نفوسهم في النصح، فكان مآلهم إلى القتل.
قال المسعودي (١): إلى وقتنا هذا، ما ولي الخلافة هاشمي ابن هاشمية، سوى علي ﵁ ومحمد بن زبيدة، يعني الأمين.
وقد مر في الحوادث دولة الأمين وحروبه وما صار إليه.
وكناه بعضهم أبا موسى.
عاش سبعا وعشرين سنة. وآخر أمره خلع ثم أسر وقتل صبرا في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة بظاهر بغداد، وطيف برأسه.
الصولي: حدثنا أبو العيناء: قال: حدثني محمد بن عمرو الرومي قال: خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه، فجلس يبكي، وجعل الأمين يمسح الدم عن وجهه ثم قال:
ضربوا قرة عيني … من أجلي ضربوه
أخذ الله لقلبي … من أناس أحرقوه
قال: ولم يؤاته طبعه لزيادة، فأحضر عبد الله بن أيوب التيمي الشاعر، وقال له: قل عليهما، فقال:
ما لمن أهوى شبيه … فبه الدنيا تتيه
وصله حلو ولكن … هجره مر كريه
من رأى الناس له … فضلا عليهم حسدوه
مثل ما قد حسد القا … ئم بالملك أخوه
فقال الأمين: أحسنت والله، بحياتي، يا عباسي انظر، فإن كان جاء على ظهر فأوقره له، وإن كان جاء في زورق فأوقره له. قال: فأوقر له ثلاثة أبغل دراهم.
وقيل: إن سليمان بن منصور رفع إلى الأمين أن أبا نواس هجاه، فقال: يا عم أأقتله بعد قوله:
أهدي الثناء إلى الأمين محمد … ما بعده بتجارة متربص
صدق الثناء على الأمين محمد … ومن الثناء تكذب وتخرص
стр. 4587
قد ينقص البدر المنير إذا استوى … وبهاء نور محمد ما ينقص
وإذا بنوا المنصور عد حصاهم … فمحمد ياقوتها المتخلص
فغضب سليمان، فقال الأمين: فكيف يا عم أعمل بقوله، وأنشده أبياتا أخر، ثم أبياتا، ثم أرضى سليمان بحبس أبي نواس.
وكانت خلافته أربع سنين وأياما (١).
٢٩٧ - د ت: محمد بن يحيى بن قيس أبو عمر الشيباني (٢)
عن: أبيه، وموسى بن عقبة، وابن جريج، وعنه: قتيبة، والقواريري، ومحمد بن مهران الجمال، ومحمد بن يحيى العدني.
وثقه الدارقطني (٣) وأباه.
٢٩٨ - ن م في مقدمته: مخلد بن الحسين أبو محمد الأزدي المهلبي البصري، نزيل المصيصة.
وكان أحد أوعية العلم. روى عن: موسى بن عقبة، وهشام بن حسان، ويونس الأيلي، والأوزاعي، وعدة، وعنه: حجاج الأعور، والحسن بن الربيع البوراني، وأبو صالح محبوب الفراء، والمسيب بن واضح، وموسى بن أيوب النصيبي، وجماعة.
قال أحمد العجلي (٤): ثقة، رجل صالح عاقل.
وقال أبو داود (٥): كان أعقل أهل زمانه.
وروي أن هارون الرشيد قال له: ما قرابة بينك وبين هشام بن حسان؟ فقال: هو والد إخوتي، يعني لم يقل زوج أمي.
قال سنيد بن داود: سمعت مخلد بن الحسين يقول: ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين، ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلو فيه، وإما تقصير عنه.
стр. 4588
مات مخلد سنة إحدى وتسعين ومائة.
وعن بعضهم أنه توفي سنة ست وتسعين ومائة (١).
٢٩٩ - خ م د ن ق: مخلد بن يزيد الحراني.
عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، وجعفر بن برقان، وحنظلة بن أبي سفيان، والأوزاعي، وعنه: أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وابن نمير، ومحمد بن سلام البيكندي، وآخرون.
قال أبو حاتم (٢): صدوق.
قلت: مجمع على ثقته.
مات سنة ثلاث وتسعين ومائة (٣).
٣٠٠ - مرجى بن وداع الراسبي البصري.
عن: عطاء السليمي الزاهد، وغالب القطان، وأيوب بن وائل، وجماعة.
وعنه: سيار بن حاتم، وعارم، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الحسين الدرهمي، وجماعة.
قال أبو حاتم (٤): لا بأس به.
وقال ابن معين (٥): ضعيف.
٣٠١ - ع: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن عيينة بن حصن الفزاري الحافظ أبو عبد الله الكوفي نزيل مكة، ثم دمشق، وهو ابن عم الإمام أبي إسحاق الفزاري.
روى عن: حميد الطويل، وعاصم الأحول، وابن أبي خالد، وأبي مالك سعد بن طارق الأشجعي، ومحمد بن سوقة، وموسى الجهني، وخلق كثير فيهم عدد من المجاهيل، فإنه كان طلابة للحديث، يكتب عن كل أحد.
روى عنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو خيثمة، والحسين بن حريث، والحسن بن عرفة، ودحيم، وأبو كريب، ومحمد بن هشام بن ملاس، وأمم سواهم.
стр. 4589
قال أحمد بن حنبل: ثبت حافظ، كان يحفظ حديثه كله.
وقال ابن المديني: ثقة فيما روى عن المعروفين.
وقال غيره: أكثر عن المجهولين، فينبغي أن يتأمل حال شيوخه، وهو في نفسه ثقة.
قال محمد بن عبد الله بن نمير: كان يلتقط الشيوخ من السكك.
وقال يحيى بن معين (١): وجدت عند مروان بخطه: وكيع رافضي، فقلت له: وكيع خير منك. فسبني.
وقيل: كان مروان فقيرا معيلا، كان الناس يبرونه.
قيل: مات فجاءة في عشر ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ومائة (٢).
٣٠٢ - مزاحم بن زفر التيمي الكوفي أخو عثمان بن زفر.
روى عن: فطر بن خليفة، وشعبة، وأيوب بن خوط، وعنه: أبو مسهر، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وهارون بن موسى، وأبو الربيع الزهراني، وكان من أشراف أهل الكوفة.
حدث بدمشق، ولا رواية له في الكتب الستة.
وقد وثقه ابن حبان (٣).
وله سمي وهو:
• - مزاحم بن زفر. من طبقة صغار التابعين، قد ذكر (٤).
٣٠٣ - مسعدة بن اليسع الباهلي البصري أحد الضعفاء.
عن: بهز بن حكيم، وجعفر بن محمد، ومحمد بن أبي حميد، وعنه: عمر بن حفص، والحسن بن عرفة، وأحمد بن أبي الحواري، ومغيرة بن معمر، ومحمد بن وزير الواسطي.
قال أحمد بن حنبل (٥): خرقنا حديثه منذ دهر.
روى ذلك البخاري (٦)
стр. 4590
عن أحمد.
وقال أبو حاتم (١): يكذب على جعفر بن محمد.
وكذا كذبه أبو داود (٢).
محمد بن وزير، حدثنا مسعدة بن اليسع، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (٣) أن رسول الله ﷺ كسا عليا عمامة يقال لها السحاب، فأقبل وهي عليه، فقال ﵇: ها علي قد أقبل في السحاب، قال جعفر بن محمد: قال أبي: فحرفها هؤلاء، وقالوا: علي في السحاب.
٣٠٤ - خ م د ن: مسكين بن بكير الحراني الحذاء أبو عبد الرحمن.
عن: ثابت بن عجلان، وأرطاة بن المنذر، وجعفر بن برقان، والأوزاعي، وشعبة، وعنه: النفيلي، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن أبي شعيب الحراني، وولده الحسن بن أحمد، ومحمد بن وهب بن أبي كريمة، وموسى بن أيوب النصيبي، وآخرون.
قال أبو حاتم (٤): لا بأس به، صالح الحديث.
وقال غير واحد: صدوق.
وقيل: له عن شعبة ما ينكر.
وقال أبو أحمد الحاكم: له مناكير كثيرة، كذا قال.
قيل: مات سنة ثمان وتسعين ومائة (٥).
٣٠٥ - صريع الغواني، مسلم بن الوليد مولى الأنصار، أبو الوليد.
أحد فحول الشعراء. مدح الرشيد، وآل برمك، وسار شعره.
ويقال: إن الرشيد هو الذي لقبه بصريع الغواني لقوله:
أديرا علي الكأس لا تشربا قبلي … ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
هل العيش إلا أن تروح مع الصبا … وتغدو صريع الكأس والأعين النجل
стр. 4591
وهو القائل:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه … فطيب تراب القبر دل على القبر
ومن هجائه وأقذع:
أما الهجاء فدق عرضك دونه … والمدح عنك كما علمت كليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه … عرض عززت به، وأنت ذليل
قال الخطيب (١): ومسلم بن الوليد كوفي نزل بغداد، وكان مداحا مفوها بليغا.
قال بعضهم: لمسلم ثلاثة أبيات: أرثى بيت، وأمدح بيت، وأهجى بيت.
فالأول:
أرادوا ليخفوا قبره.
