← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

أمته؟ قال: نعم. قال: واتسع لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ذلك؟ قال: نعم. فأعرض الشيخ عنه، وأقبل على الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين قد قدمت القول أن أحمد يصبو ويضعف عن المناظرة. يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما زعم هذا أنه اتسع للنبي ﷺ ، ولأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فلا وسع الله عليك. قال الواثق: نعم كذا هو. اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطعوه ضرب الشيخ بيده في القيد فأخذه، فقال الواثق: لم أخذته؟ قال: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي له، إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني، حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة وأقول: يا رب لم قيدني وروع أهلي؟ ثم بكى فبكى الواثق وبكينا. ثم سأله الواثق أن يجعله في حل، وأمر له بصلة فقال: لا حاجة لي بها. قال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة، وأظن أن الواثق رجع عنها من يومئذ. وقال إبراهيم نفطويه: حدثني حامد بن العباس، عن رجل عن المهتدي بالله، أن الواثق مات وقد تاب عن القول بخلق القرآن. وكان الواثق وافر الأدب. بلغنا أن جارية غنته بشعر العرجي: أظلوم إن مصابكم رجلا رد السلام تحية ظلم فمن الحاضرين من صوب نصب رجلا، ومنهم من قال: صوابها: رجل. فقالت: هكذا لقنني المازني. فطلب المازني، فلما مثل بين يدي الواثق، قال: ممن الرجل؟ قال: من بني مازن. قال: أي الموازن، أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ قلت: مازن ربيعة. فكلمني حينئذ بلغة قومي، فقال: با اسمك. لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما فكرهت أن أواجهه بمكر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين. ففطن لها وأعجبته. فقال: ما تقول في هذا البيت. قلت: الوجه النصب. لأن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم. فأخذ اليزيدي يعارضني، قلت: هو بمنزلة إن ضربكم رجلا ظلم. فالرجل مفعول مصابكم، والدليل عليه أن الكلام معلق، إلى أن تقول ظلم فيتم. فأعجب الواثق، وأمر لي بألف دينار. قال ابن أبي الدنيا: كان الواثق أبيض، تعلوه صفرة، حسن اللحية، في عينيه نكتة.

стр. 5602

وقال زرقان بن أبي دؤاد: لما احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين: الموت فيه جميع الخلق مشترك … لا سوقة منهم يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفاقرهم … وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا ثم أمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه. روى أحمد بن محمد الواثقي أمير البصرة، عن أبيه قال: كنت أحد من مرض الواثق في علته، إذ لحقته غشية، فما شككنا أنه مات. فقال بعضنا لبعض: تقدموا. فما جسر أحد، فتقدمت أنا، فلما صرت عند رأسه، وأردت أن أضع يدي على أنفه، لحقته إفاقة، ففتح عينيه، فكدت أموت فزعا، من أن يراني قد مشيت إلى غير رتبتي، فرجعت إلى خلف، فتعلقت قبيعة سيفي بالعتبة، فعثرت على سيفي فاندق، وكاد أن يدخل في لحمي. فسلمت وخرجت، فاستدعيت سيفا، وجئت فوقفت ساعة، فتلف الواثق تلفا لم يشك فيه. فشددت لحيته وغمضته وسجيته، وجاء الفراشون، فأخذوا ما تحته يردوه إلى الخزائن؛ لأنه مثبت عليهم، وترك وحده في البيت. فقال لي أحمد بن أبي دؤاد القاضي: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، وأحب أن تحفظه حتى أن يدفن، فأنت من أخصهم به في حياتي. فرددت باب المجلس، وجلست عند الباب، فحسست بعد ساعة بحركة في البيت أفزعتني، فدخلت، فإذا بجرذون قد جاء فاستل عينه فأكلها، فقلت: لا إله إلا الله، هذه العين التي فتحها من ساعة، فاندق سيفي هيبة لها. قال: وجاءوا فغسلوه، وأخبرت ابن أبي دؤاد الخبر. قال: والجرذون دابة أكبر من اليربوع. كانت خلافة الواثق خمس سنين، وثلاثة أشهر ونصف. ومات بسر من رأى، يوم الأربعاء، لست بقين من ذي الحجة، من سنة اثنتين وثلاثين، وبويع بعده المتوكل. ٤٦٧ - خ م د: هارون بن معروف، أبو علي المروزي، نزيل بغداد. كان خزازا وأضر بأخرة. روى عن هشيم، ويحيى بن أبي زائدة، وابن عيينة، ومروان بن شجاع، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد الله بن وهب، وأبي بكر بن عياش، والوليد بن

стр. 5603

مسلم، وخلق كثير من العراقيين، والحجازيين، والمصريين، والشاميين، والجزريين. وعنه مسلم، وأبو داود، والبخاري عن رجل عنه، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى الذهلي، وصالح جزرة، وعبد الله بن أحمد، وأحمد بن خيثمة، وموسى بن هارون، وأبو القاسم البغوي، وطائفة. وثقه أبو حاتم (١)، وجماعة. قال ابن أبي حاتم (٢): سمع منه أبي ببغداد سنة خمس عشرة بعد ما عمي، من حفظه. وقال أبو داود: سمعت الثقة يقول: قال هارون بن معروف: رأيت في المنام قيل لي: من آثر الحديث على القرآن عذب. قال: فظننت أن ذهاب بصري من ذلك. وقال هارون الحمال: سمعت هارون بن معروف يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فكأنما عبد اللات والعزى. وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن هارون بن معروف قال: من زعم أن الله لا يتكلم فهو يعبد الأصنام. قلت: عاش هارون أربعا وسبعين سنة، ومات في آخر رمضان سنة إحدى وثلاثين. وكان صدوقا فاضلا صاحب سنة (٣). ٤٦٨ - هارون بن أبي هارون العبدي. حدث ببغداد عن أبي المليح الرقي، وبقية. وعنه مطين، وعبد الله بن ناجية. وكان صدوقا (٤). ٤٦٩ - هاشم بن الحارث المروذي، نزيل بغداد. عن أبي المليح، وعبيد الله بن عمرو الرقيين. وعنه أبو بكر بن أبي الدنيا،

стр. 5604

والبغوي، وأحمد بن الحسن الصوفي الكبير، وغيرهم. وثقه الخطيب وقال (١): توفي سنة أربع وثلاثين. حديثه بعلو في جزء بيبى. ٤٧٠ - هاشم بن الوليد، أبو طالب الهروي. عن أبي بكر بن عياش، وحفص بن غياث، ويحيى بن سليم الطائفي. وعنه أبو حاتم الرازي، ومحمد بن عبد الرحمن الشامي، والحسين بن إدريس، وآخرون. توفي سنة تسع وثلاثين. ٤٧١ - هبيرة بن محمد التمار الأبرش. قرأ القرآن على حفص صاحب عاصم. وتصدر للإقراء. قرأ عليه حسنون بن الهيثم الدويري، والخضر بن الهيثم الطوسي، وأحمد بن علي الخزاز، وغيرهم. كنيته أبو عمر. ٤٧٢ - خ م د: هدبة بن خالد بن الأسود بن هدبة، أبو خالد القيسي الثوباني البصري، ويقال له: هداب. صلى على شعبة، وسمع من: الحمادين، وهمام بن يحيى، وجرير بن حازم، وأبان العطار، وسليمان بن المغيرة، ومبارك بن فضالة، وهارون بن موسى النحوي، وسلام بن مسكين، وطائفة بصريين. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وبقي بن مخلد، وأبو بكر بن أبي عاصم، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأحمد بن عمرو القطراني، وأبو يعلى الموصلي، وجعفر الفريابي، والحسن بن سفيان، وأبو معشر الحسن بن سليمان الدارمي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعبدان الأهوازي، وأبو القاسم البغوي، وخلق. قال علي بن الجنيد (٢)، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم (٣): صدوق.

стр. 5605

وقال ابن عدي (١): لا بأس به. ولا أعرف له حديثا منكرا فيما يرويه. وأما النسائي فقال: ضعيف. وقال الحسن بن سفيان: سمعت هدبة يقول: صليت على شعبة، فقيل له: رأيته؟ قال: رأيت من هو خير منه، حماد بن سلمة، وكان سنيا، وكان شعبة يرى الإرجاء. وقال عبدان الأهوازي: كنا لا نصلي خلف هدبة من طول صلاته. يسبح في الركوع والسجود نيفا وثلاثين تسبيحة. وكان من أشبه خلق الله بهشام بن عمار لحيته ووجهه وكل شيء منه حتى صلاته. وقال ابن عدي (٢): سمعت أبا يعلى، وقد سئل عن هدبة، وشيبان، أيهما أفضل؟ قال: هدبة أفضلهما وأوثقهما، وأكثرهما حديثا. كان حديث حماد بن سلمة عنده نسختين: واحدة على الشيوخ، وواحدة على التصنيف. أخبرنا أبو المعالي الأبرقوهي، قال: أخبرنا الفتح بن عبد السلام، قال: أخبرنا محمد بن عمر، ومحمد بن علي، ومحمد بن أحمد قالوا: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الفضل الزهري، قال: أخبرنا جعفر الفريابي قال: حدثنا هدبة بن خالد، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، عن أنس، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة. وذكر الحديث (٣). قال أبو داود، عن محمد بن عبد الملك: توفي هدبة سنة خمس وثلاثين. وقال ابن حبان (٤): مات سنة ست أو سبع وثلاثين (٥). ٤٧٣ - م: هريم بن عبد الأعلى بن الفرات، أبو حمزة الأسدي البصري. عن معتمر بن سليمان، ويزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، وجماعة.

