بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وتسعين
توفي فيها: سهل بن سعد، والسائب بن يزيد، والسائب بن خلاد الأنصاري، وأنس بن مالك، في قول حميد الطويل وغيره. وكذا في سهل والذي بعده خلاف.
وفيها محمد أمير اليمن أخو الحجاج بن يوسف، وعبد الأعلى بن خالد الفهمي المصري نائب قرة بن شريك على مصر.
وفيها سار قتيبة بن مسلم في جمع عظيم إلى مرو الروذ، فهرب مرزبانها، فصلب قتيبة ولديه، ثم سار إلى الطالقان، فلم يحاربه صاحبها، فكف قتيبة عنه، وقتل لصوصا كثيرة بها، واستعمل عليها عمرو بن مسلم، ثم سار إلى أن وصل الفارياب، فخرج إليه ملكها سامعا مطيعا، فاستعمل عليها عامر بن مالك، ثم دخل بلخ، وأقام بها يوما، فأقبل نيزك، فعسكر ببغلان، فاقتتل هو وقتيبة أياما، ثم أعمل قتيبة الحيل على نيزك، ووجه إليه من خدعه، حتى جاء برجليه إلى قتيبة من غير أمان، فجاء معتذرا إليه من خلعه، فتركه أياما ثم قتله، وقتل سبع مائة من أصحابه.
وفيها عزل الوليد عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان، وولاها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فغزا مسلمة في هذا العام إلى أن بلغ الباب من بحر أذربيجان، فافتتح مدائن وحصونا، ودان له من وراء الباب.
وفيها افتتح قتيبة أمير خراسان شومان، وكش، ونسف، وامتنع عليه أهل فرياب، فأحرقها، وجهز أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السغد إلى طرخون ملك تلك الديار، فجرت له حروب ومواقف، وصالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون أموالا، وتقهقر إلى أخيه إلى بخارى، فانصرفوا حتى قدموا مرو، فقالت السغد لطرخون: إنك قد رضيت بالذل
стр. 2207
وأديت الجزية، وأنت شيخٌ كبير، فلا حاجة لنا فيك، ثم عزلوه وولوا عليهم غورك (١)، فقتل طرخون نفسه، ثم إنهم عصوا ونقضوا العهد.
وفيها حج أمير المؤمنين الوليد.
ثم إنه كتب في هذه السنة أو بعدها إلى عمر بن عبد العزيز متولي المدينة أن يهدم بيوت أزواج النبي ﷺ ويوسع بها المسجد.
فعن عمران بن أبي أنس، قال: كان على أبوابها المسوح من الشعر، ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرعٍ في ذراع، ولقد رأيتني في مجلسٍ فيه جماعة، وإنهم ليبكون حين قرئ الكتاب بهدمها، فقال أبو أمامة بن سهل: ليتها تركت حتى يقصر المسلمون عن البناء، ويرون ما رضي الله لنبيه ﷺ ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.
سنة اثنتين وتسعين
توفي فيها: مالك بن أوس بن الحدثان، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، وطويس المغني صاحب الألحان.
وفيها ولي قضاء مصر عياض بن عبيد الله بن ناجذ.
وفيها افتتح محمد بن القاسم بن أبي عقيل الثقفي مدينة أرمائيل صلحا ومدينة قيربون (٢).
وسار قتيبة بن مسلم إلى رتبيل فصالحه، وحج بالناس عمر بن عبد العزيز.
وافتتح إقليم الأندلس، وهي جزيرة عظيمة متصلة ببر القسطنطينية من جهة الشمال، والبحر الكبير من غربيها وقد خرج منه بحر الروم من جنوبيها، ثم دار إلى شرقيها، ثم استدار إلى شماليها قليلا، وهي جزيرة مثلثة الشكل، افتتح المسلمون أكثرها في رمضان منها على يد طارق أمير طنجة، من قبل مولاه أمير المغرب موسى بن نصير، وطنجة هي أقصى المغرب، فركب طارق البحر، وعدى من الزقاق لكون الفرنج اقتتلوا فيما بينهم واشتغلوا، فانتهز الفرصة.
стр. 2208
وقيل: بل عبر بمكاتبة صاحب الجزيرة الخضراء ليستعين به على عدوه، فدخل طارق واستظهر على العدو، وأمعن في بلاد الأندلس، وافتتح قرطبة، وقتل ملكها لذريق، وكتب إلى موسى بن نصير بالفتح، فحسده موسى على الانفراد بهذا الفتح العظيم، وكتب إلى الوليد يبشره بالفتح وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده لكونه دخل بغير أمره، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، وسار مسرعا بجيوشه، ودخل الأندلس ومعه حبيب بن أبي عبيدة الفهري، فتلقها طارق وقال: إنما أنا مولاك، وهذا الفتح لك.
وأقام موسى بن نصير غازيا وجامعا للأموال نحو سنتين، وقبض على طارق، ثم استخلف على الأندلس ولده عبد العزيز بن موسى، ورجع بأموالٍ عظيمة، وسار بتحف الغنائم إلى الوليد.
ومما وجد بطليطلة لما افتتحها: مائدة سليمان ﵇، وهي من ذهبٍ مكللة بالجواهر، فلما وصل إلى طبرية بلغه موت الوليد وقد استخلف سليمان أخاه، فقدم لسليمان ما معه.
وقيل: بل لحق الوليد وقدم ما معه إليه.
وقيل: إن هذه المائدة كانت حمل جمل.
وتتابع فتح مدائن الأندلس. وفي هذا الحين فتح الله على المسلمين بلاد الترك وغيرها، فلله الحمد والمنة.
وكان أكثر جند موسى بن نصير البربر، وهم قوم موصفون بالشهامة والشجاعة، وفيهم صدقٌ ووفاء، ولهم هممٌ عالية في الخير والشر، وبهم ملك البلاد أبو عبد الله الشيعي، وبنو عبيد، وتاشفين، وابنه يوسف، وابن تومرت، وعبد المؤمن، والملك فيهم إلى اليوم (١).
وفيها توجه طائفةٌ من عسكر موسى بن نصير في البحر إلى جزيرة سردانية، فأخذوها وغنموا، ولكنهم غلوا (٢) فلما عادوا سمعوا قائلا يقول: اللهم غرق بهم، فغرقوا عن آخرهم، ثم استولى عليها الفرنج.
وقد غزاها مجاهد العامري سنة ست وأربع مائة، ثم استردها الفرنج في العام كما
стр. 2209
سيجيء إن شاء الله تعالى، وبه العون.
سنة ثلاثٍ وتسعين
توفي فيها: أنس بن مالك، على الأصح، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو العالية الرياحي، على الأصح، وزرارة بن أوفى البصري قاضي البصرة، وبلال بن أبي الدرداء، وعبد الرحمن بن يزيد بن جارية الأنصاري.
وفيها افتتح محمد بن القاسم الثقفي الديبل وغيرها، ولاه الحجاج ابن عمه، وهو ابن سبع عشرة سنة. وفيه يقول يزيد بن الحكم:
إن الشجاعة والسماحة والندى … لمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة … يا قرب ذلك سؤددا من مولد
قال كهمس بن الحسن: كنت معه، فجاءنا الملك داهر في جمعٍ كبير ومعه سبعة وعشرون فيلا، فعبرنا إليهم، فهزمهم الله، وهرب داهر، فلما كان في الليل أقبل داهر ومعه جمعٌ كبير مصلتين، فقتل داهر وعامة أولئك، وتبعنا من انهزم، ثم سار محمد بن القاسم فافتتح الكيرخ وبرهما.
قال عوانة بن الحكم: وفي أولها غزا موسى بن نصير، فأتى طنجة، ثم سار لا يأتي على مدينةٍ فيبرح حتى يفتحها، أو ينزلوا على حكمه، ثم ساروا إلى قرطبة، ثم غرب وافتتح مدينة باجة ومدينة البيضاء، وجهز البعوث، فجعلوا يفتتحون ويغنمون.
قال خليفة (١): وفيها غزا قتيبة بن مسلم خوارزمٍ، فصالحوه على عشرة آلاف رأس، ثم سار إلى سمرقند، فقاتلوه قتالا شديدا، وحاصرهم حتى صالحوه على ألفي ألف ومائتي ألف، وعلى أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس.
قال (٢): وفيها غزا العباس ابن أمير المؤمنين أرض الروم، ففتح الله على يديه حصنا.
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك، فافتتح ما بين الحصن الجديد من ناحية ملطية.
وغزا مروان ابن أمير المؤمنين الوليد فبلغ
стр. 2210
خنجرة (١).
وحج بالناس ابن أمير المؤمنين عبد العزيز بن الوليد.
وقال ابن جرير الطبري (٢): سار قتيبة بن مسلم إلى سمرقند بغتة في جيشٍ عظيم، فنازلها، فاستنجد أهلها بملك الشاش وفرغانة، فأنجدوهم، فنهضوا ليبيتوا المسلمين، فعلم قتيبة، فانتخب فرسانا مع صالح بن مسلم وأكمنهم على جنبتي طريق الترك، فأتوا نصف الليل، فخرج الكمين عليهم، فاقتتلوا قتالا لم ير الناس مثله، ولم يفلت من الترك إلا اليسير.
قال بعضهم: أسرنا طائفة فسألناهم، فقالوا: ما قتلتم منا إلا ابن ملك، أو بطلا، أو عظيما، فاحتززنا الرؤوس، وحوينا السلب، والأمتعة العظيمة، وأصبحنا إلى قتيبة، فنفلنا ذلك كله، ثم نصب المجانيق على أهل السغد، وجد في قتالهم حتى قارب الفتح، ثم صالحهم، وبنى بها الجامع والمنبر.