والثاني قوله:
يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها … والجود بالنفس أقصى غاية الجود
والثالث قوله:
قبحت مناظره، فحين خبرته … حسنت مناظره لقبح المخبر
وله في الشيب بيت سائر:
أكره شيبي، وآسى أن يزايلني … أعجب بشيء على البغضاء مودود
وله يمدح يزيد بن مزيد:
يكسو السيوف نفوس الناكثين بها … ويجعل الهام تيجان القنا الذبل
إذا انتضى سيفه كانت مسالكه … مسالك الموت في الأبدان والقلل
كالليث إن هجته فالموت راحته … لا يستريح إلى الأيام والدول
قد عود الطير عادات وثقن بها … فهن يصحبنه في كل مرتحل
لله من هاشم في أرضه جبل … وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
وله في جعفر بن يحيى البرمكي:
كأنه قمر أو ضيغم هصر … أو حية ذكر أو عارض هطل
لا يضحك الدهر إلا حين تسأله … ولا يعبس إلا حين لا تسأل
٣٠٦ - مسروح أبو شهاب الكوفي.
стр. 4592
عن: الحسن بن عمارة، وسفيان الثوري، وعمرو بن خالد، وعنه: يزيد بن موهب الرملي، وعمر بن زرارة الحدثي.
قال أبو أحمد الحاكم: ليس حديثه بالقائم.
٣٠٧ - مسلمة بن يعقوب بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان الأموي.
أحد أشراف الشاميين، كان أحد من خرج على الدولة العباسية، وذلك أن أبا العميطر الأموي السفياني لما ظهر، وغلب على دمشق في سنة خمس وتسعين ومائة، وبعدها تمكن مسلمة هذا من الأمور، وعمل على أبي العميطر، وقبض عليه؛ لأن أبا العميطر كان شيخا كبيرا، فقيده ودعا إلى نفسه، وبايعوه، ثم قام عليه محمد بن صالح بن بيهس الكلابي أمير العرب، فأخذ منه دمشق فبادر مسلمة، وفك قيد أبي العميطر، وخرجا هاربين بزي النساء إلى المزة.
ثم إن مسلمة جاءه الموت بالمزة، فصلى عليه أبو العميطر، ثم مات بعده بقليل، وعموا قبره لئلا ينبش، وذلك في حدود المائتين (١).
٣٠٨ - مسهر بن عبد الملك بن سلع الهمداني الكوفي.
روى عن: أبيه، وعن: الأعمش، وعيسى بن عمر القارئ، وعنه: إسحاق بن راهويه، والحسن بن علي الحلواني، ومحمد بن عبد الله المخرمي، وجماعة.
قال البخاري (٢): فيه بعض النظر.
٣٠٩ - مطرف بن مازن قاضي صنعاء.
روى عن: ابن جريج، ومعمر، وعنه: الشافعي، وداود بن رشيد.
وكان من الأخيار الصلحاء، لكنه واه.
قال النسائي (٣): ليس بثقة.
وقال ابن معين (٤): كذاب.
وأسقطه ابن حبان (٥)، وضعفه آخرون.
стр. 4593
وأما أبو أحمد بن عدي فقال (١): لم أر له شيئا منكرا.
وسمعت عمر بن سنان قال: حدثنا حاجب بن سليمان قال: كان مطرف بن مازن قاضي صنعاء، وكان رجلا صالحا، فأتاه رجل، فقال: حلفت بطلاق امرأتي ثلاثا أني أخرأ على رأسك فقام ودخل، ووضع على رأسه منديلا، ثم قال للرجل: اصعد واقلل، أو كما قال.
٣١٠ - ق: مطهر بن الهيثم الطائي البصري.
روى عن: علقمة بن أبي جمرة الضبعي، وموسى بن علي بن رباح، وعنه: عباد بن الوليد الغبري، ومحمد بن المثنى، وعبد الرحمن بن محمد بن منصور كزبران، وجماعة.
قال ابن حبان (٢): منكر الحديث.
وقال ابن يونس: متروك (٣).
٣١١ - ع: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان الإمام أبو المثنى العنبري التميمي البصري الحافظ، قاضي البصرة.
روى عن: حميد، وسليمان التيمي، وابن عون، وبهز بن حكيم، وعوف، ومحمد بن عمرو، وشعبة، وآخرون، وعنه: ابناه عبيد الله، والمثنى، وأحمد، وإسحاق، وبندار، وإسحاق بن موسى، وعبد الله بن هاشم الطوسي، وسعدان بن نصر، وخلق كثير.
قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، ما رأيت أحدا أعقل منه.
وقال يحيى بن سعيد القطان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ.
قلت: كان من أقران القطان.
قال النسائي: ثقة ثبت.
стр. 4594
وقال ابن معين (١)، وأبو حاتم (٢): ثقة.
قلت: يحيى القطان أسن منه بشهرين.
قال أحمد بن حنبل: ولد معاذ بن معاذ سنة ست عشرة ومائة.
وقال المدائني: كان جده نصر واليا لخالد القسر بإصطخر، ومات معاذ بن نصر في حياة نصر سنة تسع عشرة ومائة.
قلت: مات معاذ بن معاذ في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائة (٣).
٣١٢ - ع: معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي البصري الحافظ.
عن: أبيه، وابن عون، وأشعث بن عبد الملك، وغيرهم، وعنه: أحمد بن حنبل، وإسحاق، وبندار، وابن المديني، ومحمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وعمرو الفلاس، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن المثنى، وإسحاق الكوسج، ويزيد بن سنان البصري، وجماعة.
قال ابن عدي (٤): ربما يغلط، وأرجو أنه صدوق.
وروى عباس، عن ابن معين (٥): صدوق، وليس بحجة.
وقال عباس بن عبد العظيم الحافظ: كان عنده عن أبيه عشرة آلاف حديث.
قلت: وفاته في ربيع الآخر سنة مائتين (٦).
٣١٣ - معروف الكرخي.
هو زاهد العراق، وشيخ الوقت أبو محفوظ معروف بن الفيرزان، وقيل ابن فيروز، من أهل كرخ بغداد.
وقيل: كنيته أبو الحسن.
وكان أبوه من أعمال واسط من الصابئة.
وعن أبي علي الدقاق قال: كان أبواه نصرانيين فأسلماه إلى مؤدب نصراني، فكان يقول له: قل ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هو الواحد،
стр. 4595
فيضربه. فهرب، فكان أبواه يقولان: ليته رجع. ثم أسلم أبواه.
وذكر السلمي (١) أن معروفا صاحب داود الطائي، ولم يصح.
أنبأنا المسلم بن علان، ومؤمل البالسي قالا: أخبرنا الكندي، قال: أخبرنا الشيباني، قال: أخبرنا الخطيب، قال (٢): أخبرنا ابن رزق، قال: حدثنا عثمان بن أحمد، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا معروف الكرخي: قال: حدثني الربيع بن صبيح، عن الحسن (٣)، عن عائشة قالت: لو أدركت ليلة القدر ما سألت الله إلا العفو والعافية.
أخبرنا محمد بن علي السلمي، قال: أخبرنا البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: أخبرتنا تجني الوهبانية، قالت: أخبرنا الحسين بن طلحة، قال: أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه، قال: أخبرنا إسماعيل الصفار، قال: حدثنا زكريا بن يحيى بن أسد المروزي، قال: حدثنا معروف الكرخي قال: قال بكر بن خنيس: إن في جهنم لواديا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات، وإن في الوادي لجبا يتعوذ الوادي وجهنم من ذلك الجب كل يوم سبع مرات، وإن في الجب لحية يتعوذ الجب والوادي وجهنم من تلك الحية كل يوم سبع مرات، يبدأ بفسقة حملة القرآن، فيقولون: أي رب بدئ بنا قبل عبدة الأوثان؟! قيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم.
وقد روى معروف عن بكر بن خنيس، وابن السماك شيئا يسيرا، وعن: الربيع بن صبيح.
روى عنه: خلف البزار، وزكريا بن يحيى المروزي، ويحيى بن أبي طالب، وغيرهم.
وقد ذكر معروف عند أحمد بن حنبل فقالوا: قصير العلم، فقال للقائل: أمسك، وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف؟.
قال إسماعيل بن شداد: قال لنا سفيان بن عيينة: ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم ببغداد؟. قلنا: من هو؟ قال: أبو محفوظ، معروف. قلنا: بخير. قال: لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم.
стр. 4596
وقال السراج: حدثنا أبو بكر بن أبي طالب قال: دخلت مسجد معروف، فخرج، وقال: حياكم الله بالسلام، ونعمنا وإياكم بالأحزان، ثم أذن، فارتعد ووقف شعره، وانحنى حتى كاد يسقط.
وعن معروف قال: إذا أراد الله بعبد شرا أغلق عنه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل.
وقال جشم بن عيسى: سمعت عمي معروف بن الفيرزان يقول: سمعت بكر بن خنيس يقول: كيف تتقي وأنت لا تدري ما تتقي؟ رواها أحمد الدورقي عن معروف قال: ثم يقول معروف: إذا كنت لا تحسن تتقي أكلت الربا، ولقيت المرأة فلم تغض طرفك، ووضعت سيفك على عاتقك، إلى أن قال: ومجلسي هذا ينبغي أن يتقى، ومجيئكم معي من المسجد ينبغي لنا أن نتقيه، فتنة للمتبوع، وذلة للتابع.
وعن معروف، وبعث إليه رجل بعشرة دنانير فلم يأخذها، ومر سائل فأعطاها له.
وقيل: كان يبكي ثم يقول: يا نفس كم تبكين، أخلصي تخلصي.
وقيل: سأله رجل: يا أبا محفوظ كيف تصوم؟ فبقي يغالطه، ويقول: صوم نبينا ﷺ كان كذا، وصوم داود كان كذا. فألح عليه فقال: أصبح دهري صائما، فمن دعاني أكلت، ولم أقل إني صائم.
وقيل: قص إنسان شارب معروف وهو يسبح فقال: كيف أقص وأنت تسبح؟ فقال: أنت تعمل وأنا أعمل.
