← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحوادث سنة إحدى وتسعين ومائة ومن توفي فيها خالد بن حيان الرقي الخراز، سلمة بن الفضل الأبرش بالري، عبد الرحمن بن القاسم المصري الفقيه، عيسى بن يونس، في قول خليفة وابن سعد، الفضل بن موسى السيناني المروزي، محمد بن سلمة الحراني الفقيه، مخلد بن الحسين المهلبي بالمصيصة، مطرف بن مازن قاضي صنعاء، معمر بن سليمان النخعي الرقي. وتوفي فيها جماعة مختلف فيهم، سيذكرون. وفيها خرج ثروان بن سيف بحولايا، فسار إليه طوق بن مالك؛ فهزمه طوق وقتل أصحابه، وهرب مجروحا. وفيها خرج أبو النداء بالشام، فتوجه لقتاله يحيى بن معاذ. وفيها غلظ أمر رافع بن الليث بسمرقند، وكتب إليه أهل نسف بالطاعة، وأن يوجه إليهم من يعينهم على قتال علي بن عيسى بن ماهان، فوجه صاحب الشاش في أتراكه وقائدا من قواده، فأحدقوا بعيسى ولد علي وقتلوه في ذي القعدة. وفيها ولى الرشيد حمويه الخادم خراسان. وفيها غزا يزيد بن خالد الروم في عشرة آلاف، فأخذت الروم عليه المضيق، فقتل بقرب طرسوس، وقتل معه سبعون رجلا، فولى الرشيد غزو الصائفة هرثمة بن أعين، وضم إليه ثلاثين ألفا من جند خراسان ومعه مسرور الخادم إليه النفقات وجميع الأمر خلا الرياسة. ومضى الرشيد إلى درب الحدث فرتب الأمور، ثم انصرف بعد ثلاثة أيام في رمضان، فنزل الرقة، وأمر بهدم الكنائس بالثغور. وعزل علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان بهرثمة بن أعين. وقد ذكرنا سبب هلاك ولده عيسى، فلما قتل ولده خرج عن بلخ فأتى مرو خوفا من رافع أن يأتي مرو فيملكها. وكان ابنه دفن في بستان داره أموالا، نحو ثلاثين ألف

стр. 4412

ألف، ولم يدر بها علي، فأعلمت جارية لعيسى بعض الخدم، وتحدث به الناس، فاجتمع أعيان البلد وأنهبوا المال هم والعامة، فعلم الرشيد فغضب، وعزله، وأخذ أمواله، فبلغت ثمانين ألف ألف. وكان علي بن عيسى قد عتى وتجبر على القواد، وكانت كتب قد وردت على الرشيد أن رافعا لم يخلع، ولا نزع السواد، ولا من شايعه، وأن غايتهم عزل علي بن عيسى الذي قد سامهم المكروه. وحج بالناس أمير مكة الفضل بن العباس بن محمد بن علي. ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين. سنة اثنتين وتسعين توفي فيها: صعصعة بن سلام خطيب قرطبة، عبد الله بن إدريس الأودي، أبو محمد، عبد الرحمن بن عبد الحميد المصري، عرعرة بن البرند السامي البصري، علي بن ظبيان العبسي الكوفي، الفضل بن يحيى البرمكي، توفي مسجونا، يحيى بن كريب الرعيني المصري، يوسف ابن القاضي أبي يوسف. وفيها شخص هرثمة إلى خراسان، ووجه إلى علي بن عيسى في الظاهر أموالا وخلعا وسلاحا، فلما نزل نيسابور جمع وجوه أصحابه فخلا بكل منهم وأخذ عليه العهد والميثاق أن يكتم أمره، وولى كل رجل بلدا، ودفع إليه عهده، وجهزه سرا إلى بلده، فعل هذا خوفا من ثورة علي بن عيسى، ثم سار، فلما كان على مرحلة من مرو دعا ثقاتا من أصحابه، وكتب أسماء ولد علي بن عيسى وأهل بيته، ودفع إلى كل رجل رقعة باسم من وكله بحفظه إذا دخل مرو، ثم وجه إلى علي: إن أحب الأمير أن يوجهه ثقاته لقبض ما معي فعل، فإنه إذا تقدمت الأموال أمام دخولي كان أقوى للأمير وأفت في عضد أعدائه، فوجه علي جماعة لقبض الأموال؛ فقال هرثمة: اشغلوهم الليلة، ففعلوا، ثم سار إلى مرو، فلما صار منها على ميلين تلقاه علي بن عيسى وولده وقواده؛ فلما وقعت عين هرثمة عليه ثنى رجله لينزل، فصاح علي: والله لئن نزلت لأنزلن. فثبت ودنا، فاعتنقا، ثم سارا إلى قنطرة لا يجوزها إلا فارس. فحبس هرثمة لجام الفرس، وقال لعلي: سر، فقال: لا والله. فقال هرثمة: لا والله، أنت

стр. 4413

أميرنا، ثم نزل منزل علي، وأكلا من السماط، ثم دفع الخادم كتاب الرشيد إلى علي، فلما رأى أول حرف منه سقط من يده، ثم أمر هرثمة بتقييده وتقييد ولده وعماله، ثم صار إلى الجامع فخطب وبسط من آمال الناس، وأخبر أن الرشيد ولاه ثغورهم بما بلغه من سوء سيرة الفاسق علي بن عيسى، وإني منصفكم منه، فأظهروا السرور وضجوا بالدعاء. ثم انصرف ودعا بعلي وآله فقال: اعفوني من الإقدام بالمكروه عليكم. ونودي ببراءة الذمة من رجل عنده لعلي وآله وديعة فأخفاها، فأحضر الناس شيئا كثيرا إلا رجل واحد، واستصفى هرثمة حتى حلي النساء والثياب، وبالغ في ذلك، ثم بعد ذلك أقامهم لمظالم الناس وشدد عليهم. ثم حمل عليا إلى الرشيد. وفيها توجه الرشيد نحو خراسان لحرب رافع، فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح، لا أحسبك تراني بعدها، فقلت: بل يردك الله سالما، ثم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد، فقلت: لا، والله، فقال: تعالى حتى أريك، وانحرف عن الطريق، وأومأ إلى الخواص فتنحوا، ثم قال: أمانة الله يا صباح أن تكتم علي، وكشف عن بطنه، فإذا عصابة حرير حوالي بطنه، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكل واحد من ولدي علي رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين، ونسيت الثالث، ما منهم أحد إلا وهو يحصي أنفاسي ويعد أيامي ويستطيل دهري، فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون، فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي، ثم دعا ببرذون، فجاؤوا به كما وصف، فنظر إلى ثم ركبه وودعني. وفيها تحرك الخرمية ببلاد أذربيجان، فسار لحربهم عبد الله بن مالك في عشرة آلاف، فأسر وسبى. وفيها قدم يحيى بن معاذ على الرشيد معه أبو النداء أسيرا فقتله. وفيها تحرك ثروان الحروري فقتل عامل الطف. وقدم بعلي بن عيسى بغداد، فحبس في داره. وقتل فيها الرشيد هيصما اليماني، وكان قد خرج.

стр. 4414

سنة ثلاث وتسعين توفي فيها: إسماعيل بن علية، أبو بشر البصري، زياد بن عبد الرحمن شبطون، سعيد بن عبد الله المصري الفقيه، العباس بن الأحنف الشاعر المشهور، العباس بن الحسن العلوي الشاعر، العباس بن الفضل بن الربيع الحاجب، عبد الله بن كليب المرادي بمصر، عون بن عبد الله المسعودي، محمد بن جعفر البصري غندر، مخلد بن يزيد الحراني، مروان بن معاوية الفزاري نزيل دمشق، نصر بن باب الخراساني بها، هارون الرشيد أبو جعفر بطوس، أبو بكر بن عياش المقرئ بالكوفة. وفيها وافى الرشيد جرجان، فأتته بها خزائن علي بن عيسى على ألف وخمسمائة بعير، ثم رحل منها في صفر، وهو عليل إلى طوس، فلم يزل بها إلى أن توفي. وفيها كانت وقعة بين هرثمة، وأصحاب رافع بن الليث، فانتصر هرثمة، وأسر أخا رافع، وملك بخارى، وقدم بأخي رافع على الرشيد، فسبه، ودعا بقصاب، وقال: فصل أعضاءه، ففصله. وذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع غلط على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته، فهم الرشيد بأن يفصله كما فعل بأخي رافع، ودعا به فقال: أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين، فإنك تصبح في عافية، فمات ذلك اليوم. وقيل: إن الرشيد رأى مناما أنه يؤم بطوس فبكى، وقال: احفروا لي قبرا. فحفر له، ثم حمل في قبة على جمل وسيق به حتى نظر إلى القبر، فقال: يا ابن آدم تصير إلى هذا؟ وأمر قوما فنزلوا فختموا فيه ختمة، وهو في محفة على شفير القبر. قال ابن جرير (١): وكان يقتفي أخلاق المنصور، ويطلب العمل بها، إلا في بذل المال، فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه لولي، وكان يحب الشعر،

стр. 4415

ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، ويقول: هو شيء لا نتيجة له، وبالحري أن لا يكون فيه ثواب، وكان يحب المديح ويشتريه بأغلى ثمن، أجاز مرة مروان بن أبي حفصة على قصيدة خمسة آلاف دينار، وخلعة، وعشرة من رقيق الروم، وفرسا من مراكبه. وقيل: إنه كان مع الرشيد ابن أبي مريم المدني، وكان مضحكا فكها أخباريا، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل منه لحسن نوادره ومجونه. وروي أن ابن السماك دخل على الرشيد يوما فاستسقى، فأتي بكوز، فلما أخذه قال: على رسلك يا أمير المؤمنين، لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هناك الله، فلما شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك، بماذا كنت تشتري خروجها؟ قال: بجميع ملكي، فقال: إن ملكا قيمته شربة ماء لجدير أن لا ينافس فيه، قال: فبكى هارون. وقد ذكرت الرشيد في الأسماء أيضا. وبويع لابنه الأمين محمد في العسكر صبيحة التي توفي فيها الرشيد. وكان المأمون حينئذ بمرو، والأمين ببغداد، فأتاه الخبر، فصلى بالناس الجمعة، وخطب، ونعى الرشيد إلى الناس وبايعه الناس، فأمر للجند برزق سنتين. وأخذ رجاء الخادم البرد والقضيب والخاتم، وسار على البريد في اثني عشر يوما من مرو حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة، فدفع ذلك إلى الأمين. وبلغ الخبر المأمون فبايع لأخيه ثم لنفسه، وأعطى الجند عطاء سنة، وأخذ يتألف أمراءه وقواده، ويظهر العدل، فأحبوا المأمون. وأما الأمين فإنه بعد بيعته بيوم أمر ببناء ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة، ثم قدمت أم جعفر زبيدة في شعبان، فتلقاها ابنها الأمين، قدمت من الرقة ومعها جميع الخزائن. وأقام المأمون على خراسان وإمرتها، وأهدى للأمين تحفا ونفائس. وفيها دخل هرثمة حائط سمرقند، فلجأ رافع إلى المدينة الداخلة، وراسل

