وقال المروذي: كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة. وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب.
وقال: إذا ذكرت الموت هان علي كل شيء من أمر الدنيا. وإنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل. ما أعدل بالفقر شيئا.
وقال: لو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر.
وقال: أريد أن أكون في بعض تلك الشعاب بمكة، حتى لا أعرف. قد بليت بالشهرة. إني لأتمنى الموت صباحا ومساء.
وقال المروذي: ذكر لأحمد أن رجلا يريد لقاءه، فقال: أليس قد كره بعضهم اللقاء. يتزين لي وأتزين له.
وقال: لقد استرحت. ما جاءني الفرح إلا منذ حلفت أن لا أحدث، وليتنا نترك، الطريق ما كان عليه بشر بن الحارث.
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن فلانا قال: لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها، قد زهد في الناس. فقال: ومن أنا حتى أزهد في الناس؟ الناس يريدون أن يزهدوا في.
وسمعت أبا عبد الله يكره للرجل أن ينام بعد العصر، يخاف على عقله.
وسمعته يقول: لا يفلح من تعاطى الكلام، ولا يخلو من أن يتجهم.
وسئل عن القراءة بالألحان، فقال: هذه بدعة لا تسمع.
وكان قد قارب الثمانين، ﵀.
فصل
من قوله في أصول الدين
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. البر كله من الإيمان، والمعاصي تنقص من الإيمان.
وقال إسحاق بن إبراهيم البغوي: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر.
وقال سلمة بن شبيب: سمعت أحمد يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.
стр. 5672
وقال أبو إسماعيل الترمذي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر.
وقال إسماعيل بن الحسن السراج: سألت أحمد عمن يقول: القرآن مخلوق. فقال: كافر. وعمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: جهمي.
وقال صالح بن أحمد: تناهى إلى أبي أن أبا طالب يحكي أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فأخبرت أبي بذلك، فقال: من أخبرك؟ قلت: فلان. فقال: ابعث إلى أبي طالب. فوجهت إليه، فجاء وجاء فوران، فقال له أبي: أنا قلت لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وغضب وجعل يرعد، فقال: قرأت عليك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] فقلت لي: ليس هذا بمخلوق. فقال: فلم حكيت عني أني قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ وبلغني أنك وضعت ذلك في كتاب، وكتبت به إلى قوم. فامحه، واكتب إلى القوم أني لم أقل لك. فجعل فوران يعتذر إليه، وانصرف من عنده وهو مرعوب، فعاد أبو طالب، فذكر أنه قد حك ذلك من كتابه، وأنه كتب إلى القوم يخبرهم أنه وهم على أبي.
قلت: الذي استقر عليه قول أبي عبد الله: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع.
وقال أحمد بن زنجويه: سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللفظية شر من الجهمية.
وقال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: افترقت الجهمية على ثلاث فرق: فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: القرآن كلام الله تعالى، وسكتوا، وفرقة قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. وقال أبي: لا يصلى خلف واقفي، ولا خلف لفظي.
وقال المروذي: أخبرت أبا عبد الله أن أبا شعيب السوسي الذي كان بالرقة فرق بين ابنته وزوجها لما وقف في القرآن. فقال: أحسن، عافاه الله. وجعل يدعو له.
وقد كان أبو شعيب شاور النفيلي، فأمره أن يفرق بينهما.
قال المروذي: ولما أظهر يعقوب بن شيبة الوقف حذر أبو عبد الله عنه، وأمر بهجرانه وهجران من كلمه.
قلت: ولأبي عبد الله في مسألة اللفظ نصوص متعددة، وأول من أظهر اللفظ الحسين بن علي الكرابيسي، وذلك في سنة أربع وثلاثين ومائتين، وكان
стр. 5673
الكرابيسي من كبار الفقهاء، فقال المروذي في كتاب القصص: عزم حسن بن البزاز، وأبو نصر بن عبد المجيد، وغيرهما على أن يجيئوا بكتاب المدلسين الذي وضعه الكرابيسي يطعن فيه على الأعمش، وسليمان التيمي. فمضيت إليه في سنة أربع وثلاثين، فقلت: إن كتابك يريد قوم أن يعرضوه على أبي عبد الله، فأظهر أنك قد ندمت عليه، فقال: إن أبا عبد الله رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق. قد رضيت أن يعرض عليه. لقد سألني أبو ثور أن أمحوه، فأبيت، فجيء بالكتاب إلى أبي عبد الله، وهو لا يعلم لمن هو، فعلموا على مستبشعات من الكتاب، وموضع فيه وضع على الأعمش، وفيه: إن زعمتم أن الحسن بن صالح كان يرى السيف فهذا ابن الزبير قد خرج، فقال أبو عبد الله: هذا أراد نصرة الحسن بن صالح، فوضع على أصحاب رسول الله ﷺ . وقد جمع للروافض أحاديث في هذا الكتاب، فقال أبو نصر: إن فتياننا يختلفون إلى صاحب هذا الكتاب، فقال: حذروا عنه، ثم انكشف أمره، فبلغ الكرابيسي، فبلغني أنه قال: سمعت حسينا الصائغ يقول: قال الكرابيسي: لأقولن مقالة حتى يقول أحمد بن حنبل بخلافها فيكفر، فقال: لفظي بالقرآن مخلوق، فقلت لأبي عبد الله: إن الكرابيسي قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وقال أيضا: أقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات، إلا أن لفظي بالقرآن مخلوق. ومن لم يقل إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، فقال أبو عبد الله: بل هو الكافر، قاتله الله، وأي شيء قالت الجهمية إلا هذا؟ قالوا كلام الله، ثم قالوا: مخلوق. وما ينفعه وقد نقض كلامه الأخير كلامه الأول حين قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ثم قال أحمد: ما كان الله ليدعه وهو يقصد إلى التابعين مثل سليمان الأعمش، وغيره، يتكلم فيهم. مات بشر المريسي، وخلفه حسين الكرابيسي، ثم قال: أيش خبر أبي ثور؟ وافقه على هذا؟ قلت: قد هجره، قال: قد أحسن، قلت: إني سألت أبا ثور عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: مبتدع، فغضب أبو عبد الله وقال: أيش مبتدع؟! هذا كلام جهم بعينه. ليس يفلح أصحاب الكلام.
وقال عبد الله بن حنبل: سئل أبي وأنا أسمع عن اللفظية والواقفة فقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي.
وقال الحكم بن معبد: حدثني أحمد أبو عبد الله الدورقي قال: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في هؤلاء الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق؟
стр. 5674
فرأيته استوى واجتمع، وقال: هذا شر من قول الجهمية. من زعم هذا فقد زعم أن جبريل تكلم بمخلوق، وجاء إلى النبي ﷺ بمخلوق.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي: سمعت أبا طالب أحمد بن حميد قال: قلت لأحمد بن حنبل: قد جاءت جهمية رابعة، فقال: وما هي؟ قلت: قال إنسان: من زعم أن في صدره القرآن، فقد زعم أن في صدره من الإلهية شيء، فقال: من قال هذا فقد قال مثل قول النصارى في عيسى أن كلمة الله فيه. ما سمعت بمثل هذا قط. قلت: أهذه الجهمية؟ قال: أكبر من الجهمية، ثم قال: قال النبي ﷺ : ينزع القرآن من صدوركم. .
قلت: الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق لأن التلفظ من كسب القارئ، وهو الحركة، والصوت، وإخراج الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القارئ، ولم يحدث حروف القرآن ولا معانيه، وإنما أحدث نطقه به. فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يجوز الإمام أحمد: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق، إذ كل واحد من الإطلاقين موهم. والله أعلم (١).
وقال أبو بكر الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، وزكريا بن يحيى، أن أبا طالب حدثهم أنه قال لأبي عبد الله: جاءني كتاب من طرسوس أن سريا السقطي قال: لما خلق الله الحروف سجدت إلا الألف فإنه قال: لا أسجد حتى أومر. فقال: هذا كفر. فرحم الله الإمام أحمد ما عنده في الدين محاباة.
قال الخلال: أخبرنا محمد بن هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم قال: حضرت رجلا يسأل أبا عبد الله فقال: يا أبا عبد الله إجماع المسلمين على الإيمان بالقدر خيره وشره؟ قال أبو عبد الله: نعم، قال: ولا نكفر أحدا بذنب؟ فقال أبو عبد الله: اسكت، من ترك الصلاة فقد كفر، ومن قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
стр. 5675
وقال الخلال: أخبرني محمد بن سليمان الجوهري، قال: حدثنا عبدوس بن مالك العطار، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه الصحابة، وترك البدع وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدل. وليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه من الله ليس ببائن منه. وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال: لا أدري، مخلوق أو ليس مخلوقا، وإنما هو كلام الله؛ فهو صاحب بدعة. والإيمان بالرؤية يوم القيامة. وأن النبي ﷺ رأى ربه؛ فإنه مأثور عن رسول الله ﷺ ، رواه قتادة والحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس. ورواه علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس. والحديث عندنا على ظاهره على ما جاء عن النبي ﷺ ، والكلام فيه بدعة. ولكن نؤمن على ما جاء على ظاهره. وأن الله يكلم العباد يوم القيامة، ليس بينهم وبينه ترجمان (١).
قال حنبل بن إسحاق: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤]، و ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة ٧]؟ قال: علمه علمه. وسمعته يقول: ربنا على العرش بلا حد ولا صفة.
قلت: معنى قوله بلا صفة أي بلا كيف ولا وصف.
وقال أبو بكر المروذي: حدثني محمد بن إبراهيم القيسي قال: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه، قال أحمد: هكذا هو عندنا.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فقد كفر.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية تأليفه: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت. فقال أبي: بلى تكلم - جل ثناؤه - بصوت. هذه الأحاديث ترويها كما جاءت.
وقال أبي: حديث ابن مسعود: إذا تكلم الله سمع له صوت كمر السلسلة على الصفوان.
стр. 5676
قال: وهذه الجهمية تنكره، وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس. ثم قال: حدثنا المحاربي، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدا (١).
وقال عبد الله. وجدت بخط أبي مما يحتج به على الجهمية من القرآن: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [يس ٨٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٤٥] ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء ١٧١]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام ١١٥]، ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل]، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن ٢٧]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء]، ﴿يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه ١٢]، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤].
قلت: وذكر آيات كثيرة في الصفات، أنا تركت كتابتها هنا.
وقال يعقوب بن إسحاق المطوعي: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن التفضيل فقال: على حديث ابن عمر ﵄: أبو بكر، وعمر، وعثمان.
