← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ببيعة الرضوان كان عثمان رسول رسول الله ﷺ إلى مكة. فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ : إن عثمان في حاجة الله ورسوله. فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم. وقال ابن عيينة: حدثنا أبو الزبير، سمع جابرا يقول: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير. وبه قال: لم نبايع النبي ﷺ على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة. وأخرجه من حديث الليث، عن أبي الزبير، وقال: فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة (١). وقال خالد الحذاء، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم (٢). وقال ابن عيينة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما دعا النبي ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ : علام تبايعني؟ قال: على ما في نفسك (٣). وقال مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم - واللفظ له - عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: وأيضا. فبايعته الثانية. فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. متفق

стр. 597

عليه (١). وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، فذكر الحديث، وقال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: بايعني يا سلمة. فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: وأيضا. قال: ورآني عزلا فأعطاني حجفة أو درقة. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايع؟ قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: وأيضا. فبايعت الثالثة. فقال: يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ قلت: لقيني عامر فأعطيتها إياه. فضحك ثم قال: إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي. ثم إن مشركي مكة راسلونا بالصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه (٢) وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها. فأتاني أربعة من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقد (٣)، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ . وجاء عمي عامر برجل من العبلات (٤) يقال له: مكرز، يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم. وقال: دعوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه. فعفا عنهم

стр. 598

رسول الله ﷺ ، وأنزلت: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم الآية. أخرجه مسلم (١). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجالا من أهل مكة هبطوا إلى النبي ﷺ من قبل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول الله ﷺ أخذا، فأعتقهم. فأنزل الله: وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية، أخرجه مسلم (٢). وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العمري، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، قد تفرقوا في ظلال الشجر. فإذا الناس محدقون برسول الله ﷺ ، فقال - يعني عمر - يا عبد الله انظر ما شأن الناس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع. أخرجه البخاري (٣) فقال: وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد. قلت: ورواه دحيم، عن الوليد. قلت: وسميت بيعة الرضوان من قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا. قال أبو عوانة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم. متفق عليه (٤). وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير المكي أنه سمع جابرا يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة: لا يدخل

стр. 599

النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد. قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت: وإن منكم إلا واردها، فقال: قد قال - تعالى -: ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا. أخرجه مسلم (١). قرأت على عبد الحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبد القادر، والحسين بن أبي بكر قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا محمد ابن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاء، سنة سبع وعشرين ومائتين، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد لله قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار. أخرجه النسائي (٢). وقال قتيبة: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عبدا لحاطب ابن أبي بلتعة جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا، قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ : كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية (٣). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٤)، حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية، قالا: فدعت قريش سهيل بن عمرو، قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة. فخرج سهيل من عندهم، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما

стр. 600

عشر سنين، وأن يخلوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، ومن أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال. وذكر الحديث (١). الاسلال: الخفية، وقيل: الغارة، وقيل: سل السيوف، والإغلال: الغارة. وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما صالح رسول الله ﷺ مشركي مكة كتب بينهم كتابا: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. قال لعلي: امحه. فأبى، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثا، وأن لا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح - يعني السيف بقرابه - متفق عليه (٢). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه أو قريبا منه. أخرجه مسلم (٣). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله ﷺ للصلح كان عليا ﵁. فقال رسول الله ﷺ : اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : اكتب، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد، فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله (٤).

стр. 601

وقال عبد العزيز بن سياه: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالا لقاتلنا. فأتى عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في أنفسنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله، فانطلق متغيظا إلى أبي بكر، فقال له كما قال رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن، فأرسل النبي ﷺ إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم، فطابت نفسه ورجع. متفق عليه (١). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٢)، عن الزهري عن عروة عن المسور، ومروان، قالا: خرج رسول الله ﷺ من عند أم سلمة فلم يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحر وحلق، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وحلق بعض وقصر بعض. فقال رسول الله ﷺ : اللهم اغفر للمحلقين. فقيل: يا رسول الله والمقصرين؟ فقال: اغفر للمحلقين، ثلاثا. قيل: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: وللمقصرين. وقال يونس، عن ابن إسحاق (٣) حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قيل له: لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة؟ فقال: إنهم لم يشكوا. وقال يونس - هو ابن بكير -، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد قال: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية كلهم غير رجلين، قصرا ولم يحلقا (٤). أبو إبراهيم مجهول.

стр. 602

وقال ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب قال: كنت مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ يقول: يرحم الله المحلقين. قال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كانت الثالثة، قال: والمقصرين (١). وقال يحيى بن أبي بكير: قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: نحر يوم الحديبية سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها (٢). ويروى عن ابن عباس أن النبي ﷺ أهدى في عمرة الحديبية جملا كان لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب أهداه ليغيظ به قريشا (٣). وقال فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت. فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليها إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما صالحهم. فلما أن أقام بها ثلاثا، أمروه أن يخرج فخرج. أخرجه البخاري (٤). وقال مالك عن أبي الزبير، عن جابر: نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. رواه مسلم (٥). نزول سورة الفتح قال مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر معه ليلا. فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثم سأله فلم

стр. 603

يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك، نزرت (١) رسول الله ﷺ ، قال: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن، فلم أنشب أن سمعت صارخا يصرخ، قال: قلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال: لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. أخرجه البخاري (٢). وقال يونس بن بكير، عن عبد الرحمن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود، قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية، جعلت ناقته تثقل، فتقدمنا، فأنزل عليه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا (٣). وقال شعبة، عن قتادة، عن أنس: إنا فتحنا لك فتحا مبينا، قال: فتح الحديبية، فقال رجل: هنيئا مريئا يا رسول الله هذا لك، فما لنا؟ فأنزلت: ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات. قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثتهم عن قتادة، عن أنس، ثم قدمت البصرة فذكرت ذلك لقتادة، فقال: أما الأول فعن أن، وأما الثاني: ليدخل المؤمنين والمؤمنات، فعن عكرمة، أخرجه البخاري (٤). وقال همام: حدثنا قتادة، عن أنس، قال: لما نزلت: إنا فتحنا لك فتحا مبينا إلى آخر الآية على رسول الله ﷺ مرجعه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، فقال: نزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا. فلما تلاها قال رجل: قد بين الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزلت

стр. 604

التي بعدها: ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار. أخرجه مسلم (١). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٢)، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان قالا في قصة الحديبية: ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا. فلما أن كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح. فكانت القصة في سورة الفتح وما ذكر الله من بيعة الرضوان تحت الشجرة. فلما أمن الناس وتفاوضوا، لم يكلم أحد بالإسلام إلا دخل فيه. فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك. وكان صلح الحديبية فتحا عظيما. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود عن عروة، قالوا: وأقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعا. فقال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ : والله ما هذا بفتح؛ لقد صددنا عن البيت وصد هدينا، وعكف رسول الله ﷺ بالحديبية ورد رسول الله ﷺ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه: إن هذا ليس بفتح. فقال: بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتوح. أنسيتم يوم أحد، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم؟ فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، هذا أعظم الفتوح والله يا نبي الله (٣). وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، قال: ظهرت الروم على فارس عند مرجع المسلمين من الحديبية. وقال مثل ذلك عقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وكانت بين الروم وبين فارس ملحمة مشهودة نصر الله - تعالى - فيها

стр. 605

الروم. ففرح المسلمون بذلك، لكون أهل الكتاب في الجملة نصروا على المجوس. وقال مغيرة، عن الشعبي في قوله: إنا فتحنا لك فتحا مبينا؛ قال: فتح الحديبية، وبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس. ففرح المؤمنون بتصديق كتاب الله ونصر أهل الكتاب على المجوس (١). وقال شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: وأثابهم فتحا قريبا، قال: خيبر. وأخرى لم تقدروا عليها، قال: فارس والروم (٢). وقال ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أري رسول الله ﷺ وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فقالوا له حين نحر بالحديبية: أين رؤياك يا رسول الله؟ فأنزل الله: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق إلى قوله فجعل من دون ذلك فتحا قريبا يعني النحر بالحديبية، ثم رجعوا ففتحوا خيبر، فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة (٣). وقال هشيم: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، وعكرمة: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد، قالا: هوازن يوم حنين. رواه سعيد بن منصور في سننه. وقال بندار: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن هشيم، فذكره، وزاد: هوازن وبنو حنيفة. وقال عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: أولي بأس شديد، قال: فارس. وقال: السكينة هي الرحمة (٤).

стр. 606

وقال أبو حذيفة النهدي: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي بعد ريح هفافة (١). وقال ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: السكينة كهيئة الريح، لها رأس كرأس الهرة وجناحان. وقال المسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: تصيبهم بما صنعوا قارعة، قال: السرية، أو تحل قريبا من دارهم، قال: هو محمد ﷺ . حتى يأتي وعد الله، قال: فتح مكة (٢). وعن مجاهد: أو تحل قريبا من دارهم، قال: الحديبية ونحوها. رواه شريك، عن منصور، عنه. وقال الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عروة أنه سمع مروان بن الحكم، والمسور يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ لما كاتب سهيل بن عمرو، فذكر الحديث، وفيه: وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق (٣)، فجاء أهلها يسألون رسول الله ﷺ يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار. قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية. قالت: فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها: قد بايعتك، كلاما يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله. أخرجه البخاري (٤). وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: ولما رجع رسول الله ﷺ

стр. 607

إلى المدينة انفلت من ثقيف أبو بصير (١) بن أسيد بن جارية الثقفي من المشركين، فذكر من أمره نحوا مما قدمناه. وفيه زيادة وهي: فخرج أبو بصير معه خمسة كانوا قدموا من مكة، ولم ترسل قريش في طلبهم كما أرسلوا في أبي بصير، حتى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عير قريش مما يلي سيف البحر، لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها. وانفلت أبو جندل في سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، وقطعوا مادة قريش من الشام، وكان أبو بصير يصلي بأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان يؤمهم. واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار وأسلم وجهينة وطوائف، حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ يسألونه أن يبعث إلى أبي بصير ومن معه فيقدموا عليه، وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه، قال: ومر بأبي بصير أبو العاص بن الربيع من الشام فأخذوه، فقدم على امرأته زينب سرا. وقد تقدم شأنه. وأرسل رسول الله ﷺ كتابه إلى أبي بصير أن لا يعترضوا لأحد. فقدم الكتاب على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت. فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا (٢). وقال يحيى بن أبي كثير: حدثني أبو سلمة، أن أبا هريرة حدثه، أن النبي ﷺ كان إذا صلى العشاء الآخرة نصب (٣) في الركعة الآخرة بعدما يقول: سمع الله لمن حمده ويقول: اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر. اللهم اجعلها سنين مثل سني

стр. 608

يوسف. ثم لم يزل يدعو حتى نجاهم الله تعالى، ثم ترك الدعاء لهم بعد ذلك (١). وفي سنة ست: مات سعد بن خولة ﵁ في الأسر بمكة. ورثى له النبي ﷺ لكونه مات بمكة. وفيها: قتل هشام بن صبابة أخو مقيس، قتله رجل من المسلمين وهو يظن أنه كافر، فأعطى النبي ﷺ مقيسا ديته. ثم إن مقيسا قتل قاتل أخيه، وكفر وهرب إلى مكة. وفي ذي الحجة: ماتت أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، أم عائشة ﵄، أخرج البخاري من رواية مسروق عنها حديثا (٢) وهو منقطع لأنه لم يدركها، أو قد أدركها فيكون تاريخ موتها هذا خطأ. والله أعلم.

