فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب، إلا أن يعفو الله عنها، وإني أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها من الأجر، وألي أمورا عظاما من إقامة الصلاة، والجهاد، والحكم بما أنزل الله. قال: فعرفت أنه قد خصمني لما ذكر ذلك. قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه.
وعن أم بكر بنت المسور أن المسور كان يصوم الدهر، وكان إذا قدم مكة طاف لكل يوم غاب عنها سبعا، وصلى ركعتين.
وقال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عمته أم بكر بنت المسور، عن أبيها، أنه وجد يوم القادسية إبريق ذهب عليه الياقوت والزبرجد، فلم يدر ما هو، فلقيه فارسي فقال: آخذه بعشرة آلاف، فعرف أنه شيء، فبعث به إلى سعد بن أبي وقاص، فنفله إياه، وقال: لا تبعه بعشرة آلاف، فباعه له سعد بمائة ألف، ودفعها إلى المسور، ولم يخمسها.
وعن عطاء بن يزيد الليثي قال: لحق المسور بابن الزبير بمكة، فكان ابن الزبير لا يقطع أمرا دونه.
قال الواقدي: وحدثني شرحبيل بن أبي عون. عن أبيه قال: لما دنا الحصين بن نمير أخرج المسور سلاحا قد حمله من المدينة ودروعا، ففرقها في موال له كهول فرس جلد، فدعاني، ثم قال لي: يا مولى عبد الرحمن بن مسور، قلت: لبيك، قال: اختر درعا، فاخترت درعا وما يصلحها، وأنا يومئذ غلام حدث، فرأيت أولئك الفرس غضبوا وقالوا: تخيره علينا؟ والله لو جد الجد تركك، فقال: لتجدن عنده حزما، فلما كان القتال أحدقوا به، ثم انكشفوا عنه، واختلط الناس، والمسور يضرب بسيفه، وابن الزبير في الرعيل الأول يرتجز قدما، ومعه مصعب بن عبد الرحمن بن عوف يفعلان الأفاعيل، إلى أن أحدقت جماعة منهم بالمسور، فقام دونه مواليه، فذبوا عنه كل الذب، وجعل يصيح بهم، فما خلص إليه، ولقد قتلوا من أهل الشام يومئذ نفرا.
стр. 1892
قال: وحدثني عبد الله بن جعفر، عن أم بكر، وأبي عون قالا: أصاب المسور حجر المنجنيق، ضرب البيت فانفلق منه فلقة، فأصابت خد المسور وهو قائم يصلي، فمرض منها أياما، ثم مات في اليوم الذي جاء فيه نعي يزيد، وابن الزبير يومئذ لا يسمى بالخلافة، بل الأمر شورى.
زادت أم بكر: كنت أرى العظام تنزع من صفحته، وما مكث إلا خمسة أيام ومات. فذكرته لشرحبيل بن أبي عون فقال: حدثني أبي قال: قال لي المسور: هات درعي، فلبسها، وأبى أن يلبس المغفر، قال: وتقبل ثلاثة أحجار، فيضرب الأول الركن الذي يلي الحجر فخرق الكعبة حتى تغيب، ثم اتبعه الثاني في موضعه، ثم الثالث فينا، وتكسر منه كسرة، فضربت خد المسور وصدغه الأيسر، فهشمته هشما، فغشي عليه، واحتملته أنا ومولى له، وجاء الخبر ابن الزبير، فأقبل يعدو، فكان فيمن حمله، وأدركنا مصعب بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير، فمكث يومه لا يتكلم، فأفاق من الليل، وعهد ببعض ما يريد، وجعل عبيد بن عمير يقول: يا أبا عبد الرحمن كيف ترى في قتال هؤلاء؟ فقال: على ذلك قتلنا، فكان ابن الزبير لا يفارقه بمرضه حتى مات، فولي ابن الزبير غسله، وحمله فيمن حمله إلى الحجون، وإنا لنطأ به القتلى ونمشي بين أهل الشام، فصلوا معنا عليه.
قلت: لأنهم علموا يومئذ بموت يزيد، وكلم حصين بن نمير عبد الله بن الزبير في أن يبايعه بالخلافة، وبطل القتال بينهم.
وعن أم بكر قالت: ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين، وبها توفي لهلال ربيع الآخر سنة أربع وستين.
وقال الهيثم: توفي سنة سبعين، وهو غلط منه.
وقال المدائني: مات سنة ثلاث وسبعين من حجر المنجنيق، فوهم أيضا، اشتبه عليه بالحصار الأخير. وتابعه يحيى بن معين. وعلى القول الأول جماعة منهم: يحيى بن بكير، وأبو عبيد، والفلاس، وغيرهم (١).
١٠٣ - ت: المسيب بن نجبة بن ربيعة الفزاري، صاحب علي.
سمع عليا، وابنه الحسن، وحذيفة.
روى عنه: عتبة بن أبي عتبة،
стр. 1893
وسوار أبو إدريس، وأبو إسحاق السبيعي.
وقدم مع خالد بن الوليد من العراق، وشهد حصار دمشق، وكان أحد من خرج من الكبار في جيش التوابين الذين خرجوا يطلبون بدم الحسين، وقتل بالجزيرة سنة خمس وستين كما ذكرنا بعدما قاتل قتالا شديدا (١).
١٠٤ - مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.
أحد الكبار الذين كانوا مع ابن الزبير، وقتل معه في الحصار سنة أربع وستين.
كان مصعب هذا قد ولي قضاء المدينة، وشرطتها في إمرة مروان عليها، ثم لحق بابن الزبير، وكان بطلا شجاعا، له مواقف مشهودة، قتل عدة من الشاميين، ثم توفي، فلما مات هو والمسور دعا ابن الزبير إلى نفسه.
١٠٥ - معاذ بن الحارث أبو حليمة الأنصاري المدني القارئ.
روى عنه ابن سيرين، ونافع مولى ابن عمر.
قالت عمرة: ما كان يوقظنا من الليل إلا قراءة معاذ القارئ. قتل معاذ يوم الحرة (٢).
١٠٦ - ٤: معاوية بن حيدة القشيري جد بهز بن حكيم.
له صحبة ورواية، نزل البصرة ثم غزا خراسان ومات بها.
روى عنه ابنه حكيم، وحميد المزني رجل مجهول.
حديثه في السنن الأربعة، أعني معاوية (٣).
١٠٧ - معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو ليلى.
استخلف بعهد من أبيه عند موته في ربيع الأول، وكان شابا صالحا لم تطل خلافته، وأمه هي أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، ومولده سنة ثلاث وأربعين.
стр. 1894
قال إسماعيل الخطبي: رأيت صفته في كتاب أنه كان أبيض شديدا، كثير الشعر، كبير العينين، أقنى الأنف، جميل الوجه، مدور الرأس.
وعن أبي عبيدة، قال: ولي معاوية بن يزيد ثلاثة أشهر، فلم يخرج إلى الناس، ولم يزل مريضا، والضحاك بن قيس يصلي بالناس.
وقال جرير بن حازم: إن معاوية بن يزيد استخلفه أبوه، فولي شهرين، فلما احتضر قيل: لو استخلفت، فقال: كفلتها حياتي، فأتضمنها بعد موتي؟ وأبى أن يستخلف.
وقال أبو مسهر، وأبو حفص الفلاس: ملك أربعين ليلة، وكذا قال ابن الكلبي.
وقال أبو معشر، وغيره: عاش عشرين سنة. توفي بدمشق (١).
١٠٨ - ٤: معقل بن سنان الأشجعي.
له صحبة ورواية، وكان حامل لواء قومه يوم فتح مكة، وهو راوي حديث بروع.
روى عنه علقمة، ومسروق، والأسود، وسالم بن عبد الله بن عمر، والحسن البصري.
وكان يكون بالكوفة، فوفد على يزيد، فرأى منه قبائح، فسار إلى المدينة وخلع يزيد، وكان من رؤوس أهل الحرة.
قال الحاكم أبو أحمد: كنيته أبو سنان، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو يزيد، من غطفان، قتل صبرا يوم الحرة، فقال الشاعر:
ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها … وأشجع تبكي معقل بن سنان
وقال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن عثمان بن زياد الأشجعي، عن أبيه، عن جده، قال: كان معقل بن سنان قد صحب رسول الله ﷺ ، وحمل لواء قومه يوم الفتح، وكان شابا طريا، وبقي بعد ذلك، فبعثه الوليد بن عتبة أمير المدينة ببيعة يزيد، فقدم الشام في وفد من أهل المدينة، فاجتمع معقل ومسلم بن عقبة فقال، وكان قد آنسه وحادثه: إني خرجت كرها ببيعة هذا، وقد كان من القضاء والقدر خروجي إليه، رجل يشرب الخمر وينكح الحرم، ثم نال منه واستكتمه ذلك، فقال: أما أن أذكر ذلك
стр. 1895
لأمير المؤمنين يومي هذا فلا والله، ولكن لله علي عهد وميثاق إن مكنت منك لأضربن الذي فيه عيناك، فلما قدم مسلم المدينة وأوقع بهم، كان معقل يومئذ على المهاجرين، فأتي به مأسورا، فقال: يا معقل أعطشت؟ قال: نعم، قال: أحضروا له شربة ببلور، ففعلوا، فشرب، وقال: أرويت؟ قال: نعم، قال: أما والله لا تتهنأ بها، يا مفرج قم فاضرب عنقه، فضرب عنقه.