وقال صالح بن أحمد: سئل أبي، وأنا شاهد، عمن يقدم عليا على عثمان يبدع؟ فقال: هذا أهل أن يبدع. أصحاب رسول الله ﷺ قدموا عثمان.
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من الرافضي؟ قال: الذي يشتم رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ أو يتعرض لهم، ما أراه على الإسلام.
وقال أبو بكر المروذي: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر، وقد جاء بعض رسل الخليفة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية؟ فقال: ما أقول فيهم إلا الحسنى.
стр. 5677
وكلام الإمام أحمد كثير طيب في أصول الدين، لا يتسع هذا الباب لسياقه قد جمعه الخلال في مصنف سماه كتاب السنة عن أحمد بن حنبل في ثلاث مجلدات، فمما فيه:
أخبرنا المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى الكلام لا يفلح، من تعاطى الكلام لم يخل من أن يتجهم.
وسمعت أبا عبد الله يقول: لست أتكلم إلا ما كان من كتاب أو سنة، أو عن الصحابة والتابعين. وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يفلح، لا يؤول أمرهم إلى خير.
وسمعته يقول: عليكم بالسنة والحديث وإياكم والخوض والجدال والمراء، فإنه لا يفلح من أحب الكلام.
وقال لي: لا تجالسهم، ولا تكلم أحدا منهم. ثم قال: أدركنا الناس وما يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام. عاقبة الكلام لا تؤول إلى خير.
وسمعته يقول: ما رأيت أحدا طلب الكلام واشتهاه فأفلح؛ لأنه يخرجه إلى أمر عظيم. لقد تكلموا يومئذ بكلام، واحتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه.
قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون، قال: حدثنا أبو الحارث: سمعت أبا عبد الله يقول: قال أيوب: إذا تمرق أحدكم لم يعد.
وقال الخلال: أخبرنا أحمد بن أصرم المزني قال: حضرت أحمد بن حنبل قال له العباس الهمداني: إني ربما رددت عليهم. قال أحمد: لا ينبغي الجدال.
ودخل أحمد المسجد وصلى، فلما انفتل قال: أنت عباس؟ قال: نعم. قال: اتق الله، ولا ينبغي أن تنصب نفسك، وتشتهر بالكلام ولا بوضع الكتب. لو كان هذا خيرا لتقدمنا فيه الصحابة. لم أر شيئا من هذه الكتب، وهذه كلها بدعة. قال: مقبول منك يا أبا عبد الله، أستغفر الله وأتوب إليه، إني لست أطلبهم، ولا أدق أبوابهم؛ لكن أسمعهم يتكلمون بالكلام، وليس أحد يرد عليهم فأغتم، ولا أصبر حتى أرد عليهم. قال: إن جاءك مسترشد فأرشده. قالها مرارا.
قال الخلال: أخبرنا محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله قلت: إن هاهنا من يناظر الجهمية
стр. 5678
ويبين خطأهم، ويدقق عليهم المسائل، فما ترى؟ قال: لست أرى الكلام في شيء من هذه الأهواء، ولا أرى لأحد أن يناظرهم. أليس قال معاوية بن قرة: الخصومات تحبط الأعمال. والكلام رديء لا يدعو إلى خير. تجنبوا أهل الجدال والكلام، وعليكم بالسنن، وما كان عليه أهل العلم قبلكم، فإنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل البدع. وإنما السلامة في ترك هذا، لم نؤمر بالجدال والخصومات.
وقال: إذا رأيتم من يحب الكلام فاحذروه.
قال ابن أبي داود: حدثنا موسى أبو عمران الأصبهاني قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تجالس أصحاب الكلام، وإن ذبوا عن السنة.
وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما زال الكلام عند أهل الخير مذموما.
قلت: ذم الكلام وتعلمه قد جاء من طرق كثيرة عن الإمام أحمد، وغيره.
فصل في سيرته
قال الخلال: قلت لزهير بن صالح بن أحمد: هل رأيت جدك؟ قال: نعم، مات وقد دخلت في عشر سنين. كنا ندخل إليه كل يوم جمعة أنا وأخواتي، وكان بيننا وبينه باب. وكان يكتب لكل واحد منا حبتين حبتين من فضة في رقعة إلى فامي يعامله، فنأخذ منه الحبتين، وتأخذ الأخوات. وكان ربما مررت به وهو قاعد في الشمس، وظهره مكشوف، وأثر الضرب بين في ظهره. وكان لي أخ أصغر مني اسمه علي، فأراد أبي أن يختنه، فاتخذ له طعاما كثيرا، ودعا قوما، فلما أراد أن يختنه وجه إليه جدي، فقال له: بلغني ما أحدثته لهذا الأمر، وقد بلغني أنك أسرفت، فابدأ بالفقراء والضعفاء فأطعمهم، فلما أن كان من الغد، وأحضر الحجام أهلنا، فجاء جدي حتى جلس في الموضع الذي فيه الصبي، وأخرج صريرة فدفعها إلى الحجام، وصريرة دفعها إلى الصبي، وقام فدخل منزله. فنظر الحجام في الصريرة فإذا درهم واحد. وكنا قد رفعنا كثيرا مما افترش، وكان الصبي على مصطبة مرتفعة على شيء من الثياب الملونة، فلم ينكر ذلك. وقدم علينا من خراسان ابن خالة جدي، فنزل على أبي، وكان يكنى بأبي أحمد، فدخلت معه إلى جدي،
стр. 5679
فجاءت الجارية بطبق خلاف، وعليه خبز وبقل وخل وملح. ثم جاءت بغضارة (١) فوضعتها بين أيدينا، فيها مصلية، فيها لحم وسلق كثير، فجعلنا نأكل وهو يأكل معنا، ويسأل أبا أحمد عمن بقي من أهلهم بخراسان في خلال ما يأكل، فربما استعجم الشيء على أبي أحمد، فيكلمه جدي بالفارسية، ويضع القطعة اللحم بين يديه وبين يدي. ثم رفع الغضارة بيده، فوضعها ناحية، ثم أخذ طبقا إلى جنبه، فوضعه بين أيدينا، فإذا تمر برني، وجوز مكسر، وجعل يأكل، وفي خلال ذلك يناول أبا أحمد.
وقال عبد الملك الميموني: كثيرا ما كنت أسأل أبا عبد الله عن الشيء فيقول: لبيك لبيك.
وعن المروذي قال: لم أر الفقير في مجلس أعز منه عند أبي عبد الله. كان مائلا إليهم، مقصرا عن أهل الدنيا. وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول. وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار. إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل. وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر. يقعد حيث انتهى به المجلس.
وقال الطبراني: حدثنا موسى بن هارون قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من جمالين إلى أن وافى صنعاء، وعرض عليه أصحابه المواساة، فلم يقبل.
قال الفقيه علي بن محمد بن عمر الرازي: سمعت أبا عمر غلام ثعلب قال: سمعت أبا القاسم بن بشار الأنماطي قال: سمعت المزني قال: سمعت الشافعي يقول: رأيت ببغداد ثلاث أعجوبات: رأيت فيها نبطيا يتنحى (٢) علي حتى كأنه عربي وكأني نبطي. ورأيت أعرابيا يلحن كأنه نبطي، ورأيت شابا وخطه الشيب، فإذا قال: حدثنا. قال الناس كلهم: صدق. قال المزني: فسألته، فقال: الأول الزعفراني، والثاني أبو ثور الكلبي وكان لحانا، وأما الشاب فأحمد بن حنبل.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: رأيت أبي حرج على النمل أن يخرج النمل من داره. ثم رأيت النمل قد خرجن بعد ذلك نملا سودا، فلم أرهم بعد ذلك. رواها أحمد بن محمد اللنباني، عنه.
стр. 5680
قال أبو الفرج بن الجوزي: لما وقع الغرق سنة أربع وخمسين وخمسمائة، غرقت كتبي، وسلم لي مجلد، فيه ورقتان بخط الإمام أحمد.
ومن نهي أبي عبد الله عن الكلام، قال المروذي: أخبرت قبل موت أبي عبد الله بسنتين أن رجلا كتب كتابا إلى أبي عبد الله يشاوره في أن يضع كتابا يشرح فيه الرد على أهل البدع، فكتب إليه أبو عبد الله.
قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: كتب رجل إلى أبي عبد الله. قال: وأخبرني محمد بن علي الوراق قال: حدثنا صالح بن أحمد قال: كتب رجل إلى أبي يسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم، فأملى علي أبي جواب كتابه: أحسن الله عاقبتك، الذي كنا نسمع عليه من أدركنا أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله، لا تعد ذلك. ولم يزل الناس يكرهون كل محدث، من وضع كتاب، وجلوس مع مبتدع، ليورد عليه بعض ما يلبس عليه في دينه.
وقال المروذي: بلغني أن أبا عبد الله أنكر على وليد الكرابيسي مناظرته لأهل البدع.
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: قد جاءوا بكلام فلان ليعرض عليك.
وأعطيته الرقعة، فكان فيها: والإيمان يزيد وينقص فهو مخلوق، وإنما قلت إنه مخلوق على الحركة والفعل لا على القول، فمن قال: الإيمان مخلوق، وأراد القول، فهو كافر. فلما قرأها أحمد وانتهى إلى قوله: الحركة والفعل، غضب، فرمى بها وقال: هذا مثل قول الكرابيسي؛ وإنما أراد الحركات مخلوقة، إذا قال الإيمان مخلوق، وأي شيء بقي؟ ليس يفلح أصحاب الكلام.
قلت: إنما حط عليه أحمد بن حنبل لكونه خاض وأفتى وقسم، وفي هذا عبرة وزاجر، والله أعلم. فقد زجر الإمام أحمد كما ترى في قصة الرقعة التي في الإيمان، وهي والله بحث صحيح، وتقسيم مليح. وبعد هذا فقد ذم من أطلق الخلق على الإيمان باعتبار قول العبد لا باعتبار مقوله، لأن ذلك نوع من الكلام، وهو كان يذم الكلام وأهله، وإن أصابوا، ونهى عن تدقيق النظر في أسماء الله وصفاته، مع أن محمد بن نصر المروزي قد سمع إسحاق بن راهويه يقول: خلق الله الإيمان والكفر، والخير والشر.
стр. 5681
فصل في زوجاته وأولاده
قال زهير بن صالح بن أحمد: تزوج جدي بأم أبي عباسة بنت الفضل من العرب من الربض، لم يولد له منها غير أبي. ثم ماتت.
قال المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: أقامت معي أم صالح ثلاثين سنة، فما اختلفت أنا وهي في كلمة.