стр. 4416

رافع الترك فوافوه، فصار هرثمة في الوسط، ثم لطف الله به ورد الترك، فضعف أمر رافع. وفيها قتل نقفور ملك الروم في حرب برجان، وبقي في المملكة تسع سنين، وملك بعده ابنه إستبراق شهرين وهلك، فملك ميخائيل بن جرجس زوج أخته. سنة أربع وتسعين توفي فيها: حفص بن غياث النخعي في آخرها، الحكم بن عبد الله البصري، سلم بن سالم البلخي العابد ضعيف، سويد بن عبد العزيز قاضي بعلبك. شقيق بن إبراهيم البلخي الزاهد، عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عبيد الله بن المهدي محمد ابن المنصور، عمر بن هارون البلخي أبو حفص، محمد بن حرب الخولاني الأبرش، محمد بن سعيد بن أبان الأموي الكوفي، محمد بن أبي عدي بصري ثقة، يحيى بن سعيد بن أبان الأموي أخو محمد، القاسم بن يزيد الجرمي. وفيها ثار أهل حمص بعاملهم إسحاق بن سليمان، فبرح إلى سلمية، فولى عليهم الأمين عبد الله بن سعيد الخرشي، فحبس عدة من وجوههم وقتل عدة، وضرب النار في نواحي حمص، فسألوه الأمان فأمنهم، وسكنوا، ثم هاجوا فقتل طائفة منهم. وفيها عزل الأمين أخاه القاسم عن ما كان الرشيد ولاه، وذلك إمرة الشام وقنسرين والثغور، وولى مكانه خزيمة بن خازم. وفيها أمر الأمين بالدعاء لابنه موسى على المنابر بالإمرة، بعد ذكر المأمون والقاسم. وتنكر كل واحد من الأمين والمأمون لصاحبه، وظهر الفساد بينهما. فقيل: إن الفضل بن الربيع علم أن الخلافة إذا أفضت إلى المأمون لم يبق عليه، فأغرى الأمين به، وحثه على خلعه، وأن يولي العهد لابنه موسى، وأعانه على رأيه علي بن عيسى بن ماهان، والسندي، ولما بلغ المأمون عزل أخيه القاسم عن الشام قطع البريدية عن الأمين، وأسقط اسمه من الطرز والضرب. وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيار لما انتهى إليه حسن سيرة المأمون

стр. 4417

في عمله وإحسانه إلى الجيش، بعث في طلب الأمان لنفسه، فسارع إلى ذلك هرثمة ولحق رافع بالمأمون فأكرمه. وقدم هرثمة بمن معه من الجيوش من سمرقند على المأمون، وكان معه طاهر بن الحسين، فتلقاه المأمون، وولاه حرسه. ثم إن الأمين أرسل وجوها إلى المأمون يطلب منه أن يقدم موسى على نفسه، ويذكر أنه قد سماه: الناطق بالحق، فرد المأمون ذلك وأباه، وكان الرسول إليه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى، فبايع المأمون بالخلافة سرا، ثم كان يكتب إليه بالأخبار، ويناصحه من العراق، ورجع فأخبر الأمين بامتناع المأمون، فأسقط اسمه من ولاية العهد، وطلب الكتاب الذي كتبه الرشيد، وجعله بالكعبة لعبد الله المأمون على الأمين فأحضروه فمزقه وقويت الوحشة، وأحضر المأمون رسل الأمين إليه، وقال: إن أمير المؤمنين كتب إلي في أمر كتبت إليه جوابه، فأبلغوه الكتاب، واعلموا أني لا أزال على طاعته حتى يضطرني بترك الحق الواجب إلى مخالفته فخرجوا وقد رأوا جدا غير مشوب بهزل. ونصح الأمين أولو الرأي فلم ينتصح، وأخذ يستميل القواد بالعطاء، فقال له خازم بن خزيمة: يا أمير المؤمنين، لن ينصحك من كذبك، ولن يغشك من صدقك، لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا بيعتك وعهدك، فإن الغادر مغلول، والناكث مخذول. وفي ربيع الأول بايع الأمين بولاية العهد لابنه موسى، ولقبه: الناطق بالحق، وجعل وزيره علي بن عيسى بن ماهان. وفيها وثبت الروم على ميخائيل صاحب الروم فهرب وترهب، وكان ملكه سنتين، فملكوا عليهم ليون القائد. سنة خمس وتسعين توفي فيها: إسحاق بن يوسف الأزرق واسطي، بشر بن السري الواعظ بمكة، عبد الرحمن بن محمد المحاربي الكوفي، عبيد الله بن المهدي فيها في قول، عثام بن علي الكوفي وقيل سنة أربع، مؤرج بن عمرو السدوسي

стр. 4418

النحوي، محمد بن فضيل الضبي الكوفي، الوليد بن مسلم في أولها بذي المروة، يحيى بن سليم الطائفي بمكة، أبو معاوية الضرير محمد بن خازم. وفيها قال بعض الشعراء فيما جرى من ولاية العهد لموسى وهو طفل وذلك برأي الفضل وبكر بن المعتمر. أضاع الخلافة غش الوزير … وفسق الأمير وجهل المشير ففضل وزير وبكر مشير … يريدان ما فيه حتف الأمير لواط الخليفة أعجوبة … وأعجب منه خلاق الوزير فهذا يدوس وهذا يداس … كذاك لعمري خلاف الأمور فلو يستعفان هذا بذاك … لكانا بعرضة أمر ستير وأعجب من ذا وذا أننا … نبايع للطفل فينا الصغير ومن لم يحسن غسل استه … ومن لم يخل من بوله حجر ظير في أبيات (١). ولما تيقن المأمون خلعه تسمى بإمام المؤمنين، وكوتب بذلك. وفي ربيع الآخر عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان على بلد الجبال: همذان، ونهاوند، وقم، وأصبهان، وأمر له - فيما قيل - بمائتي ألف دينار، وأعطى لجنده مالا عظيما. ولما جمع الأمين الملأ لقراءة العهد لابنه، قال: يا معشر أهل خراسان - يعني الذين ببغداد - إن الأمير موسى قد أمر لكم من صلب ماله بثلاثة آلاف ألف درهم. وشخص علي بن عيسى في نصف جمادى الآخرة من بغداد، وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه، وسار معه الأمين إلى النهروان، فعرض بها الجند الذين جهزهم مع علي، فسار حتى نزل همذان، فاستعمل عليها عبد الله بن حميد بن قحطبة، ثم شخص علي منها حتى بلغ الري، وهو على أهبة الحرب، فلقيه طاهر بن الحسين، وهو في أقل من أربعة آلاف، كان قد جهزه المأمون فأشرف على جيش علي وهم يلبسون السلاح، وامتلأت بهم الصحراء

стр. 4419

بياضا وصفرة من السلاح المذهب، فقال طاهر بن الحسين: هذا ما لا قبل لنا به، ولكن نجعلها خارجية، نقصد القلب، فهيأ سبعمائة من الخوارزمية، قال أحمد بن هشام الأمير: فقلنا لطاهر: تذكر علي بن عيسى البيعة التي كانت، والبيعة التي أخذها هو للمأمون علينا معشر أهل خراسان. قال: نعم، فعلقناهما على رمحين، وقمت بين الصفين، فقلت: الأمان، ثم قلت: يا علي بن عيسى ألا تتقي الله؟ أليس هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت خاصة؟ اتق الله، فقد بلغت باب قبرك، قال: من أنت؟ قلت: أحمد بن هشام - وقد كان علي ضربه أربعمائة سوط - فصاح علي: يا أهل خراسان، من جاء به فله ألف درهم، وكان معنا قوم بخارية، فرموه وزنوه، وقالوا: نقتلك ونأخذ مالك. وخرج من عسكر علي العباس بن الليث ورجل آخر، فشد عليه طاهر فضربه قتله، وشد داود سياه على علي بن عيسى فصرعه وهو لا يعرفه، فقال طاهر بن الناجي: أعلي بن عيسى أنت؟ قال: نعم! وظن أنه يهاب فلا يقدم عليه أحد، فشد عليه فذبحه بالسيف، ثم انهزم جيشه. قال أحمد: فتبعناهم فرسخين، وواقفونا اثنتي عشرة مرة؛ كل ذلك نهزمهم، فلحقني طاهر بن الناجي ومعه رأس علي، فصليت ركعتين شكرا، ووجدنا في عسكره سبعمائة كيس، في كل كيس ألف درهم، ووجدنا عدة بغال عليها له خمر سوادي، فظنت البخارية أنه مال، فكسروا تلك الص اديق فرأوه خمرا، فضحكوا وقالوا: عملنا العمل حتى نشرب. وأعتق طاهر من كان بحضرته من غلمانه شكرا. فلما وصل البريد إلى المأمون سلموا عليه بالخلافة، وطيف بالرأس في خراسان. وجاء الخبر بقتله إلى الأمين وهو يتصيد السمك، فقال للذي أخبره: ويلك دعني، فإن كوثرا قد صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئا بعد (١). وقال شاعر من أصحاب علي: لقينا الليث مفترشا يديه … وكنا ما ينهنهنا اللقاء نخوض الموت والغمرات قدما … إذا ما كر ليس به خفاء

стр. 4420

فضعضع ركننا لما التقينا … وراح الموت وانكشف الغطاء وأودى كبشنا والرأس منا … كأن بكفه كان القضاء ثم وجه الأمين عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي أمير الدينور بالعدة والقوة، فسار حتى نزل همذان. وعن عبد الله بن خازم أنه قال: يريد محمد إزالة الجبال، وفل العساكر بالفضل وتدبيره، وهيهات، وهو - والله - كما قيل: قد ضيع الله ذودا أنت راعيها. وقيل: إن الجيش الذين كانوا مع علي بن عيسى أربعون ألفا في هيئة لم ير مثلها. وروى عبد الله بن مجالد أن الوقعه اشتد فيها القتال، وأن علي بن عيسى قتل بسهم جاءه، وأن طاهرا بعث بالأسرى والرؤوس إلى المأمون. وذكر عبد الله بن صالح الجرمي أن عليا لما قتل أرجف الناس ببغداد إرجافا شديدا، وندم محمد على خلعه أخاه، وطمع الأمراء فيه، وشغبوا جندهم بطلب الأرزاق من الأمين، وازدحموا بالجسر يطلبون الأرزاق والجوائز؛ فركب إليهم عبد الله بن خازم في طائفة من قواد الأعراب فتراموا بالنشاب واقتتلوا، فسمع الأمين الضجة فأرسل يأمر ابن خازم بالانصراف، وأمر لهم بأرزاق أربعة أشهر، وزاد في عطائهم، وأمر للقواد بالجوائز، وجهز عبد الرحمن الأبناوي في عشرين ألفا، فسار إلى همذان وضبط طرقها، وحصن سورها، وجمع فيها الأقوات، واستعد لمحاربة طاهر. وقد كان يحيى بن علي بن عيسى لما قتل أبوه أقام بين الري وهمذان، فكان لا يمر به أحد من المنكسرين إلا حبسه عنده بناء منه أن الأمين يوليه مكان أبيه. فكتب إليه الأمين يأمره بالمقام مع عبد الرحمن الأبناوي، فلما سار يحيى إلى قرب همذان تفرق أكثر أصحابه. وأما طاهر فقصد مدينة همذان، فأشرف عليها، فالتقى الجيشان وصبر الفريقان وكثرت القتلى، ثم إن عبد الرحمن الأبناوي تقهقر ودخل مدينة همذان فأقام بها يلم شعث أصحابه، ثم زحف إلى طاهر، وقد خندق طاهر على عسكره، فاقتتلوا قتالا شديدا، وجعل عبد الرحمن يحرض أصحابه ويقاتل بيده، وحمل حملات منكرة ما منها حملة إلا وهو يكثر القتل في