стр. 5606

وعنه مسلم، وبقي بن مخلد، وإسماعيل سمويه، وعبدان الأهوازي، وأبو يعلى الموصلي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وطائفة. وحدث بأصبهان سنة عشرين ومائتين. قال ابن حبان في الثقات (١): مات سنة أربعين أو قبلها أو بعدها بقليل. وقال أبو الشيخ (٢): مات بالبصرة سنة خمس وثلاثين. ٤٧٤ - ت: هريم بن مسعر، أبو عبد الله الأزدي الترمذي، خادم الفضيل بن عياض. روى عن الفضيل، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد الله بن وهب. وعنه الترمذي، وجعفر الفريابي، وأحمد بن عبد الله بن مالك. وثقه ابن حبان (٣). ٤٧٥ - هشام بن إسحاق أبو ربيعة العامري، مولاهم، المصري. قال ابن يونس: كان عالما بأخبار مصر. روى عن الليث، ومالك. ومات في ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين. ٤٧٦ - ن: الهيثم بن أيوب، أبو عمران الطالقاني. عن إبراهيم بن سعد، ويحيى بن أبي زائدة، وعبد العزيز الدراوردي، وجماعة. وعنه النسائي، وجعفر الفريابي، ومحمد بن عبد الله بن يوسف الدويري، وجماعة. وثقه النسائي، وكان إماما كبير القدر. توفي سنة ثمان وثلاثين بالطالقان من بلاد خراسان (٤). ٤٧٧ - د: الهيثم بن خالد الجهني الكوفي. عن وكيع، وحسين الجعفي، وعبد الله بن نمير، وجماعة. وعنه أبو داود. وقال (٥): ثقة. كتبت عنه سنة خمس وثلاثين.

стр. 5607

لم أجد من روى عنه غير أبي داود، وتوفي سنة تسع وثلاثين (١). • - الهيثم بن خالد الكوفي الوراق مستملي أبي نعيم. سيأتي (٢). • - والهيثم بن خالد المصيصي: حدث ببغداد بعد الخمسين (٣). • - والهيثم بن خالد البغدادي: شيخ من طبقة المصيصي (٤). ٤٧٨ - والهيثم بن خالد الكوفي. عن شريك. شيخ فيه جهالة (٥). ٤٧٩ - الهيثم بن اليمان، أبو بشر الرازي. عن شريك، وأبي الأحوص، وإسماعيل بن زكريا، وهشيم. روى عنه أبو حاتم، وعلي بن الحسين بن الجنيد، وغيرهما. وهو صالح الحديث. قاله فيما أرى عبد الرحمن بن أبي حاتم (٦). ٤٨٠ - وثيمة بن موسى بن الفرات الفارسي. نزيل مصر. صنف كتاب الردة، وجوده. وكان تاجرا في الوشي. وله معرفة بالأخبار وأيام الناس. دخل إلى الأندلس وغيرها. روى عنه ولده عمارة بن وثيمة. ومات في جمادى الآخرة سنة سبع. يروي عن سلمة بن الفضل الأبرش، ومالك بن أنس، وطائفة. قال ابن أبي حاتم (٧): يحدث عن سلمة بن الفضل بأحاديث موضوعة. • - الواثق بالله. اسمه هارون. مر (٨). ٤٨١ - الوليد بن عبد الملك بن مسرح، أبو وهب الحراني. عن سليمان بن عطاء الحراني، وعبيد الله بن عدي بن عدي، ويعلى بن

стр. 5608

الأشدق، وغيرهم. وعنه جعفر الفريابي، وأبو زرعة، وأبو حاتم وقال: (١) صدوق. قلت: مات سنة أربعين. ٤٨٢ - د: الوليد بن عتبة، أبو العباس الأشجعي الدمشقي المقرئ. قرأ على أيوب بن تميم. وسمع من الوليد بن مسلم، وبقية، وضمرة بن ربيعة، وجماعة. وعنه أبو داود، وأبوا زرعة، وجعفر الفريابي، ومحمد بن الحسين بن قتيبة العسقلاني، وعمر بن سعيد المنبجي، وجماعة. قال أبو زرعة الدمشقي: كان القراء بدمشق الذين يحكمون القراءة الشامية العثمانية ويضبطونها: هشام، وابن ذكوان، والوليد بن عتبة. وقال محمد بن عوف: هو أوثق من صفوان بن صالح. ولد سنة ست وسبعين ومائة. وقال أبو زرعة الدمشقي: مات في جمادى الأولى سنة أربعين. قلت: قرأ عليه أحمد بن نصر بن شاكر، وأخذ عنه الحروف أحمد بن يزيد الحلواني، وفضل بن محمد الأنطاكي (٢). ٤٨٣ - م د: وهب بن بقية بن عثمان بن سابور، أبو محمد الواسطي، ويقال له: وهبان. عن هشيم، ويزيد بن زريع، وخالد بن عبد الله الطحان، وطبقتهم. وعنه مسلم، وأبو داود، وأبو يعلى الموصلي، وأبو القاسم البغوي، وجعفر الفريابي، وأبو العباس السراج، وآخرون (٣). قال يحيى بن معين (٤): ثقة، لكنه سمع وهو صغير. قلت: وقع لنا حديثه عاليا. وتوفي سنة تسع وثلاثين (٥). ٤٨٤ - م د: يحيى بن أيوب، أبو زكريا البغدادي المقابري العابد. عن شريك، وإسماعيل بن جعفر، وخلف بن خليفة، وهشيم، ومصعب بن سلام، وعباد بن عباد، وعبد الله بن وهب، وخلق. وعنه مسلم، وأبو

стр. 5609

داود، وأبو زرعة، وابن أبي الدنيا، ومحمد بن وضاح القرطبي، والحسين بن فهم، وأحمد بن علي المروزي، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن الحسن الصوفي، وأبو القاسم البغوي، ومحمد بن إبراهيم السراج، وحامد بن شعيب البلخي، وخلق. قال أحمد بن حنبل: رجل صالح، صاحب سكون ودعة. وقال علي ابن المديني: صدوق. وقال أبو شعيب الحراني: حدثنا يحيى بن أيوب، وكان من خيار عباد الله. وقال محمد بن مخلد: حدثنا العباس بن محمد بن عبد الرحمن الأشهلي، قال: حدثني أبي، قال: مررت بمقابر، فسمعت همهمة، فاتبعت الأثر، فإذا يحيى بن أيوب في حفرة من تلك الحفر، وإذا هو يدعو ويبكي، ويقول: يا قرة عين المطيعين، ويا قرة عين العاصين، ولم لا تكون قرة عين العاصين، وأنت سترت عليهم الذنوب. ولم لا تكون قرة عين المطيعين، وأنت مننت عليهم بالطاعة. قال: ويعاود البكاء. فغلبني البكاء، ففطن بي، وقال: تعال، لعل الله إنما بعث بك لخير. وقال الحسين بن فهم: كان يحيى بن أيوب ثقة، ورعا، مسلما، يقول بالسنة، ويعيب من يقول بقول جهم وبخلاف السنة. قال: وتوفي يوم الأحد لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة أربع وثلاثين. وأما موسى بن هارون فقال: ليلة الأحد لعشر مضين من ربيع الأول. وأخبرني أنه ولد سنة سبع وخمسين ومائة (١). ٤٨٥ - خ: يحيى بن بشر البلخي الفلاس العابد. عن سفيان بن عيينة، والوليد بن مسلم، ووكيع، وشبابة، وطبقتهم. وعنه البخاري، وأحمد بن سيار المروزي، وعبد الله الدارمي، وعبد بن حميد، وآخرون. قال البخاري (٢): توفي في خامس المحرم سنة اثنتين وثلاثين (٣).

стр. 5610

٤٨٦ - يحيى بن أبي عبيدة رجاء بن عبد الله، أبو محمد الوادي الحراني. سمع زهير بن معاوية، وأبا يوسف بن يعقوب بن إبراهيم. وعنه أبو عروبة الحراني، ورخه، وقال: سمعت منه وكان لا يخضب. مات في جمادى الأولى سنة أربعين ومائتين. ٤٨٧ - خ ت: يحيى بن سليمان بن يحيى بن سعيد بن مسلم بن عبيد، أبو سعيد الجعفي الكوفي المقرئ، نزيل مصر. سمع حروف عاصم من أبي بكر بن عياش، أخذها عنه أحمد بن محمد بن رشدين. وسمع عبد العزيز الدراوردي، وأبا خالد الأحمر، وعبد الرحمن المحاربي، وأبا بكر بن عياش، ووكيعا، وعبد الله بن وهب، وطائفة. وعنه البخاري والترمذي، عن رجل، عنه، ومحمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن عوف الطائي، والحسين بن إسحاق التستري، والحسن بن سفيان، وأبو الطاهر محمد بن أحمد بن عثمان المديني، والحسن بن غليب المصري، وآخرون. قال النسائي: ليس بثقة. وقال غيره بتوثيقه. قال أبو حاتم (١): شيخ. وقال ابن حبان في كتاب الثقات (٢): ربما أغرب. وقال ابن يونس: توفي سنة سبع وثلاثين. وقال في مكان آخر: سنة ثمان (٣). ٤٨٨ - يحيى بن سليمان الحفري (٤) الإفريقي، أبو زكريا.