وقال زهير: لما ماتت عباسة تزوج جدي بعدها امرأة من العرب، يقال لها ريحانة، فولدت له عبد الله وحده.
وقال أبو بكر الخلال: حدثنا أحمد بن محمد بن خلف البراثي قال: أخبرني أحمد بن عبثر قال: لما ماتت أم صالح قال أحمد لامرأة عندهم: اذهبي إلى فلانة ابنة عمي فاخطبيها لي من نفسها. قالت: فأتيتها فأجابته، فلما رجعت إليه قال: كانت أختها تسمع كلامك؟ قال: وكانت بعين واحدة، فقالت له: نعم. قال: فاذهبي فاخطبي تلك التي بعين واحدة. فأتتها فأجابته. وهي أم عبد الله ابنه. فأقام معها سبعا ثم قالت له: كيف رأيت يا ابن عمي؟ أنكرت شيئا؟ قال: لا، إلا أن نعلك هذه تصر.
فيما تقدم وهم من أن أحمد، ﵀، تزوج بهذه بعد موت أم صالح، وذلك لا يستقيم، لأن عبد الله ولد لأحمد، ولأحمد خمسون سنة غير أشهر، وكان صالح أكبر من عبد الله بسنوات، لأنه سمع من عفان، وأبي الوليد. وذكر أبو يعقوب الهروي، وغيره أن صالحا ولد سنة ثلاث ومائتين، ولأبيه إذ ذاك تسع وثلاثون سنة. فصالح أكبر من عبد الله بعشر سنين والله أعلم.
وقال الخلال: حدثني محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثني أبو بكر بن يحيى، قال: قال أبو يوسف بن بختان: لما أمرنا أبو عبد الله أن نشتري له الجارية مضيت أنا وفوران، فتبعني أبو عبد الله فقال لي: يا أبا يوسف، ويكون لها لحم.
قال زهير بن صالح: لما توفيت أم عبد الله اشترى حسن، فولدت منه زينب، ثم الحسن، والحسين توأما، وماتا بالقرب من ولادتها، ثم ولدت الحسن، ومحمدا، فعاشا حتى صارا من السن إلى نحو من الأربعين سنة. ثم ولدت بعدهما سعيدا.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن علي بن بحر، قال: سمعت حسن، أم
стр. 5682
ولد أبي عبد الله تقول: قلت لمولاي: يا مولاي اصرف فرد خلخالي. قال: وتطيب نفسك؟ قلت: نعم. قال: الحمد لله الذي وفقك لهذا. قالت: فأعطيته أبا الحسن بن صالح، فباعه بثمانية دنانير ونصف، وفرقها وقت حملي. فلما ولدت حسنا أعطى مولاتي كرامة درهما، وهي امرأة كبيرة كانت تخدمهم، وقال لها: اذهبي إلى ابن شجاع القصاب يشتري لك بهذا رأسا. فاشترى لنا رأسا، وجاءت به، فأكلنا. فقال لي: يا حسن، ما أملك غير هذا الدرهم، وما لك عندي غير هذا اليوم. قالت: وكان إذا لم يكن عند مولاي شيء فرح يومه ذلك. فدخل يوما فقال لي: أريد أن أحتجم اليوم وليس معي شيء. فجئت إلى جرة لي فيها غزل، فبعته بأربعة دراهم، فاشتريت لحما بنصف درهم، وأعطى الحجام درهما، واشتريت طيبا بدرهم، ولما خرج إلى سر من رأى كنت قد غزلت غزلا لينا، وعملت ثوبا حسنا، فلما قدم أخرجته إليه، قال: ما أريده. فدفعته إلى فوران، فباعه باثنين وأربعين درهما، واشتريت منه قطنا، فغزلته ثوبا كبيرا، فلما أعلمته قال: لا تقطعيه دعيه. فكان كفنه كفن فيه. وأخرجت الغليظ فقطعه.
وعن أحمد بن جعفر ابن المنادي أن أبا عبد الله اشترى جارية بثمن يسير، سماها ريحانة ليتسرى بها.
لم يتابع ابن المنادي على هذا.
قال حنبل: ولد سعيد قبل موت أحمد بنحو من خمسين يوما.
وقال بعض الناس: ولي سعيد قضاء الكوفة، ومات سنة ثلاث وثلاثمائة.
وهذا لا يصح. فإن سعيدا ولد قبل موت أبيه، ومات قبل موت أخيه عبد الله بدهر. لأن إبراهيم الحربي عزى عبد الله بأخيه سعيد. وأما الحسن، ومحمد. قال ابن الجوزي (١): فلا نعرف من أخبارهما شيئا. وأما زينب فكبرت وتزوجت. وله بنت اسمها فاطمة، إن صح ذلك.
стр. 5683
ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل
ما زال المسلمون على قانون السلف من أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله غير مخلوق، حتى نبغت المعتزلة والجهمية، فقالوا بخلق القرآن، متسترين بذلك في دولة الرشيد. فروى أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن محمد بن نوح، أن هارون الرشيد قال: بلغني أن بشر بن غياث يقول: القرآن مخلوق. لله علي إن أظفرني به لأقتلنه. قال الدورقي: وكان بشر متواريا أيام الرشيد، فلما مات ظهر بشر ودعى إلى الضلالة.
قلت: ثم إن المأمون نظر في الكلام، وباحث المعتزلة، وبقي يقدم رجلا ويؤخر أخرى في دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن، إلى أن قوي عزمه على ذلك في السنة التي مات فيها، كما سقناه (١).
قال صالح بن أحمد بن حنبل: حمل أبي، ومحمد بن نوح مقيدين، فصرنا معهما إلى الأنبار، فسأل أبو بكر الأحوال أبي فقال: يا أبا عبد الله، إن عرضت على السيف تجيب؟. قال: لا. ثم سيرا، فسمعت أبي يقول: صرنا إلى الرحبة ورحلنا منها، وذلك في جوف الليل، فعرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا. فقال للجمال: على رسلك. ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة. ثم قال: أستودعك الله، ومضى. قال أبي: فسألت عنه، فقيل: هذا رجل من العرب من ربيعة يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر، يذكر بخير.
وروى أحمد بن أبي الحواري: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال: يا أحمد، إن يقتلك الحق مت شهيدا، وإن عشت عشت حميدا. فقوى قلبي.
قال صالح بن أحمد: قال أبي: صرنا إلى أذنة، ورحلنا منها في جوف الليل، وفتح لنا بابها، فإذا رجل قد دخل فقال: البشرى، قد مات الرجل، يعني المأمون. قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه.
стр. 5684
وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: تبينت الإجابة في دعوتين: دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته أن لا أرى المتوكل. فلم أر المأمون، مات بالبذندون وهو نهر الروم، وأحمد محبوس بالرقة حتى بويع المعتصم بالروم، ورجع فرد أحمد إلى بغداد. وأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدث ولده، قعد له المتوكل في خوخة حتى نظر إلى أحمد، ولم يره أحمد.
قال صالح: لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس ردا في أقيادهما، فلما صارا إلى الرقة حملا في سفينة، فلما وصلا إلى عانات توفي محمد، فأطلق عنه قيده، وصلى عليه أبي.
وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما رأيت أحدا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح. وإني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير. قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله، الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك. فاتق الله واثبت لأمر الله. أو نحو هذا. فمات وصليت عليه ودفنته. أظنه قال: بعانة.
قال صالح: وصار أبي إلى بغداد مقيدا، فمكث بالياسرية أياما، ثم حبس في دار اكتريت له عند دار عمارة، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية، فقال أبي: كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد. فلما كان في رمضان سنة تسع عشرة حولت إلى دار إسحاق بن إبراهيم.
وأما حنبل بن إسحاق فقال: حبس أبو عبد الله في دار عمارة ببغداد في إسطبل لمحمد بن إبراهيم أخي إسحاق بن إبراهيم، وكان في حبس ضيق؛ ومرض في رمضان، فحبس في ذلك الحبس قليلا، ثم حول إلى سجن العامة، فمكث في السجن نحوا من ثلاثين شهرا، فكنا نأتيه. وقرأ علي كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، ورأيته يصلي بأهل الحبس وعليه القيد، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم.
رجعنا إلى ما حكاه صالح بن أحمد، عن أبيه، فكان يوجه إلي كل يوم برجلين، أحدهما يقال له: أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب الحجام، فلا يزالان يناظراني حتى إذا أرادا الانصراف دعي بقيد، فزيد في قيودي. قال: فصار في رجله أربعة أقياد. قال أبي: فلما كان اليوم الثالث دخل علي أحد الرجلين فناظرني، فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق.
стр. 5685
فقلت له: كفرت. فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رسول أمير المؤمنين. فقلت له: إن هذا قد كفر، فلما كان في الليلة الرابعة وجه، يعني المعتصم ببغا الذي كان يقال له الكبير، إلى إسحاق، فأمره بحملي إليه. فأدخلت على إسحاق فقال: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف. إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يقتلك في موضع لا يرى فيه شمس ولا قمر. أليس قد قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟ فقلت: قد قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل] أفخلقهم؟ قال: فسكت فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت وجيء بدابة، فحملت عليها وعلي الأقياد، ما معي أحد يمسكني. فكدت غير مرة أن أخر على وجهي لثقل القيود فجيء بي إلى دار المعتصم، فأدخلت حجرة، وأدخلت إلى بيت، وأقفل الباب علي، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج. فأردت أن أتمسح للصلاة، فمددت يدي، فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع، فتوضأت وصليت. فلما كان من الغد أخرجت تكتي من سراويلي، وشددت بها الأقياد أحملها، وعطفت سراويلي. فجاء رسول المعتصم فقال: أجب. فأخذ بيدي وأدخلني عليه، والتكة في يدي أحمل بها الأقياد. وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقا كثيرا من أصحابه، فقال لي، يعني المعتصم: ادنه، ادنه. فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس. فجلست وقد أثقلتني الأقياد، فمكثت قليلا ثم قلت: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلم. فقلت: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنية ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ سألوه عن الإيمان فقال: أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم (١). قال أبي: قال - يعني المعتصم - لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك. ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمرك برفع
стр. 5686
المحنة؟ فقلت: الله أكبر إن في هذا لفرجا للمسلمين. ثم قال لهم: ناظروه، كلموه، يا عبد الرحمن كلمه. فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ قلت له: ما تقول في علم الله؟ فسكت. فقال لي بعضهم: أليس قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد ١٦] والقرآن أليس هو شيء؟ فقلت: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف ٢٥] فدمرت إلا ما أراد الله. فقال بعضهم: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢] أفيكون محدث إلا مخلوقا؟ فقلت: قال الله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص] فالذكر هو القرآن. وتلك ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين أن الله خلق الذكر. فقلت: هذا خطأ، حدثنا غير واحد: إن الله كتب الذكر (١).