стр. 609

السنة السابعة غزوة خيبر قال عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: كان افتتاح خيبر في عقب المحرم، وقدم رسول الله ﷺ في آخر صفر. قلت: وكذا رواه ابن إسحاق عن غير عبد الله بن أبي بكر (١). وذكر الواقدي (٢)، عن شيوخه، في خروج النبي ﷺ إلى خيبر: في أول سنة سبع. وشذ الزهري فقال، فيما رواه عنه موسى بن عقبة في مغازيه (٣) قال: ثم قاتل رسول الله ﷺ يوم خيبر من سنة ست. وهذا لا يصح إلا إذا جعلنا ذلك في السنة السادسة من ساعة قدومه المدينة والله أعلم. وخيبر: بليدة على ثمانية برد من المدينة. قال وهيب: حدثنا خثيم بن عراك، عن أبيه، عن نفر من بني غفار قالوا: إن أبا هريرة قدم المدينة وقد خرج النبي ﷺ إلى خيبر، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري قال أبو هريرة: فوجدناه في صلاة الصبح، فقرأ في الركعة الأولى كهيعص، وقرأ في الثانية ويل للمطففين. قال أبو هريرة: فأقول في صلاتي: ويل لأبي فلان له مكيالان، إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص. قال: فلما فرغنا من صلاتنا أتينا سباع بن عرفطة فزودنا شيئا حتى قدمنا

стр. 610

على رسول الله ﷺ وقد فتح خيبر، فكلم المسلمين فأشركونا في سهمانهم (١). وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، أخبرني سويد بن النعمان، أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي أدنى خيبر - صلى العصر، ثم دعا بأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا. ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ: أخرجه البخاري (٢). وقال حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا. فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟. وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا. فاغفر فداء لك ما اقتفينا … وثبت الأقدام إن لاقينا. وألقين سكينة علينا … إنا إذا صيح بن أتينا. وبالصياح عولوا علينا. فقال رسول الله ﷺ : من هذا السائق؟ قالوا: عامر. قال: يرحمه الله. قال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به. فأتينا خيبر فحاصرهم، حتى أصابتنا مخمصة شديدة. فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : ما هذه النيران على أي شيء توقد؟ قالوا: على لحم حمر إنسية. فقال: أهريقوها واكسروها. فقال رجل: أو يهريقوها ويغسلوها. قال: أو ذاك. قال: فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر، فتناول به ساق يهودي ليضربه، فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر، فمات منه.

стр. 611

فلما قفلوا قال سلمة، وهو آخذ بيدي: لما رآني رسول الله ﷺ ساكتا: قال: ما لك؟ قلت: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله. قال، من قاله؟ قلت: فلان وفلان وأسيد بن حضير. فقال: كذب من قاله، له أجران، وجمع بين أصبعيه، إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله. متفق عليه (١). وقال مالك، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ حين خرج إلى خيبر أتاها ليلا. وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر حتى يصبح. فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس (٢). فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. أخرجه البخاري (٣). وأخرجاه من حديث ابن صهيب، عن أنس (٤). وقال غير واحد: شعبة، وابن فضيل، عن مسلم الملائي، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار. ولقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف (٥). وقال يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، أخبرني سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: أين علي بن أبي طالب؟ قيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتي به فبصق رسول الله في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم

стр. 612

حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم. أخرجاه عن قتيبة، عن يعقوب (١). وقال سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فقال عمر: فما أحببت الإمارة قط حتى يومئذ. فدعا عليا فبعثه، ثم قال: اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت، قال علي: علام أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله. أخرجه مسلم (٢)، وأخرجا نحوه من حديث سلمة بن الأكوع (٣). وقال عكرمة بن عمار: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، قال حدثني أبي أن عمه عامرا حدا بهم، فقال له النبي ﷺ : غفر لك ربك. قال: وما خص بها أحد إلا استشهد. فقال عمر: هلا متعتنا بعامر؟ فقدمنا خيبر، فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه، ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب. إذا الحرب أقبلت تلهب. فبرز له عامر، وهو يقول: قد علمت خيبر أني عامر … شاكي السلاح بطل مغامر. قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب عامر يسفل له، فرجع بسيفه على نفسه فقطع أكحله، وكانت فيها نفسه. قال

стр. 613

سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: ما لك؟ فقلت: قالوا إن عامرا بطل عمله. قال: من قال ذلك؟ قلت: نفر من أصحابك. فقال: كذب أولئك، بل له من الأجر مرتين. قال: فأرسل إلى علي يدعوه وهو أرمد فقال: لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فجئت به أقوده. قال: فبصق رسول الله ﷺ في عينيه فبرأ، فأعطاه الراية. قال: فبرز مرحب وهو يقول. قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب. إذا الحروب أقبلت تلهب. قال: فبرز له علي ﵁ وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره … كليث غابات كريه المنظره. أوفيهم بالصاع كيل السندره (١). فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله، وكان الفتح. أخرجه مسلم (٢). وقال البكائي: قال ابن إسحاق (٣)، فحدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي الهيثم بن نصر الأسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: - في مسيره لخيبر - لعامر بن الأكوع: خذ لنا من هناتك فنزل يرتجز، فقال. والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صيلنا. إنا إذا قوم بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا. فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا. فقال رسول الله ﷺ : يرحمك الله. فقال عمر: وجب والله يا رسول الله، لو أمتعتنا به. فقتل يوم خيبر شهيدا. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق (٤): حدثني بريدة بن سفيان ابن

стр. 614

فروة الأسلمي، عن أبيه، عن سلمة بن الأكوع قال: فخرج علي ﵁ بالراية يهرول وإنا نخلفه حتى ركزها في رضم من حجارة تحت الحصن. فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب فقال اليهودي: غلبتم - وعند البكائي: علوتم - وما أنزل على موسى. فما رجع حتى فتح الله عليه. وقال يونس بن بكير، عن المسيب بن مسلم الأزدي، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ ربما أخذته الشقيقة (١) فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، ولما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، وأن أبا بكر أخذ راية رسول الله ﷺ ثم نهض فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع. فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يأخذها عنوة، وليس ثم علي. فتطاولت لها قريش، رجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك. فأصبح وجاء علي على بعير حتى أناخ قريبا، وهو أرمد قد عصب عينه بشق برد قطري. فقال رسول الله ﷺ : ما لك؟ قال: رمدت بعدك، قال: ادن مني، فتفل في عينه، فما وجعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها، وعليه جبة أرجوان حمراء قد أخرج خملها، فأتى مدينة خيبر (٢). وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر مظهر (٣) يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز، فارتجز علي واختلفا ضربتين، فبدره علي بضربة، فقد الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة.

