← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

يطيعه، فذكر محمد بن سلام الجمحي، قال: أخبر عبد الله بن خازم أمير خراسان بمسير مصعب إلى عبد الملك، فقال: أمعه عمر بن عبيد الله التيمي؟ قيل: لا، استعمله على فارس. قال: ف عه المهلب بن أبي صفرة؟ قالوا: لا، استعمله على الموصل قال: فمعه عباد بن الحصين؟ قيل: لا، استعمله على البصرة. فقال ابن خازم: وأنا بخراسان، ثم تمثل: خذيني وجريني ضباع وأبشري بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره قال الطبري (١): فقال مصعب لابنه عيسى: اركب بمن معك إلى عمك ابن الزبير، فأخبره بما صنع أهل العراق، ودعني فإني مقتول. فقال: والله لا أخبر قريشا عنك أبدا، ولكن الحقْ بالبصرة فهم على الجماعة والطاعة، قال: لا تتحدث قريش أني فررت بما صنعت ربيعة من خذلانها، ولكن: أقاتل، فإن قتلت فما السيف بعار. وقال إسماعيل بن أبي المهاجر: أرسل عبد الملك مع أخيه محمد بن مروان إلى مصعب: إني معطيك الأمان يا ابن العم، فقال مصعب: إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا. وقيل: إن مصعبا أبى الأمان، وأنهم أثخنوه بالرمي، ثم شد عليه زائدة بن قدامة الثقفي، فطعنه وقال: يا لثارات المختار. وكان ممن قاتل مع مصعب. وقال عبد الله بن مصعب الزبيري، عن أبيه، قال: لما تفرق عن مصعب جنده قيل له: لو اعتصمت ببعض القلاع وكاتبت من بعد عنك كالمهلب وفلان، فإذا اجتمع لك من ترضاه لقيت القوم فقد ضعفت جدا واختل أصحابك، فلبس سلاحه وخرج فيمن بقي وهو يتمثل بشعر طريف العنبري الذي كان يعد بألف فارس بخراسان: علام أقول السيف يثقل عاتقي … إذا أنا لم أركب به المركب الصعبا سأحميكم حتى أموت ومن يمت … كريما فلا لوما عليه ولا عتبا

стр. 1927

وروى غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد، قال: قال ابن الأشتر لمصعب: ابعث إلى زياد بن عمرو ومالك بن مسمع ووجوه من وجوه أهل البصرة فاضرب أعناقهم، فإنهم قد أجمعوا على أن يغدروا بك، فأبى، فقال ابن الأشتر: فإني أخرج الآن في الخيل، فإذا قتلت فأنت أعلم. قال: فخرج وقاتل حتى قتل. وقال الفسوي (١): قتل مع مصعب ابنه عيسى، وجرح مسلم بن عمرو الباهلي فقال: احملوني إلى خالد بن يزيد، فحمل إليه، فاستأمن له. ووثب عبيد الله بن زياد بن ظبيان على مصعب فقتله عند دير الجاثليق، وذهب برأسه إلى عبد الملك، فسجد لله. وكان عبيد الله فاتكا رديا، فكان يتلهف ويقول: كيف لم أقتل عبد الملك يومئذ حين سجد، فأكون قد قتلت ملكي العرب. وقال أبو اليقظان وغيره: طعنه زائدة واحتز رأسه ابن ظبيان. ولابن قيس الرقيات: لقد أورث المصرين حزنا وذلة … قتيل بدير الجاثليق مقيم فما قاتلت في الله بكر بن وائل … ولا صبرت عند اللقاء تميم وكل ثمالي عند مقتل مصعب … غداة دعاهم للوفاء دحيم وقال ابن سعد (٢): إن مصعبا قال يوما وهو يسير لعروة بن المغيرة بن شعبة: أخبرني عن حسين بن علي كيف صنع حين نزل به، فأنشأ يحدثه عن صبره، وإبائه ما عرض عليه، وكراهيته أن يدخل في طاعة عبيد الله حتى قتل، قال: فضرب بسوطه على معرفة فرسه وقال: وإن الألى بالطف من آل هاشم … تأسوا فسنوا للكرام التأسيا قال: فعرفت والله أنه لا يفر، وأنه سيصبر حتى يقتل. وقال: والتقيا بمسكن، فقال عبد الملك: ويلكم ما أصبهان هذه؟ قيل: سرة العراق،

стр. 1928

قال: قد والله كتب إلي أكثر من ثلاثين من أشراف العراق، وكلهم يقول: إن خببت بمصعب فلي أصبهان. قال ابن سعد (١): فكتب إلى كل منهم: أن نعم، فلما التقوا قال مصعب لربيعة: تقدموا للقتال. فقالوا: هذه مخروءة بين أيدينا فقال: ما تأتون أنتن من المخروءة، يعني: تخلفكم عن القتال. وقد كانت ربيعة قبل مجمعة على خذلانه، فأظهرت ذلك، فخذله الناس. ولم يتقدم أحد يقاتل دونه، فلما رأى ذلك قال: المرء ميت، فلأن يموت كريما أحسن به من أن يضرع (٢) إلى من قد وتره، لا أستعين بربيعة أبدا ولا بأحد من أهل العراق، ما وجدنا لهم وفاء، انطلق يا بني إلى عمك فأخبره بما صنع أهل العراق، ودعني. فإني مقتول، فقال: والله لا أخبر نساء قريش بصرعتك أبدا، قال: فإن أردت أن تقاتل فتقدم حتى أحتسبك، فقاتل حتى قتل، وتقدم إبراهيم بن الأشتر فقاتل قتالا شديدا حتى أخذته الرماح فقتل، ومصعب جالس على سرير، فأقبل إليه نفر ليقتلوه، فقاتل أشد القتال حتى قتل، واحتز ابن ظبيان رأسه. وبايع أهل العراق لعبد الملك ودخلها، واستخلف على الكوفة أخاه بشر بن مروان. قيل: إن ابن الزبير لما بلغه مقتل أخيه مصعب قام فقال: الحمد لله الذي خلق الخلق، ثم ذكر مصرع أخيه وقال: ألا إن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه، والله ما نموت على مضاجعنا كما يموت بنو أبي العاص، فما قتل منهم رجل في زحف ولا نموت إلا قعصا بالرماح، وتحت ظلال السيوف. وفيها خرج أبو فديك فغلب على البحرين. وقيل هو الذي قتل نجدة الحروري، فسار إليه جيش من البصرة، عليهم أمية بن عبد الله بن خالد الأموي أخو أميرها خالد، فهزمه أبو فديك، فكتب عبد الملك بن مروان إلى خالد يعنفه لكونه استعمل أمية على حرب الخوارج، ولم يستعمل المهلب،

стр. 1929

وأمره أن ينهض إليهم بنفسه، ويستعين برأي المهلب، ولا يعمل أمرا دونه. وكتب إلى بشر بن مروان يمده بخمسة آلاف، عليها عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فسار خالد بالناس حتى قدم الأهواز، وسارت إليه الأزارقة، فتنازل الجيشان نحوا من عشرين ليلة، ثم زحف إليهم خالد فأخذوا ينحازون، فاجترأ عليهم الناس، وكرت عليهم الخيل، فولوا مدبرين على حمية، وقتل منهم خلق، واتبعهم داود بن قحذم أمير الميسرة وعتاب بن ورقاء، وجعلوا يتطلبونهم بفارس، حتى هلكت خيول الجند وجاعوا، ورجع كثير منهم مشاة. قال الطبري في تاريخه (١): وفيها كانت وقعت بين ابن خازم أمير خرسان، وبين بحير بن ورقاء بقرب مرو، وقتل خلق، وقتل عبد الله بن خازم في الوقعة، ولي قتله وكيع بن عميرة ابن الدورقية. ويقال: اعتور عليه بحير وعمار الجشمي وابن الدورقية وطعنوه فصرعوه، فقيل لوكيع: كيف قتلته؟ قال: غلبته بفضل القنا، ولما صرع قعدت على صدره، فحاول القيام فلم يقدر، وقلت: يا ثارات دويلة - وهو أخو وكيع لأمه قتل تلك المدة - قال: فتنخم في وجهي وقال: لعنك الله، تقتل كبش مضر بأخيك علج لا يسوى كفا من نوى، فما رأيت أحدا أكثر ريقا منه على تلك الحال عند الموت ثم أقبل بكير بن وساج، فأراد أخذ رأس عبد الله بن خازم، فمنعه بحير، فضربه بكير بعمود وأخذ الرأس، وقيد بحيرا، وبعث بالرأس إلى عبد الملك بن مروان. ثم حكى ابن جرير الطبري (٢) الخلاف في أن ابن خازم إنما قتل بعد مقتل عبد الله بن الزبير، وأن رأس ابن الزبير ورد على ابن خازم، فحلف أن لا يعطي عبد الملك طاعة أبدا، وأنه دعا بطست فغسل الرأس وكفنه وحنطه، وصلى عليه، وبعث به إلى آل الزبير بالمدينة. قلت: ولعله رأس مصعب بن الزبير.