واحتجوا بحديث ابن مسعود: ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي (٢). فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب: يا هنتاه، تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه (٣). قلت: هكذا هو.
قال صالح بن أحمد: وجعل ابن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب، قال أبي: وكان يتكلم هذا، فأرد عليه، ويتكلم هذا، فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين هو والله ضال مضل مبتدع، فيقول: كلموه، ناظروه، فيكلمني هذا، فأرد عليه، ويكلمني هذا، فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول لي المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله حتى أقول به، فيقول ابن أبي دؤاد: أنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسول الله؟ فقلت له: تأولت تأويلا، فأنت أعلم، وما تأولت ما يحبس عليه وما يقيد عليه.
قال حنبل: قال أبو عبد الله: لقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه. أنكروا الآثار، وما ظننتهم على هذا حتى سمعت
стр. 5687
مقالتهم، وجعلوا يرغون، يقول الخصم: كذا وكذا. فاحتججت عليهم بالقرآن بقوله: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم] فذم إبراهيم أباه بأن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئا، فهذا منكر عندكم؟ فقالوا: شبه يا أمير المؤمنين، شبه يا أمير المؤمنين.
وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: حدثني بعض أصحابنا أن ابن أبي دؤاد أقبل على أحمد يكلمه فلم يلتفت إليه حتى قال المعتصم: يا أحمد ألا تُكلم أبا عبد الله؟ فقال أحمد: لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه.
وقال صالح بن أحمد: وجعل ابن أبي دؤاد يقول: يا أمير المؤمنين، والله لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، فيعد من ذلك ما شاء الله أن يعد، فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه. ثم قال: يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، وإني لأشفق عليك كشفقتي على هارون ابني. ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله. فلما طال المجلس ضجر، وقال: قوموا. وحبسني، يعني عنده، وعبد الرحمن بن إسحاق يكلمني. وقال: ويحك أجبني. وقال: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والجهاد معك والحج. فيقول: والله إنه لعالم، وإنه لفقيه، وما يسوءني أن يكون معي يرد عني أهل الملل. ثم قال لي: ما كنت تعرف صالحا الرشيدي؟ قلت: قد سمعت باسمه. قال: كان مؤدبي، وكان في ذلك الموضع جالسا، وأشار إلى ناحية من الدار، فسألته عن القرآن فخالفني، فأمرت به فوطئ وسحب. ثم قال: يا أحمد أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. قلت: أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله. فطال المجلس وقام، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، فلما كان بعد المغرب وجه إلي رجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد يبيتان عندي ويناظراني ويقيمان معي، حتى إذا كان وقت الإفطار جيء بالطعام، ويجتهدان بي أن أفطر، فلا أفعل. ووجه إلي المعتصم ابن أبي دؤاد في بعض الليل فقال: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟ فأرد عليه نحوا مما كنت أرد. فقال ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة، يحيى بن معين، وغيره (١)، فمحوته.
стр. 5688
ولقد ساءني أخذهم إياك. ثم يقول: إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، ويقول: إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي. وانصرفت، فلما أصبح جاء رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه، فقال لهم: ناظروه وكلموه، فجعلوا يناظروني، فأرد عليهم، فإذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في الكتاب والسنة قلت: ما أدري ما هذا، قال: يقولون: يا أمير المؤمنين إذا توجهت له الحجة علينا ثبت. وإذا كلمناه بشيء يقول: لا أدري ما هذا. فقال: ناظروه. فقال رجل: يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله. قلت: ما تقول في ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]؟ قال: خص الله بها المؤمنين. قلت: ما تقول: إن كان قاتلا أو عبدا؟ فسكت. وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن، وحيث قال لي: أراك تنتحل الحديث احتججت بالقرآن. فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال فلما ضجر قال لهم: قوموا؛ وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحاق. فلم يزل يكلمني. ثم قال أبي: فقام ودخل، ورددت إلى الموضع. قال: فلما كان في الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدا من أمري شيء، فقلت لبعض من كان معي الموكل بي: ارتد لي خيطا. فجاءني بخيط، فشددت به الأقياد، ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرى.
فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجه إلي، فأدخلت، فإذا الدار غاصة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك. ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء. فلما انتهيت إليه قال: اقعد. ثم قال: ناظروه، كلموه. فجعلوا يناظروني، ويتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إلي بيده، فلما طال المجلس نحاني، ثم خلا بهم. ثم نحاهم وردني إلى عنده فقال: ويحك يا أحمد، أجبني حتى أطلق عنك بيدي. فرددت عليه نحوا مما كنت أرد، فقال لي: عليك، وذكر اللعن. وقال: خذوه واسحبوه وخلعوه. قال: فسحبت ثم خلعت. قال: وقد كان صار إلي شعر من شعر النبي ﷺ في كم قميصي، فوجه إلي إسحاق بن إبراهيم: ما هذا المصرور في كم قميصك؟ قلت: شعر من شعر رسول الله ﷺ . قال: وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه علي، فقال لهم، يعني
стр. 5689
المعتصم: لا تخرقوه. فنزع القميص عني. قال: فظننت أنه إنما درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه.
قال: وجلس على كرسي؛ يعني المعتصم، ثم قال: العقابين والسياط. فجيء بالعقابين، فمدت يداي، فقال بعض من حضر خلفي: خذ ناتئ الخشبتين بيديك وشد عليهما. فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداي.
وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: ذكروا أن المعتصم لان في أمر أحمد لما علق في العقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره، حتى أغراه ابن أبي دؤاد وقال له: إن تركته قيل: إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله. فهاجه ذلك على ضربه.
قال صالح: قال أبي: لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم فقال: ائتوني بغيرها. ثم قال للجلادين: تقدموا. فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول: شد، قطع الله يدك، ثم يتنحى، ويتقدم الآخر فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك: شد، قطع الله يدك، فلما ضربت تسعة عشر سوطا قام إلي، يعني المعتصم، فقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق. قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم، وجعل بعضهم يقول: ويلك، الخليفة على رأسك قائم. وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي، اقتله. وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أقول به. فرجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم وأوجع، قطع الله يدك، ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني. فجعلوا يقبلون علي ويقولون: يا أحمد إمامك على رأسك قائم. وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول: ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب الله فرجع. وقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: شد، قطع الله يدك.
قال أبي: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك، فإذا الأقياد قد أطلقت عني. فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك. قال أبي: فما شعرت بذلك، وأتوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقيأ.
стр. 5690
فقلت: لا أفطر. ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك؟! فقلت: قد صلى عمر وجرحه يثعب دما.
قال صالح: ثم خلي عنه، فصار إلى منزله. وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرا. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال: يا ابن أخي، رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدا يشبهه. ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم وأنت في موضع تقية (١)، ولقد عطش، فقال لصاحب الشراب: ناولني. فناوله قدحا فيه ماء وثلج، فأخذه ونظر إليه هنية ثم رده ولم يشرب، فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول.
قال صالح: كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعاما أو رغيفا في تلك الأيام، فلم أقدر. وأخبرني رجل حضره أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه، فما لحن في كلمة. قال: وما ظننت أن أحدا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه.
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ذهب عقلي مرارا، فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إلى نفسي. وإذا استرخيت وسقطت رفع الضرب. أصابني ذلك مرارا، ورأيته، يعني المعتصم، قاعدا في الشمس بغير مظلة، فسمعته وقد أفقت يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت في أمر هذا الرجل. فقال: يا أمير المؤمنين، إنه والله كافر مشرك، قد أشرك من غير وجه. فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد. وقد كان أراد تخليتي بغير ضرب، فلم يدعه ولا إسحاق بن إبراهيم، وعزم حينئذ على ضربي.
قال حنبل: وبلغني أن المعتصم قال لابن أبي دؤاد بعدما ضرب أبو عبد الله: كم ضرب؟ فقال ابن أبي دؤاد: نيف وثلاثين أو أربعة وثلاثين سوطا. وقال أبو عبد الله: قال لي إنسان ممن كان: ثم ألقينا على صدرك بارية، وأكببناك على وجهك ودسناك.
стр. 5691
قال أبو الفضل عبيد الله الزهري: قال المروذي: قلت وأحمد بين الهنبازين: يا أستاذ، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]. قال: يا مروذي، اخرج انظر، فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقا لا يحصيهم إلا الله، والصحف في أيديهم، والأقلام والمحابر. فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه. فدخل إلى أحمد فأخبره، فقال: يا مروذي أضل هؤلاء كلهم؟
قلت: هذه حكاية منقطعة لا تصح.
قال ابن أبي حاتم (١): حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي، قال: لما حمل أحمد ليضرب جاءوا إلى بشر بن الحارث فقالوا: قد حمل أحمد بن حنبل وحملت السياط، وقد وجب عليك أن تتكلم. فقال: تريدون مني مقام الأنبياء؟ ليس ذا عندي. حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه.
وقال الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي: حدثني داود بن عرفة، قال: حدثنا ميمون بن الأصبغ، قال: كنت ببغداد، فسمعت ضجة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: أحمد يمتحن. فأخذت مالا له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس، فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد جردت، وبالرماح قد ركزت، وبالتراس قد صففت، وبالسياط قد طرحت، فألبسوني قباء أسود ومنطقة وسيفا، ووقفوني حيث أسمع الكلام. فأتى أمير المؤمنين، فجلس على كرسي، وأتي بأحمد بن حنبل، فقال له: وقرابتي من رسول الله ﷺ لأضربنك بالسياط، أو تقول كما أقول. ثم التفت إلى جلاد فقال: خذه إليك، فأخذه، فلما ضرب سوطا قال: بسم الله. فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة ٥١]. فضربه تسعة وعشرين سوطا. وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت، فنزل السراويل إلى عانته، فقلت: الساعة ينهتك. فرمى بطرفه إلى السماء، وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل. فدخلت عليه بعد سبعة أيام، فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك وقد انحل سراويلك، فرفعت طرفك نحو السماء، فما قلت؟
стр. 5692
قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب، فلا تهتك لي سترا (١).
