وقال المثنى بن سعيد الضبعي: بعث الحجاج يزيد الرشك إلى البصرة فوجد طولها فرسخين وعرضها خمس دوانيق.
قلت: يعني فرسخاً إلا سدساً.
قيل: إنه توفي سنة ثلاثين ومائة (١).
٣٧٨ - م ت ن ق: يعقوب بن عبد الله بن الأشج، أبو يوسف
روى عن أبي أمامة بن سهل، وسعيد بن المسيب، وكريب، وأبي صالح السمان. وعنه يزيد بن أبي حبيب - مع تقدمه - وابن عجلان، وابن إسحاق، والليث بن سعد، وآخرون.
وكان صدوقاً.
قال ابن سعد (٢): قتل في البحر شهيداً سنة اثنتين وعشرين ومائة (٣).
٣٧٩ - د ن ق: يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي المدني.
عن عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، وعكرمة، والزهري. وعنه ابنه محمد، ومحمد بن إسحاق، وعبد العزيز الماجشون، وإبراهيم بن سعد، وآخرون.
وثقه ابن سعد (٤).
وكان فقيهاً ورعاً عارفاً بالسيرة.
مات سنة ثمان وعشرين ومائة (٥).
٣٨٠ - سوى ت: يعلى بن حكيم الثقفي، مولاهم، المكي، نزيل البصرة وصديق أيوب السختياني
روى عن سعيد بن جبير، وسليمان بن يسار، وعكرمة. وعنه أيوب، ويحيى بن أبي كثير، وابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن زيد.
стр. 2942
وثقه أحمد (١)، وغيره.
٣٨١ - يوسف بن عمر الثقفي الأمير.
ولي اليمن لهشام، ثم نقله إلى إمرة العراقين، فأقره الوليد وأضاف إليه إمرة خراسان، وكان مهيباً جباراً ظلوماً.
ذكر المدائني أن سماط يوسف بالعراق كان كل يوم خمس مائة مائدة، وكانت مائدته وأقصى الموائد سواء، يتعمد ذلك وينوعه.
وروينا أنه ضرب وهب بن منبه في إمارته على اليمن حتى هلك تحت الضرب. ولما قتل الوليد عزل يوسف، ثم قتل.
قال ابن عساكر: لما هلك الحجاج أخذوا يوسف بن عمر في آل الحجاج ليعذب ويطلب منه المال، فقال: أخرجوني أسأل فدفع إلى الحارث الجهضمي - وكان مغفلاً - فانتهى إلى دار لها بابان، فقال له يوسف: دعني أدخل إلى عمتي أسألها فأذن له فدخل وهرب، وذلك في خلافة سليمان بن عبد الملك.
وقال خليفة (٢): ولي يوسف اليمن في سنة ست ومائة، فلم يزل عليها حتى كتب إليه بولايته على العراق فاستخلف ابنه الصلت وسار.
قال الليث: في سنة عشرين ومائة نزع خالد القسري عن العراق، وأمر يوسف بن عمر.
وروى بشر بن عمر عن أبيه، قال: ازدحم الناس عشية في دار يوسف على الطعام، فدفع رجل من الجند رجلاً بقائم سيفه فرآه يوسف، فدعا به، فضربه مائتين، وقال: يا ابن اللخناء أتدفع الناس عن طعامي؟
وحكى عمر بن شبة أن يوسف بن عمر وزن درهماً فنقص حبة فكتب إلى دور الضرب بالعراق فضرب أهلها فأحصي في تلك الحبة مائة ألف سوط ضربها.
وقيل: كان يضرب المثل بحمقه وتيهه حتى كانوا يقولون: أحمق من أحمق ثقيف، فمن ذلك أن حجاماً أراد أن يحجمه فارتعد، فقال لحاجبه:
стр. 2943
قل لهذا البائس لا تخف، وما رضي أن يقول له بنفسه.
ولما استخلف الوليد الفاسق هم بعزل يوسف وبتولية ابن عمه عبد الملك ابن محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان عبد الملك ووالدة الوليد ابني عم، فسار يوسف إلى الوليد وقدم له أموالاً عظيمة وتحفاً، وكان خالد القسري مسجوناً في سجن الوليد، فقرر مع أبان النمري أن يشتري خالدًا القسري بأربعين ألف ألف درهم، فقال الوليد ليوسف: ارجع إلى عمك، فقال أبان للوليد: أعطني خالداً وأدفع إليك أربعين ألف ألف، قال: ومن يضمن هذا المال عنك؟ قال يوسف بن عمر: أنا، فدفعه إليه فحمله في محمل بغير وطاء وقدم به إلى العراق فأهلكه تحت العذاب والمصادرة، وطلب منه ألوفاً لا تحصى. ثم اقتص من يوسف يزيد بن خالد بأبيه وقتله، ثم قتل يزيد بن خالد حين تملك مروان الحمار.
قال وهب بن جرير: حدثنا حيان بن زهير، قال: حدثنا أبو الصيداء صالح بن طريف قال: لما قدم يوسف بن عمر العراق أتانا خبره بخراسان، قال: فبكى أبو الصيداء، وقال: هذا الخبيث شهدته ضرب وهب بن منبه حتى قتله.
وقال محمد بن جرير (١): يقال: إن يزيد بن الوليد لما ولي قال: بلغني أن هذا الفاسق يوسف بن عمر قد صار إلى البلقاء فاطلبوه، قال: فلم يوجد، فتهددوا ابنه، فقال: أنا أدلكم عليه، إنه انطلق إلى مزرعة له، فسار إليه خمسون فارساً، فإذا به انملس واختفى، فإذا نسوة ألقين عليه قطيفة وجلسن على حواشيها، فجروا برجله فأتوا به، وكان عظيم اللحية فأخذ حرسي بلحيته فهزها ونتف منها، وكان قصيراً فأدخل على يزيد فقبض يوسف على لحيته، وإنها لتجوز سرته، وجعل يقول: يا أمير المؤمنين نتف - والله - لحيتي، فسجنه في الخضراء، فدخل عليه محمد بن راشد فقال: أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت فيلقي عليك حجراً؟ قال: والله ما فطنت لهذا، فنشدتك الله لتكلمت في تحويلي، قال: فأخبرت يزيد، فقال: ما غاب عنك من حمقه أكثر وما حبسته إلا لأوجه به إلى العراق فيقام
стр. 2944
للناس، وتؤخذ المظالم من ماله ودمه.
قال ابن جرير (١): فحدثني أحمد بن أبي خيثمة، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو هاشم قال: أرسل يزيد بن خالد القسري مولى لأبيه يكنى أبا الأسد في عدة من أصحابه، فدخل السجن، فأخرج يوسف بن عمر فضرب عنقه وذلك في سنة سبع وعشرين ومائة.
وكذا أرخ خليفة، وقال: وله نيف وستون سنة. وزاد ابن خلكان (٢)، وغيره: إنهم رموا جثته فشد (٣) الصبيان في رجله حبلا وجروه في شوارع دمشق، وكان دميماً فمرت امرأة فقالت: ما فعل هذا الصبي المسكين حتى قتل؟
٣٨٢ - م ن ق: يونس بن يوسف بن حماس الليثي المدني.
عن ابن المسيب، وسليمان بن يسار. وعنه ابن جريج، ومالك، والدراوردي.
وثقه النسائي.
وكان من الأولياء. يقال: إنه نظر إلى امرأة فدعا على بصره فعمي، ثم احتاج إلى خلافه فدعا فأبصر (٤).
٣٨٣ - د: أبو الأعيس الخولاني الحمصي، اسمه عبد الرحمن بن سلمان (٥)
عن خالد بن يزيد بن معاوية، وعمر بن عبد العزيز. وعنه ابن زبر، والأوزاعي، ومعاوية بن صالح، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر (٦).
وما علمت فيه جرحاً (٧).
• - أبو بشر، هو جعفر بن إياس. مر.
стр. 2945
٣٨٤ - أبو بشر الدمشقي المؤذن.
عن عمر بن عبد العزيز ومكحول. وعنه سعيد بن عبد العزيز، ومعاوية بن صالح.
مات سنة ثلاثين ومائة (١).
٣٨٥ - سوى د: أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري.
عن نافع، وسالم، وسعيد بن يسار، وغيرهم. وعنه مالك، وإبراهيم بن طهمان، وإبراهيم بن أبي يحيى.
له في الكتب حديث الوتر على البعير (٢).
٣٨٦ - ٤: أبو بلج الفزاري الواسطي، يحيى بن سليم على الصحيح.
عن عمرو بن ميمون، ومحمد بن حاطب الجمحي، وأبي الحكم العنزي. وعنه شعبة، وزائدة، وأبو عوانة، وهشيم
وثقه ابن معين، وغيره.
وقال البخاري: فيه نظر (٣).
٣٨٧ - ن: أبو جعفر الفراء الكوفي، سلمان
عن عبد الله بن شداد، وأبي عبد الرحمن السلمي. وعنه ابناه عبد الحميد وإسحاق، وشعبة، وإسرائيل.
وثقه أبو داود (٤).
• - أبو جمرة نصر بن عمران. تقدم (٥).
стр. 2946
• - أبو حمزة القصاب، ميمون (١).
• - أبو حصين، عثمان بن عاصم. مر (٢).
• - أبو الرجال، محمد بن عبد الرحمن. مر (٣).
٣٨٨ - م د ن ق: أبو الزاهرية، اسمه حدير بن كريب.
سمع جبير بن نفير، وأبا عنبة الخولاني، وكثير بن مرة، وأبا ثعلبة الخشني. وأرسل عن أبي الدرداء، وغيره. وعنه ابنه حميد، وأبو مهدي سعيد بن سنان، ومعاوية بن صالح.
وثقه جماعة.
وقال أبو حاتم (٤): لا بأس به.
قال خليفة (٥)، وابن سعد (٦)، والبلاذري: مات سنة تسع وعشرين ومائة.