стр. 4421

أصحاب طاهر، فشد رجل على صاحب علم عبد الرحمن فقتله، وحمل أصحاب طاهر حملة صادقة حتى ألجأوهم إلى مدينة همذان، ونزل طاهر محاصرا لها، وكان عبد الرحمن يخرج كل يوم فيقاتل على باب المدينة، وتضرر بهم أهل البلد وجهدوا، فطلب عبد الرحمن من طاهر الأمان، فآمنه ووفى له. وفيها ظهر بدمشق السفياني أبو العميطر علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية فدعا إلى نفسه، وطرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد حصره إياه بالبلد، وكان عامل الأمين، فلم يفلت منه إلا بعد اليأس، فوجه الأمين لحربه الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان فلم ينفذ إليه، ولكنه وصل إلى الرقة فأقام بها. وعن صالح بن محمد بن صالح بن بيهس، قال: ضبط أبو العميطر دمشق وانضمت إليه اليمانية من كل ناحية، وبايعه أهل الغوطة والساحل وحمص وقنسرين، واستقام له الأمر، إلا أن قيسا لم تبايعه وهربوا من دمشق. وجاء عن عبد الله بن طاهر أنه لما قدم دمشق قال لمحمد بن حنظلة: عندك من عظام أبي العميطر شيء؟ قال: هو أقل عندنا من هذا، ولكن هرب إلينا، وخلع نفسه فسترناه. وغلب طاهر بن الحسين على قزوين وطرد عنها عامل الأمين، وغلب على سائر كور الجبال. وذكر عبد الله بن صالح أن الأمين لما وجه عبد الرحمن الأبناوي إلى همذان أتبعه بعبد الله وأحمد ابني الخرسي في جيش مددا له، فلما خرج بالأمان هو وأصحابه، أقام يري طاهرا وجنده أنه لهم مسالم راض بعهودهم، ثم اغترهم وهم آمنون فركب في أصحابه، فلم يشعر طاهر وأصحابه بهم إلا وقد هجموا عليهم فوضعوا فيهم السيف، فقاتلوهم وردت عنهم بالأترسة رجالتهم حتى أخذت الفرسان عددها وصدقوهم القتال حتى تقطعت السيوف بين الفريقين. ثم هرب أصحاب عبد الرحمن فترجل هو وجماعة فقاتل حتى قتل. ووصل المنهزمة إلى عسكر ابني الخرسي، فداخلهم الرعب فولوا منهزمين من غير قتال حتى أتوا بغداد.

стр. 4422

وسار طاهر بن الحسين، وقد خلت له البلاد حتى قارب حلوان فعسكر بها، وخندق على جنده. سنة ست وتسعين توفي فيها: الحسين بن علي بن عيسى، قتل كما يأتي، سعد بن الصلت قاضي شيراز، عبد الله بن كثير الطويل الدمشقي، عبد الملك بن صالح بن علي الأمير، عتاب بن بشير الجزري - في قول -، مخلد بن الحسين - في قول - وكلاهما مر، معاذ بن معاذ العنبري القاضي، الوليد بن خالد بالشام، قاله ابن قانع، أبو نواس الشاعر هو الحسن بن هانئ. وفيها روي عن عبد الرحمن بن رئاب قال: حدثني أسد بن يزيد بن مزيد، أن الفضل بن الربيع الحاجب بعث إليه بعد مقتل عبد الرحمن الأبناوي قال: فأتيته فوجدته مغضبا، فقال: يا أبا الحارث أنا وإياك نجري إلى غاية إن قصرنا عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعب من أصل، إن قوي قوينا، وإن ضعف ضعفنا، إن هذا الرجل - يعني الأمين - قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء، ويعترض على الرؤساء، وقد أمكن مسامعه من اللهو والخسارة فهم يعدونه الظفر، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل، وقد خشيت - والله - أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب وابن فارسها، قد فزع إليك في لقاء هذا الرجل، وأطمعه فيما قبلك أمران: أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك، والثاني يمن نقيبتك وشدة بأسك، وقد أمرني بإزاحة علتك، وبسط يدك فيما أحببت، فعجل المبادرة إلى عدوك، فإني أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح، ويلم بك شعث هذه الخلافة، فقلت: أنا لطاعة أمير المؤمنين مقدم، ولكل ما أدخل الوهن والذل على عدوه حريص، غير أن المحارب لا يعمل بالغرر، ولا يفتتح أمره بالتقصير والخلل، وإنما ملاك المحارب الجنود، وملاك الجنود المال، وأمير المؤمنين فقد ملأ أيدي من عنده من العسكر، وتابع لهم الأرزاق والصلات، فإن سرت بأصحابي وقلوبهم متطلعة إلى من خلفهم من إخوانهم لم أنتفع بهم في لقاء، وقد فضل أهل السلم على أهل الحرب، والذي أسأل أن يؤمر لأصحابي برزق سنة،

стр. 4423

ويحمل معهم أرزاق سنة، ولا أسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن، فقال: قد اشتططت، ولا بد من مناظرة أمير المؤمنين. ثم ركب معي إليه فدخلت، فما دار بيني وبينه إلا كلمتان حتى غضب وأمر بحبسي. وذكر زياد قال: ثم قال الأمين: هل في أهل بيت هذا من يقوم مقامه؟ فإني أكره أن أستفسدهم مع سابقتهم وطاعتهم، قالوا: نعم، فيهم أحمد بن مزيد عمه، وأثنوا عليه، فاستقدمه على البريد. قال أحمد: فبدأت بالفضل بن الربيع، فإذا عنده عبد الله بن حميد بن قحطبة، وهو يريده على الشخوص إلى طاهر بن الحسين، وعبد الله يشتط في طلب المال والإكثار من الرجال، فلما رآني رحب وصيرني معه على صدر المجلس، فكلمني ثم قام معي حتى دخلنا على الأمين، فلم يزل يأمرني بالدنو حتى كدت ألاصقه، فقال: إنه قد كثر علي تخليط ابن أخيك وتنكره، وطال خلافه، وقد وصفت لي بخير، وأحببت أن أرفع قدرك وأعلي منزلتك، وأن أوليك جهاد هذه الفئة الباغية، فقلت: سأبذل في طاعتكم مهجتي. قال: وانتخبت الرجال، فبلغ عدة من صححت اسمه عشرين ألف رجل، ثم سرت بهم إلى حلوان، ودخلت عليه قبل ذلك، فقلت: أوصني، قال: إياك والبغي، فإنه عقال النصر، ولا تقدم رجلا إلا بالاستخارة، ولا تشهر سيفا إلا بعد إعذار، ومهما قدرت عليه باللين فلا تتعده بالخرق (١)، في كلام طويل، وأطلق له ابن أخيه أسدا. وذكر يزيد بن الحارث أن الأمين وجه معه عشرين ألفا من الأعراب، ومع عبد الله بن حميد عشرين ألفا من الأبناء، وأمرهما أن ينزلا حلوان ويدفعا طاهرا عنها، وينصبا له الحرب، فنزلا بخانقين، فدس طاهر العيون إلى عسكرهما، فكانوا يأتون الجيشين بالأراجيف، ويخبرونهما أن الأمين قد وضع العطاء لأصحابه، وقد أمر لهم بالأرزاق، ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف والشغب بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم وقاتلوا بعضهم بعضا، ورجعوا. ثم دخل طاهر حلوان، وأتاه هرثمة بن أعين بكتابي المأمون، والفضل بن

стр. 4424

سهل يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن إلى هرثمة، والتوجه إلى الأهواز، فسلم ذلك إليه، وأقام هرثمة بحلوان فحصنها، وأحكم أموره، ومضى طاهر إلى الأهواز، ودعا المأمون الفضل بن سهل فولاه على جميع المشرق من همذان إلى جبل سفيان والتبت طولا، ومن بحر فارس والهند إلى بحر الديلم وجرجان عرضا، وقرر له على ذلك ثلاثة آلاف ألف درهم، ولقبه ذا الرياستين، ثم ولى أخاه الحسن بن سهل ديوان الخراج. وكان في حبس الرشيد عبد الملك بن صالح بن علي، فأطلقه الأمين وقربه، فدخل عليه هذه الأيام، وقال: يا أمير المؤمنين إني أرى الناس قد طمعوا فيك، وقد بذلت سماحتك، فإن بقيت على أمرك أبطرتهم، وإن كففت عن البذل أسخطتهم، ومع هذا فإن جندك قد داخلهم الرعب وأضعفتهم الوقائع، وهابوا عدوهم، فإن سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم، وأهل الشام قوم قد ضرستهم الحروب، وأدبتهم الشدائد، وجلهم منقاد لي مسارع إلى طاعتي، فإن وجهتني اتخذت لك منهم جندا تعظم نكايته في عدوه، فولاه الشام والجزيرة، واستحثه بالخروج، فلما بلغ الرقة أقام بها، وأنفذ رسله وكتبه إلى رؤساء الأجناد بجمع الأمداد والرجال والزواقيل والأعراب من كل فج، وخلع عليهم، ثم إن بعض جنده الخراسانية نظر إلى فرس كانت أخذت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر بالشام تحت بعض الزواقيل، فتعلق بها، فتنازعا الفرس، واجتمعت الناس وتلاحموا، وأعان كل فئة صاحبها، وتضاربوا بالأيدي، فاجتمعت بعض الأبناء إلى محمد بن أبي خالد الحربي، فقالوا: أنت شيخنا، وقد ركب الزواقيل منا ما سمعت، فاجمع أمرنا وإلا استذلونا، فقال: ما كنت لأدخل في شغب، ولا أشاهدكم على مثل هذه الحال، فاستعد الأبناء، وأتوا الزواقيل وهم غارون، فوضعوا فيهم السيف، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فتنادى الزواقيل، ولبسوا لأمة الحرب، وشبت الحرب بينهم، فوجه عبد الملك رسولا يأمرهم بالكف، فرموه بالحجارة، وكان عبد الملك مريضا مدنفا، فقال: واذلاه! تستضام العرب في دورها، وبلادها وتقتل؟! فغضب من كان أمسك عن الشر من الأبناء، وتفاقم الأمر. وقام بأمر الأبناء الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، وأصبح الزواقيل وقد جيشوا بالرقة، واجتمع الأبناء والخراسانية بالرافقة، وقام رجل من أهل حمص، فقال: يا أهل حمص،

стр. 4425

الهرب أهون من الغضب، والموت أهون من الذل، النفير النفير قبل أن ينقطع الشمل ويعسر المهرب، ثم قام آخر من كلب فقال نحو ذلك، فسار معه عامة أهل الشام، وتفللوا، وأقبل نصر بن شبيب في الزواقيل، وهو يقول: فرسان قيس اصبري للموت … لا ترهبن عن لقاء القوت دعي التمني بعسى وليت ثم حمل هو وأصحابه، فقاتل قتالا شديدا، وكثر القتل والبلاء في الزواقيل، وحملت الأبناء فانهزمت الزواقيل. ثم توفي عبد الملك في هذه الأيام، فنادى الحسين بن علي بن عيسى في الجند، فصير الرجالة في السفن، والفرسان على الظهر، ووصلهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة في رجب، ودخل بغداد، فلما كان في جوف الليل طلبه الأمين، فقال للرسول: ما أنا بمغن ولا مسامر ولا مضحك، ولا وليت له عملا، فلأي شيء يريدني؟ انصرف فمن الغد آتيه. قال: فأصبح الحسين فوافى باب الجسر، واجتمع إليه الناس، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى عبيد الله بن علي وباب سوق يحيى، وقال: يا معشر الأبناء، إن خلافة الله لا تجاور بالبطر، ونعمه لا تستصحب بالتجبر، وإن محمدا يريد أن يزيغ أديانكم، وينكث بيعتكم، ويفرق أمركم، وتالله إن طالت يده، وراجعه من أمره قوة، ليرجعن وبال ذلك عليكم، ولتعرفن ضرره، فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم. ثم أمر الناس بعبور الجسر، فعبروا حتى صاروا إلى سكة باب خراسان، واجتمعت الحربية، وأهل الأرباض مما يلي باب الشام، فتسرعت خيول من خيول الأمين من الأعراب وغيرهم إلى الحسين، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم استظهر عليهم الحسين وتفرقوا، فخلع الحسين محمدا لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، وبايع للمأمون من الغد، ثم غدا إلى محمد. فوثب العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي فدخل قصر الخلد، فأخرج منه محمدا إلى قصر المنصور، فحبسه هناك إلى الظهر، وأخرج أمه، أم جعفر، بعد أن أبت، وقنعها بالسوط وسبها، فأدخلت إلى مدينة المنصور.