قال (٣): وأما الباهليون فيقولون: صالحهم على مائة ألف رأس، وبيوت النيران، وحلية الأصنام، فسلبت ثم أحضرت إلى بين يديه، فكانت كالقصر العظيم - يعني: الأصنام - فأمر بتحريقها، فقالوا: من حرقها هلك. قال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، فجاء الملك غورك، فقال: إن شكرك علي واجبٌ، لا تعرضن لهذه الأصنام، فدعا قتيبة بالنار وكبر، وأشعل فيها بيده، ثم أضرمت، فوجدوا بعد الحريق من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال.
ثم استعمل عليها عبد الله أخاه، وخلف عنده جيشا كثيفا، وقال: لا تدعن مشركا يدخل من باب المدينة إلا ويده مختومة، ومن وجدت معه حديدة أو سكينا فاقتله، ولا تدعن أحدا منهم يبيت فيها، وانصرف قتيبة إلى مرو.
سنة أربعٍ وتسعين
فيها توفي: علي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومالك بن الحارث السلمي، وأبو بكر بن
стр. 2211
عبد الرحمن، وربيعة بن عبد الله بن الهدير، وتميم بن طرفة، وفي بعضهم خلاف.
وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلد كابل وحاصرها حتى افتتحها، ثم غزا فرغانة، فحصرها وافتتحها عنوة، وبعث جيشا فافتتحوا الشاش، وفيها قتل محمد بن القاسم الثقفي صصة بن داهر.
وفيها افتتح مسلمة سندرة من أرض الروم.
وغزا العباس بن الوليد فافتتح مدينتين من الساحل.
وغزا عبد العزيز بن الوليد حتى بلغ غزالة.
وحج بالناس الأمير مسلمة.
وفتح الله على الإسلام فتوحا عظيمة في دولة الوليد، وعاد الجهاد شبيها بأيام عمر ﵁.
وفي شعبان عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة، ووليها عثمان بن حيان المري بعده سنتين وشهرا حتى عزله سليمان بن عبد الملك.
قال مالك: وعظ محمد بن المنكدر وأصحابه نفرا في شيءٍ، وكان فيهم مولى لابن حيان، فبعث إلى ابن المنكدر وأصحابه فضربهم لكلامهم في النهي عن المنكر، وقال: تتكلمون في مثل هذا!
قال ابن شوذب: قال عمر بن عبد العزيز: أظلم مني من ولى عثمان بن حيان الحجاز، ينطق بالأشعار على منبر رسول الله ﷺ ، أو ولى قرة بن شريك مصر، أعرابي جافٍ أظهر فيها المعازف، والله المستعان.
سنة خمسٍ وتسعين
فيها توفي: سعيد بن جبير شهيدا، وإبراهيم النخعي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وأخوه حميد، وعبد الرحمن بن معاوية بن حديج قاضي مصر.
وفيها أو في سنة ست جعفر بن عمرو بن أمية، وفيها الحجاج.
وفيها قال خليفة (١): افتتح محمد بن القاسم المولتان.
وقفل موسى بن نصير من المغرب إلى الوليد، وحمل الأموال على العجل، ومعه ثلاثون
стр. 2212
ألف رأس.
وفيها افتتح مسلمة مدينة الباب من أرمينية وخربها، ثم بناها مسلمة بعد ذلك بتسع سنين. وحدثني أبو مروان الباهلي، عن رجلٍ من باهلة حضر مسلمة، قال: نزل مسلمة على مدينة الباب، فأتاه رجل فسأله أن يؤمنه على نفسه وأهله، ويدله على عورة المدينة، فأعطاه ذلك، فدخل المسلمون، ونذر بهم العدو، فاقتتلوا قتالا شديدا، فلما كان من السحر كبر شيخ وقال: الظفر ورب الكعبة، فأظهر الله مسلمة.
وفيها غزا قتيبة الشاش ثانيا، فأتته وفاة الحجاج، فرجع إلى مرو.
ويقال: فيها توفي صلة بن أشيم، وأبو عثمان النهدي، وزرارة بن أوفى، وسعيد بن المسيب، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وأبو تميمة طريف بن مجالد الهجيمي، والفضل بن زيد الرقاشي أبو سنان، أحد العابدين.
سنة ستٍ وتسعين
فيها توفي الوليد بن عبد الملك، وقتل قتيبة بن مسلم.
وفيها توفي: محمود بن لبيد، ومحمود بن الربيع - في قول -، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وقرة بن شريك القيسي، وأبو بكر بن عبد العزيز بن مروان، وآخرون بخلافٍ فيهم.
وفيها استخلف سليمان، فأغزى الصائفة أخاه مسلمة.
وغزا العباس بن الوليد، فافتتح طوبس والمرزبانين، وأصيب جدار العذري الشامي ومن معه بأرض الروم، وهو جد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان لأمه، وقد روى عنه.
سنة سبعٍ وتسعين
فيها توفي: قيس بن أبي حازم، أو في سنة ثمانٍ، وطلحة بن عبد الله بن عوف، وسعيد بن مرجانة، وعبد الرحمن بن جبير المصري، ومحمود بن لبيد في قول، والحسن بن الحسن بن علي، وعبد الله بن كعب بن مالك، والسائب بن خباب، وفي بعضهم خلفٌ يأتي في تراجمهم، وموسى بن نصير.
стр. 2213
وفيها غزا يزيد بن المهلب جرجان.
قال المدائني: غزاها ولم تكن يومئذٍ مدينة، إنما هي جبالٌ محيطةٌ بها، وتحول صول الملك إلى النجيرة (١) جزيرة في البحر، وكان يزيد في ثلاثين ألفا، فدخلها يزيد، فأصاب أموالا، ثم خرج إلى النجيرة، فحاصره، فكان يخرج فيقاتل، فمكثوا كذلك أشهرا، ثم انصرف يزيد في رمضان.
وذكر الوليد بن هشام أن يزيد صالحهم على خمس مائة ألف درهم في العام.
وروى حاتم بن مسلم، عن يونس بن أبي إسحاق أنه شهد ذلك مع يزيد، قال: صالحهم على خمس مائة ألف، وبعثوا إليه بثياب وطيالسة وألف رأس.
وقال خليفة (٢): وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك برجمة، وحصن ابن عوف، وافتتح أيضا حصن الحديد، وسردا (٣)، وشتى بنواحي الروم.
وأقام الحج الخليفة سليمان.
وفيها بعث سليمان بن عبد الملك على المغرب محمد بن يزيد مولى قريش، فولي سنتين فعدل، ولكنه عسف بآل موسى بن نصير، وقبض على ابنه عبد الله بن موسى وسجنه، ثم جاءه البريد بأن يقتله، فولي قتل عبد الله خالد بن ضباب، وكان أخوه عبد العزيز بن موسى على الأندلس، ثم ثاروا عليه، فقتلوه في سنة تسعٍ وتسعين؛ لكونه خلع طاعة سليمان، قتله وهو في صلاة الفجر حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري.
سنة ثمانٍ وتسعين
فيها توفي: كريب مولى ابن عباس، وعبد الله بن محمد ابن الحنفية، وأبو عمرو الشيباني، وسعد بن عبيد المدني أبو عبيد، وعبد الرحمن بن
стр. 2214
الأسود النخعي، وعمرة بنت عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه، وآخرون مختلفٌ فيهم.
وفيها غزا يزيد بن المهلب بن أبي صفرة طبرستان، فسأله الأصفهبذ الصلح، فأبى، فاستعان بأهل الجبال والديلم، وكان بينهم مصاف كبير، واقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزم الله المشركين، ثم صولح الأصفهبذ على سبع مائة ألف، وقيل: خمس مائة في السنة، وغير ذلك من المتاع والرقيق.
وقال المدائني: غدر أهل جرجان بمن خلف يزيد بن المهلب عليهم من المسلمين، فقتلوهم، فلما فرغ من صلح طبرستان سار إليهم، فتحصنوا، فقاتلهم يزيد أشهرا، ثم أعطوا بأيديهم، ونزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة، وصلب منهم فرسخين، وقاد منهم اثني عشر ألف نفسٍ إلى وادي جرجان فقتلهم، وأجرى الماء في الوادي على الدم، وعليه أرحاء تطحن بدمائهم، فطحن واختبز وأكل، وكان قد حلف على ذلك.
قال خليفة (١): وفيها شتى مسلمة بضواحي الروم، وشتى عمر بن هبيرة في البحر، فسار مسلمة من مشتاه حتى صار إلى القسطنطينية في البر والبحر، إلى أن جاوز الخليج، وافتتح مدينة الصقالبة، وأغارت خيل برجان على مسلمة، فهزمهم الله، وخرب مسلمة ما بين الخليج وقسطنطينية.
وقال الوليد بن مسلم: حدثني شيخ أن سليمان بن عبد الملك سنة ثمانٍ وتسعين نزل بدابق، وكان مسلمة على حصار القسطنطينية.
وقال زيد بن الحباب: حدثنا الوليد بن المغيرة، عن عبيد (٢) بن بشر الغنوي، عن أبيه: سمعت رسول الله ﷺ قال: لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها فدعاني مسلمة، فحدثته بهذا الحديث، فغزاهم.
قال ابن المديني: راويه مجهول.