وقال المدائني، عن عوانة، وأبي زكريا العجلاني، عن عكرمة بن خالد: إن مسلما لما دعا أهل المدينة إلى البيعة، يعني بعد وقعة الحرة، قال: ليت شعري ما فعل معقل بن سنان، وكان له مصافيا، فخرج ناس من أشجع، فأصابوه في قصر العرصة، ويقال: في جبل أحد، فقالوا له: الأمير يسأل عنك فارجع إليه، قال: أنا أعلم به منكم، إنه قاتلي، قالوا: كلا، فأقبل معهم، فقال له: مرحبا بأبي محمد، أظنك ظمآنا، وأظن هؤلاء أتعبوك، قال: أجل، قال: شوبوا له عسلا بثلج، ففعلوا وسقوه، فقال: سقاك الله أيها الأمير من شراب أهل الجنة، قال: لا جرم والله لا تشرب بعدها حتى تشرب من حميم جهنم، قال: أنشدك الله والرحم، قال: ألست قلت لي بطبرية وأنت منصرف من عند أمير المؤمنين وقد أحسن جائزتك: سرنا شهرا وخسرنا ظهرا، نرجع إلى المدينة فنخلع الفاسق يشرب الخمر، عاهدت الله تلك الليلة لا ألقاك في حرب أقدر عليك إلا قتلتك، وأمر به فقتل (١).
١٠٩ - ع: معقل بن يسار المزني البصري، ممن بايع تحت الشجرة.
روى عن: النبي ﷺ ، وعن النعمان بن مقرن.
روى عنه عمران بن حصين مع تقدمه، وأبو المليح بن أسامة الهذلي، والحسن البصري، ومعاوية بن قرة، وعلقمة بن عبد الله المزنيان، وغيرهم.
وقال ابن سعد (٢): لا نعلم في الصحابة من يكنى أبا علي سواه.
стр. 1896
١١٠ - خ د: معن بن يزيد بن الأخنس بن حبيب السلمي.
له ولأبيه وجده الأخنس صحبة. وروى عن النبي ﷺ حديثا أو حديثين. روى عنه أبو الجويرية حطان بن خفاف الجرمي، وسهيل بن ذراع، وغيرهما. وكان من فرسان قيس، شهد فتح دمشق، وله بها دار، وشهد صفين مع معاوية.
قال أبو عوانة، عن أبي الجويرية، عن معن بن يزيد قال: بايعت النبي ﷺ أنا وأبي وجدي، وخطب علي فأنكحني.
وقال الليث، عن يزيد بن أبي حبيب: إن معن بن يزيد بن الأخنس من بني سليم، كان هو وأبوه وجده تمام عدة أصحاب بدر، ولا أعلم رجلا وابنه وابن ابنه شهدوا بدرا مسلمين غيرهم.
قلت: لا نعلم ليزيد متابع على هذا القول. وقد ذكر المفضل الغلابي وغيره أن لهم صحبة.
وقال محمد بن سلام الجمحي: سمعت بكار بن محمد بن واسع قال: قال معاوية: ما ولدت قرشية لقرشي خيرا لها في دينها من محمد ﷺ ، وما ولدت قرشية لقرشي خيرا لها في دنياها مني. فقال معن بن يزيد: ما ولدت قرشية لقرشي شرا لها في دنياها منك، قال: ولم؟ قال: لأنك عودتهم عادة كأني بهم قد طلبوها من غيرك، فكأني بهم صرعى في الطرق (١)، قال: ويحك، والله إني لأكاتمها نفسي منذ كذا وكذا.
قال ابن سميع وغيره: قتل معن بن يزيد بن الأخنس، وأبوه براهط، وقال غيره: بقي معن يسيرا بعد راهط (٢).
١١١ - المغيرة بن أبي شهاب المخزومي.
قال يحيى الذماري: قرأت على ابن عامر، وقرأ ابن عامر على المغيرة بن أبي شهاب، وقرأ المغيرة على عثمان بن عفان.
١١٢ - المنذر بن الجارود العبدي.
стр. 1897
لأبيه صحبة، وكان سيدا جوادا شريفا ولي إصطخر لعلي، ثم ولي ثغر الهند من قبل عبيد الله بن زياد، فمات هناك سنة إحدى وستين، وله ستون سنة (١).
وهو مذكور في الطبقة الآتية.
١١٣ - المنذر بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، أبو عثمان الأسدي، ابن حواري رسول الله ﷺ ، وأمه أسماء بنت الصديق.
ولد في آخر خلافة عمر، وغزا القسطنطينية مع يزيد، ولما استخلف يزيد وفد عليه.
قال الزبير بن بكار: فحدثني مصعب بن عثمان أن المنذر بن الزبير غاضب أخاه عبد الله، فسار إلى الكوفة، ثم قدم على معاوية، فأجازه بألف ألف درهم، وأقطعه، فمات معاوية قبل أن يقبض المنذر الجائزة، وأوصى معاوية أن يدخل المنذر في قبره.
وفي الموطأ (٢) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها زوجت حفصة بنت أخيها المنذر بن الزبير، فلما قدم أخوها عبد الرحمن من الشام قال: ومثلي يصنع به هذا ويفتات عليه؟ فكلمت عائشة المنذر، فقال: إن ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت لأرد أمرا قضيتيه، فقرت حفصة عند المنذر، ولم يكن ذلك طلاقا.
وقال ابن سعد (٣): فولدت له عبد الرحمن، وإبراهيم، وقريبة (٤)، ثم تزوجها الحسن بن علي ﵄.
وقال الزبير بن بكار: لما ورد على يزيد خلاف ابن الزبير، كتب إلى ابن زياد أن يستوثق من المنذر ويبعث به، فأخبره بالكتاب، وقال: اذهب وأنا أكتم الكتاب ثلاثا، فخرج المنذر، فأصبح الليلة الثامنة بمكة صباحا، فارتجز حاديه:
стр. 1898
قاسين قبل الصبح ليلا منكرا … حتى إذا الصبح انجلى وأسفرا
أصبحن صرعى بالكثيب حسرا … لو يتكلمن شكون المنذرا
فسمع عبد الله بن الزبير صوت المنذر على الصفا، فقال: هذا أبو عثمان جاشته الحرب (١) إليكم. فحدثني محمد بن الضحاك قال: كان المنذر بن الزبير، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام يقاتلان أهل الشام بالنهار، ويطعمانهم بالليل.
وقتل المنذر في نوبة الحصين، وله أربعون سنة.
١١٤ - النابغة الجعدي الشاعر المشهور أبو ليلى.
له صحبة ووفادة، وهو من بني عامر بن صعصعة، فعن عبد الله بن صفوان قال: عاش النابغة مائة وعشرين سنة، ومات بأصبهان.
وروي أن النابغة قال هذه الأبيات:
المرء يهوى أن يعيـ … ـش وطول عمر قد يضره
وتتابع الأيام حـ … ـتى ما يرى شيئا يسره
تفنى بشاشته ويبـ … ـقى بعد حلو العيش مره
ثم دخل بيته فلم يخرج حتى مات.
وقال يعلى بن الأشدق، وليس بثقة: سمعت النابغة يقول: أنشدت النبي ﷺ :
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا … وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت: الجنة، قال أجل إن شاء الله، ثم قلت:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له … بوادر تحمي صفوه أن تكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له … حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال النبي ﷺ : لا يفضض الله فاك، مرتين (٢).
стр. 1899
قلت: كان النابغة يتنقل في البلاد ويمدح الكبار؛ وعمر دهرا ومات في أيام عبد الملك.
قال محمد بن سلام (١): اسمه قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة.
روي عن عبد الله بن عروة بن الزبير أن نابغة بني جعدة لما أقحمت السنة (٢) أتى ابن الزبير، وهو يومئذ بالمدينة، فأنشده في المسجد:
حكيت لنا الصديق لما وليتنا … وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا … فعاد صباحا حالك الليل مظلم
في أبيات، فأمر له بسبع قلائص وراحلة تمر وبر، وقال له: لك في مال الله حقان، حق لرؤيتك رسول الله ﷺ ، وحق لشركتك أهل الإسلام، وذكر الحديث.
١١٥ - نجدة بن عامر الحنفي الحروري.
من رؤوس الخوارج، مال عليه أصحاب ابن الزبير فقتلوه بالجمار. وقيل: اختلف عليه أصحابه فقتلوه في سنة تسع وستين.
١١٦ - ع: النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد الأنصاري الخزرجي، ابن أخت عبد الله بن رواحة.
شهد أبوه بدرا. وولد النعمان سنة اثنتين من الهجرة، وحفظ عن النبي ﷺ أحاديث.
روى عنه ابنه محمد، والشعبي، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو سلام الأسود، وسماك بن حرب، وأبو إسحاق، ومولاه حبيب بن سالم، وسالم بن أبي الجعد، وأبو قلابة الجرمي، وغيرهم.
وكان منقطعا إلى معاوية فولاه الكوفة مدة، وولي قضاء دمشق بعد فضالة بن عبيد، وولي إمرة حمص مدة.
وقال البخاري: ولد عام الهجرة، وهو أول مولود ولد للأنصار (٣).
стр. 1900
وقد ورد أن أعشى همدان وفد على النعمان وهو أمير حمص، فقال له: ما أقدمك؟ قال: جئت لتصلني، وتحفظ قرابتي، وتقضي ديني، فأطرق ثم قال: والله ما شيء، ثم قال: هه، كأنه ذكر شيئا، فقام فصعد المنبر، فقال: يا أهل حمص، وهم في الديوان عشرون ألفا، هذا ابن عمكم من أهل العراق والشرف قدم عليكم يسترفدكم، فما ترون؟ قالوا: أصلح الله الأمير احتكم له، فأبى عليهم، قالوا: فإنا قد حكمنا له على أنفسنا من كل رجل في العطاء بدينارين دينارين، فعجلها له من بيت المال أربعين ألف دينار، فقبضها.
حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب قال: كان النعمان بن بشير والله من أخطب من سمعت من أهل الدنيا يتكلم.
وروي أن النعمان لما دعا أهل حمص إلى ابن الزبير احتزوا رأسه.
وقيل: قتل بقرية بيرين (١)، قتله خالد بن خلي بعد وقعة مرج راهط في آخر سنة أربع وستين (٢).
١١٧ - خ م ن: نوفل بن معاوية الديلي.
له صحبة ورواية وشهد الفتح، وغزا وحج مع الصديق سنة تسع.
روى عنه عبد الرحمن بن مطيع، وعراك بن مالك، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ونزل المدينة في بني الديل.
قال الواقدي: شهد بدرا مع المشركين وأحدا والخندق، وكان له ذكر ونكاية، قال: وتوفي في خلافة معاوية.
وقال غيره: توفي في خلافة يزيد. وقيل: عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام.
كان سلمى بن نوفل بن معاوية الديلي جوادا ممدحا، وفيه يقول الجعفري:
стр. 1901
يسود أقوام وليسوا بسادة … بل السيد المحمود سلمى بن نوفل (١)
١١٨ - ٤: هبيرة بن بريم أبو الحارث الشيباني (٢) ويقال: الخارفي الكوفي.
روى عن علي، وطلحة، وعبد الله بن مسعود.
روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، وأبو فاختة.
وقال الإمام أحمد: لا بأس بحديثه.
وقال ابن خراش: ضعيف.
وقال غيره: توفي سنة ست وستين (٣).
١١٩ - همام بن قبيصة بن مسعود بن عمير النميري، أحد الأشراف.
كان من أبطال معاوية، كان على قيس دمشق يوم صفين، وكان له بدمشق دار صارت لابن جوصا المحدث، عند حمام الجبن. قتل يوم مرج راهط. وله شعر.
١٢٠ - هند بن هند بن أبي هالة التميمي، سبط أم المؤمنين، خديجة.
قتل مع مصعب بن الزبير في سنة تسع وستين. وقيل: مات في الطاعون بالبصرة.
١٢١ - الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب الأموي.
ولاه عمه معاوية المدينة، وكان جوادا حليما فيه دين وخير.
قال يحيى بن بكير: كان معاوية يولي على المدينة مرة مروان ومرة الوليد بن عتبة، وكذا ولاه يزيد عليها مرتين، وأقام الموسم غير مرة، آخرها سنة اثنتين وستين.
стр. 1902
قال الزبير بن بكار: كان الوليد رجل بني عتبة، وكان حليما كريما، توفي معاوية فقدم عليه رسول يزيد، فأخذ البيعة على الحسين وابن الزبير، فأرسل إليهما سرا، فقالا: نصبح ويجتمع الناس، فقال له مروان: إن خرجا من عندك لم ترهما، فنافره ابن الزبير، وتغالظا حتى تواثبا، وقام الوليد يحجز بينهما، فأخذ ابن الزبير بيد الحسين وقال: امض بنا، وخرجا، وتمثل ابن الزبير:
لا تحسبني يا مسافر شحمة … تعجلها من جانب القدر جائع
فأقبل مروان على الوليد يلومه فقال: إني أعلم ما تريد، ما كنت لأسفك دماءهما، ولا أقطع أرحامهما.
وقال المدائني، عن خالد بن يزيد بن بشر، عن أبيه، وعبد الله بن نجاد، وغيرهما قالوا: لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية أرادوا الوليد بن عتبة على الخلافة، فأبى وهلك تلك الليالي.
وقال يعقوب الفسوي: أراد أهل الشام الوليد بن عتبة على الخلافة، فطعن فمات بعد معاوية.
وقال بعضهم، ولم يصح: إنه قدم للصلاة على معاوية فأصابه الطاعون في صلاته عليه، فلم يرفع إلا وهو ميت (١).
١٢٢ - يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ الحميري البصري الشاعر.
كان أحد الشعراء الإسلاميين، وكان كثير الهجو والشر للناس. فذكر المدائني أن عبيد الله بن زياد أراد قتل ابن مفرغ لكونه هجا أباه زيادا ونفاه من أبي سفيان، فمنعه معاوية من قتله، وقال: أدبه، فسقاه مسهلا، وأركبه على حمار، وطوف به وهو يسلح في الأسواق على الحمار، فقال:
يغسل الماء ما صنعت وشعري … راسخ منك في العظام البوادي.
وقال يخاطب معاوية:
أتغضب أن يقال أبوك حر … وترضى أن يقال أبوك زاني
فأشهد أن رحمك من زياد … كرحم الفيل من ولد الأتان.
стр. 1903
مات ابن مفرغ في طاعون الجارف أيام مصعب (١).
١٢٣ - يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو خالد الأموي، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية.
روى عن: أبيه. روى عنه ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان. بويع بعد أبيه.
ولد سنة خمس أو ست وعشرين.
وقال سعيد بن حريث: كان يزيد كثير اللحم، ضخما، كثير الشعر.
وقال أبو مسهر: حدثني زهير الكلبي، قال: تزوج معاوية ميسون بنت بحدل، وطلقها وهي حامل بيزيد، فرأت في النوم كأن قمرا خرج من قبلها، فقصت رؤياها على أمها، فقالت: لئن صدقت رؤياك لتلدين من يبايع له بالخلافة.
قال خليفة (٢): وفي سنة خمسين غزا يزيد أرض الروم ومعه أبو أيوب الأنصاري.
وقال أبو بكر بن عياش: حج بالناس يزيد سنة إحدى وخمسين، وسنة اثنتين، وسنة ثلاث.
وقال أزهر السمان، عن ابن عون، عن محمد، عن عقبة بن أوس السدوسي، عن عبد الله بن عمرو قال: أبو بكر الصديق أصبتم اسمه، عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه، ابن عفان ذو النورين قتل مظلوما يؤتى كفلين من الرحمة، معاوية وابنه ملكا الأرض المقدسة، والسفاح، وسلام، ومنصور، وجابر، والمهدي، والأمين، وأمير العصب، كلهم من بني كعب بن لؤي، كلهم صالح، لا يوجد مثله.
روى نحوه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن أبي أسامة، عن الثوري، عن هشام بن حسان، قال: حدثنا محمد بن سيرين. وله طريق آخر، ولم يرفعه أحد. وقال يعلى بن عطاء، عن عمه قال: كنت مع عبد الله
стр. 1904
ابن عمرو حين بعثه يزيد إلى ابن الزبير، فسمعته يقول لابن الزبير: تعلم: إني أجد في الكتاب أنك ستعنى ونعنى وتدعي الخلافة ولست بخليفة، وإني أجد الخليفة يزيد بن معاوية.
وروى زحر بن حصن (١)، عن جده حميد بن منهب قال: زرت الحسن بن أبي الحسن، فخلوت به فقلت: يا أبا سعيد، ما ترى ما الناس فيه؟ فقال لي: أفسد أمر الناس اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، فحملت، وقال: أين القراء، فحكم الخوارج، فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة، والمغيرة بن شعبة فإنه كان عامل معاوية على الكوفة، فكتب إليه معاوية: إذا قرأت كتابي هذا فأقبل معزولا، فأبطأ عنه، فلما ورد عليه قال: ما أبطأ بك؟ قال: أمر كنت أوطئه وأهيئه، قال: وما هو؟ قال: البيعة ليزيد من بعدك، قال: أوفعلت؟ قال: نعم، قال: ارجع إلى عملك، فلما خرج قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غي لا يزال فيه إلى يوم القيامة. قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة.
وروى هشام، عن ابن سيرين، أن عمرو بن حزم وفد إلى معاوية، فقال له: أذكرك الله في أمة محمد بمن تستخلف عليها، فقال: نصحت وقلت برأيك، وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق.
وقال أبو بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس قال: خطب معاوية فقال: اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله، فبلغه ما أملت وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده، وأنه ليس لما صنعت به أهلا، فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك.
وقال محمد بن مروان السعيدي: أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان الخزاعي، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن الحكم، عن أبي عوانة قال: كان معاوية يعطي عبد الله بن جعفر كل عام ألف ألف، فلما وفد على يزيد
стр. 1905
أعطاه ألف ألف، فقال عبد الله: بأبي أنت وأمي، فأمر له بألف ألف أخرى، فقال له عبد الله: والله لا أجمعهما لأحد بعدك.
محمد بن بشار بندار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا عوف الأعرابي، قال: حدثنا مهاجر أبو مخلد، قال: حدثني أبو العالية، قال: حدثني أبو مسلم قال: قال أبو الدرداء: سمعت النبي ﷺ يقول: أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد (١). أخرجه الروياني في مسنده، عن بندار، وروي من وجه آخر عن عوف وليس فيه أبو مسلم.
وفي مسند أبي يعلى (٢): حدثنا الحكم بن موسى، قال: حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط، حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد. ورواه صدقة بن عبد الله، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله ﷺ نحوه (٣).
لم يلق مكحول أبا ثعلبة، وقد أدركه وصدقة السمين ضعيف.
وقال الزبير بن بكار: أخبرني مصعب بن عبد الله، عن أبيه، وأخبرني محمد بن الضحاك الحزامي أن ابن الزبير سمع جويرية تلعب وتغني في يزيد بقول عبد الرحمن بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل:
لست منا وليس خالك منا … يا مضيع الصلاة للشهوات
فدعاها وقال: لا تقولي: لست منا، قولي: أنت منا.
وقال صخر بن جويرية، عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد وقال: أما بعد، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر -
стр. 1906
إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله ثم ينكث فلا يخلعن أحد منكم يزيد.
