← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

تخلفوننا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : اخسؤوا فيها، فوالله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال: هل أنتم صادقي؟ قالوا: نعم. قال: أجعلتم في هذه الشاة سما؟ قالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك. أخرجه البخاري (١). وقال خالد بن الحارث: حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ ، فسألها عن ذلك، قالت: أردت لأقتلك. فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك. أو قال: علي، قالوا: ألا نقتلها. قال: لا. فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ . متفق عليه من حديث خالد (٢). وقال عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي سلمة وابن المسيب، عن أبي هريرة؛ أن امرأة من اليهود أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مسمومة، فقال: أمسكوا فإنها مسمومة، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله، وإن كنت كاذبا أريح الناس منك. قال: فما عرض لها رسول الله ﷺ . وروي عن جابر نحوه (٣). وقال معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، أن يهودية أهدت إلى النبي ﷺ شاة مصلية (٤) بخيبر، فأكل وأكلوا، ثم قال: أمسكوا. وقال لها: هل سميت هذه الشاة؟ قالت: من أخبرك؟ قال: هذا العظم. قالت: نعم. فاحتجم على الكاهل، وأمر أصحابه فاحتجموا، فمات بعضهم.

стр. 632

قال الزهري: فأسلمت، فتركها (١). وقال أبو داود في سننه (٢): حدثنا سليمان المهري، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان جابر يحدث أن يهودية سمت شاة أهدتها للنبي ﷺ … الحديث. وقال خالد الطحان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أن النبي ﷺ أهدت له يهودية بخيبر شاة، نحو حديث جابر. قال: فمات بشر بن البراء بن معرور، وأمر بها النبي ﷺ فقتلت (٣). ويحتمل أنه لم يقتلها أولا، ثم لما مات بشر قتلها. وبشر شهد العقبة وبدرا، وأبوه فأحد النقباء ليلة العقبة. وهو الذي قال رسول الله ﷺ : يا بني سلمة، من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس، على بخل فيه. فقال: وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء (٤). وقال موسى بن عقبة، وابن شهاب، وعروة، واللفظ لموسى قالوا: لما فتحت خيبر أهدت زينب بنت الحارث اليهودية - وهي ابنة أخي مرحب - لصفية شاة مصلية وسمتها وأكثرت في الذراع، لأنه بلغها أن النبي ﷺ يحب الذراع. وذكر الحديث (٥). وعن عروة، وموسى بن عقبة قالا: كان بين قريش حين سمعوا بخروج رسول الله ﷺ إلى خيبر تراهن وتبايع، منهم من يقول: يظهر محمد ومنهم من يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر. وكان الحجاج بن علاط السلمي البهزي قد أسلم وشهد فتح خيبر، وكانت تحته أم شيبة العبدرية، وكان الحجاج ذا مال، وله معادن من أرض بني سليم. فلما ظهر النبي ﷺ على خيبر، قال الحجاج: يا رسول الله، إن لي ذهبا عند امرأتي،

стр. 633

وإن تعلم هي وأهلها بإسلامي فلا مال لي، فائذن لي فأسرع السير ولا يسبق الخبر (١). وقال محمد بن ثور - واللفظ له - وعبد الرزاق، عن معمر، سمعت ثابتا البناني، عن أنس، قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر، قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله، إن لي بمكة مالا، وإن لي بها أهلا أريد إتيانهم، فأنا في حلٍ إن أنا نلت منك، فقلت شيئا؟ فأذن له رسول الله ﷺ . فقال لامرأته، وقال لها: أخفي علي واجمعي ما كان عندك لي، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم. ففشا ذلك بمكة، واشتد على المسلمين وبلغ منهم. وأظهر المشركون فرحا وسرورا. فبلغ العباس الخبر فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم (٢). قال معمر: فأخبرني عثمان الجريري، عن مقسم قال: فأخذ العباس ابنا له يقال له: قثم واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول: حي قثم … شبيه ذي الأنف الأشم فتى ذي النعم … برغم من رغم قال معمر في حديث أنس: فأرسل العباس غلاما له إلى الحجاج أن: ويلك، ما جئت به وما تقول؟ والذي وعد الله خير مما جئت به. قال الحجاج: يا غلام أقرئ أبا الفضل السلام، وقل له: فليخل لي في بعض بيوته فآتيه، فإن الأمر على ما يسره. فلما بلغ العبد باب الدار، قال: أبشر يا أبا الفضل. فوثب العباس فرحا حتى قبل ما بين عينيه وأعتقه، ثم جاء الحجاج فأخبره بافتتاح رسول الله ﷺ خيبر، وغنم أموالهم، وأن رسول الله ﷺ اصطفى صفية، ولكن جئت لمالي، وأني استأذنت النبي ﷺ فأذن لي، فأخف علي يا أبا الفضل ثلاثا، ثم اذكر ما شئت. قال: وجمعت له امرأته متاعه، ثم انشمر، فلما كان بعد ثلاث، أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ قالت: ذهب، لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي

стр. 634

بلغك. فقال: أجل، لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحب؛ فتح الله على رسوله، وجرت سهام الله في خيبر، واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، فإن كان لك في زوجك حاجة فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقا. ثم أتى مجالس قريش وحدثهم. فرد الله ما كان بالمسلمين من كآبة وجزع على المشركين (١). غزوة وادي القرى مالك، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، إلا الثياب والمتاع. فوجه رسول الله ﷺ نحو وادي القرى. وقد أهدي لرسول الله ﷺ عبد أسود يقال له: مدعم. حتى إذا كانوا بوادي القرى، بينما مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ ، إذ جاء سهم فقتله فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال رسول الله ﷺ : كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا. فلما سمعوا بذلك، جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﵇: شراك من نار أو قال: شراكان من نار متفق عليه (٢). وقال الواقدي (٣): حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القرى. وكان رفاعة بن زيد الجذامي قد وهب لرسول الله ﷺ عبدا يقال له مدعم. فلما نزلنا بوادي القرى، انتهينا إلى يهود وقد ثوى إليها ناس من العرب. فبينما مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ ، وقد استقبلنا يهود بالرمي حيث نزلنا. ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر، فأصاب مدعما فقتله. فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال النبي

стр. 635

ﷺ : كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا. فلما سمع بذلك الناس، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ بشراك أو بشراكين، فقال: شراك، أو شراكان، من نار. فعبأ رسول الله ﷺ أصحابه للقتال وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، ودفع راية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم، فبرز رجل، فبرز له الزبير فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه علي فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا ثم أعطوا من الغد بأيديهم. وفتحها الله عنوة. وأقام رسول الله ﷺ بوادي القرى أربعة أيام. فلما بلغ ذلك أهل تيماء صالحوا على الجزية. فلما كان عمر، أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام؛ ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، وما وراء ذلك من الشام. وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، فسار ليله حتى إذا أدركنا الكرى عرس رسول الله ﷺ ، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل فغلبت بلالا عيناه فلم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلال إلا بحر الشمس … الحديث. أخرجه مسلم (١). وروي أن ذلك كان في طريق الحديبية. رواه شعبة، عن جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود. ويحتمل أن يكون نومهم مرتين. وقد رواه زافر بن سليمان، عن شبعة، فذكر أن ذلك كان في غزوة تبوك. وقد روى النوم عن الصلاة: عمران بن حصين، وأبو قتادة الأنصاري.