وقال رجل: حضرت معروفا، فاغتاب رجل عنده، فقال: اذكر القطن إذا وضع على عينيك.
وعنه قال: ما أكثر الصالحين، وما أقل الصادقين.
وعنه قال: من كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره خدعه، ومن توكل عليه منعه، ومن تواضع له رفعه.
وعنه: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله.
وقيل: جاءه ملهوف وقال: ادع لي أن يرد الله علي كيسي، سرق فيه ألف دينار، فقال: ماذا أدعو ما زويته عن أنبيائك وأوليائك، فرده عليه.
وقيل: إنه أنشد مرة في السحر:
стр. 4597
ما يضر الذنوب لو أعتقتني … رحمة لي، فقد علاني المشيب
وعنه قال: من لعن إمامه حرم عدله.
وعن محمد بن منصور الطوسي قال: قعدت مرة إلى جنب معروف، فلعله قال: واغوثاه بالله، عشرة آلاف مرة، وتلا: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم.
وعن ابن شيرويه: قلت لمعروف: بلغني أنك تمشي على الماء، قال: ما وقع هذا، ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفا النهر فأتخطاه.
أبو العباس بن مسروق: حدثنا محمد بن منصور الطوسي قال: كنت عند معروف، ثم جئت وفي وجهه أثر، فسأله رجل عن الأثر فقال: سل عما يعنيك عافاك الله، فألح عليه، وأقسم عليه، فتغير وجهه ثم قال: صليت البارحة هنا، واشتهيت أن أطوف بالبيت، فمضيت إلى مكة فطفت، وجئت لأشرب من زمزم، فزلقت، فأصاب وجهي هذا.
وقال ابن مسروق: حدثنا يعقوب ابن أخي معروف قال: قالوا لمعروف: استسق لنا، وكان يوما حارا، فقال: ارفعوا ثيابكم. قال: فما استتموا رفع ثيابهم حتى مطروا.
وقد استجاب الله لمعروف في غير ما قضية.
وقد أفرد ابن الجوزي كتابا في مناقبه (١).
وقال عبيد بن محمد الوراق: مر معروف وهو صائم بسقاء يقول: رحم الله من شرب، فشرب رجاء الرحمة.
وقد حكى السلمي (٢) شيئا منكرا، وهو أن معروفا كان يحجب علي بن موسى الرضا، قال: فكسروا ضلع معروف فمات، فهذا إن صح، يكون حاجب اسمه باسم معروف.
وعن إبراهيم الحربي قال: قبر معروف الترياق المجرب (٣)، يريد الدعاء عنده؛ لأن البقاع المباركة يستجاب فيها الدعاء، كما أن الدعاء في المساجد وفي السحر أفضل، ودعاء المضطر مجاب في كل مكان.
стр. 4598
قال محمد بن عبيد الله ابن المنادي، وثعلب: مات معروف سنة مائتين.
وقال عبد الرزاق بن منصور: سنة إحدى ومائتين.
وشذ يحيى بن أبي طالب فقال: مات سنة أربع ومائتين.
وقال أبو بكر الخطيب (١): الصحيح سنة مائتين، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
٣١٤ - ت ن ق: معمر بن سليمان الرقي أبو عبد الله النخعي.
عن: خصيف، وإسماعيل بن أبي خالد، وحجاج بن أرطاة، وزيد بن حبان الرقي، وطائفة. وعنه: أبو عبيد، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن حجر، وأبو سعيد الأشج، وسعدان بن نصر، وجماعة.
وثقه ابن معين (٢).
وذكره أحمد (٣) فذكر من فضله وهيئته.
وقال أبو عبيد: كان من خير من رأيت.
قلت: مات في شعبان سنة إحدى وتسعين ومائة (٤).
وقع لي من عواليه.
٣١٥ - ع: معن بن عيسى بن يحيى بن دينار بن عبد الله الأشجعي مولاهم المدني القزاز الحافظ أبو يحيى، أحد الأعلام.
كان صاحب حانوت وأجراء ينسجون القز.
روى عن: ابن أبي ذئب، ومالك، وأبي بن عباس بن سهل، وأبي الغصن ثابت بن قيس، وزهير بن محمد، وسعيد بن السائب الطائفي، وهشام بن سعد، ومعاوية بن صالح، وموسى بن علي، وإبراهيم بن طهمان، وطبقتهم.
ولزم مالكا زمانا، وكان من خيار أصحابه ومتقنيهم ومفتيهم.
روى عنه: أحمد بن خالد، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وأبو خيثمة، وهارون الحمال، ويونس بن عبد الأعلى، وخلق سواهم.
стр. 4599
قال أبو حاتم (١): هو أوثق أصحاب مالك وأثبتهم.
وقال ابن سعد (٢): كان يعالج القز بالمدينة، وله غلمان حاكة.
وقيل: كان مالك يتكئ على يده في خروجه إلى المسجد، حتى كان يقال له: عصا مالك.
وقال أبو حاتم (٣) أيضا: هو أحب إلي من ابن وهب.
أخبرنا أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا أحمد بن يوسف، والفتح بن عبد الله قالا: أخبرنا محمد بن عمر القاضي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن النقور، قال: أخبرنا علي بن عمر الحربي، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا معن، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ لم يكن يصافح امرأة قط، أخرجه النسائي في كتاب مالك من تأليفه، عن معاوية بن صالح، عن ابن معين، فوقع لنا عاليا جدا.
توفي معن في شوال سنة ثمان وتسعين ومائة (٤).
٣١٦ - م د ن ق: المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي البصري.
عن: أبان العطار، ونافع بن عمر، والقاسم بن المفضل الحداني، وعنه: إسحاق بن راهويه، وإسحاق الكوسج، وبندار، وعلي ابن المديني، ومحمد بن عبد الله المخرمي.
قال ابن المديني: ما رأيت قرشيا أفضل منه، ولا أشد تواضعا، أخبرني بعض جيرانه أنه كان يصلي طول الليل، ﵁.
قلت: مات سنة مائتين.
ورخه البخاري (٥)، واستشهد به في الصحيح.
وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتا (٦).
٣١٧ - ت: المفضل بن صالح الكوفي أبو جميلة الدلال النخاس.
стр. 4600
عن: زياد بن علاقة، وابن المنكدر، وعمرو بن دينار، وجماعة، وعنه: محمد بن عمر بن الوليد الكندي، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وأحمد بن بديل، ومحمد بن عبيد المحاربي، وآخرون.
وعمر دهرا.
قال البخاري (١): منكر الحديث.
وقال ابن حبان (٢): يروي المقلوبات عن الثقات حتى يتهمه القلب.
وقال الترمذي (٣): ليس بذاك الحافظ (٤).
٣١٨ - منصور بن عبد الحميد بن راشد أبو رياح.
عن: أنس بن مالك، وابن عمر، وأبي أمامة.
وعن: طاوس اليماني، وعدة.
حدث بمرو عنهم قبيل المائتين، وعنه: معاذ بن أسد، وسلمة بن سليمان المروزيان، ويحيى بن خالد البلخي، وعبد الله بن مثنى الخلمي، وغيرهم.
ليس بثقة.
وهاه ابن حبان (٥).
وقال ابن عساكر في سباعياته: ذكر هبة الله بن فاخر السجزي هذا، وأن الرواية لا تحل عنه.
٣١٩ - منصور بن عمار بن كثير أبو السري السلمي الخراساني.
ويقال إنه بصري.
كان زاهدا، واعظا، كبير الشأن.
روى عن: الليث، وابن لهيعة، والمنكدر بن محمد، ومعروف الخياط، والهقل بن زياد، وبشير بن طلحة، وآخرين، وعنه: ابناه سليم، وداود، وزهير بن عباد الرؤاسي، ومحمد بن جعفر الأحول، وأحمد بن منيع، وعلي بن خشرم، ومنصور بن الحارث، وعبد الرحمن بن يونس الرقي، وغيرهم.
وكان إليه المنتهى في بلاغة الموعظة، وتحريك القلوب إلى الله.
أقام ببغداد مدة، ووعظ بها، وبالشام ومصر، وسار ذكره وبعد صيته.
стр. 4601
قال أبو حاتم (١): صاحب مواعظ، ليس بالقوي.
وقال ابن عدي (٢): منكر الحديث.
وقال الدارقطني: له أحاديث لا يتابع عليها.
قال ابن يونس: قص بمصر على الناس، وسمعه الليث فأعجبه ووصله بألف دينار. وقد حدث عنه أيضا يحيى بن بكير، وسعيد بن عفير. ما قص على الناس أحد مثله.
أبو شعيب الحراني: حدثنا علي بن خشرم قال: قال منصور بن عمار: لما قدمت مصر كانوا في قحط، فلما صلوا الجمعة ضجوا بالبكاء والدعاء، فحضرتني نية، فصرت إلى الصحن وقلت: يا قوم، تقربوا إلى الله بالصدقة، فما تقرب إليه بأفضل منها. ثم رميت بكسائي وقلت: اللهم هذا كسائي، وهو جهدي. فتصدقوا حتى جعلت المرأة تلقي خرصها، حتى فاض الكساء من أطرافه، ثم هطلت السماء ومطرنا، فخرج الناس في الطين والمطر، فدفعت إلى الليث وابن لهيعة، فنظرا إلى كثرة المال، فقال أحدهما لصاحبه: لا يحرك، ووكلوا به الثقات حتى أصبحوا، فرحت أنا إلى الإسكندرية، فبينا أنا أطوف على حصنها إذا رجل يرمقني، فقلت: ما لك؟ قال: أنت المتكلم يوم الجمعة؟ قلت: نعم. قال: إنك صرت فتنة، قالوا: ذاك الخضر، دعا فاستجيب له. قلت: بل أنا العبد الخاطئ. فقدمت مصر فلقيت الليث، فلما نظر إلي قال: أنت المتكلم يوم الجمعة؟ قلت: نعم. فأقطعني خمسة عشر فدانا، وصرت إلى ابن لهيعة فأقطعني خمس فدادين.