وقال ابن معين، والمدائني: توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وقال أبو عبيد: سنة مائة.
قلت: هذا أشبه (٧).
٣٨٩ - ع: أبو الزناد، هو عبد الله بن ذكوان
يأتي في الطبقة المقبلة (٨) لاختلافهم في موته. والأصح موته في سابع عشر رمضان سنة ثلاثين ومائة. ضبطه الواقدي.
٣٩٠ - أبو العاج السلمي. يقال له: كثير
ولي البصرة من قبل يوسف بن عمر.
стр. 2947
قال أبو عاصم النبيل: قيل: أتي أبو العاج برجل مأبون، فقال: أتريدون أن أوكل به من يحفظ دبره! لقد جعلتمونا إذاً في عناء، أطلقوه.
٣٩١ - م د ت ن: أبو عصام.
عن أنس ثلاثة أحاديث. وعنه هشام الدستوائي، وشعبة، وعبد الوارث. وهو صدوق (١).
• - أبو عمران الجوني، عبد الملك (٢).
• - أبو عمر البزار، دينار، مر (٣).
٣٩٢ - د: أبو العنبس العدوي، الحارث بن عبيد. وهو جد يونس بن بكير لأمه
عن الأغر أبي مسلم، والقاسم بن محمد، وجماعة. وعنه مسعر، وشعبة، وأبو عوانة، وآخرون (٤).
صدوق كوفي.
٣٩٣ - د ن: أبو العنبس الكوفي، عبد الله بن مروان
عن أبي الشعثاء. وعنه مسعر، وشعبة.
صدوق (٥).
٣٩٤ - د ت ق: أبو غالب البصري، حزور على الصحيح
عن أبي أمامة، وأم الدرداء. وعنه الحسين بن واقد، وحجاج بن دينار، وحماد بن سلمة، وابن عيينة، وعدة.
وثقه الدارقطني (٦)، وضعفه النسائي (٧)، وغيره.
٣٩٥ - م د ت ق: أبو فزارة العبسي الكوفي، راشد بن كيسان.
стр. 2948
عن: أنس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، ويزيد بن الأصم، وأبي زيد مولى عمرو بن حريث. وعنه: جرير بن حازم، والثوري، وإسرائيل، وشريك، وآخرون.
قال أبو حاتم (١): صالح.
وقال الدارقطني: ثقة كيس (٢).
٣٩٦ - ت ن: أبو قبيل المعافري المصري، اسمه حي بن هانئ بن ناصر.
قدم من اليمن فسكن مصر زمن معاوية، وروى عن: عقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وشفي بن ماتع. وعنه: يحيى بن أيوب، والليث، وبكر بن مضر، وضمام بن إسماعيل، وآخرون.
وثقه أحمد.
وروى ضمام عنه، قال: كنت باليمن، فجاءنا قتل عثمان، فخفنا على أنفسنا وقلنا: نقتل الساعة، فصعدنا الجبل، فكنت أول من صعد من أهل قريتي.
قال ضمام: كان أبو قبيل يقول: إن من إجلال الله أن يعظم ذو الشيبة في الإسلام.
وقيل: اسم أبي قبيل حيي، مصغراً (٣).
قال أبو سعيد بن يونس: توفي سنة ثمان وعشرين ومائة (٤).
قلت: وقع لنا من عواليه.
٣٩٧ - م ٤: أبو كثير السحيمي اليمامي الأعمى، اسمه يزيد.
عن أبيه، عن أبي ذر، وروى عن أبي هريرة أحاديث. وعنه: ابنه زفر، ويحيى بن أبي كثير، والأوزاعي، وعكرمة بن عمار، وأيوب بن عتبة.
стр. 2949
وثقه أبو حاتم (١).
٣٩٨ - أبو المحجل، رديني بن مرة، وقيل: ابن خالد.
عن: سليمان بن بريدة، ومعفس بن عمران (٢)، وعلقمة بن مرثد. وعنه: الثوري، وشريك.
وثقه ابن معين (٣).
٣٩٩ - د ن ق: أبو المقدام الكوفي، ثابت بن هرمز الحداد.
عن: عدي بن دينار، وأبي وائل، وسعيد بن المسيب. وعنه: ابنه عمرو، وسفيان، وشعبة، وشريك.
وثقه ابن معين.
له في السنن حديث (٤).
• - أبو المكشوح، هو يزيد بن الطثرية من فحول الشعراء، مر (٥).
٤٠٠ - م د ت ن: أبو نعامة السعدي البصري، عبد ربه.
وثقوه.
روى عن: مطرف بن الشخير، وعبد الله بن الصامت، وأبي عثمان النهدي. وعنه: شعبة، وحماد بن سلمة، ومرحوم العطار، وآخرون (٦).
٤٠١ - ع: أبو هاشم الرماني الواسطي، يحيى بن دينار، ويقال: يحيى بن نافع.
стр. 2950
كان ينزل قصر الرمان بواسط فنسب إليه.
عن: أبي العالية، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وأبي عمر زاذان، وطائفة. وعنه: سفيان، وشعبة، والحمادان، وهشيم، وخلف بن خليفة، وآخرون.
وثقه أحمد، وغيره، وكان من أئمة العلم (١).
٤٠٢ - أبو الهيثم المرادي الكوفي، صاحب القصب، قيل: اسمه عمار.
عن: سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وإبراهيم التيمي. وعنه: الثوري، وإسرائيل، والحسن بن صالح بن حي.
قال أبو حاتم (٢): لا بأس به (٣).
٤٠٣ - أبو الوازع الكوفي، هو زهير بن مالك النهدي.
عن: ابن عمر، وعاصم بن ضمرة. وعنه: الثوري، وأبو حمزة محمد بن ميمون السكري، وإسرائيل، وشريك.
قال أحمد بن حنبل: كانت عنده غفلة شديدة، وهو صالح الحديث (٤).
٤٠٤ - م ت ق: أبو الوازع الراسبي البصري، جابر بن عمرو.
عن: أبي برزة الأسلمي، وعبد الله بن مغفل. وعنه: أبان بن صمعة، وشداد أبو طلحة الراسبي، ومهدي بن ميمون، وأبو هلال محمد بن سليم، وأبو بكر بن شعيب بن الحبحاب.
وثقه ابن معين، وغيره (٥).
٤٠٥ - د ن: أبو وجزة السعدي، يزيد بن عبيد المدني.
عن عمر بن أبي سلمة المخزومي. وعنه: هشام بن عروة، وابن إسحاق، وسليمان بن بلال.
стр. 2951
وكان من أعيان شعراء بني سعد بن بكر، وهو صدوق.
قال غير واحد: توفي سنة ثلاثين ومائة (١).
٤٠٦ - د ت ق: أبو يحيى القتات الكوفي.
في اسمه أقوال: يزيد، وعبد الرحمن، ومسلم، وعمران، والأصح زاذان.
روى عن: مجاهد، وعطاء. وعنه: الثوري، وإسرائيل، وأبو بكر بن عياش، وغيرهم.
ضعفه ابن معين (٢)، وغيره.
٤٠٧ - ع: أبو يعفور العبدي الكوفي، واقد، وقيل: وقدان (٣).
عن: ابن عمر، وابن أبي أوفى، وأنس، ومصعب بن سعد. وعنه: شعبة، وإسرائيل، والسفيانان، وأبو الأحوص، وابنه يونس.
وثقوه (٤).
• - وأبو يعفور الكوفي، آخر أصغر من هذا في طبقة الأعمش (٥).
٤٠٨ - م د ت: أبو يونس مولى أبي هريرة، اسمه سليم بن جبير.
عن: أبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي أسيد الساعدي.
وكان أبوه مكاتباً لأبي هريرة، فعجز فرده أبو هريرة إلى الرق، ثم قدم أبو هريرة مصر على مسلمة بن مخلد ومعه جبير وابنه أبو يونس، فسأله مسلمة أن يعتقهما ففعل فأقاما بمصر.
قال محمد بن رمح: تزوج أبي ببنت أبي يونس، وورث منها.
توفي أبو يونس سنة ثلاث وعشرين كما مر في اسمه (٦).
تمت الطبقة ولله الحمد.
стр. 2952
الطبقة الرابعة عشرة
(١٣١ - ١٤٠ هـ)
стр. 2953
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
حوادث سنة إحدى وثلاثين ومائة
ذكر من توفي فيها مجملاً:
إبراهيم بن ميمون الصائغ المروزي، إسحاق بن سويد العدوي البصري، إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، أيوب السختياني عالم البصرة، توبة العنبري البصري ثقة، الركين بن الربيع بن عميلة، الزبير بن عدي الهمداني الكوفي، سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، عبد الله بن أبي نجيح المكي، عبد الرحمن بن القاسم بن محمد في قول خليفة (١)، عبيد الله بن المغيرة السبئي، علي بن الحكم البناني البصري، علي بن زيد بن جدعان التيمي، فرقد السبخي أحد العباد، محمد بن جحادة الكوفي، منصور بن زاذان على الصحيح، نصر بن سيار الأمير، همام بن منبه، وقيل: بعدها، واصل بن عطاء المعتزلي، يزيد بن أبي مسلم الأزدي، ثم النحوي، من نحو الأزد.
وفيها توجه قحطبة بن شبيب بعد قتل نباتة من جرجان فجهز ابن هبيرة جيشاً عظيماً، فنزل بعضهم بهمذان وبعضهم بماه وبغيرها، وعليهم ولده داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة، وعامر بن ضبارة، فالتقوا بنواحي أصبهان في رجب، فقتل في المصاف عامر، وانهزم داود وجيشه.
فذكر محمد بن جرير (٢) أن عامر بن ضبارة كان في مائة ألف، وكان قحطبة في عشرين ألفاً، قال: فأمر قحطبة بمصحف فرفع على رمح، ثم نادى: يا أهل الشام، إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموه، فحمل عليهم فلم يطل القتال حتى انهزموا، ثم نزل قحطبة وابنه الحسن على
стр. 2954
باب نهاوند، وغنم جيشه ما لا يوصف، وأثخنوا في الشاميين.