وقال سعيد بن عبد العزيز: أخبرني من أدرك ذلك أن سليمان بن عبد الملك هم بالإقامة ببيت المقدس، وجمع الناس والأموال بها، وقدم عليه موسى بن نصير من المغرب، ومسلمة بن عبد الملك، فبينما هو على ذلك
стр. 2215
إذ جاءه الخبر أن الروم خرجت على ساحل حمص فسبت جماعة فيهم امرأة لها ذكر، فغضب وقال: ما هو إلا هذا، نغزوهم ويغزونا، والله لأغزونهم غزوة أفتح فيها القسطنطينية أو أموت دون ذلك، ثم التفت إلى مسلمة وموسى بن نصير، فقال: أشيرا علي. فقال موسى: يا أمير المؤمنين، إن أردت ذلك فسر سيرة المسلمين فيما فتحوه من الشام ومصر إلى إفريقية، ومن العراق إلى خراسان، كلما فتحوا مدينة اتخذوها دارا وحازوها للإسلام، فابدأ بالدروب فافتح ما فيها من الحصون والمطامير والمسالح، حتى تبلغ القسطنطينية وقد هدمت حصونها وأوهيت قوتها، فإنهم سيعطون بأيديهم، فالتفت إلى مسلمة، فقال: ما تقول؟ قال: هذا الرأي إن طال عمرٌ إليه، أو كان الذي يبني على رأيك، ولا ينقضه، رأيت أن تعمل منه ما عملت ولا يأتي على ما قال خمس عشرة سنة، ولكني أرى أن تغزي جماعة من المسلمين في البر والبحر القسطنطينية فيحاصرونها، فإنهم ما دام عليهم البلاء أعطوا الجزية أو فتحوها عنوة، ومتى ما يكون ذلك، فإن ما دونها من الحصون بيدك، فقال سليمان: هذا الرأي، فأغزى جماعة أهل الشام والجزيرة في البر في نحو من عشرين ومائة ألف، وأغزى أهل مصر وإفريقية في البحر في ألف مركب، عليهم عمر بن هبيرة الفزاري، وعلى الكل مسلمة بن عبد الملك.
قال الوليد بن مسلم: فأخبرني غير واحدٍ أن سليمان أخرج لهم الأعطية، وأعلمهم أنه عزم على غزو القسطنطينية والإقامة عليها، فأقدروا لذلك قدره، ثم قدم دمشق فصلى بنا الجمعة، ثم عاد إلى المنبر فكلم الناس، وأخبرهم بيمينه التي حلف عليها من حصار القسطنطينية، فانفروا على بركة الله تعالى، وعليكم بتقوى الله ثم الصبر الصبر، وسار حتى نزل دابقا، فاجتمع إليه الناس، ورحل مسلمة.
وفيها ثار حبيب بن أبي عبيدة الفهري، وزياد بن النابغة التميمي بعبد العزيز بن موسى بن نصير متولي الأندلس، فقتلوه وأمروا على الأندلس أيوب ابن أخت موسى بن نصير.
ثم الأمور ما زالت مختلفة بالأندلس زمانا
стр. 2216
لا يجمعهم والٍ، إلى أن ولي السمح بن مالك الخولاني في حدود المائة، واجتمع الناس عليه.
وأما مسلمة فسار بالجيوش، وأخذ معه إليون الرومي المرعشي ليدله على الطريق والعوار، وأخذ عهوده ومواثيقه على المناصحة والوفاء، إلى أن عبروا الخليج وحاصروا القسطنطينية، إلى أن برح بهم الحصار، وعرض أهلها الفدية على مسلمة، فأبى أن يفتحها إلا عنوة، قالوا: فابعث إلينا إليون فإنه رجل منا ويفهم كلامنا مشافهة، فبعثه إليهم، فسألوه عن وجه الحيلة، فقال: إن ملكتموني عليكم لم أفتحها لمسلمة، فملكوه، فخرج وقال لمسلمة: قد أجابوني أنهم يفتحونها، غير أنهم لا يفتحونها ما لم تنح عنهم، قال: أخشى غدرك، فحلف له أن يدفع إليه كل ما فيها من ذهب وفضة وديباج وسبي، وانتقل عنها مسلمة، فدخل إليون فلبس التاج، وقعد على السرير، وأمر بنقل الطعام والعلوفات من خارج، فملأوا الأهراء وشحنوا المطامير، وبلغ الخبر مسلمة، فكر راجعا، فأدرك شيئا من الطعام (١)، فغلقوا الأبواب دونه، وبعث إلى إليون يناشده وفاء العهد، فأرسل إليه إليون يقول: ملك الروم لا يباع بالوفاء، ونزل مسلمة بفنائهم ثلاثين شهرا، حتى أكل الناس في العسكر الميتة، وقتل خلق، ثم ترحل.
سنة تسع وتسعين
فيها توفي: الخليفة سليمان بن عبد الملك، وعبد الله بن محيريز، ونافع بن جبير بن مطعم، وأبو ساسان حضين بن المنذر، وعبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، ومحمود بن الربيع، على الصحيح، وآخرون بخلاف.
وفيها أغارت الخزر على أرمينية وأذربيجان، وأمير تلك البلاد عبد العزيز بن حاتم الباهلي، فكانت وقعة قتل الله فيها عامة الخزر، وكتب بالنصر عبد العزيز الباهلي إلى عمر بن عبد العزيز أول ما ولي الخلافة.
وكانت وفاة سليمان بن عبد الملك بدابق غازيا يوم الجمعة، عاشر صفر.
стр. 2217
وأمر عمر بن عبد العزيز بحمل الطعام والدواب إلى مسلمة بن عبد الملك، وأمر من كان له حميمٌ أن يبعث إليه، فأغاث الناس، وأذن لهم في القفول من غزو القسطنطينية.
وفيها قدم يزيد بن المهلب بن أبي صفرة من خراسان، فما قطع الجسر إلا وهو معزول، وقدم عدي بن أرطاة واليا على البصرة من قبل عمر بن عبد العزيز، فأتى يزيد بن المهلب يسلم عليه، فقبض عليه عدي وقيده وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فحبسه حتى مات.
وبعث عمر الجراح بن عبد الله الحكمي على إمرة خراسان، وقال له: لا تغزوا، وتمسكوا بما في أيديكم.
وحج بالناس أبو بكر بن حزم.
وعزل عمر عن إمرة مصر عبد الملك بن رفاعة بأيوب بن شرحبيل.
واستقضى على الكوفة الشعبي.
وجعل الفتيا بمصر إلى جعفر بن ربيعة، ويزيد بن أبي حبيب، وعبيد الله بن أبي جعفر.
وقال عبدة بن عبد الرحمن: حدثنا بقية، قال: حدثنا محمد بن زياد الألهاني قال: غزونا القسطنطينية، فجعنا حتى هلك ناسٌ كثير، فإن كان الرجل ليخرج إلى قضاء الحاجة والآخر ينظر إليه، فإذا فرغ أقبل ذاك إلى رجيعه فأكله، وإن كان الرجل ليخرج إلى المخرج فيؤخذ فيذبح ويؤكل، وإن الأهراء من الطعام كالتلال لا نصل إليها، يكايد بها أهل قسطنطينية المسلمين.
قال خليفة (١): فلما استخلف عمر أذن لهم في القدوم.
وفيها استعمل عمر على إفريقية إسماعيل بن عبيد الله المخزومي مولاهم، فوصل إليها سنة مائة، وكان حسن السيرة، فأسلم خلقٌ من البربر في ولايته.
стр. 2218
سنة مائة من الهجرة
فيها توفي: أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وأبو الزاهرية، وتميم بن سلمة، وخارجة بن زيد بن ثابت، ودخين بن عامر، وسالم بن أبي الجعد، وسعيد بن أبي الحسن البصري، وبسر بن سعيد الزاهد المدني، وفي بعضهم خلاف.
ويقال: فيها توفي أبو عثمان النهدي، ومسلم بن يسار، وشهر بن حوشب، وأبو خالد الوالبي.
وفيها ولد حماد بن زيد.
ويقال: فيها توفي: حنش الصنعاني، وعيسى بن طلحة بن عبيد الله، وأبو الطفيل، وعبد الله بن مرة الهمداني، وأبو عبد الرحمن الحبلي، وعبد الله بن عبد الملك بن مروان.
وفيها غزا الصائفة الوليد بن هشام المعيطي.
وأقام الموسم للناس أبو بكر بن حزم.
стр. 2219
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تراجم رجال هذه الطبقة
١ - م ٤: إبراهيم بن سويد النخعي الأعور.
عن: عبد الرحمن بن يزيد، وعلقمة.
وعنه: الحسن بن عبيد الله، وسلمة بن كهيل، وزبيد اليامي، وغيرهم (١).
٢ - م د ت ن: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، ويقال: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ الكناني المدني.
رأى عمر، وعليا. وروى عن: أبي هريرة، وجابر، وأبي قتادة الأنصاري، والسائب بن يزيد، وغيرهم.
روى عنه: ابن أخيه سعيد بن خالد، وسلمان الأغر، وعمر بن عبد العزيز، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن أبي كثير، وآخرون (٢).
٣ - م د ن ق: إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس.
عن: عم أبيه عبد الله، وعن أبيه، وميمونة أم المؤمنين.
وعنه: أخوه عباس، ونافع مولى ابن عمر، وسليمان بن سحيم، وابن جريج (٣).
٤ - خ ن ق: إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المدني، وأمه أم كلثوم بنت الصديق.
روى عن: جده، وخالته عائشة، وأمه، وجابر بن عبد الله.