стр. 5611

روى عن أبي معمر عباد بن عبد الصمد، وغيره. وعنه جبرون بن عيسى البلوي. قيل: توفي سنة سبع أيضا. ٤٨٩ - يحيى بن طلحة اليربوعي الكوفي. عن شريك، وفضيل بن عياض. وعنه علي بن الحسين بن الجنيد الرازي، وغيره. ٤٩٠ - خ م ق: يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي، مولاهم، المصري الحافظ، أبو زكريا. ولد سنة أربع وخمسين ومائة. وأخذ عن مالك، والليث، وابن لهيعة، وحماد بن زيد، والمغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، ويعقوب بن عبد الرحمن القاري، وبكر بن مضر، ومفضل بن فضالة، وابن وهب، وخلق سواهم. وعنه البخاري، ومسلم، وابن ماجه عن رجل، عنه، وبقي بن مخلد، وحرملة بن يحيى، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، ويحيى بن أيوب العلاف، ويحيى بن عثمان بن صالح السهمي، وأحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين، وخير بن موفق، وأبو الزنباع روح بن الفرج، وأبو علي الحسن بن الفرج الغزي، وآخرون كثيرون. قال أبو حاتم (١): كان يفهم هذا الشأن، يكتب حديثه، ولا يحتج به. قلت: قد احتج به صاحبا الصحيحين، وكان غزير العلم عارفا بالحديث وأيام الناس، بصيرا بالفتوى. قال عبيد بن رجال: سمعت يحيى بن بكير يقول لأبي زرعة: ليس ذا زعزعة عن زوبعة، إنما ترفع الستر، وتنظر إلى نبيك وأصحابه بين يديه، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر.

стр. 5612

وقد قال فيه النسائي (١): ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. ولم يقبل الناس من النسائي إطلاق هذه العبارة في هذا، ولا الذي قبله، كما لم يقبلوا منه ذلك في أحمد بن صالح المصري. قال أسلم بن عبد العزيز الأندلسي: حدثنا بقي بن مخلد أن يحيى بن بكير سمع الموطأ من مالك سبع عشرة مرة. قلت: ومن جلالته عند البخاري أنه روى عن محمد بن عبد الله، وهو الذهلي، عن يحيى بن بكير. أخبرنا محمد بن عبد السلام العصروني، وغير واحد، عن المؤيد الطوسي، وغيره، قال المؤيد: أخبرنا محمد بن الفضل الفراوي، قال: أخبرنا عمر بن مسرور، قال: أخبرنا إسماعيل بن نجيد، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جَزء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار (٢). توفي في النصف من صفر سنة إحدى وثلاثين. ٤٩١ - خ: يحيى بن عبد الله بن زياد السلمي الخراساني، خاقان المروزي، ويقال: البلخي. أخو جمعة وزنجويه، ويكنى أبا سهل، وقيل: أبو الليث. روى عن ابن المبارك، ونوح بن أبي مريم، وحفص بن غياث، والوليد بن مسلم، وجماعة. وعنه البخاري، وحاشد بن إسماعيل، وعبيد الله بن سريج، وجماعة آخرهم أبو العباس محمد بن إسحاق السراج. وكانت أمه جارية من أهل تبت (٣). ٤٩٢ - يحيى بن عثمان، أبو زكريا الحربي. عن أبي المليح الرقي، وإسماعيل بن عياش، والهقل بن زياد، وبقية، وطائفة. وأصله من سجستان. وكان عابدا صالحا قانتا لله. روى عنه ابن

стр. 5613

أبي الدنيا، وعلي بن الحسين بن حبان، ومحمد بن عبدوس بن كامل، وأبو زرعة الرازي، والبغوي، والسراج. وثقه أبو زرعة (١)، وقال ابن معين (٢): ليس به بأس. وقال البغوي (٣): توفي سنة ثمان وثلاثين. ٤٩٣ - ع: يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام. وقيل: غياث بدل عون، الإمام العالم أبو زكريا المري، مرة بن غطفان، مولاهم البغدادي. أصله من الأنبار، ونشأ ببغداد، وسمع بها، وبالحجاز، والشام، ومصر، والنواحي، وقال: مولده في سنة ثمان وخمسين ومائة، فهو أسن من علي ابن المديني، وأحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وكانوا يتأدبون معه ويعرفون له فضله. وكان أبوه كاتبا لعبد الله بن مالك، فخلف ليحيى ألف ألف درهم فيما قيل. سمع عبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، ومعتمر بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن مجالد، ويحيى بن أبي زائدة، ويحيى بن عبد الله الأنيسي المدني، وسفيان بن عيينة، وأبا حفص الأبار، وحفص بن غياث، وعباد بن العوام، وعمر بن عبيد الطنافسي، وعيسى بن يونس، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيعا، وعبد الرحمن بن مهدي، وخلقا من طبقتهم ومن بعدهم. ورحل إلى اليمن إلى عبد الرزاق. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن رجل، عنه، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وأبو خيثمة، وهناد، وطائفة من أقرانه، وعباس الدروي، وأبو بكر الصاغاني، وأحمد بن أبي خيثمة، ومعاوية بن صالح الأشعري، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، وإسحاق الكوسج، وحنبل بن إسحاق، وصالح جزرة وخلق من أقرانهم من هذه الطبقة، وموسى بن هارون، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي،

стр. 5614

وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وآخرون، وجعفر الفريابي، ومحمد بن إبراهيم البغدادي مربع، ومحمد بن صالح كيلجة، وعلي بن الحسن بن عبد الصمد ما غمه، والحسين بن محمد عبيد العجل، الحفاظ، يقال: إنهم من تلامذة يحيى بن معين، وإنه لقبهم. ووقع لنا حديثه عاليا. أخبرنا أحمد بن إسحاق بمصر، قال: أخبرنا أحمد بن يوسف، والفتح بن عبد الله، قالا: أخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر القاضي. (ح) وأخبرنا أحمد بن هبة الله، عن عبد المعز الهروي قال: أخبرنا يوسف بن أيوب الزاهد، قالا: أخبرنا أحمد بن محمد بن النقور، قال: أخبرنا علي بن عمر الحربي، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي، قال: حدثنا يحيى بن معين سنة سبع وعشرين ومائتين، قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي. رواه الترمذي في المناقب (١)، عن أبي داود السجستاني، عن يحيى بن معين. وبالإسناد إلى ابن معين، قال: حدثنا ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح، ونهى عن بيع السنين. وبالإسناد قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ : من أقال مسلما عثرته، أقاله الله يوم القيامة. أخرجهما أبو داود، عن يحيى بن معين (٢). وهذا الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند والده (٣)، عن ابن معين، وهو ما قيل: إن ابن معين تفرد به.

стр. 5615

وقال ابن عدي (١): سمعت عبدان الأهوازي، قال: سمعت حسين بن حميد بن الربيع، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يتكلم في يحيى بن معين، ويقول: من أين له حديث حفص بن غياث: من أقال مسلما؟ هو ذا كتب حفص عندنا. وهو ذا كتب ابنه عمر بن حفص عندنا، وليس فيه من هذا شيء. قال ابن عدي (٢): يحيى يوثق به، وأجل من أن ينسب إليه شيء من ذلك. والحسين بن حميد متهم في هذه الحكاية. وقد حدث بهذا الحديث أبو عوف البزوري، عن زكريا بن عدي، عن حفص بن غياث. قال أحمد بن زهير: ولد يحيى سنة ثمان وخمسين ومائة. وقال أبو حاتم (٣): يحيى بن معين إمام. وقال النسائي: هو أبو زكريا الثقة المأمون، أحد الأئمة في الحديث. وقال علي ابن المديني: لا نعلم أحدا من لدن آدم كتب من الحديث ما كتب ابن معين. وقال عباس الدوري: سمعت ابن معين يقول: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه. وعن يحيى بن معين، قال: كتبت بيدي ألف ألف حديث. وقال صالح بن محمد جزرة: ذكر لي أن يحيى بن معين خلف من الكتب ثلاثين قمطرا وعشرين حبا. طلب يحيى بن أكثم كتبه بمائتي دينار، فلم يدع أبو خيثمة أن تباع. وقال عباس الدوري، فيما رواه عنه الأصم: سمعت يحيى بن معين يقول: كنا في قرية بمصر، ولم يكن معنا شيء، ولا ثَمَّ شيئا نشتريه، فلما أصبحنا إذا نحن بزنبيل مليء بسمك مشوي وليس عنده أحد، فسألوني عنه، فقلت: اقتسموه فكلوه قال يحيى: أظن أنه رزق رزقهم الله. وسمعت يحيى مرارا يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق، والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.

стр. 5616

وقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: كنت إذا دخلت منزلي بالليل قرأت آية الكرسي على داري وعيالي خمس مرات، فبينا أنا أقرأ، إذا شيء يكلمني: كم تقرأ هذا، كأن إنسان لم يحسن أن يقرأ غيرك؟ فقلت: وأرى هذا يسوؤك، والله لأزيدنك إلا غيظا، فجعلت أقرأها في الليل خمسين ستين مرة. قال عباس الدوري: قلت ليحيى بن معين: ما تقول في الرجل يقوم للرجل حديثه؟ يعني ينزع منه اللحن، فقال: لا بأس بحديثه. وقال عباس: سمعت يحيى يقول: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه. وقال مجاهد بن موسى: سمعت ابن معين يقول: كتبنا عن الكذابين وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزا نضيجا. قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: سمعت ابن معين يقول: ما الدنيا إلا كحلم حالم. والله ما ضر رجلا اتقى الله على ما أصبح وأمسى، لقد حججت وأنا ابن أربع وعشرين سنة، خرجت راجلا من بغداد إلى مكة، هذا منذ خمسين سنة كأنما كان أمس. قلت ليحيى بن معين: ترى أن ينظر الرجل في الرأي؛ رأي الشافعي وأبي حنيفة؟ قال: ما أرى لمسلم أن ينظر في رأي الشافعي، ينظر في رأي أبي حنيفة أحب إلي. قلت: إنما يقول هذا يحيى لأنه كان حنفيا، وفيه انحراف معروف عن الشافعي، والإنصاف عزيز. قال ابن الجنيد: سمعت يحيى يقول: تحريم النبيذ صحيح، وأقف عنده لا أحرمه؛ قد شربه قوم صالحون بأحاديث صحاح، وحرمه قوم صالحون بأحاديث صحاح. أنا سمعت يحيى بن سعيد يقول: حديث الطلاء، وحديث عتبة بن فرقد جميعا صحيحان. وقال علي ابن المديني: انتهى علم الناس إلى يحيى بن معين. وقال القواريري: قال لي يحيى القطان: ما قدم علينا مثل هذين الرجلين؛ أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. وقال أحمد بن حنبل: كان يحيى بن معين أعلمنا بالرجال.