قال حفص بن شبيب: فحدثني من كان مع قحطبة قال: ما رأيت عسكراً قط جمع ما جمع أهل الشام بأصبهان من الخيل والسلاح والرقيق، وأصبنا معهم ما لا يحصى من البرابط (١) والطنابير والمزامير، فقل خباء أو بيت ندخله إلا وجدنا فيه زكرة (٢) أو زقاً من خمر.
ووقع الحصار على نهاوند وتقهقر الأمير نصر بن سيار إلى أن وصل إلى الري، فأدركه الأجل بها، وقيل: مات نساؤه وأوصى بنيه أن يلحقوا بالشام، وقد كان أنشد لما أبطأ عنه المدد:
أرى خلل الرماد وميض نار … ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالزندين توري … وإن الفعل يقدمه الكلام
وإن لم يطفها عقلاء قوم … يكون وقودها جثث وهام
أقول من التعجب ليت شعري … أأيقاظ أمية أم نيام
ثم إن ابن هبيرة كتب إلى مروان الحمار يخبره بمقتل ابن ضبارة فوجه إلى نجدته حوثرة بن سعيل الباهلي في عشرة آلاف من قيس، ثم تجمعت جيوش مروان بنهاوند، عليهم مالك بن أدهم، فضايقهم كما ذكرنا قحطبة أربعة أشهر حتى أكلوا خيلهم، ثم خرجوا بالأمان في شوال، ثم قتل قحطبة وجوهاً من عسكر نصر بن سيار وقتل أولاده، وقتل: سعيد بن الحر، وعبيد الله بن عمر الجزري، وحاتم بن الحارث التميمي، وعاصم بن عمرو السمرقندي، وعمارة بن سليم، ثم أقبل قحطبة في جيوشه يريد العراق، فنهض متوليها ابن هبيرة حتى نزل بين حلوان والمدائن، وعلى مقدمته عبيد الله بن عباس الليثي، وانضم إليه المنهزمون حتى صار في ثلاثة وخمسين ألفاً، ثم توجه فنزل جلولاء، ونزل قحطبة في آخر العام بخانقين، فكان بين الطائفتين بريد، فبقوا أياماً كذلك.
وفيها، في شعبان وبعده كان الطاعون بالبصرة فهلك خلق حتى قيل: إنه هلك في اليوم الأول سبعون ألفاً، نقله صاحب المنتظم.
стр. 2955
وفيها تحول أبو مسلم الخراساني من مرو، فنزل نيسابور واستولى على عامة خراسان.
سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
توفي فيها خلق، منهم: إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أمية بن يزيد، أعين بن ليث جد ابن عبد الحكم، خالد بن سلمة المخزومي، رباح بن عبد الرحمن الدمشقي، زياد بن سلم بن زياد ابن أبيه، سالم الأفطس بن عجلان، سليمان بن هشام بن عبد الملك، سليمان بن يزيد بن عبد الملك، صفوان بن سليم المدني، عبد الله بن طاوس اليماني، عبد الله بن عثمان بن خثيم المكي، عبيد الله بن أبي جعفر المصري، عبيد الله بن وهب الكلاعي، عطاء بن قرة السلولي، عطاء السليمي العابد، عمر بن أبي سلمة الزهري، قحطبة بن شبيب الأمير، محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، مروان بن محمد الأموي الخليفة، منصور بن المعتمر عالم الكوفة، يزيد بن عمر بن هبيرة الأمير، يزيد بن القعقاع أبو جعفر في قول، يونس بن ميسرة بن حلبس.
وفيها زالت دولة بني أمية، ففي المحرم بلغ ابن هبيرة أن قحطبة توجه نحو الموصل، فقال لأصحابه: ما بال القوم تنكبونا؟! قالوا: يريدون الكوفة، فترحل ابن هبيرة نحو الكوفة وكذلك فعل قحطبة، فعبر الفرات في سبع مائة فارس، وتتام إلى ابن هبيرة نحو ذلك، فتواقعوا فجاءت قحطبة طعنة، فوقع في الفرات فهلك ولم يعلم به قومه، وانهزم أيضاً أصحاب ابن هبيرة وغرق خلق منهم في المخائض وذهبت أثقالهم، فقال بيهس بن حبيب: تجمع الناس بعد أن جاوزنا الفرات، فنادى مناد: من أراد الشام فهلم، فذهب معه عنق من الناس، ونادى آخر: من أراد الجزيرة، فتبعه خلق، ونادى آخر: من أراد الكوفة، فذهب كل جند إلى ناحية، فقلت: من أراد واسط فهلم، فأصبحنا مع ابن هبيرة بقناطر المسيب ودخلنا واسطاً يوم عاشوراء، وأصبح المسودة قد فقدوا قائدهم قحطبة، ثم استخرجوه من الماء فدفنوه، وأمروا عليهم ابنه الحسن فقصد بهم الكوفة، فدخلوها يوم عاشوراء أيضاً وهرب متوليها زياد بن صالح إلى واسط.
стр. 2956
وقتل ليلة الفرات صاحب شرطة ابن هبيرة زياد بن سويد المري، وكاتبه عاصم مولى بني أمية.
وأما ابن قحطبة فاستعمل على الكوفة أبا سلمة الخلال، ثم قصد واسطا فنازلها وخندق على جيشه فعبأ ابن هبيرة عساكره فالتقوا فانهزم عسكر ابن هبيرة، وتحصنوا بواسط، وقتل في الوقعة يزيد أخو الحسن بن قحطبة، وحكيم بن المسيب الجدلي.
وفي المحرم، وثب أبو مسلم صاحب الدعوة على ابن الكرماني، فقتله بنيسابور وجلس في دست الملك، وبويع وصلى وخطب للسفاح، وصفت له خراسان.
بيعة السفاح
في ثالث ربيع الأول، بويع أبو العباس عبد الله السفاح أول خلفاء بني العباس بالكوفة في دار مولاهم الوليد بن سعد.
وأما مروان الحمار خليفة الوقت فسار في مائة ألف حتى نزل الزابين دون الموصل، فجهز السفاح عمه عبد الله بن علي في جيش فالتقى الجمعان على كشاف (١) في جمادى الآخرة، فانكسر مروان وتقهقر إلى الجزيرة وقطع وراءه الجسر وقصد الشام ليتقوى ويلتقي، ودخل عبد الله بن علي الجزيرة فاستعمل عليها موسى بن كعب التميمي، ثم طلب الشام مجداً، وأمده السفاح بصالح بن علي، وهو عمه الآخر، فسار عبد الله حتى نازل دمشق وفر مروان إلى غزة، فحوصرت دمشق مدة وأخذت في رمضان وقتل بها خلق من بني أمية ومن جندهم، فما شاء الله كان، فلما بلغ مروان ذلك هرب إلى مصر، ثم قتل في آخر السنة، وهرب ابناه عبد الله وعبيد الله حتى دخلا أرض النوبة، وكان مروان قد استعمل على مصر عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير اللخمي، مولاهم، فأحسن السيرة، وسار عم السفاح صالح بن علي، فافتتح مصر، وظفر بعبد الملك وبأخيه معاوية، فعفا عنهما، وقتل الأمير حوثرة بن سهيل، فيقال: طبخوه طبخاً، وكان قد ولي مصر مدة،
стр. 2957
وقتل حسان بن عتاهية وصلب سنة (١).
قال محمد بن جرير الطبري (٢): كان بدء أمر بني العباس أن رسول الله ﷺ فيما ذكر عنه أعلم العباس عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك (٣).
وعن رشدين بن كريب أن أبا هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية خرج إلى الشام، فلقي محمد بن عبد الله بن عباس، فقال: يا ابن عم، إن عندي علماً أريد أن أنبذه إليك فلا تطلعن عليه أحداً، إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس فيكم، قال: قد علمته فلا يسمعنه منك أحد.
وروى المدائني عن جماعة أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله قال: لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتق بإفريقية، فعند ذلك تدعو لنا دعاة، ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب، فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد الإمام رجلاً إلى خراسان، وأمره أن يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ ولا يسمي أحداً، ثم وجه أبا مسلم وغيره، وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه، ثم وقع في يد مروان الحمار كتاب من إبراهيم بن محمد الإمام إلى أبي مسلم جواب كتاب يأمره بقتل كل من تكلم بالعربية بخراسان (٤)، فقبض مروان على إبراهيم، وقد كان مروان وصف له صفة السفاح التي كان يجدها في الكتب، فلما جيء بإبراهيم قال: ليست هذه الصفة التي وجدت، ثم ردهم في طلب الموصوف له فإذا بالسفاح وإخوته وعمومته قد هربوا إلى العراق وأخفتهم شيعتهم، فيقال: إن إبراهيم قد نعى إليهم نفسه وأمرهم بالهرب، وكانوا بالحميمة من أرض البلقاء، فلما قدموا الكوفة أنزلهم أبو سلمة الخلال دار
стр. 2958
الوليد بن سعد فبلغ الخبر أبا الجهم فاجتمع بموسى بن كعب، وعبد الحميد بن ربعي، وسلمة بن محمد، وإبراهيم بن سلمة، وعبد الله الطائي، وإسحاق بن إبراهيم، وشراحيل، وابن بسام وجماعة من كبار شيعتهم فدخلوا على آل العباس، فقال: أيكم عبد الله بن محمد ابن الحارثية؟ فأشاروا إلى السفاح، فسلموا عليه بالخلافة، ثم خرج السفاح يوم الجمعة على برذون أبلق فصلى بالناس بالكوفة فذكر أنه لما صعد المنبر وبويع قام عمه داود بن علي دونه.
