١٩٢ - ٤: عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري.
روى عن: أبيه ذي الشهادتين، وعمه، وعثمان بن حنيف، وعمرو بن العاص. وعنه: الزّهري، ويزيد بن الهاد، وعمرو بن خزيمة المزني، وأبو جعفر الخطمي عمير بن يزيد.
وثّقه النّسائيّ.
توفي سنة خمسٍ ومائة (١).
١٩٣ - عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة عمر بن المغيرة بن عبد الله المخزومي.
أحد فحول الشعراء بالحجاز، وفد على عبد الملك بن مروان، وامتدحه، فوصله بمالٍ عظيمٍ لشرفه وبلاغة نظمه، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وحدّث عن سعيد بن المسيّب، وقيل: إنّه ولد في زمن عمر ﵁، روى عنه: مصعب بن شيبة، وعطاف بن خالد، وأخشى أن تكون رواية عطاف عنه منقطعة، فما أراه بقي إلى حدود العشرين ومائة، فإنه من طبقة جرير والفرزدق، وعبد الله بن قيس الرّقيّات.
حكى الهيثم بن عديّ أنّ عبد الملك بن مروان بعث إلى عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وإلى جميل بن معمر العذري، وإلى كثيّر عزّة، وأوقر ناقةً ذهباً وفضّة، ثم قال: لينشدني كل واحدٍ منكم ثلاثة أبياتٍ، فأيكم كان أغزل شعراً، فله النّاقة وما عليها، فقال عمر بن أبي ربيعة:
فيا ليت أني حيث تدنو منيتي … شممت الذي ما بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كله … وليت حنوطي من مشاشك والدم
وليت سليمى في المنام ضجيعتي … لدى الجنة الخضراء أو في جهنم
وقال جميل:
حلفت يمينا يا بثينة صادقا … فإن كنت فيها كاذبا فعميت
حلفت لها بالبدن تدمى نحورها … لقد شقيت نفسي بكم وعييت
ولو أن راقي الموت يرقي جنازتي … بمنطقها في الناطقين حييت
стр. 2487
فقال كثير:
بأبي وأمي أنت من معشوقة … ظفر العدو بها فغير حالها
ومشى إلي ببين عزة نسوة … جعل المليك خدودهن نعالها
لو أن عزة خاصمت شمس الضحى … في الحسن عند موفق لقضى لها
فقال عبد الملك: خذ الناقة يا صاحب جهنم.
وكان يقال: من أراد رقة الغزل والنسيب فعليه بشعر عمر بن أبي ربيعة.
ومن شعره رواه الأنباري:
لبثوا ثلاث منى بمنزل قلعة … وهم على عرض لعمرك ما هم
متجاورين بغير دار إقامة … لو قد أجد رحيلهم لم يندموا
ولهن بالبيت العتيق لبانة … والبيت يعرفهن لو يتكلم
لو كان حيا قبلهن ظعائنا … حيا الحطيم وجوههن وزمزم
ولكنه مما يطيف بركنه … منهن صماء الصدا مستعجم
وكأنهن وقد صدرن عشية … بيض بأكناف الخيام منظم
وفي كتاب " النسب " للزبير بن بكار لعمر بن أبي ربيعة:
نظرت إليها بالمحصب من منى … ولي نظر لولا التحرج عارم
فقلت: أشمس أم مصابيح بيعة … بدت لك تحت السجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل … أبوها وإما عبد شمس وهاشم
فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا … عشية راحت وجهها والمعاصم
قال الزبير: وحدثنا سلم بن عبد الله بن مسلم بن جندب، عن أبيه قال: أنشد ابن أبي عتيق سعيد بن المسيب، قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
أيها الراكب المجد ابتكارا … قد قضى من تهامة الأوطارا
إن يكن قلبك الغداة جليدا … ففؤادي بالحب أمسى معارا
ليت ذا الدهر كان حتما علينا … كل يومين حجة واعتمارا
فقال سعيد: لقد كلف المسلمسن شططا.
стр. 2488
وروى الأصمعيّ، عن صالح بن أسلم قال: قال لي عمر بن أبي ربيعة: إنّي قد أنشدت من الشّعر ما بلغك، وربّ هذه البنيّة ما حللت إزاري على فرجٍ حرامٍ قطّ، وروي أنّ عمر بن أبي ربيعة غزا البحر، فاحترقت سفينته واحترق، ﵀ (١).
١٩٤ - د ق: عمر بن خلدة قاضي المدينة في خلافة عبد الملك لهشام بن إسماعيل المخزومي أمير المدينة.
وكان رجلاً مهيباً عفيفاً، لم يرتزق على القضاء شيئاً.
وقال ربيعة الرأي: كان يقضي في المسجد.
وقال مالك: كان ابن خلدة قاضي عمر بن عبد العزيز وغيره يقضون في المسجد، وكان ابن خلدة يجلس مع خارجة بن زيد، ومع ربيعة، فكانوا يقولون: آذيتنا وأبرمتنا، فيقول: لا تقيموني من عندكم دعوني أتحدّث معكم، فإذا جاء الخصمان تحوّلت إليهما ثم عدت.
وذكر الواقديّ، عن ابن أبي ذئب قال: حضرت عمر بن خلدة يقول لخصمٍ: اذهب يا خبيث فاسجن نفسك، فذهب الرجل وليس معه حرسيٌّ، وتبعناه ونحن صبيان حتى أتى السّجّان فحبس نفسه (٢).
١٩٥ - خ م ن: عمر بن عبد الله بن عروة بن الزّبير.
توفّي شابّاً. روى القليل عن جدّه. وعنه: ابن جريج، ومحمد بن إسحاق بن يسار.
وكان ثقة خياراً (٣).
١٩٦ - ع: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمسٍ بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب، أمير المؤمنين أبو حفصٍ القرشيّ الأمويّ ﵁ وأرضاه.
ولد بالمدينة سنة ستّين، عام توفي معاوية أو بعده بسنة، وأمّه هي أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
стр. 2489
روى عن: أبيه، وأنس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابن قارظ، وأرسل عن عقبة بن عامر، وخولة بنت حكيم، وروى أيضاً عن عامر بن سعد، ويوسف بن عبد الله بن سلاّم، وسعيد بن المسيّب، وعروة بن الزّبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سبرة، وطائفة.
وعنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن أحد شيوخه، ومحمد بن المنكدر، والزّهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومسلمة بن عبد الملك، ورجاء بن حيوة، وعبد الله بن العلاء بن زيد، ويعقوب بن عتبة، وولداه: عبد الله، وعبد العزيز، وخلق كثير.
وكانت خلافته تسعةً وعشرين شهراً، كأبي بكرٍ الصديق ﵁.
قال الخريبي: ولد عام قتل الحسين ﵁.
وقال إسماعيل الخطبيّ: رأيت صفته في كتابٍ: أبيض، رقيق الوجه، جميلاً، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بجبهته أثر حافر دابة، فلذلك (١) سمي أشجّ بني أمية، وقد وخطه الشّيب.
قال ثروان مولى عمر بن عبد العزيز: إنّه دخل إلى إصطبل أبيه وهو غلام، فضربه فرسه فشجّه، فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول: إن كنت أشجّ بني أميّة إنّك لسعيد، رواه ضمرة عنه.
نعيم بن حماد، عن ضمام بن إسماعيل، عن أبي قبيل، أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام، فقالت أمّه: ما يبكيك: قال: ذكرت (٢) الموت، وكان قد جمع القرآن وهو غلامٌ صغير، فبكت أمه.
سعيد بن عفير، عن يعقوب، عن أبيه، أن عبد العزيز بن مروان أمير مصر بعث ابنه عمر إلى المدينة يتأدّب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده (٣)، وكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، فبلغه أن عمر ينتقص عليّاً، فقال له: متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن
стр. 2490
رضي عنهم! ففهم، وقال: معذرة إلى الله وإليك لا أعود.
وقال غيره: لما توفي عبد العزيز، طلب عبد الملك عمر بن عبد العزيز إلى دمشق، فزوّجوه بابنته فاطمة، وكان الذين يعيبون عمر من حسّاده لا يعيبونه إلاّ بالإفراط في التّنعّم والاختيال في المشية، هذا قبل الإمرة، فلمّا ولي الوليد الخلافة، أمّر عمر على المدينة، فوليها من سنة ستٍّ وثمانين، إلى سنة ثلاثٍ وتسعين، وعزل، فقدم الشام، ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد وأن يجعل ولي عهده ولده عبد العزيز بن الوليد، فأطاعه كثيرٌ من الأشراف طوعاً وكرهاً، وصمّم عمر بن عبد العزيز، وامتنع، فطيّن عليه الوليد، كما ذكرنا في ترجمة عبد العزيز.
قال أبو زرعة عبد الأحد بن الليث القتباني: سمعت مالكاً يقول: أتى فتيان إلى عمر بن عبد العزيز فقالوا: إن أبانا توفي وترك مالاً عند عمّنا حميد الأمجي (١)، فأحضره عمر، وقال له: أنت القائل:
حميد الذي أمجٌ داره … أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
أتاه المشيب على شربها … فكان كريماً فلم ينزع
قال: نعم، قال: ما أراني إلا حادّك، أقررت بشربها، وأنك لن تنزع عنها، قال: أين يذهب بك؟ ألم تسمع الله يقول: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ قال: أولى لك يا حميد، ما أراك إلا قد أفلت، ويحك يا حميد، كان أبوك رجلاً صالحاً وأنت رجل سوءٍ، قال: أصلحك الله، وأيّنا يشبه أباه، كان أبوك رجل سوءٍ، وأنت رجلٌ صالحٌ، قال: إن هؤلاء زعموا أن أباهم توفي وترك مالاً عندك، قال: صدقوا، وأحضره بختم أبيهم، ثم قال: إن أباهم مات منذ كذا وكذا، وكنت أنفق عليهم من مالي، وهذا مالهم، قال: ما أحدٌ أحق أن يكون عنده منك، فامتنع.