стр. 5617

وعن أبي سعيد الحداد، قال: الناس عيال في الحديث على يحيى بن معين. وقال محمد بن هارون الفلاس: إذا رأيت الرجل يبغض يحيى بن معين فاعلم أنه كذاب. وعن أحمد بن حنبل، قال: حديث لا يعرفه يحيى بن معين فهو كذب، أو ليس هو بحديث. وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: كنا عند يحيى بن معين، فجاءه رجل مستعجل، فقال: يا أبا زكريا حدثني بحديث نذكرك به. قال يحيى: اذكر أنك سألتني أن أحدثك، فلم أفعل. وقال أبو داود: سمعت ابن معين يقول: أكلت عجنة خبز وأنا ناقه من علة. وقال الحسين بن فهم: سمعت ابن معين يقول: كنت بمصر فرأيت جارية بيعت بألف دينار ما رأيت أحسن منها صلى الله عليها. فقلت: يا أبا زكريا مثلك يقول هذا؟ قال: نعم. صلى الله عليها وعلى كل مليح. وقال عباس الدوري: رأيت أحمد بن حنبل في المجلس عند روح بن عبادة يسأل يحيى بن معين عن أشياء، يقول: يا أبا زكريا، كيف حديث كذا؟ وكيف حديث كذا؟ يستثبته في أحاديث سمعوها، وأحمد يكتب ما يقول. وقل ما سمعت أحمد يسميه، إنما كان يقول: قال أبو زكريا. وقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود أيما أعلم بالرجال: علي ابن المديني، أو ابن معين؟ قال يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء. وقال عباس الدوري: حدثنا ابن معين، قال: حضرت نعيم بن حماد المصري، فجعل يقرأ كتابا صنفه، فقال: حدثنا ابن المبارك، عن ابن عون، وذكر أحاديث. فقلت: ليس هذا عن ابن مبارك. فغضب وقال: ترد علي. قلت: إي والله أريد زينك. فأبى أن يرجع، فلما رأيته لا يرجع قلت: لا والله ما سمعت هذه من ابن المبارك، ولا سمعها هو من ابن عون قط. فغضب وغضب من كان عنده، وقام فدخل البيت، فأخرج صحائف فجعل يقول: أين

стр. 5618

الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث. نعم يا أبا زكريا غلطت، وإنما روى هذه الأحاديث عن ابن عون غير ابن المبارك. قال الحسين بن حبان: قال ابن معين: دفع إلي ابن وهب كتابا عن معاوية بن صالح، خمسمائة حديث أو أكثر، فانتقيت منها شرارها. لم يكن لي يومئذ معرفة. قلت: أسمعتها من أحد قبل ابن وهب؟ قال: لا. قلت: يعني أنه مبتدئا لا يعرف ينتخب. وقال أبو زرعة: لم يكن يُنتفع بيحيى لأنه كان يتكلم في الناس. وكان أحمد لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب. قلت: كان يحيى بن معين له أبهة وجلالة، وله بزة حسنة، ويركب البغلة ويتجمل، فأجاب في المحنة خوفا على نفسه. قال حبيش بن مبشر الفقيه: كان يحيى بن معين يحج، فآخر حجة حجها ورجع ووصل إلى المدينة، أقام بها يومين أو ثلاثة. ثم خرج حتى نزل المنزل مع رفقائه، فباتوا. فرأى في النوم هاتفا يهتف به: يا أبا زكريا أترغب عن جواري، مرتين؟ فلما أصبح قال لرفقائه: امضوا ورجع فأقام بها ثلاثا، ثم مات، فحمل على أعواد النبي ﷺ ، وصلى عليه الناس، وجعلوا يقولون: هذا الذاب عن رسول الله ﷺ الكذب. قال الخطيب (١): الصحيح أنه مات في ذهابه قبل أن يحج. وقال محمد بن جرير الطبري: خرج يحيى حاجا وكان أكولا. فحدثني أبو العباس أحمد بن شاه أنه كان في الرفقة التي فيها يحيى بن معين. فلما صاروا بفيد أهدي إلى يحيى بن معين فالوذج ولم ينضج، فقلت له: يا أبا زكريا لا تأكله، فإنا نخاف عليك. فلم يعبأ بكلامنا وأكله، فما استقر في معدته حتى شكا وجع بطنه، واستطلق بطنه، إلى أن وصلنا إلى المدينة ولا نهوض به، وتفاوضنا في أمره، ولم يكن لنا سبيل إلى المقام عليه لأجل الحج، ولم ندر فيما نعمل في أمره، فعزم بعضنا على القيام عليه وترك الحج. وبتنا ليلتنا فلم نصبح حتى وصى ومات، فغسلناه ودفناه. وقال مهيب بن سليم البخاري: حدثنا محمد بن يوسف البخاري، قال:

стр. 5619

كنا في الحج مع يحيى بن معين، فدخلنا المدينة ليلة الجمعة، ومات من ليلته. فلما أصبحنا تسامع الناس بقدوم يحيى وموته، فاجتمع العامة، وجاءت بنو هاشم فقالوا: نخرج له الأعواد التي غسل عليها رسول الله ﷺ ، فكره العامة ذلك، وكثر الكلام. فقالت بنو هاشم: نحن أولى بالنبي ﷺ منكم، وهو أهل أن يغسل عليها، فغسل عليها، ودفن يوم الجمعة في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين. قال مهيب بن سليم: وفيها ولدت. قال عباس الدوري: مات قبل أن يحج، وصلى عليه والي المدينة، وكلم الحزامي الوالي، فأخرجوا له سرير النبي ﷺ ، فحمل عليه. وقال أحمد بن أبي خيثمة: مات لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين، وقد استوفى خمسا وسبعين سنة ودخل في الست، ودفن بالبقيع. وقال حبيش بن مبشر، وهو ثقة: رأيت يحيى بن معين في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أعطاني وحباني وزوجني ثلاثمائة حوراء، ومهد لي بين البابين. رأيت غريبة، وهي أن أبا عبد الرحمن السلمي روى عن الدارقطني، قال: مات يحيى بن معين قبل أبيه بعشرة أشهر. قال ابن خلكان (١): رأيت في الإرشاد للخليلي (٢) أن ابن معين مات لسبع بقين من ذي الحجة. قال: فعلى هذا تكون وفاته بعد أن حج. قلت: بل الصحيح أنه في ذي القعدة كما مر، وما حج تلك السنة، والله أعلم. ٤٩٤ - خ د ت ن: يحيى بن موسى بن عبد ربه المحدث، أبو زكريا الحداني الكوفي، ثم البلخي، ولقبه خت. رحال جوال. سمع سفيان بن عيينة، والوليد بن مسلم، ومحمد بن فضيل، وعبد الله بن نمير، وعبد الرزاق، وطبقتهم. فأكثر وأطنب. وعنه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد الله الدارمي، وجعفر

стр. 5620

الفريابي، وأبو العباس السراج، وطائفة. وثقه أبو زرعة (١)، وغيره. ومات في رمضان سنة تسع وثلاثين (٢). ٤٩٥ - يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال (٣) بن منغايا الإمام، أبو محمد البربري المصمودي الليثي، مولى بني ليث، الأندلسي القرطبي الفقيه. دخل جده أبو عيسى كثير بن وسلاس إلى الأندلس، وتولى بني ليث. وولد يحيى بن يحيى سنة اثنتين وخمسين ومائة، وسمع الموطأ من زياد بن عبد الرحمن شبطون، وسمع من يحيى بن مضر، وغير واحد. ثم رحل إلى المشرق وهو ابن بضع وعشرين سنة في آخر أيام مالك، فسمع من مالك الموطأ غير أبواب من الاعتكاف، شك في سماعها، فرواها عن زياد، عن مالك. وسمع الليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وابن وهب، فحمل عنه موطأه، وعن ابن القاسم مسائله. وحمل عن ابن القاسم من رأيه عشرة كتب؛ أكثرها سؤاله وسماعه من مالك، ثم رجع إلى المدينة ليسمع ذلك من مالك، فوجده عليلا، فأقام بالمدينة إلى أن توفي مالك، وحضر جنازته. وسمع أيضا من القاسم بن عبد الله العمري، وأنس بن عياض الليثي، وطائفة. وقيل: إنه سمع من نافع من أبي نعيم قارئ المدينة، وما أحسبه أدركه. روى عنه خلق من علماء الأندلس، وانتفعوا به وبعلمه وبفضله، ونال من الرئاسة والحرمة الوافرة ما لم ينله غيره. حمل عنه ولده أبو مروان عبيد الله، ومحمد بن العباس بن الوليد، ومحمد بن وضاح، وبقي بن مخلد، وصباح بن عبد الرحمن العتقي، وآخرون. وكان أحمد بن خالد بن الجباب (٤) يقول: لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس من الحظوة وعظم القدر وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى. ويذكر أن يحيى بن يحيى كان عند مالك، فخطر الفيل على باب مالك،