стр. 4426

فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان الأرزاق، وماج الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد كبير الأبناء بباب الشام فقال: أيها الناس، والله ما أدري بأي سبب تأمر الحسين علينا؟ والله ما هو بأكبرنا سنا، ولا أكرمنا حسبا، ولا أعظمنا منزلة وغناء، وإن فينا من لا يرضى بالدنية، ولا ينقاد بالمخادعة، وإني أولكم نقض عهده، وأنكر فعله، فمن كان رأيه رأيي فليعتزل معي، وقام أسد الحربي فقال نحو مقالته، فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفية فصاح: اسكتوا أيها الناس؛ فسكتوا له، فقال: هل تعتدون على محمد بقطع أرزاقكم؟ قالوا: لا. قال: فهل قصر بأحد من أعيانكم؟ قالوا: ما علمنا. قال: فهل عزل أحدا من قوادكم؟ قالوا: لا. قال: فما بالكم خذلتموه، وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره؟ أما والله ما قتل قوم خليفتهم إلا سلط الله عليهم السيف، انهضوا إلى خليفتكم فادفعوا عنه، وقاتلوا من أراد خلعه، فنهضت الحربية، ونهض معهم عامة أهل الأرباض، فقاتلوا الحسين وأصحابه قتالا شديدا، وأكثروا في أصحابه الجراح، وأسر الحسين، فدخل أسد الحربي على الأمين، فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة، فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الجند، ولا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا من الخزائن حاجتهم من السلاح، ووعدهم ومناهم. وأحضروا الحسين فلامه على خلافه، وقال: ألم أقدم أباك على الناس، وأشرف أقداركم؟ قال: بلى. قال: فما الذي استحققت به منك أن تخلع طاعتي، وتؤلب الناس على قتالي؟ قال: الثقة بعفو أمير المؤمنين وحسن الظن بصفحه، قال: فإني قد فعلت ذلك، ووليتك الطلب بثأر أبيك، ثم خلع عليه، وأمره بالمسير إلى حلوان، فخرج. فلما خف الناس قطع الجسر، وهرب في نفر من حشمه ومواليه، فنادى الأمين في الناس فركبوا فأدركوه، فلما بصر بالخيل نزل فصلى ركعتين ثم تهيأ، فلقيهم وحمل عليهم حملات في كلها يهزمهم، ثم عثر به فرسه فسقط وابتدره الناس فقتلوه، وذلك على فرسخ من بغداد للنصف من رجب، وأتوا برأسه. وقيل: إن الأمين لما عفا عنه استوزره، ودفع إليه خاتمه، وصبيحة قتله جدد الجند البيعة للأمين. وليلة قتله هرب الفضل بن الربيع.

стр. 4427

ولما سار طاهر إلى الأهواز بلغه أن محمد بن يزيد بن حاتم المهلبي عامل الأمين عليها قد توجه في جمع عظيم يريد النزول بجنديسابور، وهو ما بين حد الأهواز والجبل، ليحمي الأهواز، فدعا طاهر عدة أمراء من جنده بأن يكمشوا السير (١). ثم سارت عساكره حتى أشرفوا على عسكر مكرم، وبه محمد بن يزيد، فرجع فدخل الأهواز، ثم عبى أصحابه على بابها والتقوا، وطال الحرب بينهم، ثم نزل محمد بن يزيد هو وغلمانه عن خيلهم وعرقبوها، وقاتل حتى قتل، طعنه رجل برمح، فذكر بعضهم مصرعه ورثاه، فقال: من ذاق طعم الرقاد من فرح … فإنني قد أضر بي سهري ولى فتى الرشد فافتقدت به … قلبي وسمعي وغرني بصري كان غياثا لدى المحول فقد … ولى غمام الربيع والمطر وأقام طاهر بالأهواز، وولى عماله على اليمامة والبحرين، ثم أخذ على طريق البر متوجها إلى واسط، وبها يومئذ السندي بن يحيى الحرسي، وجعلت المسالح كلما قرب طاهر من واحدة هرب من يحفظها، فجمع السندي والهيثم بن شعبة أصحابهما، وهما بالقتال، ثم هربا عن واسط، فدخلها طاهر، ووجه إلى الكوفة أحمد بن المهلب القائد، وعليها يومئذ العباس بن موسى الهادي، فبلغه الخبر، فخلع الأمين، وكتب بالطاعة إلى طاهر، ونزلت خيله واسط ثم فم النيل، وكتب عامل البصرة منصور بن المهدي إلى طاهر بالطاعة، ثم نزل طاهر جرجرايا وخندق عليه، وكتب بالطاعة أمير الموصل المطلب بن عبد الله بن مالك للمأمون، كل ذلك في رجب. ولما كتب هؤلاء إلى طاهر بالطاعة، أقرهم على أعمالهم، واستعمل على مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى الهاشمي، وعلى اليمن يزيد بن جرير القسري. ثم غلب طاهر على المدائن، ثم صار منها إلى نهر صرصر، فعقد عليه جسرا، فوجه الأمين محمد بن سليمان القائد، ومحمد بن حماد البربري ليبيتا

стр. 4428

يزك طاهر، فكانت بينهم وقعة شديدة، فانهزم محمد القائد. ووجه الأمين على الكوفة الفضل بن موسى بن عيسى الهاشمي، وولاه عليها، فالتقاه محمد بن العلاء بعض قواد طاهر فاقتتلوا وانهزم أصحاب الفضل وهم في أقفيتهم قتلا وأسرا، فأسروا إسماعيل بن محمد القرشي، وجمهور البخاري. وبقي أمر الأمين كل يوم في إدبار، والناس معذورون في خلعه، لكونه نكث وخلع أخويه المأمون والمؤتمن، وأقام بدلهما ابنه طفلا رضيعا، مع ما هو فيه من الانهماك على اللعب والجهل. وأما داود بن عيسى الهاشمي فإنه كان على الحرمين، فأسرع في خلع الأمين تدينا، وبايعه للمأمون وجوه أهل الحرمين، فاستخلف عليهما ولده سليمان، وسار في وجوه من أقاربه يريد المأمون بمرو، فلما قدم عليه تيمن المأمون ببركة مكة والمدينة، إذ كانوا أول من بايعه بعد خراسان. ووصل داود بخمسمائة ألف درهم، ثم رجع مسرعا ليقيم موسم الحج، ومعه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، فمرا بالعراق على طاهر، فبالغ في إكرامهما، ووجه معهما زيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن، وأقام الموسم العباس بن موسى المذكور، وأحسن زيد السيرة باليمن. وفي شعبان عقد الأمين لعلي بن محمد بن عيسى بن نهيك الإمرة على نحو أربعمائة قائد، وأمره بالمسير إلى هرثمة، فساروا فالتقوا بجلولاء في رمضان، فهزمهم هرثمة، وأسر أمير الجيش علي بن محمد، وبعث به إلى المأمون، وزحف هرثمة فنزل النهروان. وأقام طاهر بنهر صرصر، فكان لا يأتيه جيش من جهة الأمين إلا هزمه، وأخذ الأمين يدس الجواسيس إلى قواد طاهر يعدهم ويمنيهم، فشغبوا على طاهر، واستأمن خلق إلى الأمين فأسنى عطاياهم، ثم كروا إلى صرصر لحرب طاهر. فالتقوا، ودام القتال، ثم انهزم جيش بغداد، وانتهب أصحاب طاهر أثقالهم وأموالهم، فبلغ الأمين الخبر، فأخرج خزائنه وذخائره، وفرق الصلات، وجمع أهل الأرباض، واعترض الناس على عينه، فكان لا يرى أحدا،

стр. 4429

وسيما حسن الرواء إلا خلع عليه وأمره، وغلف لحيته بالغالية، فسموا قواد الغالية، وأعطى كل واحد خمسمائة درهم وقارورة غالية. ثم كاتب طاهر قواد الأمين فاستمالهم، فشغبوا على الأمين، وذلك لست خلون من ذي الحجة، فشاور قواده، فقيل له: تدارك أمرهم، فبذل فيهم العطاء فأسرف، ونزل معسكرا بالبستان، ففتح أهل السجون السجون وخرجوا، ووثب على العامة الشطار، وساءت حال الناس، وعظم الشر. سنة سبع وتسعين توفي فيها: أحمد بن بشير أبو بكر الكوفي، بقية بن الوليد أبو يحمد الكلاعي، إبراهيم بن عيينة أخو سفيان، بهز بن أسد بصري ثقة، ربعي بن علية أبو الحسن أخو إسماعيل، الحسن بن حبيب بن ندبة (١) بصري، زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، سلامة بن روح الأيلي عن عقيل، شعيب بن حرب المدائني الزاهد، عبد الله بن وهب أبو محمد بمصر، عبد العزيز بن عمران الزهري المدني، الفضل بن عنبسة الواسطي ثقة، القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم حدث فيها، محمد بن فليح بن سليمان المدني، هشام بن يوسف الصنعاني الفقيه، ورش المقرئ واسمه عثمان بن سعيد، وكيع بن الجراح الرؤاسي الإمام، أبو سعيد مولى بني هاشم هو عبد الرحمن. وفيها لحق القاسم الملقب بالمؤتمن - وهو أخو الأمين - ومنصور بن المهدي بالمأمون. وفيها نزل زهير بن المسيب الضبي بكلواذا، ونصب المجانيق، واحتفر الخندق، وجعل يخرج في الأوقات عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمي بالمجانيق والعرادات من أقبل وأدبر، ويعشر أموال التجار، وجعل يؤذي المسلمين، فأتوا طاهرا يشكون منه، وبلغ ذلك هرثمة بن أعين، فأمده بالجنود. ثم نزل هرثمة نهر تير وبنى عليه حائطا وخندقا، وأعد المجانيق، وأنزل