وقال جعفر بن أحمد بن فارس الأصبهاني: حدثنا أحمد بن أبي عبيد الله قال: قال أحمد بن الفرج: حضرت أحمد بن حنبل لما ضرب، فتقدم أبو الدن فضربه بضعة عشر سوطا، فأقبل الدم من أكتافه، وكان عليه سراويل، فانقطع خيطه، فنزل السراويل، فلحظته وقد حرك شفتيه، فعاد السراويل كما كان، فسألته عن ذلك فقال: قلت: إلهي وسيدي، وقفتني هذا الموقف، فتهتكني على رؤوس الخلائق!
هذه حكاية لا تصح (٢). ولقد ساق فيها أبو نعيم الحافظ من الخرافات والكذب ما يستحى من ذكره.
وأضعف منها ما رواه أبو نعيم في الحلية (٣): حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القاضي قال: حدثني أبو عبد الله الجوهري قال: حدثني يوسف بن يعقوب قال: سمعت علي بن محمد القرشي قال: لما قد أحمد ليضرب وجرد وبقي في سراويله، فبينا هو يضرب انحل سراويله، فجعل يحرك شفتيه بشيء، فرأيت يدين خرجتا من تحته وهو يضرب، فشدتا السراويل. فلما فرغوا من الضرب قلنا له: ما كنت تقول؟ قال: قلت: يا من لا يعلم العرش منه أين هو إلا هو، إن كنت على الحق فلا تبد عورتي.
قلت: هذه مكذوبة ذكرتها للمعرفة. ذكرها البيهقي، وما جسر على تضعيفها. ثم روى بعدها حكاية في المحنة، عن أبي مسعود البجلي إجازة، عن ابن جهضم، وهو كذوب، عن النجاد، عن ابن أبي العوام الرياحي، فيها من الركاكة والخبط ما لا يروج إلا على الجهال. وفيها أن مئزره اضطرب، فحرك شفتيه، فما استتم الدعاء حتى رأيت كفا من ذهب قد خرج من تحت مئزره بقدرة الله، فصاحت العامة.
وقال محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة: سمعت شاباص التائب يقول:
стр. 5693
لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطا، لو ضربته فيلا لهدته.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: قال إبراهيم بن الحارث العبادي: قال أبو محمد الطفاوي لأحمد: يا أبا عبد الله، أخبرني عما صنعوا بك، قال: لما ضربت جاء ذاك الطويل اللحية، يعني عجيفا، فضربني بقائم سيفه فقلت: جاء الفرج يضرب عنقي وأستريح. فقال ابن سماعة: يا أمير المؤمنين اضرب عنقه، ودمه في رقبتي. قال ابن أبي دؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، واتخذوه إماما، وثبتوا على ما هم عليه. ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجا من منزلك شك الناس في أمره.
قال ابن أبي حاتم (١): وسمعت أبا زرعة يقول: دعا المعتصم بعم أحمد بن حنبل ثم قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم، هو أحمد بن حنبل. قال: فانظروا إليه أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم. ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شيء (٢) لا يقام له، قال: فلما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن. هدأ الناس وسكنوا (٣).
قال صالح: صار أبي إلى المنزل ووجه إليه من السحر من يبصر الضرب والجراحات ويعالج منها. فنظر إليه فقال لنا: والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط، ما رأيت ضربا أشد من هذا. لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه، ثم أدخل ميلا في بعض تلك الجراحات وقال: لم ينقب. فجعل يأتيه ويعالجه، وكان قد أصاب وجهه غير ضربة؛ ثم مكث يعالجه ما شاء الله. ثم قال: إن هاهنا شيئا أريد أن أقطعه. فجاء بحديدة، فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين، وهو صابر يحمد الله، فبرأ. ولم يزل يتوجع من مواضع منه. وكان أثر الضرب بينا في ظهره إلى أن توفي.
وسمعت أبي يقول: والله لقد أعطيت المجهود من نفسي، ووددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي. ودخلت على أبي يوما فقلت له: بلغني
стр. 5694
أن رجلا جاء إلى فضل الأنماطي فقال له: اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك. فقال فضل: لا جعلت أحدا في حل، فتبسم أبي وسكت. فلما كان بعد أيام قال: مررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] فنظرت في تفسيرها، فإذا هو ما حدثني أبو النضر قال: حدثنا ابن فضالة المبارك، قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي الله رب العالمين نودوا: ليقم من أجره على الله. فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، قال أبي: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي. ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يعذب الله بسببه أحدا.
وقال حنبل بن إسحاق: لما أمر المعتصم بتخلية أبي عبد الله خلع عليه مبطنة وقميصا وطيلسانا وخفا وقلنسوة، فبينا نحن على باب الدار والناس في الميدان والدروب وغيرها، وأغلقت الأسواق، إذ خرج أبو عبد الله على دابة من دار أبي إسحاق المعتصم، وعليه تلك الثياب، وابن أبي دؤاد عن يمينه، وإسحاق بن إبراهيم، يعني نائب بغداد، عن يساره، فلما صار في دهليز المعتصم قبل أن يخرج قال لهم ابن أبي دؤاد: اكشفوا رأسه. فكشفوه، يعني من الطيلسان، وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس. فقال لهم إسحاق: خذوا به هاهنا، يريد دجلة. فذهب به إلى الزورق، وحمل إلى دار إسحاق، وأقام عنده إلى أن صليت الظهر. وبعث إلى أبي وإلى جيراننا ومشايخ المحال، فجمعوا وأدخلوا عليه، فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه، وإلا فليعرفه.
وقال ابن سماعة حين دخل الجماعة: هذا أحمد بن حنبل، فإن أمير المؤمنين ناظره في أمره، وقد خلى سبيله، وها هو ذا. فأخرج على دابة لإسحاق بن إبراهيم عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس، وهو منحنٍ. فلما ذهب لينزل احتضنته ولم أعلم، فوقعت يدي على موضع الضرب فصاح، فنحيت يدي، فنزل متوكئا علي، وأغلق الباب ودخلنا معه، ورمى بنفسه على وجهه لا يقدر يتحرك إلا بجهد، وخلع ما كان خلع عليه، فأمر به فبيع، وأخذ ثمنه وتصدق به. وكان المعتصم أمر إسحاق بن إبراهيم أن لا يقطع عنه خبره، وذلك أنه ترك فيما حكي لنا عند الإياس منه. وبلغنا أن المعتصم ندم وأسقط في يده حتى صلح. فكان صاحب خبر إسحاق يأتينا كل يوم يتعرف خبره حتى صح، وبقيت إبهاماه منخلعتين يضربان عليه في
стр. 5695
البرد حتى يسخن له الماء. ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس ابن أبي دؤاد سما إلى المعالج، فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا. وسمعته يقول: كل من ذكرني في حل إلا مبتدع. وقد جعلت أبا إسحاق، يعني المعتصم، في حل. ورأيت الله تعالى يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور ٢٢] وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح. قال أبو عبد الله: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سببك.
فصل في محنته زمن الواثق
قال حنبل: ولم يزل أبو عبد الله بعد أن برئ من مرضه يحضر الجمعة والجماعة ويفتي ويحدث حتى مات المعتصم، وولي ابنه الواثق، فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه. فلما اشتد الأمر على أهل بغداد، وأظهرت القضاة المحنة، وفرق بين فضل الأنماطي وامرأته، وبين أبي صالح وامرأته، كان أبو عبد الله يشهد الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع ويقول: الجمعة تؤتى لفضلها، والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة، وجاء نفر إلى أبي عبد الله وقالوا: هذا الأمر قد فشا وتفاقم، ونحن نخافه على أكثر من هذا. وذكروا أن ابن أبي دؤاد على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن: القرآن كذا وكذا. فنحن لا نرضى بإمارته. فمنعهم من ذلك وناظرهم. وحكى حنبل قصده في مناظرتهم وأمرهم بالصبر. فبينا نحن في أيام الواثق إذ جاء يعقوب ليلا برسالة إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله: يقول لك الأمير: إن أمير المؤمنين قد ذكرك، فلا يجتمعن إليك أحد، ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها. فاذهب حيث شئت من أرض الله، فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق. وكانت تلك الفتنة، وقتل أحمد بن نصر، فلم يزل أبو عبد الله مختفيا في غير منزله في القرب. ثم عاد إلى منزله بعد أشهر أو سنة لما طفئ خبره. ولم يزل في البيت مختفيا لا يخرج إلى الصلاة ولا غيرها حتى هلك الواثق.
وعن إبراهيم بن هانئ قال: اختفى أحمد بن حنبل عندي ثلاثة أيام ثم قال: اطلب لي موضعا، قلت: لا آمن عليك. قال: افعل. فإذا فعلت أفدتك، فطلبت له موضعا، فلما خرج قال لي: اختفى رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام، ثم تحول.
стр. 5696
قلت: أنا أتعجب من الحافظ أبي القاسم كيف لم يسق المحنة ولا شيئا منها في تاريخ دمشق مع فرط استقصائه، ومع صحة أسانيدها، ولعل له نية في تركها (١).
فصل في حال أبي عبد الله أيام المتوكل
قال حنبل: ولي جعفر المتوكل فأظهر الله السنة وفرج عن الناس، وكان أبو عبد الله يحدثنا ويحدث أصحابه في أيام المتوكل، وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم في زماننا. ثم إن المتوكل ذكره وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم في إخراجه إليه. فجاء رسول إسحاق إلى أبي عبد الله يأمره بالحضور، فمضى أبو عبد الله ثم رجع فسأله أبي عما دعي له فقال: قرأ علي كتاب جعفر يأمرني بالخروج إلى العسكر. قال: وقال لي إسحاق بن إبراهيم: ما تقول في القرآن؟ فقلت: إن أمير المؤمنين قد نهى عن هذا. فقال: لا تعلم أحدا أني سألتك. فقلت له: مسألة مسترشد أو مسألة متعنت؟ قال: بل مسألة مسترشد. فقلت له: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وقد نهى أمير المؤمنين عن هذا.