علي بن خشرم: حدثنا منصور (ح) وأبو داود، عن قتيبة، عن منصور قال: قدمت مصر وبها قحط، فتكلمت، فبذلوا صدقات كثيرة، فأتي بي الليث فقال: ما حملك على أن تكلمت ببلدنا بغير أمرنا؟ قلت: أصلحك الله، أعرض عليك، فإن كان مكروها نهيتني. قال: تكلم. فتكلمت، فقال: قم، لا يحل أن أسمع هذا وحدي.
قال: وأخرج إلي بعد هذا جارية قيمتها ثلاثمائة دينار، ثم لما خرج
стр. 4602
الناس ناولني كيسا فيه ألف دينار، قال: ولا تعلم به ابني فتهون عليه.
وقال أبو حاتم: حدثنا سليم بن منصور قال: حدثنا أبي قال: أعطاني الليث ألف دينار.
قال علي بن خشرم: سمعت منصورا يقول: المتكلمون ثلاثة؛ الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وعون بن عبد الله. قلت: فأنت الرابع.
وقيل: إن الرشيد لما سمع وعظه قال: من أين تعلمت هذا؟ قال: تفل في في النبي ﷺ في النوم، وقال لي: يا منصور، قل.
السراج: حدثنا أحمد بن موسى الأنصاري قال: قال منصور بن عمار: حججت فبت بالكوفة، فخرجت في الظلماء فإذا بصارخ يقول: إلهي، وعزتك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولقد عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت أعانني عليها شقائي وغرني سترك، فالآن من ينقذني؟ فتلوت هذه الآية (قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) فسمعت دكدكة، فلما كان من الغد مررت هناك، فإذا بجنازة، وإذا عجوز تقول: مر البارحة رجل فتلا آية، فتفطرت مرارته فوقع ميتا.
قال أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة: كنا عند ابن عيينة فجاء منصور بن عمار فسأله عن القرآن، فزبره وأشار بالعكاز إليه، وانتهره. فقيل: يا أبا محمد، إنه عابد. قال: ما أرى إلا شيطانا.
قال منصور: دخلت على سفيان بن عيينة، فحدثني ووعظته، فلما أثارت الأحزان دموعه رفع رأسه ورددها في عينيه، فقلت: هلا أسبلتها إسبالا، وتركتها تجري سجالا؟ قال: إن الدمعة إذا بقيت كان أبقى للحزن في الجوف.
قال سليم بن منصور: كتب بشر المريسي إلى أبي: أخبرني عن القرآن. فكتب إليه: عافانا الله وإياك، وجعلنا من أهل السنة، فإن يفعل فأعظم به منة، وإلا فهي الهلكة، نحن نرى أن الكلام في القرآن بدعة تشارك فيها السائل والمجيب، تعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه، وما أعرف خالقا إلا الله، وما دونه مخلوق، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك وبالمختلفين فيه معك إلى أسمائه التي سماه الله بها، ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الضالين. رواها أبو الحسن الميموني وغيره عن سليم.
стр. 4603
أبو علي الكوكبي: حدثنا حريز (١) بن أحمد بن أبي دؤاد: حدثني سلموية بن عاصم قال: كتب بشر إلى منصور بن عمار يسأله عن قوله: (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ فكتب إليه: استواؤه غير محدود، والجواب فيه تكلف، ومساءلتك عنه بدعة، والإيمان بجملة ذلك واجب.
عن عبدك العابد قال: قيل لمنصور بن عمار: تكلم بهذا الكلام، ونرى منك أشياء؟ قال: احسبوني درة وجدتموها على كناسة.
وعن بشر الحافي أنه كتب إلى منصور بن عمار أن اكتب إلي بما من الله علينا. فكتب إليه: يا أخي، قد أصبحنا في نعم لا نحصيها في كثرة ما نعصي، فلا أدري كيف أشكره؛ بجميل ما نشر، أو قبيح ما ستر.
قلت: ساق ابن عدي (٢) لمنصور تسعة أحاديث منكرة.
وروي أنه رئي بعد موته، فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وقال: يا منصور، قد غفرت لك على تخليطك، إلا أنك تحوش الناس إلى ذكري.
وقيل هذا لأبي العتاهية:
إن يوم الحساب يوم عسير … ليس للظالمين فيه مجير
فاتخذ عدة لمطلع القبـ … ـر وهول الصراط يا منصور (٣)
٣٢٠ - ت ق: منصور بن وردان الأسدي الكوفي.
عن أبان بن تغلب، وعلي بن عبد الأعلى الثعلبي. وعنه أحمد بن حنبل، وعلي بن محمد الطنافسي، وابن نمير، والحسن بن محمد الزعفراني.
وثقه أحمد.
وله سمي في طبقة منصور بن المعتمر.
وقال بعض الحفاظ: إن صاحب الترجمة لا يحتج به، بل هو صويلح.
٣٢١ - مؤرج بن عمرو السدوسي البصري النحوي، أبو فيد، أحد أئمة العربية واللغة.
أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وشعبة، والخليل بن أحمد. وسكن
стр. 4604
نيسابور وبث بها علومه، وأخذ عنه أهلها، وصنف غريب القرآن.
أخذ عنه أحمد بن خالد الذهلي، وخليل بن أسد، وغيرهما.
وكان يقول: اسمي وكنيتي غريبان، تقول العرب: أرجت بين القوم إذا حرشت بينهم. والفيد ورد الزعفران، وفاد الرجل فيدا إذا مات.
توفي أبو فيد سنة خمس وتسعين ومائة (١).
٣٢٢ - ت ق: موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري الحرامي المدني.
عن طلحة بن خراش، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة.
وعنه إبراهيم بن المنذر الحزامي، وعبدة بن عبد الله الصفار، وعلي ابن المديني، ودحيم، ويحيى بن حبيب بن عربي.
صدوق مقل (٢).
٣٢٣ - ن: موسى بن طارق، أبو قرة الزبيدي، قاضي زبيد وعالمها.
روى عن عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، وابن جريج، وأيمن بن نابل، وأخذ القراءة عن نافع بن أبي نعيم، وصنف السنن. روى عنه أحمد، وإسحاق، وصامت بن معاذ، وأبو حمة (٣) محمد بن يوسف الزبيدي.
قال أبو حاتم (٤): محله الصدق (٥).
٣٢٤ - موسى بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشمي العلوي المدني، أخو محمد وإبراهيم اللذين حاربا المنصور.
روى عن أبيه. وعنه عبد العزيز الدراوردي مع تقدمه، ومروان بن محمد الطاطري، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وسلمة بن بشر، وولده عبد الله بن موسى.
стр. 4605
اختفى مدة بالبصرة بعد قتل أخويه، ثم أخذ فحمل إلى المنصور فضربه سبعين سوطا، ثم عفا عنه.
قال أبو بكر الخطيب: روى شيئا كثيرا عن أبيه (١).
وقال يحيى بن معين (٢): قد رأيته، وهو ثقة.
وقال البخاري (٣): فيه نظر.
وقيل: إنه امتنع من التحديث، وله شعر حسن سائر.
٣٢٥ - موسى بن يحيى بن خالد بن برمك.
من كبار أمراء الدولة، ولاه الرشيد إمرة الشام في أيام فتنة أبي الهيذام، فقدم وأصلح بين القيسية واليمانية. وكان شابا شجاعا كافيا ذا دهاء ورأي، عزم المأمون أن يوليه ثغر السند لشجاعته. حكى عنه ابنه هارون، والأصمعي، وعلي ابن المديني.
ولا أعلم متى توفي (٤).
٣٢٦ - مؤمل بن عبد الرحمن بن العباس البصري، أبو العباس.
حدث بمصر عن حميد الطويل، وعوف، وابن عجلان، وأبي أمية بن يعلى. وعنه أبو يحيى الوقار، وعبد الغني بن عبد العزيز العسال، وعمرو بن سواد، ومحمد بن عبد الله بن ميمون، وآخرون.
عداده في الضعفاء.
قال أبو حاتم (٥): ضعيف.
وقال ابن عدي (٦): عامة حديثه غير محفوظ.
٣٢٧ - ميسرة بن عبد ربه التستري.
عن سفيان الثوري، وموسى بن عبيدة، وابن جريج. وعنه يحيى بن يزيد الخواص، وعمرو بن مطر السكسكي.
стр. 4606
قال البخاري (١): يرمى بالكذب.
وقال النسائي (٢): متروك الحديث.
قلت: هو واضع كتاب العقل، وقد تقدم ذكره أيضا (٣).
٣٢٨ - نصر بن باب، أبو سهل الخراساني.
سمع أبا إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وداود بن أبي هند. وعنه علي ابن المديني، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يزيد السلمي، وعلي بن سلمة، وأهل نيسابور.
وثقه أحمد (٤).
وقال ابن معين (٥): ليس بشيء.
وقال ابن حبان (٦): لا يحتج به.
وقال البخاري (٧): يرمونه بالكذب.
وقال غير واحد: متروك.
٣٢٩ - د ن: النضر بن كثير، أبو سهل البصري العابد.