وعنه: ابناه إسماعيل، وموسى، والزهري، وأبو حازم سلمة، والضحاك بن عثمان (٤).
стр. 2220
٥ - سوى ت: إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق، ويقال: أبو محمد الزهري المدني.
روى عن: أبيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وعمار، وجبير بن مطعم.
روى عنه: ابناه سعد وصالح، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن عمرو، وغيرهم.
وأمه هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأخواه أبو سلمة وحميد.
ورد أنه شهد الدار مع عثمان.
توفي سنة ستٍ وتسعين. ووثقه النسائي، وغيره (١).
٦ - ع: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي الكوفي، فقيه العراق.
روى عن: علقمة، ومسروق، وخاله الأسود بن يزيد، والربيع بن خثيم، وشريح القاضي، وصلة بن زفر، وعبيدة السلماني، وسويد بن غفلة، وعابس بن ربيعة، وهمام بن الحارث، وهني بن نويرة، وخلق. ودخل على عائشة ﵂ وهو صبي.
روى عنه: منصور، والأعمش، وحماد بن أبي سليمان، وأبو إسحاق الشيباني، وعبيدة بن معتب، والعلاء بن المسيب، وعبد الله بن شبرمة، وابن عون، وعمرو بن مرة، ومغيرة بن مقسم، ومحمد بن سوقة، وطائفة.
وتفقه به جماعة، وكان من كبار الأئمة.
قيل: إنه لما احتضر جزع جزعا شديدا، فقيل له في ذلك، فقال: وأي خطر أعظم مما أنا فيه، أتوقع رسولا يرد علي من ربي، إما بالجنة وإما بالنار، والله لوددت أنها تلجلج في حلقي إلى يوم القيامة.
توفي إبراهيم سنة ستٍ، وقيل: سنة خمسٍ وتسعين، وله تسعٌ وأربعون سنة على الصحيح. وقيل: ثمان وخمسون سنة.
وقال يحيى القطان: توفي بعد الحجاج بأربعة أشهر أو خمسة.
قلت: مات الحجاج في رمضان سنة خمس.
وقال محمد بن سعد: دخل على عائشة، وسمع زيد بن أرقم،
стр. 2221
والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك.
روى عنه: الشعبي، ومنصور، ومغيرة بن مقسم، وغيرهم من التابعين.
وقال عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم قال: دخلت على أم المؤمنين عائشة.
وعن حماد بن أبي سليمان قال: لقد رأيتني ننتظر إبراهيم، فيخرج والثياب عليه معصفرة، ونحن نرى أن الميتة قد حلت له.
قال ابن عيينة، عن الأعمش، قال: جهدنا على إبراهيم النخعي أن نجلسه إلى سارية، وأردناه على ذلك فأبى، وكان يأتي المسجد وعليه قباء وريطة معصفرة.
قال: وكان يجلس مع الشرط.
قال أحمد بن حنبل: كان إبراهيم ذكيا حافظا، صاحب سنة.
وقال (١) جرير عن مغيرة: كان إبراهيم يدخل مع الأسود وعلقمة على عائشة.
وقال وكيع: حدثنا الأعمش، قال: كنت إذا سمعت حديثا فلم أر ما وجهه أتيت إبراهيم، ففسره لي، وكان إبراهيم صيرفي الحديث.
وعن الشعبي إنه قيل له: مات إبراهيم، فقال: ما ترك بعده خلفٌ.
وقال نعيم بن حماد: حدثنا جرير، عن عاصم قال: تبعت الشعبي، فمررنا بإبراهيم، فقام له إبراهيم عن مجلسه، فقال له الشعبي: أنا أفقه منك حيا، وأنت أفقه مني ميتا، وذاك أن لك أصحابا يلزمونك، فيحيون علمك.
وكان إبراهيم ﵀ أعور.
قال هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: كانوا يكرهون أن يظهر الرجل ما خفي من عمله الصالح.
وقال مالك: كان إبراهيم النخعي رجلا عالما، وكان الشعبي أقدم وأكثر حديثا.
وقال أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب، عن أبيه: كنت فيمن دفن إبراهيم النخعي ليلا سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فقال الشعبي: أدفنتم صاحبكم؟ قلت: نعم، قال: أما إنه ما ترك أحدا أعلم أو أفقه منه، قلت: ولا الحسن، وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، ولا من أهل
стр. 2222
البصرة، ولا من أهل الكوفة، ولا من أهل الحجاز.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي (١): مات مختفيا من الحجاج.
وقال جرير عن مغيرة قال: كان إبراهيم النخعي إذا طلبه إنسان لا يحب أن يلقاه، خرجت الجارية فقالت: اطلبوه في المسجد.
وقال قيس: عن الأعمش، عن إبراهيم قال: أتى رجل، فقال: إني ذكرت رجلا بشيءٍ، فبلغه عني، فكيف أعتذر، قال: تقول: والله إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شيء.
وقال حماد بن زيد: ما كان بالكوفة رجل أوحش ردا للآثار من إبراهيم لقلة ما سمع، فذكر لحماد قول إبراهيم: في الفأرة جزاءٌ إذا قتلها المحرم.
قال الداني: أخذ القراءة عرضا عن علقمة، والأسود.
قرأ عليه: الأعمش، وطلحة بن مصرف.
وقال وكيع: عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة (٢).
٧ - ع: إبراهيم بن يزيد التيمي، تيم الرباب، أبو أسماء الكوفي الفقيه العابد.
روى عن: أبيه يزيد بن شريك، والحارث بن سويد، وعمرو بن ميمون الأودي، وأنس بن مالك، وغيرهم.
روى عنه: بيان بن بشر، ويونس بن عبيد، والأعمش، وآخرون.
قتله الحجاج، وقيل: مات في حبسه سنة اثنتين أو أربعٍ وتسعين، وهو شاب لم يبلغ أربعين سنة؛ وكان كبير القدر.
قال أبو أسامة سمعت الأعمش، يقول: قال إبراهيم التيمي: ربما أتى علي شهر لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا، لا يسمعن هذا منك أحد.
وقال الأعمش: كان إذا سجد كأنه إذا سجد كأنه جذم حائط تنزل على ظهره العصافير (٣).
стр. 2223
٨ - الأخطل النصراني الشاعر اسمه غياث بن غوث التغلبي، شاعر بني أمية.
وهو من نظراء جرير والفرزدق، لكن تقدم موته عليهما.
وقد قيل للفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: كفاك بي إذا افتخرت، وبجرير إذا هجا، وبابن النصرانية إذا امتدح.
وكان عبد الملك بن مروان يجزل عطاء الأخطل ويفضله في الشعر على غيره.
وله:
والناس همهم طول الحياة ولا أرى … طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد … ذخرا يكون كصالح الأعمال
قال محمد بن سلام (١): حدثني محمد بن عائشة، قال: قال إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل: خرجت مع أبي إلى دمشق، فإذا كنيسة، وإذا الأخطل في ناحيتها، فسأل عني فأخبر، فقال: يا فتى إن لك شرفا وموضعا، وإن الأسقف قد حبسني، فأنا أحب أن تأتيه وتكلمه في إطلاقي، قلت: نعم، فذهبت إلى الأسقف، فقال لي: مهلا، أعيذك بالله أن تكلم في مثل هذا، فإنه ظالمٌ يشتم الناس ويهجوهم، فلم أزل به حتى قام معي، فدخل الكنيسة فجعل يتوعده ويرفع عليه العصا، ويقول: تعود؟ وهو يتضرع إليه ويقول: لا، قال: فقلت: يا أبا مالك، تهابك الملوك وتكرمك الخلفاء، وذكرك في الناس! فقال: إنه الدين، إنه الدين.
وعن أبي عبيدة قال: لما أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم … وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
قال: خذ بيده يا غلام فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره، ثم قال: إن لكل قومٍ شاعرا، وإن شاعر بني أمية الأخطل، فمر به جرير، فقال: كيف تركت خنازير أمك؟ قال: كثيرة، وإن أتيتنا قريناك منها، قال: فكيف تركت أعيار أمك؟ قال: كثيرة، وإن أتيتنا حملناك على بعضها.
وعن الأصمعي قال: دخل الأخطل على عبد الملك، فقال: ويحك،
стр. 2224
صف لي السكر، قال: أوله لذةٌ، وآخره صداع، وبين ذلك ساعة لا أصف لك مبلغها، فقال: ما مبلغها؟ قال: لملكك يا أمير المؤمنين أهون علي من شسع نعلي، وأنشأ يقول:
إذا ما نديمي علني ثم علني … ثلاث زجاجات لهن هدير
خرجت أجر الذيل حتى كأني … عليك أمير المؤمنين أمير (١)
٩ - ق: أرقم بن شرحبيل الأودي الكوفي.
أخذ عن عبد الله بن مسعود، وصحب ابن عباس إلى الشام.
روى عنه: أخوه هزيل بن شرحبيل، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو قيس الأودي، وعبد الله ابن أبي السفر.
قال ابن سعد (٢): كان ثقة قليل الحديث.
وقال أبو زرعة (٣): كوفي ثقة (٤).
١٠ - د ت ن: أسلم بن يزيد أبو عمران التجيبي المصري، مولى عمير بن تميم.
روى عن: أبي أيوب الأنصاري، وعقبة بن عامر، وأم سلمة، وصفية أمي المؤمنين، وجماعة.
وعنه: سعيد بن أبي هلال، ويزيد بن أبي حبيب، وعبد الله بن عياض.