وخرج إسحاق إلى العسكر، وقدم ابنه محمد خليفة له ببغداد، ولم يكن عند أبي عبد الله ما يتجمل به وينفقه، وكانت عندي مائة درهم، فأتيت بها أبي، فذهبت بها إليه، فأخذها وأصلح بها ما احتاج إليه، واكترى منها، وخرج ولم يلق محمد بن إسحاق بن إبراهيم، ولا سلم عليه. فكتب بذلك محمد إلى أبيه، فحقدها إسحاق عليه، فقال للمتوكل: يا أمير المؤمنين إن أحمد بن حنبل خرج من بغداد ولم يأت محمدا مولاك. فقال المتوكل: يرد ولو وطئ بساطي. وكان أبو عبد الله قد بلغ بصرى، فوجه إليه رسولا يأمره بالرجوع، فرجع وامتنع من الحديث إلا لولده ولنا. وربما قرأ علينا في منزلنا. ثم إن رافعا رفع إلى المتوكل أن أحمد بن حنبل ربص علويا في منزله، وأنه يريد أن يخرجه ويبايع عليه، ولم يكن عندنا علم، فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصيف سمعنا الجلبة،
стр. 5697
ورأينا النيران في دار أبي عبد الله، فأسرعنا، وإذا أبو عبد الله قاعد في إزار، ومظفر ابن الكلبي صاحب الخبر وجماعة معهم. فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل: ورد على أمير المؤمنين أن عندكم علويا ربصته لتبايع له وتظهره. في كلام طويل، ثم قال له مظفر: ما تقول؟ قال: ما أعرف من هذا شيئا، وإني لأرى له السمع والطاعة في عسري ويسري ومنشطي ومكرهي، وإني لأوثره علي وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار. في كلام كثير غير هذا.
وقال ابن الكلبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك. قال: فأحلفه بالطلاق ثلاثا أن ما عنده طلبة أمير المؤمنين. وفتشوا منزل أبي عبد الله والسرب (١) والغرف والسطوح، وفتشوا تابوت الكتب، وفتشوا النساء والمنازل، فلم يروا شيئا ولم يحسوا بشيء، ورد الله الذين كفروا بغيظهم. وكتب بذلك إلى المتوكل، فوقع منه موقعا حسنا، وعلم أن أبا عبد الله مكذوب عليه. وكان الذي دس عليه رجل من أهل البدع، ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين، وهو ابن الثلجي.
فلما كان بعد أيام بينا نحن جلوس بباب الدار إذا يعقوب أحد حجاب المتوكل قد جاء، فاستأذن على أبي عبد الله، فدخل ودخل أبي وأنا، ومع بعض غلمانه بدرة، على بغل، ومعه كتاب المتوكل، فقرأه على أبي عبد الله: إنه صح عند أمير المؤمنين براءة ساحتك، وقد وجه إليك بهذا المال تستعين به. فأبى أن يقبله وقال: ما لي إليه حاجة. فقال: يا أبا عبد الله، اقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به؛ فإن هذا خير لك عنده، فاقبله ولا ترده. فإنك إن رددته خفت أن يظن بك ظن سوء. فحينئذ قبلها. فلما خرج قال: يا أبا علي. قلت: لبيك. قال: ارفع هذه الإجانة وضعها، يعني البدرة، تحتها. فوضعتها وخرجنا. فلما كان الليل إذا أم ولد أبي عبد الله تدق علينا الحائط، فقلت لها: ما لك؟ قالت: مولاي يدعو عمه. فأعلمت أبي، وخرجنا فدخلنا على أبي عبد الله، وذلك في جوف الليل. فقال: يا عم، ما أخذني النوم هذه الليلة. فقال له أبي: ولم؟ قال: لهذا المال، وجعل يتوجع لأخذه، وجعل أبي يسكنه ويسهل عليه، وقال: حتى تصبح وترى فيه رأيك، فإن هذا ليل والناس في منازلهم، فأمسك، وخرجنا. فلما كان في السحر وجه إلى عبدوس بن مالك، والحسن بن البزار، فحضرا،
стр. 5698
وحضر جماعة؛ منهم: هارون الحمال، وأحمد بن منيع، وابن الدورقي، وأنا، وأبي، وصالح، وعبد الله فجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل العفاف والصلاح ببغداد والكوفة، فوجه منها إلى أبي سعيد الأشج، وإلى أبي كريب، وإلى من ذكر من أهل العلم والسنة ممن يعلمون أنه محتاج. ففرقها كلها ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين، فما بقي في الكيس درهم، ثم تصدق بالكيس على مسكين. فلما كان بعد ذلك مات إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد، وولي بغداد عبد الله بن إسحاق، فجاء رسوله إلى أبي عبد الله، فذهب إليه، فقرأ عليه كتاب المتوكل وقال له: يأمرك بالخروج. فقال: أنا شيخ ضعيف عليل. فكتب عبد الله بما رد عليه، فورد جواب الكتاب أن أمير المؤمنين يأمره بالخروج. فوجه عبد الله جنوده، فباتوا على بابنا أياما حتى تهيأ أبو عبد الله للخروج، فخرج وخرج صالح، وعبد الله، وأبو زميلة (١). قال صالح: كان حمل أبي إلى المتوكل سنة سبع وثلاثين ومائتين، ثم عاش إلى سنة إحدى وأربعين، فكان قل يوم يمضي إلا ورسول المتوكل يأتيه.
قال حنبل في حديثه: وقال أبي ارجع. فرجعت، فأخبرني أبي قال: لما دخلنا إلى العسكر إذا نحن بموكب عظيم مقبل، فلما حاذى بنا قالوا: هذا وصيف. وإذا بفارس قد أقبل، فقال لأحمد: الأمير وصيف يقرئك السلام، ويقول لك: إن الله قد أمكنك من عدوك، يعني ابن أبي دؤاد، وأمير المؤمنين يقبل منك، فلا تدع شيئا إلا تكلمت به. فما رد عليه أبو عبد الله شيئا. وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين، ودعوت لوصيف، ومضينا فأنزلنا في دار إيتاخ (٢)، ولم يعلم أبو عبد الله، فسأل بعد ذلك: لمن هذه الدار؟ قالوا: هذه دار إيتاخ. فقال: حولوني، اكتروا لي دارا، فلم نزل حتى اكترينا له دارا. وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل، والفاكهة والثلج، وغير ذلك. فما نظر إليها أبو عبد الله، ولا ذاق منها شيئا. وكانت نفقة المائدة كل يوم مائة وعشرين درهما. وكان يحيى بن خاقان، وابنه عبيد الله، وعلي بن الجهم يأتون أبا عبد الله ويختلفون إليه برسالة المتوكل. ودامت العلة بأبي عبد الله وضعف ضعفا شديدا. وكان يواصل، فمكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يشرب. فلما كان في اليوم الثامن دخلت عليه، وقد كاد أن يطفأ، فقلت: يا أبا عبد الله، ابن
стр. 5699
الزبير كان يواصل سبعة أيام، وهذا لك اليوم ثمانية أيام، قال: إني مطيق. قلت: بحقي عليك، قال: فإني أفعل، فأتيته بسويق فشرب؛ ووجه إليه المتوكل بمال عظيم فرده، فقال له عبيد الله بن يحيى: فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك. قال: هم مستغنون فردها عليه. فأخذها عبيد الله فقسمها على ولده وأهله. ثم أجرى المتوكل على أهله وولده أربعة آلاف في كل شهر، فبعث إليه أبو عبد الله: إنهم في كفاية، وليست بهم حاجة. فبعث إليه المتوكل: إنما هذا لولدك، ما لك ولهذا؟ فأمسك أبو عبد الله. فلم يزل يجري علينا حتى مات المتوكل.
وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي في ذلك كلام كثير، وقال: يا عم، ما بقي من أعمارنا؟ كأنك بالأمر قد نزل بنا، فالله الله فإن أولادنا إنما يريدون يتأكلون بنا، وإنما هي أيام قلائل، لو كشف للعبد عما قد حجب عنه لعرف ما هو عليه من خير أو شر، صبر قليل وثواب طويل، وإنما هذه فتنة. قال أبي: فقلت: أرجو أن يؤمنك الله مما تحذر. قال: فكيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم، لو تركتموها لتركوكم. وقال: ماذا ننتظر؟ إنما هو الموت، فإما إلى جنة وإما إلى نار؛ فطوبى لمن قدم على خير. قال أبي: فقلت له: أليس قد أمرت، ما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس أن تأخذه؟ قال: قد أخذت مرة بلا إشراف نفس فالثانية والثالثة؛ فما بال نفسك ألم تستشرف؟ فقلت: ألم يأخذ ابن عمر وابن عباس؟ فقال: ما هذا وذاك؟ وقال: لو أعلم أن هذا المال يؤخذ من وجهه ولا يكون فيه ظلم ولا حيف لم أبال.
قال حنبل: فلما طالت علة أبي عبد الله كان المتوكل يبعث بابن ماسوية المتطبب فيصف له الأدوية، فلا يتعالج، ويدخل المتطبب على المتوكل فقال: يا أمير المؤمنين، أحمد ليست به علة في بدنه، إنما هو من قلة الطعام والصيام والعبادة. فسكت المتوكل. وبلغ أم المتوكل خبر أبي عبد الله، فقالت لابنها: أشتهي أن أرى هذا الرجل. فوجه المتوكل إلى أبي عبد الله يسأله أن يدخل على ابنه المعتز ويسلم عليه ويدعو له ويجعله في حجره. فامتنع أبو عبد الله من ذلك، ثم أجاب رجاء أن يطلق وينحدر إلى بغداد. فوجه إليه المتوكل خلعة، وأتوه بدابة يركبها إلى المعتز، فامتنع، وكانت عليها ميثرة نمور. فقدم إليه بغل لرجل من التجار فركبه، وجلس المتوكل مع أمه في مجلس من المكان، وعلى المجلس ستر رقيق، فدخل أبو عبد الله على المعتز، ونظر إليه المتوكل وأمه،
стр. 5700
فلما رأته قالت: يا بني، الله الله في هذا الرجل، فليس هذا ممن يريد ما عندكم، ولا المصلحة أن تحبسه عن منزله، فأذن له فليذهب. فدخل أبو عبد الله على المعتز فقال: السلام عليكم، وجلس ولم يسلم عليه بالإمرة. قال: فسمعت أبا عبد الله بعد ذلك ببغداد يقول: لما دخلت عليه وجلست قال مؤدب الصبي: أصلح الله الأمير، هذا الذي أمره أمير المؤمنين يؤدبك ويعلمك؟ فرد عليه الغلام وقال: إن علمني شيئا تعلمته. قال أبو عبد الله: فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره، وكان صغيرا. قال: ودامت علة أبي عبد الله وبلغ الخليفة ما هو فيه، وكلمه يحيى بن خاقان أيضا وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا. فأذن له في الانصراف. فجاء عبيد الله بن يحيى وقت العصر فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وأمر أن تفرش لك حراقة (١) تنحدر فيها. فقال أبو عبد الله: اطلبوا لي زورقا فأنحدر فيه الساعة، فطلبوا له زورقا فانحدر فيه من ساعته.