стр. 1930

وكان عبد الملك بعث إلى ابن خازم مع سورة النميري: أن لك خراسان سبع سنين على أن تبايعني، فقال للرسول: لولا أن أضرب بين بني سليم وبني عامر لقتلتك، ولكن كل هذه الصحيفة، فأكلها. وفيها سار الحجاج إلى حرب ابن الزبير، فأول قتال كان بينهما في ذي القعدة، ودام الحصار أشهرا. سنة ثلاث وسبعين فيها توفي عبد الله بن عمر، وعوف بن مالك الأشجعي، وعبد الله بن الزبير، وأمه أسماء بنت الصديق، وأبو سعيد بن المعلى الأنصاري، وربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي، وعمرو بن عثمان بن عفان، وعبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وعبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، قتلوا ثلاثتهم مع ابن الزبير. وفيها توفي: مالك بن مسمع الربعي، وأوس بن ضمعج بخلف فيه. وفيها حاصر الحجاج مكة وبها ابن الزبير قد حصنها، ونصب الحجاج عليها المنجنيق. فروى عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، قال: حدثنا القاسم بن معن، عن هشام بن عروة، عن أبيه بحديث طويل منه: وقاتل حصين بن نمير ابنَ الزبير أياما، وأحرق فسطاطا له نصبه عند البيت، فطار الشرر إلى البيت، واحترق فيه يومئذ قرنا الكبش الذي فدي به إسحاق، إلى أن قال في الحديث: فخطب عبد الملك بن مروان وقال: من لابن الزبير؟ فقال الحجاج: أنا يا أمير المؤمنين، فأسكته، ثم أعاد قوله، فقال: أنا، فعقد له على جيش إلى مكة، فنصب المنجنيق على أبي قبيس، يرمي به على ابن الزبير وعلى من معه في المسجد، وجعل ابن الزبير على الحجر الأسود بيضة يعني خوذة ترد عنه، فقيل لابن الزبير: ألا تكلمهم في الصلح، فقال: أوحين صلح هذا، والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا، ثم قال: ولست بمبتاع الحياة بسبة … ولا مرتق من خشية الموت سلما أنافس سهما إنه غير بارح … ملاقي المنايا أي صرف تيمما

стр. 1931

قال: وكان على ظهر المسجد طائفة من أعوان ابن الزبير يرمون عدوه بالآجر، وحمل ابن الزبير فأصابته آجرة في مفرقه فلقت رأسه. وقال الواقدي: حدثنا مصعب بن ثابت، عن أبي الأسود، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: وحدثنا شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، وحدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ قالوا: لما قتل عبد الملك مصعبا بعث الحجاج إلى ابن الزبير في ألفين، فنزل الطائف، وبقي يبعث البعوث إلى عرفة، ويبعث ابن الزبير بعثا فتهزم خيل ابن الزبير، ويرد أصحاب الحجاج إلى الطائف، فكتب الحجاج إلى عبد الملك في دخول الحرم ومحاصرة ابن الزبير، وأن يمده بجيش، فأجابه وكتب إلى طارق بن عمرو فقدم على الحجاج في خمسة آلاف، فحج الحجاج بالناس، سنة اثنتين يعني، ثم صدر الحجاج بن يوسف وطارق ولم يطوفا بالبيت ولا قربا النساء حتى قتل ابن الزبير فطافا، وحصر ابن الزبير من ليلة هلال ذي القعدة ستة أشهر (١) وسبع عشرة ليلة، وقدم على ابن الزبير حبشان من أرض الحبشة، فجعلوا يرمون فلا يقع لهم مزراق (٢) إلا في إنسان، فقتلوا خلقا، وكان معه أيضا من خوارج أهل مصر، فقاتلوا قتالا شديدا، ثم ذكروا عثمان فتبرءوا منه، فبلغ ابن الزبير فناكرهم، فانصرفوا عنه. وألح عليه الحجاج بالمنجنيق وبالقتال من كل وجه، وحبس عنهم الميرة فجاعوا، وكانوا يشربون من زمزم فيعصمهم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة. وحدثنا شرحبيل، عن أبيه قال: سمعت ابن الزبير يقول لأصحابه: انظروا كيف تضربون بسيوفكم، وليصن الرجل سيفه كما يصون وجهه، فإنه قبيح بالرجل أن يخطئ مضرب سيفه، فكنت أرمقه إذا ضرب فما يخطئ مضربا واحدا شبرا من ذباب السيف أو نحوه، وهو يقول: خذها وأنا ابن الحواري.

стр. 1932

فلما كان يوم الثلاثاء قام بين الركن والمقام فقاتلهم أشد القتال، وجعل الحجاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام، يا أهل الشام، الله الله في الطاعة، فيشدون الشدة الواحدة حتى يقال: قد اشتملوا عليه، فيشد عليهم حتى يفرجهم ويبلغ بهم باب بني شيبة ثم يكر ويكرون عليه، وليس معه أعوان، فعل ذلك مرارا حتى جاءه حجر عائر من ورائه فأصابه في قفاه فوقذه فارتعش ساعة، ثم وقع لوجهه، ثم انتهض فلم يقدر على القيام، وابتدره الناس، وشد عليه رجل من أهل الشام فضرب الرجل فقطع رجليه وهو متك على مرفقه الأيسر، وجعل يضربه وما يقدر أن ينهض حتى كثروه، فصاحت امرأة من الدار: وا أمير المؤمنيناه قال: وابتدروه فقتلوه ﵀. وقال الواقدي: حدثني إسحاق بن يحيى، عن يوسف بن ماهك، قال: رأيت المنجنيق يرمى به، فرعدت السماء وبرقت، واشتد الرعد، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا، فجاء الحجاج ورفع الحجر بيده ورمى معهم، ثم إنهم جاءتهم صاعقة تتبعها أخرى، فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا، فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: لا تنكروا هذا فهذه صواعق تهامة، ثم جاءت صاعقة فأصابت عدة من أصحاب ابن الزبير من الغد. وقال الواقدي: حدثني إسحاق بن عبد الله، عن المنذر بن الجهم قال: رأيت ابن الزبير يوم قتل وقد خذله من معه خذلانا شديدا، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج نحو من عشرة آلاف، وقيل: إن ممن فارقه ولعله من الجوع ابناه حمزة وخبيب، فخرجا إلى الحجاج وطلبا أمانا لأنفسهما. فروى الواقدي عن ابن أبي الزناد، عن محمد بن سليمان، قال: دخل ابن الزبير على أمه فقال: يا أمه خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، ولم يبق معي إلا من ليس عنده دفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطوني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ قالت: أنت أعلم، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك. فقبل رأسها وقال: هذا رأيي الذي قمت به، ما

стр. 1933

ركنت إلى الدنيا، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله، فانظري فإني مقتول، فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله، في كلام طويل بينهما. قال: وجعل ابن الزبير يحمل فيهم كأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه أحد ويقول: لو كان قرني واحدا كفيته، وبات ليلة الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى وقد أخذ عليه الحجاج بالأبواب، فبات يصلي عامة الليل، ثم احتبى بحمائل سيفه فأغفى، ثم انتبه بالفجر، فصلى الصبح فقرأ: ن حرفا حرفا، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه، وأوصى بالثبات، ثم حمل حتى بلغ الحجون، فأصيب بآجرة في وجهه شجته، فقال: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم تكاثروا عليه فقتلوه، وبعث برأسه، ورأسي عبد الله بن صفوان، وعمارة بن عمرو بن حزم إلى الشام بعد أن نصبوا بالمدينة. واستوسق (١) الأمر لعبد الملك بن مروان، واستعمل على الحرمين الحجاج بن يوسف، فنقض الكعبة التي من بناء ابن الزبير، وكانت تشعثت من المنجنيق، وانفلق الحجر الأسود من المنجنيق فشعبوه، وبناها الحجاج على بناء قريش ولم ينقضها إلا من جهة الميزاب، وسد الباب الذي أحدثه ابن الزبير وهو ظاهر المكان. وفيها غزا محمد بن مروان بن الحكم قيسارية وهزم الروم. وفيها سار عمر بن عبيد الله التيمي بأهل البصرة في نحو عشرة آلاف لحرب أبي فديك، فالتقوا فكان على ميمنة أهل البصرة محمد بن موسى بن طلحة، وعلى الميسرة أخوه عمر بن موسى. فانكسرت الميسرة، وأثخن أميرها بالجراح، وأخذته الخوارج فأحرقوه في الحال، ثم تناخى المسلمون وحملوا حتى استباحوا عسكر الخوارج، وقتل أبو فديك وحصروهم في المشقر، ثم نزلوا على الحكم فقتل عمر بن عبيد الله منهم نحو ستة آلاف، وأسر ثمانمائة، وكان أبو فديك قد أسر جارية أمية بن

стр. 1934

عبد الله، فأصابوها وقد حبلت من أبي فديك. وفيها عزل عبد الملك بن مروان خالدا عن البصرة وأضافها إلى أخيه بشر بن مروان واستعمل على خراسان بكير بن وشاح. سنة أربع وسبعين توفي فيها رافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري. وسلمة بن الأكوع. وخرشة بن الحر الكوفي يتيم عمر. وعاصم بن ضمرة. وعبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، له رؤية. ومحمد بن حاطب الجمحي. ومالك بن أبي عامر الأصبحي جد مالك الإمام. وأبو جحيفة السوائي. وفيها في أولها قيل: إن ابن عمر توفي، وقد ذكر. وفيها سار الحجاج من مكة بعدما بنى البيت الحرام إلى المدينة، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعنت أهلها، وبنى بها مسجدا في بني سلمة، فهو ينسب إليه، واستخف فيها ببقايا الصحابة وختم في أعناقهم؛ فروى الواقدي، عن ابن أبي ذئب، عمن رأى جابر بن عبد الله مختوما في يده، ورأى أنسا مختوما في عنقه، يذلهم بذلك. قال الواقدي: وحدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: رأيت الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد الساعدي، فقال: ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان؟ قال: قد فعلت، قال: كذبت، ثم أمر به فختم في عنقه برصاص. وفيها - ذكره ابن جرير (١) - ولى عبد الملك المهلب بن أبي صفرة حرب الأزارقة، فشق ذلك على بشر، وأمره أن يختار من أراد من جيش العراق، فسار حتى نزل رامهرمز، فلقي بها الخوارج، فخندق عليه. وفيها عزل عبد الملك بكير بن وشاح عن خراسان، واستعمل عليها أمية بن عبد الله بن خالد، عزل بكيرا خوفا من افتراق تميم بخراسان، فإنه أخرج ابن عمه بحيرا من الحبس، فالتف على بحير خلق، فخاف أهل خراسان وكتبوا إلى عبد الملك أن يولي عليهم قرشيا لا يحسد ولا يتعصب