стр. 5621

فخرج كل من كان في مجلسه لرؤيته سوى يحيى. فأعجب ذلك مالكا، وسأله: من أنت؟ وأين بلدك؟ ولم يزل بعد مكرما له. وعن يحيى بن يحيى، قال: أخذت بركاب الليث، فأراد غلامه أن يمنعني، فقال الليث: دعه. ثم قال لي: قد خدمك العلم. فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك. وقيل: إن عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس نظر إلى جارية في رمضان، فلم يملك نفسه أن واقعها، فندم وطلب الفقهاء، فحضروا، فسألهم عن توبته، فقال يحيى: صم شهرين متتابعين. فسكتوا، فلما خرجوا قالوا ليحيى: ما لك لم تفته بمذهبنا عن مالك، أنه يخير بين العتق والصوم والإطعام؟ فقال: لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم، ويعتق رقبة، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود. وقال ابن عبد البر (١): قدم يحيى بن يحيى إلى الأندلس بعلم كثير، فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار عليه، وانتهى السلطان والعامة إلى رأيه. وكان فقيها حسن الرأي، كان لا يرى القنوت في الصبح، ولا في سائر الصلوات. ويقول: سمعت الليث بن سعد يقول: سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول: إنما قنت رسول الله ﷺ نحو أربعين يوما يدعو على قوم، ويدعو لآخرين. قال: وكان الليث لا يقنت. قال ابن عبد البر: وخالف يحيى مالكا في اليمين مع الشاهد، فلم ير القضاء به ولا الحكم، وأخذ بقول الليث في ذلك. وكان يرى كراء الأرض بجزء مما يخرج منها على مذهب الليث، وقال: هي سنة رسول الله ﷺ في خيبر، وقضى بدار أمين (٢) إذا لم يوجد في أهل الزوجين حكمان يصلحان لذلك. وقال ابن عبد البر أيضا: كان يحيى بن يحيى إمام أهل بلده، والمقتدى به منهم، والمنظور إليه، والمعول. وكان ثقة عاقلا، حسن الهدي والسمت، يشبه في سمته بسمت مالك. ولم يكن له بصر بالحديث. وقال ابن الفرضي (٣): كان يفتي برأي مالك، وكان إمام وقته وواحد

стр. 5622

بلده. وكان رجلا عاقلا. قال محمد بن عمر بن لبابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى. قال ابن الفرضي (١): وكان يحيى ممن اتهم ببعض الأمر في الهيج، فهرب إلى طليطلة ثم استأمن، فكتب له الأمير الحكم أمانا ورد إلى قرطبة. وقال عبد الله بن محمد بن جعفر: رأيت يحيى بن يحيى نازلا عن دابته، ماشيا إلى الجامع يوم جمعة وعليه عمامة ورداء متين، وأنا أحبس دابة أبي. وقال أبو القاسم بن بشكوال: كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة؛ قد أخذ في نفسه وهيبته ومقعده هيئة مالك، ﵀. قلت: وبه ظهر مذهب إلإمام مالك بالأندلس. فإنه عرض عليه القضاء فامتنع. فكان أمير الأندلس لا يولي القضاء بمدائن الأندلس إلا من يشير به يحيى بن يحيى، فكثر تلامذة يحيى لذلك، وأقبلوا على فقه مالك، ونبذوا ما سواه. قال غير واحد: توفي في رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين،: وقيل: سنة ثلاث. ٤٩٦ - يزداد بن موسى بن جميل. حدث ببغداد عن أبي جعفر الرازي، وإسرائيل بن يونس. وتفرد بالرواية عنهما. وعاش بضعا وتسعين سنة. روى عنه عمر بن أيوب السقطي، وعبد الله بن إسحاق المدائني، وعبد الله بن ناجية، وغيرهم (٢). ٤٩٧ - د ن ق: يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب، أبو خالد الرملي الزاهد. شيخ الرملة ومسندها. روى عن الليث بن سعد، ومفضل بن فضالة، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويحيى بن حمزة، وعيسى بن يونس، وبكر بن مضر، وابن وهب، وجماعة. وعنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن رجل عنه، وأبو حاتم، وأحمد بن إبراهيم البسري، وجعفر بن محمد الفريابي،

стр. 5623

ومحمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، وآخرون. قال أحمد بن محمد السجزي: ما رأيت محدثا أخشع لله من يزيد بن خالد الرملي. قلت: وقع لي حديثه في السماء علوا. أخبرنا أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا الفتح بن عبد الله، قال: أخبرنا محمد بن علي، والقاضي الأموي، ومحمد بن أحمد بن الداية، قالوا: أخبرنا أبو جعفر ابن المسلمة، قال: أخبرنا أبو الفضل الزهري، قال: حدثنا جعفر الفريابي، قال: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب بالرملة سنة اثنتين وثلاثين، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أن أبا إدريس الخولاني أخبره أن يزيد بن عميرة، وكان من أصحاب معاذ بن جبل، قال: كان معاذ لا يجلس مجلسا إلا قال حين يجلس: الله حكم قسط، تبارك اسمه، هلك المرتابون ..... وذكر الحديث. قال أبو القاسم بن عساكر (١): توفي سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وثلاثين، ويقال: سنة سبع وثلاثين ومائتين. ٤٩٨ - ق: يزيد بن عبد الله بن يزيد بن ميمون بن مهران، أبو محمد اليمامي، نزيل مكة. شيخ معمر، تفرد بالرواية عن عكرمة بن عمار. وعنه ابن ماجه، ويعقوب الفسوي، ومحمد بن عبد الله مطين، وموسى بن هارون، وجماعة. توفي سنة ثلاث، أو أربع وثلاثين ومائتين (٢). ٤٩٩ - يزيد بن مخلد، أبو خداش الواسطي. عن هشيم، وبشر بن مبشر. وعنه إبراهيم بن يوسف الهسنجاني، وعلي بن الحسين بن الجنيد. ٥٠٠ - يعقوب بن عيسى بن ماهان المروزي، ثم البغدادي، المؤدب.

стр. 5624

حدث عن إبراهيم بن سعد. وعنه أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، وأبو يعلى الموصلي (١). ٥٠١ - يعقوب بن القاسم أبو يوسف الطلحي التيمي. عن الدراوردي، وابن المبارك، وابن عيينة، وجماعة. وعنه الحارث بن أبي أسامة، وعبد الله بن أبي سعد الوراق. وهو ثقة (٢). ٥٠٢ - د: يعقوب بن كعب الأنطاكي الحلبي، أبو حامد، وأبو يوسف. عن عبد الله بن وهب، وبقية بن الوليد، وعيسى بن يونس، والوليد بن مسلم، ومحمد بن سلمة الحراني، وأبي معاوية الضرير، وخلق كثير. وعنه أبو داود، وأحمد بن سيار المروزي، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، وأحمد بن أبي خيثمة، وأبو بكر بن أبي عاصم، وآخرون. قال أبو حاتم (٣): ثقة. وقال أحمد العجلي (٤): ثقة، رجل صالح صاحب سنة. ٥٠٣ - خ ن: يوسف بن عدي، أبو يعقوب الكوفي، مولى تيم؛ تيم الله. أخو زكريا بن عدي. حدث عن مالك بن أنس، وشريك، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وجماعة. وعنه البخاري، والنسائي، عن رجل، عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب الفسوي، ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، والحسن بن الفرج الغزي، ومحمد بن وضاح، وطائفة من المصريين، وغيرهم. قال أبو زرعة (٥): ثقة. ذهب إلى مصر للتجارة فسكنها. وقال غيره: توفي في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين في ربيع الأول (٦). وأضر قبل موته بيسير.

стр. 5625

٥٠٤ - يوسف بن عمرو بن يسار الإمام، أبو يعقوب المدني ثم المصري، المقرئ المعروف بالأزرق. لزم ورشا مدة طويلة وأتقن عليه القراءة، وتصدر للإقراء. وانفرد عن روش بتغليظ اللامات وترقيق الراءات. قرأ عليه خلق؛ منهم: أبو الحسن إسماعيل بن عبد الله النحاس، ومواس المقرئ، وأبو بكر عبد الله بن مالك بن سيف. قال أبو عدي عبد العزيز: سمعت أبا بكر بن سيف يقول: سمعت أبا يعقوب الأزرق يقول: إن ورشا لما تعمق في النحو اتخذ لنفسه مقرأً يسمى مقرأ ورش، فلما جئت لأقرأ عليه قلت له: يا أبا سعيد إني أحب أن تقرئني مقرأ نافع خالصا، وتدعني مما استحسنت لنفسك. قال: فقلدته مقرأ نافع. وكنت نازلا مع ورش في الدار، فقرأت عليه عشرين ختمة بين حدر وتحقيق. فأما التحقيق، فكنت أقرأ عليه في الدار التي كنا نسكنها في مسجد عبد الله. وأما الحدر، فكنت أقرأ عليه إذا رابطت معه بالإسكندرية. قال أبو الفضل الخزاعي: أدركت أهل مصر والمغرب على رواية أبي يعقوب الأزرق عن ورش لا يعرفون غيرها. ٥٠٥ - ت: يوسف بن يحيى الإمام أبو يعقوب المصري البويطي الفقيه، صاحب الشافعي. روى عن ابن وهب، والشافعي، وغيرهما. وعنه الربيع المرادي رفيقه، وإبراهيم الحربي، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، وأبو حاتم، وقال (١): صدوق، وأحمد بن إبراهيم بن فيل، والقاسم بن هاشم السمسار، وآخرون. كان صالحا عابدا مجتهدا، دائم الذكر والتشاغل بالعلم. بلغنا أن الشافعي قال: ليس في أصحابي أعلم من البويطي. قال إمام الأئمة ابن خزيمة: كان ابن عبد الحكم أعلم من رأيت بمذهب مالك، فوقعت بينه وبين البويطي وحشة عند موت الشافعي، فحدثني أبو جعفر السكري قال: تنازع ابن عبد الحكم والبويطي مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك. وقال الآخر كذلك. فجاء الحميدي، وكان تلك