عن عبد الله بن طاووس، وداود بن أبي هند، ويحيى بن سعيد، وجماعة. وعنه أحمد بن حنبل، وعقبة بن مكرم، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وعمر بن شبة.
وقال الفلاس: كان يعد من الأبدال.
وقال أحمد: ضعيف الحديث.
وقال البخاري (٨): عنده مناكير (٩).
стр. 4607
٣٣٠ - ن: هارون بن أبي عيسى.
روى السيرة النبوية عن ابن إسحاق.
قال البخاري: يخطئ عن غير ابن إسحاق.
قلت: حدث عنه ابنه عبد الله، ومعلى بن أسد (١).
٣٣١ - الرشيد هارون، أمير المؤمنين أبو جعفر بن محمد المهدي ابن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، العباسي البغدادي.
استخلف بعهد من أبيه سنة سبعين ومائة عند موت أخيه الهادي. حدث عن أبيه، وجده المنصور، ومبارك بن فضالة. روى عنه ابنه المأمون وغيره.
وكان من أميز الخلفاء وأجل ملوك الدنيا، وكان كثير الغزو والحج كما قيل فيه:
فمن يطلب لقاءك أو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثغور
مولده بالري حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة، وأمه أم ولد، واسمها الخيزران.
وكان أبيض طويلا جميلا مليحا، مسمنا، فصيحا، له نظر في العلم والآداب، وقد وخطه الشيب. أغزاه والده أرض الروم وهو ابن خمس عشرة سنة.
وبلغني أنه كان يصلي في خلافته في اليوم مائة ركعة إلى أن مات، ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم، فالله أعلم.
وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص، وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه، سيما إذا وعظ. وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجليلة، وله شعر يروق.
دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ، فبالغ في احترامه، فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك. ثم وعظه فأبكاه، وقد وعظه
стр. 4608
الفضيل بن عياض حتى جعل يشهق بالبكاء، وكان هو أتى بنفسه إلى بيت الفضيل.
ومن محاسنه أنه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك.
قال نفطوية في تاريخه: حكى بعض أصحاب الرشيد أن الرشيد كان يصلي في اليوم مائة ركعة، لم يتركها إلا لعلة، وكان يقتفي آثار جده أبي جعفر، إلا في الحرص.
قال أبو معاوية الضرير: ما ذكرت النبي ﷺ بين يدي الرشيد إلا قال: صلى الله على سيدي. وحدثته بحديثه ﷺ : وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيى ثم أقتل فبكى حتى انتحب.
عن خرزاذ القائد قال: كنت عند الرشيد، فدخل أبو معاوية الضرير وعنده رجل من وجوه قريش، فذكر أبو معاوية حديث: احتج آدم وموسى، فقال القرشي: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النطع والسيف، زنديق يطعن في حديث النبي ﷺ . فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول: يا أمير المؤمنين كانت منه بادرة، حتى سكن.
وعن أبي معاوية قال: أكلت مع الرشيد يوما، ثم صب على يدي رجل لا أعرفه. ثم قال الرشيد: تدري من يصب عليك؟ قلت: لا. قال: أنا، إجلالا للعلم.
وقال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة؛ الفضيل بن عياض، والرشيد، وآخر.
وقال عبيد الله القواريري: لما لقي الرشيد فضيلا قال له: يا حسن الوجه، أنت المسؤول عن هذه الأمة، حدثنا ليث، عن مجاهد: (وتقطعت بهم الأسباب) قال: الوصل التي كانت بينهم في الدنيا. فجعل هارون يبكي ويشهق.
قال الأصمعي: قال لي الرشيد: يا أصمعي، ما أغفلك عنا وأجفاك لنا؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما ألاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك. فسكت، فلما
стр. 4609
تفرق الناس قال: اجلس، فلم يبق سوى الغلمان، فقال: ما ألاقتني؟ فقال الأصمعي:
كفاك كف ما تليق بدرهم … جودا وأخرى تعط بالسيف الدما
فقال: أحسنت، وهكذا فكن، وقرنا في الملأ وعلمنا في الخلاء. وأمر لي بخمسة آلاف دينار. رواها أبو حاتم عنه.
قال الثعالبي في كتاب " لطائف المعارف ": قال الصولي: خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار. قال الثعالبي: وحكى غيره أن الرشيد خلف من الأثاث والعين والورق والجوهر والدواب ما قيمته مائة ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار.
وفي " مروج " المسعودي قال: رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما، فقال له يحيى بن خالد البرمكي: كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز، فتركه.
وروي عن إسحاق الموصلي أن الرشيد أجازه مرة بمائتي ألف درهم.
وعن العباس بن الأحنف أن الرشيد قال في حظية له:
أما يكفيك أنك تملكيني … وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي … لقلت من الهوى: أحسنت، زيدي
قال عبد الرزاق بن همام: كنت مع الفضيل بمكة، فمر هارون فقال فضيل: الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعز علي منه، لو مات لرأيت أمورا عظاما.
قال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره؛ وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه، وحاجبه الفضل بن الربيع أتيه الناس وأعظمهم، ومغنيه إبراهيم الموصلي، وزوجته زبيدة.
ويروى أن الرشيد أعطى سفيان بن عيينة مرة مائة ألف.
وأخبار الرشيد يطول شرحها، ومحاسنه جمة، وله أخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء، والله يسامحه.
قال أبو محمد بن حزم: أراه كان لا يشرب النبيذ المختلف فيه إلا الخمر
стр. 4610
المتفق على تحريمها، ثم جاهر بها جهارا قبيحا.
قلت: توفي في الغزو بمدينة طوس من خراسان في ثالث شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وصلى عليه ابنه صالح، ودفن بطوس، ﵀. عاش خمسا وأربعين سنة (١).
٣٣٢ - هاشم بن أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي التيمي البكري، أبو بكر المدني الفقيه.
ولي قضاء مصر، فقدمها بعد انفصال العمري عنها، ولاه الأمين في سنة أربع وتسعين ومائة، وكان قد تفقه بالكوفة على مذهب أبي حنيفة، وكان يتناول النبيذ. لم تطل ولايته.
ومات في المحرم سنة ست وتسعين.
٣٣٣ - هاشم بن القاسم التيمي الكوفي.
روى عن الأعمش. وعنه حميد بن الربيع، والعباس بن يزيد البحراني.
٣٣٤ - هذيل بن ميمون الجعفي الكوفي.
عن يحيى بن أبي أنيسة، ومطرح الشامي. وعنه محمد بن الصباح الجرجرائي، وأحمد بن حنبل (٢).
٣٣٥ - م ق: هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد المخزومي المكي.
عن هشام بن عروة، وابن جريج، ويونس بن يزيد الأيلي. وعنه إبراهيم بن المنذر، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وسويد بن سعيد، ومحمد العدني.
صدوق فيه أدنى شيء، وله أثر في البيوع من البخاري (٣).
٣٣٦ - هشام بن عبد الله بن عكرمة بن خالد المخزومي المكي، ابن عم الذي قبله.
стр. 4611
من نبلاء الشرفاء، صحب هشام بن عروة، وكان من خاصته فأكثر عنه، إلا أنه لم يحدث.
وكان جليل القدر يحتسب، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ذكر هذا ابن سعد (١)، ثم قال: دخل على الرشيد فدعا له، وكلمه بكلام أعجبه، ووعظه، فولاه قضاء المدينة، وأجازه بأربعة آلاف دينار، وكان سخيا وصولا لرحمه.
قلت: كنيته أبو الوليد، وقد غمزه ابن حبان (٢) لأجل الحديث الذي أخبرناه أحمد بن محمد الحافظ وجماعة، قالوا: أخبرنا أبو المنجى عبد الله بن عمر. (ح) وأخبرنا أحمد بن المؤيد قال: أخبرنا زكريا العلبي؛ قالا: أخبرنا أبو الوقت قال: أخبرتنا بيبي الهرثمية قالت: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح قال: حدثنا البغوي قال: حدثنا مصعب بن عبد الله إملاء سنة ثمان وعشرين ومائتين قال: حدثني هشام بن عبد الله بن عكرمة المخزومي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: التمسوا الرزق في خبايا الأرض. هذا حديث غريب، تفرد ابن مصعب عن هشام.
قال عبد الملك بن حبيب الفقيه: قال لي مطرف بن عبد الله: أتي هشام بن عبد الله وهو قاضي المدينة، ومن صالح قضاتها برجل خبيث معروف باتباع الصبيان، قد لصق بصبي في زحمة حتى أفضى، فجلده أربعمائة سوط وسجنه، فما لبث أن مات.
٣٣٧ - خ ٤: هشام بن يوسف الصنعاني الفقيه، أبو عبد الرحمن، قاضي صنعاء وعالمها.
روى عن ابن جريج، ومعمر، والثوري، والقاسم بن فياض، وجماعة. وعنه ابن المديني، وإبراهيم بن موسى الفراء، وإسحاق بن راهوية، وابن معين، وعبد الله بن محمد المسندي، وجماعة.
قال ابن معين: هو أثبت من عبد الرزاق في ابن جريج (٣).
стр. 4612
وقال أبو حاتم (١): ثقة متقن.
وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه (٢) قال: سمعت بعض أصحابنا قال مرة: قال يحيى بن معين: كتب لي عبد الرزاق إلى هشام قال: إنك تأتي رجلا إن كان غيره السلطان فإنه لم يغير حديثه. وقال يحيى: مكثنا على باب هشام بن يوسف خمسين يوما لا يحدثنا بحديث، نذهب معه إلى باب الأمير.