стр. 1935

عليه، ففعل. وكان أمية سيدا شريفا فلم يتعرض لبكير ولا لعماله، بل عرض عليه أن يوليه شرطته، فامتنع، فولاها بحير بن ورقاء. ويقال: فيها كان مقتل أبي فديك، وقد مر في سنة ثلاث. سنة خمس وسبعين فيها توفي العرباض بن سارية السلمي. وأبو ثعلبة الخشني، وكريب بن أبرهة الأصبحي أمير الإسكندرية، وبشر بن مروان أمير العراق، وعمرو بن ميمون الأودي فيها، وقيل: في التي قبلها. وسليم بن عتر التجيبي قاضي مصر وقاصها. وفيها وفد عبد العزيز بن مروان على أخيه، واستخلف على مصر زياد بن حناطة التجيبي، فتوفي زياد في شوال، واستخلف أصبغ بن عبد العزيز بن مروان. وفيها حج بالناس عبد الملك بن مروان، وخطب على منبر رسول الله ﷺ . وسير على إمرة العراق الحجاج، فسار من المدينة إلى الكوفة في اثني عشر راكبا بعد أن وهب البشير ثلاثة آلاف دينار. قال الوليد بن مسلم: حدثني عبيد الله بن يزيد بن أبي مسلم الثقفي، عن أبيه، قال: كان الحجاج عاملا لعبد الملك على مكة، فكتب إليه بولايته على العراق، قال: فخرجت معه في نفر ثمانية أو تسعة على النجائب، فلما كنا بماء قريب من الكوفة نزل فاختضب وتهيأ، وذلك في يوم جمعة، ثم راح معتما قد ألقى عذبة العمامة بين كتفيه متقلدا سيفه، حتى نزل عند دار الإمارة عند مسجد الكوفة، وقد أذن المؤذن بالأذان الأول، فخرج عليهم الحجاج وهم لا يعلمون، فجمع بهم، ثم صعد المنبر فجلس عليه فسكت، وقد اشرأبوا إليه وجثوا على الركب وتناولوا الحصى ليقذفوه بها، وقد كانوا حصبوا عاملا قبله، فخرج عنهم، فسكت سكتة أبهتتهم، وأحبوا أن يسمعوا كلامه، فكان بدء كلامه أن قال: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق ويا أهل النفاق، والله إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتي إليكم، ولقد كنت أدعو الله أن يبتليكم بي، فأجاب دعوتي، ألا إني أسريت البارحة فسقط مني سوطي،

стр. 1936

فاتخذت هذا مكانه - وأشار إلى سيفه - فوالله لأجرنه فيكم جر المرأة ذيلها، ولأفعلن ولأفعلن. قال يزيد: فرأيت الحصى متساقطا من أيديهم، وقال: قوموا إلى بيعتكم، فقامت القبائل قبيلة قبيلة تبايع، فيقول: من؟ فتقول: بنو فلان، حتى جاءته قبيلة فقال: من؟ قالوا: النخع، قال: منكم كميل بن زياد؟ قالوا: نعم، قال: فما فعل؟ قالوا: أيها الأمير شيخ كبير، قال: لا بيعة لكم عندي ولا تقربون حتى تأتوني به. قال: فأتوه به منعوشا في سرير حتى وضعوه إلى جانب المنبر، فقال: ألا لم يبق ممن دخل على عثمان الدار غير هذا، فدعا بنطع وضربت عنقه (١). وقال أبو بكر الهذلي: حدثني من شهد الحجاج حين قدم العراق، فبدأ بالكوفة، فنودي: الصلاة جامعة، فأقبل الناس إلى المسجد، والحجاج متقلد قوسا عربية وعليه عمامة خز حمراء متلثما، فقعد وعرض القوس بين يديه، ثم لم يتكلم حتى امتلأ المسجد، قال محمد بن عمير: فسكت حتى ظننت أنه إنما يمنعه العي، وأخذت في يدي كفا من حصى أردت أن أضرب به وجهه، فقام فوضع نقابه، وتقلد قوسه، وقال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني. إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى. ليس بعشك فادرجي … قد شمرت عن ساقها فشمري هذا أوان الحرب فاشتدي زيم … قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم … ولا بجزار على ظهر وضم قد لفها الليل بعصلبي … أروع خراج من الدوي مهاجر ليس بأعرابي

стр. 1937

إني والله ما أغمز غمز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وجريت من الغاية (١)، فإنكم يا أهل العراق طالما أوضعتم في الضلالة، وسلكتم سبيل الغواية، أما والله لألحينكم لحي العود، ولأعصبنكم عصب السلمة (٢)، ولأقرعنكم قرع المروة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، ألا إن أمير المؤمنين نثل كنانته بين يديه، فعجم عيدانها، فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا، فوجهني إليكم، فاستقيموا ولا يميلن منكم مائل، واعلموا أني إذا قلت قولا وفيت به، من كان منكم من بعث المهلب فليلحق به، فإني لا أجد أحدا بعد ثالثة إلا ضربت عنقه وإياي وهذه الزرافات فإني لا أجد أحدا يسير في زرافة إلا سفكت دمه، واستحللت ماله. ثم نزل. رواه المبرد بنحوه، عن التوزي، بإسناد، وزاد فيه: قم يا غلام فاقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين. فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة، سلام عليكم. فسكتوا، فقال: اكفف يا غلام، ثم أقبل عليهم فقال: يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه شيئا، هذا أدب ابن نهية. أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام، فقرأ قوله: السلام عليكم، فلم يبق في المسجد أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام. العصلبي: الشديد من الرجال. والسواق الحطم: العنيف في سوقه. والوضم: كل شيء وقيت به اللحم من الأرض من خوان وقرمية وغيره. وعجمت العود: إذا عضضته بأسنانك. والزرافات: الجماعات. وقال ابن جرير (٣): فأول من خرج على الحجاج بالعراق عبد الله بن

стр. 1938

الجارود، وذلك أن الحجاج ندبهم إلى اللحاق بالمهلب، ثم خرج فنزل رستاق آباد ومعه وجوه أهل البصرة، وكان بينه وبين المهلب يومان، فقال للناس: إن الزيادة التي زادكم ابن الزبير، في أعطياتكم زيادة فاسق منافق لست أجيزها، فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدي، فقال: بل هي زيادة أمير المؤمنين عبد الملك، فكذبه وتوعده، فخرج ابن الجارود على الحجاج، وتابعه خلق، فقتل ابن الجارود في طائفة معه. وكتب الحجاج إلى المهلب وإلى عبد الرحمن بن مخنف: أن ناهضوا الخوارج، قال: فناهضوهم وأجلوهم عن رامهرمز، فقال المهلب لعبد الرحمن بن مخنف: إن رأيت أن تخندق على أصحابك فافعل، وخندق المهلب على نفسه كعادته، وقال أصحاب ابن مخنف: إنما خندقنا سيوفنا، فرجع الخوارج ليبيتوا الناس، فوجدوا المهلب قد أتقن أمر أصحابه، فمالوا نحو ابن مخنف، فقاتلوه، فانهزم جيشه، وثبت هو في طائفة، فقاتلوا حتى قتلوا، فبعث الحجاج بدله عتاب بن ورقاء، وتأسفوا على ابن مخنف، ورثاه غير واحد. وقال خليفة (١): ثم في ثالث يوم من مقدم الحجاج الكوفة أتاه عمير بن ضابئ البرجمي، وهو القائل: هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله. فقال الحجاج: أخروه، أما أمير المؤمنين عثمان فتغزوه بنفسك، وأما الخوارج الأزارقة فتبعث بديلا، وكان قد أتاه بابنه فقال: إني شيخ كبير، وهذا ابني مكاني، ثم أمر به فضربت عنقه. واستخلف الحجاج لما خرج على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، وقدم البصرة يحث على قتال الأزارقة. وفيها خرج داود بن النعمان المازني بنواحي البصرة، فوجه الحجاج

стр. 1939

لحربه الحكم بن أيوب الثقفي متولي البصرة، فظفر به، فقتله، فقال شاعرهم: ألا فاذكرن داود إذ باع نفسه وجاد بها يبغي الجنان العواليا. وفيها غزا محمد بن مروان الصائفة عند خروج الروم بناحية مرعش. وفيها خطبهم عبد الملك بمكة لما حج، فحدث أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبيه قال: خطبنا عبد الملك بن مروان بمكة، ثم قال: أما بعد، فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من هذا المال ويؤكلون، وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأبون - يعني يزيد - وإنما نحتمل لكم ما لم يكن عقد راية، أو وثوب على منبر، هذا عمرو بن سعيد حقه حقه وقرابته قرابته، قال برأسه هكذا، فقلنا بسيفنا هكذا، ألا فليبلغ الشاهد الغائب. وفيها ضرب الدنانير والدراهم عبد الملك، فهو أول من ضربها في الإسلام. وحج فيها عبد الملك وخطب بالموسم غير مرة، وكان من البلغاء العلماء الدهاة، قال: إني رأيت سيرة السلطان تدور مع الناس، فإن ذهب اليوم من يسير بسيرة عمر، أغير على الناس في بيوتهم، وقطعت السبل، وتظالم الناس، وكانت الفتن، فلا بد للوالي أن يسير كل وقت بما يصلحه، نحن نعلم والله أنا لسنا عند الله ولا عند الناس كهيئة عمر ولا عثمان، ونرجو خير ما نحن بإزائه من إقامة الصلوات والجهاد والقيام لله بالذي يصلح دينه، والشدة على المذنب، وحسبنا الله ونعم الوكيل. سنة ست وسبعين. توفي فيها حبة بن جوين العرني، وزهير بن قيس البلوي. وفيها، أو في سنة خمس توفي سعيد بن وهب الهمداني الخيواني. وفيها خرج صالح بن مسرح التميمي، وكان صالحا ناسكا مخبتا، وكان يكون بدارا والموصل، وله أصحاب يقرئهم ويفقههم ويقص عليهم، ولكنه