стр. 615

وقال عوف الأعرابي، عن ميمون أبي عبد الله الأزدي، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: فاختلف مرحب وعلي ضربتين، فضربه علي على هامته حتى عض السيف بأضراسه. وسمع أهل العسكر صوت ضربته. وما تتام آخر الناس مع علي حتى فتح الله له ولهم. وقال يونس، عن ابن إسحاق (١)، حدثني عبد الله بن الحسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع علي حين بعثه النبي ﷺ برايته. فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي باب الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه. ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني مع نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد أن نقلب الباب فما استطعنا أن نقلبه. رواه البكائي، عن ابن إسحاق، عن أبي رافع منقطعا، وفيه: فتناول علي بابا كان عند الحصن. والباقي بمعناه. وقال إسماعيل بن موسى السدي: حدثنا مطلب بن زياد، عن ليث ابن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: دخلت عليه فقال: حدثني جابر بن عبد الله أن عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه. فافتتحوها، وأنه خرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا. تابعه فضيل بن عبد الوهاب، عن مطلب (٢). وقال يونس بن بكير، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٣)، عن الحكم، والمنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان علي يلبس في الحر والشتاء القباء المحشو الثخين وما يبالي الحر، فأتاني أصحابي فقالوا: إنا قد رأينا من أمير المؤمنين شيئا فهل رأيته؟ فقلت: وما هو؟ قالوا: رأيناه يخرج علينا في الحر الشديد في القباء المحشو وما يبالي الحر، ويخرج علينا في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين وما يبالي البرد، فهل سمعت في ذلك شيئا؟ فقلت: لا. فقالوا: سل لنا أباك فإنه يسمر معه.

стр. 616

فسألته فقال: ما سمعت في ذلك شيئا. فدخل عليه فسمر معه فسأله فقال علي: أوما شهدت معنا خيبر؟ قال: بلى. قال: فما رأيت رسول الله ﷺ حين دعا أبا بكر فعقد له وبعثه إلى القوم، فانطلق فلقي القوم، ثم جاء بالناس وقد هزموا؟ فقال: بلى. قال: ثم بعث إلى عمر فعقد له وبعثه إلى القوم، فانطلق فلقي القوم فقاتلهم ثم رجع وقد هزم، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، يفتح الله عليه، غير فرار فدعاني فأعطاني الراية، ثم قال: اللهم اكفه الحر والبرد، فما وجدت بعد ذلك حرا ولا بردا (١). وقال أبو عوانة، عن مغيرة الضبي، عن أم موسى قالت: سمعت عليا يقول: ما رمدت ولا صدعت مذ دفع إلي رسول الله ﷺ الراية يوم خيبر. رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢). فصل. فيمن ذكر أن مرحبا قتله محمد بن مسلمة. قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، أن رسول الله ﷺ قام يوم خيبر فوعظهم. وفيه: فخرج اليهود بعاديتها، فقتل صاحب عادية اليهود فانقطعوا. وقتل محمد بن مسلمة الأشهلي مرحبا اليهودي (٣). وقال ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، عن عروة نحوه. وقال يونس، عن ابن إسحاق (٤) حدثني عبد الله بن سهل الحارثي، عن جابر بن عبد الله قال: خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر، قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول: من يبارز؟ فقال رسول الله ﷺ : من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له، أنا والله الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس.

стр. 617

قال: قم إليه، اللهم أعنه عليه. فلما تقاربا دخلت بينهما شجرة عمرية (١)، فجعل كل واحد منهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه، حتى برز كل واحد منها، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن. ثم حمل على محمد فضربه فاتقاه بالدرقة، فعضت بسيفه فأمسكته، وضربه محمد حتى قتله. فقيل إنه ارتجز فقال: قد علمت خيبر أني ماضي … حلو إذا شئت وسم قاضي. وكان ارتجاز مرحب: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب إذا الليوث أقبلت تلهب .... واحجمت عن صولة المغلب أطعن أحيانا وحينا أضرب … إن حماي للحمى لا يقرب وقال الواقدي (٢): حدثني محمد بن الفضل بن عبيد الله بن رافع بن خديج عن أبيه، عن جابر قال: وحدثني زكريا بن زيد، عن عبد الله ابن أبي سفيان، عن أبيه، عن سلمة بن سلامة. قال: وعن مجمع بن يعقوب، عن أبيه، عن مجمع بن جارية قالوا جميعا: إن محمد بن مسلمة قتل مرحبا. وذكر الواقدي، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، أن عليا حمل على مرحب فقطره (٣) على الباب، وفتح علي الباب الآخر، وكان للحصن بابان. قال الواقدي (٤): وقيل إن محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما، فقال: أجهز علي يا محمد. فقال: ذق الموت كما ذاقه أخي محمود، وجاوزه، ومر به علي فضرب عنقه وأخذ سلبه. فاختصما إلى رسول الله ﷺ في سلبه، فأعطاه محمدا. وكن عند آل محمد بن مسلمة فيه