وقال أحمد (٣): سمعت عبد الرزاق قال: أتاه - يعني يحيى - فأجزره شاة، وفعل به وفعل. قال أحمد: هشام ألأم من أن يذبح له.
قلت: توفي سنة سبع وتسعين ومائة.
قال إبراهيم بن موسى الفراء: سمعت هشام بن يوسف يقول: قدم الثوري اليمن، فقال: اطلبوا لي كاتبا سريع الخط. فارتادوني، فكنت أكتب.
قال أبو زرعة (٤): هشام أصح اليمانيين كتابا.
وقال عبد الرزاق: إن حدثكم القاضي فلا عليكم أن لا تكتبوا عن غيره (٥).
٣٣٨ - ن: الهيثم بن مروان العنسي، أبو الحكم الدمشقي.
عن يونس بن ميسرة. وعنه هشام بن عمار، ومحمود بن خالد، وأبو همام السكوني، وجماعة. وعمر دهرا.
لم أر لأحد فيه كلاما، محله الصدق (٦).
مات سنة تسع وتسعين ومائة (٧).
٣٣٩ - والبة بن الحباب، أبو أسامة الكوفي.
شاعر مشهور، محسن النعت للغزل والخمر على منهاج الشعراء، وكان
стр. 4613
بينه وبين أبي العتاهية مهاجاة، وكان أبو نواس يثني على شعره، ولما مات والبة رثاه أبو نواس (١).
٣٤٠ - ورش المقرئ، عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان. وقيل: عثمان بن سعيد بن عدي بن غزوان بن داود بن سابق القبطي المصري المقرئ، إمام القراء أبو سعيد، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو القاسم.
أصله من القيروان، وعداده في موالي آل الزبير بن العوام، ويقال له: الرآس، وشيخه نافع هو الذي لقبه بورش لشدة بياضه، والورش: شيء يصنع من اللبن. وقيل: بل لقبه ورشان؛ باسم طائر معروف. فكان يعجبه هذا اللقب ويقول: أستاذي نافع سماني به، ويفتخر بذلك.
وكان في حداثته رآسا (٢) في ما قيل، ثم اشتغل وبرع في التلاوة، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار المصرية، وكان بصيرا بالعربية، وكان أبيض أشقر أزرق، سمينا مربوعا، يلبس ثيابا قصارا.
مولده سنة عشر ومائة، كذا أرخه الأهوازي، وكانت قراءته على نافع في سنة خمس وخمسين ومائة.
قال أبو عمرو الداني: تلا على نافع ختمات كثيرة، ثم رجع إلى مصر.
قلت: قرأ عليه أبو يعقوب الأزرق، وأحمد بن صالح، وداود بن أبي طيبة، وأبو الأزهر عبد الصمد بن عبد الرحمن العتقي، ويونس بن عبد الأعلى، وطائفة سواهم.
وقد وقع لي إسناد القرآن العظيم من طريقه في غاية العلو؛ تلوت كتاب الله على سحنون الفقيه، عن قراءته على ابن الصفراوي، عن ابن عطية، عن ابن الفحام، عن ابن نفيس، عن أبي عدي، عن أبي بكر بن سيف، عن الأزرق، عن ورش، عن نافع، عن خمسة، عن أصحاب أبي بن كعب وزيد، عن النبي ﷺ .
стр. 4614
وقد استوفيت أخبار ورش في طبقات القراء (١)، وهو ثبت حجة في القراءة.
مات بمصر في سنة سبع وتسعين ومائة، ولا أعلمه روى حديثا.
٣٤١ - ع: وكيع بن الجراح بن مليح، الإمام أبو سفيان الرؤاسي الأعور الكوفي، أحد الأعلام.
ورؤاس بطن من قيس عيلان. ولد سنة تسع وعشرين ومائة، وأصله من خراسان. سمع من الأعمش، وهشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عون، وابن جريج، وداود بن يزيد الأودي، وأسود بن شيبان، ويونس بن أبي إسحاق، وهشام بن الغاز، والأوزاعي، وشعبة، والثوري، وإسرائيل، وجعفر بن برقان، وحنظلة بن أبي سفيان، وزكريا بن أبي زائدة، وطلحة بن عمرو المكي، وطلحة بن يحيى التيمي، وفضيل بن غزوان، وموسى بن علي، وهشام الدستوائي، وأبي جناب الكلبي، وخلق.
وعنه ابن المبارك وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن آدم، والحميدي، ومسدد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن المديني، وابن معين، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، وأبو كريب، وعبد الله بن هاشم الطوسي، وإبراهيم بن عبد الله القصار، وأمم سواهم.
وكان رأسا في العلم والعمل، وكان أبوه الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن جمجمة ناظرا على بيت المال بالكوفة.
وقد أراد الرشيد أن يولي وكيعا القضاء فامتنع.
قال يحيى بن يمان: لما مات الثوري جلس وكيع موضعه.
قال القعنبي: كنا عند حماد بن زيد، فلما خرج وكيع قالوا: هذا راوية سفيان. فقال حماد: إن شئتم قلت: أرجح من سفيان.
وعن يحيى بن أيوب المقابري قال: ورث وكيع من أمه مائة ألف درهم.
وقال الفضل بن محمد الشعراني: سمعت يحيى بن أكثم يقول: صحبت وكيعا في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهر ويختم القرآن كل ليلة.
قال يحيى بن معين: وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه.
стр. 4615
وقال أحمد بن حنبل (١): ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع.
وقال أحمد بن سهل بن بحر النيسابوري الحافظ: دخلت على أحمد بن حنبل بعد المحنة، فسمعته يقول: كان وكيع إمام المسلمين في وقته.
وروى نوح بن حبيب عن عبد الرزاق قال: رأيت الثوري ومعمرا ومالكا، فما رأت عيناي مثل وكيع قط.
وقال ابن معين: ما رأيت أفضل من وكيع؛ كان يحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة، وكان يحيى القطان يفتي بقول أبي حنيفة أيضا.
وقال قتيبة: سمعت جريرا يقول: جاءني ابن المبارك، فقلت: من رجل الكوفة اليوم؟ فسكت عني ثم قال: رجل المصرين ابن الجراح؛ يعني وكيعا.
قال سلم بن جنادة: جالست وكيعا سبع سنين، فما رأيته بزق ولا مس حصاة، ولا جلس مجلسا فتحرك، ولا رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله.
وقد روى غير واحد أن وكيعا كان يترخص في شرب النبيذ، قال إسحاق بن بهلول الحافظ: قدم علينا وكيع - يعني الأنبار - فنزل في المسجد على الفرات، فصرت إليه لأسمع منه، فطلب مني نبيذا فجئته به، فأقبل يشرب وأنا أقرأ عليه، فلما نفد طفا السراج، فقلت: ما هذا؟ قال: لو زدتنا لزدناك.
وقال أبو سعيد الأشج: كنا عند وكيع، فجاءه رجل يدعوه إلى عرس، فقال: أثم نبيذ؟ قال: لا. قال: لا نحضر عرسا ليس فيه نبيذ. قال: فإني آتيكم به. فقام.
قال ابن معين: سأل رجل وكيعا أنه شرب نبيذا، فرأى في النوم كأن رجلا يقول له: إنك شربت خمرا. فقال وكيع: ذاك الشيطان.
وقال نعيم بن حماد: سمعت وكيعا يقول: هو عندي أحل من ماء الفرات.
ويروى عن وكيع أن رجلا أغلظ له، فدخل بيتا فعفر وجهه ثم خرج إلى الرجل وقال: زد وكيعا بذنبه، فلولاه ما سلطت عليه.
стр. 4616
وقال إبراهيم بن شماس: لو تمنيت كنت أتمنى عقل ابن المبارك وورعه، وزهد فضيل ورقته، وعبادة وكيع وحفظه، وخشوع عيسى بن يونس، وصبر حسين الجعفي.
وقال نصر بن المغيرة البخاري: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: رأيت أفقه الناس وكيعا، وأحفظ الناس ابن المبارك، وأورع الناس فضيل بن عياض.
وقال مروان بن محمد الطاطري: ما رأيت فيمن رأيت أخشع من وكيع، وما وصف لي أحد قط إلا رأيته دون الصفة إلا وكيعا؛ فإني رأيته فوق ما وصف لي.
قال سعيد بن منصور: قدم وكيع مكة وكان سمينا، فقال له الفضيل بن عياض: ما هذا السمن وأنت راهب العراق؟! قال: هذا من فرحي بالإسلام! فأفحمه.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث منه.
وقال أبو داود (١): ما رؤي لوكيع كتاب قط، ولا لهشيم، ولا لحماد، ولا لمعمر.
قال أحمد بن حنبل: ما رأت عيني مثل وكيع قط؛ يحفظ الحديث، ويذاكر بالفقه فيحسن، مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد.
قال حماد بن مسعدة: قد رأيت سفيان الثوري، فما كان مثل وكيع.
وقال أحمد أيضا: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، كان حافظا حافظا.
وقال ابن أبي خيثمة وغيره: سمعنا يحيى بن معين يقول: من فضل عبد الرحمن بن مهدي على وكيع فعليه، فذكر اللعنة (٢).
قلت: ما أدري ما عذر يحيى في هذا اللعن.
وقال أبو حاتم (٣): وكيع أحفظ من ابن المبارك.
стр. 4617
وقال أحمد بن حنبل: عليكم بمصنفات وكيع.
وقال علي ابن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدثت عنه بألفاظه لكان عجبا، كان يقول: عن عيشة (١).
وروى أبو هشام الرفاعي وغيره عن وكيع قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر.