стр. 4430

عبيد الله بن الوضاح الشماسية، ونزل طاهر بن الحسين البستان الذي بباب الأنبار، فضاق الأمين ذرعا، وتفرق ما كان في يده من الأموال العظيمة، فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم لينفقها، ثم أمر برمي الحربية بالنفط والمجانيق، وهلك جماعة، وكثر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد، وعملت فيها المراثي. ولم يزل طاهر مصابرا للأمين وجنده، حتى مل أهل بغداد قتاله، فاستأمن إلى طاهر الموكلون للأمين بقصر صالح، وسلموا إليه القصر بجميع ما فيه في جمادى الآخرة في منتصفه، ثم استأمن إلى طاهر صاحب شرطة الأمين محمد بن عيسى، فضعف ركن الأمين واستسلم. وقتل داخل قصر صالح: أبو العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسي، وجماعة من القواد، وقتل خلق من أصحاب طاهر، ثم لحق بطاهر عبد الله بن حميد الطائي، وإخوته، وابن الحسن بن قحطبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي العباس الطائي، وكاتبه قوم في السر من العباسيين. ولما كانت وقعة يوم قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش، فأقبل أصحاب الهرش يؤذون الرعية وينهبونهم، فلجأ خلق ونزحوا إلى طاهر، فرأوا من أصحابه الأمن والخير، وبقي الناس في بغداد بأسوأ حال، وطال الأمر. ولبعضهم: بكيت دما على بغداد لما … فقدت غضارة العيش الأنيق أصابتها من الحساد عين … فأفنت أهلها بالمنجنيق وهي طويلة. وبقي يقاتل عن الأمين غوغاء بغداد والعيارون والحرافشة، فأنكوا في أصحاب طاهر، وكانوا يقاتلون بلا سلاح، فقال بعض الشعراء: خرجت هذه الحروب رجالا … لا لقحطانها ولا لنزار معشرا في جواشن الصوف يغدو … ن إلى الحرب كالأسود الضواري وعليهم مغافر الخوص تجزيـ … ـهم عن البيض والتراس البواري ليس يدرون ما الفرار إذا الأبـ … ـطال عاذوا من القنا بالفرار

стр. 4431

واحد منهم يشد على ألـ … ـفين عريان ما له من إزار كم شريف قد أخملته وكم قد … رفعت من مقامر عيار وقال آخر في غوغاء البغاددة: إذا حضروا قالوا بما يعرفونه … وإن لم يروا شيئا قبيحا تخرصوا ترى البطل المشهور في كل بلدة … إذا ما رأى العريان يوما يبصبص ثم كانت بينهم وقعة درب الحجارة، وكانت لأصحاب محمد الأمين على أصحاب طاهر، فقتل فيها خلق كثير. ثم كانت وقعة باب الشماسية، وأسر فيها هرثمة، وانتصر فيها أصحاب محمد، وأسر هرثمة رجل من العراة، ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل فقطع يده، وخلصه، فمر منهزما، وبلغ خبره أهل عسكره فتقوض بما فيه، وهرب أهله نحو حلوان، وكان على العراة حاتم بن الصقر. ثم نجد هرثمة وأصحابه طاهر بن الحسين وأصحابه، وقتلوا من العراة خلائق، فأيقن محمد بالهلاك، وهرب من عنده عبد الله بن خازم بن خزيمة إلى المدائن في السفن بعياله. وقيل في قتل العراة: كم قتيل قد رأينا … ما سألناه لأيش دارعا تلقاه عريا … ن بجهل وبطيش حبشيا يقتل النا … س على قطعة خيش مرتد بالشمس راض … بالمنى من كل عيش يحمل الحملة لا يقـ … ـتل إلا رأس جيش احذر الرمية يا طا … هر من كف الحبيشي ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرا هكذا، فلا قوة إلا بالله. وفيها قوي السفياني بالشام، واستولى على سائرها باليمانية، وهربت القيسية من الغوطة، ثم إنه توثب عليه مسلمة بن يعقوب الأموي المرواني، وقبض عليه في أثناء السنة وقيده، واستبد بالأمر وبايع لنفسه، فلم يبلع ريقه حتى حاصره ابن بيهس بدمشق أياما، ثم نصب على السور السلالم، كما يأتي.

стр. 4432

سنة ثمان وتسعين توفي فيها: إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي، أيوب بن تميم التميمي المقرئ بدمشق، سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي، صفوان بن عيسى الزهري - والأصح بعد ذلك -، عبد الرحمن بن مهدي أبو سعيد، عمر بن حفص العبدي - في قول -، عمرو بن الهيثم أبو قطن بصري ثقة، عنبسة بن خالد الأيلي، مالك بن سعير بن الخمس الكوفي، محمد بن شعيب بن شابور - في قول -، محمد بن معن الغفاري المدني تقريبا، مسكين بن بكير الحراني الحذاد، محمد بن هارون الأمين الخليفة قتل، معن بن عيسى القزاز المدني، يحيى بن سعيد القطان، يحيى بن عباد الضبعي البصري ببغداد. وفيها الحصار - كما هو - على بغداد، ففارق محمدا خزيمة بن خازم من كبار قواده، وقفز إلى طاهر بن الحسين هو ومحمد بن علي بن عيسى بن ماهان، فوثبا على جسر دجلة في ثامن المحرم فقطعاه، وركزا أعلامهما، وخلعا الأمين، ودعيا للمأمون، فأصبح طاهر بن الحسين، وألح في القتال على أصحاب محمد الأمين، وقاتل بنفسه، فانهزم أصحاب محمد، ودخل طاهر قسرا بالسيف، ونادى مناديه: من لزم بيته فهو آمن، ثم أحاط بمدينة المنصور، وبقصر زبيدة، وقصر الخلد، فثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش والأفارقة، فنصب المجانيق خلف السور وعلى القصرين ورماهم. فخرج محمد بأمه وأهله من القصر إلى مدينة المنصور، وتفرق عامة جنده وغلمانه، وقل عليهم القوت والماء، وفنيت خزائنه على كثرتها. وذكر عن محمد بن راشد: أخبرني إبراهيم بن المهدي أنه كان مع محمد بمدينة المنصور في قصر باب الذهب، فخرج ليلة من القصر من الضيق والضنك، فصار إلى قصر القرار فطلبني، فأتيت، فقال: ما ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر، وضوءه في الماء، فهل لك في الشراب؟ قلت: شأنك، فدعا برطل من نبيذ فشربه، ثم سقيت مثله، فابتدأت أغنيه من غير أن يسألني، لعلمي بسوء خلقه، فغنيت، فقال: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك، فدعا بجارية اسمها ضعف، فتطيرت من اسمها. ثم غنت بشعر النابغة الجعدي:

стр. 4433

كليب لعمري كان أكثر ناصرا … وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم فتطير بذلك، وقال: غني غير هذا، فغنت: أبكى فراقهم عيني فأرقها … إن التفرق للأحباب بكاء ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم … حتى تفانوا وريب الدهر عداء فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم … حتى أؤوب وما في مقلتي ماء فقال لها: لعنك الله، أما تعرفين غير هذا؟ فقالت: ظننت أنك تحب هذا! ثم غنت: أما ورب السكون والحرك … إن المنايا كثيرة الشرك ما اختلف الليل والنهار ولا … دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل السلطان عن ملك … قد زال سلطانه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبدا … ليس بفان ولا بمشترك فقال لها: قومي لعنك الله. فقامت فتعست في قدح بلور - له قيمة - فكسرته، فقال: ويحك يا إبراهيم، أما ترى، والله ما أظن أمري إلا وقد قرب. فقلت: بل يطيل الله عمرك، ويعز ملكك، فسمعت صوتا من دجلة: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان. فوثب محمد مغتما، ورجع إلى موضعه بالمدينة، فقتل بعد ليلة أو ليلتين. وحكى المسعودي في المروج (١)، قال: ذكر إبراهيم بن المهدي قال: استأذنت على الأمين في شدة الحصار، فإذا هو قد قطع دجلة بالشباك، وكان في القصر بركة عظيمة، يدخل من دجلة إليها الماء في شباك حديد، فسلمت وهو مقيم على الماء والخدم قد انتشروا في تفتيش الماء، وهو كالواله، فقال: لا تؤذيني يا عم، فإن مقرطتي قد ذهبت من البركة إلى دجلة، والمقرطة سمكة كانت قد صيدت له، وهي صغيرة، فقرطها بحلقتي ذهب، فيها جوهرتان، وقيل ياقوتتان، فخرجت وأنا آيس من فلاحه. وكان محمد فيما نقل المسعودي (٢)، في نهاية الشدة والبطش والحسن،

стр. 4434

إلا أنه كان مهينا، عاجز الرأي، ضعيف التدبير. وحكي أنه اصطبح يوما فأتي بسبع هائل على جمل في قفص، فوضع بباب القصر، فقال: افتحوه وخلوه، فقيل: يا أمير المؤمنين، إنه سبع هائل أسود كالثور، كثير الشعر، قال: خلوا عنه، ففعلوا، فخرج فزأر وضرب بذنبه الأرض، فتهارب الناس، وأغلقت الأبواب، وبقي الأمين وحده غير مكترث، فأتاه الأسد وقصده ورفع يده، فجذبه الأمين وقبض على ذنبه، وغمزه وهزه ورماه إلى خلف، فوقع السبع على عجزه فخر ميتا، وجلس الأمين كأنه لم يعمل شيئا، وإذا أصابعه قد تخلعت، فشقوا بطن الأسد فإذا مرارته قد انشقت على كبده. وعن محمد بن عيسى الجلودي قال: دخل على محمد بن زبيدة: حاتم بن الصقر، ومحمد بن الأغلب الإفريقي وقواده، فقالوا: قد آلت حالنا إلى ما ترى، وقد رأينا أن تختار سبعة آلاف رجل من الجند فتحملهم على هذه السبعة آلاف فرس التي عندك، وتخرج ليلا، فإن الليل لأهله، فتلحق بالجزيرة والشام، وتصير في مملكة واسعة يتسارع إليك الناس، فعزم على ذلك، فبلغ الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سليمان بن المنصور، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك: لئن لم تردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة، فدخلوا على محمد، وخوفوه من الذين أشاروا عليه أنهم يأخذونه أسيرا، ويتقربون به إلى المأمون، وضربوا له الأمثال، فخاف ورجع إلى قبول ما يبذلون له من الأيمان، ويخرج إلى هرثمة. وعن علي بن يزيد قال: وفارق محمدا سليمان بن المنصور، وإبراهيم بن المهدي ولحقا بعسكر المهدي، وقوي الحصار على محمد يوم الخميس والجمعة والسبت، وأشار عليه السندي بأنه ليس لهم فرج إلا عند هرثمة، فقال: وكيف لي بهرثمة، وقد أحاط الموت بي من كل جانب؟ فلما هم بالخروج إليه من دون طاهر، اشتد ذلك على طاهر، وقال: هو في حيزي، وأنا أحرجته بالحرب، ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دوني، فقالوا له: هو خائف منك، ولكن يدفع إليك الخاتم والقضيب والبرد، فلا تفسد هذا الأمر فرضي بذلك. ثم إن الهرش لما علم بذلك أراد التقرب إلى قلب طاهر، فقال في كتاب