وكان وجيها في مصر، وكانت الأمراء يسألونه.
وثقه النسائي (٥).
• - خ م ن: أسير بن جابر، ويقال يسير.
سيأتي (٦)، وقد تقدم (٧).
стр. 2225
١١ - م ٤: الأغر، أبو مسلم المدني نزيل الكوفة.
عن: أبي هريرة، وأبي سعيد، وكانا اشتركا في عتقه.
وعنه: علي بن الأقمر، وأبو إسحاق، وطلحة بن مصرف، وعطاء بن السائب، وجماعة (١).
• - وأما أبو عبد الله الأغر، ففي الكنى (٢).
١٢ - ع: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ وآخر أصحابه موتا.
روى عن النبي ﷺ شيئا كثيرا، وع: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأسيد بن الحضير، وأبي طلحة، وعبادة بن الصامت، وأمه أم سليم، وخالته أم حرام، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي ذر، وطائفة.
روى عنه: الحسن، وابن سيرين، والشعبي، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وأبو قلابة، وطائفة من هذه الطائفة، ثم إسماعيل بن عبيد الله، وقتادة، وثابت، والزهري، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وابن المنكدر، وخلقٌ كثير من هذه الطبقة، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسليمان التيمي، وآخرون من هذه الطبقة الثالثة، وعمر بن شاكر، وكثير بن سليم، وناس قليل من هذه الطبقة التي انقرضت بعد السبعين ومائة، لكن ليس فيها من يحتج به.
وروى عنه بعدهم ناس متهمون بالكذب كخراش، وإبراهيم بن هدبة، ودينار أبو مكيس، حدثوا في حدود المائتين.
قلت: أسماء الرواة عنه التهذيب ثمانون سطرا، فعن أنس قال: كناني النبي ﷺ ببقلة اجتنيتها، يعني: حمزة (٣).
وفي الصحيح (٤)، عن أنس قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن
стр. 2226
عشر، وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته.
وقال علي بن زيد بن جدعان، وليس بالقوي، عن سعيد بن المسيب، عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن ثمان سنين، فأخذت أمي بيدي، فانطلقت بي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إنه لم يبق رجلٌ ولا امرأةٌ من الأنصار إلا وقد أتحفك بتحفة، وإني لا أقدر على ما أتحفك به، إلا ابني هذا، فخذه فليخدمك ما بدا لك، فخدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما ضربني ولا سبني سبة، ولا عبس في وجهي. رواه الترمذي بأطول من هذا (١).
وقال عكرمة بن عمار: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: حدثني أنس قال: جاءت بي أم سليم إلى رسول الله ﷺ قد أزرتني بنصف خمارها وردتني ببعضه، فقالت: هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: اللهم أكثر ماله وولده. قال أنس: فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو من مائة اليوم (٢).
وروى نحوه جعفر بن سليمان، عن ثابت (٣).
وقال شعبة، عن قتادة، عن أنس: إن أم سليم قالت: يا رسول الله، أنس خادمك، ادع الله له، فقال: اللهم أكثر ماله وولده، فأخبرني بعض ولدي أنه دفن من ولدي وولد ولدي أكثر من مائة (٤).
وقال الحسين بن واقد: حدثني ثابت، عن أنس، قال: دعا لي رسول الله ﷺ : اللهم أكثر ماله وولده وأطل حياته، فالله أكثر مالي حتى إن كرما لي لتحمل في السنة مرتين، وولد لصلبي مائة وستة (٥).
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن سنة اثنتين وتسعين وست مائة، قال: أخبرنا محمد بن خلف سنة ست عشرة قال: أخبرنا أبو طاهر السلفي،
стр. 2227
قال: أخبرنا أحمد ومحمد ابنا عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني، قالا: أخبرنا علي بن محمد الفرضي (١)، قال: حدثنا أبو عمرو بن حكيم، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثني حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ دخل على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: أعيدوا تمركم في وعائكم وسمنكم في سقائكم فإني صائم، ثم قام في ناحية البيت، فصلى بنا صلاة غير مكتوبة، فدعا لأم سليم ولأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله إن لي خويصة، قال: وما هي؟ قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا لي به، ثم قال: اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه، فإني لمن أكثر الأنصار مالا. وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن من صلبي إلى مقدم الحجاج البصرة تسعةٌ وعشرون ومائة (٢).
وقال الترمذي (٣): حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود، عن أبي خلدة قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي ﷺ ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك (٤).
أبو خلدة احتج به البخاري.
وقال ابن سعد: حدثنا الأنصاري، عن أبيه، عن مولى لأنس أنه قال له: شهدت بدرا؟ فقال: لا أم لك، وأين غبت عن بدرٍ؟! قال الأنصاري: خرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر وهو غلام يخدمه، وقد رواه عمر بن شبة، عن الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة، قال: قيل لأنس، فذكر مثله. قلت: لم أر أحدا من أصحاب المغازي قال هذا.
وعن موسى بن أنس قال: غزا أنس ثمان غزوات.
стр. 2228
وقال ثابت البناني: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من ابن أم سليم، يعني: أنسا.
وقال أنس بن سيرين: كان أنس أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر.
وقال الأنصاري: حدثني أبي، عن ثمامة، قال: كان أنس يصلي حتى تقطر قدماه دما مما يطيل القيام.
وقال جعفر بن سليمان: حدثنا ثابت قال: جاء قيم أرض أنس، فقال: عطشت أرضوك، فتردى أنس، ثم خرج إلى البرية، ثم صلى ودعا، فثارت سحابةٌ وغشت أرضه ومطرت حتى ملأت صهرية له، وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله فقال: انظر أين بلغت، فإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيرا. روى نحوه الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة.
وقال همام بن يحيى، حدثني من صحب أنسا قال: لما أحرم لم أقدر أن أكلمه حتى حل من شدة اتقائه على إحرامه.
وقال ابن عون، عن موسى بن أنس: إن أبا بكر بعث إلى أنس بن مالك ليوجهه على البحرين ساعيا، فدخل عليه عمر فقال: إني أردت أن أبعث هذا على البحرين، وهو فتى شاب، فقال له عمر: ابعثه، فإنه لبيبٌ كاتبٌ، فبعثه، فلما قبض أبو بكر قدم على عمر، فقال: هات ما جئت به، قال: يا أمير المؤمنين، البيعة أولا، فبسط يده.
وقال حماد بن سلمة: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، قال: استعملني أبو بكر على الصدقة، فقدمت وقد مات، فقال عمر: يا أنس، أجئتنا بظهرٍ؟ قلت: نعم. قال: جئنا بالظهر، والمال لك. قلت: هو أكثر من ذلك. قال: وإن كان، فهو لك. وكان أربعة آلاف.
وقال ثابت، عن أنس قال: صحبت جرير بن عبد الله، فكان يخدمني، وقال: إني رأيت الأنصار يصنعون برسول الله ﷺ شيئا، لا أرى أحدا منهم إلا خدمته.
قال خليفة بن خياط (١): كتب ابن الزبير بعد موت يزيد بن معاوية إلى أنس، فصلى بالناس بالبصرة أربعين يوما.
стр. 2229
وقال الأعمش: كتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان - يعني: لما آذاه الحجاج -: إني خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، والله لو أن النصارى أدركوا رجلا خدم نبيهم لأكرموه.
وقال جعفر بن سليمان: حدثنا علي بن زيد، قال: كنت بالقصر، والحجاج يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك، فقال: يا خبيث جوالٌ في الفتن، مرة مع علي، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفسي بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما يجرد الضب. قال: يقول: أنس: من يعني الأمير؟ قال: إياك أعني، أصم الله سمعك، فاسترجع أنس، وشغل الحجاج، وخرج أنسٌ، فتبعناه إلى الرحبة، فقال: لولا أني ذكرت ولدي وخشيته عليهم بعدي لكلمته بكلامٍ لا يستحييني بعده أبدا.
وقال عبد الله بن سالم الأشعري، عن أزهر بن عبد الله، قال: كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك، وكان فيمن يؤلب على الحجاج، وكان مع عبد الرحمن بن الأشعث، فأتوا به الحجاج، فوسم في يده: عتيق الحجاج.
وقال الأعمش: كتب أنس إلى عبد الملك: قد خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، وإن الحجاج يعرض بي حوكة (١) البصرة، فقال: يا غلام، اكتب إليه: ويلك قد خشيت أن لا يصلح على يدي (٢) أحدٌ، فإذا جاءك كتابي هذا، فقم إلى أنس حتى تعتذر إليه، قال الرسول: فلما جئته قرأ الكتاب، ثم قال: أمير المؤمنين كتب بما هنا؟ قلت: إي والله، وما كان في وجهه أشد من هذا، قال: سمعٌ وطاعة، فأراد أن ينهض إليه، فقلت: إن شئت أعلمته، فأتيت أنسا، فقلت: ألا ترى قد خافك، وأراد أن يقوم إليك، فقم إليه، فأقبل يمشي حتى دنا منه، فقال: يا أبا حمزة غضبت؟ قال: أغضب؟ تعرضني بحوكة البصرة؟ قال: إنما مثلي ومثلك كقول الذي قال: إياك أعني واسمعي يا جارة، أردت أن لا يكون لأحدٍ علي منطق.
وقال عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، قال: رأيت أنس بن مالك
стр. 2230
أبرص، وبه وضحٌ شديدٌ، ورأيته يأكل، فيلقم لقما كبارا.