قال حنبل: فما علمنا بقدومه حتى قيل لي: إنه قد وافى، فاستقبلته بناحية القطيعة، وقد خرج من الزورق، فمشيت معه فقال لي: تقدم لا يراك الناس فيعرفوني. فتقدمت بين يديه حتى وصل إلى المنزل، فلما دخل ألقى نفسه على قفاه من التعب والعناء. وكان في حياته ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده. فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار امتنع من ذلك، حتى لقد وصف له في علته قرعة تشوى ويؤخذ ماؤها. فلما جاءوا بالقرعة قال بعض من حضر: اجعلوها في تنور، يعني في دار صالح، فإنهم قد خبزوا. فقال بيده: لا. ومثل هذا كثير.
وقد ذكر صالح بن أحمد قصة خروج أبيه إلى العسكر ورجوعه، وتفتيش بيوتهم على العلوي، ثم ورود يعقوب قرقرة ومعه العشرة آلاف، وأن بعضها كان مائتي دينار والباقي دراهم، قال: فجئت بإجانة خضراء، فأكببتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح خذ هذا صيره عندك. فصيرته عند رأسي فوق البيت. فلما كان سحر إذا هو ينادي: يا صالح. فقمت وصعدت إليه، فقال: ما نمت. قلت: لم يا أبه؟ فجعل يبكي وقال: سلمت من هؤلاء، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم. وقد عزمت عليك أن تفرق هذا الشيء إذا أصبحت، فقلت: ذاك إليك. فلما أصبح جاءه الحسن ابن البزار فقال:
стр. 5701
جئني يا صالح بميزان. وجهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار. ثم قال: وجه إلى فلان حتى يفرق في ناحيته، وإلى فلان، حتى فرقها كلها، ونحن في حالة الله بها عليم، فجاءني ابن لي فقال: يا أبه أعطني درهما. فأخرجت قطعة فأعطيته. فكتب صاحب البريد: إنه تصدق بالدراهم في يومه، حتى تصدق بالكيس.
قال علي بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين قد تصدق بها. وعلم الناس أنه قد قبل منك. ما يصنع أحمد بالمال وإنما قوته رغيف؟! قال: فقال لي: صدقت يا علي.
قال صالح: ثم أخرج أبي ليلا، ومعنا حراس معهم النفاطات، فلما أصبح وأضاء الفجر قال لي: صالح معك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم. فلما أصبحنا جعل يعقوب يسير معه، فقال له: يا أبا عبد الله، ابن الثلجي بلغني أنه كان يذكرك. فقال له: يا أبا يوسف سل الله العافية. فقال له: يا أبا عبد الله تريد أن نؤدي عنك رسالة إلى أمير المؤمنين؟ فسكت. فقال: إن عبد الله بن إسحاق أخبرني أن الوابصي قال له: إني أشهد عليه أنه قال: إن أحمد يعبد ماني. فقال: يا أبا يوسف يكفي الله. فغضب يعقوب والتفت إلي فقال: ما رأيت أعجب مما نحن فيه، أسأله أن يطلق لي كلمة أخبر أمير المؤمنين، فلا يفعل.
قال: ووجه يعقوب إلى المتوكل بما عمل، ودخلنا العسكر وأبي منكس الرأس، ورأسه مغطى، فقال له يعقوب: اكشف رأسك يا أبا عبد الله، فكشفه. ثم جاء وصيف يريد الدار، ووجه إليه بعدما جاز بيحيى بن هرثمة فقال: يقرئك أمير المؤمنين السلام ويقول: الحمد لله الذي لم يشمت بك أهل البدع. قد علمت ما كان من حال ابن أبي دؤاد، فينبغي أن تتكلم بما يجب لله. ومضى يحيى وأنزل أبي دار إيتاخ، فجاء علي بن الجهم وقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان تلك التي فرقها، وأمر أن لا يعلم شيخكم بذلك فيغتم. ثم جاءه محمد بن معاوية فقال: إن أمير المؤمنين يكثر من ذكرك ويقول: تقيم هاهنا تحدث. فقال: أنا ضعيف. ثم صار إليه يحيى بن خاقان فقال: يا أبا عبد الله قد أمر أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركب إلى ابنه أبي عبد الله، يعني المعتز. ثم قال لي: قد أمرني أمير المؤمنين، يجرى عليكم وعلى قراباتكم أربعة آلاف درهم، تفرقها عليهم.
стр. 5702
ثم عاد يحيى من الغد فقال: يا أبا عبد الله تركب؟ فقال: ذاك إليكم. ولبس إزاره وخفه. وكان خفه له عنده نحو من خمسة عشر عاما، قد رقع برقاع عدة. فأشار يحيى أن يلبس قلنسوة. قلت: ما له قلنسوة. إلى أن قال: فدخل دار المعتز، وكان قاعدا على دكان في الدار، فلما صعد الدكان قعد فقال له يحيى: يا أبا عبد الله إن أمير المؤمنين جاء بك ليسر بقربك، ويصير أبا عبد الله ابنه في حجرك. فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعدا وراء ستر. فلما دخل أبي الدار قال لأمه: يا أمه قد نارت الدار. ثم جاء خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وذكر قصة في إلباسه القميص والطيلسان والقلنسوة وهو لا يحرك يده. ثم انصرف. وكانوا قد تحدثوا أنه يخلع عليه سوادا. فلما صار إلى الدار نزع الثياب، ثم جعل يبكي وقال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم. ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب علي نصحه من وقت تقع عيني عليه، إلى أن أخرج من عنده. يا صالح وجه بهذه الثياب إلى بغداد تباع ويتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم منها شيئا. فوجهت بها إلى يعقوب بن بختان، فباعها وفرق ثمنها، وبقيت عندي القلنسوة. قال: ومكث خمسة عشر يوما يفطر في كل ثلاثة على ثمن سويق، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلة على رغيف، وليلة لا يفطر. وكان إذا جيء بالمائدة توضع بالدهليز لئلا يراها، فيأكل من حضر. فكان إذا أجهده الحر بل خرقة فيضعها على صدره. وفي كل يوم يوجه إليه بابن ماسوية فينظر إليه ويقول: يا أبا عبد الله أنا أميل إليك وإلى أصحابك، وما بك علة إلا الضعف وقلة الرز (١). إلى أن قال: وجعل يعقوب وغياث يصيران إليه ويقولان له: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دؤاد وفي ماله؟ فلا يجيب في ذلك بشيء. وجعل يعقوب ويحيى يخبرانه بما يحدث في أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم، ثم أحدر إلى بغداد بعدما أشهد عليه ببيع ضياعه. وكان ربما صار إليه يحيى بن خاقان وهو يصلي، فيجلس في الدهليز حتى يفرغ.
وأمر المتوكل أن تشترى لنا دار فقال: يا صالح، قلت: لبيك. قال: لئن أقررت لهم بشراء دار لتكونن القطيعة بيني وبينكم. إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد لي مأوى ومسكنا. فلم يزل يدفع بشراء الدار حتى اندفع. وجعلت رسل
стр. 5703
المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره، ويصيرون إليه فيقولون: هو ضعيف. وفي خلال ذلك يقولون: يا أبا عبد الله لا بد من أن يراك.
وجاءه يعقوب فقال: يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين مشتاق إليك ويقول: انظر يوما تصير فيه أي يوم هو حتى أعرفه. فقال: ذاك إليكم. فقال: يوم الأربعاء يوم خال. وخرج يعقوب، فلما كان من الغد جاء فقال: البشرى يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد أعفيتك عن لبس السواد والركوب إلى ولاة العهود وإلى الدار. فإن شئت فالبس القطن، وإن شئت فالبس الصوف. فجعل يحمد الله على ذلك. ثم قال يعقوب: إن لي ابنا وأنا به معجب، وإن له من قلبي موقعا، فأحب أن تحدثه بأحاديث. فسكت، فلما خرج قال: أتراه لا يرى ما أنا فيه؟! وكان يختم من جمعة إلى جمعة. فإذا ختم دعا فيدعو ونؤمن، فلما كان غداة الجمعة وجه إلي وإلى أخي، فلما ختم جعل يدعو ونحن نؤمن، فلما فرغ جعل يقول: أستخير الله، مرات. فجعلت أقول ما يريد. ثم قال: إني أعطي الله عهدا، إن عهده كان مسؤولا. وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ إني لا أحدث حديث تمام أبدا حتى ألقى الله، ولا أستثني منكم أحدا. فخرجنا وجاء علي بن الجهم، فأخبرناه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأخبر المتوكل بذلك وقال: إنما يريدون أحدث ويكون هذا البلد حبسي. وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد لما أعطوا فقبلوا وأمروا فحدثوا. وجعل أبي يقول: والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان، وإني لأتمنى الموت في هذا، وذلك لأن هذا فتنة الدنيا، وذاك كان فتنة الدين، ثم جعل يضم أصابعه ويقول: لو كان نفسي في يدي لأرسلتها. ثم يفتح أصابعه. وكان المتوكل يوجه في كل وقت يسأله عن حاله، وكان في خلال ذلك يأمر لنا بالمال ويقول: يوصل إليهم، ولا يعلم شيخهم فيغتم. ما يريد منهم؟ إن كان هو لا يريد الدنيا، فلم يمنعهم؟ وقالوا للمتوكل: إنه لا يأكل من طعامك، ولا يجلس على فراشك، ويحرم الذي تشرب. فقال لهم: لو نشر لي المعتصم وقال فيه شيئا لم أقبل منه.
قال صالح: ثم انحدرت إلى بغداد، وخلفت عبد الله عنده، فإذا عبد الله قد قدم، وجاء بثيابي التي كانت عنده. فقلت: ما جاء بك؟ فقال: قال لي: انحدر، وقل لصالح لا يخرج، فأنتم كنتم آفتي. والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحدا منكم معي. لولاكم لمن كانت توضع هذه
стр. 5704
المائدة؟ ولمن كان تفرش هذه الفرش وتُجرى الأجراء؟ فكتبت إليه أعلمه ما قال لي عبد الله، فكتب إلي بخطه: أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي حملني على الكتاب إليك الذي قلت لعبد الله: لا يأتيني منكم أحد رجاء أن ينقطع ذِكري ويَخْمُل. إذا كنتم هاهنا فشا ذكري. وكان يجتمع إليكم قوم ينقلون أخبارنا، ولم يكن إلا خير. فإن أقمت فلم تأتني أنت ولا أخوك فهو رضائي، ولا تجعل في نفسك إلا خيرا، والسلام عليك ورحمة الله.
قال: ولما خرجنا من العسكر رفعت المائدة والفرش وكل ما أقيم لنا.