стр. 1940

يحط على الخليفتين عثمان وعلي كدأب الخوارج، ويتبرأ منهما، ويقول: تيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحزبة والظلمة، وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإن القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم، فلم ينشب أن أتاه كتاب شبيب بن يزيد من الكوفة، فقال: أما بعد، فإنك شيخ المسلمين، ولن نعدل بك أحدا، وقد دعوتني فاستجبت لك، وإن أردت تأخير ذلك أعلمتني، فإن الآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تخترمني المنية ولم أجاهد الظالمين، فيا له غبنا، ويا له فضلا متروكا، جعلنا الله وإياك ممن يريد بعمله الله ورضوانه. فرد عليه الجواب يحضه على المجيء، فجمع شبيب قومه، منهم أخوه مصاد، والمحلل بن وائل اليشكري، وإبراهيم بن حجر المحلمي، والفضل بن عامر الذهلي، وقدم على صالح وهو بدارا، فتصمدوا مائة وعشرة أنفس، ثم وثبوا على خيل لمحمد بن مروان فأخذوها، وقويت شوكتهم وأخافوا المسلمين. وفيها غزا حسان بن النعمان الغساني إفريقية وقتل الكاهنة. ولما خرج صالح بن مسرح بالجزيرة ندب لحربه عدي بن عدي بن عميرة الكندي، فقاتلهم، فهزم عديا، فندب لقتاله خالد بن جزء السلمي، والحارث العامري، فاقتتلوا أشد قتال، وانحاز صالح إلى العراق، فوجه الحجاج لحربه عسكرا، فاقتتلوا، ثم مات صالح بن مسرح مثخنا بالجراح في جمادى الآخرة، وعهد إلى شبيب بن يزيد، فالتقى شبيب هو وسورة بن الحر، فانهزم سورة بعد قتال شديد، ثم سار شبيب فلقي سعيد بن عمرو الكندي، فاقتتلوا، ثم انصرف شبيب فهجم الكوفة، وقتل بها أبا سليم مولى عنبسة بن أبي سفيان والد ليث بن أبي سليم، وقتل بها عدي بن عمرو، وأزهر بن عبد الله العامري، ثم خرج عن الكوفة فوجه الحجاج لحربه زائدة بن قدامة الثقفي ابن عم المختار، في جيش كبير، فالتقوا بأسفل الفرات، فهزمهم وقتل زائدة، فوجه الحجاج لحربه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فلم يقاتله. وكان مع شبيب امرأته غزالة، وكانت معروفة بالشجاعة، فدخلت مسجد الكوفة تلك المرة وقرأت وردها في المسجد،

стр. 1941

وكانت نذرت أن تصعد المنبر فصعدت، ثم حار الحجاج في أمره مع شبيب، فوجه لقتاله عثمان بن قطن الحارثي، فالتقوا في آخر العام، فقتل عثمان وانهزم جمعه بعد أن قتل يومئذ ممن معه ست مائة نفس، منهم مائة وعشرون من كندة، وقتل من الأعيان: عقيل بن شداد السلولي، وخالد بن نهيك الكندي، والأبرد بن ربيعة الكندي، واستفحل أمر شبيب، وتزلزل له عبد الملك بن مروان، ووقع الرعب في قلوبهم من شبيب، وحار الحجاج، فكان يقول: أعياني شبيب. سنة سبع وسبعين فيها توفي أبو تميم الجيشاني عبد الله بن مالك بمصر، وشريح القاضي بالكوفة، وفيه خلاف. وفيها سار شبيب بن يزيد، فنزل المدائن، فندب الحجاج لقتاله أهل الكوفة كلهم، عليهم زهرة بن حوية السعدي، شيخ كبير قد باشر الحروب، وبعث إلى حربه عبد الملك من الشام سفيان بن الأبرد، وحبيبا الحكمي في ستة آلاف، ثم قدم عتاب بن ورقاء على الحجاج مستعفيا من عشرة المهلب بن أبي صفرة، فاستعمله الحجاج على الكوفة، ولجمع جميع الجيش خمسين ألفا، وعرض شبيب بن يزيد جنده بالمدائن، فكانوا ألف رجل، فقال: يا قوم إن الله كان ينصركم وأنتم مائة أو مائتان، فأنتم اليوم مئون. ثم ركب، فأخذوا يتخلفون عنه ويتأخرون، فلما التقى الجمعان تكامل مع شبيب ست مائة، فحمل في مائتين على ميسرة الناس فانهزموا، واشتد القتال، وعتاب بن ورقاء جالس هو وزهرة بن حوية على طنفسة في القلب، فقال عتاب: هذا يوم كثر فيه العدد وقل فيه الغنى، والهفي على خمسة مائة من رجال تميم. وتفرق عن عتاب عامة الجيش، وحمل عليه شبيب، فقاتل عتاب ساعة وقتل، ووطئت الخيل زهرة فهلك، فتوجع له شبيب لما رآه صريعا، فقال له رجل من قومه: والله يا أمير المؤمنين إنك لمنذ الليلة لمتوجع لرجل من الكافرين؟ قال: إنك لست أعرف بصلاتهم مني، إني أعرف من قديم

стр. 1942

أمرهم ما لا تعرف، لو ثبتوا عليه كانوا إخواننا. وقتل في المعركة: عمار بن يزيد الكلبي، وأبو خيثمة بن عبد الله. ثم قال شبيب لأصحابه: ارفعوا عنهم السيف، ودعا الناس إلى طاعته وبيعته، فبايعوه، ثم هربوا ليلا. هذا كله قبل أن يقدم جيش الشام، فتوجه شبيب نحو الكوفة، وقد دخلها عسكر الشام، فشدوا ظهر الحجاج وانتعش بهم، واستغنى بهم عن عسكر الكوفة، وقال: يا أهل الكوفة لا أعز الله بكم من أراد بكم العز، الحقوا بالحيرة، فانزلوا مع اليهود والنصارى، ولا تقاتلوا معنا، وحنق بهم، وهذا مما يزيد فيه بغضا. ثم إنه وجه الحارث بن معاوية الثقفي في ألف فارس في الكشف، فالتمس شبيب غفلتهم والتقوا، فحمل شبيب على الحارث فقتله، وانهزم من معه، ثم جاء شبيب فنازل الكوفة، وحفظ الناس السكك، وبنى شبيب مسجدا بطرف السبخة، فخرج إليه أبو الورد مولى الحجاج في عدة غلمان، فقاتل حتى قتل، ثم خرج طهمان مولى الحجاج في طائفة، فقتله شبيب. ثم إن الحجاج خرج من قصر الكوفة، فركب بغلا، وخرج في جيش الشام، فلما التقى الجمعان نزل الحجاج وقعد على كرسي، ثم نادى: يا أهل الشام، أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين، لا يغلبن باطل هؤلاء حقكم، غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، واشرعوا إليهم بالأسنة. وكان شبيب في ست مائة، فجعل مائتين معه كردوسا، ومائتين مع سويد بن سليم، ومائتين مع المحلل بن وائل، فحمل سويد عليهم، حتى إذا غشي أطراف الأسنة وثبوا في وجوههم يطعنوهم قدما قدما، فانصرفوا، فأمر الحجاج بتقديم كرسيه، وصاح في أصحابه فحمل عليهم شبيب، فثبتوا، وطال القتال، فلما رأى شبيب صبرهم نادى: يا سويد احمل على أهل هذا السكة لعلك تزيل أهلها عنها، فتأتي الحجاج من ورائه ونحن من أمامه، فحمل سويد على أهل السكة، فرمي من فوق البيوت، فرد. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط الخارجي، قال: فقال لنا شبيب يومئذ: يا أهل الإسلام، إنما شرينا الله، ومن شرى الله لم يكثر عليه