وقال عفان: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا حميد، عن أنس قال: يقولون: لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب مؤمن، وقد جمع الله حبهما في قلوبنا.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أمه أنها رأت أنسا متخلقا بالخلوق، وكان به برصٌ، فسمعني وأنا أقول لأهله: لهذا أجلد من سهل بن سعد، وهو أكبر من سهل، فقال: إن رسول الله ﷺ دعا لي.
وقال خليفة (١): قال أبو اليقظان: مات لأنس في طاعون الجارف ثمانون ابنا، ويقال: سبعون في سنة تسعٍ وستين (٢).
وقال معاذ بن معاذ: حدثنا عمران، عن أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، ودعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم.
قلت: أنس ﵁، ممن استكمل مائة سنة بيقينٍ، فإنه قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن عشر.
وقد قال شعيب بن الحبحاب: توفي سنة تسعين.
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا معتمر، عن حميد: أن أنسا مات سنة إحدى وتسعين، وكذا قال قتادة، والهيثم بن عدي، وسعيد بن عفير، وأبو عبيدة.
وقال الواقدي: سنة اثنتين وتسعين، تابعه معن بن عيسى، عن ابنٍ لأنس بن مالك.
وقال سعيد بن عامر، وإسماعيل بن علية، وأبو نعيم، والمدائني، والفلاس، وخليفة (٣)، وقعنب، وغيرهم: سنة ثلاث.
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: اختلف علينا مشيختنا في سن أنس، فقال بعضهم: بلغ مائة وثلاث سنين. وقال بعضهم: بلغ مائة وسبع سنين.
وقال يحيى بن بكير: توفي أنس وهو ابن مائة وسنة (٤).
стр. 2231
قلت: وفي الصحابة:
١٣ - ٤: أنس بن مالك الكعبي القشيري، أبو أمية.
له حديث واحد لفظه: إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة (١).
روى عنه: أبو قلابة الجرمي، وعبد الله بن سوادة القشيري. حديثه في السنن (٢).
١٤ - م ٤: أوس بن ضمعج الحضرمي، ويقال: النخعي الكوفي.
عن: سلمان، وأبي مسعود الأنصاري، وعائشة.
وعنه: إسماعيل بن رجاء، وإسماعيل السدي، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السبيعي، وابنه عمران بن أوس.
قال ابن أبي خالد: كان من القراء الأول، وذكر له فضلا، وأثنى عليه شعبة.
روى له الخمسة حديثا واحدا في الإمامة (٣).
١٥ - ق بخ: أوسط البجلي الحمصي ابن إسماعيل، وقيل: ابن عامر، وقيل: ابن عمرو.
نزل دمشق، وروى عن أبي بكر وعمر.
وعنه: سليم بن عامر الخبائري، ولقمان بن عامر، وحبيب بن عبيد.
له حديث واحد في سؤال العافية، عن الصديق (٤).
стр. 2232
١٦ - خ: أيمن الحبشي مولى عتبة بن أبي لهب الهاشمي، وعتيق بن مخزوم، وهو والد عبد الواحد بن أيمن.
روى عن: عائشة، وسعد، وجابر، لم يرو عنه إلا ابنه.
قال أبو زرعة (١): ثقة.
قلت: لم يخرج له إلا البخاري (٢).
١٧ - د ت: أيوب بن بشير بن سعد بن النعمان الأنصاري المعاوي المدني أبو سليمان.
ولد في عهد النبي ﷺ وأرسل عنه، وروى عن: عمر، وحكيم بن حزام.
وتوهم أنه أخو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة.
وروى عنه أبو طوالة، وعاصم بن عمرو بن قتادة، والزهري.
قال ابن سعد (٣): كان ثقة، شهد الحرة وجرح بها جراحات كثيرة، ومات بعد ذلك (٤).
١٨ - م ت ن: أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري النجاري المدني، نزيل برقة.
عن: أبيه، وجابر، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن رافع مولى أم سلمة.
وعنه: عمر مولى غفرة، وإسماعيل بن أمية، وموسى بن عبيدة، ويزيد بن أبي حبيب.
وهو راوي حديث: خلق الله التربة يوم السبت الذي رواه مسلم (٥).
١٩ - أيوب بن سليمان بن عبد الملك بن مروان.
ولي غزو الصائفة، ورشحه أبوه لولاية العهد، فمات قبل أبيه بأيام.
стр. 2233
وفيه يقول جرير:
إن الإمام الذي ترجى نوافله … بعد الإمام ولي العهد أيوب (١)
٢٠ - خ د ت ن: بجالة بن عبدة التميمي العنبري البصري، كاتب جزء بن معاوية.
عن: ابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وعن كتاب عمر في المجوس.
وعنه: عمرو بن دينار، وقشير بن عمرو، وقتادة.
وثقه أبو زرعة (٢)، وذكره الجاحظ (٣) في نساك أهل البصرة (٤).
٢١ - ع: بسر بن سعيد المدني مولى بني الحضرمي السيد العابد الفقيه.
روى عن: عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وطائفة.
روى عنه: بكير، ويعقوب ابنا عبد الله بن الأشج، وسالم أبو النضر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وزيد بن أسلم، وآخرون.
وثقه النسائي، وقبله يحيى بن معين.
وقال محمد بن سعد (٥): كان من العباد المنقطعين والزهاد، كثير الحديث.
وورد أن الوليد سأل عمر بن عبد العزيز: من أفضل أهل المدينة؟ قال: مولى لبني الحضرمي يقال له: بسر.
وقيل: إن رجلا وشى على بسر عند الوليد بأنه يعيبكم، فأحضره وسأله، فقال: لم أقله، واللهم إن كنت صادقا فأرني به آية، فاضطرب الرجل حتى مات.
стр. 2234
توفي سنة مائة.
وقال مالك: مات بسر وما خلف كفنا (١).
٢٢ - ن: بسر بن محجن الديلي المدني.
روى عن أبيه في صلاة الجماعة.
وعنه زيد بن أسلم، حديثه في الموطأ.
والأصح أنه بشر بالكسر، وشين معجمة.
وقال مالك وغيره: بالضم والإهمال (٢).
٢٣ - ع: بشير بن نهيك أبو الشعثاء البصري.
عن: بشير بن الخصاصية، وأبي هريرة، وله عنه صحيفة.
وعنه: أبو الوليد بركة المجاشعي، وأبو مجلز لاحق، والنضر بن أنس، وخالد بن سمير، ويحيى بن سعيد الأنصاري. وكان صالحا من الثقات.
وشذ أبو حاتم، فقال (٣): لا يحتج به (٤).
• - بشير بن كعب العلوي. تقدم (٥).
٢٤ - د: بلال بن أبي الدرداء الدمشقي، أبو محمد.
ولي إمرة دمشق، وحدث عن: أبيه، وامرأة أبيه أم الدرداء.
روى عنه: خالد بن محمد الثقفي، وحميد بن مسلم، وعلي بن زيد بن جدعان، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحريز بن عثمان، وأبو بكر بن أبي مريم.
قال أبو مسهر: كان أسن من أم الدرداء.
وقال البخاري في تاريخه (٦): بلال بن أبي الدرداء أمير الشام.
وقال سعيد بن عبد العزيز: إن أبا الدرداء ولي القضاء، ثم فضالة بن عبيد، ثم النعمان بن بشير، ثم بلال بن أبي الدرداء، فلما استخلف عبد الملك عزله بأبي إدريس الخولاني.
стр. 2235
وقال أبو عبيد: توفي سنة ثلاثٍ وتسعين (١).
٢٥ - بلال بن أبي هريرة الدوسي.
روى عن: أبيه.
روى عنه: الشعبي، ويعقوب بن محمد بن طحلاء، وغيرهما.
شهد صفين مع معاوية، وبقي إلى خلافة سليمان.
قال رجاء بن أبي سلمة، عن عبد الله بن أبي نعم: إنه دخل على سليمان بن عبد الملك، وإلى جانبه بلال بن أبي هريرة (٢) على السرير (٣).
٢٦ - م د ن ق: تميم بن سلمة الكوفي.
عن: شريح القاضي، وعبد الرحمن بن هلال العبسي، وعروة بن الزبير، ولا نعلم له رواية عن الصحابة.
روى عنه: طلحة بن مصرف، ومنصور، والأعمش.
ووثقه ابن معين. وتوفي سنة مائة (٤).
٢٧ - م د ن ق: تميم بن طرفة الطائي الكوفي.
يروي عن: جابر بن سمرة، وعدي بن حاتم.
روى عنه: سماك بن حرب، وعبد العزيز بن رفيع، والمسيب بن رافع.
وثقه النسائي.
توفي سنة أربعٍ وتسعين (٥).
٢٨ - ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو مصعب، ويقال: أبو حكمة الأسدي الزبيري.
روى عن: سعد بن أبي وقاص، وقيس بن مخرمة.
وعنه: نافع، وإسحاق والد عباد بن إسحاق.
ووفد على عبد الملك بعد مقتل والده، ثم على سليمان بن عبد الملك.
стр. 2236
قال الزبير بن بكار (١): كان لسان آل الزبير جلدا وفصاحة وبيانا. وحدثني عمي مصعب قال: لم يزل بنو عبد الله: خبيب، وحمزة، وثابت (٢)، عند جدهم منظور بن زبان بالبادية، حتى تحرك ثابت، فقال: الحقوا بنا بأبينا، فزعموا أن ثابتا جمع القرآن في ثمانية أشهر، فزوجه أبوه، وكان يشهد القتال مع أبيه ويبارز، وكان قد أشار على أبيه أن يخرج من مكة، فلم يطعه، وقيده خوفا من هربه.