فقال السفاح (١): الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا، وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه، ثم ذكر قرابتهم في آيات القرآن إلى أن قال: فلما قبض الله نبيه قام بالأمر أصحابه إلى أن وثبت بنو حرب ومروان، فجاروا واستأثروا فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه فانتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله، يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا لم تفتروا عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدت في أعطياتكم مائة مائة، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير، وكان موعوكاً فجلس.
وخطب داود فأبلغ، ثم قال: وإن أمير المؤمنين نصره الله نصراً عزيزاً إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة؛ لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك فادعوا له بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان المتبع لسلفه المفسدين في الأرض الشاب المكتهل، فعج الناس له بالدعاء.
وكان عيسى بن موسى إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة، قال: إن أربعة عشر رجلاً خرجوا من ديارهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة همتهم شديدة قلوبهم.
وأما إبراهيم بن محمد فإن مروان قتله غيلة، وقيل: بل مات بالسجن بحران من طاعون، وكان قد وقع بحران وباء عظيم، وهلك في السجن
стр. 2959
أيضاً: العباس بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز فيما قيل، وفيه نظر.
وفيها توجه أبو عون الأزدي إلى شهرزور لقتال عسكر مروان فالتقوا، وقتل أمير المروانية عثمان بن سفيان، واستولى أبو عون على ناحية الموصل قبل عبد الله بن علي، فلما جاء عبد الله جهز خمسة آلاف عليهم عيينة بن موسى، فخاضوا الزاب وحاربوا المروانية حتى حجز بينهم الليل، ثم جهز عبد الله من الغد أربعة آلاف عليهم مخارق بن عفار فالتقوا، فقتل مخارق، وقيل: أسر، فبادر عبد الله بن علي وعبأ جيشه، وكان يومئذ على ميمنته أبو عون الأزدي، وعلى ميسرته الوليد بن معاوية، فالتقاه مروان واشتد الحرب، ثم تخاذل عسكر مروان وانهزموا، فانهزم مروان وقطع وراءه الجسر، فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل، فغرق إبراهيم بن الوليد المخلوع، واستولى عبد الله على أثقالهم وما حوت، فوصل مروان إلى حران، فأقام بها عشرين يوماً، ثم دهمته المسودة فانهزم، وخلف بحران ابن أخته أبان بن يزيد، فلما أظله عبد الله خرج أبان مسوداً مبايعاً لعبد الله فأمنه، فلما مر مروان بحمص اعترضه أهلها فحاربوه، وكان في أنفسهم منه فكسرهم، ثم مر بدمشق وبها متوليها زوج بنته الوليد بن معاوية فانهزم وخلف بدمشق زوج بنته ليحفظها، فنازلها عبد الله وافتتحها عنوة بالسيف وهدم سورها وقتل أميرها فيمن قتل، وتبع عسكر عبد الله بن علي مروان بن محمد إلى أن بيتوه بقرية بوصير من عمل مصر، فقتل وهرب ولداه، وحل بالمروانية من البلاء ما لا يوصف.
ويقال: كان جيش عبد الله بن علي لما التقى مروان عشرين ألفاً، وقيل: اثني عشر ألفاً، وافتتح دمشق في عاشر رمضان، صعد المسودة سورها ودام القتل بها ثلاث ساعات، فيقال: قتل بها خمسون ألفاً.
وذكر ابن عساكر في ترجمة الطفيل بن حارثة الكلبي أحد الأشراف (١): أنه شهد حصار دمشق مع عبد الله فحاصرها شهرين وبها يومئذ الوليد بن معاوية بن عبد الملك في خمسين ألف مقاتل فوقع الخلف بينهم،
стр. 2960
ثم إن جماعة من الكوفيين تسوروا برجاً وافتتحوها عنوة فأباحها عبد الله ثلاث ساعات لا يرفع عنهم السيف، وقيل: إن الوليد بن معاوية قتله أصحابه لما اختلفوا عليه، ثم أمن عبد الله الناس كلهم وأمر بقلع حجارة السور، روي ذلك عن المدائني.
وقال محمد بن الفيض الغساني: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال: حدثني أبي عن جدي قال: لما نزل عبد الله بن علي وحصر دمشق استغاث الناس بيحيى بن يحيى الغساني، فسأله الوليد بن معاوية أن يخرج ويطلب الأمان، فخرج فأجيب فاضطرب بذلك الصوت حتى دخل البلد، وقال الناس: الأمان الأمان فخرج على ذلك من البلد خلق وأصعدوا إليهم المسودة، فقال يحيى بن يحيى لعبد الله بن علي: اكتب لنا بالأمان كتاباً، فدعا بدواة، ثم رفع رأسه فإذا السور قد ركبته المسودة، فقال: نح القرطاس، فقد دخلنا قسراً، فقال له يحيى: لا والله ولكن غدراً لأنك أمنتنا فإن كان كما تقول فاردد رجالك عنا وردنا إلى بلدنا، فقال: والله لولا ما أعرف من مودتك إيانا أهل البيت، وهدده، وقال: أتستقبلني بهذا؟! فقال: إن الله قد جعلك من أهل بيت الرحمة والحق، وأخذ يلاطفه، فقال: تنح عني، ثم ندم عبد الله بن علي وقال: يا غلام اذهب به إلى حجري تخوفاً عليه لمكان ثيابه البيض، وقد سود الناس كلهم، ثم حمى له داره فسلم فيها خلق، وقتل بالبلد خلق لكن غالبهم من جند الأمويين وأتباعهم.
ثم سار عبد الله بن علي إلى فلسطين، وجهز أخاه صالحاً ليفتتح مصر، وسير معه أبا عون الأزدي، وعامر بن إسماعيل الحارثي، وابن قنان، فساروا على الساحل، فافتتحوا الإقليم، وولي إمرة مصر أبو عون.
وأما عبد الله بن علي فإنه نزل على نهر أبي فطرس (١) وقتل هناك من بني أمية خاصة اثنتين وسبعين نفساً صبراً، ولما رأى الناس جور المسودة وجبروتهم كرهوهم فثار الأمير أبو الورد مجزأة بن كوثر الكلابي أحد الأبطال بقنسرين وبيض، وبيض معه أهل قنسرين كلهم، واشتغل عنهم عبد الله بن علي بحرب حبيب بن مرة المري بالبلقاء والثنية وتم له معه
стр. 2961
وقعات، ثم هادنه عبد الله وتوجه نحو قنسرين وخلف بدمشق أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي في أربعة آلاف فارس، وسار فما بلغ حمص حتى انتقض عليه أهل دمشق وبيضوا ونبذوا السواد، وكان رأسهم الأمير عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي، فهزموا أبا غانم وأثخنوا في أصحابه، وأقبلت جموع الحلبيين وانضم إليهم الحمصيون وأهل تدمر، وعليهم كلهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية السفياني، وصار في أربعين ألفاً، وأبو الورد كالوزير له، فجهز عبد الله لحربهم أخاه عبد الصمد بن علي في عشرة آلاف، فالتقى الجمعان واستمر القتل بالفريقين، وانكشف عبد الصمد، وذهب تحت السيف من جيشه ألوف، وانتصر السفياني، فقصده عبد الله بنفسه ومعه حميد بن قحطبة فالتقوا، وعظم الخطب واستظهر عبد الله فثبت أبو الورد في خمس مائة، فراحوا تحت السيف كلهم، وهرب السفياني إلى تدمر، ورجع عبد الله إلى دمشق وقد عظمت هيبته، فتفرقت كلمة أهلها وهربوا فآمنهم وعفا عنهم، وهرب السفياني إلى الحجاز وأضمرته البلاد إلى أن قتل في دولة المنصور، بعث إليه متولي المدينة زياد بن عبد الله الحارثي خيلاً فظفروا به وقتلوه وأسروا ولديه فعفا عنهما المنصور وخلاهما.
ولما بلغ أهل الجزيرة هيج أهل الشام خلعوا السفاح أيضاً وبيضوا وبيض أهل قرقيسياء، فسار لحربهم أبو جعفر أخو السفاح فجرت لهم وقعات، ثم انتصر أبو جعفر وحكم على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية، وضبط تلك الناحية إلى أن انتهت إليه الخلافة، ثم شخص أبو جعفر لما مهد ذلك القطر إلى خراسان إلى صاحب الدولة أبي مسلم ليأخذ رأيه في قتل وزير دولتهم أبي سلمة حفص بن سليمان الخلال، وذلك أنه لما نزل عنده آل العباس بالكوفة وحدثته نفسه فيما قيل أن يبايع رجلاً من آل علي ويذر آل العباس، وشرع يخفي أمرهم على القواد، فبادروا وبايعوا السفاح كما ذكرنا فبايعه أبو سلمة الخلال وبقي متهماً عندهم.
قال أبو جعفر: انتدبني أخي السفاح للذهاب إلى أبي مسلم، فسرت وجلاً (١) فأتيت الري ومنها إلى مرو، فلما كنت على فرسخين منها تلقاني أبو
стр. 2962
مسلم في الناس، فلما دنا مني ترجل ومشى وقبل يدي، فنزلت وأقمت ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء، ثم سألني فأخبرته قال: فعلها أبو سلمة أنا أكفيكموه، فدعا مرار بن أنس الضبي، فقال: انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سلمة حيث لقيته، فأتى الكوفة فقتله بعد العشاء، وكان يقال له: وزير آل محمد، ولما رأى أبو جعفر عظمة أبي مسلم بخراسان وسفكه للدماء ورجع من عنده قال لأخيه أبي العباس: لست بخليفة إن تركت أبا مسلم حياً، قال: كيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما يريد، قال: فاسكت واكتمها.