стр. 1943

ما أصابه، شدة كشداتكم في مواطنكم المعروفة، وحمل على الحجاج، فوثب أصحاب الحجاج طعنا وضربا، فنزل شبيب وقومه، فصعد الحجاج على مسجد شبيب في نحو عشرين رجلا، وقال: إذا دنوا فارشقوهم بالنبل، فاقتتلوا عامة النهار أشد قتال في الدنيا، حتى أقر كل فريق للآخر، ثم إن خالد بن عتاب بن ورقاء قال للحجاج: ائذن لي في قتالهم، فإني موتور وممن لا يتهم في نصيحة، فأذن له، فخرج في عصابة ودار من ورائهم، فقتل مصادا أخا شبيب، وغزالة امرأة شبيب، وأضرم النيران في عسكره. فوثب شبيب وأصحابه على خيولهم، فقال الحجاج: احملوا عليهم فقد انرعبوا، فشدوا عليهم فهزموهم، وتأخر شبيب في حامية قومه، فذكر من كان مع شبيب أنه جعل ينعس ويخفق برأسه وخلفه الطلب، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين، التفت فانظر من خلفك، فالتفت غير مكترث ثم أكب يخفق، ثم قلت: إنهم قد دنوا، فالتفت ثم أقبل يخفق، وبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه في حرق النار، فتركوه ورجعوا، ومر أصحاب شبيب بعامل للحجاج على بلد بالسواد فقتلوه، ثم أتوا بالمال على دابة فسبهم شبيب على مجيئهم بالمال، وقال: اشتغلتم بالدنيا، ثم رمى بالمال في الفرات، ثم سار بهم إلى الأهواز وبها محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، فخرج لقتاله وسأل محمد المبارزة، فبارزه شبيب وقتله، ومضى إلى كرمان فأقام شهرين ورجع إلى الأهواز فندب له الحجاج مقدمي جيش الشام: سفيان بن الأبرد الكلبي، وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي، فالتقوا على جسر دجيل، فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، ثم ذهب شبيب، فلما صار على جسر دجيل قطع الجسر، فوقع شبيب وغرق، وقيل: نفر به فرسه فألقاه في الماء وعليه الحديد، فقال له رجل: أغرقا يا أمير المؤمنين؟ قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فألقاه دجيل إلى ساحله ميتا، فحمل على البريد إلى الحجاج، فأمر به فشق بطنه، وأخرج

стр. 1944

قلبه، فإذا هو كالحجر، إذا ضرب به الأرض نبا عنها، فشقوه فإذا في داخله قلب صغير (١). وقال ابن جرير الطبري في تاريخه (٢): ثم أنفق الحجاج الأموال، ووجه سفيان بن الأبرد في طلب القوم، قال: وأقام شبيب بكرمان، حتى إذا انجبر واستراش كر راجعا، فيستقبله ابن الأبرد بجسر دجيل، فالتقيا فعبر شبيب إلى ابن الأبرد في ثلاثة كراديس، فاقتتلوا أكثر النهار، وثبت الفريقان، وكر شبيب وأصحابه أكثر من ثلاثين كرة، وابن الأبرد ثابت، ثم آل أمرهم إلى أن ازدحموا عند الجسر، فنطر شبيب أصحاب ابن الأبرد إلى الجسر، ونزل في نحو مائة، فتقاتلوا إلى الليل قتالا عظيما، ثم تحاجزوا. وقال أبو مخنف: حدثني فروة، قال: ما هو إلا أن انتهينا إلى الجسر، فعبرنا شبيب في الظلمة وتخلف في أخرانا، فأقبل على فرسه، وكانت بين يديه حجرة (٣) فنزا فرسه عليها وهو على الجسر، فاضطربت الماذيانة ونزل حافر الفرس على حرف السفينة، فنزل به في الماء فلما سقط قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ فانغمس ثم ارتفع، فقال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ قال: وقيل كان معه رجال قد أصاب من عشائرهم وأبغضوه، فلما تخلف في الساقة اشتوروا، فقالوا: نقطع به الجسر، ففعلوا، فمالت السفن، ونفر فرسه فسقط وغرق. ثم تنادوا بينهم: غرق أمير المؤمنين، فأصبح الناس فاستخرجوه وعليه الدرع. قال أبو مخنف: فسمعتهم يزعمون أنه شق بطنه فأخرج قلبه، فكان مجتمعا صلبا، كأنه صخرة، وأنه كان يضرب به الأرض فيثب قامة الإنسان. وسيأتي في ترجمته من أخباره أيضا. وفيها أمر عبد العزيز بن مروان بجامع مصر، فهدم وزيد فيه من جهاته

стр. 1945

الأربع. وأمر ببناء حصن الإسكندرية، وكان مهدوما منذ فتحها عمرو بن العاص. وفيها افتتح عبد الملك بن مروان هرقلة وهي مدينة معروفة داخل بلاد الروم. وحج بالناس أبان بن عثمان بن عفان. وفيها وغل عبد الله بن أمية بن عبد الله الأموي بسجستان، فأخذ عليه الطريق، فأعطى مالا حتى خلوا عنه، فعزله عبد الملك بن مروان ووجه مكانه موسى بن طلحة بن عبيد الله. سنة ثمان وسبعين توفي فيها جابر بن عبد الله الأنصاري، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وأبو المقدام شريح بن هانئ. وقال خليفة (١): فيها أمر الحجاج على سجستان عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، فوجه عبيد الله أبا برذعة فأخذ عليه المضيق، وقتل شريح بن هانئ الحارثي، وأصاب العسكر ضيق وجوع شديد، حتى هلك عامتهم. قال محمد بن جرير (٢): وقد قيل: إن هلاك شبيب بن يزيد كان في سنة ثمان. قال: وكذلك قيل: في هلاك قطري بن الفجاءة، وعبيدة بن هلال. وعبد ربه الكبير، رؤوس الخوارج. وقال خليفة (٣): فيها ولي خراسان المهلب بن أبي صفرة. وقال ابن الكلبي: فيها غزوة محرز بن أبي محرز أرض الروم وفتح أزقلة، فلما قفل أصابهم مطر شديد من وراء درب الحدث، فأصيب فيه ناس كثير. وفيها قتل سليمان بن كندير القتيري (٤)، قتله أصحاب الحجاج.

стр. 1946

وفيها جرت حروب ووقعات بإفريقية والمغرب، وولي فيها إمرة المغرب كله موسى بن نصير اللخمي، فسار إلى طنجة وقدم على مقدمته طارق بن زياد الصدفي، مولاهم، الذي افتتح الأندلس، وأصاب فيها المائدة التي يتحدث أهل الكتاب أنها مائدة سليمان ﵇. وفيها حج بالناس ابن أمير المؤمنين الوليد. وفيها وثبت الروم على ملكهم فخلعته وقطعت أنفه ونفته إلى بعض الجزائر. قاله المسبحي. وفيها فرغ الحجاج من بناء واسط، سميت بذلك لأنها وسط ما بين الكوفة والبصرة، وقيل: بنيت سنة ثلاث وثمانين. سنة تسع وسبعين فيها توفي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، وعبيد الله بن أبي بكرة بسجستان، وقطري بن الفجاءة بطبرستان، بخلف فيه. وفيها استعمل الحجاج على البحرين محمد بن صعصة الكلابي وضم إليه عمان فخرج عليه الريان النكري، فهرب محمد وركب البحر حتى قدم على الحجاج. وفيها ولى الحجاج هارون بن ذراع النمري ثغر الهند وأمره بطلب العلافيين، وهما محمد ومعاوية ابنا الحارث من بني سامة بن لؤي، كانا قد قتلا عامل الحجاج هناك، فظفر هارون بأحدهما فقتله، وهرب الآخر. وفيها غزا الوليد ابن أمير المؤمنين من ناحية ملطية، فغنم وسبى. وقال عوانة بن الحكم: أول قبيل غزاهم موسى بن نصير من البربر الذين قتلوا عقبة بن نافع، فسار إليهم بنفسه فقتل وسبى، وهرب ملكهم كسيلة، يقال: بلغ سبيهم عشرين ألفا. قال ابن جرير (١): وفيها أصحاب أهل الشام الطاعون حتى كادوا يفنون من شدته. وقال غيره: فيها كان مصرع قطري بن الفجاءة واسم الفجاءة جعونة

стр. 1947

ابن مازن بن يزيد التميمي المازني أبو نعامة، خرج في زمن مصعب بن الزبير، وبقي بضع عشرة سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة وبإمرة المؤمنين، وتغلب على بلاد فارس، ووقائعه مشهورة، قد ذكر منها المبرد قطعة في كامله (١)، وقد سير الحجاج لقتاله جيشا بعد جيش وهو يهزمهم. وحكي عنه أنه خرج في بعض الحروب على فرس أعجف، وبيده عمود خشب، فبرز إليه رجل، فكشف قطري وجهه، فولى الرجل، فقال: إلى أين؟ قال: لا يستحي الإنسان أن يفر من مثلك. توجه لقتاله سفيان بن الأبرد الكلبي، فظهر عليه وظفر به وقتله، وقيل: بل عثرت به فرسه فاندقت فخذه، فلذلك ظفروا به بطبرستان، وحمل رأسه إلى الحجاج، وقيل: إن الذي قتله سورة بن أبجر الدارمي. وكان قطري مع شجاعته المفرطة وإقدامه من خطباء العرب المشهورين بالبلاغة والشعر، وله أبيات مذكورة في الحماسة. سنة ثمانين فيها توفي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأسلم مولى عمر، وأبو إدريس الخولاني الفقيه، وعبد الرحمن بن عبد القاري، وناعم بن أجيل المصري، وعبد الله بن زرير الغافقي، وجنادة بن أبي أمية، وجبير بن نفير، بخلف فيهما. وفيها صلب عبد الملك معبدا الجهني على إنكاره القدر؛ قاله سعيد بن عفير. وفيها توفي سويد بن غفلة، قاله أبو نعيم، وعبيد الله بن أبي بكرة، قاله ابن معين، وشريح القاضي، قاله ابن نمير، والسائب بن يزيد، قاله بعضهم، وحسان بن النعمان الغساني بالروم.

