، وكان أحد من خرج من الكبار في جيش التوابين الذين خرجوا يطلبون بدم الحسين، وقتل بالجزيرة سنة خمس وستين كما ذكرنا بعدما قاتل قتالا شديدا (١).
١٠٤ - مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.
أحد الكبار الذين كانوا مع ابن الزبير، وقتل معه في الحصار سنة أربع وستين.
كان مصعب هذا قد ولي قضاء المدينة، وشرطتها في إمرة مروان عليها، ثم لحق بابن الزبير، وكان بطلا شجاعا، له مواقف مشهودة، قتل عدة من الشاميين، ثم توفي، فلما مات هو والمسور دعا ابن الزبير إلى نفسه.
١٠٥ - معاذ بن الحارث أبو حليمة الأنصاري المدني القارئ.
روى عنه ابن سيرين، ونافع مولى ابن عمر.
قالت عمرة: ما كان يوقظنا من الليل إلا قراءة معاذ القارئ. قتل معاذ يوم الحرة (٢).
١٠٦ - ٤: معاوية بن حيدة القشيري جد بهز بن حكيم.
له صحبة ورواية، نزل البصرة ثم غزا خراسان ومات بها.
روى عنه ابنه حكيم، وحميد المزني رجل مجهول.
حديثه في السنن الأربعة، أعني معاوية (٣).
١٠٧ - معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو ليلى.
استخلف بعهد من أبيه عند موته في ربيع الأول، وكان شابا صالحا لم تطل خلافته، وأمه هي أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، ومولده سنة ثلاث وأربعين.
стр. 1894
قال إسماعيل الخطبي: رأيت صفته في كتاب أنه كان أبيض شديدا، كثير الشعر، كبير العينين، أقنى الأنف، جميل الوجه، مدور الرأس.
وعن أبي عبيدة، قال: ولي معاوية بن يزيد ثلاثة أشهر، فلم يخرج إلى الناس، ولم يزل مريضا، والضحاك بن قيس يصلي بالناس.
وقال جرير بن حازم: إن معاوية بن يزيد استخلفه أبوه، فولي شهرين، فلما احتضر قيل: لو استخلفت، فقال: كفلتها حياتي، فأتضمنها بعد موتي؟ وأبى أن يستخلف.
وقال أبو مسهر، وأبو حفص الفلاس: ملك أربعين ليلة، وكذا قال ابن الكلبي.
وقال أبو معشر، وغيره: عاش عشرين سنة. توفي بدمشق (١).
١٠٨ - ٤: معقل بن سنان الأشجعي.
له صحبة ورواية، وكان حامل لواء قومه يوم فتح مكة، وهو راوي حديث بروع.
روى عنه علقمة، ومسروق، والأسود، وسالم بن عبد الله بن عمر، والحسن البصري.
وكان يكون بالكوفة، فوفد على يزيد، فرأى منه قبائح، فسار إلى المدينة وخلع يزيد، وكان من رؤوس أهل الحرة.
قال الحاكم أبو أحمد: كنيته أبو سنان، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو يزيد، من غطفان، قتل صبرا يوم الحرة، فقال الشاعر:
ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها … وأشجع تبكي معقل بن سنان
وقال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن عثمان بن زياد الأشجعي، عن أبيه، عن جده، قال: كان معقل بن سنان قد صحب رسول الله ﷺ ، وحمل لواء قومه يوم الفتح، وكان شابا طريا، وبقي بعد ذلك، فبعثه الوليد بن عتبة أمير المدينة ببيعة يزيد، فقدم الشام في وفد من أهل المدينة، فاجتمع معقل ومسلم بن عقبة فقال، وكان قد آنسه وحادثه: إني خرجت كرها ببيعة هذا، وقد كان من القضاء والقدر خروجي إليه، رجل يشرب الخمر وينكح الحرم، ثم نال منه واستكتمه ذلك، فقال: أما أن أذكر ذلك
стр. 1895
لأمير المؤمنين يومي هذا فلا والله، ولكن لله علي عهد وميثاق إن مكنت منك لأضربن الذي فيه عيناك، فلما قدم مسلم المدينة وأوقع بهم، كان معقل يومئذ على المهاجرين، فأتي به مأسورا، فقال: يا معقل أعطشت؟ قال: نعم، قال: أحضروا له شربة ببلور، ففعلوا، فشرب، وقال: أرويت؟ قال: نعم، قال: أما والله لا تتهنأ بها، يا مفرج قم فاضرب عنقه، فضرب عنقه.
وقال المدائني، عن عوانة، وأبي زكريا العجلاني، عن عكرمة بن خالد: إن مسلما لما دعا أهل المدينة إلى البيعة، يعني بعد وقعة الحرة، قال: ليت شعري ما فعل معقل بن سنان، وكان له مصافيا، فخرج ناس من أشجع، فأصابوه في قصر العرصة، ويقال: في جبل أحد، فقالوا له: الأمير يسأل عنك فارجع إليه، قال: أنا أعلم به منكم، إنه قاتلي، قالوا: كلا، فأقبل معهم، فقال له: مرحبا بأبي محمد، أظنك ظمآنا، وأظن هؤلاء أتعبوك، قال: أجل، قال: شوبوا له عسلا بثلج، ففعلوا وسقوه، فقال: سقاك الله أيها الأمير من شراب أهل الجنة، قال: لا جرم والله لا تشرب بعدها حتى تشرب من حميم جهنم، قال: أنشدك الله والرحم، قال: ألست قلت لي بطبرية وأنت منصرف من عند أمير المؤمنين وقد أحسن جائزتك: سرنا شهرا وخسرنا ظهرا، نرجع إلى المدينة فنخلع الفاسق يشرب الخمر، عاهدت الله تلك الليلة لا ألقاك في حرب أقدر عليك إلا قتلتك، وأمر به فقتل (١).
١٠٩ - ع: معقل بن يسار المزني البصري، ممن بايع تحت الشجرة.
روى عن: النبي ﷺ ، وعن النعمان بن مقرن.
روى عنه عمران بن حصين مع تقدمه، وأبو المليح بن أسامة الهذلي، والحسن البصري، ومعاوية بن قرة، وعلقمة بن عبد الله المزنيان، وغيرهم.
وقال ابن سعد (٢): لا نعلم في الصحابة من يكنى أبا علي سواه.