стр. 5626

الأيام بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف، وليس أحد من أصحابي أعلم منه. فقال له ابن عبد الحكم: كذبت. قال: كذبت أنت وأبوك وأمك. وغضب ابن عبد الحكم، وجلس البويطي في مجلس الشافعي، وجلس ابن الحكم في الطاق الثالث. قال زكريا بن أحمد البلخي: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: كان البويطي حين مرض الشافعي بمصر هو، وابن عبد الحكم، والمزني، فاختلفوا في الحلقة أيهم يقعد فيها؟ فبلغ الشافعي فقال: الحلقة للبويطي، فلهذا اعتزل ابن عبد الحكم الشافعي وأصحابه. وكانت أعظم حلقة في المسجد، والناس في الفتيا إليه، والسلطان إليه. فكان أبو يعقوب البويطي يصوم ويقرأ القرآن، ولا يكاد يمر يوم وليلة إلا ختمه، مع صنائع المعروف للناس. قال: فسعي به، وكان أبو بكر الأصم ممن سعى به، ليس هو بابن كيسان الأصم. وكان أصحاب ابن أبي دؤاد وابن الشافعي ممن سعى به، حتى كتب فيه ابن أبي دؤاد إلى والي مصر، فامتحنه، فلم يجب. وكان الوالي حسن الرأي فيه. فقال: قل فيما بيني وبينك. قال: إنه يقتدي بي مائة ألف، ولا يدرون المعنى. قال: وكان قد أمر أن يحمل إلى بغداد في أربعين رطل حديد؟ قال الربيع: وكان المزني ممن سعى به، وحرملة. قال أبو جعفر الترمذي: فحدثني الثقة عن البويطي أنه قال: برئ الناس من دمي إلا ثلاثة: حرملة، والمزني، وآخر. وقال الربيع: كان البويطي أبدا يحرك شفتيه بذكر الله، وما أبصرت أحدا أنزع لحجة من كتاب الله من البويطي. ولقد رأيته على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكن. فإذا كانت مخلوقة، فكأن مخلوقا خلق بمخلوق. ولئن أدخلت عليه لأصدقنه، يعني الواثق، ولأموتن في حديدي هذا، حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم. وقال الربيع أيضا: كتب إلي البويطي أن أصبر نفسك للغرباء، وحسن خلقك لأهل حلقتك، فإني لم أزل أسمع الشافعي ﵀ يكثر أن يتمثل بهذا البيت: أهين لهم نفسي لكي يكرمونها … ولن تكرم النفس التي لا تهينها قلت: ولما توفي الشافعي جلس بعده في حلقته أبو يعقوب البويطي، ثم

стр. 5627

إنه حمل في أيام المحنة إلى العراق مقيدا، فسجن إلى أن مات في سنة إحدى وثلاثين ومائتين في رجب، ﵁. قال أبو عمرو المستملي: حضرنا مجلس محمد بن يحيى الذهلي، فقرأ علينا كتاب البويطي إليه، وإذا فيه: والذي أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث، لعل الله يخلصني بدعائهم، فإني في الحديد، قد عجزت عن أداء الفرائض من الطهارة والصلاة. فضج الناس بالبكاء والدعاء له. ومن محاسن البويطي، قال أبو بكر الأثرم: كنا في مجلس البويطي، فقرأ علينا عن الشافعي أن التيمم ضربتان. فقلت له: حديث عمار، عن النبي ﷺ أن التيمم ضربة واحدة. فحك من كتابه ضربتان، وصيره ضربة على حديث عمار. ثم قال: قال الشافعي: إذا رأيتم عن النبي ﷺ الثبت فاضربوا على قولي: وخذوا بالحديث فإنه قولي. قال ابن الصلاح: روى هذا الحافظ أبو بكر بن مردويه، وهذا القول الذي حكى عن القديم أن التيمم للوجه والكف فحسب. ٥٠٦ - خ م: يوسف بن يعقوب الكوفي الصفار. عن عبد الله بن إدريس، وأبي بكر بن عياش، وجماعة. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو بكر بن أبي عاصم، والحسن بن سفيان، ومحمد بن عبد الله الحضرمي مطين، وجماعة. وثقه أبو حاتم (١). وتوفي سنة إحدى وثلاثين أيضا (٢). ٥٠٧ - يونس بن عبد الرحيم العسقلاني. سمع ابن وهب، وضمرة بن ربيعة. وعنه حنبل، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويعقوب الفسوي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل. قال أبو حاتم (٣): ليس بالقوي. ٥٠٨ - أبو بكر بن مروان بن الحكم الأسيدي البصري. توفي سنة أربع وثلاثين.

стр. 5628

حدث عن جويرية بن أسماء، وحماد بن زيد. وعنه عمر بن شبة، والمعمري. قال أبو حاتم (١): كتبت عنه وليس به بأس. ٥٠٩ - أبو عبيدة بن الفضيل بن عياض المكي. قدم مصر في وكالة توكلها، فحدث عن والده ﵀، ثم رجع إلى مكة، وبها توفي سنة ست وثلاثين في صفر. قاله ابن يونس. ٥١٠ - أبو يوسف الغسولي الزاهد نزيل طرسوس. رأى إبراهيم بن أدهم، وطال عمره، ولقي كبار الصالحين. وتوفي سنة أربعين ومائتين بطرسوس. ٥١١ - ماني الموسوس. هو أبو الحسن محمد بن القاسم المصري، الأديب الشاعر، نزيل بغداد. له نظم بديع، وكان يسكن مزاجه في بعض الأوقات. كان في دولة المتوكل. قال ابن المرزباني: أنشدت لماني: سلي عائداتي كيف أبصرن حالتي … فإن قلت قد حابينني فسلي الناسا فإن لم يقولوا مات أو هو ميت … فزيدي قلبي إذا جنونا ووسواسا وقال أبو هفان الشاعر: أنشدني أبو الحسن ماني لنفسه: ما ساءني إعراضها عني ولكن سرني … سألقاها عوض من كل وجه حسن وأنشد المبرد لماني: هيف الخصور قواصد النبل … قتلننا بالأعين النجل كحل الجمال جفون أعينها … فغنين عن كحل بلا كحل وكأنهن إذا أردن خطا … يقلعن أرجلهن من وحل (٢) وقال أحمد بن عبيد الله: أنشدني ماني الموسوس قال: أنشدنا العديا الحنفي المصري (٣) لنفسه: ما أنصفتك الجفون لم تكف … وقد رأين الحبيب لم يقف

стр. 5629

فإن ديارا دب الزمان لها … فباع فيها الجفاء باللطف ثم استعارت مسامعا كسد اللـ … ـوم عليها من عاشق كلف كأنها إذ تقنعت ببلى … شمطاء ما تستقل من خرف ٥١٢ - أحمد بن يحيى بن عبد العزيز، أبو عبد الرحمن الأشعري نسبا البغدادي، ويعرف بأبي عبد الرحمن الشافعي. واشتهر بالكنية والنسبة لكونه تفقه بالشافعي، وغلب عليه الجدل والمناظرة والكلام. وأخذ عنه داود بن علي الأصبهاني علم الاختلاف؛ قاله أبو عبيد بن حربويه. وقال الخطيب (١): حدث عن الوليد بن مسلم، والشافعي. روى عنه محمد بن إبراهيم القوهستاني، ومطين. ثم ساق الخطيب له حديثا. قال الدارقطني: كان من كبار أصحاب الشافعي، ثم صار من أصحاب ابن أبي دؤاد، واتبعه على رأيه. ٥١٣ - ابن كلاب. هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب المتكلم البصري. كان يرد على المعتزلة وربما وافقهم. ذكر أبو طاهر الذهلي أن الإمام داود بن علي الأصبهاني أخذ الكلام والجدل عن عبد الله بن كلاب. وفي ترجمة الحارث بن أسد المحاسبي للخطيب (٢): أنه تخرج بأبي محمد عبد الله بن سعيد القطان الملقب، فيما حكاه هو، كلابا. وأصحابه كلابية؛ لأنه كان يجر الخصوم إلى نفسه بفضل بيانه، كأنه كلاب. قال شيخنا ابن تيمية: كان له فضل وعلم ودين، وكان ممن انتدب للرد على الجهمية، ومن قال عنه: إنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى على المسلمين كما يذكره طائفة، ويذكرون أنه أرضى أخته بذلك، فهذا كذب عليه، افتراه عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم، فإنهم يزعمون أنه من أثبت فقد قال بقول النصارى. قال شيخنا: وهو أقرب إلى السنة من خصومه بكثير، فلما أظهروا القول

стр. 5630

بخلق القرآن، وقال أئمة السنة بل هو كلام الله غير مخلوق، فأحدث ابن كلاب القول بأنه كلام قائم بذات الرب بلا قدرة ولا مشيئة. فهذا لم يكن يتصوره عاقل، ولا خطر ببال الجمهور، حتى أحدث القول به ابن كلاب. وقد صنف كتبا كثيرة في التوحيد والصفات، وبين فيها أدلة عقلية على فساد قول الجهمية. وبين أن علو الله تعالى على عرشه ومباينته لخلقه معلوم بالفطرة والأدلة العقلية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وكذلك ذكرها الحارث المحاسبي في كتاب فهم القرآن. ٥١٤ - أبو دعامة القيسي. أخباري مشهور اسمه علي بن بريد، تصغير برد. روى عن أبي نواس، وأبي العتاهية، وغيرهما. ولم يرو غير الحكايات والأدب. روى عنه أحمد بن أبي طاهر، ويزيد بن محمد المهلبي، وعون بن محمد الكندي، وغيرهم. ذكره ابن ماكولا في بريد (١). والله أعلم. (آخر الطبقة والحمد لله)