وزاد فيه المدائني، عن صخر، عن نافع: فمشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد ابن الحنفية، فأرادو على خلع يزيد، فأبى، وقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدى حكم الكتاب، قال: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد أقمت عنده، فرأيته مواظبا للصلاة، متحريا للخير، يسأل عن الفقه، قال: كان ذلك منه تصنعا لك ورياء.
وقال الزبير بن بكار: أنشدني عمي ليزيد:
آب هذا الهم فاكتنعا … وأمر النوم فامتنعا
راعيا للنجم أرقبه … فإذا ما كوكب طلعا
حام حتى إنني لأرى … أنه بالغور قد وقعا
ولها بالماطرون إذا … أكل النمل الذي جمعا
نزهة حتى إذا بلغت … نزلت من جلق بيعا
في قباب وسط دسكرة … حولها الزيتون قد ينعا
قال محمد بن أبي السري: حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن نوفل بن أبي الفرات، قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل يزيد، فقال: قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقال: تقول أمير المؤمنين؟ وأمر به فضرب عشرين سوطا.
قال أبو بكر بن عياش وغيره: مات يزيد في نصف ربيع الأول سنة أربع وستين (١).
١٢٤ - يوسف بن الحكم الثقفي والد الحجاج.
قدم من الطائف إلى الشام، وذهب إلى مصر وإلى المدينة. له حديث يرويه عن سعد بن أبي وقاص، وقيل: عن ابن سعد بن أبي وقاص. وكان مع مروان.
توفي سنة بضع وستين (٢).
стр. 1907
١٢٥ - ع: أبو الأسود الدؤلي ويقال: الديلي، قاضي البصرة، اسمه ظالم بن عمرو على الأشهر.
روى عن عمر، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وأبي ذر، والزبير.
قال الداني: وقرأ القرآن على: عثمان، وعلي. قرأ عليه ابنه أبو حرب، ونصر بن عاصم، وحمران بن أعين، ويحيى بن يعمر.
روى عنه ابنه أبو حرب، ويحيى بن يعمر، وعبد الله بن بريدة، وعمر مولى غفرة.
قال أحمد العجلي (١): ثقة، وهو أول من تكلم في النحو.
وقال الواقدي: أسلم في حياة النبي ﷺ .
وقال غيره: قاتل يوم الجمل مع علي، وكان من وجوه شيعته، ومن أكملهم رأيا وعقلا، وقد أمره علي ﵁ بوضع النحو، فلما أراه أبو الأسود ما وضع، قال: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت، ومن ثم سمي النحو نحوا.
وقيل: إن أبا الأسود أدب عبيد الله بن زياد.
وذكر ابن داب أن أبا الأسود وفد على معاوية بعد مقتل علي ﵁، فأدنى مجلسه وأعظم جائزته.
ومن شعره:
وما طلب المعيشة بالتمني … ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجيء بملئها طورا وطورا … تجيء بحمأة وقليل ماء
وقال محمد بن سلام (٢): أبو الأسود أول من وضع باب الفاعل والمفعول، والمضاف، وحرف الرفع والنصب والجر والجزم، فأخذ عنه ذلك يحيى بن يعمر.
وقال أبو عبيدة بن المثنى: أخذ أبو الأسود عن علي العربية فسمع
стр. 1908
قارئا يقرأ: (إن الله بريء من المشركين وَرَسُوِلِهِ) (١)، فقال: ما ظننت أن أمر الناس قد صار إلى هذا، فقال لزياد الأمير: ابغني كاتبا لقنا، فأتى به، فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة أعلاه، وإذا رأيتني ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فانقط تحت الحرف، فإذا أتبعت شيئا من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين. فهذه نقط أبي الأسود.
وقال المبرد: حدثنا المازني قال: السبب الذي وضعت له أبواب النحو، أن ابنة أبي الأسود، قالت: ما أشد الحر؟ قال: الحصباء بالرمضاء، قالت: إنما تعجبت من شدته، فقال: أوقد لحن الناس؟ فأخبر بذلك عليا عليه الرضوان، فأعطاه أصولا بنى منها، وعمل بعده عليها. وهو أول من نقط المصاحف. وأخذ عنه النحو عنبسة الفيل، وأخذ عن عنبسة ميمون الأقرن، ثم أخذه عن ميمون عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وأخذه عنه عيسى بن عمر، وأخذه عن عيسى الخليل، وأخذه عن الخليل: سيبويه، وأخذه عن سيبويه: سعيد بن مسعدة الأخفش.
وقال يعقوب الحضرمي: حدثنا سعيد بن سلم الباهلي، قال: حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي الأسود، قال: دخلت على علي فرأيته مطرقا، فقلت فيم تتفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعت ببلدكم لحنا، فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا، فأتيته بعد أيام، فألقى إلي صحيفة فيها: الكلام كله: اسم، وفعل، وحرف؛ فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل. ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، فجمعت أشياء، ثم عرضتها عليه.
وقال عمر بن شبة: حدثنا حيان بن بشر قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن عاصم قال: جاء أبو الأسود إلى زياد فقال: أرى العرب قد خالطت العجم، فتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاما يقيمون به كلامهم؟ قال: لا، فجاء رجل إلى زياد فقال: أصلح الله
стр. 1909
الأمير، توفي أبانا وترك بنون، فقال: ادع لي أبا الأسود، فقال: ضع للناس الذي نهيتك عنه أن تضع لهم.
قال الجاحظ (١): أبو الأسود مقدم في طبقات الناس، كان معدودا في الفقهاء، والشعراء، والمحدثين، والأشراف، والفرسان، والأمراء، والدهاة، والنحاة، والحاضري الجواب، والشيعة، والبخلاء، والصلع الأشراف.
توفي في طاعون الجارف سنة تسع وستين، وله خمس وثمانون سنة وقيل: قبل ذلك، وأخطأ من قال: إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز (٢).
١٢٦ - خ م د: أبو بشير الأنصاري الساعدي، وقيل: المازني، اسمه: قيس الأكبر بن عبيد.
قال الدارقطني (٣): له صحبة ورواية.
روى عنه عباد بن تميم، وضمرة بن سعيد، وسعيد بن نافع. له حديث: لا تبقى في رقبة بعير قلادة إلا قطعت (٤)، وحديثان آخران (٥). وقد جرح يوم الحرة جراحات (٦).
١٢٧ - أبو جهم بن حذيفة القرشي العدوي.
الذي قال النبي ﷺ : ائتوني بأنبجانية أبي جهم، واذهبوا بهذه الخميصة إليه (٧)، وكان لها أعلام. واسمه عبيد، وهو من مسلمة الفتح، أحضر في تحكيم الحكمين، وكان عالما بالنسب، وقد بعثه النبي ﷺ مصدقا، وكان مُعمرا، بنى في الجاهلية مع قريش الكعبة، ثم بقي حتى بنى فيها مع ابن الزبير في سنة أربع وستين.
стр. 1910
قال ابن سعد: ابتنى أبو جهم بالمدينة دارا وكان عمر ﵁ قد أخافه وأشرف عليه حتى كف من غرب لسانه، فلما توفي عمر سر بموته، وجعل يومئذ يحتبش في بيته، يعني يقفز على رجليه.
وقالت فاطمة بنت قيس: طلقني زوجي البتة، فأرسلت إليه أبتغي النفقة، فقال: رسول الله ﷺ : ليس لك نفقة، وعليك العدة، انتقلي إلى أم شريك، ولا تفوتيني بنفسك ثم قال: أم شريك يدخل عليها إخوتها من المهاجرين، انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم. فلما حللت خطبني معاوية وأبو جهم بن حذيفة، فقال رسول الله ﷺ : أما معاوية فعائل لا شيء له، وأما أبو جهم فإنه ضراب للنساء، أين أنتم عن أسامة، فكأن أهلها كرهوا ذلك، فنكحته (١).
وقد شهد أبو جهم اليرموك، ووفد على معاوية مرات، ولم يرو شيئا مع أنه تأخر.
وحكى سليمان بن أبي شيخ أن أبا جهم بن حذيفة وفد على معاوية، فأقعده معه على السرير، وقال: يا أمير المؤمنين نحن فيك كما قال عبد المسيح:
نميل على جوانبه كأنا … نميل إذا نميل على أبينا
نقلبه لنخبر حالتيه … فنخبر منهما كرما ولينا
فأعطاه معاوية مائة ألف.
وروى الأصمعي، عن عيسى بن عمر قال: وفد أبو جهم على معاوية، فأكرمه وأعطاه مائة ألف، واعتذر فلم يرض بها، فلما ولي يزيد وفد عليه، فأعطاه خمسين ألفا، فقلت: غلام نشأ في غير بلده، ومع هذا فابن كلبية، فأي خير يرجى منه، فلما استخلف ابن الزبير أتيته وافدا، فقال: إن علينا مؤنا وحمالات، ولم أجهل حقك، فإني غير مخيب سفرك، هذه ألف درهم فاستعن بها، فقلت: مد الله في عمرك يا أمير المؤمنين،
стр. 1911
فقال: لم تقل هذا لمعاوية وابنه، وقد نلت منهما مائة وخمسين ألفا، قلت: نعم، من أجل ذلك قلت هذا، وخفت إن أنت هلكت أن لا يلي أمر الناس بعدك إلا الخنازير.
١٢٨ - أبو الرباب القشيري، واسمه مطرف بن مالك.
بصري من كبار التابعين وثقاتهم. لقي أبا الدرداء، وكعب الأحبار، وأبا موسى، وشهد فتح تستر.
روى عنه: زرارة بن أوفى، وأبو عثمان النهدي، ومحمد بن سيرين.