قال وكيع: الجهر بالبسملة بدعة. سمعها أبو سعيد الأشج منه.
قال أحمد بن زهير: حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثني حسين أخو زيدان قال: كنت مع وكيع، فأقبلنا جميعا من المصيصة أو طرسوس فأتينا الشام، فما أتينا بلدا إلا استقبلنا واليها، وشهدنا الجمعة بدمشق، فلما سلم الإمام أطافوا بوكيع، فما انصرف إلى أهله، فحدثت به مليحا ولده فقال: رأيت في جسده آثارا خضراء مما زحم.
قال الفضل بن عنبسة: ما رأيت مثل وكيع من ثلاثين سنة.
محمود بن غيلان: سمعت وكيعا يقول: اختلفت إلى الأعمش سنتين.
قال ابن راهوية: حفظي وحفظ ابن المبارك تكلف، وحفظ وكيع أصلي، قام وكيع واستند فحدث بسبعمائة حديث حفظا.
وقال محمود بن آدم: تذاكر بشر بن السري ووكيع ليلة وأنا أراهما من العشاء إلى أن نودي بالصبح، فقلت لبشر: كيف رأيته؟ قال: ما رأيت أحفظ منه. وكذا قال سهل بن عثمان: ما رأيت أحفظ من وكيع.
وقال عبد الله بن أحمد (٢): سمعت أبي يقول: وكيع مطبوع الحفظ، كان حافظا حافظا، كان أحفظ من عبد الرحمن بكثير.
وقال ابن نمير: كانوا إذا رأوا وكيعا سكتوا؛ يعني في الحفظ والإجلال.
وقال أبو حاتم (٣): سئل أحمد عن وكيع ويحيى وابن مهدي، فقال: كان وكيع أسردهم.
стр. 4618
قال أبو زرعة الرازي (١): سمعت أبا جعفر الجمال يقول: أتينا وكيعا، فخرج بعد ساعة وعليه ثياب مغسولة، فلما بصرنا به فزعنا من النور الذي رأينا يتلألأ من وجهه، فقال رجل بجنبي: أهذا ملك؟ فتعجبنا من ذلك النور.
قال أحمد بن سنان القطان: رأيت وكيعا إذا قام في الصلاة ليس يتحرك منه شيء، لا يزول ولا يميل على رجل دون الأخرى.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت وكيعا يقول: ما نعيش إلا في سترة، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم. وسمعته يقول: الصدق النية.
قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: أيهما أصلح؛ وكيع أو يزيد؟ فقال: ما منهما والحمد لله إلا كل (٢)، لكن وكيع لم يختلط بالسلطان.
قال الفلاس: ما سمعت وكيعا ذاكرا أحدا بسوء قط.
وقال ابن عمار: أحرم وكيع من بيت المقدس.
وقال ابن سعد (٣): كان وكيع ثقة مأمونا رفيعا كثير الحديث حجة.
وقال محمد بن خلف التيمي: أخبرنا وكيع قال: أتيت الأعمش فقلت: حدثني. قال: ما اسمك؟ قلت: وكيع. قال: اسم نبيل، وما أحسب إلا سيكون لك نبأ، أين تنزل من الكوفة؟ قلت: في بني رؤاس. قال: أين من منزل الجراح؟ قلت: هو أبي. وكان على بيت المال، قال: اذهب فجئني بعطائي، وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث. فجئت أبي فقال: خذ نصف العطاء واذهب، فإذا حدثك بالخمسة فخذ النصف الآخر حتى تكون عشرة. فأتيته بذلك، فأملى علي حديثين، فقلت: وعدتني خمسة. قال: فأين الدراهم كلها؟ أحسب أن أباك أمرك بهذا ولم يدر أن الأعمش مدرب قد شهد الوقائع. قال: فكنت إذا جئته بالعطاء في كل شهر حدثني بخمسة.
قال قاسم الحرمي: كان سفيان يتعجب من حفظ وكيع ويقول: تعال يا رؤاسي، ويتبسم.
قال ابن عمار: سمعت وكيعا يقول: ما نظرت في كتاب منذ خمس عشرة
стр. 4619
سنة، إلا في صحيفة يوما. فقلت له: عدوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غلطت فيها. قال: وحدثتهم بعبادان بنحو من ألف وخمسمائة حديث، أربعة ما هي كثيرة في ذلك.
قال ابن معين (١): سمعت وكيعا يقول: ما كتبت عن الثوري حديثا قط؛ إنما كنت أحفظ، فإذا رجعت كتبتها.
قال يحيى بن يمان: نظر سفيان في عيني وكيع فقال: لا يموت هذا حتى يكون له شأن. فمات سفيان وجلس وكيع مكانه.
قال سليمان الشاذكوني: قال لنا أبو نعيم: ما دام هذا التنين حيا ما يفلح أحد معه؛ يعني وكيعا.
وقال يحيى بن أيوب العابد: حدثني صاحب لوكيع أن وكيعا كان لا ينام حتى يقرأ ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر.
قال إبراهيم بن وكيع: كان أبي يصلي الليل، فلا يبقى في دارنا أحد إلا صلى، حتى جارية لنا سوداء.
ابن معين (٢): سمعت وكيعا يقول: أي يوم لنا من الموت. وأخذ وكيع في قراءة كتاب الزهد، فلما بلغ حديثا منه قام فلم يحدث، وكذا فعل من الغد. وهو حديث: كن في الدنيا كأنك غريب.
الدارقطني: حدثنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي ابن أم شيبان، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن بن سفيان بن وكيع، عن أبيه قال: كان أبي يجلس لأصحاب الحديث من بكرة إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف فيقيل، ثم يصلي الظهر ويقصد طريق المشرعة التي يصعد منها أصحاب الروايا، فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده فيصلي العصر، ثم يجلس يتلو ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل منزله فيفطر على نحو عشرة أرطال نبيذ، فيشرب منها، ثم يصلي ورده، كلما صلى ركعتين شرب منها حتى ينفدها ثم ينام.
стр. 4620
قال نعيم بن حماد: تعشينا عند وكيع، فقال: أي شيء تريدون؟ أجيئكم بنبيذ الشيوخ أو نبيذ الفتيان؟ فقلت: تكلم بهذا؟! قال: هو عندي لأحل من ماء الفرات.
قلت: ماء الفرات لم يختلف فيه، وقد اختلف في هذا.
وقال الفسوي (١): قد سئل أحمد إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن؟ فقال: عبد الرحمن يوافق أكثر خاصة في سفيان، وعبد الرحمن كان يسلم عليه السلف ويجتنب المسكر، ولا يرى أن يزرع في أرض الفرات.
وقال عباس (٢): قلت لابن معين: إذا اختلف وكيع وأبو معاوية في حديث الأعمش؟ قال: يوقف حتى يجيء من يتابع أحدهما. ثم قال: كانت الرحلة إلى وكيع في زمانه.
قال ابن معين: لقيت عند مروان بن معاوية لوحا فيه: فلان رافضي، وفلان كذا، ووكيع رافضي، فقلت لمروان: وكيع خير منك. فبلغ وكيعا ذلك، فقال: يحيى صاحبنا. وكان بعد ذلك يعرف لي ويرحب.
قال أحمد بن سنان: كان وكيع يكونون في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن أنكر من أحد شيئا قام. وكان عبد الله بن نمير يغضب ويصيح، وإذا رأى من يبري قلما تغير وجهه غضبا.
قال تميم بن محمد الطوسي: سمعت أحمد يقول: عليكم بمصنفات وكيع.
وروى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: أخطأ وكيع في خمسمائة حديث.
قال أبو هشام الرفاعي: سمعت وكيعا يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث، ومن زعم أن القرآن محدث فقد كفر. فيقول: احتج بعض المبتدعة بقول الله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث)، وبقوله تعالى: (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)، وهذا قال فيه علماء السلف معناه: إنه أحدث إنزاله إلينا، وكذا في الحديث الصحيح: إن
стр. 4621
الله يحدث من أمره ما شاء. وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، فالقرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله، وهو غير مخلوق.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت وكيعا يقول: ما أحدث حديثا قط عرضا.
قال ابن أبي الحواري: ذكرت لابن معين وكيعا، فقال: وكيع عندنا ثبت.
وقال عبد الرحمن بن الحكم بن بشير: وكيع عن سفيان غاية الإسناد، ليس بعده شيء، ما أعدل بوكيع أحدا. فقيل له: أبو معاوية؟ فنفر من ذلك.
نوح بن حبيب: حدثنا وكيع قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حضرت موت سفيان، فكان عامة كلامه: ما أشد الموت. قال نوح: فأتيت ابن مهدي فقلت: حدثنا وكيع عنك، وحكيت له الكلام، وكان متكئا فقعد، فقال: أنا حدثت أبا سفيان؟ جزى الله أبا سفيان خيرا، ومن مثل أبي سفيان، وما يقال لمثل أبي سفيان.
علي بن خشرم: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهي أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي ﷺ بعد وفاته، فأكب عليه فقبل وقال: بأبي وأمي، ما أطيب حياتك ومماتك (١). ثم قال البهي: وكان النبي ترك يوما وليلة حتى ربا بطنه وانثنت خنصراه. قال ابن خشرم: فلما حدث وكيع بهذا بمكة اجتمعت قريش وأرادوا صلبه، ونصبوا خشبة ليصلبوه، فجاء ابن عيينة فقال لهم: الله الله، هذا فقيه أهل العراق وابن فقيهه، وهذا حديث معروف. قال: ولم أكن سمعته، إلا أني أردت تخليص وكيع.