стр. 636

والحديثان صحيحان، رواهما مسلم (١)، وفيهما طول. وقال [عمارة بن عكرمة، عن عائشة] (٢): لما افتتحنا خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر (٣). وقال ابن وهب: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، عن أنس قال: لما قدم المهاجرون المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء. وكان الأنصار أهل أرض، فقاسموا المهاجرين على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة. وكانت أم أنس، وهي أم سليم، أعطت رسول الله ﷺ عذاقا لها، فأعطاهن رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد، فأخبرني أنس أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار متاعهم، ورد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها، وأعطى أم أيمن مكانهن من حائطه. قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب. وكانت من الحبشة. فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة. ثم توفيت بعدما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر. أخرجه مسلم (٤). وقال معتمر: حدثنا أبي، عن أنس، أن الرجل كان يعطي من ماله النخلات أو ما شاء الله من ماله النبي ﷺ ، حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل يرد بعد ذلك، فأمرني أهلي أن آتيه فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه، وكان النبي ﷺ أعطاه أم أيمن، أو كما شاء الله، قال: فسألته، فأعطانيهن. فجاءت أم أيمن فلوت الثوب في عنقي، وجعلت تقول: كلا والله الذي لا إله إلا هو، لا يعطيكهن وقد أعطانيهن. فقال نبي الله ﷺ : يا أم أيمن اتركي، ولك كذا وكذا. وهي تقول كلا والله. حتى

стр. 637

أعطاها عشرة أمثال ذلك، أو نحوه. وفي لفظ في الصحيح: وهي تقول: كلا والله حتى أعطى عشرة أمثاله. أخرجاه (١). وفي سنة سبع: قدم حاطب بن أبي بلتعة من الرسلية إلى المقوقس ملك ديار مصر، ومعه منه هدية للنبي ﷺ ، وهي مارية القبطية، أم إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وأختها شيرين التي وهبها لحسان بن ثابت، وبغل النبي ﷺ دلدل، وحماره يعفور. وفيها: توفيت ثويبة مرضعة النبي ﷺ بلبن ابنها مسروح وكانت مولاة لأبي لهب أعتقها عام الهجرة. وكان النبي ﷺ يبعث إليها إلى مكة بصلة وكسوة. حتى جاءه موتها سنة سبع مرجعه من خيبر، فقال: ما فعل ابنها مسروح؟ قالوا: مات قبلها. وكانت خديجة تكرمها، وطلبت شراءها من أبي لهب فامتنع. رواه الواقدي عن غير واحد. أرضعت النبي ﷺ قبل حليمة أياما، وأرضعت أيضا حمزة بن عبد المطلب، وأبا سلمة بن عبد الأسد ﵄. سرية أبي بكر ﵁ إلى نجد وكانت بعد خيبر سنة سبع قال عكرمة بن عمار: حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ إلى بني فزارة، وخرجت معه حتى إذا دنونا من الماء عرس بنا أبو بكر، حتى إذا ما صلينا الصبح، أمرنا فشننا الغارة، فوردنا الماء. فقتل أبو بكر من قتل، ونحن معه، فرأيت عنقا (٢) من الناس فيهم الذراري. فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فأدركتهم، فرميت بسهمي. فلما رأوه قاموا، فإذا امرأة عليها قشع (٣) من أدم، معها ابنتها من أحسن العرب فجئت أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فلم أكشف لها ثوبا حتى قدمت المدينة، ثم باتت عندي فلم

стр. 638

أكشف لها ثوبا. حتى لقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال: يا سلمة، هب لي المرأة قلت: يا نبي الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا. فسكت حتى كان من الغد فقال: يا سلمة، هب لي المرأة لله أبوك. قلت: هي لك يا رسول الله. فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، ففدى بها أسرى من المسلمين. أخرجه مسلم (١). وقيل كان ذلك في شعبان. سرية عمر ﵁ إلى عجز هوازن قال الواقدي (٢): حدثنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن قال: بعث رسول الله ﷺ عمر إلى تربة عجز هوازن، في ثلاثين راكبا، فخرج ومعه دليل. فكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار. فأتى الخبر هوازن، فهربوا. وجاء عمر محالهم، فلم يلق منهم أحدا، فانصرف إلى المدينة، حتى سلك النجدية. فلما كانوا بالجدد (٣)، قال الدليل لعمر: هل لك في جمع آخر تركته من خثعم جاؤوا سائرين، قد أجدبت بلادهم؟ فقال عمر: ما أمرني رسول الله ﷺ بهم. ورجع إلى المدينة. وذلك في شعبان. سرية بشير بن سعد. قال الواقدي (٤): حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضل، عن أبيه، قال: بعث النبي ﷺ بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك. فخرج

стр. 639

فلقي رعاء الشاء، فاستاق الشاء والنعم منحدرا إلى المدينة. فأدركه الطلب عند الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل حتى فني نبل أصحاب بشير، فأصابوا أصحابه وولى منهم من ولى، وقاتل بشير قتالا شديدا حتى ضربت كعباه. وقيل قد مات، ورجعوا بنعمهم وشائهم، وتحامل بشير حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهودي حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة. سرية غالب بن عبد الله الليثي. قال الواقدي (١): حدثني أفلح بن سعيد، عن بشير بن محمد ابن الذي أري الأذان عبد الله بن زيد، قال: كان مع غالب بن عبد الله: أبو مسعود، عقبة بن عمرو الأنصاري، وكعب بن عجرة، وعلبة بن زيد. فلما دنا غالب منهم بعث الطلائع ثم رجعوا فأخبروه فأقبل يسير حتى إذا كان بمنظر العين منهم ليلا وقد احتلبوا وهدأوا، قام فحمد الله وأثنى عليه وأمر بالطاعة، قال: وإذا كبرت فكبروا، وجردوا السيوف. فذكر الحديث في إحاطتهم بهم. قال: ووضعنا السيوف حيث شئنا منهم، ونحن نصيح بشعارنا: أمت أمت، وخرج أسامة فحمل على رجل فقال: لا إله إلا الله وذكر الحديث. وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق (٢)، حدثني شيخ من أسلم، عن رجال من قومه قالوا: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي، كلب ليث، إلى أرض بني مرة، فأصاب بها مرداس بن نهيك، حليف لهم من الحرقة فقتله أسامة. فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة، عن أبيه، عن جده أسامة بن زيد قال: أدركته - يعني مرداسا - أنا ورجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السيف قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه خبره، فقال: يا أسامة من لك بلا إله إلا الله؟ فقلت: يا رسول الله، إنما قالها تعوذا من القتل. قال: فمن لك بلا إله إلا الله. فوالذي بعثه بالحق، ما