فروى محمد عنه قال: دخلنا على أبي الدرداء نعوده، وهو يومئذ أمير، وكنت خامس خمسة في الذين ولوا قبض السوس، فأتاني رجل بكتاب فقال: بيعونيه، فإنه كتاب الله أحسن أقرأه ولا تحسنون، فنزعنا دفتيه، فاشتراه بدرهمين، فلما كان بعد ذلك خرجنا إلى الشام، وصحبنا شيخ على حمار بين يديه مصحف يقرأه ويبكي، فقلت: ما أشبه هذا المصحف بمصحف شأنه كذا وكذا، فقال: إنه ذاك، قلت: فأين تريد؟ قال: أرسل إلي كعب الأحبار عام أول فأتيته، ثم أرسل إلي، فهذا وجهي إليه، قلت: فأنا معك، فانطلقنا حتى قدمنا الشام، فقعدنا عند كعب، فجاء عشرون من اليهود فيهم شيخ كبير يرفع حاجبيه بحريرة فقالوا: أوسعوا أوسعوا، فأوسعوا، وركبنا أعناقهم، فتكلموا فقال كعب: يا نعيم، أتجيب هؤلاء أو أجيبهم؟ قال: دعوني حتى أفقه هؤلاء ما قالوا، ثم أجيبهم، إن هؤلاء أثنوا على أهل ملتنا خيرا، ثم قلبوا ألسنتهم، فزعموا أنَّا بعنا الآخرة بالدنيا، هلم فلنواثقكم، فإن جئتم بأهدى مما نحن عليه اتبعناكم، وإن جئنا بأهدى منه لتتبعنا، قال: فتواثقوا، فقال كعب: أرسل إلي ذلك المصحف، فجيء به، فقال: أترضون أن يكون هذا بيننا؟ قالوا: نعم، لا يحسن أحد يكتب مثله اليوم، فدفع إلى شاب منهم، فقرأ كأسرع قارئ، فلما بلغ إلى مكان منه نظر إلى أصحابه كالرجل يؤذن صاحبه بالشيء، ثم جمع يديه فقال به، فنبذه، فقال كعب: آه، وأخذه فوضعه في حجره، فقرأ، فأتى على آية منه، فخروا سجدا، وبقي الشيخ يبكي، فقيل: وما يبكيك؟ فقال: وما لي
стр. 1912
لا أبكي، رجل عمل في الضلالة كذا وكذا سنة، ولم أعرف الإسلام حتى كان اليوم.
همام: حدثنا قتادة، عن زرارة، عن مطرف بن مالك قال: أصبنا دانيال بالسوس في بحر من صفر، وكان أهل السوس إذا استقوا استخرجوه فاستسقوا به، وأصبنا معه ريطتي كتان، وستين جرة مختومة، ففتحنا جرة، فوجدنا في كل جرة عشرة آلاف، وأصبنا معه ربعة فيها كتاب، وكان معنا أجير نصراني يقال له: نعيم، فاشتراها بدرهمين.
قال همام: قال قتادة: وحدثني أبو حسان أن أول من وقع عليه رجل يقال له: حرقوص، فأعطاه موسى الريطتين ومائتي درهم، ثم إنه طلب أن يرد عليه الريطتين، فأبى، فشققهما عمائم، فكتب أبو موسى في ذلك إلى عمر، فكتب إليه: إن نبي الله دعا الله أن لا يرثه إلا المسلمون، فصل عليه وادفنه.
قال همام: وحدثنا فرقد قال: حدثنا أبو تميمة أن كتاب عمر جاء: أن اغسله بالسدر وماء الريحان.
ثم رجع إلى حديث مطرف قال: فبدا لي أن آتي بيت المقدس، فبينا أنا في الطريق إذ أنا براكب شبهته بذلك الأجير النصراني، فقلت: نعيم؟ قال: نعم، قلت: ما فعلت نصرانيتك؟ قال: تحنفت بعدك، ثم أتينا دمشق، فلقينا كعبا، فقال: إذا أتيتم بيت المقدس فاجعلوا الصخرة بينكم وبين القبلة، ثم انطلقنا ثلاثين، حتى أتينا أبا الدرداء، فقالت أم الدرداء لكعب: ألا تعدني على أخيك يقوم الليل ويصوم النهار، فجعل لها من كل ثلاث ليال ليلة، ثم انطلقنا حتى أتينا بيت المقدس، فسمعت اليهود بنعيم وكعب، فاجتمعوا، فقال كعب: إن هذا كتاب قديم، وإنه بلغتكم فاقرأوه، فقرأه قارئهم، فأتى على مكان منه، فضرب به الأرض، فغضب نعيم، فأخذه وأمسكه، ثم قرأ قارئهم حتى أتى على ذلك المكان: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فأسلم منهم اثنان وأربعون حبرا، وذلك في خلافة معاوية، ففرض لهم معاوية وأعطاهم.
стр. 1913
قال همام: وحدثني بسطام بن مسلم قال: حدثنا معاوية بن قرة، أنهم تذاكروا ذلك الكتاب، فمر بهم شهر بن حوشب فقال: على الخبير سقطتم، إن كعبا لما احتضر قال: ألا رجل أئتمنه على أمانة؟ فقال رجل: أنا، فدفع إليه ذلك الكتاب وقال: اركب البحيرة، فإذا بلغت مكان كذا وكذا فاقذفه، فخرج من عند كعب فقال: هذا كتاب فيه علم، ويموت كعب، لا أفرط به، فأتى كعبا وقال: فعلت ما أمرتني، قال: وما رأيت؟ قال: لم أر شيئا، فعلم كذبه، فلم يزل يناشده ويطلب إليه حتى رد عليه الكتاب، فلما أيقن كعب بالموت قال: ألا رجل يؤدي أمانتي؟ قال رجل: أنا، فركب سفينة، فلما أتى ذلك المكان ذهب ليقذفه، فانفرج له البحر حتى رأى الأرض، فقذفه وأتاه فأخبره، فقال كعب: إنها التوراة كما أنزلها الله على موسى ﵇، ما غيرت ولا بدلت، ولكن خشيت أن يتكل على ما فيها، ولكن قولوا: لا إله إلا الله ولقنوها موتاكم. رواه أحمد بن أبي خيثمة في تاريخه، عن هدبة قال: حدثنا همام (١).
١٢٩ - د ن ق: أبو رهم السماعي، ويقال: السمعي.
اسمه: أحزاب بن أسيد، ويقال: أسيد، ويقال: أسد، الظَّهري، ويقال: بكسر الظاء، وهو غلط من أولاد السمع ويقال: السمع بكسر السين وإسكان الميم، ابن مالك بن زيد بن سهل.
روى عن النبي ﷺ حديثا خرجه ابن ماجه (٢)، فمن قال: لا صحبة له، جعل الحديث مرسلا (٣).
وروى عن: أبي أيوب الأنصاري، والعرباض بن سارية. روى عنه: الحارث بن زياد، وخالد بن معدان، وأبو الخير مرثد اليزني، ومكحول الشامي، وشريح بن عبيد، وجماعة.
روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٤).
١٣٠ - ع: أم سلمة أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن
стр. 1914
عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، بنت عم أبي جهل، وبنت عم خالد بن الوليد.
بنى بها النبي ﷺ في سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند الرجل الصالح أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو أخو النبي ﷺ من الرضاعة.
روت عدة أحاديث. روى عنها الأسود بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وأبو وائل شقيق، والشعبي، وأبو صالح السمان، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ونافع بن جبير بن مطعم، ونافع مولاها، ونافع مولى ابن عمر، وابن أبي مليكة، وعطاء بن أبي رباح، وخلق سواهم.
وكانت من أجمل النساء، وطال عمرها، وعاشت تسعين سنة أو أكثر، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة، وقد حزنت على الحسين ﵁ وبكت عليه، وتوفيت بعده بيسير في سنة إحدى وستين.
وقال بعضهم: توفيت سنة تسع وخمسين، وهو غلط، لأن في صحيح مسلم أن عبد الله بن صفوان دخل عليها في خلافة يزيد (١).
وأبوها أبو أمية يقال: اسمه حذيفة ويلقب بزاد الراكب، وكان أحد الأجواد، ووهم من قال اسمها رملة.
وروى عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار أن أم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وروي أن أبا هريرة صلى عليها، ودفنت بالبقيع. وهذا فيه نظر لأن سعيدا وأبا هريرة توفيا قبلها، والله أعلم.
ابن سعد (٢): أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة حزنت حزنا شديدا، لما ذكروا لنا من جمالها، فتلطفت حتى رأيتها فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي في الحسن والجمال، فذكرت ذلك لحفصة، وكانتا يدا واحدة، فقالت: لا والله إلا الغيرة ما هي كما تقولين وإنها لجميلة، فرأيتها بعد فكانت كما قالت حفصة، ولكني كنت غيرى.
قال مسلم بن خالد الزنجي، عن موسى بن عقبة، عن أمه، عن أم
стр. 1915
كلثوم، قالت: لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي أواقي من مسك وحلة، وإني أراه قد مات، ولا أرى الهدية إلا سترد، فإذا ردت فهي لك. قالت: فكان كما قال، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية أوقية من مسك، وأعطى سائره أم سلمة، وأعطاها الحلة (١).
القعنبي: حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمر أم سلمة أن تصلي الصبح بمكة يوم النحر، وكان يومها، فأحب أن توافقه (٢).
الواقدي: عن ابن جريج، عن نافع قال: صلى أبو هريرة على أم سلمة.
قلت: هذا من غلط الواقدي، أبو هريرة مات قبلها (٣).
١٣١ - ع: أبو شريح الخزاعي العدوي الكعبي.
من عرب الحجاز، في اسمه أقوال، أشهرها خويلد بن عمرو.