стр. 4435

إليه: الذي قالوه لك مكر، ولا يدفعون إليك شيئا، فاغتاظ، وكمن حول قصر أم جعفر في السلاح والرجال، وذلك لخمس بقين من المحرم، فلما خرج محمد وصار في الحراقة رموه بالنشاب والحجارة، فانكفأت الحراقة، وغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها، فسبح محمد حتى صار إلى بستان موسى، فعرفه محمد بن حميد الطاهري، فصاح بأصحابه، فنزلوا ليأخذوه، فبادر محمد الماء، فأخذ برجله وحمل على برذون، وخلفه من يمسكه كالأسير. وعن خطاب بن زياد أن محمدا وهرثمة لما غرقا أتانا محمد بن حميد، فأسر إلى طاهر أنه أسر محمدا، فدعا طاهر بمولاه قريش الدنداني، فأمره بقتل محمد. وأما المدائني فروى عن محمد بن عيسى الجلودي: أن محمدا دعا بعد العشاء بفرس أدهم كان يسميه الزهيري، وقبل ولديه ودمعت عيناه، ثم ركب، وخرجنا بين يديه، فركبنا دوابنا، وبين يديه شمعة، وأنا أقيه بيدي خوفا من أن تجيئه ضربة سيف بغتة، ففتح لنا باب خراسان، وخرجنا إلى المشرعة، فإذا حراقة هرثمة فنزلها فرجعنا بالفرس، وغلقنا باب المدينة، ثم سمعنا الضجة، فصعدنا إلى أعلى الباب، فذكر عن أحمد بن سلام صاحب المظالم قال: كنت فيمن كان مع هرثمة من القواد في الحراقة، فلما دخل محمد الحراقة قمنا له، وجثا هرثمة على ركبتيه فقال: يا سيدي، لم أقدر على القيام لمكان النقرس، ثم قبل يديه ورجليه، وجعل يقول: يا سيدي ومولاي وابن مولاي، وجعل يتصفح وجوهنا، ونظر إلى عبيد الله بن الوضاح، فقال: أيهم أنت؟ قال: عبيد الله. قال: جزاك الله خيرا، فما أشكرني لما كان منك في أمر الثلج، فشد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والحراقات، وصيحوا، وتعلق بعضهم بالحراقة، وبعضهم يسوقها، وبعض يرمي بالآجر والنشاب، فنقبت الحراقة، فدخلها الماء، وغرقت، فعلق الملاح بشعر هرثمة فأخرجه وخرجنا، وشق محمد عنه ثيابه، ورمى بنفسه، فطلعت فعلق بي رجل من أصحاب طاهر، وذهب بي إليه، فقال: ما فعل محمد؟ قلت: قد رأيته حين شق ثيابه، وقذف بنفسه، فركب، وأخذت معهم وفي عنقي حبل، وأنا أعدو فتعبت، فقال الذي يجنبني: هذا ليس يعدو: انزل فجز رأسه، فقلت: جعلت فداك، ولم؟ وأنا رجل من الله في نعمة، ولم أقدر على العدو، وأنا أفدي نفسي بعشرة

стр. 4436

آلاف درهم، فقال: وأين هي؟ فقلت: حتى نصبح أنا أرسل من ترى أنت إلى وكيلي في منزلتي بعسكر المهدي، فإن لم يأتك بالعشرة آلاف فاقتلني، فأمر بحملي فحملت ردفا، وردوني إلى منزلتهم، وبعد هوي من الليل إذا نحن بحركة الخيل، ثم دخلوا وهم يقولون: بسر (١) زبيدة، فأدخل علي رجل عريان عليه سراويل وعمامة ملثم بها، وعلى كتفيه خرقة خلقة، فصيروه معي، ووكلوا بنا، فلما حسر العمامة عن وجهه إذا هو محمد، فاستعبرت، واسترجعت في نفسي، ثم قال: من أنت؟ قلت: أنا مولاك أحمد بن سلام، فقال: أعرفك كنت تأتيني بالرقة، قلت: نعم، قال: كنت تأتيني وتلطفني كثيرا، لست مولاي بل أنت أخي ومني. أُدْنُ مني، فإني أجد وحشة شديدة، فضممته إلي، ثم قال: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قلت: هو حي، قال: قبح الله صاحب البريد ما أكذبه، كان يقول لي قد مات، قلت: بل قبح الله وزراءك، قال: لا تقل، فما لهم ذنب، ولست بأول من طلب أمرا فلم يقدر عليه، قال: ما تراهم يصنعون بي؟ يقتلوني أو يفون لي بأمانهم؟ قلت: بل يفون لك يا سيدي، وجعل يمسك الخرقة بعضديه، فنزعت مبطنة علي، وقلت: ألقها، فقال: ويحك! دعني، فهذا من الله لي في هذا الموضع خير كثير. ثم قمت أوتر، فلما انتصف الليل دخل الدار قوم من العجم بالسيوف، فقام، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت - والله - نفسي في سبيل الله، أما من حيلة، أما من مغيث؟ فأحجموا عن التقدم، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضا، فقمت وصرت وراء الحصر الملففة، وأخذ محمد بيده وسادة، وقال: ويحكم إني ابن عم رسول الله، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي، فوثب عليه خمارويه - غلام لقريش الدنداني - فضربه بالسيف على مقدم رأسه، فضربه محمد بالوسادة، واتكى عليه ليأخذ السيف من يده، فصاح خمارويه: قتلني قتلني، فتكاثروا عليه فذبحوه من قفاه، وذهبوا برأسه إلى طاهر. وذكر عن أحمد بن سلام في هذه القصة، قال: فلقنته لما حدثته ذكر الله والاستغفار، فجعل يستغفر.

стр. 4437

قال: ونصب رأسه على حائط بستان، وأقبل طاهر يقول: هذا رأس المخلوع محمد، ثم بعث به مع البرد، والقضيب، والمصلى، وهو من سعف مبطن، مع ابن عمه محمد بن مصعب، فأمر له بألف ألف درهم، ولما رأى المأمون الرأس سجد. ولما بلغ إبراهيم بن المهدي قتل محمد، وأن جثته جرت بحبل بكى طويلا، ثم قال: عوجا بمغنى طلل داثر … بالخلد ذات الصخر والآجر والمرمر المسنون يطلى به … والباب باب الذهب الناضر وأبلغا عني مقالا إلى الـ … ـمولى عن المأمور والآمر قولا له: يا ابن ولي الهدى … طهر بلاد الله من طاهر لم يكفه أن جز أوداجه … ذبح الهدايا بمدى الجازر حتى أتى تسحب أوصاله … في شطن يفني به الشابر قد برد الموت على جفنه … فطرفه منكسر الناظر وبلغ ذلك المأمون فاشتد عليه. ثم إن طاهرا صلى بالناس يوم الجمعة، وخطبهم خطبة بليغة، ثم إن الجند وثبوا به للأرزاق، ولم يكن في يديه مال، فضاق به أمره، فخشي وهرب من البستان، وانتهبوا بعض متاعه، وأحرق الجند باب الأنبار، وحملوا السلاح يومهم، ومن الغد نادوا: موسى يا منصور، ثم تعبى طاهر ومن معه لقتالهم، فأتاه الوجوه، واعتذروا بأن ما جرى من فعل السفهاء والأحداث، فأمر لهم برزق أربعة أشهر، ووصل البريد إلى المأمون في ستة عشر يوما، وهو بمرو. ومما قيل في الأمين: لم نبكيك لماذا للطرب … يا أبا موسى وترويج اللعب ولترك الخمس في أوقاتها … حرصا منك على ماء العنب وشنيف أنا لا أبكي له … وعلى كوثر لا أخشى العطب لم تكن تصلح للملك ولا … تعطك الطاعة بالملك العرب لم نبكيك لما عرضتنا … للمجانيق وطورا للسلب

стр. 4438

وساق ابن جرير عدة قصائد في مراثيه (١). ولخزيمة بن الحسن على لسان أم جعفر قصيدة يقول فيها: أتى طاهر لا طهر الله طاهرا … فما طاهر فيما أتى بمطهر قد أخرجني مكشوفة الوجه حاسرا … وأنهب أموالي وأحرق آدري يعز على هارون ما قد لقيته … وما مر بي من ناقص الخلق أعور تذكر أمير المؤمنين قرابتي … فديتك من ذي حرمة متذكر قال ابن جرير (٢): ذكر عن محمد بن سعيد بن بحر قال: لما ملك محمد، ابتاع الخصيان، وغالى بهم، وصيرهم لخلوته، ورفض النساء، والجواري. وقال حميد: لما ملك وجه إلى البلدان في طلب الملهين، وأجرى لهم الأرزاق، واقتنى الوحوش والسباع والطيور، واحتجب عن أهل بيته وأمرائه واستخف بهم، ومحق ما في بيوت الأموال، وضيع الجواهر والنفائس، وبنى عدة قصور للهو في أماكن، وعمل خمس حراقات على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس، وأنفق في عملها أموالا، فقال أبو نواس (٣): سخر الله للأمين مطايا … لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برا … سار في الماء راكبا ليث غاب أسدا باسطا ذراعيه يهوي … أهرت الشدق كالح الأنياب وعن الحسين بن الضحاك قال: ابتنى الأمين سقيفة عظيمة، أنفق في عملها نحو ثلاثة آلاف ألف درهم. وعن أحمد بن محمد البرمكي، أن إبراهيم بن المهدي غنى محمد بن زبيدة: هجرتك حتى قلت: لا يعرف القلى … وزرتك حتى قيل: ليس له صبر فطرب محمد، وقال: أوقروا له زورقه ذهبا.

стр. 4439

وجاء عنه أخبار في مثل هذا، وكان كثير الأكل. قال أحمد بن حنبل: إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل بن علية، فإنه أدخل عليه فقال له: يا ابن الفاعلة، أنت الذي تقول: كلام الله مخلوق؟!. وفيها قوي محمد بن صالح بن بيهس الكلابي، وظهر على السفياني الذي خرج بدمشق، وحاصرها ثم نصب عليها السلالم، وتسورها أصحابه، وكان قد تغلب على دمشق مسلمة بن يعقوب الأموي، فهرب، وعمد إلى أبي العميطر، وكان في حبسه، ففك قيده، ثم خرجا بزي النساء في الأزر إلى المزة، واستولى ابن بيهس على البلد. ثم جرى بينه وبين أهل المزة وداريا حروب، وبقي حاكما على دمشق مدة من جهة المأمون إلى سنة ثمان ومائتين. وفي ذي الحجة خرج الحسن الهرج (١) في سفلة الناس، وخلق من الأعراب يدعو إلى الرضا من آل محمد، فأتى النيل، وجبى الخراج، وصادر التجار، ونهب القرى والمواشي. وفيها استعمل المأمون الحسن بن سهل أخا الفضل على جميع ما افتتحه طاهر بن الحسين من كور الجبال والعراق والحجاز واليمن، وكتب إلى طاهر أن يسير إلى الرقة لحرب نصر بن شبث، وولاه الجزيرة والشام ومصر والمغرب، وأمر هرثمة أن يرد إلى خراسان. وفي رمضان ثار أهل قرطبة بأميرهم الحكم بن هشام الأموي، وحاربوه لجوره وفسقه، وتسمى وقعة الربض (٢)، وهاج عليه أهل ربض البلد، وشهروا السلاح، وأحاطوا بالقصر، واشتد القتال، وعظم الخطب، واستظهروا على أهل القصر، فأمر الحكم أمراءه فحملوا عليهم، وأمر طائفة فنقبوا السور، وخرج منه عسكر، فأتوا القوم من وراء ظهورهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ونهبوا الدور، وأسروا، وعملوا كل قبيح، ثم أمر الحكم فانتقى من الأسرى ثلاثمائة من وجوه البلد، فصلبوا على النهر منكسين، وبقي النهب والقتل،