وأما الحسن بن قحطبة فإنه استمر على حصار يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط، وجرت بينهم حروب يطول شرحها، ودام القتال والحصر أحد عشر شهراً، فلما بلغهم قتل مروان الحمار ضعفوا وطلبوا الصلح، وتفرغ أبو جعفر فجاء في جيش نجدة لابن قحطبة وجرت السفراء بين أبي جعفر وبين ابن هبيرة حتى كتب له أماناً، مكث ابن هبيرة، وهو يشاور فيه العلماء أربعين صباحاً حتى رضيه ابن هبيرة وأمضاه السفاح، وكان رأي أبي جعفر الوفاء به، وكان السفاح لا يقطع أمراً ذا بال دون أبي مسلم ومشاروته، وكان أبو الجهم عيناً لأبي مسلم بحضرة السفاح، فكتب أبو مسلم إليه: إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، ولا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة، وخرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر وفي خدمته من خواصه ألف وثلاث مائة، وهم أن يدخل الحجرة على فرسه، فقام إليه الحاجب سلام وقال: مرحباً أبا خالد انزل، وقد أطاف بالحجرة من الخراسانية عشرة آلاف فأدخله الحاجب وحده، فحدثه ساعة ثم قام، فلم يزل ينقص من كثرة الحشم حتى بقي في ثلاثة، وألح السفاح على أبي جعفر يأمره بقتله وهو يراجعه، فلما زاد عليه أزمع على قتله، وجاء خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة فختما بيوت الأموال التي بواسط، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة فأقبلوا، وهم: محمد بن نباتة، وحوثرة بن سهيل، وطارق بن قدامة، وزياد بن سويد، وأبو بكر بن كعب، والحكم بن بشر، في اثنين وعشرين رجلاً من وجوه القيسية، فخرج سلام
стр. 2963
الحاجب، فقال: أين الحوثرة وابن نباتة؟ فقاما فأدخلاً، وقد أقعد لهم في الدهليز مائة فنزعت سيوفهما وكتفا، ثم طلب الباقون كذلك فأمسكوا، ثم ذبحوا صبراً، وبادر خازم، والهيثم في مائة فدخلوا على ابن هبيرة ومعه ابنه داود وكاتبه عمرو بن أيوب وحاجبه وعدة من مماليكه وبني له في حجره، فأنكر نظرهم وقال: والله إن في وجوههم الشر، فقصدوه، فقام صاحبه في وجوههم وقال: تأخروا، فضربه الهيثم على حبل عاتقه فصرعه، وقاتلهم داود فقتل، وقتل غير واحد من المماليك فنحى الصغير من حجره، ثم خر ساجداً لله فقتلوه، ثم قتلوا خالد بن سلمة المخزومي وأبا علاقة الفزاري صبراً، ووجه أبو مسلم الخراساني محمد بن أشعث على إمرة فارس، وأمره أن يضرب أعناق نواب أبي سلمة الخلال، ففعل ذلك.
وفيها وجه السفاح عمه عيسى بن علي على فارس، فغضب محمد بن أشعث وهم بقتله، وقال: أمرني أبو مسلم أن لا يقدم علي أحد يدعي الولاية من غيره إلا ضربت عنقه، ثم إنه فكر وخاف من غائلة ذلك المقال واستحلف عيسى بن علي على أن لا يعلو منبراً ولا يتقلد سيفاً إلا وقت جهاد، فلم يل عيسى بعد ذلك عملاً، ثم وجه السفاح عمه إسماعيل بن علي على فارس وغضب من أبي مسلم ولكنه كان يعجر عنه، وبعث على الحجاز واليمن داود بن علي، واستعمل على الكوفة ابن عمه عيسى بن موسى وتوطدت للسفاح الممالك.
سنة ثلاث وثلاثين ومائة
ذكر من توفي فيها من الأعيان:
أيوب بن موسى الأموي المكي الفقيه، والحسن بن الحر الكوفي بدمشق، وداود بن علي الأمير عم السفاح، وسالم أبو النضر في قول أبي عبيد، وسعيد بن أبي هلال بمصر، وقيل: سنة خمس وثلاثين، وزيد بن أسلم بالمدينة في آخر العام، وعمار الدهني أبو معاوية بالكوفة، وعمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن فيها على الصحيح، وعياش بن عباس القتباني بمصر، ومغيرة بن مقسم الضبي فيها على الصحيح، ومطرف بن طريف
стр. 2964
الكوفي، ويحيى بن العلاء أبو هارون الغنوي، ويحيى بن يحيى الغساني في قول، ويزيد بن أبي زياد في قول.
وفيها استعمل السفاح على البصرة عمه سليمان بن علي، ولما قدم داود بن علي مكة أخذ من كان بالحجاز من بني أمية وقتلهم صبراً، فلم يمتع، وهلك واستخلف حين احتضر على عمله ولده موسى فاستعمل السفاح على مكة خاله زياد بن عبد الله، وعلى اليمن ابن خاله محمد بن زياد، فوجه زياد بن عبيد الله الأمير أبا حماد الأبرص إلى المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة، وهو باليمامة فأخذه وقتله وقتل أصحابه.
وفيها وجه السفاح على إفريقية محمد بن الأشعث، وكان أهلها قد عصوا فحاربهم حرباً شديداً حتى استولى عليها.
وفيها خرج ببخارى شريك بن شيخ المهري (١)، وكان قد نقم على أبي مسلم تجبره وعسفه، وقال: ما على هذا تبعنا آل محمد، فالتف عليه نحو من ثلاثين ألفاً فجهز أبو مسلم لحربه زياد بن صالح الخزاعي فظفر زياد به فقتله.
وفيها توجه أبو داود خالد بن إبراهيم إلى الختل فدخلها وهرب صاحبها في طائفة حتى انتهى إلى أرض فرغانة، ثم سار إلى أن دخل الصين.
وفيها قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة.
وفيها خرج طاغية الروم قسطنطين - لعنه الله - في جيوشه، فنازل ملطية وألح عليهم بالقتال حتى أخذها بالأمان، وهدم السور والجامع وبعث من يخفر أهلها إلى مأمنهم.
وفيها قتل عبد الله بن علي خلقاً من قواد بني أمية منهم ثعلبة، وعبد الجبار ابنا أبي سلمة بن عبد الرحمن.
стр. 2965
سنة أربع وثلاثين ومائة
فيها توفي أسيد بن عبد الرحمن بالرملة (١)، وإسماعيل بن محمد بن سعد، وإسماعيل بن أمية فيما قيل، وجعفر بن ربيعة المصري، قاله خليفة (٢)، وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد العزيز بن حكيم الحضرمي، وأبو هارون العبدي عمارة بن جوين، ومنصور بن جمهور بالهند، ويزيد بن يزيد بن جابر في قول.
وفيها خلع الطاعة بسام بن إبراهيم الخراساني خرج معه طائفة فساقوا إلى المدائن، فوجه السفاح لحربهم خازم بن خزيمة، فالتقوا فانهزم بسام وقتل أبطاله، ثم مر خازم بثلاثين من الحارثيين خؤولة السفاح فكلمهم في أمر فاستخفوا به فضرب أعناق الكل، فأعظم ذلك اليمانية، ودخل وجوههم على السفاح وصاحوا، فهم السفاح بقتل خازم بن خزيمة، فأشير عليه بالعفو فإن له سابقة وطاعة، وإن أراد أمير المؤمنين قتله فليعرضه للغزو فإن ظفر فظفره لك وإلا استرحت منه، وأشاروا عليه بأن يبعثه إلى عمان، وبها خلق من الخوارح عليهم ابن الجلندى وشيبان بن عبد العزيز اليشكري، فجهز معه سبع مائة فارس وكتب معه إلى أمير البصرة سليمان بن علي ليحملهم من البصرة في السفن إلى جزيرة ابن كاوان (٣) وإلى عمان، ففعل، فأنكى خازم بن خزيمة في الخوارج وجرت له حروب مع شيبان، ثم ظفر به وقتله حتى بلغ عدة قتلى الخوارج عشرة آلاف فقتل ابن الجلندى وبعث خازم بالرؤوس إلى البصرة.
وفيها قال يعقوب الفسوي (٤): كان لصاحب الصين حركة، وكان زياد
стр. 2966
ابن صالح بسمرقند فبلغه ذلك وأن صاحب الصين قد أقبل في مائة ألف سوى من يتبعه من الترك، فعسكر زياد بن صالح وكتب إلى أبي مسلم بالأمر، فعسكر أبو مسلم على مرو وجمع جيوشه، وسار إليه خالد بن إبراهيم من طخارستان (١)، وسار جيش خراسان إلى سمرقند في شوال سنة أربع وثلاثين وأنجد زياد بن صالح بعشرة آلاف، فسار زياد بجيوشه حتى عبر نهر الشاش، وأقبل جيش الصين، فحاصروا سعد بن حميد، فلما بلغهم دنو زياد ترحلوا، ثم نزل صاحب جبال الصين مدينة طلخ، فقصده زياد، ثم التقوا من الغد، فقدم زياد الرماة صفاً أمام الجيش وخلفهم أصحاب الرماح، ثم الخيالة، ثم الحسر بعد ذلك، وأعد خيلاً كميناً، فالتقى الجمعان وصبر الفريقان يومهم إلى الليل، فلما غربت الشمس ألقى الله في قلوب الصين الرعب ونزل النصر فانهزم الكفار.
وفيها وثب الأمير خالد بن إبراهيم على أهل مدينة كش وقتل الأخريد ملكها، وهو سامع مطيع قد قدم عليه قبل ذلك بلخ، ثم إنه تلقاه بقرب كش فقتله واستولى على خزائنه، ثم بعث بذلك أجمع إلى أبي مسلم، وقتل جماعة من قواد كش، ثم عهد إلى أخي صاحب كش فملكه ورجع إلى بلخ.
وفيها وجه السفاح موسى بن كعب إلى السند لقتال منصور بن جمهور في أربعة آلاف، فسار واستخلف مكانه على شرطة السفاح المسيب بن زهير، فالتقى هو ومنصور، فانكسر جيش منصور وهرب فمات في الرمال عطشاً، وقيل: مات بالإسهال.