стр. 618

كتاب لا يدرى ما هو، حتى قرأه يهودي من يهود تيماء فإذا هو: هذا سيف مرحب من يذقه يعطب. قال الواقدي (١): حدثني محمد بن الفضل بن عبيد الله عن رافع، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: برز عامر وكان طوالا جسيما، فقال رسول الله ﷺ حين برز وطلع: أترونه خمسة أذرع؟ وهو يدعو إلى البراز؛ فبرز له علي فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئا، حتى ضرب ساقيه فبرك، ثم دفف عليه وأخذ سلاحه. قال ابن إسحاق (٢): ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر، فبرز له الزبير فقتله. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة. ورواه موسى بن عقبة - واللفظ له - قال: ثم دخلوا حصنا لهم منيعا يدعى القموص. فحاصرهم النبي ﷺ قريبا من عشرين ليلة. وكانت أرضا وخمة شديدة الحر. فجهد المسلمون جهدا شديدا. فوجدوا أحمرة ليهود، فذكر قصتها، ونهي النبي ﷺ عن أكلها. ثم قال: وجاء عبد حبشي من أهل خيبر كان في غنم لسيده، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح، سألهم ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي. فوقع في نفسه فأقبل بغنمه حتى عمد لرسول الله ﷺ فأسلم، وقال: ماذا لي؟ قال: الجنة فقال: يا رسول الله إن هذه الغنم عندي أمانة. قال له رسول الله ﷺ : أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصباء فإن الله سيؤدي عنك أمانتك. ففعل؛ فرجعت الغنم إلى سيدها. ووعظ النبي ﷺ الناس. إلى أن قال: وقتل من المسلمين العبد الأسود، فاحتملوه فأدخل في فسطاط. فزعموا أن رسول الله ﷺ اطلع في الفسطاط، ثم أقبل على أصحابه فقال: لقد أكرم الله هذا العبد، وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين (٣).

стр. 619

وقال ابن وهب: أخبرني حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر، فخرجت سرية فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها، فجاؤوا به إلى رسول الله ﷺ فكلمه، فقال له الرجل: إني قد آمنت بك، فكيف بالغنم فإنها أمانة، وهي للناس الشاة والشاتان، قال: احصب وجوهها ترجع إلى أهلها. فأخذ قبضة من حصباء أو تراب فرمى بها وجوهها، فخرجت تشتد حتى دخلت كل شاة إلى أهلها. ثم تقدم إلى الصف، فأصابه سهم فقتله. ولم يصل لله سجدة قط، قال رسول الله ﷺ : أدخلوه الخباء فأدخل خباء رسول الله ﷺ حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ دخل عليه ثم خرج فقال: لقد حسن إسلام صاحبكم، لقد دخلت عليه وإن عنده لزوجتين له من الحور العين (١). وهذا حديث حسن أو صحيح (٢). وقال مؤمل بن إسماعيل: حدثنا حماد، قال: حدثنا ثابت عن أنس، أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه، منتن الريح، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: نعم. فتقدم فقاتل حتى قتل. فأتى عليه النبي ﷺ وهو مقتول، فقال: لقد أحسن الله وجهك وطيب روحك وكثر مالك. قال: وقال - لهذا أو لغيره -: لقد رأيت زوجتيه من الحور العين ينازعانه جبته عنه، يدخلان فيما بين جلده وجبته. وهذا حديث صحيح (٣). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٤): حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض أسلم أن بعض بني سهم من أسلم أتوا رسول الله ﷺ بخيبر، فقالوا: يا رسول الله، والله لقد جهدنا وما بأيدينا شيء. فلم يجدوا عند رسول الله ﷺ شيئا فقال: اللهم إنك قد علمت حالهم وأنهم ليست لهم قوة وليس

стр. 620

بيدي ما أعطيهم إياه. فافتح عليهم أعظم حصن بها غنى، أكثره طعاما وودكا. فغدا الناس ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن أكثر طعاما وودكا منه. فلما افتتح رسول الله ﷺ من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم، وكانا آخر حصون خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة. ذكر صفية. وقال البكائي، عن ابن إسحاق (١) قال: وتدنى رسول الله ﷺ الأموال، يأخذها مالا مالا، ويفتحها حصنا حصنا. فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة الأنصاري أخو محمد، ألقيت عليه رحى فقتلته. ثم القموص؛ حصن ابن أبي الحقيق. وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا، منهن صفية بنت حيي بن أخطب، وبنتا عم لها، فأعطاهما دحية الكلبي. وقال يونس، عن ابن إسحاق (٢): حدثني ابن لمحمد بن مسلمة الأنصاري عمن أدرك من أهله، وحدثنيه مكنف، قالا: حاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة، سألوا رسول الله ﷺ أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ففعل. وكان رسول الله ﷺ قد حاز الأموال كلها: الشق والنطاة والكتيبة وجميع حصونهم، إلا ما كان في ذينك الحصنين. فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم، ويخلون بينه وبين الأموال، ففعل. فكان ممن مشى بين يدي رسول الله ﷺ وبينهم، في ذلك، محيصة ابن مسعود. فلما نزلوا على ذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم على الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها. فصالحهم على النصف، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. وصالحه

стр. 621

أهل فدك على مثل ذلك. فكانت أموال خيبر فيئا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ ؛ لأن المسلمين لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. وقال حماد بن زيد، عن ثابت. وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس أن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل خيبر قتل المقاتلة وسبى الذراري، فصارت صفية لدحية الكلبي، ثم صارت لرسول الله ﷺ ، ثم تزوجها وجعل صداقها عتقها. متفق عليه (١). وقال يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، قال: ذكر للنبي ﷺ جمال صفية، وكانت عروسا وقتل زوجها، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه. فلما كنا بسد الصهباء حلت، فبنى بها رسول الله ﷺ : واتخذ حيسا في نطع صغير، وكانت وليمته. فرأيته يحوي (٢) لها بعباءة خلفه، ويجلس عند ناقته، فيضع ركبته فتجيء صفية فتضع رجلها على ركبته ثم تركب. فلما بدا لنا أُحد قال رسول الله ﷺ : هذا جبل يحبنا ونحبه. أخرجه البخاري، بأطول من هذا، ومسلم (٣). وقال محمد بن جعفر بن أبي كثير: أخبرني حميد، سمع أنسا قال: أقام رسول الله ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية. فدعوت المسلمين إلى وليمة رسول الله ﷺ ، ما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت، وألقي عليها التمر والأقط (٤) والسمن. فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين هي أو مما ملكت يمينه؟ قالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه.