стр. 4440

والحريق في أرباض قرطبة ثلاثة أيام ثم أمنه، فهج أهل قرطبة، وتفرقوا أيادي سبأ ونهبوا في الطرق، ومضى منهم خلق إلى الإسكندرية فسكنها. سنة تسع وتسعين توفي فيها: إسحاق بن سليمان الرازي أبو يحيى، إبراهيم بن عيينة - في قول - وقد مر، حفص بن عبد الرحمن قاضي نيسابور، الحكم بن عبد الله أبو مطيع البلخي، سليمان بن المنصور أبي جعفر في صفر، سيار بن حاتم، شعيب بن الليث بن سعد في صفر، عبد الله بن نمير الخارفي الكوفي، عمر بن حفص العبدي بصري، عمرو بن محمد العنقزي الكوفي، محمد بن شعيب بن شابور ببيروت، الهيثم بن مروان العنسي الدمشقي، يونس بن بكير الكوفي راوي المغازي. وفيها قدم الحسن بن سهل من عند المأمون إلى بغداد، ففرق عماله في البلاد، وجهز أزهر بن زهير بن المسيب إلى الهرش في المحرم فقتل الهرش. وفي جمادى الآخرة خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن طباطبا، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يدعو إلى الرضا من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وكان القائم بأمره أبو السرايا سري بن منصور الشيباني، فهاجت الفتن، وتسرع الناس إلى ابن طباطبا، واستوسقت له الكوفة، وأتاه الأعراب وأهل النواحي، فجهز الحسن بن سهل لحربه زهير بن المسيب في عشرة آلاف، فالتقوا، فهزم زهير واستباحوا عسكره، وغنموا السلاح والخيل، وقووا، وذلك في سلخ جمادى الآخرة. فلما كان من الغد أصبح محمد بن إبراهيم بن طباطبا ميتا فجاءة، فقيل: إن أبا السرايا سمه لكون ابن طباطبا أحرز الغنيمة، ولم يحسن جائزة أبي السرايا، أو لغير ذلك، وأقام أبو السرايا في الحال مكانه شابا أمرد اسمه محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم جهز الحسن بن سهل جيشا، عليهم عبدوس بن محمد المروروذي لحرب أبي السرايا فالتقوا في رجب، فقتل عبدوس، وأسر عمه هارون بن أبي خالد، وقتل أكثر جيشه

стр. 4441

وأسروا، وقوي الطالبيون، وضرب أبو السرايا على الدراهم: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا. الآية. ثم سار أبو السرايا قدما حتى نزل بقصر ابن هبيرة، وجهز جيوشا إلى البصرة وإلى واسط فدخلوها، وواقعوا أمير واسط من جهة الحسن بن سهل فهزموه وانحاز إلى بغداد، وعظم ذلك على الحسن، فبعث يرد هرثمة بن أعين من حلوان لحرب أبي السرايا، فامتنع، فأرسل إليه ثانيا يلاطفه، فرجع هرثمة، وعقد له الحسن بن سهل على حرب أبي السرايا، وجهز معه منصور بن المهدي، فعسكر بنهر صرصر بإزاء أبي السرايا، والنهر بينهما، ثم تقهقر أبو السرايا فطلبه هرثمة، وقتل من تطرف من جنده. ثم كانت بينه وبينه وقعة عند قصر ابن هبيرة، قتل فيها خلق من أصحاب أبي السرايا، فتحيز إلى الكوفة، وعمد محمد بن محمد والطالبيون إلى دور العباسيين بالكوفة وضياعهم، فأحرقوا ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم من الكوفة. ثم وجه أبو السرايا على المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسين (١) بن علي بن أبي طالب، فدخلها ولم يقاتله أحد. ووجه على مكة والموسم حسين بن حسن الأفطس بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فلما قرب توقف عن مكة هيبة لمن فيها، وأميرها داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي العباسي، فلما بلغ أميرها داود ذلك، جمع موالي بني العباس وعبيد حوائطهم (٢). وكان مسرور الخادم قد حج في تلك السنة في مائتي فارس، فقال لداود: أقم لي شخصك أو شخص بعض ولدك، وأنا أكفيك قتالهم، فقال داود: لا أستحل القتال في الحرم، ولئن دخلوا من هذا الفج لأخرجن من الفج الآخر، فقال: تسلم مكة وولايتك إلى عدوك؟ فقال داود: أي حال لي؟ والله لقد

стр. 4442

أقمت معكم حتى شخت، فما وليت ولاية، حتى كبرت وفني عمري، فولوني من الحجاز ما فيه القوت، وإنما هذا الملك لك ولأشباهك، فقاتل عليه أو دع. ثم انحاز داود إلى جهة المشاش بأثقاله، فوجه بها على درب العراق، وافتعل كتابا من المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم، وقال له: اخرج فصل بالناس بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبت بمنى، وصل الصبح، ثم اركب دوابك فانزل طريق عرفة، وخذ على يسارك في شعب عمرو حتى تأخذ طريق المشاش، حتى تلحقني ببستان ابن عامر، ففعل ذلك، فخاف مسرور وخرج في أثر داود راجعا إلى العراق، وبقي الوفد بعرفة، فلما زالت الشمس حضرت الصلاة، فتدافعها قوم من أهل مكة، فقال أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، وهو المؤذن وقاص الجماعة: إذا لم تحضر الولاة يا أهل مكة، فليصل قاضي مكة محمد بن عبد الرحمن المخزومي، وليخطب بهم، قال: فلمن أدعو، وقد هرب هؤلاء، وأطل هؤلاء على الدخول؟ قال: لا تدع لأحد، قال: بل تقدم أنت، فأبى الأزرقي، حتى قدموا رجلا فصلى الصلاتين بلا خطبة، ثم مضوا فوقفوا بعرفة، ثم دفعوا بلا إمام، وحسين بن حسن متوقف بسرف، فبلغه خلو مكة وهروب داود، فدخلها قبل المغرب في نحو عشرة، فطافوا وسعوا ومضوا بعد المغرب فأتوا عرفة ليلا، فوقفوا ساعة، وأتى مزدلفة فصلى بالناس الفجر، ثم إنه أقام بمكة، وعسف وظلم وصادر التجار، وكانت أعوانه تهجم بيوت التجار لأجل الودائع، فيتهمون البريء ويعذبونه، وأخذ ما في خزائن الكعبة من مال. وأما هرثمة فواقع أبا السرايا ثانيا فانكسر، ثم ثبت وانهزم أصحاب أبي السرايا، ثم أخذ هرثمة يكاتب رؤساء الكوفة. وفيها وثب علي بن محمد بن جعفر الصادق بالبصرة، واستولى عليها من غير حرب. وظهر باليمن إبراهيم أخو علي بن موسى الرضا، فنفى عاملها عنها، وسبى، وأخذ الأموال، وكان يقال له الجزار لكثرة من قتل.

стр. 4443

سنة مائتين توفي فيها: أسباط بن محمد الكوفي في المحرم، أمية بن خالد البصري أخو هدبة، أيوب بن المتوكل البصري المقرئ، أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي، سلم بن قتيبة الخراساني بالبصرة، سيار بن حاتم العنزي فيها بخلف، صفوان بن عيسى الزهري البصري، عمر بن عبد الواحد السلمي الدمشقي، عبد الملك بن الصباح المسمعي بصري، عمارة بن بشر فيها حدث بدمشق، قتادة بن الفضيل الرهاوي، مبشر بن إسماعيل الحلبي، محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني، محمد بن الحسن الأسدي ابن التل، محمد بن حمير السليحي الحمصي، محمد بن شعيب بن شابور قاله دحيم، معاذ بن هشام الدستوائي، معروف الكرخي العابد على الأصح، المغيرة بن سلمة المخزومي بصري، أبو البختري القاضي وهب بن وهب. وفيها هرب أبو السرايا والطالبيون من الكوفة في المحرم إلى القادسية، فدخلها هرثمة ومنصور بن المهدي وأمنوا أهلها، ثم أتى أبو السرايا إلى ناحية واسط، ثم مضى حتى أتى السوس، وأنفق الأموال، فجاءهم الحسن بن علي الباذغيسي فأرسل إليهم: اذهبوا حيث شئتم، فلا حاجة لي في قتالكم، ولست بتابعكم، فأبى أبو السرايا إلا قتاله، فالتقوا، فهزمهم الحسن واستباح عسكرهم، وجرح أبو السرايا، وهرب هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك، وطلبوا ناحية رأس العين والجزيرة. فلما انتهوا إلى جلولاء عثر بهم حماد الكندغوش فأخذهم، وجاء بهم إلى الحسن بن سهل وهو بالنهروان، فقتل أبا السرايا في عاشر ربيع الأول، وبعث محمد بن محمد بن زيد بن علي إلى مرو إلى المأمون. وسار علي بن أبي سعيد إلى البصرة فافتتحها، وكان بها زيد بن موسى بن جعفر أخو علي بن موسى الرضا، وهو الذي يقال له زيد النار، سمي بذلك لكثرة ما حرق من دور العباسيين بالبصرة. وكان يؤتى بالرجل من المسودة فيحرقه بالنار، وانتهب تجار البصرة، فأسره علي بن أبي سعيد، واختفى العلويون. وأما حسين بن حسن الأفطس فبدع بمكة حتى نزح طائفة من أهلها، فهدم

стр. 4444

دورهم، وأخذ أبناءهم، وجعل أصحابه يحكون ما على الأساطين من الذهب اليسير، ويقلعون الشبابيك، فبلغهم قتل أبي السرايا، فأتى حسين إلى محمد بن جعفر الصادق - وكان شيخا فاضلا محببا إلى الناس - تاركا للخروج، قد روى العلم عن أبيه، فقال: قد تعلم حالك في الناس، فابرز نبايعك بالخلافة، فلا يختلف عليك اثنان، فأبى ذلك، فلم يزل به ابنه علي وحسين بن حسن حتى غلبا الشيخ على رأيه، فأقاموه يوم الجمعة في ربيع الآخر، فبايعوه، وحشروا الناس لمبايعته طوعا وكرها، فأقام كذلك أشهرا. ووثب حسين على امرأة قرشية بارعة الحسن، فأخذها قهرا من بيت زوجها، وبقيت عنده أياما، ثم هربت. ووثب علي بن محمد على أمرد بديع الجمال، فأخذه من دارهم، وأركبه فرسه في السرج، وركب على الكفل، وذهب به في السوق حتى خرج به إلى بئر ميمون في طريق منى. فاجتمع أهل مكة والمجاورون، وغلقت الأسواق، وأتوا محمد بن جعفر، وقالوا: والله لنخلعنك، ولنقتلنك، أو لتردن هذا الغلام الذي أخذه ابنك جهرة، فقال: والله ما علمت، وأمر حسينا أن يذهب إلى ابنه، فقال: إنك والله لتعلم أني لا أقوى على ابنك، وأخاف محاربته، فقال محمد بن جعفر لأهل مكة: أمنوني حتى أركب إليه، فأمنوه فركب حتى صار إلى ابنه وأخذ الغلام فسلمه إلى أهله. وبعد قليل أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد العباسي فارا عن اليمن، لتغلب إبراهيم بن موسى بن جعفر عليها، فنزل المشاش؛ فاجتمع العلويون إلى محمد بن جعفر فقالوا: قد رأينا أن نخندق علينا بأعلى مكة، ثم حشدوا الأعراب، فقاتلهم إسحاق أياما، ثم كره الحرب وطلب العراق، فلقيه ورقاء بن جميل في جند، فقال: ارجع بنا إلى مكة، فرجع. واجتمع إلى محمد غوغاء أهل مكة، وسودان أهل المياه والأعراب، فعبأهم ببئر ميمون، وأقبل ورقاء وإسحاق بن موسى بمن معهما من القواد، والجند فالتقوا، وقتل جماعة، ثم تحاجزوا؛ ثم التقوا من الغد، فانهزم محمد وأهل مكة، وطلب محمد الأمان، فأجلوه ثلاثا، ثم نزح عن مكة، ودخلها إسحاق وورقاء في جمادى الآخرة. وتفرق الطالبيون عن مكة كل قوم ناحية، فأخذ محمد ناحية جدة، ثم طلب الجحفة، فخرج عليه محمد بن حكيم من موالي آل العباس قد كان الطالبيون انتهبوا داره بمكة، وبالغوا في عذابه، فجمع