стр. 1948

وفيها كان سيل الجحاف، وهو سيل عظيم جاء بمكة حتى بلغ الحجر الأسود، فهلك خلق كثير من الحجاج. قال مصعب الزبيري: سمعت محمد بن نافع الخزاعي، قال: كان من قصة الجحاف أن أهل مكة قحطوا، ثم طلع في يوم قطعة غيم، فجعل الجحاف يضرط به، ويقول: إن جاءنا شيء فمن هذا، فما برح من مكانه حتى جاء سيل فحمل الجمال وغرق الجحاف. وفيها غزا البحر من الإسكندرية عبد الواحد بن أبي الكنود حتى بلغ قبرس. وفيها هلك أليون الملك عظيم الروم لا ﵀. وفيها سار يزيد بن أبي كبشة، فالتقى هو والريان النكري بالبحرين، ومع الريان امرأة من الأزد تقاتل، اسمها جيداء، فقتل هو وهي وعامة أصحابهما، وصلب هو. وفيها أول فتنة ابن الأشعث: وذلك أن الحجاج كان شديد البغض لعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، يقول: ما رأيته قط إلا أردت قتله. ثم إنه أبعده عنه وأمره على سجستان في هذا العام بعد موت عبيد الله بن أبي بكرة، فسار إليها ففتح فتوحا، وسار ينهب بلاد رتبيل ويأسر ويخرب، ثم بعث إليه الحجاج مع هذا كتبا يأمره بالوغول في تلك البلاد ويضعف همته ويعجزه، فغضب ابن الأشعث وخطب الناس، وكان معه رؤوس أهل العراق، فقال: إن أميركم كتب إلي يأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس، وإنما أنا رجل منكم، أمضي إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم، فثار إليه الناس فقالوا: لا، بل نأبى على عدو الله ولا نسمع له ولا نطيع. وقال عامر بن واثلة الكناني: إن الحجاج ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الأول: احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك، إن الحجاج ما يبالي، إن ظفرتم أكل البلاد وحاز المال، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء، اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فنادوا: فعلنا فعلنا، ثم أقبلوا كالسيل المنحدر، وانضم

стр. 1949

إلى ابن الأشعث جيش عظيم، فعجز عنهم الحجاج، واستصرخ بأمير المؤمنين، فجزع لذلك عبد الملك بن مروان، وجهز العساكر الشامية في الحال، كما سيأتي في سنة إحدى وثمانين إن شاء الله تعالى.

стр. 1950

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تراجم أهل هذه الطبقة ١ - إبراهيم بن الأشتر، واسم الأشتر مالك بن الحارث النخعي الكوفي. كان أبوه من كبار أمراء علي، وكان إبراهيم من الأمراء المشهورين بالشجاعة والرأي، وله شرف وسيادة، وهو الذي قتل عبيد الله بن زياد يوم الخازر (١)، ثم كان مع مصعب بن الزبير، فكان من أكبر أمرائه، وقتل معه سنة اثنتين وسبعين. ٢ - ع: الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين، أبو بحر التميمي الذي يضرب به المثل في الحلم. من كبار التابعين وأشرافهم، اسمه الضحاك، ويقال: صخر، وغلب عليه الأحنف لاعوجاج رجليه، وكان سيدا مطاعا في قومه، أسلم في حياة النبي ﷺ ، ووفد على عمر. وحدث عن: عمر، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، والعباس، وابن مسعود. روى عنه: الحسن البصري، وعمرو بن جاوان (٢)، وعروة بن الزبير، وطلق بن حبيب، وعبد الله بن عميرة، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، وخليد العصري. وكان من أمراء علي يوم صفين. قال ابن سعد (٣): كان الأحنف ثقة مأمونا قليل الحديث، وكان صديقا لمصعب بن الزبير، فوفد عليه إلى الكوفة، فتوفي عنده. قال سليمان بن أبي شيخ: كان أحنف الرجلين جميعا، ولم يكن له إلا بيضة واحدة.

стр. 1951

قال: وكان اسمه صخر بن قيس أحد بني سعد، وأمه امرأة من باهلة، فكانت ترقصه وتقول: والله لولا حنف برجله … وقلة أخافها من نسله ما كان في فتيانكم من مثله. وقال المرزباني: قيل: إن اسمه الحارث، وقيل: حصين. وقال أبو أحمد الحاكم: هو افتتح مرو الروذ، وكان الحسن، وابن سيرين في جيشه ذلك. وقال علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف، قال: بينا أنا أطوف في زمن عثمان إذ لقيني رجل من بني ليث، فقال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى، قال: أما تذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك بني سعد أدعوهم إلى الإسلام، فجعلت أخبرهم وأعرض عليهم، فقلت: إنه يدعو إلى خير، وما أسمع إلا حسنا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: اللهم اغفر للأحنف، وكان الأحنف يقول: فما شيء أرجى عندي من ذلك. رواه أحمد في مسنده. والبخاري في تاريخه (١). وقال علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف، قال: قدمت على عمر فاحتبسني عنده حولا، فقال: يا أحنف، إني قد بلوتك وخبرتك فرأيت علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، وإنا كنا نتحدث إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم. وقال العلاء بن الفضل بن أبي سوية: حدثنا العلاء بن جرير، قال: حدثني عمر بن مصعب بن الزبير، عن عمه عروة، قال: دثني الأحنف بن قيس أنه قدم على عمر بفتح تستر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد فتح الله عليك تستر، وهي من أرض البصرة، فقال رجل من المهاجرين: يا أمير،

стр. 1952

قال: إن رسول الله ﷺ حذرنا كل منافق عليم، فخشيت أن تكون منهم، فاحمد الله يا أحنف (١). قلت: وكان الأحنف فصيحا مفوها. قال أحمد العجلي (٢): هو بصري ثقة، وكان سيد قومه، وكان أعور أحنف، دميما قصيرا كوسجا، له بيضة واحدة، حبسه عمر عنده سنة يختبره، فقال عمر: هذا والله السيد. قلت: ذهبت عينه بسمرقند؛ ذكره الهيثم. وقال معمر، عن قتادة قال: خطب الأحنف عند عمر، فأعجبه منطقه، فقال: كنت أخشى أن تكون منافقا عالما، وأرجو أن تكون مؤمنا، فانحدر إلى مصرك. قلت: مصره هي البصرة. وعن الأحنف قال: ما كذبت منذ أسلمت إلا مرة، سألني عمر عن ثوب بكم أخذته؟ فأسقطت ثلثي الثمن. وقال خليفة (٣): توجه ابن عامر إلى خراسان وعلى مقدمته الأحنف. وقال ابن سيرين: كان الأحنف يحمل، يعني في قتال أهل خراسان، ويقول: إن على كل رئيس حقا … أن يخضب الصعدة أو يندقا قال: وسار الأحنف إلى مرو الروذ، ومنها إلى بلخ، فصالحوه على أربع مائة ألف، ثم أتى الأحنف خوارزم، فلم يطقها، فرجع. وقال ابن إسحاق: خرج ابن عامر من خراسان قد أحرم من نيسابور بعمرة، وخلف على خراسان الأحنف، فجمع أهل خراسان جمعا كبيرا،

стр. 1953

واجتمعوا بمرو، فقاتلهم الأحنف فهزمهم وقتلهم، وكان جمعا لم يجتمع مثله قط. وقال أيوب السختياني، عن محمد، قال: نبئت أن عمر ذكر بني تميم فذمهم، فقام الأحنف فقال: إنك ذكرت بني تميم فعممتهم بالذم، وإنما هم من الناس، فيهم الصالح والطالح، فقال: صدقت، فقام الحتات، وكان يناوئه، فقال: يا أمير المؤمنين، ائذن لي فلأتكلم، قال: اجلس، فقد كفاكم سيدكم الأحنف. وقال علي بن زيد، عن الحسن، قال: وكتب عمر إلى أبي موسى: ائذن للأحنف، وشاوره، واسمع منه. وقال الحسن البصري: ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف. وقال خالد بن صفوان: كان الأحنف يفر من الشرف، والشرف يتبعه. وقال والد حماد بن زيد: قيل للأحنف: إنك شيخ كبير، وإن الصيام يضعفك، قال: إني أعده لسفر طويل. وقال حماد بن زيد: حدثني زريق بن رديح، عن سلمة بن منصور، عن رجل قال: كان الأحنف عامة صلاته بالليل، وكان يضع إصبعه على السراج فيقول: حس (١)، ثم يقول: يا أحنف ما حملك على أن صنعت كذا وكذا يوم كذا وكذا. غيره يقول: ابن ذريح. وقال أبو كعب صاحب الحرير: حدثنا أبو الأصفر، أن الأحنف أصابته جنابة في ليلة باردة، فلم يوقظ غلمانه، وذهب يطلب الماء، فوجد ثلجا فكسره واغتسل. وقال مروان الأصفر: سمعت الأحنف يقول: اللهم إن تغفر لي فأنت أهل ذاك (٢)، وإن تعذبني فأنا أهل ذاك.