стр. 622

فلما ارتحل وطأ لها خلفه، ومد الحجاب بينها وبين الناس. أخرجه البخاري (١). وقال حماد بن سلمة: حدثنا عبيد الله بن عمر - فيما أحسب - عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء، ويخرجون منها. واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد. فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير. فقال رسول الله ﷺ لعم حيي: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ قال: أذهبته النفقات والحروب. فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك. فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير، فمسه بعذاب. وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة، فقال عمه: قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا: فذهبوا فطافوا. فوجدوا المسك في الخربة. فقتل رسول الله ﷺ ابني حقيق، وأحدهما زوج صفية. وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا. وأراد أن يجليهم منها. فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها. ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، فأعطاهم على النصف ما بدا لرسول الله ﷺ . فكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر. فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه فقال: يا أعداء الله تطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. قال: ورأى رسول الله ﷺ بعين صفية خضرة، فقال: ما هذه؟ قالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرا وقع في

стр. 623

حجري فأخبرته بذلك، فلطمني وقال: تمنين ملك يثرب؟ قالت: وكان رسول الله ﷺ من أبغض الناس إلي، قتل أبي وزوجي. فما زال يعتذر إلي ويقول: إن أباك ألب العرب علي وفعل وفعل، حتى ذهب ذلك من نفسي. وكان رسول الله ﷺ يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام، وعشرين وسقا من شعير. فلما كان زمن عمر غشوا المسلمين، وألقوا ابن عمر من فوق بيت، ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر، حتى قسمها بينهم. وقال رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله وأبو بكر. فقال له: أتراه سقط عني قول رسول الله ﷺ : كيف بك إذا رقصت (١) بك راحلتك تخوم الشام يوما ثم يوما ثم يوما. وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية. استشهد به البخاري في كتابه، فقال: ورواه حماد بن سلمة (٢). وقال أبو أحمد المرار بن حمويه: حدثنا محمد بن يحيى الكناني، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما فدعت بخيبر قام عمر خطيبا فقال: إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أموالها، وقال: نقركم ما أقركم الله، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى خيبر ماله هناك (٣)، فعدي عليه من الليل ففدعت يداه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، وهم تهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم. فلما أجمع على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين، تخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا؟ فقال: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة. فأجلاهم وأعطاهم قيمة ما لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك. أخرجه البخاري (٤) عن أبي أحمد.

стр. 624

وقال ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار عن رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس. أخرجه أبو داود (١). وقال سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار أن رسول الله ﷺ قسم خيبر ستة وثلاثين سهما، فعزل للمسلمين ثمانية عشر سهما، يجمع كل سهم مائة، والنبي ﷺ معهم وله سهم كسهم أحدهم. وعزل النصف لنوائبه وما ينزل به من أمور المسلمين، فكان ذلك الوطيح والسلالم والكتيبة وتوابعها، فلما صارت الأموال بيد النبي ﷺ والمسلمين، لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا اليهود فعاملهم (٢). قال البيهقي ﵀ (٣): وهذا لأن بعض خيبر فتح عنوة، وبعضها صلحا. فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحا لنوائبه وما يحتاج إليه في مصالح المسلمين. وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن خيبر يوم أشركها النبي ﷺ كان فيها زرع ونخل فكان يقسم لنسائه كل سنة لكل واحدة منهن مائة وسق تمر، وعشرين وسق شعير لكل امرأة. رواه الذهلي، عن عبد الرزاق، فأسقط منه: ابن عمر (٤). وقال ابن وهب: قال يحيى بن أيوب: حدثني إبراهيم بن سعد، عن كثير مولى بني مخزوم، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قسم لمائتي فرس يوم خيبر سهمين سهمين.

стр. 625

قال ابن وهب، وقال لي يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، وصالح بن كيسان مثل ذلك (١). وقال ابن عيينة: حدثنا يحيى بن سعيد، عن صالح بن كيسان قال: كانوا يوم خيبر ألفا وأربعمائة، وكانت الخيل مائتي فرس (٢). وقال يونس، عن ابن إسحاق، أخبرني الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب، مشيت أنا وعثمان فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم. أرأيت إخوتنا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم بمنزل واحد منك. فقال: إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، ثم شبك رسول الله ﷺ يديه إحداهما في الأخرى. استشهد به البخاري (٣). وقال شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مغفل قال: دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته، وقلت: هذا لا أعطي أحدا منه شيئا. فالتفت فإذا النبي ﷺ يتبسم، فاستحييت منه. متفق عليه (٤). وقال أبو معاوية: حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قلت أكنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف. أخرجه أبو داود (٥).

стр. 626

وقال أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي - أو عن أبي قلابة - قال: لما قدم رسول الله ﷺ خيبر قدم والتمرة خضرة، فأشرع الناس فيها فحموا، فشكوا ذلك إليه فأمرهم أن يقرسوا الماء في الشنان، ثم يحدرون عليهم بين أذاني الفجر، ويذكرون اسم الله عليه، قال: ففعلوا فكأنما نشطوا من عقل. وقال بشر بن المفضل، عن محمد بن زيد، حدثني عمير مولى آبي اللحم، قال: شهدت خيبر، مع سادتي، فكلموا في رسول الله ﷺ ، فأمر بي فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع (١). أخرجه أبو داود (٢). ذكر من استشهد على خيبر. على ما ذكر ابن إسحاق (٣)؛ قال: من حلفاء بني أمية: ربيعة بن أكثم. وثقف بن عمرو. ورفاعة بن مسروح. ومن بني أسد بن عبد العزى: عبد الله بن الهبيب. ومن الأنصار: فضيل بن النعمان السلمي، ومسعود بن سعد الزرقي. وأبو الضياح (٤) بن ثابت، أحد بني عمرو بن عوف. والحارث بن حاطب، وعروة بن مرة. وأوس بن القائف (٥). وأنيف بن حبيب. وثابت بن أثلة. وطلحة. وعمارة بن عقبة الغفاري. وقد تقدم: عامر بن الأكوع. ومحمود بن مسلمة. والأسود الراعي.