وفيها مات أمير اليمن محمد بن يزيد (٢) الحارثي، فولي مكانه علي بن الربيع الحارثي.
وفيها تحول السفاح من الحيرة، فنزل الأنبار وسكنها.
وحج بالناس عيسى بن موسى.
وكان فيها على البلدان من ذكر، وعلى مصر أبو عون، وعلى الشام
стр. 2967
عبد الله عم السفاح، وعلى الجزيرة وأذربيجان أخو السفاح، وعلى ديوان الأموال خالد بن برمك.
وفيها جهز عبد الله بن علي جيشاً عليهم الحارث بن عبد الرحمن الجرشي للغزو، فخرجت الروم عليهم كوشان البطريق، فالتقاهم مخلد بن مقاتل، فانهزم وأصيب المسلمون.
سنة خمس وثلاثين ومائة
فيها توفي برد بن سنان أبو العلاء بالبصرة، وداود بن الحصين بالمدينة، وأبو عقيل زهرة بن معبد بالثغر، وسعيد بن أبي هلال في قول، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وقيل: سنة ثلاثين، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، وعروة بن رويم في قول ابن مثنى، ويزيد بن سنان الرهاوي بها، ويحيى بن محمد أخو السفاح مات على إمرة فارس، ذكره ابن عساكر مختصراً (١).
وفيها خلع زياد بن صالح الطاعة بما وراء النهر فتهيأ لحربه أبو مسلم الخراساني، وبعث نصر بن صالح إلى ترمذ ليحصنها فقتله طائفة من الخوارج، وسار أبو مسلم إلى آمل ومعه سباع بن النعمان الأزدي الذي قدم بعهد زياد بن صالح من جهة السفاح، وأمره السفاح إن قدر على اغتيال أبي مسلم فليفعل، ففهم ذلك أبو مسلم فقبض عليه وسجنه بآمل وعبر إلى بخارى، فأتاه أبو شاكر وأبو سعد وقد فارقا زياد بن صالح فسألهما عن شأن زياد ومن أفسده، فقالا: سباع، فكتب إلى والي آمل فقتل سباعاً، ولما تفلل عن زياد أعوانه ولحقوا بأبي مسلم لحق بدهقان بازلت فضرب الدهقان عنقه وتقرب برأسه إلى أبي مسلم.
وفيها، أو في التي قبلها، أغزى السفاح عمه عبد الله بن علي على الصائفة فحزرها الناس بمائة ألف أو يزيدون، قاله الوليد بن مسلم.
стр. 2968
سنة ست وثلاثين ومائة
فيها توفي أشعث بن سوار الكوفي، وجعفر بن ربيعة المصري على الأصح، وحصين بن عبد الرحمن السلمي، وربيعة بن أبي عبد الرحمن فقيه المدينة ذو الرأي، وزيد بن أسلم في آخر السنة في قول، وأبو العباس عبد الله السفاح، وزيد بن رفيع في قول، وسعيد بن جمهان بالبصرة، وعطاء بن السائب في قول، وعبد الكريم بن الحارث المصري العابد، وعبد الملك بن عمير، وعبيد الله بن أبي جعفر، وعلي بن بذيمة الحراني، والعلاء بن الحارث الحضرمي، ومغيرة بن مقسم في قول، ويحيى بن أبي إسحاق بالبصرة.
وفيها كتب أبو مسلم صاحب الدولة إلى السفاح يستأذنه في القدوم، فأذن له فاستخلف على خراسان خالد بن إبراهيم فقدم في جمع وحشمة عظيمة، وتلقاه الأمراء وبالغ الخليفة في إكرامه فاستأذن في الحج، فقال: لولا أن أبا جعفر يحج لوليتك الموسم، وكان أبو جعفر إذ ذاك بالحضرة، فقال: يا أمير المؤمنين، أطعني واقتل أبا مسلم، فوالله إن في رأسه لغدرة، فقال: يا أخي، قد عرفت بلاءه وما كان منه، فراجعه، فقال: كيف نقتله؟ فقال: إذا دخل عليك وحادثته دخلت أنا وتغفلته وضربت عنقه من خلفه، فقال: كيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟ قال: يؤول ذلك إلى كل ما تريد، ولو علموا بقتله تفرقوا، وأخاف إن لم تتغد به يتعشاك، قال: فدونك، فخرج على ذلك، ثم أرسل إليه السفاح: لا تفعل.
ثم حج فيها أبو جعفر وأبو مسلم، فلما انقضى الموسم وقفلا ورد الخبر بذات عرق بموت السفاح، وكان قبل موته بمديدة قد عقد لأبي جعفر بالأمر من بعده، وقام بأمر البيعة يوم موت السفاح عيسى بن موسى ابن عمه، وبعثوا أبا غسان ببيعة أبي جعفر إلى عمه عبد الله بن علي، وكان راجعاً في الطريق من عند السفاح فبايع عسكره وقواده لنفسه، وزعم أن السفاح جعل له الأمر، ثم دخل حران وغلب على الشام، وقدم أبو جعفر المنصور من الحج، فدخل الكوفة بأهلها الجمعة.
стр. 2969
سنة سبع وثلاثين ومائة
فيها توفي: أسد بن وداعة الكندي، وحصين بن عبد الرحمن في قول خليفة (١)، وخصيف بن عبد الرحمن في قول، وخير بن نعيم قاضي مصر، وأبو مسلم صاحب الدعوة مقتولاً، والربيع بن أنس في قول، وعاصم بن كليب في قول خليفة (٢) وغيره، ومنصور بن عبد الرحمن الأشل، وواهب بن عبد الله المعافري، ويزيد بن أبي زياد في قول، ويعقوب بن زيد بن طلحة المدني، وابن المقفع قتله والي البصرة.
وفيها في أولها بلغ أهل الشام موت السفاح فبايع أهل دمشق هاشم بن يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية، قام بأمره، فيما قيل، عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي، فلما أظلهما صالح بن علي بالجيوش هربا، وكان عثمان قد استعمله عبد الله بن علي على أهل دمشق، فخرج وسب بني العباس على منبر دمشق، ثم إنه قتل.
ودخل المنصور دار الإمرة بالأنبار فوجد عيسى بن موسى ابن عمه قد بذر الخزائن فجدد الناس له البيعة ومن بعده لعيسى، وأما عمه عبد الله بن علي فإنه أبدى أن السفاح قال: من انتدب لمروان الحمار فهو ولي عهدي من بعدي وعلى هذا خرجت، فقام عدة من القواد الخراسانية فشهدوا بذلك، وبايعه حميد بن قحطبة، ومخارق بن الغفار، وأبو غانم الطائي، والقواد، فقال المنصور لأبي مسلم الخراساني: إنما هو أنا وأنت فسر نحو عبد الله، فسار بسائر الجيش من الأنبار وعلى مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعي ومعه الحسن بن قحطبة، وأخوه حميد كان فارق عبد الله لما تنكر له، وخشي عبد الله أن الخراسانية الذين معه لا تنصح فقتل منهم بضعة عشر ألفاً، أمر صاحب شرطته فقتلهم بخديعة، ثم نزل نصيبين وخندق على نفسه، وأقبل أبو مسلم فنزل بقرب منه، ثم نفذ إليه: إني لم أؤمر بقتالك
стр. 2970
ولكن أمير المؤمنين ولاني الشام وأنا أريدها، فقال الشاميون لعبد الله: كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا ويقتل ويسبي ولكن نسير إلى بلادنا ونمنعه، فقال: إنه ما يريد الشام ولئن أقمتم ليقصدنكم، ثم كان القتال بينهم نحواً من خمسة أشهر، وأهل الشام أكثر فرساناً وأكمل عدة، وكان على ميمنتهم بكار بن مسلم العقيلي، وعلى الميسرة خازم بن خزيمة، واستظهر الشاميون غير مرة، وكاد عسكر أبي مسلم أن ينهزموا وهو يثبتهم ويرتجز:
من كان ينوي أهله فلا رجع … فر من الموت وفي الموت وقع
ثم أردف القلب بميمنته وحملوا على ميسرة عبد الله فكانت الهزيمة، وقال عبد الله لابن سراقة الأزدي: ما ترى؟ قال: أرى أن نصبر ونقاتل فإن الفرار قبيح بمثلك وقد عبته على مروان، قال: إني أقصد العراق، قال: فأنا معك، فانهزموا وخلوا عسكرهم فاحتوى عليه أبو مسلم بما فيه وكتب بالنصر إلى المنصور فبعث مولى له يحصي ما حواه أبو مسلم، فغضب عندها أبو مسلم وتنمر وهم بقتل المولى، وقال: إنما لأمير المؤمنين من هذا الخمس، ومضى عبد الله بن علي وأخوه عبد الصمد، فأما عبد الصمد فقصد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فأمنه المنصور، وأما عبد الله فأتى أخاه سليمان متولي البصرة فاختفى عنده وأما المنصور فخاف من غيظ أبي مسلم وأن يذهب إلى خراسان فكتب إليه بولاية الشام ومصر، فأقام بالشام واستعمل على مصر، فلما أتاه الكتاب أظهر الغضب وقال: يوليني مصر والشام وأنا لي خراسان! وعزم على الشر، وقيل: بل شتم المنصور لما جاءه من يحصي عليه الغنائم، وأجمع على الخلاف، ثم طلب خراسان، وخرج المنصور إلى المدائن، وكان من دهاة العالم لولا شحه، وكتب إلى أبي مسلم ليقدم عليه، فرد عليه إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت نقضت ما أبرمت من عهدك ضناً بنفسي، فرد عليه المنصور الجواب يطمئنه مع جرير بن يزيد البجلي، وكان واحد وقته فخدعه ورده.