وقال زيد بن أسلم: قال أنس ﵁: ما صلّيت وراء إمامٍ بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاةً برسول الله من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز، وكان عمر أميراً على المدينة، قال زيد بن أسلم: فكان يتمّ الركوع والسجود،
стр. 2491
ويخفّف القيام والقعود، رواه العطّاف بن خالد، عن زيد بن أسلم (١).
قال عمر بن قيس الملائي: سئل محمد بن علي بن الحسين، عن عمر بن عبد العزيز، فقال: هو نجيب بني أمية، وإنه يبعث يوم القيامة أمّةً وحده.
قال سفيان الثوري، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه قال: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذةً.
أبو مصعب (٢)، عن مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز حين خرج من المدينة، التفت إليها وبكى، ثم قال: يا مزاحم أتخشى أن نكون ممّن نفته المدينة؟
معمر، عن الزّهري قال: سمرت مع عمر بن عبد العزيز ليلةً فقال: كل ما حدّثت الليلة قد سمعته، ولكنك حفظت ونسيت.
قال عبد العزيز بن الماجشون: حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: يا آل عمر، كنّا نتحدّث، وفي لفظ: يزعم الناس، أنّ الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجلٌ من آل عمر (٣)، يعمل مثل عمل عمر، قال: فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة، وكانوا يرون أنه هو، حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز، أمّه بنت عاصم بن عمر.
قال التّرمذيّ في تاريخه (٤): حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق، عن جويرية، عن نافع: بلغنا أن عمر قال: إن من ولدي رجلاً بوجهه شينٌ يلي، فيملأ الأرض عدلاً، قال نافع: فلا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز.
مبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع قال: كان ابن عمر
стр. 2492
يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامةٌ، يملأ الأرض عدلاً.
أيوب بن محمد بن الوزّان، ومحمد بن عبد العزيز قالا: حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن السّريّ بن يحيى، عن رياح بن عبيدة قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة، وشيخٌ متوكّئ على يده، فقلت في نفسي: إن هذا الشيخٌ جافٍ، فلما صلى ودخل لحقته، فقلت: أصلح الله الأمير، من الشيخ الذي كان يتّكئ على يدك؟ قال: يا رياح رأيته؟ قلت: نعم، قال: ما أحسبك إلا رجلاً صالحاً، ذاك أخي الخضر، أتاني فأعلمني أنّي سألي أمر هذه الأمة، وأنّي سأعدل فيها، رواته ثقات (١).
جرير بن حازم، عن هزّان بن سعيد قال: حدثني رجاء بن حيوة قال: لما ثقل سليمان بن عبد الملك، رآني عمر بن عبد العزيز في الدار فقال: يا رجاء، أذكّرك الله أن تذكّرني أو تشير بي، فوالله ما أقدر على هذا الأمر، فانتهرته وقلت: إنّك لحريصٌ على الخلافة، أتطمع أن أشير عليه بك، فاستحيا، ودخلت، فقال لي سليمان: يا رجاء، من ترى لهذا الأمر؟ قلت: اتّق الله، فإنك قادمٌ على ربك وسائلك عن هذا الأمر، وما صنعت فيه، قال: فمن ترى؟ قلت: عمر بن عبد العزيز، قال: كيف أصنع بعهد عبد الملك إليّ، وإلى الوليد في ابني عاتكة، أيّهما بقي؟ قلت تجعله من بعده، قال: أصبت، هات صحيفةً، فكتب عهد عمر، ويزيد بن عبد الملك من بعده، ثم دعوت رجالاً فدخلوا عليه، فقال: عهدي في هذه الصحيفة مع رجاء، اشهدوا واختموا الصحيفة، فما لبث أن مات، فكففت النساء عن الصياح، وخرجت إلى الناس، فقالوا: كيف أمير المؤمنين؟ قلت: لم يكن منذ اشتكى أسكن منه الساعة، قالوا لله الحمد.
الوليد بن المسلم، عن عبد الرحمن بن حسّان الكنانيّ قال: لما مرض
стр. 2493
سليمان بدابق، قال لرجاء بن حيوة: من للأمر بعدي (١)، أستخلف ابني؟ قال: ابنك غائب، قال: فالآخر، قال: صغير، قال: فمن ترى؟ قال: أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز، قال: أتخوف بني عبد الملك، قال: ولّ عمر، ومن بعده يزيد، واختم الكتاب، وتدعوهم إلى بيعته مختوماً، قال: لقد رأيت، ائتني بقرطاس، فدعا بقرطاسٍ، وكتب العهد، ودفعه إلى رجاء، وقال: اخرج إلى الناس فليبايعوا على ما فيه مختوماً، فخرج إليهم، فامتنعوا، فقال: انطلق إلى صاحب الحرس والشّرط فاجمع الناس ومرهم بالبيعة، فمن أبى فاضرب عنقه، ففعل، فبايعوا على ما في الكتاب، قال رجاء: فبينا أنا راجع إذا بموكب هشام، فقال: تعلم موقعك منّا، وإنّ أمير المؤمنين قد صنع شيئاً ما أدري ما هو، وأنا أتخوّف أن يكون قد أزالها عنّي، فإن يكن عدلها عنّي فأعلمني ما دام في الأمر نفسٌ، قلت: سبحان الله، يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه، لا يكون ذا أبداً، فأدارني وألاصني، فأبيت عليه، فانصرف، فبينا أنا أسير، إذ سمعت جلبةً خلفي، فإذا عمر بن عبد العزيز، فقال لي: يا رجاء إنه قد وقع في نفسي أمرٌ كبير أتخوف أن يكون هذا الرجل قد جعلها إلي، ولست أقوم بهذا الشأن، فأعلمني ما دام في الأمر نفسٌ، لعلي أتخلص منه ما دام حياً، قلت: سبحان الله، يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه! فأدارني وألاصني، فأبيت عليه، وثقل سليمان، وحجب الناس، فلما مات أجلسته وسندته وهيأته، وخرجت إلى الناس، فقالوا: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ قلت: أصبح ساكناً، وقد أحب أن تسلموا عليه وتبايعوا بين يديه، وأذنت للناس، فدخلوا، وقمت عنده، فقلت إن أمير المؤمنين يأمركم بالوقوف، ثم أخذت الكتاب من عنده، وتقدمت إليهم، وقلت: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا على ما في هذا الكتاب، فبايعوا وبسطوا أيديهم، فلما بايعهم وفرغت، قلت لهم: آجركم الله في أمير المؤمنين، قالوا: فمن؟ ففتحت الكتاب، فإذا عمر بن عبد العزيز، فتغيرت وجوه بني عبد الملك، فلما قرأوا: بعده يزيد، فكأنهم تراجعوا، فقالوا: أين عمر؟ فطلبوه، فإذا هو في
стр. 2494
المسجد، فأتوا فسلموا عليه بالخلافة، فعقر به فلم يستطع النهوض، حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه المنبر، فجلس طويلاً لا يتكلم، فلما رآهم رجاء جالسين، قال: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعونه فنهضوا إليه فبايعوه رجلاً رجلاً، ومد يده إليهم، فصعد إليه هشام، فلما مد يده إليه قال: يقول هشام: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال عمر: إنا لله حين صار يلي هذا الأمر أنا وأنت، ثم قام فحمد الله، ثم قال: أيها الناس إني لست بقاضٍ ولكني منفذ، ولست بمبتدعٍ، ولكني متبعٌ، وإن من حولكم من الأمصار إن أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإن أبوا فلست لكم بوالٍ، ثم نزل يمشي، فأتاه صاحب المراكب، فقال: ما هذا؟ قال مركب الخلافة، قال: لا ائتوني بدابتي، ثم إنه كتب إلى العمال في الأمصار، قال رجاء: كنت أظن أنه سيضعف، فلما رأيت صنعه في الكتاب علمت أنه سيقوى.
قال عمر بن مهاجر: صلى عمر بن عبد العزيز المغرب، ثم صلى على سليمان بن عبد الملك.
قال ابن إسحاق، وغيره: وذلك يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسعٍ وتسعين.
قلت: وكان عمر في خلافة سليمان كالوزير له.
أحمد بن حنبل: حدثنا سفيان، قال: حدثني من شهد دابق، وكان مجتمع غزو الناس: فمات سليمان، وكان رجاء صاحب أمره ومشورته، فأعلم الناس بموته، وصعد المنبر، وقال: إن أمير المؤمنين كتب كتاباً وعهد عهداً ومات، أفسامعون أنتم مطيعون؟ قالوا: نعم، وقال هشام بن عبد الملك: نسمع ونطيع إن كان فيه استخلاف رجلٍ من بني عبد الملك، قال: فجذبه الناس حتى سقط وقالوا: سمعنا وأطعنا، فقال رجاء: قم يا عمر، فقال عمر: والله إن هذا لأمر ما سألته الله قط.
وعن الضحاك بن عثمان قال: لما انصرف عمر عن قبر سليمان، قدموا له مراكب سليمان، فقال:
فلولا التقى ثم النهى خشية الردى … لعاصيت في حب الصبى كل زاجر
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى … له صبوة أخرى الليالي الغوابر
стр. 2495
لا قوة إلا بالله، قدموا بغلتي.