стр. 627

وزاد عبد الملك بن هشام (١)، فقال: مسعود بن ربيعة، حليف بني زهرة، وأوس بن قتادة الأنصاري. وزاد بعضهم فقال: ومبشر بن عبد المنذر، وأبو سفيان بن الحارث وليس بالهاشمي، والله أعلم. قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه: البخاري، ومسلم (٢) قالا: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني بريد عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه، أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو رهم، والآخر أبو بردة، إما قال: بضع، وإما قال: في ثلاثة، أو اثنين وخمسين رجلا من قومي. فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة. فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا وأمرنا؛ يعني بالإقامة؛ فأقيموا معنا، فأقمنا معه، حتى قدمنا جميعا، فوافقنا رسول الله ﷺ حين فتح خيبر. فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا، مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم. قال: فكان أناس من الناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة. قال: ودخلت أسماء بنت عميس؛ وهي ممن قدمت معنا؛ على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي. فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ فقالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: آلحبشية هذه؟ آلبحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله ﷺ فغضبت، فقالت كلمة: يا عمر، كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم

стр. 628

ويعظ جاهلكم، وكنا في دار - أو أرض - البعداء، أو البغضاء، بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله. وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر له ذلك وأسأله. فلما جاء قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا. قال: ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان. قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا، يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ . قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني. وقال: لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي وهاجرتم إلي. وقال أجلح بن عبد الله، عن الشعبي قال: لما قدم جعفر من الحبشة تلقاه رسول الله ﷺ فقبل جبهته، ثم قال: والله ما أدري بأيهما أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر. وبعضهم يقول: عن أجلح، عن الشعبي عن جابر (١). وقال ابن عيينة: حدثنا الزهري، أنه سمع عنبسة بن سعيد القرشي يحدث عن أبي هريرة، قال: قدمت المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر حين افتتحها، فسألته أن يسهم لي. فتكلم بعض ولد سعيد بن العاص فقال: لا تسهم له يا رسول الله. فقلت: هذا قاتل ابن قوقل. فقال، أظنه ابن سعيد بن العاص: يا عجبي لوبر قد تدلى علينا من قدوم ضال يعيرني بقتل امرئ مسلم أكرمه الله على يدي، ولم يهني على يديه. هذا لفظ أبي داود (٢)، وأخرجه البخاري (٣)، لكن قال: من قدوم ضأن. وقال إسماعيل بن عياش، عن الزبيدي، عن الزهري، أخبرني عنبسة بن سعيد، أنه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص، قال: بعث رسول الله

стр. 629

ﷺ أبان على سرية قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على رسول الله ﷺ بخيبر بعد فتحها، وإن حزم خيلهم لليف، فقلت: يا رسول الله لا تقسم لهم. فقال أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضال (١). فقال النبي ﷺ : يا أبان، اجلس. فلم يقسم لهم. علقه البخاري في صحيحه (٢)، فقال: ويذكر عن الزبيدي. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: كانت بنو فزارة ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم. فراسلهم رسول الله ﷺ أن لا يعينوهم، وسألهم أن يخرجوا عنهم، ولكم من خيبر كذا وكذا. فأبوا عليه. فلما فتح الله خيبر، أتاه من كان هنالك من بني فزارة، قالوا: حظنا الذي وعدتنا. فقال: حظكم؛ أو قال: لكم ذو الرقيبة - لجبل من جبال خيبر - قالوا: إذا نقاتلك. فقال: موعدكم جنفاء. فلما سمعوا ذلك هربوا. جنفاء: ماء من مياه بني فزارة (٣). وقال البخاري (٤)، حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة. وقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، أن رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون في بعض مغازيه، فاقتتلوا. فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه. فقال رسول الله ﷺ : أما إنه من أهل النار. فقالوا: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل: والله لا يموت على هذه الحال أبدا، فاتبعه حتى جرح، فاشتدت جراحته واستعجل الموت، فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فجاء الرجل

стр. 630

إلى رسول الله ﷺ فقال: أشهد أنك لرسول الله، قال: وما ذاك؟ فأخبره. فقال النبي ﷺ : إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وإنه لمن أهل الجنة. متفق عليه (١). وأخرج البخاري (٢) من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر، فقال لرجل؛ - يع ي النبي ﷺ إن هذا من أهل النار. فلما حضر القتال قاتل الرجل. فذكر نحو حديث سهل بن سعد. وقال يحيى القطان وغيره، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا توفي يوم خيبر، فذكر لرسول الله ﷺ ، فقال: صلوا على صاحبكم. فتغيرت وجوههم: فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله. ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين (٣). شأن الشاة المسمومة. وقال ليث بن سعد، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم. فقال رسول الله ﷺ : اجمعوا من كان ها هنا من اليهود. فجمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ : إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله ﷺ : من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان. قال: كذبتم، بل أبوكم فلان، قالوا: صدقت وبررت. قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في آبائنا. فقال رسول الله ﷺ من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم

стр. 631

تخلفوننا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : اخسؤوا فيها، فوالله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال: هل أنتم صادقي؟ قالوا: نعم. قال: أجعلتم في هذه الشاة سما؟ قالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك. أخرجه البخاري (١). وقال خالد بن الحارث: حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ ، فسألها عن ذلك، قالت: أردت لأقتلك. فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك. أو قال: علي، قالوا: ألا نقتلها. قال: لا. فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ . متفق عليه من حديث خالد (٢). وقال عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي سلمة وابن المسيب، عن أبي هريرة؛ أن امرأة من اليهود أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مسمومة، فقال: أمسكوا فإنها مسمومة، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله، وإن كنت كاذبا أريح الناس منك. قال: فما عرض لها رسول الله ﷺ . وروي عن جابر نحوه (٣). وقال معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، أن يهودية أهدت إلى النبي ﷺ شاة مصلية (٤) بخيبر، فأكل وأكلوا، ثم قال: أمسكوا. وقال لها: هل سميت هذه الشاة؟ قالت: من أخبرك؟ قال: هذا العظم. قالت: نعم. فاحتجم على الكاهل، وأمر أصحابه فاحتجموا، فمات بعضهم.