стр. 640

زال يرددها علي حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن. وأني أسلمت يومئذ ولم أقتله. وقال هشيم: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو ظبيان، قال سمعت أسامة بن زيد يحدث قال: أتينا الحرقة من جهينة. قال: فصبحنا القوم فهزمناهم. ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. قال: فكف عنه الأنصاري، وطعنته أنا برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ ذلك، فقال: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله، ثلاث مرات. قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذا، قال: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل يومئذ. متفق عليه (١). وقال محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق (٢)، حدثني يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله الجهني، عن جندب بن مكيث الجهني، قال: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله إلى بني الملوح بالكديد، وأمره أن يغير عليهم، وكنت في سريته. فمضينا حتى إذا كنا بقديد، لقينا به الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي، فأخذناه فقال: إني إنما جئت لأسلم فقال له غالب: إن كنت إنما جئت لتسلم فلا يضرك رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك، قال: فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود، قال: امكث عليه حتى نمر عليك، فإن نازعك فاحتز رأسه، وأتينا بطن الكديد فنزلناه بعد العصر. فبعثني أصحابي إليه، فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر، فانبطحت عليه، وذلك قبل الغروب. فخرج رجل فنظر فرآني منبطحا على التل فقال لامرأته، إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته في أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك. فنظرت فقالت: والله ما أفقد شيئا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي. فناولته فرماني بسهم فوضعه في جبيني، أو قال: في جنبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته

стр. 641

ولم أتحرك. فقال لامرأته: أما والله لقد خالطه سهماي، ولو كان زائلا لتحرك، فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما، لا تمضغهما علي الكلاب. قال: ومهلنا حتى راحت روائحهم، وحتى إذا احتلبوا وعطنوا وذهب عتمة من الليل شننا عليهم الغارة فقتلنا من قتلنا، واستقنا النعم فوجهنا قافلين به، وخرج صريخ القوم إلى قومهم. قال: وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك بن البرصاء وصاحبه، فانطلقا به معنا. وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قبل لنا به. حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قديد، بعث الله من حيث شاء ماء ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا خالا (١)، فجاء بما لا يقدر أحد يقدم عليه، لقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم على أن يقدم عليه، ونحن نحدوها. فذهبنا سراعا حتى أسندناها في المشلل، ثم حدرنا عنه وأعجزناهم. سرية حنان (٢). قال الواقدي في مغازيه (٣): حدثني يحيى بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد قال: قدم رجل من أشجع يقال له: حسيل بن نويرة، وكان دليل النبي ﷺ إلى خيبر، فقال له: من أين يا حسيل؟ قال: من يمن وحنان، قال: وما وراءك؟ قال: تركت جمعا من يمن وغطفان وحنان، وقد بعث إليهم عيينة: إما أن تسيروا إلينا وإما أن نسير إليكم، فأرسلوا إليه أن سر إلينا، وهم يريدونك أو بعض أطرافك. فدعا رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر فذكر لهما ذلك فقالا جميعا: ابعث بشير بن سعد، فعقد له لواء وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن

стр. 642

يسيروا الليل ويكمنوا النهار، ففعلوا، حتى أتوا أسفل خيبر، فأغاروا وقتلوا عينا لعيينة. ثم لقوا جمع عيينة فناوشوهم، ثم انكشف جمع عيينة وأسر منهم رجلان، وقدموا بهما على النبي ﷺ فأسلما. سرية أبي حدرد إلى الغابة (١) قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: كان من حديث أبي حدرد الأسلمي ما حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، عن أبي حدرد، قال: تزوجت امرأة من قومي، فأصدقتها مائتي درهم. فأتيت رسول الله ﷺ أستعينه على نكاحي، فقال: كم أصدقت؟ قلت: مائتي درهم، فقال: سبحان الله، والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زاد، لا، والله ما عندي ما أعينك به، فلبث أياما، ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له: رفاعة ابن قيس، أو قيس بن رفاعة، في بطن عظيم من جشم، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة، يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله ﷺ . وكان ذا شرف، فدعاني النبي ﷺ ورجلين من المسلمين، فقال: اخرجوا إليه، حتى تأتوا منه بخبر وعلم، وقدم لنا شارفا عجفاء، فحمل عليها أحدنا، فوالله ما قامت به ضعفا، حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلت وما كادت. وقال: تبلغوا على هذه، فخرجنا، حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس، فكمنت في ناحية، وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية، وقلت: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر، فكبروا وشدوا معي، فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غرة وقد ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم، فقام زعيمهم رفاعة فأخذ سيفه وقال: لأتبعن أثر راعينا، فقالوا: نحن نكفيك، قال: لا، والله لا يتبعني أحد منكم، وخرج حتى يمر بي، فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما نطق، فوثبت إليه، فاحتززت رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر

стр. 643

وكبرت وكبر صاحباي، فوالله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم، واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله ﷺ ، وجئت برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي، فجمعت إلي أهلي (١). سرية محلم بن جثامة. قال محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق (٢)، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه، قال: بعثنا النبي ﷺ إلى إضم في نفر من المسلمين منهم أبو قتادة، ومحلم بن جثامة ابن قيس. حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع (٣) له، ووطب (٤) من لبن، فسلم علينا بتحية الإسلام. فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخبر. فنزل فينا القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ إلى آخر الآية. ورواه حماد بن سلمة، عن ابن إسحاق. وقال حماد بن سلمة، عن ابن إسحاق (٥): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري يحدث عن أبيه وجده، وقد شهدا حنينا مع رسول الله ﷺ ، فصلى الظهر وجلس في ظل شجرة، فقام إليه عيينة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط، سيد قيس، وجاء الأقرع ابن حابس يرد عن محلم بن جثامة، وهو سيد خندف، فقال رسول الله ﷺ لقوم عامر: هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا، وخمسين إذا رجعنا

стр. 644

إلى المدينة - فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحر مثل ما أذاق نسائي. فقام رجل من بني ليث يقال له: ابن مكيتيل (١)، وهو قصد من الرجال، فقال: يا رسول الله، ما أجد لهذا القتيل مثلا في غرة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها ففرت أخرها، اسنن اليوم وغير غدا، فقال رسول الله ﷺ : هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن وخمسين إذا رجعنا؟ فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية. قال قوم محلم: ائتوا به حتى يستغفر له رسول الله ﷺ ، قال: فجاء رجل طوال ضرب اللحم في حلة قد تهيأ فيها للقتل، فقام بين يدي النبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : اللهم لا تغفر لمحلم. قالها ثلاثا. فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه. قال ابن إسحاق: وزعم قومه أنه استغفر له بعد. وقال أبو داود في سننه (٢): حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: فحدثني محمد بن جعفر، سمعت زياد بن ضميرة. (ح). قال وحدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، ووهب بن بيان، قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر، أنه سمع زياد بن سعد بن ضميرة السلمي. وهذا حديث وهب وهو أتم، يحدث عروة بن الزبير، عن أبيه، قال موسى: وجده، وكانا شهدا مع رسول الله ﷺ حنينا، يعني أباه وجده. ثم رجعنا إلى حديث وهب: أن محلم بن جثامة قتل رجلا من أشجع في الإسلام. وذلك أول غير (٣) قضى به رسول الله ﷺ . فتكلم عيينة في قتل الأشجعي لأنه من غطفان، وتكلم الأقرع بن حابس. فذكر القصة إلى أن قال: ومحلم رجل طويل آدم، وهو في طرف الناس، فلم يزالوا حتى تخلص فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ، وعيناه تدمعان. فقال: يا رسول الله، إني قد فعلت الذي بلغك، وإني أتوب إلى الله، فاستغفر لي يا