ثم ذكر صالح كتاب وصيته ثم قال: وبعث إليه المتوكل بألف دينار ليقسمها، فجاءه علي بن الجهم في جوف الليل، فأخبره بأنه يهيئ له حراقة لينحدر فيها. ثم جاء عبيد الله ومعه ألف دينار، فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وقد أمر لك بهذه، فقال: قد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره، فردها. وقال: أنا رقيق على البرد، والظهر أرفق بي. فكتب له جواز، وكتب إلى محمد بن عبد الله في بره وتعاهده، فقدم علينا. ثم قال بعد قليل: يا صالح. قلت: لبيك. قال: أحب أن تدع هذا الرزق، فإنما تأخذونه بسببي. فسكت، فقال: ما لك؟ فقلت: أكره أن أعطيك شيئا بلساني وأخالف إلى غيره، وليس في القوم أكثر عيالا مني ولا أعذر. وقد كنت أشكو إليك وتقول: أمرك منعقد بأمري، ولعل الله أن يحل عني هذه العقدة. وقد كنت تدعو لي، فأرجو أن يكون الله قد استجاب لك. فقال: والله لا تفعل. فقلت: لا. فقال: لم فعل الله بك وفعل؟
ثم ذكر قصة في دخول عبد الله عليه، وقوله له وجوابه له، ثم دخول عمه عليه وإنكاره الأخذ، إلى أن قال: فهجرنا وسد الباب بيننا وبينه، وتحامى (١) منازلنا أن يدخل منا إلى منزله شيء. ثم أخبر بأخذ عمه فقال: نافقتني، وكذبتني. ثم هجره وترك الصلاة في المسجد، وخرج إلى مسجد خارج يصلي فيه.
ثم ذكر قصة دعائه صالحا ومعاتبته في ذلك، ثم في كتبته إلى يحيى بن خاقان ليترك معونة أولاده، وبلوغ الخبر إلى المتوكل، فأمر بحمل ما اجتمع لهم في عشرة أشهر، وهو أربعون ألف درهم إليهم. وأنه أخبر بذلك، فسكت
стр. 5705
قليلا وضرب بذقنه على صدره، ثم رفع رأسه وقال: ما حيلتي إن أردت أمرا وأراد الله أمرا؟!
قال أبو الفضل صالح: وكان رسول المتوكل يأتي أبي يبلغه السلام، ويسأله عن حاله، فتأخذه نفضة حتى ندثره، ثم يقول: والله، لو أن نفسي في يدي لأرسلتها. وجاء رسول المتوكل إلى أبي يقول: لو سلم أحد من الناس سلمت. رفع رجل إلي أن علويا قدم من خراسان، وأنك وجهت إليه من يلقاه، وقد حبست الرجل وأردت ضربه فكرهت أن تغتم فمر فيه. قال: هذا باطل، يخلى سبيله.
ثم ذكر قصة في قدوم المتوكل بغداد، وإشارته (١) على صالح بأن لا يذهب إليهم، ثم في مجيء يحيى بن خاقان من عند المتوكل، وما كان من احترامه ومجيئه بألف دينار ليفرقها، وقوله: قد أعفاني أمير المؤمنين من كل ما أكره. وفي توجيه محمد بن عبد الله بن طاهر ليحضره وامتناعه من حضوره وقوله: أنا رجل لم أخالط السلطان، وقد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره. وهذا مما أكره. قال: وكان قد أدمن الصوم لما قدم، وجعل لا يأكل الدسم. وكان قبل ذلك يُشترى له الشحم بدرهم، فيأكل منه شهرا، فترك أكل الشحم وأدمن الصوم والعمل، فتوهمت أنه قد كان جعل على نفسه إن سلم أن يفعل ذلك.
وقال الخلال أبو بكر: حدثني محمد بن الحسين أن أبا بكر المروذي حدثهم قال: كان أبو عبد الله بالعسكر يقول: انظر هل تجد لي ماء الباقلاء، فكنت ربما بللت خبزه بالماء فيأكله بالملح. ومنذ دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق طبيخا ولا دسما.
وعن المروذي قال: أنبهني أبو عبد الله ذات ليلة وكان قد واصل، فإذا هو قاعد فقال: هو ذا يدار بي من الجوع، فأطعمني شيئا، فجئته بأقل من رغيف، فأكله وقال: لولا أني أخاف العون على نفسي ما أكلت. وكان يقوم من فراشه إلى المخرج، فيقعد يستريح من الضعف من الجوع حتى إن كنت لأبل الخرقة فيلقها على وجهه لترجع إليه نفسه، حتى أوصى من الضعف من غير مرض، فسمعته يقول عند وصيته ونحن بالعسكر، وأشهد على وصيته: هذا ما أوصى به أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
стр. 5706
شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وذكر ما يأتي.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوما، ما ذاق شيئا إلا مقدار ربع سويق، ورأيت ماقي عينيه قد دخلا في حدقتيه.
وقال صالح بن أحمد: وأوصى أبي بالعسكر هذه الوصية:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل: أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين، ويحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين. وأوصي أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا. وأوصي أن لعبد الله بن محمد المعروف بفوران علي نحوا من خمسين دينارا، وهو مصدق فيما قال، فيقضى ما له علي من غلة الدار إن شاء الله، فإذا استوفى أعطي ولد صالح وعبد الله ابني أحمد بن محمد بن حنبل، كل ذكر وأنثى عشرة دراهم بعد وفاء مال أبي محمد. شهد أبو يوسف، وصالح، وعبد الله ابنا أحمد.
أنبئت عمن سمع أبا علي الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم في الحلية، قال (١): حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كتب عبيد الله ابن يحيى إلى أبي يخبره أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وتبصرة. فأملى علي أبي ﵀ إلى عبيد الله بن يحيى وحدي ما معي أحد:
بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك أبا الحسن في الأمور كلها، ودفع عنك مكاره الدنيا والآخرة برحمته. قد كتبت إليك رضي الله عنك بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن بما حضرني. وإني أسأل الله أن يديم توفيق أمير المؤمنين، فقد كان الناس في خوض من الباطل واختلاف شديد ينغمسون فيه، حتى أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفى الله بأمير المؤمنين كل بدعة، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المجالس، فصرف الله ذلك كله وذهب به بأمير المؤمنين، ووقع ذلك من المسلمين موقعا عظيما،
стр. 5707
ودعوا الله لأمير المؤمنين وأن يزيد في نيته، وأن يعينه على ما هو عليه. فقد ذكر عن عبد الله بن عباس أنه قال: لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم. وذكر عن عبد الله بن عمرو أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي ﷺ . فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج كأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال: أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا. إنكم لستم مما هاهنا في شيء. انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، وانظروا الذي نهيتم عنه، فانتهوا عنه (١).
وروي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: مراء في القرآن كفر (٢).
وروي عن أبي جهيم، رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: لا تماروا في القرآن، فإن مراء فيه كفر (٣).
وقال ابن عباس: قدم على عمر بن الخطاب رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة. قال: فزبرني عمر وقال: مه. فانطلقت إلى منزلي مكتئبا حزينا، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين. فخرجت فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي، فخلا بي وقال: ما الذي كرهت؟ قلت: يا أمير المؤمنين متى يتسارعوا هذه المسارعة يحتقوا، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. قال: لله أبوك، والله إن كنت لأكتمها الناس حتى جئت بها.
وروي عن جابر قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف
стр. 5708
فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي (١).
وروي عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله ﷺ : إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه، يعني القرآن (٢).
وروي عن ابن مسعود أنه قال: جردوا القرآن؛ لا تكتبوا فيه شيئا إلا كلام الله (٣).
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إن هذا القرآن كلام الله، فضعوه مواضعه (٤).
وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إني إذا قرأت كتاب الله وتدبرته كدت أن آيس، وينقطع رجائي. فقال: إن القرآن كلام الله، وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وأبشر.
وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنت جارا لخباب، وهو من أصحاب النبي ﷺ ، فخرجت معه يوما من المسجد وهو آخذ بيدي فقال: يا هناه، تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه (٥).
وقال رجل للحكم بن عتيبة: ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات.
وقال معاوية بن قرة - وكان أبوه ممن أتى النبي ﷺ : إياكم وهذه الخصومات فإنها تحبط الأعمال.
وقال أبو قلابة - وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ : لا
стр. 5709
تجالسوا أهل الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا، لتقومان عني أو لأقومنه. فقاما. فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرآ عليك آية؟ قال: إني خشيت أن يقرآ علي آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي، ولو أعلم أني أكون مثلي الساعة لتركتهما.
وقال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني: يا أبا بكر أسألك عن كلمة، فولى وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة.
وقال ابن طاوس لابن له يكلمه رجل من أهل البدع: يا بني، أدخل إصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول. ثم قال: اشدد اشدد.
وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.
وقال إبراهيم النخعي: إن القوم لم يدخر عنهم شيء خبئ لكم لفضل عندكم.
وكان الحسن يقول: شر داء خالط قلبا، يعني: الأهواء.
وقال حذيفة بن اليمان: اتقوا الله، وخذوا طريق من كان قبلكم، والله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا، أو قال: مبينا.
قال أبي: وإنما تركت ذكر الأسانيد لما تقدم من اليمين التي قد حلفت بها مما قد علمه أمير المؤمنين. لولا ذاك ذكرتها بأسانيدها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] وقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، فأخبر بالخلق. ثم قال: والأمر فأخبر أن الأمر غير الخلق. وقال : ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن]، فأخبر أن القرآن من علمه. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة]، وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة]. وقال تعالى:
стр. 5710
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ [الرعد]. فالقرآن من علم الله. وفي هذه الآيات دليل على أن الذي جاءه هو القرآن، لقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة ١٢٠].
وقد روي عن غير واحد ممن مضى من السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. وهو الذي أذهب إليه. لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين. فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود.
قلت: رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات، أشهد بالله أنه أملاها على ولده. وأما غيرها من الرسائل المنسوبة إليه كرسالة الإصطخري ففيها نظر. والله أعلم (١).
فصل
في ذكر مرضه ﵀
قال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول: استكملت سبعا وسبعين سنة، ودخلت في ثمان وسبعين سنة فحم من ليلته، ومات يوم العاشر.
وقال صالح: لما كان في أول يوم من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين حم أبي ليلة الأربعاء، وبات وهو محموم يتنفس تنفسا شديدا، وكنت قد عرفت علته. وكنت أمرضه إذا اعتل. فقلت له: يا أبة، على ما أفطرت البارحة؟ قال: على ماء باقلاء. ثم أراد القيام فقال: خذ بيدي. فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعفت رجلاه حتى توكأ علي. وكان يختلف إليه غير متطبب، كلهم مسلمون، فوصف له متطبب قرعة تشوى ويسقى ماءها، وهذا