له أخبار في تاريخ دمشق (٣).
٢٩ - خ د ق: ثعلبة بن أبي مالك القرظي حليف الأنصار، إمام مسجد بني قريظة.
قال مصعب الزبيري: سنه سن عطية القرظي، وقصته كقصته.
روى عن: النبي ﷺ ، وعمر، وعثمان، وجماعة.
وعنه: الزهري، ويزيد بن الهاد، وعمر مولى غفرة، ويحيى بن سعيد، وجماعة (٤).
• - ع: جابر بن زيد أبو الشعثاء. في الكنى (٥).
٣٠ - سوى د: جعفر بن عمرو بن أمية الضمري المدني، أخو عبد الملك بن مروان من الرضاعة.
روى عن: أبيه، ووحشي بن حرب، وأنس بن مالك.
روى عنه: سليمان بن يسار، وأبو قلابة، والزهري، وغيرهم.
وثقه أحمد العجلي (٦).
توفي سنة خمسٍ أو ست وتسعين (٧).
٣١ - جميل بن عبد الله بن معمر، أبو عمرو العذري، الشاعر المشهور، صاحب بثينة.
روى عن أنس بن مالك. ووفد على عمر بن عبد العزيز، وهو القائل:
стр. 2237
ألا ليت ريعان الشباب جديد … ودهرا تولى يا بثين يعود
فكنا كما كنا نكون وأنتم … صديق وإذ ما تبذلين زهيد
لكل حديث عندهن بشاشة … وكل قتيل عندهن شهيد
وله يرويه ثعلب:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما … قتيلا بكى من حب قاتله قبلي
أفي أم عمرو تعذلاني هديتما … وقد تيمت قلبي وهام بها عقلي
وله يرويه الصندلي:
أريتك إن أعطيتك الود عن قلى … ولم يك عندي إن أبيت إباء
أتاركتي للموت أنت فميت … وعندك لي لو تعلمين شفاء
فواكبدي من حب من لا تجيبني … ومن عبرات ما لهن فناء
وأنشد ابن الأنباري لجميل:
خليلي عوجا اليوم عني فسلما … على عذبة الأنياب طيبة النشر
فإنكما إن عجتما بي ساعة … شكرتكما حتى أغيب في قبري
وما لي لا أبكي وفي الأيك نائح … وقد فارقتني شختة (١) الكشح (٢) والخصر
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه … وأصبر ما لي عن بثينة من صبر
يقولون مسحور يجن بذكرها … فأقسم ما بي من جنون ولا سحر
وأقسم لا أنساك ما ذر شارق … وما أورق الأغصان في ورق السدر
ذكرت مقامي ليلة الباب (٣) قابضا … على كف حوراء المدامع كالبدر
فكدت ولم أملك إليها صبابة … أهيم وفاض الدمع مني على النحر
أيا ليت شعري هل أبيتن ليلة … كليلتنا حتى يرى ساطع الفجر
فليت إلهي قد قضى ذاك مرة … فيعلم ربي عند ذلك ما شكري
стр. 2238
ولو سألت مني حياتي بذلتها … وجدت بها إن كان ذلك عن أمري
ولجميل:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بوادي القرى إني إذا لسعيد
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي … من الحب قالت ثابت ويزيد
وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به … مع الناس قالت ذاك منك بعيد
فلا أنا مردود بما جئت طالبا … ولا حبها فيما يبيد يبيد
وله:
لما دنا البين بين الحي واقتسموا … حبل النوى فهو في أيديهم قطع
جادت بأدمعها ليلى وأعجلني (١) … وشك الفراق فما أبكي ولا أدع
يا قلب ويحك لا عيش بذي سلم … ولا الزمان الذي قد مر يرتجع
أكلما مر حي لا يلائمهم … ولا يبالون أن يشتاق من فجعوا
علقتني بهوى منهم فقد كربت … من الفراق حصاة القلب تنصدع
له مطلع قصيدة:
ألا أيها النوام ويحكم هبوا … أسائلكم هل يقتل الرجل الحب
قال الزبير بن بكار: قال عباس بن سهل الساعدي: بينا أنا بالشام، إذ لقيني رجل فقال: هل لك في جميل نعوده، فإنه ثقيل؟ فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، وما يخيل إلي أن الموت يكرثه (٢)، فقال: يا ابن سهل، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزن، ولم يقتل نفسا يشهد أن لا إله إلا الله؟ قلت: أظنه قد نجا، فمن هو؟ قال: أنا، فقلت: ما أحسبك سلمت، أنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة، فقال: لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن كنت وضعت يدي عليها لريبة، فما برحنا حتى مات، رحمه الله تعالى (٣).
стр. 2239
٣٢ - بخ: حبيب بن صهبان الأسدي الكاهلي الكوفي.
عن: عمر، وعمار.
وعنه: الأعمش، وأبو حصين الأسدي، والمسيب بن رافع (١).
٣٣ - الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي، أمير العراق، أبو محمد.
ولد سنة أربعين، أو إحدى وأربعين.
وروى عن: ابن عباس، وسمرة بن جندب، وأسماء بنت الصديق، وابن عمر.
روى عنه: ثابت البناني، وقتيبة بن مسلم، وحميد الطويل، ومالك بن دينار.
وكان له بدمشق آدر.
ولي إمرة الحجاز، ثم ولي العراق عشرين سنة.
قال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أحدا أفصح من الحسن والحجاج، والحسن أفصحهما.
وقال علي بن زيد بن جدعان: قيل لسعيد بن المسيب: ما بال الحجاج لا يهيجك كما يهيج الناس؟ قال: لأنه دخل المسجد مع أبيه، فصلى، فأساء الصلاة، فحصبته، فقال: لا أزال أحسن صلاتي ما حصبني سعيد.
وفي صحيح مسلم (٢) أن أسماء بنت أبي بكر قالت للحجاج: أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه.
وقال أبو عمر الحوضي: حدثنا الحكم بن ذكوان، عن شهر بن حوشب: أن الحجاج كان يخطب وابن عمر في المسجد، فخطب الناس حتى أمسى، فناداه ابن عمر: أيها الرجل الصلاة! فأقعد، ثم ناداه الثانية، فأقعد، ثم ناداه الثالثة، فأقعد، فقال لهم: أرأيتم إن نهضت أتنهضون؟ قالوا: نعم، فنهض فقال: الصلاة، فلا أرى لك فيها حاجة، فنزل الحجاج فصلى، ثم دعا به فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنما نجيء للصلاة فإذا حضرت الصلاة فصل الصلاة لوقتها، ثم نقنق بعد ذلك ما شئت من نقنقة.
стр. 2240
وقال أبو صالح كاتب الليث: حدثني حرملة بن عمران، عن كعب بن علقمة، قال: قدم مروان مصر ومعه الحجاج بن يوسف وأبوه، فبينا هو في المسجد مر بهم سليم بن عتر، وكان قاص الجند، وكان خيارا، فقال الحجاج: لو أجد هذا خلف حائط المسجد ولي عليه سلطانٌ لضربت عنقه، إن هذا وأصحابه يثبطون عن طاعة الولاة، فشتمه والده ولعنه وقال: ألم تسمع القوم يذكرون عنه خيرا، ثم تقول هذا؟ أما والله إن رأيي فيك أنك لا تموت إلا جبارا شقيا. وكان أبو الحجاج فاضلا.
وعن يزيد بن أبي مسلم الثقفي قال: كان الحجاج على مكة، فكتب إليه عبد الملك بولايته على العراق، فخرج في نفرٍ ثمانية أو تسعة على النجائب.
قال عبد الله بن شوذب: ما رؤي مثل الحجاج لمن أطاعه، ولا مثله لمن عصاه.
وروى ابن الكلبي، عن عوانة بن الحكم قال: سمع الحجاج تكبيرا في السوق وهو في الصلاة، فلما انصرف صعد المنبر وقال: يا أهل العراق، وأهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، قد سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترهيب، ولكنه الذي يراد به الترغيب، إنها عجاجةٌ تحتها قصفٌ، أي بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، ألا يرقأ الرجل منكم على ضلعه (١)، ويحسن حمل رأسه، وحقن دمه، ويبصر موضع قدمه، والله ما أرى الأمور تنفل (٢) بي وبكم حتى أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها، وتأديبا لما بعدها.
وقال سيار أبو الحكم: سمعت الحجاج على المنبر يقول: أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها، فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وعنجها (٣) بزمامها عن معاصي الله.
стр. 2241
وقال مالك بن دينار (١): سمعت الحجاج يخطب، فقال: امرؤٌ زود نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرؤ نظر إلى ميزانه، فما زال يقول: امرؤ، حتى أبكاني.
وعن الحجاج قال: امرؤٌ عقل عن الله أمره، امرؤٌ أفاق واستفاق وأبغض المعاصي والنفاق، وكان إلى ما عند الله بالأشواق.
وعن الحجاج أنه خطب فقال: أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله، فقام إليه رجل فقال: ويحك ما أصفق وجهك، وأقل حياءك، تفعل ما تفعل، ثم تقول مثل هذا؟ فأخذوه، فلما نزل دعا به فقال: لقد اجترأت، فقال: يا حجاج، أنت تجترئ على الله فلا تنكره على نفسك، وأجترئ أنا عليك فتنكره علي؟ فخلى سبيله.