стр. 645

رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : أقتلته بسلاحك في غرة الإسلام؟ اللهم لا تغفر لمحلم. بصوت عال. زاد أبو سلمة: فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ردائه، والله تعالى أعلم. سرية عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي. قال ابن جريج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي، بعثه رسول الله ﷺ في سرية. أخبرنيه يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. أخرجاه في الصحيح (١). وقال الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب: استعمل النبي ﷺ رجلا من الأنصار على سرية، وأمرهم أن يطيعوه. فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا. وأمرهم فأوقدوه. ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا - قالوا: بلى. قال: فادخلوها. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار. فسكن غضبه، وطفئت النار. فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا له ذلك. فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها. إنما الطاعة في المعروف. أخرجاه (٢). وفيها كانت غزوة ذات الرقاع. وقد تقدمت سنة أربع، وأوردنا الخلاف فيها، فلعلهما غزوتان، والله أعلم.

стр. 646

عمرة القضية. روى نافع بن أبي نعيم، عن نافع مولى ابن عمر قال: كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع (١). وقال معتمر بن سلميان، عن أبيه قال: لما رجع رسول الله ﷺ من خيبر، بعث سرايا وأقام بالمدينة حتى استهل ذو القعدة. ثم نادى في الناس أن تجهزوا إلى العمرة فتجهزوا، وخرجوا معه إلى مكة (٢). وقال ابن شهاب: ثم خرج رسول الله ﷺ في ذي القعدة حتى بلغ يأجج (٣) وضع الأداة كلها: الحجف والمجان والرماح والنبل. ودخلوا بسلاح الراكب: السيوف. وبعث رسول الله ﷺ جعفرا بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامرية فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس؛ وكانت أختها تحته وهي أم الفضل فزوجها العباس رسول الله ﷺ . فلما قدم أمر أصحابه فقال: اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف، ليرى المشركون جلدهم وقوتهم، وكان يكايدهم بكل ما استطاع. فاستلف (٤) أهل مكة - الرجال والنساء والصبيان - ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت. وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله ﷺ متوشحا بالسيف يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله … أنا الشهيد أنه رسوله. قد أنزل الرحمن في تنزيله … في صحف تتلى على رسوله. فاليوم نضربكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله. ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله. وتغيب رجال من أشرافهم أن ينظروا إلى رسول الله ﷺ غيظا وحنقا،

стр. 647

ونفاسة وحسدا، خرجوا إلى الخندمة (١). فقام رسول الله ﷺ بمكة، وأقام ثلاث ليال، وكان ذلك آخر الشرط. فلما أصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وغيره، فصاح حويطب بن عبد العزى: نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث. فقال سعد ابن عبادة: كذبت لا أم لك ليس بأرضك ولا بأرض آبائك، والله لا نخرج. ثم نادى رسول الله ﷺ سهيلا وحويطبا، فقال: إني قد نكحت فيكم امرأة فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها، ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا. قالوا: نناشدك الله والعقد، إلا خرجت عنا. فأمر رسول الله ﷺ أبا رافع فأذن بالرحيل. وركب رسول الله ﷺ حتى نزل بطن سرف (٢) وأقام المسلمون، وخلف رسول الله ﷺ أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمسي. فأقام بسرف حتى قدمت عليه، وقد لقيت عناء وأذى من سفهاء قريش، فبنى بها. ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة. وقدر الله تعالى أن يكون موت ميمونة بسرف بعد حين (٣). وقال فليح، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت. فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية. وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما صالحهم. فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج، فخرج. أخرجه البخاري (٤). وقال الواقدي (٥): حدثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: لم تكن هذه العمرة قضاء ولكن شرطا على المسلمين أن يعتمروا قابل في الشهر الذي صدهم المشركون.

стр. 648

وقال محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن ميمون، سمعت أبا حاضر الحضرمي يحدث أبي: ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا سنة حوصر ابن الزبير. وبعث معي رجال من قومي بهدي. فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم فنحرت الهدي مكاني، ثم أحللت ثم رجعت. فلما كان من العام المقبل، خرجت لأقضي عمرتي، فأتيت ابن عباس فسألته، فقال: أبدل الهدي فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء. زاد فيه يونس عن ابن إسحاق قال: فعزت الإبل عليهم، فرخص لهم رسول الله ﷺ في البقر (١). وقال الواقدي (٢): حدثني غانم بن أبي غانم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قد ساق النبي ﷺ ، في القضية ستين بدنة. قال: ونزل رسول الله ﷺ مر الظهران، وقدم السلاح إلى بطن يأجج، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم. وتخوفت قريش، فذهبت في رؤوس الجبال وخلوا مكة. وقال معمر، عن الزهري، عن أنس قال: لما دخل النبي ﷺ . مكة في عمرة القضاء، مشى ابن رواحة بين يديه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله … قد نزل الرحمن في تنزيله بأن خير القتل في سبيله … نحن قتلناكم على تأويله (٣) كما قتلناكم على تنزيله … يا رب إني مؤمن بقيله وقال أيوب، عن سعيد بن جبير، حدثه، عن ابن عباس: قدم رسول الله ﷺ مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب. فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شرا. فأطلع الله نبيه على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين. فلما رأوهم رملوا، قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم؟! هؤلاء أجلد منا. قال ابن عباس: ولم

стр. 649

يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا للإبقاء عليهم. أخرجاه (١). وقال يزيد بن هارون: أخبرنا الجريري عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: إن قومك يزعمون أن رسول الله ﷺ قد رمل وأنها سنة. قال: صدقوا وكذبوا؛ إن رسول الله ﷺ قدم مكة والمشركون على قعيقعان (٢)، وكان أهل مكة قوما حسدا، فجعلوا يتحدثون بينهم أن أصحاب محمد ضعفاء، فقال رسول الله ﷺ : أروهم ما يكرهون منكم. فرمل رسول الله ﷺ ليريهم قوته وقوة أصحابه، وليست بسنة. أخرجه مسلم (٣). وقد بقي الرمل سنة في طواف القدوم؛ وإن كان قد زالت علته فإن جابرا قد حكى في حجة النبي ﷺ رمله ورملوا في عمرة الجعرانة. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى سمعه يقول: اعتمرنا مع رسول الله ﷺ ، فكنا نستره - حين طاف - من صبيان مكة لا يؤذونه. وأرانا ابن أبي أوفى ضربة أصابته مع النبي ﷺ يوم خيبر. البخاري (٤). تزويجه ﵇ بميمونة قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٥) حدثني أبان بن صالح، وعبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، وعطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة، وكان الذي زوجه العباس. فأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا. فأتاه حويطب بن عبد العزى، في نفر من قريش، فقالوا: قد انقضى أجلك فاخرج عنا. قال: لو تركتموني فعرست بين أظهركم، وصنعنا طعاما فحضرتموه.