خالد بن مرداس: حدثنا الحكم بن عمر قال: شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمها، قال: ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يزيد، واجعل أثمانها في مال الله، تكفيني بغلتي هذه الشهباء.
سفيان بن وكيع: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن ذر (١) أن مولى عمر بن عبد العزيز قال له إذ رجع من جنازة سليمان: ما لي أراك مغتماً؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم، ليس أحدٌ من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتبٍ إلي فيه، ولا طالبه مني.
إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجر، أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف قام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد ﷺ ، ألا وإني لست بقاضٍ، ولكني منفذ، ولست بمبتدع، ولكني متبعٌ، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالمٍ، ألا لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. رواه معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، وزاد فيه: لست بخيرٍ من أحدٍ منكم، ولكني أثقلكم حملاً.
أيوب بن سويد الرملي: حدثنا يونس، عن الزهري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله، يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات، فكتب إليه بالذي سأل، وكتب إليه: إنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك، كنت عند الله خيراً من عمر (٢).
стр. 2496
حماد بن زيد، عن أبي هاشم أن رجلاً جاء إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: رأيت النبي ﷺ في النوم (١)، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، فإذا رجلان يختصمان، وأنت بين يديه جالس، فقال لك: يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين، لأبي بكر وعمر، فاستحلفه عمر بالله لرأيت هذا؟ فحلف له، فبكى.
ورويت من وجهٍ آخر، وأن الرائي عمر نفسه.
قال ميمون بن مهران: إن الله كان يتعاهد الناس بنبيٍ بعد نبي، إن الله تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز.
حماد بن سلمة، عن حماد، أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف بكى، فقال: يا أبا فلان أتخشى علي؟ قال: كيف حبك للدرهم؟ قال: لا أحبه، قال: لا تخف فإن الله سيعينك.
جرير، عن مغيرة، قال: جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف، فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فدك ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم (٢)، ويزوج منها أيمهم، وإن فاطمة ﵂ سألته أن يجعلها لها، فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر وعمر، قال: ثم أقطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز، فرأيت أمراً منعه رسول الله ﷺ فاطمة، ليس لي بحقٍ، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله ﷺ .
قال عبد الله بن صالح: حدثني الليث قال: فلما ولي عمر بن عبد العزيز بدأ بلحمته، وأهل بيته، فأخذ ما بأيديهم، وسمى أموالهم مظالم، ففزعت بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان، فأتته ليلاً، فأنزلها عن دابتها، فلما أخذت مجلسها قال: يا عمة أنت أولى بالكلام فتكلمي، قالت: تكلم يا أمير المؤمنين، قال: إن الله بعث نبيه رحمةً، ثم اختار له ما عنده، فقبضه
стр. 2497
الله، وترك لهم نهراً شربهم سواءٌ، ثم قام أبو بكر، فترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل عمل صاحبه، ثم لم يزل النهر يشتق منه يزيد، ومروان، وعبد الملك، والوليد، وسليمان، حتى أفضى الأمر إلي، وقد يبس النهر الأعظم، ولن يروى أصحاب النهر الأعظم حتى يعود النهر إلى ما كان عليه، فقالت: حسبك قد أردت كلامك ومذاكرتك، فأما إذا كانت مقالتك هذه، فلست بذاكرةٍ لك شيئاً، فرجعت إليهم فأبلغتهم كلامه.
هشام بن عمار: حدثنا أيوب بن سويد، عن فرات بن سليمان، عن ميمون بن مهران: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر فأخاف أن لا تحمله قلوبكم، فأخرج معه طمعاً من طمع الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا.
ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، قال: قلت لطاوس: هو المهديّ؟ يعني عمر بن عبد العزيز قال: هو مهديٌّ وليس به، إنه لم يستكمل العدل كلّه.
ابن عون قال: كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال: نهى عنه إمام هدىً. يعني: عمر بن عبد العزيز.
حرملةً: سمعت الشافعيّ يقول: الخلفاء خمسةً: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمر بن عبد العزيز. وقد ورد عن أبي بكر بن عياش نحوه.
ابن وهب: حدثني ابن زيد، عن عمر بن أسيد قال: والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يجيء بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، قد أغنى عمر الناس.
سعيد بن عامر: حدثنا جويرية قال: دخلنا على فاطمة ابنة علي بن أبي طالب، فأثنت على عمر بن عبد العزيز، فقالت: لو كان بقي لنا ما احتجنا بعد إلى أحدٍ.
إبراهيم الجوزجاني: حدثنا محمد بن الحسن الأسدي قال: حدثنا عمر بن ذر، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، قال: حدثتني فاطمة امرأة
стр. 2498
عمر بن عبد العزيز أنها دخلت عليه وهو جالس في مصلاّه تسيل دموعه على لحيته، فقلت: يا أمير المؤمنين ألشيءٍ حدث؟ قال: يا فاطمة إنّي تقلّدت من أمر أمّة محمدٍ ﷺ أسودها وأحمرها، فتفكّرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة، فخشيت أن لا تثبت لي حجةٌ، فبكيت.
الفريابي: حدثنا الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز كان جالساً في بيته، وعنده أشراف بني أمية، فقال: تحبون أن أولّي كل رجلٍ منكم جنداً؟ فقال رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا، إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناءٍ، وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم، فكيف أوليكم ديني، أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم، هيهات لكم هيهات! فقالوا له: لم، أما لنا قرابة؟ أما لنا حق؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء، إلا رجلاً من المسلمين حبسه عني طول شقته.
حماد بن سلمة: أخبرنا حميد قال: أمل علي الحسن رسالةً إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ، ثم شكا الحاجة والعيال، فقلت: يا أبا سعيد لا تهجن هذا الكتاب بالمسألة، اكتب هذا في غير ذا، قال: دعنا منك، فأمر بعطائه، قال: قلت: يا أبا سعيد اكتب إليه في المشورة فإن أبا قلابة قال: كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالوحي، فما منعه ذلك أن أمره الله بالمشورة، فقال: نعم، فكتب بالمشورة، فأبلغ فيها أيضاً.
أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي: أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أراد أن يعاقب رجلاً حبسه ثلاثة أيام، ثم عاقبه، كراهية أن يعجل في أول غضبه.
معاوية بن صالح الحمصي: حدثني سعيد بن سويد أن عمر بن عبد العزيز صلى بهم الجمعة، ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك، فلو
стр. 2499
لبست، فنكس ملياً ثم رفع رأسه، فقال: أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند المقدرة.
سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء قال: قال عمر بن عبد العزيز: إن نفسي نفسٌ تواقةٌ، لم تعط من الدنيا شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما أعطيت ما لا شيء فوقه في الدنيا، تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه، قال سعيد: يريد الجنة.
حماد بن واقد: سمعت مالك بن دينار يقول: الناس يقولون: إني زاهدٌ، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.
الفسويّ: حدثني إبراهيم بن هشام بن يحيى، قال: حدثني أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: دعاني المنصور، فقال: كم كانت غلّة عمر بن عبد العزيز حين أفضت إليه الخلافة؟ قلت: خمسون ألف دينار، فقال: كم كانت غلته يوم مات؟ قلت: ما زال يردها حتى كانت مائتي دينار (١)، وحدثني (٢) إبراهيم بن هشام، عن أبيه، عن جده عن مسلمة بن عبد الملك قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فإذا عليه قميصٌ وسخٌ، فقلت لامرأته فاطمة، وهي أخت مسلمة: اغسلوا قميص أمير المؤمنين، قالت: نفعل، ثم عدت فإذا القميص على حاله، فقلت لها! فقالت: والله ما له قميصٌ غيره.
إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجر، قال: كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين.
سعيد بن عامر، عن عون بن المعتمر قال: دخل عمر بن عبد العزيز على زوجته فقال: عندك درهم نشتري به عنباً؟ قالت: لا، أنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم! قال: هذا أهون من معالجة الأغلال في جهنم.
يحيى بن معين: حدثنا مروان بن معاوية: قال: حدثنا يوسف بن يعقوب الكاهلي قال: كان عمر بن عبد العزيز يلبس الفروة الكبل، وكان
стр. 2500
سراج بيته على ثلاث قصبات، فوقهن طين.
وعن عطاء الخراساني قال: أمر عمر بن عبد العزيز غلامه أن يسخن له ماءً، فانطلق فسخن قمقماً في مطبخ العامة، فأمره عمر أن يأخذ بدرهم حطباً يضعه في المطبخ.
ابن المبارك في الزهد (١): أخبرنا إبراهيم بن نشيط، قال: حدثنا سليمان بن حميد، عن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك، فقال لها: أخبريني عن عمر، قالت: ما اغتسل من جنابةٍ منذ استخلف.
يحيى بن حمزة: حدثنا عمرو من مهاجر أن عمر بن عبد العزيز كان يسرج عليه الشمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها، ثم أسرج عليه سراجه.
خالد بن مرداس: حدثنا الحكم بن عمر قال: كان لعمر بن عبد العزيز ثلاثمائة حرسيٌ، وثلاثمائة شرطي، فشهدته يقول لحرسه: إن لي عليكم بالقدر حاجزاً، وبالأجل حارساً، من أقام منكم فله عشرة دنانير، ومن شاء فليلحق بأهله.
إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحاً، فأهدى له رجلٌ من أهل بيته تفاحاً، فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه، ارفعه يا غلام للذي أتى به، وأقرئ فلاناً السلام، وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب، فقلت: يا أمير المؤمنين، ابن عمك ورجلٌ من أهل بيتك، وقد بلغك أن النبي ﷺ كان يأكل الهدية، فقال: ويحك، إن الهدية كانت للنبي ﷺ هديةً، وهي اليوم لنا رشوةٌ.
ضمرة بن ربيعة، عن عبد العزيز بن أبي الخطاب، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: قال لي رجاء بن حيوة: ما أكمل مروءة أبيك، سمرت عنده ذات ليلةٍ فعشي السراج، فقال لي: ما ترى السراج قد عشي؟ قلت: بلى، قال: وإلى جانبه وصيف راقد، قلت: ألا أنبهه؟ قال: لا، قلت: أفلا أقوم؟ قال: ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه، فقام إلى
стр. 2501
بطة الزيت وأصلح السراج، ثم رجع، وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.
حماد بن سلمة، عن رجاء أبي المقدام الرّمليّ، عن نعيم كاتب عمر بن عبد العزيز أن عمر قال: إنه ليمنعني من كثيرٍ من الكلام مخافة المباهاة.
سليمان بن حرب: حدثنا جرير بن حازم، قال: حدثنا المغيرة بن حكيم: قال: قالت لي فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز إنه يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر بن عبد العزيز، وما رأيت أحداً قط أشدّ فرقاً من ربه من عمر، كان إذا صلى العشاء قعد في مسجده، ثم يرفع يديه، فلم يزل يبكي حتى تغلبه عينه، ثم ينتبه، فلا يزال يدعو رافعاً يديه يبكي حتى تغلبه عينه.
روى مثله ابن المبارك (١)، عن جرير بن حازم، وزاد: يفعل مثل ذلك ليله أجمع.
هشام بن الغاز، عن مكحول قال: لو حلفت لصدقت، ما رأيت أزهد ولا أخوف لله من عمر بن عبد العزيز.
أبو جعفر النفيلي: حدثنا النضر بن عربي قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فكان لا يكاد يبكي (٢)، إنما هو ينتفض أبداً، كأن عليه حزن الخلق.
الفسوي (٣): حدثني إبراهيم بن هشام بن يحيى، قال: حدثني أبي، عن جدي، عن ميمون بن مهران، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: حدثني، فحدثته حديثاً بكى منه بكاءً شديداً، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو علمت لحدثتك حديثاً ألين منه، قال: يا ميمون، إنا نأكل هذه الشجرة العدس، وهي ما علمت، مرقةٌ للقلب مغزرةٌ للدمعة، مذلةٌ للجسد.
عن عطاء قال: كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلةٍ الفقهاء،
стр. 2502
فيتذاكرون الموت والقيامة، ثم يبكون، حتى كأن بين أيديهم جنازة.
وعن سعيد بن أبي عروبة وغيره، أن عمر بن عبد العزيز كان إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله.
قال معاوية بن يحيى: حدثني أرطاة قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو جعلت على طعامك أميناً لا تغتال، وحرساً إذا صليت، وتنح عن الطاعون؛ قال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف يوماً دون يوم القيامة، فلا تؤمن خوفي.
روى علي بن أبي حملة، عن الوليد بن هشام قال: لقيني يهودي فقال: إن عمر بن عبد العزيز سيلي، ثم لقيني آخر ولاية عمر، فقال: صاحبك قد سقي فمره فليتدارك، فأعلمت عمر، فقال: قاتله الله، ما أعلمه؟ لقد علمت الساعة التي سقيت فيها، ولو كان شفائي أن أمسح شحمة أذني أو أوتي بطيبٍ فأرفعه إلى أنفي ما فعلت. رواه الناس عن ضمرة عنه، ولكن بعضهم قال: عمرو بن مهاجر (١)، بدل الوليد.
مروان بن معاوية، عن معروف بن مشكان، عن مجاهد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول الناس في؟ قلت: يقولون مسحور، قال: ما أنا بمسحورٍ، ثم دعا غلاماً له فقال: ويحك ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينارٍ أعطيتها، على أن أعتق، قال: هاتها، فجاء بها، فألقاها في بيت المال، وقال: اذهب حيث لا يراك أحد.
قلت: كانت بنو أمية قد تبرمت بعمر، لكونه شدد عليهم، وانتزع كثيراً مما في أيديهم مما قد غصبوه، وكان قد أهمل التحرز، فسقوه السم.
سفيان بن عيينة: قلت لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما آخر ما تكلم به أبوك عند موته؟ فقال: كان له من الولد أنا، وعبد الله، وعاصم، وإبراهيم، وكنا أغيلمةً، فجئنا كالمسلمين عليه والمودعين له، فقيل له: تركت ولدك ليس لهم مالٌ، ولم تؤوهم إلى أحد! فقال: ما كنت لأعطيهم ما ليس لهم، وما كنت لآخذ منهم حقاً هو لهم، وإن وليي فيهم الله الذي
стр. 2503
يتولى الصالحين، وإنما هم أحد رجلين، رجلٌ صالح أو فاسق، وقيل إن الذي كلمه فيه خالهم مسلمة.
حماد بن زيد، عن أيوب، قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، لو أتيت المدينة، فإن مت دفنت في موضع القبر الرابع، مع رسول الله ﷺ ، فقال: والله لأن يعذبني الله بكل عذاب إلا النار، أحب إلي من أن يعلم الله مني أني أراني لذلك الموضع أهلاً. روى عبد الله بن شوذب، عن مطر الوراق مثله.
جرير بن حازم: حدثني المغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك: كنت أسمع عمر في مرضه يقول: اللهم أخف عليهم أمري ولو ساعةً من نهار، فقلت له يوماً: ألا أخرج عنك، فإنك لم تنم، فخرجت عنه، فجعلت أسمعه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص] مراراً، ثم أطرق فلبث طويلاً لا يسمع له حسٌ، فقلت لوصيف: ويحك انظر، فلما دخل صاح، فدخلت فوجدته ميتاً، قد أقبل بوجهه على القبلة، ووضع إحدى يديه على فيه. والأخرى على عينيه.
هلال بن العلاء الرقي: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عوف الرقي، عن عبيد بن حسان قال: لما احتضر عمر بن عبد العزيز قال: اخرجوا عني، فقعد مسلمة، وفاطمة على الباب فسمعوه يقول: مرحباً بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنسٍ ولا جانٍ، ثم قال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص ٨٣] الآية، ثم هدأ الصوت، فقال مسلمة لفاطمة: قد قبض صاحبك، فدخلوا فوجدوه قد قبض.
روى هشام بن حسان، عن خالد الربعي قال: إنا نجد في التوراة أن السماوات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحاً.
جعفر بن سليمان، عن هشام قال: لما جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن البصري: مات خير الناس.
سليمان بن عمر بن الأقطع: حدثنا أبو أمية الخصي غلام عمر بن عبد العزيز قال: بعثني عمر بن عبد العزيز بدينارين إلى أهل الدير، فقال:
стр. 2504
إن بعتموني موضع قبري، وإلا تحولت عنكم.
ابن وهب، عن مالك، أن صالح بن علي لما قدم الشام سأل عن قبر عمر بن عبد العزيز، فلم يجد أحداً يخبره، حتى دل على راهب فقال: قبر الصديق تريدون؟ هو في تلك المزرعة.
محمد بن سعد في الطبقات (١) وغيره: أخبرنا عباد بن عمرو (٢) الواشحي: قال: حدثنا مخلد بن يزيد، لقيته من نحو خمسين سنةً، وكان فاضلاً خيراً، عن يوسف بن ماهك قال: بينا نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز، إذ سقط علينا كتابٌ رق من السماء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمانٌ من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.
الوليد بن هشام القحذمي، عن أبيه، عن جده أن عمر توفي يوم الجمعة لخمس بقين من رجب، سنة إحدى ومائة، بدير سمعان، من أعمال حمص، وصلى عليه يزيد بن عبد الملك، وهو ابن تسعٍ وثلاثين سنةً وستة أشهر.
وقال أبو عمر الضرير: توفي بدير سمعان، لعشر بقين من رجب، وآخرون قالوا: في رجب، ولم يؤرخوا اليوم.
ومناقبه طويلةٌ اكتفينا بهذا (٣).
١٩٧ - خ م د ت ق: عمر بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصار ي.
عن ابن عمر، وسفينة، وابن سفينة، ونافع مولى أبي قتادة. وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وأخوه سعد بن سعيد، وابن عون.
قال النسائي: ثقة (٤).
١٩٨ - عمر بن هبيرة بن معاوية (٥) بن سكين، أبو المثنى الفزاري.
أمير العراقين، وليهما ليزيد بن عبد الملك، فلما استخلف هشام عزله.
стр. 2505
قال الوليد بن مسلم: في سنة سبعٍ وتسعين غزا مسلمة القسطنطينية، وكان على أهل البحر عمر بن هبيرة.
قال غير واحد: وجمعت إمرة العراق في أول سنة ثلاثٍ ومائة لابن هبيرة، فروى عبد الله بن بكر السهمي عن بعض أصحابه أن عمر بن هبيرة جمع فقهاء البصرة والكوفة فقال: إن أمير المؤمنين يكتب إلي في أمور أعمل بها؟ فقال الشعبي: أنت مأمورٌ، والتبعة على من أمرك، فأقبل ابن هبيرة على الحسن فقال: ما تقول؟ قال: قد قال هذا، قال: فقل أنت، قال: اتق الله، فكأنك بملك الموت قد أتاك فاستنزلك عن سريرك هذا، وأخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فإن الله ينجيك من يزيد، ولا ينجيك يزيد من الله، فإياك أن تعرض لله بالمعاصي، فإنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، قال: فخرج عطاؤهم وفضل الحسن.