стр. 1954

وقال جرير، عن مغيرة: قال الأحنف: ذهبت عيني من أربعين سنة، ما شكوتها إلى أحد. ويروى أنه وفد على معاوية، فقال: أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين والمخذل عن عائشة أم المؤمنين! فقال: لا تؤنبنا بما مضى منا، ولا ترد الأمور على أدبارها، فإن القلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا، في كلام غيره، فقيل: إنه لما خرج قالت أخت معاوية: من هذا الذي يتهدد؟ قال: هذا الذي إن غضب غضب لغضبه مائة ألف من تميم، لا يدرون فيم غضب. وقال ابن عون، عن الحسن، قال: ذكروا عند معاوية شيئا، والأحنف ساكت: فقال معاوية: يا أبا بحر، ما لك لا تتكلم؟ قال: أخشى الله إن كذبت، وأخشاكم إن صدقت. وعن الأحنف قال: عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين، كيف يتكبر. وقال سليمان التيمي: قال الأحنف: ما أتيت باب هؤلاء إلا أن أدعى، ولا دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما، ولا ذكرت أحدا بعد أن يقوم من عندي إلا بخير. وعن الأحنف، قال: ما نازعني أحد فكان فوقي إلا عرفت له قدره، ولا كان دوني إلا رفعت قدري عنه، ولا كان مثلي إلا تفضلت عليه. وقال ابن عون، عن الحسن، قال الأحنف: لست بحليم، ولكني أتحالم. وبلغنا أن رجلا قال للأحنف: لئن قلت واحدة لتسمعن عشرا، فقال له: لكنك لئن قلت عشرا لم تسمع واحدة. وإن رجلا قال له: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وعنه قال: ما ينبغي للأمير أن يغضب؛ لأن الغضب في القدرة لقاح السيف والندامة. وقال الأصمعي: قال عبد الملك بن عمير: قدم علينا الأحنف الكوفة مع مصعب، فما رأيت خصلة تذم إلا رأيتها فيه، كان ضئيلا، صغير

стр. 1955

الرأس، متراكب الأسنان، مائل الذقن، ناتئ الوجه، باخق العينين، خفيف العارضين، أحنف الرجل، فكان إذا تكلم جلا عن نفسه. باخق: منخسف العين. وقال ابن الأعرابي: الأحنف الذي يمشي على ظهر قدميه. وقال غيره: هو أن تقبل كل رجل على صاحبتها. وللأحنف أشياء مفيدة أورد الحافظ ابن عساكر جملة منها (١). وكان زياد ابن أبيه كثير الرعاية للأحنف، فلما ولي بعده ابنه عبيد الله تغيرت حال الأحنف عند عبيد الله، وصار يقدم عليه من دونه، ثم إنه وفد على معاوية بأشراف أهل العراق، فقال لعبيد الله: أدخلهم على قدر مراتبهم، فكان في آخرهم الأحنف، فلما رآه معاوية أكرمه لمكان سيادته، وقال له: يا أبا بحر إلي، وأجلسه معه، وأقبل عليه، وأعرض عنهم، فأخذوا في شكر عبيد الله، وسكت الأحنف، فقال معاوية له: لم لا تتكلم؟ قال: إن تكلمت خالفتهم، فقال: اشهدوا أني قد عزلت عبيد الله، فلما خرجوا كان فيهم من يروم الإمارة، ثم أتوا معاوية بعد ثلاث، وذكر كل واحد شخصا، وتنازعوا، فقال معاوية: ما تقول يا أبا بحر؟ قال: إن وليت أحدا من أهل بيتك لم تجد من يسد مسد عبيد الله، قال: قد أعدته، فلما خرجوا خلا معاوية بعبيد الله وقال: كيف ضيعت مثل هذا الرجل (٢) الذي عزلك وأعادك وهو ساكت؟! فلما عاد عبيد الله إلى العراق، جعل الأحنف خاصته وصاحب سره. وقال عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك، عن أبي شريح المعافري، عن عبد الرحمن بن عمارة بن عقبة قال: حضرت جنازة الأحنف بالكوفة، فكنت فيمن نزل قبره، فلما سويته رأيته قد فسح له مد بصري، فأخبرت بذلك أصحابي، فلم يروا ما رأيت؛ رواها ابن يونس في تاريخ مصر.

стр. 1956

توفي الأحنف سنة سبع وستين في قول يعقوب الفسوي. وقال غيره: توفي سنة إحدى وسبعين. وقال غير واحد: توفي في إمرة مصعب على العراق، ولم يعينوا سنة، ﵀ (١). ٣ - ع: أسماء بنت أبي بكر الصديق أم عبد الله ذات النطاقين، آخر المهاجرين والمهاجرات وفاة، وأمها قتيلة بنت عبد العزى العامرية. لها عدة أحاديث، روى عنها عبد الله، وعروة ابنا الزبير، وابناهما عباد، وعبد الله، ومولاها عبد الله، وابن عباس، وأبو واقد الليثي، وتوفيا قبلها، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، وعباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، وابن أبي مليكة، وأبو نوفل معاوية بن أبي عقرب، ووهب بن كيسان، والمطلب بن عبد الله، ومحمد بن المنكدر، وصفية بنت شيبة. وشهدت اليرموك مع ابنها عبد الله وزوجها، وهي وابنها وأبوها وجدها صحابيون. روى شعبة، عن مسلم القري، قال: دخلنا على أم ابن الزبير، فإذا هي امرأة ضخمة عمياء، نسألها عن متعة الحج، فقالت: قد رخص رسول الله ﷺ فيها (٢). قال ابن أبي الزاد: كانت أكبر من عائشة بعشر سنين، قلت: فعمرها على هذا إحدى وتسعون سنة. وأما هشام بن عروة فقال: عاشت مائة سنة ولم يسقط لها سن. وقال ابن أبي مليكة: كانت أسماء تصدع فتضع يدها على رأسها، فتقول: بذنبي وما يغفره الله أكثر. وقال هشام بن عروة: أخبرني أبي، عن أسماء قالت: تزوجني الزبير، وما له شيء غير فرسه، فكنت أعلفه وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، وأعلفه،

стр. 1957

وأستقي، وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، فكان يخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه جماعة، فدعاني فقال: إخ إخ (١)، ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، فمضى، فلما أتيت أخبرت الزبير، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني (٢). وقال إبراهيم بن المنذر: حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام بن عروة قال: ضرب الزبير أسماء، فصاحت لعبد الله بن الزبير، فأقبل، فلما رآه قال: أمك طالق إن دخلت! قال: أتجعل أمي عرضة ليمينك، فاقتحم عليه وخلصها، فبانت منه. وقال حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، إن الزبير طلق أسماء، فأخذ عروة وهو يومئذ صغير. وقال أسامة بن زيد، عن ابن المنكدر قال: كانت أسماء سخية النفس. وقال أبو معاوية: حدثنا هشام، عن فاطمة بنت المنذر قالت: قالت أسماء: يا بناتي تصدقن ولا تنتظرن الفضل، فإنكن إن انتظرتن الفضل لن تجدنه، وإن تصدقن لم تجدن فقده. وقال علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت ابن الزبير يقول: ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودهما مختلف، أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء، حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء فكانت لا تدخر شيئا لغد. قال ميمون بن مهران: كانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط تحت

стр. 1958

الزبير، وكانت فيه شدة على النساء، وكانت له كارهة تسأل الطلاق، فطلقها واحدة، وقال: لا ترجع إلي أبدا. وقال أيوب، عن نافع، وسعد بن إبراهيم: إن عبد الرحمن بن عوف طلقها ثلاثا، يعني لتماضر، فورثها عثمان منه بعد انقضاء العدة، ثم قال سعد: وكان أبو سلمة أمه تماضر بنت الأصبغ. وروى عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن تماضر، حين طلقها الزبير بن العوام، وكان أقام عندها سبعا، ثم لم ينشب أن طلقها. وقال مصعب بن سعد: فرض عمر ألفا ألفا للمهاجرات، منهن أم عبد، وأسماء. وقالت فاطمة بنت المنذر: إن جدتها أسماء كانت تمرض المرضة، فتعتق كل مملوك لها. وقال الواقدي: كان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا، أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر، وأخذت عن أبيها. وقال الواقدي: حدثنا موسى بن يعقوب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي ربيعة، عن أمه: إن أسماء كانت تقول وابن الزبير يقاتل الحجاج: لمن كانت الدولة اليوم؟ فيقال لها: للحجاج، فتقول: ربما أمر الباطل، فإذا قيل لها: كانت لعبد الله، تقول: اللهم انصر أهل طاعتك ومن غضب لك. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دخلت على أسماء أنا وعبد الله، قبل أن يقتل بعشر ليال، وإنها لوجعة، فقال لها عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وجعة، قال: إن في الموت لعافية، قالت: لعلك تشتهي موتي، فلا تفعل، وضحكت، وقالت: والله ما أشتهي أن أموت حتى يأتي علي أحد طرفيك، إما أن تقتل فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقر عيني، وإياك أن تعرض علي خطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت. إسحاق الأزرق، عن عوف الأعرابي، عن أبي الصديق الناجي، أن الحجاج دخل على أسماء فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، قالت: كذبت، كان برا بوالديه، صواما قواما، ولكن قد

стр. 1959

أخبرنا رسول الله ﷺ أنه سيخرج من ثقيف كذابان، الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير، إسناده قوي (١). وقال ابن عيينة: حدثنا أبو المحياة، عن أمه قالت: لما قتل الحجاج ابن الزبير دخل على أمه أسماء وقال لها: يا أمه، إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة، ولكن أحدثك: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب، فقد رأيناه - تعني: المختار بن أبي عبيد -، وأما المبير فأنت، فقال لها: مبير المنافقين (٢). أبو المحياه هو يحيى بن يعلى التيمي. وقال يزيد بن هارون: حدثنا الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، أن الحجاج لما قتل ابن الزبير صلبه، وأرسل إلى أمه أن تأتيه، فأبت، فأرسل إليها لتأتين أو لأبعثن من يسحبك بقرونك، فأرسلت إليه: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، فلما رأى ذلك أتى إليها فقال: كيف رأيتني صنعت بعبد الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وقد بلغني أنك كنت تعيره بابن ذات النطاقين، وذكرت الحديث (٣)، فانصرف ولم يراجعها. وقال حميد بن زنجوية: حدثنا ابن أبي عباد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه قالت: قيل لابن عمر: إن أسماء في ناحية المسجد، وذلك حين قتل ابن الزبير وهو مصلوب، فمال إليها، فقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وإنما الأرواح عند الله، فاتقي الله، وعليك بالصبر، فقالت: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.