стр. 650

قالوا: لا حاجة لنا به. فخرج، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسرف، فبنى عليها. وقال وهيب: حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف. رواه البخاري (١). وقال عبد الرزاق: قال لي الثوري: لا تلتفت إلى قول أهل المدينة. أخبرني عمرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ تزوج وهو محرم. وقد رواه الثوري أيضا عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وهما في الصحيح (٢). وقال الأوزاعي: حدثنا عطاء، عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. فقال سعيد بن المسيب: وهل وإن كانت خالته. ما تزوجها رسول الله ﷺ إلا بعد ما أحل. أخرجه البخاري، عن أبي المغيرة، عنه (٣). وقال حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف. رواه أبو داود (٤). وقد أخرجه مسلم (٥) من وجه آخر عن يزيد بن الأصم. وقال سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال. وكنت الرسول بينهما. وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة. فذكر الحديث بطوله. وفيه: فخرج رسول الله ﷺ يعني من

стр. 651

مكة، فتبعتهم ابنة حمزة، فنادت: يا عم يا عم. فتناولها علي ﵁، وقال لفاطمة: دونك، فحملتها. قال: فاختصم فيها علي وزيد بن حارثة وجعفر، فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى رسول الله ﷺ بها لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم. وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا، أخرجه البخاري (١) عن عبيد الله عنه. وقال الواقدي (٢): حدثني ابن أبي حبيبة (٣)، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عمارة بنت حمزة، وأمها سلمى بنت عميس كانتا بمكة. فلما قدم النبي ﷺ ، كلم علي رسول الله ﷺ فقال: علام نترك بنت عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين؟ فلم ينه النبي ﷺ عن إخراجها. فخرج بها، فتكلم زيد بن حارثة، وكان وصي حمزة، وكان النبي ﷺ قد آخى بينهما. وذكر الحديث؛ وفيه: فقضى بها لجعفر وقال: تحتك خالتها، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا عمتها. وعن ابن شهاب، أن النبي ﷺ لما رجع من عمرته في ذي الحجة سنة سبع بعث ابن أبي العوجاء في خمسين إلى بني سليم، كما سيأتي.

стр. 652

ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة قال الواقدي (١): حدثني محمد بن عبد الله، عن عمه ابن شهاب قال: سار ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا إلى بني سليم، وكان عين لبني سليم معه. فلما فصل من المدينة، خرج العين إلى قومه فحذرهم. فجمعوا جمعا كثيرا. وجاءهم ابن أبي العوجاء وهم معدون. فلما رآهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ورأوا جمعهم، دعوهم إلى الإسلام. فرشقوهم بالنبل، ولم يسمعوا قولهم، فرموهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي، وأحدقوا بهم. فقاتلوا حتى قتل عامتهم، وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا في القتلى. ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ ، فقدم المدينة في أول صفر. إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد (٢) وفيها: أسلم عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد. قال الواقدي (٣): أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال: قال عمرو بن العاص: كنت للإسلام مجانبا معاندا. حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا والخندق فنجوت. فقلت في نفسي: كم أوضع، والله ليظهرن محمد على قريش. فلحقت بمالي (٤) بالوهط. فلما كان صلح الحديبية، جعلت أقول، يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه، ما مكة بمنزل ولا الطائف، وما شيء خير من الخروج. فقدمت مكة فجمعت رجالا من قريش كانوا يرون

стр. 653

رأيي ويسمعون مني، فقلت: تعلمون (١) والله إني لأرى أمر محمد يعلو علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا. قالوا: وما هو؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون معه، فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي، أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد. وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا. قالوا: هذا الرأي. قلت: فاجمعوا ما تهدونه له. وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم. فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى أتيناه، فإنا لعنده؛ إذ جاء عمرو بن أمية الضمري بكتاب النبي ﷺ إلى النجاشي ليزوجه بأم حبيبة بنت أبي سفيان فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: لو دخلت على النجاشي، فسألته هذا فأعطانيه لقتلته لأسر بذلك قريشا. فدخلت عليه فسجدت له فقال: مرحبا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئا؟ قلت: نعم أيها الملك أهديت لك أدما. وقربته إليه، فأعجبه، ففرق منه أشياء بين بطارقته. ثم قلت: إني رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا قد وترنا وقتل أشرافنا، فأعطنيه فأقتله. فغضب، ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي. فأصابني من ذلك الذل ما لو انشقت لي الأرض دخلت فيها فرقا منه. ثم قلت: أيها الملك: لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتكه. قال: فاستحيا وقال: يا عمرو، تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى ﵉ لتقتله؟ قال عمرو: وغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالف أنت؟ قلت: أتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم، أشهد به عند الله يا عمرو، فأطعني واتبعه، فوالله إنه لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون. قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعني على الإسلام، ثم دعا بطست، فغسل عني الدم، وكساني ثيابا، وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها. وخرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت: كرهت أن أكلمه في أول مرة، وقلت: أعود إليه، ففارقتهم، وكأني أعمد لحاجة، فعمدت إلى موضع السفن

стр. 654

فأجد سفينة قد شحنت تدفع. فركبت معهم، ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعيبة (١). وخرجت من الشعيبة ومعي نفقة، فابتعت بعيرا، وخرجت أريد المدينة، حتى خرجت على مر الظهران. ثم مضيت حتى إذا كنت بالهدة، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير، يريدان منزلا، وأحدهما داخل في خيمة، والآخر قائم يمسك الراحلتين. فنظرت فإذا خالد بن الوليد. فقلت: أبا سليمان؟ قال: نعم. قلت: أين تريد؟ قال: محمدا، دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طعم، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها. قلت: وأنا والله قد أردت محمدا، وأردت الإسلام. فخرج عثمان بن طلحة، فرحب بي، فنزلنا جميعا ثم ترافقنا إلى المدينة، فما أنسى قول رجل لقينا بدير (٢) أبي عنبة يصيح: يا رباح، يا رباح. فتفاءلنا بقوله، وسرنا ثم نظر إلينا، فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين. فظننت أنه يعنيني، ويعني خالد بن الوليد. وولى مدبرا إلى المسجد سريعا فظننت أنه بشر النبي ﷺ بقدومنا، فكان كما ظننت. وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا، ونودي بالعصر، فانطلقنا حتى اطلعنا عليه، وإن لوجهه تهللا، والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا. وتقدم خالد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه، فما استطعت أن أرفع طرفي إليه حياء منه، فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم يحضرني ما تأخر. فقال: إن الإسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها. فوالله ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد أحدا في أمر حزبه منذ أسلمنا. ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة. ولقد كنت عند عمر بتلك الحال، وكان عمر على خالد كالعاتب. قال عبد الحميد بن جعفر: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب، فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أوس الثقفي، عن حبيب، عن عمرو؛ نحو ذلك. فقلت ليزيد: ألم يوقت لك متى قدم عمرو وخالد؟ قال: لا، إلا