قال ابن خشرم: سمعته من وكيع بعدما أرادوا صلبه، فتعجبت من جسارته، وأخبرت أن وكيعا احتج فقال: إن عدة من الصحابة منهم عمر قالوا: إن رسول الله ﷺ لم يمت، فأحب الله أن يريهم آية الموت.
رواها أحمد بن محمد بن علي بن رزين الباشاني عن علي بن خشرم، ورواه قتيبة عن وكيع.
وهذه هفوة من وكيع كادت تذهب فيها نفسه، فما له ولرواية هذا الخبر
стр. 4622
المنكر المنقطع، وقد قال النبي ﷺ : كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع، ولولا أن الحافظ ابن عساكر وغيره ساقوا القصة في تواريخهم لتركتها ولما ذكرتها، ولكن فيها عبرة.
قال الفسوي في تاريخه (١): وفي هذه السنة حدث وكيع بمكة عن إسماعيل عن البهي، وذكر الحديث. قال: فرفع إلى العثماني فحبسه، وعزم على قتله، ونصبت خشبة خارج الحرم، وبلغ وكيعا وهو محبوس، قال الحارث بن صديق: فدخلت عليه لما بلغني وقد سبق إليه الخبر. قال: وكان بينه وبين سفيان بن عيينة يومئذ متباعد، فقال: ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل واحتجنا إليه؛ يعني سفيان. فقلت: دع هذا عنك، فإن لم يدركك قتلت. فأرسل إليه وفزع إليه، فدخل سفيان على العثماني فكلمه فيه، والعثماني يأبى عليه، فقال له سفيان: إني لك ناصح، إن هذا رجل من أهل العلم، وله عشيرة، وولده بباب أمير المؤمنين، فتشخص لمناظرتهم. قال: فعمل فيه كلام سفيان، فأمر بإطلاقه. فرجعت إلى وكيع فأخبرته، وأخرج، فركب حمارا، وحملنا متاعه، وسافر، فدخلت على العثماني من الغد وقلت: الحمد لله الذي لم تبتل بهذا الرجل، وسلمك الله. قال: يا حارث، ما ندمت على شيء ندامتي على تخليته، خطر ببالي هذه الليلة حديث جابر بن عبد الله قال: حولت أبي والشهداء بعد أربعين سنة فوجدناهم رطابا يثبتون (٢)، لم يتغير منهم شيء.
قال الفسوي (٣): فسمعت سعيد بن منصور يقول: كنا بالمدينة، فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع، وقالوا: إذا قدم عليكم فلا تتكلوا على الوالي، وارجموه حتى تقتلوه. قال: فعرضوا علي ذلك، وبلغنا الذي هم عليه، فبعثنا بريدا إلى وكيع أن لا يأتي المدينة، ويمضي من طريق الربذة. وكان قد جاوز مفرق الطريقين، فلما أتاه البريد رد، ومضى إلى الكوفة.
стр. 4623
وقد ساق ابن عدي هذه الواقعة في ترجمة عبد المجيد بن أبي رواد، ونقل أنه هو الذي أفتى بقتل وكيع، فقال (١): أخبرنا محمد بن عيسى المروزي فيما كتب إلي قال: حدثنا أبي عيسى بن محمد قال: حدثنا العباس بن مصعب قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا ابن أبي خالد، فساق الحديث. ثم قال قتيبة: حدث وكيع بهذا بمكة سنة حج الرشيد، فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد، فأما عبد المجيد فإنه قال: يجب أن يقتل، فإنه لم يرو هذا إلا من في قلبه غش للنبي ﷺ . وقال سفيان: لا قتل عليه، رجل سمع حديثا فرواه، المدينة شديدة الحر، توفي النبي ﷺ فترك ليلتين؛ لأن القوم كانوا في إصلاح أمر الأمة، واختلفت قريش والأنصار، فمن ذلك تغير. قال قتيبة: فكان وكيع إذا ذكر فعل عبد المجيد قال: ذاك جاهل، سمع حديثا لم يعرف وجهه فتكلم بما تكلم.
عن مليح بن وكيع قال: لما نزل بأبي الموت أخرج يديه فقال: يا بني، ترى يدي ما ضربت بها شيئا قط.
قال مليح: فحدثني داود بن يحيى بن يمان قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله، من الأبدال؟ قال: الذين لا يضربون بأيديهم شيئا، وإن وكيعا منهم.
قلت: بل من ضرب بيديه في سبيل الله فهو أفضل.
قال علي بن عثام: مرض وكيع فدخلنا عليه، فقال: إن سفيان أتاني فبشرني بجواره، فأنا مبادر إليه.
غنجار في تاريخه: حدثنا أحمد بن سهل، سمعت قيس بن أنيف، سمعت يحيى بن جعفر، سمعت عبد الرزاق يقول: يا أهل خراسان، إنه نعي لي إمام خراسان؛ يعني وكيعا. قال: فاهتممنا لذلك. ثم قال: بعدا لكم يا معشر الكلاب، إذا سمعتم من أحد شيئا اشتهيتم موته.
قلت: ومن جسارته كونه حج بعد تيك المحنة.
قال أبو هشام الرفاعي: مات وكيع سنة سبع وتسعين ومائة يوم عاشوراء، ودفن بفيد؛ يعني راجعا من الحج.
стр. 4624
وقال أحمد: حج وكيع سنة ست وتسعين، ومات بفيد (١).
٣٤٢ - د: الوليد بن عقبة بن المغيرة الشيباني الطحان الكوفي، أخو محمد.
روى عن حنظلة بن أبي سفيان، وحمزة الزيات، وزائدة. وعنه أحمد، وإسحاق، وعلي بن محمد الطنافسي، ومحمد بن رافع، وجماعة.
قال أبو حاتم (٢): صدوق.
وقال أبو داود: ليس به بأس (٣).
٣٤٣ - ن: الوليد بن كثير المزني المدني، نزيل الكوفة.
روى عن ربيعة الرأي، وعبيد الله بن عمر، والضحاك بن عثمان. وعنه أبو سعيد الأشج، ومحمد بن عبد الله بن عمار، ويوسف بن عدي، وأخوه زكريا.
قال أبو حاتم (٤): يكتب حديثه (٥).
٣٤٤ - ع: الوليد بن مسلم، الإمام أبو العباس، الأموي مولاهم، الدمشقي، أحد الأعلام.
قرأ القرآن على يحيى الذماري، وحدث عنه، وعن ثور بن يزيد، وابن جريج، وابن عجلان، والمثنى بن الصباح، ويزيد بن أبي مريم، وصفوان بن عمرو، وعبد الله بن العلاء بن زبر، والأوزاعي، والثوري، ومالك، والليث، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبي بكر بن أبي مريم، وعفير بن معدان، ومروان بن جناح، وعثمان بن أبي العاتكة، وخلق.
وعنه الليث بن سعد شيخه، وبقية، وابن وهب، وأحمد بن حنبل، ودحيم، وأبو خيثمة، وعلي بن محمد الطنافسي، وإسحاق بن موسى الخطمي، وموسى بن عامر المري، ومحمد بن مصفى، ومحمود بن غيلان، وعمرو بن عثمان، وخلق كثير. وصنف التصانيف.
стр. 4625
قال محمد بن سعد (١): كان الوليد ثقة كثير الحديث والعلم، حج سنة أربع وتسعين ومائة، ثم رجع فمات بالطريق.
وقال دحيم: مولده سنة تسع عشرة ومائة.
قال ابن عساكر (٢): قرأ عليه هشام بن عمار، والربيع بن ثعلب.
وقال الفسوي (٣): سألت هشام بن عمار عن الوليد، فأقبل يصف علمه وورعه وتواضعه، وقال: كان أبوه من رقيق الإمارة، وتفرقوا على أنهم أحرار. وكان للوليد أخ جلف متكبر يركب الخيل، ويركب معه غلمان كثير ويتصيد، وقد حمل الوليد دية فأدى ذلك في بيت المال، أخرجه عن نفسه إذ اشتبه عليه أمر أبيه. قال: فوقع بينه وبين أخيه في ذلك شغب وجفاء وقطيعة، وقال: فضحتنا، ما كان حاجتك إلى ما فعلت؟
وقال أبو التقي الحمصي: حدثنا سعيد بن مسلمة القرشي قال: أنا أعتقت الوليد بن مسلم، كان عبدي.
وقال ابن سعد (٤)، عن رجل: إن الوليد كان من الأخماس فصار لآل مسلمة بن عبد الملك، فلما قدم بنو هاشم في دولتهم قبضوا رقيق الأخماس وغيره، فصار الوليد وأهل بيته لصالح بن علي، فوهبهم لابنه الفضل فأعتقهم، ثم إن الوليد اشترى نفسه منهم، فأخبرني سعيد بن مسلمة قال: جاءني الوليد فأقر لي بالرق، فأعتقته. وكان للوليد أخ اسمه جبلة، كان له قدر وجاه.
قال أحمد: ليس أحد أروى لحديث الشاميين من الوليد وإسماعيل بن عياش.
إبراهيم بن المنذر: قدمت البصرة، فجاءني علي ابن المديني فقال: أول شيء أطلب، أخرج إلي حديث الوليد بن مسلم. فقلت: يا ابن أم، سبحان الله! وأين سماعي من سماعك؟! فجعلت أأبى ويلح، فقلت له: أخبرني عن إلحاحك ما هو؟ قال: أخبرك؛ الوليد رجل أهل الشام، وعنده علم كثير، ولم أستمكن منه، وقد حدثكم بالمدينة في المواسم، ويقع عندكم الفوائد؛ لأن