قال ابن عون: أرسل عمر بن هبيرة إلى ابن سيرين، فأتاه فقال: كيف تركت أهل مصرك (١)؟ قال: تركتهم والظلم فيهم فاش، فغضب، وأبو الزناد حاضرٌ، فجعل يقول: أصلحك الله، إنه شيخٌ، إنه شيخ.
وعن سليمان بن زياد قال: لما استخلف هشام بعث على العراق خالد بن عبد الله القسري، فدخل واسط، وقد تهيأ ابن هبيرة للجمعة، والمرآة في يده يسوي عمته، إذ قيل: هذا خالدٌ قد دخل، فقال: هكذا تقوم الساعة بغتةً، فأخذه خالد فقيده وألبسه عباءةً، فقال: بئس ما سننت على أهل العراق، أما تخاف أن تؤخذ بمثل هذا! قال: فاكترى موالي ابن هبيرة داراً نقبوا منها سرباً إلى السجن، كما ذكرنا في الحوادث.
وقد تولى العراقين أيضاً ولده يزيد بن عمر بن هبيرة (٢).
стр. 2506
١٩٩ - عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحك م.
كان لعاباً متنعماً، وكان يقال له: فحل بني مروان، لأنه كان يركب معه ستون ابناً لصلبه (١).
٢٠٠ - ق: عمرو بن الوليد بن عبدة المصري مولى عمرو بن العاص.
عن قيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس بن مالك. وعنه: يزيد بن أبي حبيب فقط.
توفي سنة ثلاث مائة (٢).
٢٠١ - م ت ن ق: عمرو بن هرم الأزدي البصري.
عن: أبي الشعثاء، وربعي بن حراش، وسعيد بن جبير، وطائفة. وعنه: حبيب بن أبي حبيب الجرمي، وسالم المرادي، وأبو بشر جعفر بن إياس.
وثقه أبو داود السجستاني (٣).
٢٠٢ - عمران بن عبد الرحمن ابن الأمير شرحبيل بن حسنة الكندي المصري القاضي، أبو شرحبيل.
روى عن أبي خراش، صحابي. وعنه: عياش بن عباس القتباني، وموسى بن أيوب الغافقي.
قال ابن يونس: كان قاضي مصر وصاحب شرطها في سنة تسع وثمانين وقبلها، ثم ولي مصر سنة ثلاثٍ ومائة.
* ع: عمران بن ملحان هو أبو رجاء. سيأتي (٤).
٢٠٣ - خ م د ن: عمير مولى أم الفضل وقيل مولى ابنها عبد الله بن عباس.
عن: ابن عباس، وأسامة بن زيد، وأبو جهيم بن الحارث بن الصمة،
стр. 2507
وأم الفضل ابنة الحارث. وعنه سالم أبو النضر، والأعرج، وإسماعيل بن رجاء الزبيدي.
وثقه النسائي، ومات سنة أربعٍ ومائة (١).
٢٠٤ - عنبسة بن سحيم الكلبي الأمير، متولي بلاد الأندلس من قبل بني أمية.
قال ابن يونس: توفي سنة سبع ومائة.
٢٠٥ - ع: عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري الحجازي، ولد أمير الديار المصرية لعثمان، نشأ بمصر، القرشي المكي.
حدث بمصر والحجاز عن: أبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عمر. وعنه: بكير بن الأشج، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبري، وهو من أقرانه، وابن عجلان، وإسماعيل بن أمية، وداود بن قيس، وعبيد الله بن عمر، وآخرون.
ثقةٌ حجة (٢).
٢٠٦ - د ت ق: عيسى بن عاصم الكوفي.
عن: القاضي شريح، وزر بن حبيش، وعدي بن عدي الكندي. وعنه: معاوية بن صالح، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسلمة بن كهيل، وجرير بن حازم، وغيرهم وكان صدوقاً، نزل أرمينية (٣).
٢٠٧ - الفرزدق مقدم شعراء العصر: أبو فراس همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال التميمي البصري.
روى عن: علي بن أبي طالب: وكأنه مرسل: وعن أبي هريرة، والحسين، وابن عمر، وأبي سعيد، والطرماح الشاعر. وعنه الكميت
стр. 2508
الشاعر، ومروان الأصفر، وخالد الحذاء، وأشعث بن عبد الملك، والصعق بن ثابت، وآخرون، وابنه لبطة بن الفرزدق، وحفيده أعين بن لبطة.
ووفد على الوليد وسليمان، ومدحهما، ولم أر له وفادةً على عبد الملك. وذكر ابن الكلبي أنه وفد على معاوية، ولم يصح.
قال ابن دريد: كان غليظ الوجه جهماً، لقب بالفرزدق، وهو الرغيف الضخم، شبه وجهه بذلك.
قال مسدد: حدثنا ربعي بن عبد الله، سمع الجارود قال: أتى رجل من بني رياح، يقال له: ابن أثال الفرزدق بماءٍ بظهر الكوفة، على أن يعقر هذا مائة من الإبل، وهذا مائة من الإبل إذا وردت الماء، فلما وردت قاما إليها بالسيوف يكسعان عراقيبها، فخرج الناس على الحمير والبغال يريدون اللحم، وعلي ﵁ بالكوفة، فخرج على بغلة رسول الله ﷺ وهو ينادي: لا تأكلوا من لحومها فإنه أهل لغير الله.
قال جرير، عن مغيرة قال: لم يكن أحدٌ من أشراف العرب بالبادية أحسن ديناً من صعصعة جد الفرزدق، ولم يهاجر، وهو الذي أحيا الوئيدة، وبه يفتخر الفرزدق حيث يقول:
وجدي الذي منع الوائدا … ـت فأحيا الوئيد فلم يوأد (١)
فقيل: إنه أحيا ألف موؤودةٍ، وحمل على ألف فرس.
وقد روى الروياني في مسنده حديث وفادة صعصعة بن ناجية المجاشعي، وأنه جد الفرزدق.
روى معاوية بن عبد الكريم، عن أبيه قال: دخلت على الفرزدق، فتحرك، فإذا في رجليه قيد، قلت: ما هذا يا أبا فراس؟ قال: حلفت أن لا أخرجه من رجلي حتى أحفظ القرآن.
وقال أبو عمرو بن العلاء: لم أر بدوياً أقام بالحضر إلا فسد لسانه غير رؤبة والفرزدق.
وقال ابن شبرمة: كان الفرزدق أشعر الناس.
стр. 2509
وقال يونس بن حبيب النحوي: ما شهدت مشهداً قط، وذكر فيه جرير والفرزدق فأجمع ذلك المجلس وأهله على أحدهما، وكان يونس يقدم الفرزدق بغير إفراط.
وقال ابن داب: الفرزدق أشعر عامة، وجرير خاصة.
قال محمد بن سلام الجمحي (١): أتى الفرزدق الحسن فقال: إني هجوت إبليس، فاسمع. قال: لا حاجة لنا بما تقول، قال: لتسمعن أو لأخرجن فلأقولن للناس: إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس، قال: اسكت فإنك عن لسانه تنطق.
وقيل لابن هبيرة: من سيد أهل العراق؟ قال: الفرزدق هجاني ملكاً، ومدحني سوقة.
روى الأصمعي، عن أبي عمرو قال: دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة فقال: لو لم يكن لليمن إلا أبو موسى حجم النبي ﷺ ، فوجم بلال ساعةً ثم قال: ترى أنه ذهب على هذا، أوليس كثيرٌ لأبي موسى أن يحجم النبي ﷺ ، ما فعل هذا قبل ذلك ولا بعده، قال الفرزدق: أبو موسى كان أعلم بالله من أن يجرب الحجامة على رسول الله ﷺ .
وكان الفرزدق زير نساءٍ وصاحب زي على ما ذكر الجاحظ (٢)، وقال: وكان لا يحسن بيتاً واحداً في صفاتهن واستمالة أهوائهن، ولا في صفة عشقٍ وتباريح حب، وجرير ضده في إرادتهن، وخلافه في وصفهن، أحسن خلق الله تشبيباً، وأجودهم نسيباً، وهذا ظاهرٌ معروف.
الأصمعي: حدثنا أبو مودود، قال: حدثنا شفقل راوية الفرزدق قال: طلق الفرزدق امرأته النوار ثلاثاً، وقال لي: يا شفقل، امض بنا إلى الحسن حتى نشهده على طلاق النوار، قلت: أخشى أن يبدو لك فيها، فيشهد عليك الحسن فتجلد ويفرق بينكما، فقال: لا بد منه، فمضينا إلى الحسن في حلقته، فقال له الفرزدق: يا أبا سعيد، علمت أني قد طلقت النوار
стр. 2510
ثلاثاً، فقال: قد شهدنا عليك، ثم بدا له بعد فأعادها، فشهد عليه الحسن، ففرق بينهما، فأنشأ الفرزدق يقول:
ندمت ندامة الكسعي لما … مضت مني مطلقة نوار (١)
وكانت جنتي فخرجت منها … كآدم حين أخرجه الضرار
فلو أني ملكت يدي وقلبي … لكان علي للقدر الخيار
وروى الأصمعي وغيره أن النوار ماتت، فخرج الحسن في جنازتها، فقال الفرزدق: يا أبا سعيد، يقول الناس حضر هذه الجنازة خير (٢) الناس وشر الناس! فقال الحسن: لست بخير الناس ولست بشرهم، ما أعددت لهذا اليوم يا أبا فراس؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة، وفي رواية: منذ سبعين سنة، فقال الحسن: نعم العدة، ثم أنشأ الفرزدق يقول:
أخاف وراء القبر إن لم يعافني … أشد من القبر التهاباً وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائدٌ … عنيفٌ وسواقٌ يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى … إلى النار مشدود القلادة أزرقا (٣)
وفي رواية:
يساق إلى نار الجحيم مسربلاً … سرابيل قطرانٍ لباساً مخرقاً
إذا شربوا فيها الحميم رأيتهم … يذوبون من حر الصديد تمزقا
قال: فأبكى الناس.