стр. 632

قال الزهري: فأسلمت، فتركها (١). وقال أبو داود في سننه (٢): حدثنا سليمان المهري، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان جابر يحدث أن يهودية سمت شاة أهدتها للنبي ﷺ … الحديث. وقال خالد الطحان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أن النبي ﷺ أهدت له يهودية بخيبر شاة، نحو حديث جابر. قال: فمات بشر بن البراء بن معرور، وأمر بها النبي ﷺ فقتلت (٣). ويحتمل أنه لم يقتلها أولا، ثم لما مات بشر قتلها. وبشر شهد العقبة وبدرا، وأبوه فأحد النقباء ليلة العقبة. وهو الذي قال رسول الله ﷺ : يا بني سلمة، من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس، على بخل فيه. فقال: وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء (٤). وقال موسى بن عقبة، وابن شهاب، وعروة، واللفظ لموسى قالوا: لما فتحت خيبر أهدت زينب بنت الحارث اليهودية - وهي ابنة أخي مرحب - لصفية شاة مصلية وسمتها وأكثرت في الذراع، لأنه بلغها أن النبي ﷺ يحب الذراع. وذكر الحديث (٥). وعن عروة، وموسى بن عقبة قالا: كان بين قريش حين سمعوا بخروج رسول الله ﷺ إلى خيبر تراهن وتبايع، منهم من يقول: يظهر محمد ومنهم من يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر. وكان الحجاج بن علاط السلمي البهزي قد أسلم وشهد فتح خيبر، وكانت تحته أم شيبة العبدرية، وكان الحجاج ذا مال، وله معادن من أرض بني سليم. فلما ظهر النبي ﷺ على خيبر، قال الحجاج: يا رسول الله، إن لي ذهبا عند امرأتي،

стр. 633

وإن تعلم هي وأهلها بإسلامي فلا مال لي، فائذن لي فأسرع السير ولا يسبق الخبر (١). وقال محمد بن ثور - واللفظ له - وعبد الرزاق، عن معمر، سمعت ثابتا البناني، عن أنس، قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر، قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله، إن لي بمكة مالا، وإن لي بها أهلا أريد إتيانهم، فأنا في حلٍ إن أنا نلت منك، فقلت شيئا؟ فأذن له رسول الله ﷺ . فقال لامرأته، وقال لها: أخفي علي واجمعي ما كان عندك لي، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم. ففشا ذلك بمكة، واشتد على المسلمين وبلغ منهم. وأظهر المشركون فرحا وسرورا. فبلغ العباس الخبر فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم (٢). قال معمر: فأخبرني عثمان الجريري، عن مقسم قال: فأخذ العباس ابنا له يقال له: قثم واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول: حي قثم … شبيه ذي الأنف الأشم فتى ذي النعم … برغم من رغم قال معمر في حديث أنس: فأرسل العباس غلاما له إلى الحجاج أن: ويلك، ما جئت به وما تقول؟ والذي وعد الله خير مما جئت به. قال الحجاج: يا غلام أقرئ أبا الفضل السلام، وقل له: فليخل لي في بعض بيوته فآتيه، فإن الأمر على ما يسره. فلما بلغ العبد باب الدار، قال: أبشر يا أبا الفضل. فوثب العباس فرحا حتى قبل ما بين عينيه وأعتقه، ثم جاء الحجاج فأخبره بافتتاح رسول الله ﷺ خيبر، وغنم أموالهم، وأن رسول الله ﷺ اصطفى صفية، ولكن جئت لمالي، وأني استأذنت النبي ﷺ فأذن لي، فأخف علي يا أبا الفضل ثلاثا، ثم اذكر ما شئت. قال: وجمعت له امرأته متاعه، ثم انشمر، فلما كان بعد ثلاث، أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ قالت: ذهب، لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي

стр. 634

بلغك. فقال: أجل، لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحب؛ فتح الله على رسوله، وجرت سهام الله في خيبر، واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، فإن كان لك في زوجك حاجة فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقا. ثم أتى مجالس قريش وحدثهم. فرد الله ما كان بالمسلمين من كآبة وجزع على المشركين (١). غزوة وادي القرى مالك، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، إلا الثياب والمتاع. فوجه رسول الله ﷺ نحو وادي القرى. وقد أهدي لرسول الله ﷺ عبد أسود يقال له: مدعم. حتى إذا كانوا بوادي القرى، بينما مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ ، إذ جاء سهم فقتله فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال رسول الله ﷺ : كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا. فلما سمعوا بذلك، جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﵇: شراك من نار أو قال: شراكان من نار متفق عليه (٢). وقال الواقدي (٣): حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القرى. وكان رفاعة بن زيد الجذامي قد وهب لرسول الله ﷺ عبدا يقال له مدعم. فلما نزلنا بوادي القرى، انتهينا إلى يهود وقد ثوى إليها ناس من العرب. فبينما مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ ، وقد استقبلنا يهود بالرمي حيث نزلنا. ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر، فأصاب مدعما فقتله. فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال النبي

стр. 635

ﷺ : كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا. فلما سمع بذلك الناس، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ بشراك أو بشراكين، فقال: شراك، أو شراكان، من نار. فعبأ رسول الله ﷺ أصحابه للقتال وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، ودفع راية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم، فبرز رجل، فبرز له الزبير فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه علي فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا ثم أعطوا من الغد بأيديهم. وفتحها الله عنوة. وأقام رسول الله ﷺ بوادي القرى أربعة أيام. فلما بلغ ذلك أهل تيماء صالحوا على الجزية. فلما كان عمر، أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام؛ ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، وما وراء ذلك من الشام. وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، فسار ليله حتى إذا أدركنا الكرى عرس رسول الله ﷺ ، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل فغلبت بلالا عيناه فلم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلال إلا بحر الشمس … الحديث. أخرجه مسلم (١). وروي أن ذلك كان في طريق الحديبية. رواه شعبة، عن جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود. ويحتمل أن يكون نومهم مرتين. وقد رواه زافر بن سليمان، عن شبعة، فذكر أن ذلك كان في غزوة تبوك. وقد روى النوم عن الصلاة: عمران بن حصين، وأبو قتادة الأنصاري.
следующие страницы →