стр. 2971
وأما أبو الحسن المدائني فذكر عن جماعة قالوا (١): كتب أبو مسلم (٢): أما بعد، فإني اتخذت رجلاً إماماً ودليلاً على ما افترضه الله وكان في محلة العلم نازلاً فاستجهلني بالقرآن، فحرفه عن مواضعه، طمعاً في قليل قد نعاه الله إلى خلقه وكان كالذي دلي بغرور، وأمرني أن أجرد السيف وأرفع الرحمة، ففعلت توطئة لسلطانكم، ثم استنقذني الله بالتوبة، فإن يعف عني فقدماً عرف به ونسب إليه، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي.
ثم سار يريد خراسان مشاقاً مراغماً (٣)، فأمر المنصور لمن بالحضرة من آل هاشم أن يكتبوا إلى أبي مسلم يعظمون الأمر ويأمرونه بلزوم الطاعة وأن يرجع إلى مولاه، وقال المنصور لرسوله إلى أبي مسلم، وهو أبو حميد المروروذي: كلمه باللين ما يمكن ومَنِّهْ وعرفه بحسن نيتي وتلطف، فإن يئست منه فقل له: قال: والله لو خضت البحر لخاضه وراءك، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك، فقدم الرسول على أبي مسلم ولحقه بحلوان، فاستشار أبو مسلم خاصته، فقالوا: احذره، فلما طلب الرسول الجواب قال: ارجع إلى صاحبك فلست آتيه وقد عزمت على خلافه، قال: لا تفعل، لا تفعل، فلما آيسه بلغه قول المنصور، فوجم لها وأطرق منكراً، ثم قال: قم، وانكسر لذلك القول وارتاع.
وكان المنصور قد كتب إلى نائب أبي مسلم على خراسان فاستماله، وقال: لك إمرة خراسان، فكتب نائب خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم إلى أبي مسلم يقول: إنا لم نقم لمعصية خلفاء الله وأهل البيت فلا تخالفن إمامك، فوافاه كتابه على تلك الحال فزاده رعباً وهماً، ثم أرسل من يثق به من أمرائه إلى المنصور، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يسر، واحترمه المنصور، وقال: اصرفه عن وجهه ولك إمرة خراسان، فرجع وقال لأبي مسلم: طيب قلبك لم أر مكروها إني رأيتهم معظمين لحقك، فارجع
стр. 2972
واعتذر، فأجمع على الرجوع، فقال له أبو إسحاق أحد قواده متمثلاً:
ما للرجال مع القضاء محالة … ذهب القضاء بحيلة الأقوام
خار الله لك، احفظ عني واحدة: إذا دخلت إلى المنصور فاقتله ثم بايع من شئت فإن الناس لا يخالفونك.
وروى بعضهم أن المنصور كتب إلى موسى بن كعب بولاية خراسان، وكتب إلى أبي مسلم: هذا ابن كعب من دونك بمن معه من شعيتنا وأنا موجه للقائك أقرانك فاجمع كيدك غير موفق وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل، فشاور أبو مسلم أبا إسحاق المروزي وقال: ما الرأي؟ فهذا موسى بن كعب من هنا، وهذه سيوف أبي جعفر من خلفنا، وقد أنكرت من كنت أثق به من قوادي، فقال: هذا رجل يضطغن عليك أموراً قديمة فلو كنت واليت رجلاً من آل علي كان أقرب، ولو أنك قبلت إمرة خراسان منه كنت في فسحة من أمرك وكنت اختلست رجلاً من ولد فاطمة فنصبته إماماً فاستملت به الخراسانية وأهل العراق ورميت أبا جعفر بنظيره لكنت على طريق التدبير، أتطمع أن تحارب أبا جعفر وأنت بحلوان وجيشه بالمدائن، وهو خليفة مجمع عليه، ليس ما ظننت لكن ما بقي لك إلا أن تكتب إلى قوادك وتفعل كذا وكذا، قال: هذا رأي إن وافقنا عليه قوادنا، قال: فما دعاك إلى أن تخلع أبا جعفر وأنت على غير ثقة من قوادك! أنا أستودعك الله من قتيل، أرى أن توجه إلى أبي جعفر تسأله الأمان فإما صفح وإما قتل على عز قبل أن ترى المذلة من عسكرك، إما قتلوك وإما أسلموك.
قال: فسفرت السفراء بينهما، وأعطاه أبو جعفر أماناً مؤكداً، فأقبل أبو مسلم لحينه، ثم بعث المنصور أميراً إلى أبي مسلم ليتلقاه ولا يظهر أنه من جهة المنصور ليطمئنه ويذكر حسن نية الخليفة له، فلما أتاه وحدثه فرح المغرور وانخدع، فلما وصل المدائن أمر المنصور الأعيان فتلقوه، فلما دخل عليه سلم قائماً، فقال المنصور: انصرف يا عبد الرحمن فاسترح وادخل الحمام، ثم اغد علي، فانصرف، وكان من نية المنصور أن يقتله تلك الليلة فمنعه وزيره أبو أيوب، قال أبو أيوب: فدخلت بعد خروجه وقال لي المنصور: أقدر على هذا في مثل هذه الحال قائماً على رجليه ولا أدري ما
стр. 2973
يحدث في ليلتي، وكلمني في الفتك به، فلما كان من الغد فكرت، فقال: يا ابن اللخناء لا مرحباً بك أنت منعتني منه أمس والله ما غمضت البارحة، ادع لي عثمان بن نهيك، فدعوته، فقال: يا عثمان كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟ قال: إنما أنا عبدك ولو أمرتني أن أتكئ على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت، قال: كيف أنت إذا أمرتك بقتل أبي مسلم؟ فوجم لها ساعة لا يتكلم، فقلت: ما لك لا تتكلم! فقال قولة ضعيفة: أقتله، فقال: انطلق اذهب فجئ بأربعة من وجوه الحرس وشجعانهم، فذهب فأحضر شبيب بن واج وثلاثة فكلمهم، فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خلف الرواق فإذا صفقت فدونكموه، ثم طلب أبا مسلم فأتاه، وخرجت لأنظر ما يقول الناس، فتلقاني أبو مسلم داخلاً، فتبسم وسلمت عليه، فدخل فرجعت فإذا به مقتول، قال: ثم دخل أبو الجهم فقال: يا أمير المؤمنين ألا أرد الناس؟ قال: بلى، فأمر بمتاع يحول إلى رواق آخر وفرش، وقال أبو الجهم للناس: انصرفوا فإن الأمير أبا مسلم يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين، ورأوا المتاع ينقل فظنوه صادقاً فانصرفوا، وأمر المنصور للأمراء بجوائزهم، قال أبو أيوب: فقال لي المنصور: دخل علي أبو مسلم فعاتبته، ثم شتمته فضربه عثمان بن نهيك فلم يصنع شيئاً وخرج شبيب بن واج وأصحابه فضربوه فسقط، فقال وهم يضربونه: العفو، فقلت: يا ابن اللخناء العفو والسيوف قد اعتورتك، ثم قلت: اذبحوه، فذبحوه، وقيل: إنه ألقي في دجلة، وقيل: إنه لما دخل عليه قال: خلوه، فقال المنصور: أخبرني عن سيفين أصبتهما في متاع عبد الله بن علي، فقال: هذا أحدهما، قال: أرنيه فانتضاه فناوله، فهزه المنصور، ثم وضعه تحت فراشه وأقبل يعاتبه، وقال: أخبرني عن كتابك إلى أخي أبي العباس تنهاه عن الموات أردت أن تعلمنا الدين؟ قال: ظننت أن أخذه لا يحل، قال: فأخبرني عن تقدمك إياي في طريق الحج، قال: كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس، قال: فجارية عبد الله بن علي أردت أن تتخذها؟ قال: لا، ولكن خفت أن تضيع فحملتها في قبة، ووكلت بها من يحفظها، قال: فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟ قال: خفت أن يكون قد دخلك مني شيء، فقلت: أذهب إليها وأكتب إليك
стр. 2974
بعذري، والآن قد ذهب ما في نفسك علي، قال: تالله ما رأيت كاليوم قط وضرب بيده على يده فخرجوا عليه.
وقيل: إنه قال له: ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، والكاتب إلي تخطب عمتي أمينة وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس، وما الذي دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا، وهو أحد نقبائنا! فقال: عصاني وأراد الخلاف علي فقتلته، فقال: فأنت تخالف علي! قتلني الله إن لم أقتلك، وضربه بعمود، ثم وثبوا عليه، وذلك لخمس بقين من شعبان.
قال: وكان أبو مسلم قد قتل في دولته وفي حروبه ست مائة ألف صبراً، وقيل: إنه لما سبه المنصور انكب على يده يقبلها ويعتذر، وقيل: أول من ضربه عثمان، فما صنع أكثر من أنه قطع حمائل سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين استبقني لعدوك، قال: إذا لا أبقاني الله، وأي عدو أعدى لي منك، ثم هم المنصور بقتل أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم وبقتل نصر بن مالك، فكلمه فيهما أبو الجهم وقال: يا أمير المؤمنين جنده جندك، أمرتهم بطاعته فأطاعوه، ثم أجازهما وأجاز جماعة من كبار قواده بالجوائز السنية وفرق بينهم، ثم كتب بعهد خالد بن إبراهيم على خراسان وما وراءها.
قال خليفة (١): سمعت يحيى بن المسيب يقول: قتله المنصور، وهو في سرادق، ثم بعث إلى عيسى بن موسى فجاء فأعلمه فأعطاه الرأس والمال، فخرج به ونثر المال على الخراسانية فتشاغلوا بالذهب.
وفيها خرج سنباذ بخراسان للطلب بثأر أبي مسلم، وكان سنباذ مجوسياً تغلب على نيسابور والري، وأخذ خزائن أبي مسلم وتقوى بها، فجهز المنصور لحربه جهور (٢) بن مرار العجلي في عشرة آلاف فكانت الوقعة بين الري وهمذان، وكانت ملحمة مهولة فهزم سنباذ وقتل من جيشه نحو من ستين ألفاً، وكان غالبهم من أهل الجبال، وسبيت ذراريهم، ثم قتل سنباذ بقرب طبرستان.