وللفرزدق مما رواه أبو محمد بن قتيبة:
إن المهالبة الكرام تحملوا … دفع المكاره عن ذوي المكروه
زانوا قديمهم بحسن حديثهم … وكريم أخلاقٍ بحسن وجوه
أبو العيناء: حدثنا أبو زيد النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء قال: حضرت الفرزدق وهو يجود بنفسه، فما رأيت أحسن ثقةً بالله منه، قال: وذلك في أول سنة عشرٍ ومائة، فلم أنشب أن قدم جرير من اليمامة، فاجتمع إليه الناس، فما أنشدهم ولا وجدوه كما عهدوه، فقلت له في ذلك، فقال:
стр. 2511
أطفأ والله الفرزدق جمرتي، وأسال عبرتي، وقرب منيتي، ثم رد إلى اليمامة، فنعي لنا في رمضان من السنة.
قلت: وكتاب مناقضات جرير والفرزدق مشهورٌ، فيه كثيرٌ من شعرهما.
٢٠٨ - م ت ن ق: فضيل بن عمرو الفقيمي.
أحد علماء الكوفة. روى عن إبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وعائشة بنت طلحة، ومجاهد، ومات شاباً قبل أن يتكهل. روى عنه أخوه الحسن، وأبان بن تغلب، وحجاج بن أرطاة، والعلاء بن المسيب، وأبو إسرائيل إسماعيل بن خليفة الملائي.
قال ابن معين: ثقة حجة.
قلت: توفي سنة عشر ومائة (١).
٢٠٩ - ن: فضيل بن فضالة الهوزني الشامي.
أرسل عن النبي ﷺ ، وروى عن عبد الله بن بسر، وفضالة بن عبيد. وعنه: محمد بن الوليد الزبيدي، وصفوان بن عمرو، ومعاوية بن صالح.
وكان ثقة (٢).
٢١٠ - ع: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي المدني الفقيه أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن، أحد الأعلام.
ولد في خلافة عثمان، وكان خيراً من أبيه بكثير، نشأ بعد قتل أبيه في حجر عمته أم المؤمنين ﵂، فسمع منها، ومن ابن عباس، وابن عمر، ومعاوية، وصالح بن خوات، وفاطمة بنت قيس، وطائفة. روى عنه: ابنه عبد الرحمن بن القاسم، والزهري، وربيعة، وابن المنكدر، وجعفر بن
стр. 2512
محمد، وابن عون، وأفلح بن حميد، وأيوب السختياني، وآخرون.
وحديثه أعلى شيءٍ عند مسلم، فإنه روى في صحيحه عن القعنبي، عن أفلح عنه أحاديث.
وكان فقيهاً إماماً مجتهداً ورعاً عابداً ثقةً حجة، قال عبد الله بن شوذب، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: ما أدركنا أحداً بالمدينة نفضله على القاسم بن محمد.
وقال أيوب السختياني: ما رأيت رجلاً أفضل من القاسم، لقد ترك مائة ألفٍ هي له حلال، ورأيت عليه قلنسوة خزٍ، رواه سليمان بن حرب، عن وهيب، سمع أيوب يقول ذلك.
وقال ابن عيينة: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم، وعروة، وعمرة.
وقال علي ابن المديني: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه: وكان أفضل أهل زمانه: فذكر حديثاً.
وعن أبي الزناد قال: ما رأيت فقيهاً أعلم من القاسم بن محمد.
وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من القاسم بن محمد.
وقال ابن معين: عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة ترجمة مشبكة بالذهب.
ابن إدريس، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: سبعةٌ من أهل المدينة نظراء، إذا اختلفوا أخذ بقول أحدهم: سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار.
وعن الزهري قال: صارت الفتوى إلى أبي سلمة، والقاسم، وسالم.
وقال يحيى القطان: فقهاء المدينة عشرة، فذكر منهم القاسم.
يونس بن بكير: حدثنا ابن إسحاق قال: جاء أعرابيٌ إلى القاسم بن محمد فقال: أنت أعلم أم سالم؟ قال: ذاك منزل سالم، لم يزده على ذا.
стр. 2513
ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: ما رأيت أحداً أحد ذهناً من القاسم، إن كان ليضحك من أصحاب الشبه كما يضحك الفتى.
خالد بن خراش: حدثنا مالك قال: كان القاسم رجلاً عاقلاً، وكان ابنه يحدث عنه أن الذنوب لاحقةٌ بأهلها.
حماد بن زيد، عن أيوب: سمعت يحيى يسأل القاسم فيقول: لا أدري، لا أعلم. فلما أكثر قال: والله لا نعلم كل ما تسألونا عنه.
حماد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم قال: لأن يعيش الرجل جاهلاً بعد أن يعلم حق الله خيرٌ له من أن يقول ما لا يعلم.
قال مالك: ما حدث القاسم مائة حديثٍ.
قال ابن وهب: حدثني مالك أن عمر بن عبد العزيز قال: لو كان لي في الأمر شيء لوليت القاسم بن محمد الخلافة.
قلت: إنما بايعوا عمر بن عبد العزيز بالخلافة مشروطاً بأن الأمر من بعده ليزيد، فلهذا قال: لو كان لي من الأمر.
قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الحزامي، عن أبيه قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو كان إلي أن أعهد ما عدوت أحد رجلين: صاحب الأعوص، يعني إسماعيل بن أمية، وكان خياراً، أو أعيمش بني تيم، يعني القاسم.
قال الواقدي: حدثني أفلح بن حميد قال: فبلغت القاسم فقال: إن القاسم ليضعف عن أهليه فكيف بأمر الأمة.
قال ابن عون: كان القاسم ممن يأتي بالحديث بحروفه.
ابن وهب: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد قال: كان القاسم لا يكاد يرد على أحد ولا يعيب عليه، فتكلم ربيعة يوماً فأكثر، فلما قام القاسم وهو متكئ علي قال لي: لا أبا لغيرك، أترى الناس كانوا غافلين عما يقول صاحبنا؟
حميد الطويل، عن سليمان بن قتة قال: أرسلني عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي إلى القاسم بخمس مائة دينار، فأبى أن يقبلها.
стр. 2514
وقال حماد بن زيد، عن عبيد الله قال: كان القاسم لا يفسر، يعني القرآن.
وعن أبي الزناد قال: ما كان القاسم يجيب إلا في الشيء الظاهر.
وقال ابن عون: إن القاسم قال في شيء: أرى ولا أقول إنه الحق.
وقال عكرمة بن عمار: سمعت القاسم، وسالماً يلعنان القدرية.
قال زيد بن يحيى الدمشقي: حدثنا عبد الله بن العلاء، قال: سألت القاسم يملي علي أحاديث، فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر ﵁، فأنشد (١) الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب! قال: فمنعني القاسم يومئذٍ أن أكتب حديثاً.
قال الواقدي: كان مجلس القاسم وسالمٍ في المسجد واحداً، ثم جلس فيه بعدهما عبد الرحمن بن القاسم، وعبيد الله بن عمر، ثم جلس فيه بعدهما مالك بين القبر والمنبر.
أفلح بن حميد، عن القاسم قال: اختلاف الصحابة رحمة.
محمد بن معاوية النيسابوري: حدثنا ابن أبي الموال قال: رأيت القاسم يأتي المسجد أول النهار فيصلي ركعتين، ثم يجلس بين الناس فيسألونه.
سليمان بن بلال، عن ربيعة، قال: كان القاسم قد ضعف جداً، فكان يركب من منزله حتى يأتي مسجد منى، فينزل عند المسجد، فيمشي من عند المسجد إلى الجمار ويرميها.
قال حنظلة بن أبي سفيان: رأيت على القاسم خاتماً من ورق حلقة فيها اسمه، في خنصره اليسرى.
وقال محمد بن هلال: رأيت القاسم لا يحفي شاربه جداً.
وقال أبو نعيم: حدثنا خالد بن إياس قال: رأيت على القاسم جبة خزٍ، وكساء خز، وعمامة خز.
وقال أفلح بن حميد: كان القاسم يلبس جبة خز.
стр. 2515
وقال العطاف بن خالد: رأيت القاسم وعليه جبة خز صفراء، ورداء مبتت.
وقال أبو نعيم: حدثنا معاذ بن العلاء قال: رأيت القاسم بن محمد، فرأيت على رحله قطيفةً من خزٍ غبراء، وعليه رداءٌ ممصر.
وقال عبد الله بن العلاء بن زيد: دخلت على القاسم بن محمد، وهو في قبة (١) معصفرةٍ، وتحته فراش معصفر.
وقال معن: حدثني خالد بن أبي بكر قال: رأيت على القاسم عمامةً بيضاء، قد سدل خلفه منها أكثر من شبر.
وقال غيره: كان القاسم يخضب رأسه ولحيته بالحناء.
وقال آخر: لم أره يخضب.
وقال فطر بن خليفة: رأيت القاسم يصفر لحيته.