أسلم يوم الفتح، وصحب النبي ﷺ ، وروى عنه. حدث عنه: نافع بن جبير بن مطعم، وأبو سعيد المقبري، وابنه سعيد المقبري، وسفيان بن أبي العوجاء. توفي سنة ثمان وستين بالمدينة (٤).
١٣٢ - ع: أم عطية الأنصارية نسيبة التي أمرها النبي ﷺ أن تغسل بنته زينب.
لها أحاديث، روى عنها محمد بن سيرين، وأخته حفصة، وأم شراحيل، وعلي بن الأقمر، وعبد الملك بن عمير.
هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: غزوت مع النبي ﷺ سبع غزوات، فكنت أصنع لهم طعامهم، وأخلفهم في
стр. 1916
رحالهم، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى (١).
وعن أم شراحيل مولاة أم عطية قالت: كان علي يقيل عندي، فكنت أنتف إبطه بورسة (٢).
١٣٣ - د ت ق: أبو كبشة الأنماري المذحجي، اسمه عمر، وقيل: عمرو بن سعد.
له صحبة ورواية، نزل الشام.
روى عنه ثابت بن ثوبان، وسالم بن أبي الجعد، وأبو البختري سعيد بن فيروز الطائي، وعبد الله بن بسر الحبراني، وعبد الله بن لحي أبو عامر الهوزني (٣).
١٣٤ - م د ن ق: أبو مالك الأشعري.
له صحبة ورواية. واسمه مختلف فيه، فقيل: كعب بن عاصم، وقيل: عامر بن الحارث، وقيل: عمرو بن الحارث.
روى أحاديث. روى عنه عبد الرحمن بن غنم، وأم الدرداء، وربيعة الجرشي، وأبو سلام الأسود، وشهر بن حوشب، وعطاء بن يسار، وشريح بن عبيد. وكان يكون بالشام.
قال ابن سميع: أبو مالك الأشعري، قديم الموت بالشام، اسمه كعب بن عاصم.
وقال ابن سعد (٤): توفي أبو مالك في خلافة عمر (٥).
وقال شهر بن حوشب، عن ابن غنم قال: طعن معاذ، وأبو عبيدة، وأبو مالك في يوم واحد.
قلت: فعلى هذا رواية أبي سلام ومن بعده، عن أبي مالك مرسلة منقطعة، وهذا الإرسال كثير في حديث الشاميين.
стр. 1917
روى صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، أن أبا مالك الأشعري لما حضرته الوفاة قال: يا سامع الأشعريين إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: حلوة الدنيا مرة الآخرة ومرة الدنيا حلوة الآخرة (١).
١٣٥ - م ٤: أبو مسلم الخولاني الداراني الزاهد، سيد التابعين بالشام. اسمه عبد الله بن ثوب على الأصح، وقيل: اسمه عبد الله بن عبد الله، وقيل: ابن ثواب، وقيل: ابن عبيد، وقيل: ابن مسلم، وقيل: اسمه يعقوب بن عوف.
قدم من اليمن، وقد أسلم في حياة النبي ﷺ ، وقدم المدينة في خلافة أبي بكر.
وروى عن عمر، ومعاذ، وأبي عبيدة، وأبي ذر، وعبادة بن الصامت.
روى عنه أبو إدريس عائذ الله الخولاني، وأبو العالية الرياحي، وجبير بن نفير، وعطاء بن أبي رباح، وشرحبيل بن مسلم، وأبو قلابة الجرمي، ومحمد بن زياد الألهاني، وعمير بن هانئ، وعطية بن قيس، ويونس بن ميسرة، وفي بعض هؤلاء من روايته عنه مرسلة.
قال إسماعيل بن عياش: حدثنا شرحبيل بن مسلم، قال: أتى أبو مسلم الخولاني المدينة وقد قبض النبي ﷺ واستخلف أبو بكر.
وقال إسماعيل: حدثنا شرحبيل، أن الأسود تنبأ باليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فأتاه بنار عظيمة، ثم ألقى أبا مسلم فيها، فلم تضره، فقيل للأسود: إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ ، فأناخ راحلته ودخل المسجد يصلي، فبصر به عمر، فقام إليه فقال: ممن الرجل؟ قال: من اليمن، فقال: ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب، قال: فنشدتك بالله أنت هو - قال: اللهم نعم، فاعتنقه عمر وبكى، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصديق وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من صنع به كما صنع بإبراهيم الخليل.
رواه غير واحد، عن
стр. 1918
عبد الوهاب بن نجدة، وهو ثقة، قال: حدثنا إسماعيل، فذكره.
ويروى عن مالك بن دينار أن كعبا رأى أبا مسلم الخولاني، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو مسلم الخولاني. قال: هذا حكيم هذه الأمة.
وقال معمر، عن الزهري، قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فكان يتناول عائشة ﵂، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك عن رجل من أهل الشام كان قد أوتي حكمة؟ قال: من هو؟ قلت: أبو مسلم الخولاني، سمع أهل الشام ينالون من عائشة فقال: ألا أخبركم بمثلي ومثل أمكم هذه، كمثل عينين في رأس يؤذيان صاحبهما، ولا يستطيع أن يعاقبهما إلا بالذي هو خير لهما، فسكت. وقال الزهري: أخبرنيه أبو دريس الخولاني، عن أبي مسلم.
وقال عثمان بن أبي العاتكة: علق أبو مسلم سوطا في مسجده، وكان يقول: أنا أولى بالسوط من البهائم، فإذا دخلته فترة مشق (١) ساقيه سوطا أو سوطين.
قال: وكان يقول: لو رأيت الجنة عيانا والنار عيانا ما كان عندي مستزاد.
وقال إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل: إن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله، فلم يجداه، فأتيا المسجد فوجداه يركع، فانتظرا انصرافه، وأحصيا، فقال أحدهما: إنه ركع ثلاثمائة ركعة، والآخر أربعمائة ركعة، قبل أن ينصرف.
وقال الوليد بن مسلم: أخبرني عثمان بن أبي العاتكة أن أبا مسلم الخولاني سمع رجلا يقول: من سبق اليوم؟ فقال: أنا السابق، قالوا: وكيف يا أبا مسلم؟ قال: أدلجت من داريا، فكنت أول من دخل مسجدكم.
وقال أبو بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، قال: دخل أناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غاز في أرض الروم، وقد احتفر جورة في فسطاطه، وجعل فيها نطعا، وأفرغ فيه الماء، وهو يتصلق (٢) فيه، قالوا: ما
стр. 1919
حملك على الصيام وأنت مسافر؟ قال: لو حضر قتال لأفطرت ولتهيأت له وتقويت، إن الخيل لا تجري الغايات (١) وهن بدن، إنما تجري وهن ضمر، ألا وإن أمامنا باقية جائية لها نعمل.
وقال يزيد بن يزيد بن جابر: كان أبو مسلم الخولاني يكثر أن يرفع صوته بالتكبير، حتى مع الصبيان، ويقول: اذكر الله حتى يرى الجاهل أنك مجنون.
وقال محمد بن زياد الألهاني، عن أبي مسلم الخولاني - وأراه منقطعا - أنه كان إذا غزا أرض الروم، فمروا بنهر قال: أجيزوا باسم الله، ويمر بين أيديهم، فيمرون بالنهر الغمر، فربما لم يبلغ من الدواب إلا الركب، فإذا جازوا قال: هل ذهب لكم شيء، فألقى بعضهم مخلاته، فلما جاوزوا قال: مخلاتي وقعت، قال: اتبعني، فاتبعته، فإذا بها معلقة بعود في النهر، فقال: خذها.
وقال سليمان بن المغيرة، عن حميد الطويل: إن أبا مسلم أتى على دجلة، وهي ترمي بالخشب من مدها، فوقف عليها ثم حمد الله وأثنى عليه، وذكر مسير بني إسرائيل في البحر ثم لهز دابته، فخاضت الماء، وتبعه الناس حتى قطعوا، ثم قال: هل فقدتم شيئا، فأدعوا الله أن يرده علي؟
وقال عنبسة بن عبد الواحد: حدثنا عبد الملك بن عمير قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا استسقى سقي.
وقال بقية، عن محمد بن زياد، عن أبي مسلم الخولاني: إن امرأة خببت (٢) عليه امرأته، فدعا عليها، فذهب بصرها، فأتته، فاعترفت، وقالت: إني لا أعود، فقال: اللهم إن كانت صادقة فاردد بصرها، فأبصرت.
وقال ضمرة بن ربيعة، عن بلال بن كعب قال: قال الصبيان لأبي مسلم الخولاني: ادع الله أن يحبس علينا هذا الظبي فنأخذه، فدعا الله فحبسه عليهم حتى أخذوه.
стр. 1920
وروى عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه: قالت امرأة أبي مسلم الخولاني: ليس لنا دقيق. فقال: هل عندك شيء؟ قالت: درهم بعنا به غزلا، قال: ابغنيه، وهاتي الجراب، فدخل السوق، فأتاه سائل وألح، فأعطاه الدرهم، وملأ الجراب من نحاتة النجارة مع التراب، وأتى وقلبه مرعوب منها، فرمى الجراب وذهب، ففتحته، فإذا به دقيق حوارى فعجنت وخبزت، فلما ذهب من الليل هوي جاء فنقر الباب، فلما دخل وضعت بين يديه خوانا وأرغفة، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الدقيق الذي جئت به، فجعل يأكل ويبكي. رواها ضمرة بن ربيعة، عن عثمان.
وقال أبو مسهر، وغيره: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، أن أبا مسلم استبطأ خبر جيش كان بأرض الروم، فبينا هو على تلك الحال، إذ دخل طائر فوقع وقال: أنا أربيابيل (١) مسل الحزن من صدور المؤمنين، فأخبره خبر ذلك الجيش، فقال أبو مسلم: ما جئت حتى استبطأتك.
وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو مسلم الخولاني يرتجز يوم صفين ويقول:
ما علتي ما علتي … وقد لبست درعتي
أموت عبد طاعتي
وقال إسماعيل بن عياش: حدثنا هشام بن الغاز، قال: حدثني يونس الهرم، أن أبا مسلم الخولاني قام إلى معاوية وهو على المنبر، فقال: يا معاوية، إنما أنت قبر من القبور، إن جئت بشيء كان لك شيء، وإلا فلا شيء لك، يا معاوية، لا تحسب أن الخلافة جمع المال وتفرقته، إنما الخلافة القول بالحق، والعمل بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله، يا معاوية، إنا لا نبالي بكدر الأنهار إذا صفا لنا رأس عيننا، إياك أن تميل على قبيلة، فيذهب حيفك بعدلك، ثم جلس. فقال له معاوية: يرحمك الله يا أبا مسلم.
وقال أبو بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، قال: دخل أبو مسلم على معاوية، فقام بين السماطين فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا:
стр. 1921
مه. قال: دعوه فهو أعرف بما يقول، وعليك السلام يا أبا مسلم، ثم وعظه وحثه على العدل.
وقال إسماعيل بن عياش: حدثنا شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني، أنه كان إذا دخل الروم لا يزال في المقدمة، حتى يؤذن للناس، فإذا أذن لهم كان في الساقة، وكانت الولاة يتيمنون به، فيؤمرونه على المقدمات.
وقال سعيد بن عبد العزيز: توفي أبو مسلم بأرض الروم، وكان قد شتى مع بسر بن أبي أرطاة، فأدركه أجله، فأتاه بسر في مرضه، فقال له أبو مسلم: اعقد لي على من مات في هذه الغزاة من المسلمين، فإني أرجو أن آتي بهم يوم القيامة على لوائهم.
وقال الإمام أحمد: حدثت عن محمد بن شعيب، عن بعض مشيخة دمشق، قال: أقبلنا من أرض الروم، فمررنا بالعمير، على أربعة أميال من حمص في آخر الليل، فاطلع الراهب من صومعة، فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ قلنا: نعم. قال: إذا أتيتموه فأقرئوه السلام، فإنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم، أما إنكم لا تجدونه حيا، فلما أشرفنا على الغوطة بلغنا موته.
قال الحافظ ابن عساكر (١): يعني سمعوا ذلك. وكانت وفاته بأرض الروم كما حكينا.
وقال ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن سعيد بن هانئ، قال: قال معاوية: إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخولاني، وكريب بن سيف الأنصاري.
هذا حديث حسن الإسناد، يعني أن أبا مسلم توفي قبل معاوية. وقد قال المفضل بن غسان: توفي علقمة وأبو مسلم الخولاني سنة اثنتين وستين (٢).
стр. 1922
أبو ميسرة الهمداني هو عمرو بن شرحبيل، مر.
١٣٦ - ع: أبو واقد الليثي.
له صحبة ورواية، وروى أيضا عن أبي بكر، وعمر، وشهد فتح مكة، وكان يكون بالمدينة وبمكة، وبمكة توفي.
روى عنه عطاء بن يسار، وسعيد بن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وبسر بن سعيد، وأبو مرة مولى عقيل المدنيون، وغيرهم، وعاش خمسا وسبعين سنة.
وقال الواقدي: توفي سنة ثمان وستين وله خمس وستين.
قال أبو أحمد الحاكم: إن أبا واقد هذا شهد بدرا. وكذا قال قبله البخاري، وسماه الحارث بن عوف (١).
وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني أبي، عن رجل من مازن، عن أبي واقد، قال: إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر، فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قتله.
وقال إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي: إن أبا واقد الليثي أسلم يوم الفتح.
قلت: فما يبعد أن يكون أبو واقد رجلين.
قال يحيى بن بكير والفلاس: توفي أبو واقد الليثي سنة ثمان وستين وله سبعون سنة (٢).
ابن مفرغ الحميري الشاعر، اسمه يزيد، تقدم.
стр. 1923
الطبقة الثامنة
(٧١ - ٨٠ هـ)
стр. 1924
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وسبعين
توفي فيها: عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، والبراء بن عازب.
وفيها خرج عبد الله بن ثور أحد بني قيس بن ثعلبة بالبحرين، فوجه مصعب بن الزبير إلى قتاله عبد الرحمن الإسكاف، فالتقوا بجواثا فانهزم عبد الرحمن والناس.
وفيها: حج بالناس أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير.
وعرف بمصر عبد العزيز بن مروان، وكان أول من عرف بمصر. يعني اجتمع الناس عشية عرفة ودعا لهم أو وعظهم.
وفيها، أو في التي بعدها. قتل بخراسان أميرها أبو صالح عبد الله بن خازم (١) بن أسماء بن الصلت السلمي، أحد الشجعان المذكورين والأبطال المعدودين، ويقال: له صحبة ورواية، ثار به أهل خراسان وقتله وكيع ابن الدورقية.
وقيل: إن عبد الملك بن مروان كتب إلى ابن خازم كتابا بولاية خراسان، فمزق كتابه وسب رسوله، فكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح: إن قتلت ابن خازم فأنت الأمير، فعمل على قتله وتأمر بكير على البلاد حتى قدم أمية بن عبد الله.
وكان في خلافة عثمان ﵁ قد جمع قارن بهراة، وأقبل في أربعين ألفا، فهرب قيس بن الهيثم وترك البلاد، فقام بأمر المسلمين عبد الله بن خازم هذا، وجمع أربعة آلاف، ولقي قارنا فهزم جموعه وقتل قارن، وكتب إلى عبد الله بن عامر بالفتح، فأقره ابن عامر أمير العراق على خراسان.
قال الواقدي: فيها افتتح عبد الملك قيسارية.
стр. 1925
سنة اثنتين وسبعين
توفي فيها معبد بن خالد الجهني والأحنف بن قيس، وعبيدة السلماني، والحارث بن سويد التيمي.
وقتل فيها: مصعب بن الزبير. وإبراهيم بن الأشتر. وعيسى وعروة ولدا مصعب ومسلم بن عمرو الباهلي.
وكان مصعب قد سار كعادته إلى الشام إلى قتال عبد الملك بن مروان واستئصاله، وسار إليه عبد الملك، فجرت بينهما وقعة هائلة بدير الجاثليق، ومسكن بالقرب من أوانا.
وكان قد كاتب عبد الملك جماعة من الأشراف المائلين إلى بني أمية وغير المائلين يمنيهم ويعدهم إمرة العراق وإمرة أصبهان وغير ذلك، فأجابوه. وأما إبراهيم بن الأشتر فلم يجبه، وأتى بكتابه مصعبا، وفيه إن بايعه ولاه العراق. وقال لمصعب: قد كتب إلى أصحابك بمثل كتابي فأطعني واضرب أعناقهم، فقال: إذًا لا تناصحنا عشائرهم، قال: فأوقرهم حديدا واسجنهم بأبيض كسرى ووكل بهم من إن غلبت ضرب أعناقهم، وإن نصرت مننت عليهم، قال: يا أبا النعمان إني لفي شغل عن ذلك، يرحم الله أبا بحر - يعني الأحنف - إن كان ليحذر غدر العراق.
وقال عبد القاهر بن السري: هم أهل العراق بالغدر بمصعب، فقال قيس بن الهيثم: ويحكم لا تدخلوا أهل الشام عليكم، فوالله لئن تطعموا بعيشكم لتضيقين عليكم منازلكم بهم.
وكان إبراهيم أشار عليه بقتل زياد بن عمرو ومالك بن مسمع، فلما التقى الجمعان قلب القوم أترستهم ولحقوا بعبد الملك.
وقال الطبري (١): لما تدانى الجمعان حمل إبراهيم بن الأشتر على محمد بن مروان فأزاله عن موضعه، ثم هرب عتاب بن ورقاء، وكان على الخيل مع مصعب. وجعل مصعب كلما قال لمقدم من عسكره: تقدم، لا
стр. 1926
يطيعه، فذكر محمد بن سلام الجمحي، قال: أخبر عبد الله بن خازم أمير خراسان بمسير مصعب إلى عبد الملك، فقال: أمعه عمر بن عبيد الله التيمي؟ قيل: لا، استعمله على فارس. قال: ف عه المهلب بن أبي صفرة؟ قالوا: لا، استعمله على الموصل قال: فمعه عباد بن الحصين؟ قيل: لا، استعمله على البصرة. فقال ابن خازم: وأنا بخراسان، ثم تمثل:
خذيني وجريني ضباع وأبشري بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره قال الطبري (١): فقال مصعب لابنه عيسى: اركب بمن معك إلى عمك ابن الزبير، فأخبره بما صنع أهل العراق، ودعني فإني مقتول. فقال: والله لا أخبر قريشا عنك أبدا، ولكن الحقْ بالبصرة فهم على الجماعة والطاعة، قال: لا تتحدث قريش أني فررت بما صنعت ربيعة من خذلانها، ولكن: أقاتل، فإن قتلت فما السيف بعار.
وقال إسماعيل بن أبي المهاجر: أرسل عبد الملك مع أخيه محمد بن مروان إلى مصعب: إني معطيك الأمان يا ابن العم، فقال مصعب: إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا.
وقيل: إن مصعبا أبى الأمان، وأنهم أثخنوه بالرمي، ثم شد عليه زائدة بن قدامة الثقفي، فطعنه وقال: يا لثارات المختار. وكان ممن قاتل مع مصعب.