стр. 655

أنه قال: قبل الفتح. قلت: فإن أبي أخبرني أن عمرا وخالدا وعثمان قدموا المدينة لهلال صفر سنة ثمان (١). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٢) حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب، عن حبيب بن أبي أوس؛ قال: حدثني عمرو بن العاص، قال: لما انصرفنا من الخندق، جمعت رجالا من قريش، فقلت: والله إني لأرى أمر محمد يعلو علوا منكرا، والله ما يقوم له شيء، وقد رأيت رأيا ما أدري كيف رأيكم فيه؟ قالوا: وما هو؟ قلت: أن نلحق بالنجاشي. فذكر الحديث، لكن فيه: فضرب بيده أنف نفسه حتى ظننت أنه قد كسره. والباقي بمعناه مختصرا. وقال الواقدي (٣): حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد، قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإسلام، وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد فليس موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدا سيظهر. فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية، خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعسفان، فأقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليه. ثم لم يعزم لنا، وكانت فيه خيرة، فأطلع على ما في أنفسنا من الهموم، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف. فوقع ذلك منا موقعا، وقلت: الرجل ممنوع. فافترقنا، وعدل عن سنن خيلنا، وأخذت ذات اليمين. فلما صالح قريشا قلت: أي شيء بقي؟ أين المذهب؟ إلى النجاشي؟ فقد اتبع محمدا، وأصحابه عنده آمنون. فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى النصرانية أو اليهودية فأقيم مع عجم تابعا مع عيب ذلك؟ أو أقيم في داري فيمن بقي؟ فأنا على ذلك، إذ دخل رسول الله ﷺ في عمرة القضية، فتغيبت. وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي ﷺ في عمرة القضية.

стр. 656

فطلبني فلم يجدني، فكتب إلي كتابا فإذا فيه: أما بعد؛ فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد؟ قد سألني رسول الله ﷺ عنك فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: ما مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين كان خيرا له ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما قد فاتك. فلما جاءني كتابه، نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام. وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة جدبة، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة قلت: إن هذه لرؤيا. فلما قدمنا المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر، فذكرتها، فقال: هو مخرجك الذي هداك الله للإسلام، والضيق هو الشرك. قال: فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ ، قلت: من أصاحب إلى محمد؟ فلقيت صفوان بن أمية. فقلت: يا أبا وهب. أما ترى ما نحن فيه؟ إنما كنا كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد فاتبعناه فإن شرفه لنا شرف. فأبى أشد الإباء وقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا. فافترقنا وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان، فقال لي مثل ما قال صفوان. قلت: فاكتم ذكر ما قلت لك. وخرجت إلى منزلي، فأمرت براحلتي أن تخرج إلى أن ألقى عثمان بن طلحة. فقلت: إن هذا لي صديق، فذكرت له، فقال: نعم، إني عمدت اليوم، وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفخ (١) مناخة، قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج (٢)، وأدلجنا سحرا، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة. فنجد عمرو بن العاص بها، فقال: مرحبا بالقوم. فقلنا: وبك. فذكر الحديث. وقال: كان قدومنا في صفر سنة ثمان. فوالله ما كان رسول الله ﷺ من يوم أسلمت يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه.

стр. 657

سرية شجاع بن وهب الأسدي قال الواقدي (١): حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمر بن الحكم، قال: بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا، إلى جمع من هوازن. وأمره أن يغير عليهم. فخرج يسير الليل ويكمن النهار، حتى صبحهم غارين، فأصابوا نعما وشاء، فاستاقوا ذلك إلى المدينة. فكانت سهمانهم خمسة عشر بعيرا لكل رجل منهم. وعدلوا البعير بعشرين من الغنم. وغابت السرية خمس عشرة ليلة. قال ابن أبي سبرة: فحدثت به محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فقال: كذبوا (٢). قد أصابوا في ذلك الحاضر نسوة فاستاقوهن، فكانت فيهن جارية وضيئة، فقدموا بها المدينة، ثم قدم وفدهم مسلمين، فكلموا رسول الله ﷺ في السبي. فكلم النبي ﷺ شجاعا وأصحابه في ردهن. فردوهن. قال ابن أبي سبرة: فأخبرت شيخا من الأنصار بذلك، فقال: أما الجارية الوضيئة فأخذها شجاع بثمن فأصابها. فلما قدم الوفد، خيرها فاختارت شجاعا. فقتل يوم اليمامة وهي عنده. سرية نجد قال نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ بعث سرية قبل نجد وأنا فيهم. فغنموا إبلا كثيرة. فبلغت سهمانهم لكل واحد اثني عشر بعيرا، ثم نفلوا بعيرا بعيرا، فلم يغير رسول الله ﷺ . متفق عليه (٣).

стр. 658

سرية كعب بن عمير قال الواقدي (١): حدثنا محمد بن عبد الله، عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري، في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من الشام. فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك المسلمون قاتلوهم أشد القتال، حتى قتلوا، فأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل، تحامل حتى أتى النبي ﷺ ، فهم بالبعثة إليهم، فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر، فتركهم، والله أعلم. غزوة مؤتة. قال محمد بن سعد (٢): أخبرنا محمد بن عمر (٣)، قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتابه. فلما نزل مؤتة عرض للحارث شرحبيل بن عمرو الغساني، فقال: أين تريد؟ قال: الشام. قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، فأمر به فضربت عنقه. ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره. وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فاشتد عليه، وندب الناس فأسرعوا. وكان ذلك سبب خروجهم إلى غزوة مؤتة. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٤)، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال: قدم رسول الله ﷺ من عمرة القضاء في ذي الحجة، فأقام بالمدينة حتى بعث إلى مؤتة في جمادى من سنة ثمان، وأمر على الناس

стр. 659

زيد بن حارثة. وقال: إن أصيب فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا. فتهيؤوا للخروج، وودع الناس أمراء رسول الله ﷺ . فبكى ابن رواحة، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب للدنيا، ولا صبابة إليها، ولكني سمعت الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين ودفع عنكم. فقال ابن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة … وضربة ذات فرع تقذف الزبدا (١) أو طعنة بيدي حران مجهزة … بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي … يا أرشد الله من غاز وقد رشدا ثم إنه ودع النبي ﷺ ، وقال: ثبت (٢) الله ما آتاك من حسن … تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافلة … والله يعلم أني ثابت بصر أنت الرسول فمن يحرم نوافله … والوجه منه فقد أزرى به القدر ثم خرج القوم حتى نزلوا معان (٣)، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآرب (٤) في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة، فأقاموا بمعان يومين، وقالوا: نبعث إلى رسول الله ﷺ بخبره. فشجع الناس عبد الله بن رواحة، فقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم لها تطلبون، الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا كثرة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإن يظهرنا الله به فربما فعل، وإن تكن الأخرى فهي الشهادة، وليست بشر المنزلتين. فقال الناس: والله لقد صدق فانشمر الناس، وهم ثلاثة آلاف، حتى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة، قرية فوق أحساء. وكانوا ثلاثة آلاف.