стр. 4445

عبيدا، ولحق محمدا بقرب عسفان، فانتهب جميع ما معه حتى بقي في وسطه سروايل، وهم بقتله، ثم رحمه وطرح عليه ثوبا وعمامة، وأعطاه دريهمات. فمضى وتوصل إلى بلاد جهينة على الساحل، فأقام هناك أشهرا يجمع الجموع، فكان بينه وبين والي المدينة هارون بن المسيب وقعات عند الشجرة وغيرها، فهزم محمد، وفقئت عينه بسهم، وقتل خلق من أصحابه، ورد إلى موضعه. ثم طلب الأمان من الجلودي، ومن ابن عم الفضل بن سهل رجاء، ورد إلى مكة في آخر السنة، فصعد عيسى بن يزيد الجلودي المنبر بمكة، وصعد دونه محمد بن جعفر، عليه قباء أسود؛ فخلع نفسه، واعتذر عن خروجه بأنه بلغه موت المأمون، وقد صح عنده الآن أنه حي، وخلع نفسه، واستغفر من فعله، ثم خرج به عيسى الجلودي إلى العراق، واستخلف على مكة ابنه محمد بن عيسى، فبعث الحسن بن سهل بمحمد إلى المأمون. وأقام الحج أبو إسحاق المعتصم ابن الرشيد. وأما هرثمة، فلما فرغ من حرب أبي السرايا سار نحو خراسان، فأتته الكتب من المأمون أن يرجع فيلي الشام أو الحجاز، فقال: لا أرجع حتى آتي أمير المؤمنين، إدلالا منه عليه، وليشافهه بمصالح، وليؤذي الفضل بن سهل بأنه ليس بناصح له. ففهم الفضل مراده، فقال للمأمون: إن هرثمة قد ظاهر عليك عدوك، وعادى وليك، وخالف كتبك، وإن خليته كان ذلك مفسدة لغيره. فتوحش عليه، وأبطأ هرثمة، ثم قدم في أواخر السنة، فقال له المأمون: مالأت علينا العلويين، وداهنت، وحسنت في السر لأبي السرايا الخروج. فذهب هرثمة ليتكلم ويدفع عن نفسه، فلم يقبل ذاك منه، وأمر به، فوجئ على أنفه، وديس بطنه، وسحب وحبس، ودس الفضل إلى الأعوان الغلظة عليه، ثم قتلوه، وقيل: مات. وفيها هاج الجند ببغداد، لكون الحسن بن سهل لم ينصفهم في العطاء، وبقيت الفتنة أياما. وفيها وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك، وهو الذي قدم عليه محمد بن جعفر ومعه فرناس الخادم، لإشخاص علي بن موسى الرضا. وفيها أحصي ولد العباس، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى.

стр. 4446

وفيها قتلت الروم ملكها أليون، وكان قد تملك عليهم سبع سنين ونصفا، ثم ملكوا عليهم ميخائيل بن جورجس ثانية. وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل، لكونه أغلظ له وقال له: يا أمير الكافرين (١).

стр. 4447

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الوفيات تراجم الأعيان في هذا العشر ١ - خ ت ق: أحمد بن بشير الكوفي، أبو بكر، مولى بني مخزوم عن: هاشم بن هاشم الزهري، والأعمش، وعبد الله بن شبرمة، ومجالد، وغيرهم، وعنه: محمد بن سلام البيكندي، وسلم بن جنادة، والحسن بن عرفة، وغيرهم. توفي سنة سبع وتسعين (١). ٢ - أحمد بن موسى بن أبي مريم، أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله الخزاعي البصري اللؤلؤي المقرئ. سمع: ابن عون، وأبان بن تغلب، وعاصم الجحدري، وروى القراءة عن: عيسى بن عمر، وعاصم الجحدري، وأبي عمرو بن العلاء، وإسماعيل القسط، وروى عنه: روح بن عبد المؤمن، ومحمد بن يحيى القطعي، وخليفة بن خياط، ونصر الجهضمي، ومحمد بن المثنى، وطائفة. قال أبو زرعة الرازي: صدوق قدري. وكناه مسلم (٢): أبا بكر. ٣ - إبراهيم بن الأغلب بن سالم التميمي القيرواني الشهيد، أمير المغرب. كان من وجوه جند مصر، فوثب بعد موت أبيه هو واثنا عشر رجلا بمصر، فأخذوا من بيت المال مقدار أرزاقهم، لم يزيدوا على ذلك، وهربوا فلحقوا بالزاب من نواحي قيروان. فاعتقد إبراهيم بن الأغلب على من كان في تلك

стр. 4448

الناحية من الجند وغيرهم الرياسة، وأقبل يهدي إلى هرثمة بن أعين أمير القيروان يومئذ ويلاطفه، ويعلمه أنني على الطاعة، وأنني ما دعاني إلا الحاجة ومطل الديون لي، فاستعمله هرثمة على ناحية الزاب، فكفاه أمرها وضبطها. وقدم على المغرب محمد بن مقاتل العكي، فأساء إلى الناس وظلم، فقاموا عليه فنجده ابن الأغلب، وأعاده إلى القيروان بعد أن طردوه منها، ثم كاتبوا الرشيد يستقيلونه من ابن مقاتل، فاستعمل عليهم ابن الأغلب لما رأى من نهضته وحسن طاعته، وانقياد أهل القيروان له. وكان فقيها، دينا، خطيبا، شاعرا، ذا رأي، وحزم، وبأس، ونجدة، وسيادة، وحسن سيرة، قل أن ولي إفريقية أحد مثله في العدل والسياسة، وقد طلب العلم، وأخذ عن الليث بن سعد وغيره، وكان الليث يكرمه، وأعطاه جارية حسناء هي أم ابنه زيادة الله، وكان له بمصر أخ اسمه عبد الله، محتشم نبيل، وانتقل أولاده إلى عند عمهم إبراهيم. وكان مما رفع منزلة إبراهيم بن الأغلب عند الرشيد ظفره بإدريس بن عبد الله بن حسن الحسني نزيل المغرب، فقتله. وأشار هرثمة بن أعين على الرشيد أيضا بتوليته، وبالغ في وصفه، فولاه في أثناء سنة أربع وثمانين ومائة. ورد محمد العكي إلى المشرق، وانقمع الشر بالمغرب، وحسن حال إفريقية به، وبنى مدينة سماها العباسية، وكان يتولى الصلاة بنفسه في جامع القيروان. وكان عالما عاملا بعلمه، عثر يوما في حصيرة المسجد، فدخل وقال لرؤساء الدولة: استنكهوني (١)، ففعلوا فقال: إني خشيت أن يقع لأحدكم أني سكران. وخرج عليه بتونس حمديس بن عبد الرحمن الكندي، فحاربه وظفر به، وقتل عشرة آلاف من عسكر حمديس في سنة ست وثمانين، وبعث برأس حمديس إلى الرشيد. وكان قائد جيوشه عمران بن مخلد، وكان نازلا عنده في قصره، ثم خرج

стр. 4449

على ابن الأغلب وحشد، واستولى على أكثر بلاد إفريقية، وخندق إبراهيم على نفسه وأقامت الحرب بينهما سنة، وهما كفرسي رهان، فأمده الرشيد بخزانة مال مع جماعة قواد، فقوي ابن الأغلب، وتقلل الجند عن ابن مخلد، والتفوا على ابن الأغلب لأخذ أعطياتهم. توفي ابن الأغلب على إمرة المغرب لثمان بقين من شوال سنة ست وتسعين ومائة، وله ست وخمسون سنة، وولي بعده ابنه عبد الله، فأمن عمران وأكرمه وصيره معه في قصره. ثم خاف غائلته فقتله. واشتغل الأمين والمأمون بأنفسهما، واختبط أمر المغرب وغيرها. ٤ - أبان بن عبد الحميد الرقاشي، مولاهم البصري الشاعر الشهير. مقدم في الشعر والأدب، وله بصر بالعلم والفقه، وكان دينا خيرا متألها، متهجدا، نظم للبرامكة كتاب كليلة ودمنة أرجوزة في أربعة آلاف بيت، فأجازه الوزير يحيى بن خالد بعشرة آلاف دينار، فتصدق بنصفها. أثنى عليه الخطيب، وذكره في تاريخه (١). ٥ - ت: إبراهيم بن صدقة. أبو عامر الأنصاري بصري، قليل الرواية، سمع: يونس بن عبيد، وسفيان بن حسين، وعنه: محمد بن المثنى العنزي، وأحمد بن نصر المقرئ (٢). ٦ - ت ن: إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي المكي. عن: جده، وأبيه، وعنه: الشافعي، والحميدي، وجماعة (٣). ٧ - د ن ق: إبراهيم بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، مولاهم، الكوفي، أخو سفيان وعمران وآدم ومحمد، يكنى أبا إسحاق. روى عن: أبي حيان يحيى بن سعيد التيمي، ومسعر بن كدام، وعمرو بن

стр. 4450

منصور الهمداني، وعنه: أحمد بن بديل، ويحيى بن معين، وعلي بن محمد الطنافسي، والحسن بن علي بن عفان العامري، وهو آخر أصحابه موتا. توفي سنة سبع وتسعين أيضا (١). قال النسائي: ليس بالقوي (٢). ٨ - إبراهيم بن هدبة، أبو هدبة البصري. يحدث عن أنس بالأباطيل، روى عنه: حميد بن الربيع، ومحمد بن عبيد الله ابن المنادي، وسعدان بن نصر، والخضر بن أبان، وله عنه نسخة، ورستة. قال أبو نعيم الحافظ (٣): قدم أصبهان فحدث على المنبر عن أنس، فرفع ذلك إلى جرير بن عبد الحميد، فصدقه. قال: وكان المأمون أيضا يصدقه. قلت: وتصديقهما لا ينفعه، فإنه ذاهب الحديث، متهم عند الحفاظ بالكذب، ولمحمد بن سليم المعري عنه نسخة. قال عباس (٤): سمعت يحيى بن معين يقول: قدم أبو هدبة، فاجتمع عليه الخلق، فقالوا له: أخرج رجلك، خافوا أن تكون رجله رجل حمار أو شيطان. وقال أحمد بن سنان القطان: سمعت محمد بن بلال الكندي يقول: كان أبو هدبة عدو الله يحفل الغنم عندنا بواسط. وقال أبو حاتم الرازي (٥): كذاب. قلت: بقي إلى سنة مائتين. ٩ - ن: إبراهيم بن يزيد بن مردانبة الكوفي، مولى عمرو بن حريث. عن: رقبة بن مصقلة، وإسماعيل بن أبي خالد، وعنه: أبو كريب، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن المثنى، وجماعة (٦).
следующие страницы →