وقال عبد الله بن مصعب الزبيري، عن أبيه، قال: لما تفرق عن مصعب جنده قيل له: لو اعتصمت ببعض القلاع وكاتبت من بعد عنك كالمهلب وفلان، فإذا اجتمع لك من ترضاه لقيت القوم فقد ضعفت جدا واختل أصحابك، فلبس سلاحه وخرج فيمن بقي وهو يتمثل بشعر طريف العنبري الذي كان يعد بألف فارس بخراسان:
علام أقول السيف يثقل عاتقي … إذا أنا لم أركب به المركب الصعبا
سأحميكم حتى أموت ومن يمت … كريما فلا لوما عليه ولا عتبا
стр. 1927
وروى غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد، قال: قال ابن الأشتر لمصعب: ابعث إلى زياد بن عمرو ومالك بن مسمع ووجوه من وجوه أهل البصرة فاضرب أعناقهم، فإنهم قد أجمعوا على أن يغدروا بك، فأبى، فقال ابن الأشتر: فإني أخرج الآن في الخيل، فإذا قتلت فأنت أعلم. قال: فخرج وقاتل حتى قتل.
وقال الفسوي (١): قتل مع مصعب ابنه عيسى، وجرح مسلم بن عمرو الباهلي فقال: احملوني إلى خالد بن يزيد، فحمل إليه، فاستأمن له. ووثب عبيد الله بن زياد بن ظبيان على مصعب فقتله عند دير الجاثليق، وذهب برأسه إلى عبد الملك، فسجد لله. وكان عبيد الله فاتكا رديا، فكان يتلهف ويقول: كيف لم أقتل عبد الملك يومئذ حين سجد، فأكون قد قتلت ملكي العرب.
وقال أبو اليقظان وغيره: طعنه زائدة واحتز رأسه ابن ظبيان.
ولابن قيس الرقيات:
لقد أورث المصرين حزنا وذلة … قتيل بدير الجاثليق مقيم
فما قاتلت في الله بكر بن وائل … ولا صبرت عند اللقاء تميم
وكل ثمالي عند مقتل مصعب … غداة دعاهم للوفاء دحيم
وقال ابن سعد (٢): إن مصعبا قال يوما وهو يسير لعروة بن المغيرة بن شعبة: أخبرني عن حسين بن علي كيف صنع حين نزل به، فأنشأ يحدثه عن صبره، وإبائه ما عرض عليه، وكراهيته أن يدخل في طاعة عبيد الله حتى قتل، قال: فضرب بسوطه على معرفة فرسه وقال:
وإن الألى بالطف من آل هاشم … تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
قال: فعرفت والله أنه لا يفر، وأنه سيصبر حتى يقتل. وقال: والتقيا بمسكن، فقال عبد الملك: ويلكم ما أصبهان هذه؟ قيل: سرة العراق،
стр. 1928
قال: قد والله كتب إلي أكثر من ثلاثين من أشراف العراق، وكلهم يقول: إن خببت بمصعب فلي أصبهان.
قال ابن سعد (١): فكتب إلى كل منهم: أن نعم، فلما التقوا قال مصعب لربيعة: تقدموا للقتال. فقالوا: هذه مخروءة بين أيدينا فقال: ما تأتون أنتن من المخروءة، يعني: تخلفكم عن القتال.
وقد كانت ربيعة قبل مجمعة على خذلانه، فأظهرت ذلك، فخذله الناس. ولم يتقدم أحد يقاتل دونه، فلما رأى ذلك قال: المرء ميت، فلأن يموت كريما أحسن به من أن يضرع (٢) إلى من قد وتره، لا أستعين بربيعة أبدا ولا بأحد من أهل العراق، ما وجدنا لهم وفاء، انطلق يا بني إلى عمك فأخبره بما صنع أهل العراق، ودعني. فإني مقتول، فقال: والله لا أخبر نساء قريش بصرعتك أبدا، قال: فإن أردت أن تقاتل فتقدم حتى أحتسبك، فقاتل حتى قتل، وتقدم إبراهيم بن الأشتر فقاتل قتالا شديدا حتى أخذته الرماح فقتل، ومصعب جالس على سرير، فأقبل إليه نفر ليقتلوه، فقاتل أشد القتال حتى قتل، واحتز ابن ظبيان رأسه. وبايع أهل العراق لعبد الملك ودخلها، واستخلف على الكوفة أخاه بشر بن مروان.
قيل: إن ابن الزبير لما بلغه مقتل أخيه مصعب قام فقال: الحمد لله الذي خلق الخلق، ثم ذكر مصرع أخيه وقال: ألا إن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه، والله ما نموت على مضاجعنا كما يموت بنو أبي العاص، فما قتل منهم رجل في زحف ولا نموت إلا قعصا بالرماح، وتحت ظلال السيوف.
وفيها خرج أبو فديك فغلب على البحرين. وقيل هو الذي قتل نجدة الحروري، فسار إليه جيش من البصرة، عليهم أمية بن عبد الله بن خالد الأموي أخو أميرها خالد، فهزمه أبو فديك، فكتب عبد الملك بن مروان إلى خالد يعنفه لكونه استعمل أمية على حرب الخوارج، ولم يستعمل المهلب،
стр. 1929
وأمره أن ينهض إليهم بنفسه، ويستعين برأي المهلب، ولا يعمل أمرا دونه. وكتب إلى بشر بن مروان يمده بخمسة آلاف، عليها عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فسار خالد بالناس حتى قدم الأهواز، وسارت إليه الأزارقة، فتنازل الجيشان نحوا من عشرين ليلة، ثم زحف إليهم خالد فأخذوا ينحازون، فاجترأ عليهم الناس، وكرت عليهم الخيل، فولوا مدبرين على حمية، وقتل منهم خلق، واتبعهم داود بن قحذم أمير الميسرة وعتاب بن ورقاء، وجعلوا يتطلبونهم بفارس، حتى هلكت خيول الجند وجاعوا، ورجع كثير منهم مشاة.
قال الطبري في تاريخه (١): وفيها كانت وقعت بين ابن خازم أمير خرسان، وبين بحير بن ورقاء بقرب مرو، وقتل خلق، وقتل عبد الله بن خازم في الوقعة، ولي قتله وكيع بن عميرة ابن الدورقية.
ويقال: اعتور عليه بحير وعمار الجشمي وابن الدورقية وطعنوه فصرعوه، فقيل لوكيع: كيف قتلته؟ قال: غلبته بفضل القنا، ولما صرع قعدت على صدره، فحاول القيام فلم يقدر، وقلت: يا ثارات دويلة - وهو أخو وكيع لأمه قتل تلك المدة - قال: فتنخم في وجهي وقال: لعنك الله، تقتل كبش مضر بأخيك علج لا يسوى كفا من نوى، فما رأيت أحدا أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت ثم أقبل بكير بن وساج، فأراد أخذ رأس عبد الله بن خازم، فمنعه بحير، فضربه بكير بعمود وأخذ الرأس، وقيد بحيرا، وبعث بالرأس إلى عبد الملك بن مروان.
ثم حكى ابن جرير الطبري (٢) الخلاف في أن ابن خازم إنما قتل بعد مقتل عبد الله بن الزبير، وأن رأس ابن الزبير ورد على ابن خازم، فحلف أن لا يعطي عبد الملك طاعة أبدا، وأنه دعا بطست فغسل الرأس وكفنه وحنطه، وصلى عليه، وبعث به إلى آل الزبير بالمدينة.
قلت: ولعله رأس مصعب بن الزبير.
стр. 1930
وكان عبد الملك بعث إلى ابن خازم مع سورة النميري: أن لك خراسان سبع سنين على أن تبايعني، فقال للرسول: لولا أن أضرب بين بني سليم وبني عامر لقتلتك، ولكن كل هذه الصحيفة، فأكلها.
وفيها سار الحجاج إلى حرب ابن الزبير، فأول قتال كان بينهما في ذي القعدة، ودام الحصار أشهرا.
سنة ثلاث وسبعين
فيها توفي عبد الله بن عمر، وعوف بن مالك الأشجعي، وعبد الله بن الزبير، وأمه أسماء بنت الصديق، وأبو سعيد بن المعلى الأنصاري، وربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي، وعمرو بن عثمان بن عفان، وعبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وعبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، قتلوا ثلاثتهم مع ابن الزبير.
وفيها توفي: مالك بن مسمع الربعي، وأوس بن ضمعج بخلف فيه.
وفيها حاصر الحجاج مكة وبها ابن الزبير قد حصنها، ونصب الحجاج عليها المنجنيق. فروى عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، قال: حدثنا القاسم بن معن، عن هشام بن عروة، عن أبيه بحديث طويل منه: وقاتل حصين بن نمير ابنَ الزبير أياما، وأحرق فسطاطا له نصبه عند البيت، فطار الشرر إلى البيت، واحترق فيه يومئذ قرنا الكبش الذي فدي به إسحاق، إلى أن قال في الحديث: فخطب عبد الملك بن مروان وقال: من لابن الزبير؟ فقال الحجاج: أنا يا أمير المؤمنين، فأسكته، ثم أعاد قوله، فقال: أنا، فعقد له على جيش إلى مكة، فنصب المنجنيق على أبي قبيس، يرمي به على ابن الزبير وعلى من معه في المسجد، وجعل ابن الزبير على الحجر الأسود بيضة يعني خوذة ترد عنه، فقيل لابن الزبير: ألا تكلمهم في الصلح، فقال: أوحين صلح هذا، والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا، ثم قال:
ولست بمبتاع الحياة بسبة … ولا مرتق من خشية الموت سلما
أنافس سهما إنه غير بارح … ملاقي المنايا أي صرف تيمما