стр. 660

وقال الواقدي (١): حدثني ربيعة بن عثمان عن المقبري، عن أبي هريرة، قال شهدت مؤتة، فلما رآنا المشركون (٢) رأينا ما لا قبل لأحد به من العدة والسلاح والكراع والديباج والذهب. فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: ما لك يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعا كثيرة؟ قلت: نعم. قال: لم تشهد معنا بدرا، إنا لم ننصر بالكثرة. وقال المغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن نافع، عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فإن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال ابن عمر: كنت معهم، ففتشناه - يعني ابن رواحة - فوجدنا فيما أقبل من جسده بضعا وسبعين، بين طعنة ورمية. وقال مصعب الزبيري وغيره، عن مغيرة: بضعا وتسعين. أخرجه البخاري (٣). وقال الواقدي (٤): حدثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحكم، عن أبيه قال: جاء النعمان بن مهص (٥) اليهودي، فوقف مع الناس. فقال النبي ﷺ : زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل عبد الله فليرتض المسلمون رجلا فليجعلوه عليهم. فقال النعمان: أبا القاسم، إن كنت نبيا، فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، إن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، فقالوا: إن أصيب فلان ففلان، فلو سموا مائة أصيبوا جميعا. ثم جعل اليهودي يقول لزيد: اعهد، فلا ترجع إن كان محمد نبيا. قال زيد: أشهد أنه نبي بار صادق.

стр. 661

وقال يونس، عن ابن إسحاق (١): كان على ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري. والتقى الناس. فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: حدثني أبي من الرضاعة، وكان أحد بني مرة بن عوف، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى قتل. قال ابن إسحاق: فهو أول من عقر في الإسلام، وقال جعفر: يا حبذا الجنة واقترابها … طيبة باردة شرابها والروم روم قد دنا عذابها … علي إن لاقيتها ضرابها فلما قتل أخذ الراية عبد الله بن رواحة. حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة قال: أخذها عبد الله بن رواحة فالتوى بها بعض الالتواء، ثم تقدم بها على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد. حدثني عبد الله بن أبي بكر، أن ابن رواحة قال عند ذلك: أقسمت يا نفس لتنزلنه … طائعة أو سوف تكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه (٢) … ما لي أراك تكرهين الجنة يا طالما قد كنت مطمئنه … هل أنت إلا نطفة في شنه (٣) ثم نزل فقاتل حتى قتل. قال ابن إسحاق (٤): وقال أيضا: يا نفس إن لا تقتلي تموتي … هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت … إن تفعلي فعلهما هديت وإن تأخرت فقد شقيت فلما نزل أتى ابن عم له بعرق لحم فقال: شد بها صلبك، فنهس منه

стр. 662

نهسة، ثم سمع الحطمة (١) في ناحية فقال: وأنت في الدنيا؟ فألقاه من يده. ثم قاتل حتى قتل. فحدثني محمد بن جعفر، عن عروة قال: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم، فقال: اصطلحوا يا معشر المسلمين على رجل. قالوا: أنت لها. فقال: لا. فاصطلحوا، على خالد بن الوليد. فحاش (٢) بالناس، فدافع وانحاز وانحيز عنه، ثم انصرف بالناس. وقال حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس قال: نعى النبي ﷺ جعفرا وزيد بن حارثة وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تذرفان. أخرجه البخاري (٣)، وزاد فيه: فنعاهم، وقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب. ثم أخذ الراية بعدهم سيف من سيوف الله: خالد بن الوليد. قال: فجعل يحدث الناس وعيناه تذرفان. وقال سليمان بن حرب: حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري، وكانت الأنصار تفقهه، فغشيه الناس، فغشيته فيمن غشيه من الناس. فقال: حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء، وقال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فوثب جعفر فقال: يا رسول الله، ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي. قال: فامض. فإنك لا تدري أي ذلك خير. فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله. فصعد رسول الله ﷺ المنبر، وأمر فنودي: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إلى رسول الله ﷺ فقال: أخبركم عن جيشكم هذا: إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فقتل زيد شهيدا، فاستغفر له. ثم قال: أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا، شهد له بالشهادة واستغفر له. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا،

стр. 663

فاستغفر له ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء وهو أمر نفسه، ثم قال: اللهم إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره. فمن يومئذ سمي خالد سيف الله (١). وقال البكائي، عن ابن إسحاق (٢): بلغني أن رسول الله ﷺ قال: أخذ الراية زيد فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل حتى قتل شهيدا، ثم صمت، حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بعض ما يكرهون. فقال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب. فرأيت في سرير عبد الله ازورارا عن سريري صاحبيه. فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى. وقال الواقدي (٣): حدثني عبد الله بن الحارث بن فضيل، عن أبيه قال: لما أخذ خالد الراية: قال رسول الله ﷺ : الآن حمي الوطيس. قال (٤): فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء، بات خالد، فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقة، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة. فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. أخرجه البخاري (٥). وقال الواقدي (٦): حدثني محمد بن صالح التمار، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن النبي ﷺ قال: لما قتل زيد أخذ الراية جعفر فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في

стр. 664

قلوب المؤمنين، تمنيني الدنيا؟ ثم مضى قدما (١) حتى استشهد، فصلى عليه ودعا له، وقال: استغفروا له، فإنه دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن ابن عمر كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر، قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. رواه البخاري (٢). وقال عبد الوهاب الثقفي: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرتني عمرة، قال: سمعت عائشة تقول: لما جاء قتل جعفر وابن حارثة وابن رواحة، جلس رسول الله ﷺ في المسجد يعرف فيه الحزن، وأنا أطلع من شق الباب. فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر؛ وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن فذهب الرجل ثم أتى فقال: قد نهيتهن وذكر أنهن لم يطعنه. فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب ثم أتى فقال: والله قد غلبننا. فزعمت أن رسول الله ﷺ قال: فاحث في أفواههن التراب. فقلت: أرغم الله أنفك، ما أنت تفعل (٣)، وما تركت رسول الله ﷺ من العناء؟ أخرجاه عن محمد بن المثنى عنه (٤). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٥) حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أم عيسى الجزار، عن أم جعفر عن جدتها أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه، دخل علي رسول الله ﷺ وقد عجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم. فقال: ائتيني ببني جعفر. فأتيته بهم، فشمهم، فدمعت عيناه. فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه؟ فقال: نعم، أصيبوا هذا اليوم. فقمت أصيح، واجتمع