وقال القعنبي: حدثنا محمد بن صالح، عن سليمان بن عبد الرحمن قال: مات القاسم بقديد، فقال: كفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها، قميصي وإزاري وردائي، هكذا كفن أبو بكر، والحي أحوج إلى الجديد.
وقال خالد بن أبي بكر: أوصى القاسم أن لا يبنى على قبره.
وقال عبد العزيز الماجشون: مات بقديد ودفن بالمشلل، وبينهما ثلاثة أميال.
قال الواقدي: مات سنة ثمانٍ ومائة، وكان قد ذهب بصره.
وقال خليفة (٢): مات في آخر سنة ستٍ، أو أول سنة سبعٍ ومائة.
وقال الهيثم، وابن بكير: سنة سبع.
وقال ابن المديني، وأبو عبيد، وجماعة: سنة ثمانٍ.
وقيل: سنة اثنتي عشر ومائة، وهو قولٌ شاذٌ (٣).
стр. 2516
٢١١ - القاسم بن محمد الثقفي الشامي.
عن معاوية، وأسماء بنت أبي بكر. وعنه: قيس بن الأحنف، وعثمان بن الأحنف، وعثمان بن المنذر.
وقيل: إن الذي روى عن معاوية هو القاسم أبو عبد الرحمن (١).
• - القاسم بن مخيمرة في الطبقة الآتية (٢).
٢١٢ - القطامي الشاعر المشهور عمرو (٣) بن شييم، ويقال شييم بن عمرو التغلبي.
كان نصرانياً فأسلم، ومدح الوليد بن عبد الملك، وغيره، وهو صاحب هذه الكلمة السائرة التي أولها (٤):
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل … وإن بليت وإن طالت بك الطيل
وما هداني لتسليمٍ على دمنٍ … بالعمر غيرهن الأعصر الأول
والناس من يلق خيراً قائلون له … ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
قد يدرك المتأني بعض حاجته … وقد يكون مع المستعجل الزلل
وربما فات قوماً بعض أمرهم … من التأني وكان الحزم لو عجلوا
والعيش لا عيش إلا ما تقر به … عينٌ ولا حال إلا سوف تنتقل
أما قريشٌ فلن تلقاهم أبداً … إلا وهم خير من يحفى وينتعل
قومٌ هم أمراء المؤمنين وهم … رهط الرسول فما من بعده رسل (٥)
٢١٣ - م ٤: القعقاع بن حكيم المدني.
عن: عائشة، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعلي بن الحسين، وأبي صالح السمان، وجماعة. وعنه: سمي، وسهيل بن أبي صالح، وزيد بن أسلم، وابن عجلان.
стр. 2517
وثقه أحمد بن حنبل، وغيره (١).
٢١٤ - د: قيس بن الحارث.
عن عبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما. وعنه عمر بن عبد العزيز، ويحيى بن يحيى الغساني، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وغيرهم.
وثقه أحمد بن عبد الله العجلي (٢).
٢١٥ - ٤: قيس بن عباية أبو نعامة الحنفي البصري.
عن ابن عباس، وعبد الله بن مغفل. وعنه: أيوب السختياني، وسعيد الجريري، وخالد الحذاء، وعثمان بن غياث، وغيرهم.
وهو بالكنية أشهر، وثقه غير واحد (٣).
٢١٦ - د: كثير بن عبيد مولى أبي بكر الصديق.
عن عائشة، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة. وعنه: ابنه سعيد، وحفيده عنبسة بن سعيد (٤)، وابن عون، ومجالد بن سعيد (٥).
٢١٧ - كثير عزة الشاعر المشهور هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي، أبو صخر المدني.
قدم الشام، ومدح عبد الملك بن مروان وغيره.
قال الزبير بن بكار: كان شيعياً يقول بتناسخ الأرواح، ويقرأ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: وكان خشبياً (٦) يؤمن بالرجعة، يعني رجعة علي ﵁ إلى الدنيا.
قال عمر بن عثمان الحمصي: حدثنا خالد بن يزيد عن جعونة
стр. 2518
قال: كان لا يقوم خليفة من بني أمية إلا سب علياً، فلم يسبه عمر بن عبد العزيز حين استخلف، فقال كثير:
وليت فلم تشتم علياً ولم تخف … بنيه ولم تتبع سجية مجرم
وقلت فصدقت الذي قلت بالذي … فعلت فأضحى راضياً كل مسلم
وكان قد أحب عزة وشبب بها، فمن ذلك (١):
وإني لتهيامي بعزة بعد ما … تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما … تبوأ منها للمقيل اضمحلت
وقلت لها: يا عز كل مصيبةٍ … إذا ذللت يوماً لها النفس ذلت
قال يونس بن حبيب النحوي: كان عبد الله بن إسحاق يقول: كثير أشعر أهل الإسلام، ورأيت ابن أبي حفصة يعجبه مذهبه في المديح جداً، يقول: كان يستقصي المديح، وكان فيه خطلٌ وعجبٌ، وكانت له عند قريشٍ منزلةٌ وقدرٌ.
وروى سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه قال: لقيت امرأةٌ كثير عزة، وكان قليلاً دميماً، فقالت: من أنت؟ قال: كثير عزة، فقالت: تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه، قال: مهٍ أنا الذي أقول:
فإن أك معروق العظام فإنني إذا ما وزنت القوم بالقوم وازن.
قالت: وكيف تكون بالقوم وازناً وأنت لا تعرف إلا بعزة! قال: والله لئن قلت ذاك لقد رفع الله بها قدري، وزين بها شعري، وإنها لكما قلت:
وما روضة بالحزن طاهرة الثرى … يمج الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهناً … وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
من الخفرات البيض لم تلق شقوةً … وبالحسب المكنون صافٍ نجارها
فإن برزت كانت لعينك قرةً … وإن غبت عنها لم يعممك عارها (٢)
قال الزبير بن بكار: قال عمر بن عبد العزيز: إني لأعرف صلاح بني هاشم وفسادهم بحب كثير، فمن أحبه منهم فهو فاسد، ومن أبغضه فهو صالح، لأنه كان خشبياً يؤمن بالرجعة.
стр. 2519
قال جويرية بن أسماء: مات كثير وعكرمة في يوم واحد، فاحتفلت قريشٌ في جنازة كثير، ولم يوجد لعكرمة من يحمله.
قال الغلابي: ماتا في سنة خمسٍ ومائة.
وقال جماعة: سنة سبعٍ ومائة (١).
٢١٨ - د ن: كردوس الثعلبي الكوفي القاص.
روى عن ابن مسعود، وحذيفة، وأبي موسى، وعائشة. وعنه: عبد الملك بن عمير، وابن عون، ومنصور بن المعتمر، وآخرون (٢).
٢١٩ - د ت ق: لمازة بن زبار أبو لبيد الجهضمي البصري.
روى عن عمر، وأبي موسى الأشعري. وعنه: الزبير بن الخريت، ويعلى بن حكيم، وجماعة.
حضر وقعة الجمل مع عائشة، وقد وثقه ابن سعد (٣).
وقال أحمد بن حنبل: صالح الحديث.
وقال حماد بن زيد: رأيت أبا لبيد يصفر لحيته، وكانت تبلغ سرته.
وقال وهب بن جرير، عن أبيه، عن أبي لبيد، وكان شتاماً، قال ابن معين (٤): نرى أنه كان يشتم علياً ﵁.
وروى الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد قال: وفدنا إلى يزيد فقالوا: هو يشرب الخمر، فهاجت ريحٌ فألقت خيمته، فإذا هو قد نشر المصحف وهو يقرأ (٥).
قلت: ما يلام الشيعي على بغض هذا الناصبي اليزيدي الذي ينال من علي ويروي مناقب يزيد.
٢٢٠ - مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري الشاعر.
وفد على عبد الملك بن مروان، وحكى العتبي، أنه كان عاملاً
стр. 2520
للحجاج على الحيرة، وكان صهراً له، فبلغه عنه شيءٌ فعزله، فلما ورد عليه قال: أنت القائل:
حبذا ليلتي بحيث نسقى … قهوةً من شرابنا ونغنى
حيث دارت بنا الزجاجة حتى … حسب الجاهلون أنا جننا
ونزلنا بنسوةٍ عطراتٍ … وسماعٍ وقرقفٍ فنزلنا (١)
فقال: بل أنا القائل:
ربما قد لقيت أمس كئيباً … أقطع الليل عبرةً ونحيبا
أيها المشفق الملح حذاراً … إن للموت طالباً ورقيبا
فصل ما بين ذي الغنى وأخيه … أن يعار الغني ثوباً قشيبا
فرق الحجاج ودمعت عينه، ثم حبسه، وبعث إلى أهل عمله يكشف عليه، فقالوا بينهم: هذا صهر الأمير، يغضب عليه اليوم، ويرضى عنه غداً، فلما دخلوا قال كبيرهم: ما ولينا أحدٌ قط أعف منه، فأمر بضرب الكبير ثلاث مائة سوطٍ، ثم سأل أصحابه، فرفعوا كل شيءٍ، فقال له الحجاج: ما تقول يا مالك؟ قال: أصلح الله الأمير، مثلي ومثلك ومثل هؤلاء، والمضروب مثل أسدٍ كان يخرج إلى الصيد فيصحبه ذئبٌ وثعلبٌ، فاصطادوا حمار وحشٍ وتيساً وأرنباً، فقال الأسد للذئب: من يكون القاضي؟ فقال: وما الحاجة إليه! الحمار لك، والتيس لي، والأرنب للثعلب، فضربه الأسد ضربة وضع رأسه بين يديه، ثم قال للثعلب: من يقسم هذا؟ قال: أنت، أصلحك الله، قال: بل أنت، أنا الأمير، وأنت القاضي، قال: فالحمار لغدائك، والتيس لعشائك، والأرنب تتفكه به، فقال: ويحك يا أبا الحصين، ما أعدلك! من علمك القضاء؟ قال: علمنيه رأس الذئب، فالشيخ المضروب هو الذي علم هؤلاء. فضحك الحجاج، ووصل المضروب، وخلى سبيل مالك.