стр. 2975
وفيها خرج ملبد بن حرملة الشيباني محكماً (١) بناحية الجزيرة، فانتدب لقتاله ألف فارس من عسكر الناحية فهزمهم ملبد، ثم التقاه عسكر الموصل فهزمهم، ثم سار لحربه يزيد بن حاتم المهلبي، فهزمه ملبد واستفحل شره، ثم جهز المنصور لحربه مهلهل بن صفوان في ألفين نقاوة فهزمهم ملبد واستولى على عسكرهم، ثم وجه إليه جيشا آخر فهزمهم، وعظمت هيبته وبعد صيته، فسار لحربه جيش لجب، وعدة قواد فهزمهم، وتحصن منه حميد بن قحطبة وبعث إليه بمائة ألف درهم ليكف عنه.
وأما الواقدي، فذكر أن خروج ملبد كان في العام الآتي.
ومات أمير مكة العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، وولي بعده زياد بن عبيد الله الحارثي، وولي إمرة مصر الأمير صالح بن علي العباسي.
سنة ثمان وثلاثين ومائة
فيها توفي زيد بن واقد القرشي بدمشق، وسهيل بن أبي صالح في قول، وسليمان بن فيروز أبو إسحاق الشيباني في قول، والعلاء بن عبد الرحمن المدني، وعبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله المخزومي، وعلقمة بن أبي علقمة في قول، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب في قول، وليث بن أبي سليم في قول مطين، والمسور بن رفاعة القرظي المديني.
وفيها أهم المنصور شأن ملبد الشيباني، فندب لقتاله خازم بن خزيمة، فسار في ثمانية آلاف فارس، فالتقوا فقتل الله تعالى ملبداً بعد حروب يطول شرحها (٢).
وفيها غزا الأمير صالح بن علي، فنزل دابق فأقبل طاغية الروم قسطنطين بن أليون في مائة ألف، فالتقاه صالح فانتصر ولله الحمد وسلم وغنم، وكان هذا اللعين قد أخذ ملطية من قريب وهدم سورها كما ذكرنا.
стр. 2976
وفيها ظهر عبد الله بن علي، وبعث بالبيعة مع أخيه سليمان بن علي إلى أمير المؤمنين (١).
وأما جهور بن مرار العجلي، فإنه هزم سنباذ كما مضى، وحوى ما في عسكره من الأموال والذخائر التي أخذها سنباذ من خزائن أبي مسلم، فلم يبعث بها إلى المنصور، ثم خاف فخلع المنصور، فجهز المنصور لحربه محمد بن الأشعث الخزاعي في جيش عظيم، فالتقوا واشتد القتال بينهم، ثم انكسر جهور فهرب إلى أذربيجان، ثم قتل (٢).
وفيها دخل عبد الرحمن بن معاوية الداخل الأموي إلى الأندلس واستولى عليها، وامتدت أيامه وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربع مائة، والله أعلم.
سنة تسع وثلاثين ومائة
فيها توفي: إسماعيل بن أمية الأموي، والحسن بن عبيد الله النخعي، وخالد بن يزيد المصري الفقيه، وسلمة بن علقمة أبو بشر بالبصرة، وعبد ربه بن سعيد الأنصاري، وعمرو بن مهاجر الدمشقي، وعبد الله بن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويونس بن عبيد بالبصرة.
وفيها خرج جعفر بن حنظلة البهراني، فأتى مدينة ملطية وهي خراب فعسكر بها، وأقبل الأمير عبد الواحد فنزل على ملطية فزرع أرضها وطبخ كلساً لبناء سورها، ثم قفل، فوجه طاغية الروم من حرق الزرع (٣).
وفيها غزا الأمير صالح بن علي والأمير العباس بن محمد، فوغلا في أرض الروم، وغزا معهما أم عيسى ولبابة أختا الأمير صالح، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا في سبيل الله، ثم لم يكن بعد هذا العام صائفة
стр. 2977
ولا غزو إلى أن دخلت سنة ست وأربعين؛ لاشتغال المنصور في أثناء ذلك بخروج ابني عبد الله بن حسن عليه.
وفيها عزل المنصور عمه سليمان عن البصرة، وولي سفيان بن معاوية، واختفى عبد الله بن علي وآله خوفاً على أنفسهم، فبعث المنصور إلى سليمان وعيسى فعزم عليهما في إشخاص أخيهما عبد الله بن علي وأعطاهما له الأمان، وكتب إلى سفيان بن معاوية ليحثهما على ذلك، فأقدموا عبد الله على المنصور فسجنه، وسجن بعض أصحابه، وقتل بعضهم، وبعث بطائفة منهم إلى خراسان ليقتلهم خالد.
وحج بالناس العباس بن محمد أخو المنصور.
سنة أربعين ومائة
فيها توفي: أيوب أبو العلاء القصاب، وداود بن أبي هند في أولها، وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج، وسهيل بن أبي صالح في السنة بخلف، وسعد بن إسحاق بن كعب، وصالح بن كيسان فيها بخلف، وعروة بن رويم، وعمارة بن غزية الأنصاري، وعمرو بن قيس السكوني الحمصي بخلف.
وفيها توجه جبريل بن يحيى إلى المصيصة، فرابط فيها حتى بناها وأحكمها وسكنها الناس، وتوجه الأمير عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد العباسي ابن أخي المنصور، فأقام على ملطية سنة حتى بناها ورم شعثها وأسكنها الناس.
وفيها ثار جمع من جند خراسان على أميرها أبي داود خالد بن إبراهيم ليلاً وهو بمرو حتى وصلوا إلى داره، فأشرف عليهم على طرف آجرة خارجة وجعل ينادي أصحابه، فانكسرت به الآجرة، فوقع فانكسر ظهره فمات من الغد، فبعث المنصور على إمرة خراسان عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، فقبض على جماعة من الأمراء اتهمهم بالدعوة إلى ولد فاطمة ﵂، منهم مجاشع بن حريث صاحب بخارى، وأبو المغيرة مولى بني تميم عامل قهستان والحريش بن محمد الذهلي ابن عم خالد بن إبراهيم
стр. 2978
فقتلهم، وضرب الجنيد بن خالد التغلبي، ومعبد بن الخليد المري ضرباً شديداً وحبسهما في عدة من الأمراء.
وفيها حج المنصور، ثم زار بيت المقدس، ثم سلك الشام ونزل الرقة، فقتل بها منصور بن جعونة العامري، ثم سار إلى الهاشمية وهي بالكوفة، وأمر بالشروع بعمل مدينة بغداد واختطها (١).
стр. 2979
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذكر طبقة العشر على المعجم
١ - إبراهيم بن محمد بن علي (١) بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي الجعفري.
روى عن أبيه. وعنه: سعد بن زياد، ويعقوب بن عبد الرحمن الإسكندري، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
وهو مقل، عداده في أهل المدينة (٢).
٢ - إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، المعروف بإبراهيم الإمام (٣)، أخو السفاح والمنصور، يكنى أبا إسحاق.
كان يكون بالحميمة من أعمال الشراة، عهد إليه أبوه محمد في السير بالإمامة فبلغ خبره إلى مروان الحمار، فأخذه وحبسه مدة بحران، ثم قتله غيلة.
روى عن: أبيه، وجده، وعن عبد الله بن محمد ابن الحنفية، روى عنه: أخواه، وأبو مسلم صاحب الدولة.
وكانت شيعة بني هاشم يختلفون إليه ويكاتبونه من خراسان، وكان أبوه أوصى إليه؛ ولذلك كانوا يلقبونه بالإمام، وهو الذي نفذ أبا مسلم داعياً له إلى خراسان وجعله مقدماً على دعاته ونقبائه، إلى أن استفحل أمره وبلغ ذلك مروان؛ لأن أبا مسلم أرسل رسولاً من خراسان إلى إبراهيم فوجده أعرابياً فصيحاً، فغمه ذلك، فكتب إلى أبي مسلم: ألم أنهك أن يكون رسولك عربياً يطلع على أمرك فإذا أتاك فاقتله، فخرج الرسول ففتح الكتاب
стр. 2980
وقرأه فأتى به مروان فقبض حينئذ على إبراهيم وأمر به فغم في سجن حران، جعلوا على وجهه مخدة وقعدوا فوقها حتى تلف.
وقيل: إن إبراهيم حج في سنة إحدى وثلاثين بتجمل وافر ومعه ثلاثون نجيباً، فشهر نفسه في الموسم ورآه أهل الشام فكان ذلك سبب إمساكه، وكان جواداً فاضلاً نبيلاً سرياً خليقاً للإمارة، وكان قد أمر أبا مسلم بسفك الدماء وقتل من يتهمه، ولما أغم صار أمرهم إلى أخيه عبد الله السفاح، وكان قد عهد إليه بالأمر لما أحيط به.
وكان مقتله في صفر من سنة اثنتين وثلاثين.
وقال محمد بن سعد (١): مات في سجن مروان سنة إحدى وثلاثين ومائة (٢).
٣ - ق: إبراهيم بن مرة الدمشقي.
عن: عطاء بن أبي رباح، والزهري. وعنه: ابن عجلان، وهو من أقرانه، والأوزاعي، وصدقة بن عبد الله السمين.
صدوق (٣).
٤ - ع: إبراهيم بن ميسرة الطائفي نزيل مكة.
عن: أنس، وعمرو بن الشريد، وطاوس. وعنه: شعبة، والسفيانان، وابن جريج، وغيرهم.
قال ابن المديني: له نحو ستين حديثاً.
وقال الحميدي: قال ابن عيينة: أخبرني إبراهيم بن ميسرة: من لم تر والله عيناك مثله.
وقال غيره: له وفادة على عمر بن عبد العزيز.