стр. 1960

رواه حرملة بن يحيى، عن سفيان. ابن المبارك: أخبرنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى على بنتها أسماء بنت أبي بكر، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، بهدايا؛ زبيب وسمن وقرظ، فأبت أن تقبل هديتها، وأرسلت إلى عائشة: سلي رسول الله ﷺ ، فقال: لتدخلها وتقبل هديتها. ونزلت ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (١) الآية. شريك، عن الركين بن الربيع، قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر وهي كبيرة عمياء، فوجدتها تصلي، وعندها إنسان يلقنها: قومي اقعدي افعلي. وقال ابن أبي مليكة: دخلت على أسماء، فقالت: بلغني أن هذا صلب ابن الزبير، اللهم لا تمتني حتى أوتى به فأحنطه وأكفنه، فأتيت به بعد ذلك قبل موتها، فجعلت تحنطه بيدها وتكفنه بعد ما ذهب بصرها. قال ابن سعد (٢): ماتت أسماء بعد وفاة ابنها بليال. ويروى عن ابن أبي مليكة قال: كفنته وصلت عليه، وما أتت عليها جمعة حتى ماتت (٣). ٤ - ع: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، الفقيه أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن، أخو عبد الرحمن، ووالد عبد الرحمن، وابن أخي علقمة بن قيس، وخال إبراهيم بن زيد النخعي، وكان أسن من علقمة. روى عن: معاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وبلال، وحذيفة، وأبي موسى الأشعري، وعائشة، وقرأ القرآن على عبد الله. روى عنه: ابنه، وأخوه، وابن أخته إبراهيم، وعمارة بن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وخلق، وقرأ

стр. 1961

عليه القرآن يحيى بن وثاب، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق. وكان من العبادة والحج على أمر كبير؛ فروى شعبة، عن أبي إسحاق قال: حج الأسود ثمانين من بين حجة وعمرة. وقال ابن عون: سئل الشعبي، عن الأسود بن يزيد، فقال: كان صواما قواما حجاجا. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الله بن صندل، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن ميمون، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال. وقال يحيى بن سعيد القطان: حدثنا يزيد بن عطاء، عن علقمة بن مرثد قال: كان الأسود يجتهد في العبادة؛ يصوم حتى يخضر ويصفر، فلما احتضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع، والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين آخر الذنب الصغير، فيعفو عنه، فلا يزال مستحييا منه. شعبة، عن الحكم، قال: كان الأسود يصوم الدهر (١). حماد عن إبراهيم، قال: إن كان الأسود ليصوم حتى يسود لسانه من الحر. منصور، عن إبراهيم: كان الأسود يحرم من بيته. أشعث بن أبي الشعثاء، قال: رأيت الأسود، وعمرو بن ميمون أهلا من الكوفة. وقال إسماعيل بن أبي خالد: رأيت الأسود وعليه عمامة سوداء. وقال الحسن بن عبيد الله: رأيت الأسود يسجد في برنس طيالسة. في وفاته أقوال، أحدها سنة خمس وسبعين (٢).

стр. 1962

٥ - ع: أسلم مولى عمر بن الخطاب العدوي، أبو زيد، ويقال: أبو خالد، من سبي عين التمر. وقيل: حبشي. وقيل: من سبي اليمن. وقد اشتراه عمر بمكة لما حج بالناس سنة إحدى عشر في خلافة الصديق. وقال الواقدي: سمعت أسامة بن زيد بن أسلم يقول: نحن قوم من الأشعريين، ولكنا لا ننكر منة عمر ﵁. سمع أبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاذا، وأبا عبيدة، وابن عمر، وكعب الأحبار. روى عنه: ابنه زيد، والقاسم بن محمد، ومسلم بن جندب، ونافع مولى ابن عمر. قال الزهري، عن القاسم، عن أسلم قال: قدمنا الجابية مع عمر، فأتينا بالطلاء، وهو مثل عقيد الرب (١). وقال الواقدي: حج عمر بالناس سنة إحدى عشرة، فابتاع فيها أسلم. وقال الواقدي أيضا: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: اشتراني عمر سنة اثنتي عشرة، وهي السنة التي قدم فيها بالأشعث بن قيس أسيرا، فأنا أنظر إليه في الحديد يكلم أبا بكر، وهو يقول له: فعلت وفعلت، حتى كان آخر ذلك أسمع الأشعث يقول: يا خليفة رسول الله استبقني لحربك، وزوجني أختك، فمن عليه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة، فولدت له محمد بن الأشعث. وقال جويرية، عن نافع: حدثني أسلم مولى عمر الأسود الحبشي: والله وما أريد عيبه. وعن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال ابن عمر: يا أبا خالد، إني أرى أمير المؤمنين يلزمك لزوما لا يلزمه أحدا من أصحابك، لا يخرج سفرا إلا وأنت معه، فأخبرني عنه، قال: لم يكن أولى القوم بالظل، وكان يرحل

стр. 1963

رواحلنا ويرحل رحله وحده، ولقد فزعنا ذات ليلة وقد رحل رحالنا وهو يرحل رحله ويرتجز: لا يأخذ الليل عليك بالهم … والبس له القميص واعتم وكن شريك رافع وأسلم … واخدم الأقوام حتى تخدم رواه القعنبي، عن يعقوب بن حماد، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه. قال أبو عبيد: توفي أسلم سنة ثمانين (١). ٦ - ٤: أميمة بنت رقيقة، واسم أبيها عبد بن بجاد التيمي، وهي بنت أخت خديجة بنت خويلد لأمها. عدادها في صحابيات أهل المدينة. روى عنها: ابنتها حكيمة، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن المنكدر، وصرح ابن المنكدر بأنه سمع منها، وبأنها بايعت رسول الله ﷺ ، والحديث في الموطأ (٢). ٧ - م ٤: أوس بن ضمعج الكوفي العابد. ثقة كبير مخضرم. روى عن: سلمان الفارسي، وأبي مسعود البدري الأنصاري، وعائشة. روى عنه: إسماعيل بن رجاء، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وإسماعيل بن أبي خالد. توفي سنة ثلاث أو أربع وسبعين (٣). ٨ - خ د ت ن: بجالة بن عبدة التميمي البصري، كاتب جزء بن معاوية، عم الأحنف بن قيس. روى عن: عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وقال: جاءنا كتاب عمر

стр. 1964

﵁. روى عنه: الزبير بن الخريت، ويعلى بن حكيم، وطالب بن السميدع، ووفد على يزيد بن معاوية (١). ٩ - ع: البراء بن عازب بن الحارث أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني، نزيل الكوفة. صحب النبي ﷺ ، وروى عنه، وعن أبي بكر، وغيره. روى عنه أبو جحيفة السوائي، وعبد الله بن يزيد الخطمي، الصحابيان، وعدي بن ثابت، وسعد بن عبيدة، وأبو عمر زاذان، وأبو إسحاق السبيعي، وآخرون. واستصغر يوم بدر، وشهد غير غزوة مع رسول الله ﷺ . أبو إسحاق، عن البراء: استصغرني رسول الله ﷺ يوم بدر فردني، وغزوت معه خمس عشرة غزوة، وما قدم علينا المدينة حتى قرأت سورا من المفصل. شعبة وجماعة، عن أبي السفر: رأيت على البراء خاتم ذهب. وقال البراء: كنت أنا وابن عمر لدة. توفي سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة إحدى وسبعين (٢). ١٠ - د ت ن: بسر بن أبي أرطاة عمير بن عويمر بن عمران، ويقال: بسر بن أرطاة، أبو عبد الرحمن العامري القرشي، نزيل دمشق. روى عن النبي ﷺ حديثين، وهما: اللهم أحسن عاقبتنا (٣)، وحديث: لا تقطع الأيدي في الغزو (٤). روى عنه: جنادة بن أبي أمية، وأيوب بن ميسرة، وأبو راشد الحبراني، وغيرهم. قال الواقدي: ولد قبل موت النبي ﷺ بسنتين.

стр. 1965

وقال ابن يونس المصري: كان صحابيا شهد فتح مصر، وله بها دار وحمام، وكان من شيعة معاوية، وولي الحجاز واليمن له، ففعل أفعالا قبيحة، وسوس في آخر أيامه. قلت: وكان أميرا سريا بطلا شجاعا فاتكا، ساق ابن عساكر أخباره في تاريخه (١)، فمن أخبث أخباره التي ما عملها الحجاج، على أن الصحيح أن بسرا لا صحبة له. قال الواقدي، وأحمد بن حنبل، وابن معين: لم يسمع من النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ توفي وبسر صغير. قال موسى بن عبيدة: حدثنا زيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة، عن أبي الزيات وآخر، سمعا أبا ذر يتعوذ من يوم العورة، قال زيد: فقتل عثمان، ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن، فسبى نساء مسلمات، فأقمن في السوق. وقال ابن إسحاق: قتل بسر عبد الرحمن، وقثم ولدي عبيد الله بن عباس باليمن. وروى ابن سعد، عن الواقدي، عن داود بن جسرة، عن عطاء بن أبي مروان قال: بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن، فقتل من كان في طاعة علي، فأقام بالمدينة شهرا لا يقال له: هذا ممن أعان على قتل عثمان، إلا قتله. وكان عبيد الله على اليمن، فمضى بسر إليها فقتل ولدي عبيد الله، وقتل عمرو بن أراكة الثقفي، وقتل من همدان أكثر من مائتين، وقتل من الأبناء طائفة، وذلك بعد قتل علي، وبقي إلى خلافة عبد الملك. ويروى عن الشعبي؛ أن بسرا هدم بالمدينة دورا كثيرة، وصعد المنبر وصاح: يا دينار، يا رزيق شيخ سمح عهدته هاهنا بالأمس، ما فعل؟ يعني عثمان، يا أهل المدينة لولا عهد أمير المؤمنين ما تركت بها محتلما إلا
следующие страницы →