стр. 5631

الطبقة الخامسة والعشرون (٢٤١ - ٢٥٠ هـ)

стр. 5632

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الحوادث) سنة إحدى وأربعين فيها توفي الإمام أحمد بن حنبل، وجبارة بن المغلس، والحسن بن حماد سجادة، وأبو توبة الربيع بن نافع الحلبي، وعبد الله بن منير المروزي، وأبو قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، وأبو مروان محمد بن عثمان العثماني، ومحمد بن عيسى التيمي الرازي المقرئ، وهدية بن عبد الوهاب المروزي، ويعقوب بن حميد بن كاسب. وفيها وثب أهل حمص بواليهم محمد بن عبدويه، وأعانهم النصارى، فقاتلهم، وأنجده صالح أمير دمشق. وفي جمادى الآخرة ماجت النجوم في السماء، وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل؛ وكان أمرا مزعجا لم يعهد مثله. وفيها أغارت الروم على من بعين زربة. وأغارت البجاة على ناحية من مصر، فندب المتوكل لحربهم محمد بن عبد الله القمي، وكانت البجاة مهادنين من دهر، فسار إليهم القمي، وتبعه خلق من المطوعة من الصعيد، فكان في عشرين ألفا بين فارس وراجل. وحمل إليه في بحر القلزم عدة مراكب، فيها أقوات، ولججوا بها في البحر حتى تلاقوا بها ساحل البجاة. وحشد له ملك البجاة عساكر يقاتلون على الإبل بالحراب، فتناوشوا أياما من غير مصاف، وقصد البجاة ذلك ليفنى زاد المسلمين. ثم التقوا، فحملوا على البجاة، فنفرت إبلهم من الأجراس، ونفرت في الجبال والأودية، ومزقت جمعهم. فأسر وقتل خلق منهم، وساق وراءهم، فهرب الملك وأخذ تاجه وخزائنه. ثم أرسل الملك يطلب الأمان وهو يؤدي الخراج، وسار معهم إلى باب المتوكل في سبعين من خواصه، واستناب ولده، وكان يعبد الأصنام.

стр. 5633

سنة اثنتين وأربعين فيها توفي أبو مصعب الزهري، والحسن بن علي الحلواني، وابن ذكوان المقرئ، وزكريا بن يحيى كاتب العمري، ومحمد بن أسلم الطوسي، ومحمد بن رمح التجيبي، ومحمد بن عبد الله بن عمار، ويحيى بن أكثم. ويقال: فيها كانت زلزلة عظيمة بقومس وأعمالها، هلك منها خلق تحت الهدم، قيل: بلغت عدتهم خمسة وأربعين ألفا. وكان معظم ذلك بالدامغان، حتى قيل: سقط نصفها. وزلزلت الري، وجرجان، ونيسابور، وطبرستان، وأصبهان وتقطعت جبال، وتشققت الأرض بمقدار ما يدخل الرجل في الشق. ورجمت قرية السويدا بناحية مضر، ووقع منها حجر على خيمة أعراب؛ ووزن حجر منها، فكان عشرة أرطال. وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين. ووقع بحلب على دلبة (١) طائر أبيض دون الرخمة في رمضان، فصاح: يا معاشر الناس، اتقوا الله الله الله، فصاح أربعين صوتا، ثم طار. وجاء من الغد، ففعل كذلك. وكتب البريد بذلك وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه. وفيها حشدت الروم، وخرجوا من ناحية شمشاط (٢) إلى آمد والجزيرة، فقتلوا وسبوا نحو عشرة آلاف، ورجعوا. وحج بالناس والي مكة عبد الصمد بن موسى بن محمد الهاشمي. وحج من البصرة إبراهيم بن مطهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل، وعجب الناس من ذلك. سنة ثلاث وأربعين توفي فيها أحمد بن سعيد الرباطي، وأحمد بن عيسى المصري، وإبراهيم بن العباس الصولي، والحارث المحاسبي، وحرملة، ومحمد بن يحيى العدني، وهارون الحمال. وفي آخرها قدم المتوكل إلى دمشق، فأعجبته، وبني له القصر بداريا،

стр. 5634

وعزم على سكناها، فعمل يزيد بن محمد المهلبي: أظن الشام تشمت بالعراق … إذا عزم الإمام على انطلاق فإن تدع العراق وساكنيه … فقد تبلى المليحة بالطلاق فبدا له ورجع بعد شهرين أو ثلاثة، في سنة أربع. وحج بالناس عبد الصمد بن موسى، وسار بالركب من العراق جعفر بن دينار. سنة أربع وأربعين فيها توفي أحمد بن منيع، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وإسحاق بن موسى الخطمي، والحسن بن شجاع البلخي الحافظ، وأبو عمار الحسين بن حريث، وحميد بن مسعدة، وعبد الحميد بن بيان الواسطي، وعلي بن حجر، وعتبة بن عبد الله المروزي، ومحمد بن أبان المستملي، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ويعقوب بن السكيت. وفيها افتتح بغا حصنا من الروم يقال له: صملة. وفيها سخط المتوكل على طبيبه بختيشوع، ونفاه إلى البحرين. وفيها اتفق عيد الأضحى، وفطير اليهود، وعيد الشعانين (١) للنصارى في يوم واحد. سنة خمس وأربعين فيها توفي أحمد بن عبدة الضبي، وأبو الحسن أحمد بن محمد النبال القواس مقرئ مكة، وأحمد بن نصر النيسابوري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإسماعيل بن موسى السدي، وذو النون المصري، وسوار بن عبد الله العنبري، وعبد الله بن عمران العابدي، ودحيم، وأبو تراب النخشبي، ومحمد بن رافع، وهشام بن عمار. ويقال: فيها عمت الزلازل الدنيا، فأخربت القلاع والمدن والقناطر، وهلك خلق بالعراق والمغرب. وسقطت من أنطاكية نيف وتسعون برجا،

стр. 5635

وتقطع جبلها الأقرع وسقط في البحر. وسمع من السماء أصوات هائلة، وهلك أكثر أهل اللاذقية تحت الردم. وذهبت جبلة بأهلها، وهدمت بالس وغيرها. وامتدت إلى خراسان، ومات خلائق منها. وأمر المتوكل بثلاثة آلاف ألف درهم للذين أصيبوا بمنازلهم، وزلزلت مصر، وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر ضجة هائلة، فمات خلق من أهل بلبيس، وغارت عيون مكة. وفيها أمر المتوكل ببناء الماحوزة، وسماها الجعفري. وأقطع الأمراء بناها، وأنفق بعد ذلك عليها أكثر من ألفي ألف دينار، وبنى قصرا سماه اللؤلؤة، لم ير مثله في علوه وارتفاعه، وحفر للماحوزة نهرا كان يعمل فيه اثنا عشر ألف رجل، فقتل المتوكل وهم يعملون فيه، فبطل عمله، وخربت الماحوزة، ونقض القصر. وفيها أغارت الروم على سميساط فقتلوا نحو خمسمائة وسبوا، فغزا علي بن يحيى، فلم يظفر بهم. سنة ست وأربعين فيها توفي أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن أبي الحواري، وأبو عمرو الدوري المقرئ، ودعبل الشاعر، ولوين، ومحمد بن مصفى، والمسيب بن واضح. وفيها غزا المسلمون الروم، فسبوا، واستنقذوا خلائق من الأسرى. ويوم عاشوراء تحول المتوكل إلى الماحوزة مدينته التي أمر ببنائها، وفرق في الصناع والعمال عليها يومئذ مبلغا عظيما. وفيها مطرت بناحية بلخ مطرا دما عبيطا. وحج بالركب العراقي محمد بن عبد الله بن طاهر، فولي أعمال الموسم، وأخذ معه ثلاثمائة ألف دينار لأهل مكة، ومائة ألف لأهل المدينة، ومائة ألف لإجراء الماء من عرفات إلى مكة. سنة سبع وأربعين فيها توفي إبراهيم بن سعد الجوهري، وأبو عثمان المازني، والمتوكل على الله، وسلمة بن شبيب، وسفيان بن وكيع، والفتح بن خاقان الوزير. وفي رابع شوال بويع بالخلافة بعد قتل المتوكل ابنه المنتصر بالله محمد.