رواها أيضاً عبد الله بن أبي سعد الوراق، عن أبي جعفر الضبي، عن عاصم بن الحدثان، عمن شهد الحجاج.
стр. 2521
وروى الزبير بن بكار بإسنادٍ: كان الحجاج ينشد قول مالك بن أسماء:
يا منزل الغيث بعد ما قنطوا … ويا ولي النعماء والمنن
يكون ما شئت أن يكون وما … قدرت أن لا يكون لم يكن
لو شئت إذ كان حبها عرضاً … لم ترني وجهها ولم ترني
يا جارة الحي كنت لي سكناً … وليس (١) بعض الجيران بالسكن
أذكر من جارتي ومجلسها … طرائفاً من حديثها الحسن
ومن حديث يزيدني مقةً … ما لحديث المحبوب من ثمن
ثم يقول الحجاج: فض الله فاه، ما أشعره!
قال مصعب الزبيري وغيره: رأى ابن أبي ربيعة رجلاً في الطواف قد بهر الناس بحسنه، فسأل عنه، فقيل: هو مالك بن أسماء الفزاري، فجاءه وعانقه وقال: أنت أخي، قال: فمن أنا ومن أنت.
روى عمر بن شبة عن رجل، لمالك بن أسماء بن خارجة:
أمغطى مني على بصري بالـ … ـحب أم أنت أكمل الناس حسنا
وحديثٍ ألذه هو مما … تشتهيه النفوس يوزن وزنا
منطقٌ صائبٌ وتلحن أحيا … ناً وخير الحديث ما كان لحناً (٢)
٢٢١ - ع: مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي المقرئ المفسر، أحد الأعلام، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي.
ولد في خلافة عمر. وسمع سعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأم هانئ، وأبا هريرة، وأسيد بن ظهير، وابن عباس، ولزمه مدةً طويلة، وعبد الله بن عمرو، ورافع بن خديج، وابن عمر، وخلقاً سواهم. وعنه: عكرمة، وطاوس، وجماعةٌ من أقرانه، وقتادة، ومنصور، والأعمش، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني، وابن عون، وعمر بن ذر، وعبد الله بن
стр. 2522
أبي نجيح، ومعروف بن مشكان، وخلق.
روى محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا الفضل بن ميمون، سمع مجاهداً يقول: عرضت القرآن على ابن عباسٍ ثلاثين مرة.
محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد قال: عرضت القرآن على ابن عباسٍ ثلاث عرضاتٍ، أقفه عند كل آيةٍ، أسأله: فيم نزلت؟ وكيف كانت؟.
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين قال: قرأت على شبل بن عباد، وقرأ على ابن كثير، وأخبره ابن كثير أنه قرأ على مجاهد، وقرأ مجاهد على ابن عباس.
قال الثوري: خذوا التفسير من أربعةٍ: مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والضحاك.
وقال خصيف: كان مجاهد أعلمهم بالتفسير.
وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد.
قال أبو بكر بن عياش: قلت للأعمش: ما لهم يتقون تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب.
قال ابن المديني: سمع مجاهدٌ عائشة، وقال القطان: لم يسمع منها.
قال محمد بن عبد الله الأنصاري: قال ابن جريج: لأن أكون سمعت من مجاهد فأقول: سمعت مجاهداً، أحب إلي من أهلي ومالي.
قال ابن معين وجماعة: مجاهدٌ ثقة. وقيل: سكن الكوفة بأخرة. قال سلمة من كهيل: ما رأيت أحداً يريد بهذا العلم وجه الله إلا هؤلاء الثلاثة: عطاء، ومجاهد، وطاوس.
بقية، عن حبيب بن صالح: سمعت مجاهداً يقول: استفرغ علمي القرآن.
شعبة، عن رجلٍ سمع مجاهداً يقول: صحبت ابن عمر، وأنا أريد أن أخدمه، فكان يخدمني.
стр. 2523
وروى إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: ربما أخذ لي ابن عمر بالركاب.
وقال الأعمش: كنت إذ رأيت مجاهداً ازدريته مبتذلاً، كأنه خربندجٌ (١) ضل حماره وهو مهتم (٢).
الأجلح، عن مجاهد قال: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه نية، ثم رزق الله النية بعد.
وقال منصور: قال مجاهد: لا تنوهوا بي في الخلق.
وقال حصين، عن مجاهد: بينا أنا أصلي، إذ قام مثل الغلام ذات ليلةٍ، فشددت عليه لآخذه، فوثب، فوقع خلف الحائط، حتى سمعت وقعته، ثم قال: إنهم يهابونكم كما تهابونهم من أجل ملك سليمان.
وعن الأعمش قال: كنت إذا نظرت إلى مجاهدٍ كأنه جمال فإذ نطق خرج من فيه اللؤلؤ.
قال حميد الأعرج: كان مجاهد يكبر من: ﴿وَالضُّحَى﴾
وروى الواقدي (٣)، عن ابن جريج قال: بلغ مجاهد ثلاثاً وثمانين سنة.
قال أحمد بن حنبل: حدثنا حماد بن خالد، سمعت شيوخنا يقولون: توفي مجاهد سنة ثلاثٍ ومائة، وكذا قال الواقدي، عن سيف بن سليمان، وتبعه سعيد بن عفير، وأبو عبيد.
وقال الهيثم بن عدي، والمدائني، وأبو نعيم، وعثمان بن أبي شيبة، وآخرون: توفي سنة اثنتين ومائة، زاد بعضهم: توفي وهو ساجد.
وقال يحيى بن القطان وغيره: مات سنة أربعٍ ومائة (٤).
стр. 2524
٢٢٢ - محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري.
عن أبي هريرة وعنه: الحارث بن يزيد، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن. وغزا مع موسى بن نصير، وكان على بحر تونس، وليه سنة اثنتين ومائة، ولما قتل أمير إفريقية يزيد بن أبي مسلم اجتمع أهلها فأمروا عليهم محمد بن أوس، ﵀.
٢٢٣ - ع: محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي.
روى عن: سعيد بن زيد، وابن عباس، وجده. وعنه بنوه الخمسة: عاصم، وعمر، وواقد، وزيد، وأبو بكر، والأعمش، وغيرهم، وله وفادة على هشام بن عبد الملك.
وثقه أبو حاتم وغيره (١).
٢٢٤ - ن: محمد بن سويد بن كلثوم القرشي الفهري.
ولي إمرة دمشق لسليمان بن عبد الملك، ثم إمرة الطائف لعمر بن عبد العزيز.
روى عن عم أبيه الضحاك بن قيس، وعنه: مكحول، والزهري.
وثقه أحمد العجلي (٢).
٢٢٥ - ع: محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري البصري، الإمام الرباني، صاحب التعبير، مولى أنس بن مالك.
كان سيرين من سبي جرجرايا، فكاتب أنساً على مالٍ جليلٍ فوفاه، قال أنس بن سيرين: ولد أخي محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وولدت بعده بسنة، سمع: أبا هريرة، وعمران بن حصين، وابن عباس، وابن عمر، وعدي بن حاتم، وأنساً، وعبيدة السلماني، وشريحاً، وطائفة. وعنه: قتادة، وأيوب، ويونس بن عبيد، وابن عون، وخالد الحذاء، وعوف، وقرة بن خالد، وأبو هلال محمد بن سليم، وهشام بن حسان، ومهدي بن ميمون،
стр. 2525
وجرير بن حازم، ويزيد بن إبراهيم، وعقبة الأصم، وخلق سواهم.
قال هشام بن حسان، عن محمد قال: حج بنا ونحن سبعة ولد سيرين، فلما دخلنا على زيد بن ثابت قيل له: هؤلاء بنو سيرين، فقال: هذان لأم، وهذان لأم وهذان لأم، وهذا لأم، فما أخطأ واحداً، وكان معبد أخا محمد لأبويه (١).
قال هشام: أدرك محمد بن سيرين ثلاثين صحابياً.
قال عمر بن شبة: حدثنا يوسف بن عطية قال: رأيت محمد بن سيرين، وكان قصيراً، عظيم البطن، له وفرة، يفرق شعره، كثير المزاح والضحك، يخضب بالحناء.
قال ابن عون: كان محمد يأتي بالحديث على حروفه، وكان الحسن صاحب معنى.
وقال عون بن عمارة: حدثنا هشام بن حسان، قال: حدثني أصدق من أدركت من البشر محمد بن سيرين.
وقال حبيب بن الشهيد: كنت عند عمرو بن دينار فقال: والله ما رأيت مثل طاوس قط، فقال أيوب وكان جالساً: والله لو رأى محمد بن سيرين لم يقله.
وقال معاذ بن معاذ: سمعت ابن عون يقول: ما رأيت مثل محمد بن سيرين (٢).
وعن خليف بن عقبة قال: كان ابن سيرين نسيج وحده.
قال حماد بن زيد، عن عثمان البتي، قال: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء من ابن سيرين.
وقال شعيب بن الحبحاب: كان الشعبي يقول لنا: عليكم بذلك الأصم، يعني ابن سيرين (٣).