وقال شريك، عن عبد الملك بن عمير قال: قال الحجاج يوما: من كان له بلاء فليقم فلنعطه على بلائه، فقام رجل فقال: أعطني على بلائي. قال: وما بلاؤك؟ قال: قتلت الحسين. قال: وكيف قتلته؟ قال: دسرته والله بالرمح دسرا، وهبرته بالسيف هبرا، وما أشركت معي في قتله أحدا، قال: أما إنك وإياه لن تجتمعا في موضع واحد، فقال له: اخرج.
وروى شريك، عن عبد الملك بن عمير. ورواه صالح بن موسى الطلحي، عن عاصم بن بهدلة أنهم ذكروا الحسين ﵁، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي ﷺ ، فقال يحيى بن يعمر: كذبت أيها الأمير، فقال: لتأتيني على ما قلت ببينةٍ من كتاب الله، أو لأقتلنك. فقال قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ إلى قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ فأخبر الله تعالى أن عيسى من ذرية آدم بأمه، قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي؟ قال: ما أخذ الله على الأنبياء ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ قال: فنفاه إلى خراسان.
وقال أبو بكر بن عياش، عن عاصم: سمعت الحجاج، وذكر هذه الآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ فقال: هذه لعبد الله، لأمين الله وخليفته، ليس فيها مثنوية، والله لو أمرت رجلا يخرج
стр. 2242
من باب هذا المسجد، فأخذ من غيره لحل لي دمه وماله، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان لي حلالا، يا عجبا من عبد هذيل (١) يزعم أنه يقرأ قرآنا من عند الله، ما هو إلا رجز من رجز الأعراب، والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه. رواها واصل بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن أبي بكر.
قاتل الله الحجاج ما أجرأه على الله، كيف يقول هذا في العبد الصالح عبد الله بن مسعود!
قال أبو بكر بن عياش: ذكرت قوله هذا للأعمش، فقال: قد سمعته منه.
ورواها محمد بن يزيد، عن أبي بكر، فزاد: ولا أجد أحدا يقرأ علي قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير.
وروها ابن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة.
وقال الصلت بن دينار: سمعت الحجاج يقول: ابن مسعود رأس المنافقين، لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه.
وقال ضمرة، عن ابن شوذب قال: ربما دخل الحجاج على دابته حتى يقف على حلقة الحسن، فيستمع إلى كلامه، فإذا أراد أن ينصرف يقول: يا حسن لا تمل الناس. قال: فيقول: أصلح الله الأمير، إنه لم يبق إلا من لا حاجة له.
قال الأصمعي: قال عبد الملك للحجاج: إنه ليس أحد إلا وهو يعرف عيبه، فعب نفسك. قال: أعفني يا أمير المؤمنين، فأبى عليه، فقال: أنا لجوجٌ حقودٌ حسودٌ، فقال: ما في الشيطان شر مما ذكرت.
وقال عبد الله بن صالح: حدثنا معاوية بن صالح، عن شريح بن عبيد، عمن حدثه، قال: أخبر عمر بأن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، حتى جعلوا يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فلما سلم أقبل على الناس، فقال: من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل، ثم آخر، ثم قمت أنا، فقال: يا أهل الشام، استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم،
стр. 2243
وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيها بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم.
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا العوام بن حوشب قال: حدثني حبيب بن أبي ثابت، قال: قال علي ﵁ لرجل: لا مت حتى تدرك فتى ثقيف، قيل: يا أمير المؤمنين، ما فتى ثقيف؟ قال: ليقالن له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجلٌ يملك عشرين سنة، أو بضعا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها (١).
وقال جعفر بن سليمان: حدثنا مالك بن دينار، عن الحسن: أن عليا كان على المنبر فقال: اللهم إني ائتمنتهم فخانوني، ونصحتهم فغشوني، اللهم فسلط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية (٢).
وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد: قال رأيت أنسا ﵁ مختوما في عنقه ختمة الحجاج، أراد أن يذله بذلك.
قال الواقدي: قد فعل ذلك بغير واحدٍ من الصحابة، يريد أن يذلهم بذلك، وقد مضت لهم العزة بصحبة رسول الله ﷺ .
وقال جرير بن عبد الحميد، عن سماك بن موسى الضبي قال: أمر الحجاج أن توجأ عنق أنس، وقال: أتدرون من هذا؟ هذا خادم رسول الله ﷺ ، فعلته به لأنه سيئ البلاء في الفتنة الأولى، غاش الصدر في الفتنة الآخرة.
وروى إسماعيل بن أبي خالد: قال الشعبي: يأتي على الناس زمانٌ يصلون فيه على الحجاج.
وعن أيوب السختياني قال: أراد الحجاج قتل الحسن مرارا، فعصمه الله منه، واختفى مرة في بيت علي بن زيد (٣) سنتين.
قلت: لأن الحسن كان يذم الأمراء الظلمة مجملا، فأغضب ذلك الحجاج.
стр. 2244
وعن مالك بن دينار قال: إن الحجاج عقوبةٌ سلطه الله عليكم، فلا تستقبلوا عقوبة الله بالسيف، ولكن استقبلوها بالدعاء والتضرع (١).
وقال أبو عاصم النبيل: حدثني جليسٌ لهشام بن أبي عبد الله قال: قال عمر بن عبد العزيز لعنبسة بن سعيد: أخبرني ببعض ما رأيت من عجائب الحجاج. قال: كنا جلوسا عنده ليلة، فأتي برجلٍ، فقال: ما أخرجك هذه الساعة! وقد قلت: لا أجد فيها أحدا إلا فعلت به؟ قال: أما والله لا أكذب الأمير، أغمي على أمي منذ ثلاثٍ، فكنت عندها، فلما أفاقت الساعة قالت: يا بني، أعزم عليك إلا رجعت إلى أهلك، فإنهم مغمومون لتخلفك عنهم، فخرجت، فأخذني الطائف، فقال: ننهاكم وتعصونا، اضرب عنقه! ثم أتي برجلٍ آخر، فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟! قال: والله لا أكذبك، لزمني غريمٌ فلما كانت الساعة أغلق الباب وتركني على بابه، فجاءني طائفك فأخذني، فقال: اضربوا عنقه. ثم أتي بآخر، فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟! قال: كنت مع شربةٍ أشرب، فلما سكرت خرجت، فأخذوني، فذهب عني السكر فزعا، فقال: يا عنبسة ما أراه إلا صادقا، خلوا سبيله، فقال عمر لعنبسة، فما قلت له شيئا؟ فقال: لا، فقال عمر لآذنه: لا تأذن لعنبسة علينا، إلا أن يكون في حاجة.
وقال بسطام بن مسلم، عن قتادة قال: قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحجاج؟ قال: إني والله ما خرجت عليه حتى كفر.
وقال هشام بن حسان: أحصوا ما قتل الحجاج صبرا، فبلغ مائة ألفٍ وعشرين ألفا.
وقال عباد بن كثير، عن قحذم، قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداةٍ واحدةٍ واحدا وثمانين ألف أسير، وعرضت السجون بعد موت الحجاج، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا، لم يجب على أحدٍ منهم قطعٌ ولا صلبٌ.
وقال الهيثم بن عدي: مات الحجاج، وفي سجنه ثمانون ألفا، منهم ثلاثون ألف امرأة.
وعن عمر بن عبد العزيز، قال: لو تخابثت الأمم، وجئنا بالحجاج
стр. 2245
لغلبناهم، ما كان يصلح لدنيا ولا لآخرة، ولي العراق، وهو أوفر ما يكون من العمارة، فأخس به حتى صيره أربعين ألف ألف، ولقد أدي إلي في عامي هذا ثمانون ألف ألف وزيادة.
وقال جعفر بن سليمان: حدثنا مالك بن دينار قال: كنا إذا صلينا خلف الحجاج، فإنما نلتفت ما بقي علينا من الشمس، فقال: إلامَ تلتفتون، أعمى الله أبصاركم، إنا لا نسجد لشمسٍ ولا لقمرٍ، ولا لحجرٍ، ولا لوبر.
وقال عاصم بن أبي النجود: ما بقيت لله حرمة إلا وقد انتهكها الحجاج.
وقال طاوس: إني لأعجب من أهل العراق، يسمون الحجاج مؤمنا.
وقال سفيان، عن منصور، قال: ذكرت لإبراهيم لعن الحجاج أو بعض الجبابرة، فقال: أليس الله يقول: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وكفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج.
وقال ابن عون: قيل لأبي وائل: تشهد على الحجاج أنه في النار؟ فقال: سبحان الله أحكم على الله!
وقال عوف: ذكر الحجاج عند ابن سيرين، فقال: مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئا.
وقال رجل للثوري: اشهد على الحجاج وأبي مسلم أنهما في النار. فقال: لا، إذا أقرا بالتوحيد.
وقال العباس الأزرق، عن السري بن يحيى، قال: مر الحجاج في يوم جمعةٍ، فسمع استغاثة، فقال: ما هذا؟ قيل: أهل السجون يقولون: قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة.
وقال الأصمعي: بنى الحجاج واسطا في سنتين وفرغ منها سنة ست وثمانين.
وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا الصلت بن دينار قال: مرض الحجاج، فأرجف به أهل الكوفة، فلما عوفي صعد المنبر وهو يتثنى على أعواده، فقال: يا أهل الشقاق والنفاق والمراق، نفخ الشيطان في مناخركم، فقلتم: مات الحجاج، فمه والله ما أرجو الخير إلا بعد الموت، وما رضي