стр. 5636

فولَّى المظالم أبا عمرة أحمد بن سعيد مولى بني هاشم. سنة ثمان وأربعين فيها توفي أحمد بن صالح المصري، والحسين الكرابيسي، وطاهر بن عبد الله الأمير، وعبد الجبار بن العلاء، وعبد الملك بن شعيب بن الليث، وعيسى بن حماد زغبة، والقاسم بن عثمان الجوعي، ومحمد بن حميد الرازي، والمنتصر بالله محمد، ومحمد بن زنبور المكي، وأبو كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن موسى الحرشي، وأبو هشام الرفاعي. وفيها وقع بين الوزير أحمد بن الخصيب وبين وصيف التركي وحشة، فأشار الوزير على المنتصر أن يبعد عنه وصيفا، وخوفه منه، فأرسل إليه: إن طاغية الروم أقبل يريد الإسلام، فسر إليه. فاعتذر، فأحضره وقال: إما أن تخرج أنت أو أخرج، فقال: لا، بل أخرج أنا، فانتخب المنتصر معه عشرة آلاف، وأنفق فيهم الأموال، وساروا. ثم بعث المنتصر إلى وصيف يأمره بالمقام بالثغر أربع سنين. وفي صفر خلع المعتز والمؤيد أنفسهما من العهد مكرهين؛ لما استقامت الأمور للمنتصر ألح عليه أحمد بن الخصيب، ووصيف، وبغا في خلعهما خوفا من موته قبل المعتز، فيهلكهم المعتز. وكان المنتصر مكرما للمعتز والمؤيد إلى أربعين يوما من خلافته، ثم جعلهما في حجرة، فقال المعتز لأخيه: أحضرنا يا شقي هنا للخلع، قال: ما أظنه يفعل، فجاءتهم الرسل بالخلع، فأجاب المؤيد، وامتنع المعتز، وقال: إن كنتم تريدون قتلي فافعلوا. فمضوا وعادوا فحبسوه في بيت، وأغلظوا له، ثم دخل عليه أخوه المؤيد وقال: يا جاهل قد رأيت ما جرى على أبينا، وأنت أقرب إلى القتل، اخلع ويلك، فإن كان في علم الله أنك تلي لتلين، فخلع نفسه، وكتبا على أنفسهما أنهما عاجزان، وقصدنا أن لا يأثم المتوكل بسببنا، إذ لم نكن له موضعا. واعترفا بذلك في مجلس العامة بحضرة جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، ووصيف، وبغا، ومحمد بن عبد الله بن طاهر، وبغا الصغير، وأعيان بني عمهما. فقال لهما المنتصر: أترياني خلعتكما طمعا في أن أعيش بعدكما حتى يكبر ولدي عبد الوهاب وأبايع له؟ والله ما طمعت في ذلك، ووالله لأن يلي بنو أبي أحب إلي من أن يلي بنو عمي، ولكن هؤلاء - وأومأ إلى الأمراء -

стр. 5637

ألحوا علي في خلعكما، فخفت عليكما من القتل إن لم أفعل، فما كنت أصنع؟ أقتلهم؟ فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكما. فأكبا عليه فقبلا يده وضمهما إليه وانصرفا. وفيها حكم محمد بن عمر الخارجي بناحية الموصل؛ ومال إليه خلق، فسار لحربه إسحاق بن ثابت الفرغاني، فالتقوا، فقتل جماعة من الفريقين، ثم أسر محمد وجماعة، فقتلوا وصلبوا إلى جانب خشبة بابك. وفيها قويت شوكة يعقوب بن الليث الصفار، واستولى على معظم إقليم خراسان، وسار من سجستان ونزل هراة، وفرق في هذه الأموال. وفيها قتل المنتصر بالله بالذبحة، وهي الخوانيق، وقيل: إنه سم، وبويع بعده المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم. وأمه أم ولد، اسمها مخارق. وكان مليحا أبيض بوجهه أثر جدري، وكان ألثغ، ولما هلك المنتصر اجتمع القواد وتشاوروا، وذلك برأي ابن الخصيب، فقال لهم أوتامش: متى وليتم أحدا من ولد المتوكل لا يبقي منا أحدا، فقالوا: ما لها إلا أحمد بن المعتصم ولد أستاذنا، فقال محمد بن موسى المنجم سرا: أتولون رجلا عنده أنه أحق بالخلافة من المتوكل وأنتم دفعتموه عنها؟ ولكن اصطنعوا إنسانا يعرف ذلك لكم، فلم يقبلوا منه، وبايعوا أحمد المستعين وله ثمان وعشرون سنة، فاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أوتامش. فبينا هو قد دخل دار العامة في دست الخلافة، إذا جماعة من الشاكرية والغوغاء وبعض الجند، وهم نحو ألف، قد شهروا السلاح وصاحوا: المعتز يا منصور، ونشبت الحرب بين الفريقين، وقتل جماعة، فخرج المستعين عن دار العامة وأتى إلى القصر الهاروني، فبات به. ودخل الغوغاء دار العامة، فنهبوا خزائن السلاح، ونهبوا دورا عديدة. وكثرت الأسلحة واللامة عليهم، فأجلاهم بغا الصغير عن دار العامة، وكثرت القتلى بينهم. فوضع المستعين العطاء فسكنوا. وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر إلى بغداد، فبايع له الناس، وأعطى المستعين أحمد بن الخصيب أموالا عظيمة. ثم في هذه السنة، في رجب أو قبله، نفاه إلى أقريطش، ونهب أمواله بعد المحبة الزائدة، وذلك بتدبير أوتامش، وحطه عليه عند المستعين. وفيها عقد المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق والحرمين

стр. 5638

والشرطة، وتوفي أخوه طاهر بن عبد الله بخراسان، فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر على خراسان. ومات بغا الكبير في جمادى الآخرة، فعقد المستعين لابنه موسى بن بغا على أعمال أبيه. وفيها حبس المستعين المعتز والمؤيد، وضيق عليهما، واشترى أكثر أملاكهما كرها، وجعل لهما في السنة نحو ثلاثة وعشرين ألف دينار. وفيها أخرج أهل حمص عاملهم، فراسلهم وخدعهم حتى دخلها، فقتل منهم طائفة، وحمل من أعيانهم مائة إلى العراق، وهدم سور حمص. وفيها عقد المستعين لأوتامش على مصر والمغرب مع الوزارة، ففرق في الجند ألفي ألف دينار. وفيها غزا وصيف الصائفة. وفيها نفى المستعين عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى برقة. سنة تسع وأربعين فيها توفي عبد بن حميد، وأبو حفص الفلاس. وفي صفر شغب الجند ببغداد عند مقتل عمر بن عبيد الله الأقطع، وعلي بن يحيى الأرمني أمير الغزاة، قتلا ببلاد الروم مجاهدين، وعند استيلاء الترك على بغداد، وقتلهم المتوكل وغيره، وتمكنهم من الخلفاء وأذيتهم للناس. ففتح الجند والشاكرية السجون، وأحرقوا الجسر، وانتهبوا الدواوين، ثم خرج نحو ذلك بسر من رأى. فركب بغا وأوتامش، وقتلوا من العامة جماعة. فحمل عليهم العامة، فقتل من الأتراك جماعة. وشج وصيف بحجر، فأمر بإحراق الأسواق. وفي ربيع الآخر قتل أوتامش وكاتبه شجاع، فاستوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد. وفيها عزل عن القضاء جعفر بن عبد الواحد وولاه جعفر بن محمد بن عمار البرجمي الكوفي. وكانت زلزلة هلك منها خلق تحت الهدم (١).

стр. 5639

سنة خمسين ومائتين فيها توفي أبو الطاهر أحمد بن السرح، وأبو الحسن البزي مقرئ مكة، والحارث بن مسكين، وأبو حاتم السجستاني، وعباد بن يعقوب الرواجني، شيعي، وعمرو بن عثمان الحمصي، والجاحظ، وكثير بن عبيد الحمصي، ونصر بن علي الجهمضي. وفيها ظهر يحيى بن عمر بن حسين بن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بالكوفة. وقتل في المصاف بينه وبين جيش محمد بن عبد الله بن طاهر بناحية الكوفة، ومحمود بن خالد، وهشام بن خالد الأزرق. ثم في رمضان، خرج الحسن بن زيد بن محمد الحسني بطبرستان واستولى على آمل، وجبى الخراج، وامتد سلطانه إلى الري، وهمذان، والتجأ إليه كل من يريد الفتنة والنهب. وانهزم عسكر ابن طاهر بين يديه مرتين. فبعث المستعين جيشا إلى همذان يكون مسلحة (١). وفيها عقد المستعين لابنه العباس على العراق والحرمين. وفيها نفي جعفر بن عبد الواحد إلى البصرة لأنه عزل عن القضاء، وبعث إلى الشاكرية، فأفسدهم. وفيها وثب أهل حمص بعاملها الفضل بن قارن، فقتلوه في رجب، فسار إليهم موسى بن بغا، فالتقوا عند الرستن، فهزمهم، وافتتح حمص، وقتل فيها مقتلة عظيمة، وأحرق فيها وأسر من رؤوسها.

стр. 5640

رجال هذه الطبقة ١ - م د ت ق: أحمد بن إبراهيم بن كثير، أبو عبد الله العبدي النكري البغدادي الدورقي. أخو يعقوب الدورقي. وهي نسبة إلى عمل القلانس الدورقية، وكان أبوهما صالحا ناسكا. فقيل: إنه كان من تنسك في ذلك الزمان سمي دورقيا، وقيل: كانوا يلبسون القلانس الطويلة الدورقية. سمع هشيما، وجرير بن عبد الحميد، وحفص بن غياث، ويزيد بن زريع، وإسماعيل ابن علية، وطائفة. وعنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأحمد بن منصور الرمادي، والهيثم بن خلف الدوري، ومحمد بن محمد بن بدر الباهلي، وآخرون. قال أبو حاتم (١): صدوق. وقال ابن عساكر (٢): توفي لسبع بقين من شعبان سنة ست وأربعين. قلت: كمل ثمانين سنة، وقد جمع وصنف، وكان حافظا فهما. ٢ - أحمد بن إبراهيم بن مهران، أبو الفضل البوشنجي. عن سفيان بن عيينة، وأنس بن عياض. وعنه الحسين المحاملي، ومحمد بن مخلد. ولعله بقي إلى بعد الخمسين (٣). ٣ - أحمد بن أبان القرشي. سمع الدراوردي. وعنه أبو بكر البزار، وابن منده. ٤ - أحمد بن إدريس، أبو حميد الجلاب. بغدادي (٤)، روى عن هشيم. وعنه الحسين المحاملي، وغيره. ٥ - خ: أحمد بن إسحاق بن الحصين، أبو إسحاق السلمي
следующие страницы →