стр. 665

الناس (١). فرجع رسول الله ﷺ إلى أهله، فقال: لا تغفلوا آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم. قال ابن إسحاق: فسمعت عبد الله بن أبي بكر يقول: لقد أدركت الناس بالمدينة إذا مات لهم ميت؛ تكلف جيرانهم يومهم ذلك طعامهم؛ فلكأني أنظر إليهم قد خبزوا خبزا صغارا، وصنعوا لحما، فيجعل في جفنة، ثم يأتون به أهل الميت، وهم يبكون على ميتهم مشتغلين فيأكلونه. ثم إن الناس تركوا ذلك. فائدة: أخرج مسلم في صحيحه (٢)، من حديث عوف بن مالك، قال: خرجت في غزوة مؤتة، فرافقني مددي من أهل اليمن، ليس معه غير سيفه. فنحر رجل جزورا فسأله المددي (٣) طائفة من جلده، فأعطاه فاتخذه كهيئة الدرقة. ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر وعليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل يفري بالمسلمين. وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه. فأخذه منه خالد بن الوليد، فأتيته فقلت: أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته. قلت: لتردنه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ . قال: فاجتمعنا، فقصصت على رسول الله ﷺ القصة، فقال لخالد: ما حملك على ما صنعت؟ قال: استكثرته. قال: رد عليه ذلك. فقلت: دونك يا خالد، ألم أقل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : ما ذاك؟ فأخبرته. قال: فغضب وقال: يا خالد لا ترده عليه. هل أنتم تاركو لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره. وقال الواقدي (٤): حدثني محمد بن مسلم، عن يحيى بن يعلى، قال سمعت عبد الله بن جعفر يقول: أنا أحفظ حين دخل رسول الله ﷺ على أمي، فنعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهراقان

стр. 666

الدموع ثم قال: اللهم إن جعفرا قد قدم إليك إلى أحسن ثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته. ثم قال: يا أسماء، ألا أبشرك؟ قالت: بلى، بأبي أنت وأمي. قال: إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة. قالت: فأعلم الناس ذلك. وذكر الحديث. وقال الواقدي (١): حدثني سليمان بن بلال، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله؛ قال: أصيب بها ناس من المسلمين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين. فكان مما غنموا خاتم جاء به رجل إلى رسول الله ﷺ ، قال: قتلت صاحبه يومئذ، فنفله رسول الله ﷺ إياه. وقال عوف بن مالك الأشجعي: لقيناهم في جماعة من قضاعة وغيرهم من نصارى العرب، فصافوا، فجعل رجل من الروم يشتد على المسلمين. فجعلت أقول في نفسي: من لهذا؟ وقد رافقني رجل من أمداد حمير، ليس معه إلا السيف، إذ نحر رجل جزورا فسأله المددي طائفة من جلده، فوهبه منه، فجعله في الشمس وأوتد على أطرافه أوتادا، فلما جف اتخذ منه مقبضا وجعله درقة. قال: فلما رأى ذلك المددي فعل الرومي، كمن له خلف صخرة، فلما مر به خرج عليه فعرقب فرسه، فقعد الفرس على رجليه وخر عنه العلج، فشد عليه فعلاه بالسيف فقتله. قال: وحدثني بكير بن مسمار، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه قال: حضرت مؤتة فبارزني رجل منهم، فأصبته وعليه بيضة له فيها ياقوتة، فأخذتها، فلما انكشفنا فانهزمنا رجعت إلى المدينة، فأتيت بها رسول الله ﷺ فنفلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار، فاشتريت بها حديقة نخل. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٢) حدثني محمد بن جعفر، عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمو معه. فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله؟ فقال النبي ﷺ : ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله. فحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، أن أم سلمة

стр. 667

قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ﷺ ؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج؛ كلما خرج صاح به الناس: يا فرار، فررتم في سبيل الله. وكان في غزوة مؤتة. وعن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك، مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير إذ سمعته ينشد أبياته هذه: إذا أدنيتني وحملت رحلي … مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فانعمي وخلاك ذم … ولا أرجع إلى أهلي ورائي وآب المسلمون وغادروني … بأرض الشام مشهور الثواء وردك كل ذي نسب قريب … إلى الرحمن منقطع الإخاء هنالك لا أبالي طلع بعل … ولا نخل أسافلها رواء فلما سمعتهن بكيت، فخفقني بالدرة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل! وقال عبد الملك بن هشام (١): حدثني من أثق به أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنته بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأثابه الله تعالى بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. وروي أنهم قتلوه بالرماح. ترجمة جعفر بن أبي طالب (٢) قلت: وكان جعفر من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين. قال له النبي ﷺ : أشبهت خلقي وخلقي (٣).

стр. 668

وقال عكرمة عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر، وكنا نسميه أبا المساكين (١). وقال مجالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن جعفر قال: ما سألت عليا ﵁ شيئا بحق جعفر إلا أعطانيه. وعن ابن عمر قال: وجدت في مقدم جسد جعفر يوم مؤتة بضعا وأربعين ضربة. ولما قدم جعفر من الحبشة عند فتح خيبر، روي أن النبي ﷺ اعتنقه وقال: ما أدري أنا أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر (٢). وقال مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر، قال: لما نعى رسول الله ﷺ جعفرا أتانا فقال: أخرجوا إلي بني أخي. فأخرجتنا أمنا أغيلمة ثلاثة كأنهم أفرخ: عبد الله، وعون، ومحمد. ترجمة زيد بن حارثة (٣) وأما أبو أسامة زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي حب رسول الله ﷺ وأول من آمن به من الموالي؛ فإنه من كبار السابقين الأولين وكان من الرماة المذكورين. آخى رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، وعاش خمسا وخمسين سنة، وهو الذي سمى الله في كتابه في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ يعني من زينب بنت جحش: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وكان المسلمون يدعونه زيد ابن النبي ﷺ حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾

стр. 669

وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ روى عن زيد ابنه أسامة وأخوه جبلة. واختلف في سنه، فروى الواقدي أن محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد حدثه عن أبيه قال: كان بين رسول الله ﷺ وبين زيد بن حارثة عشر سنين؛ رسول الله ﷺ أكبر منه، وكان قصيرا شديد الأدمة (١) أفطس. قال محمد بن سعد (٢): كذا صفته في هذه الرواية. وجاءت من وجه آخر أنه كان أبيض وكان ابنه أسود. ولذلك أعجب النبي ﷺ بقول مجزز المدلجي القائف: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. قلت: وعلى هذه الرواية أيضا يكون عمره خمسين سنة أو نحوها. وقال أبو إسحاق السبيعي: إن زيد بن حارثة أغارت عليه خيل من تهامة، فوقع إلى خديجة فاشترته، ثم وهبته للنبي ﷺ . ويروى أنها اشترته بسبعمائة درهم. وقال الزهري: ما علمنا أحدا أسلم قبله. وقال موسى بن عقبة: حدثنا سالم بن عبد الله، عن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيدا إلا زيد ابن محمد. فنزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ (٣)

стр. 670

وقال يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع زيد بن حارثة سبع (١) غزوات، كان النبي ﷺ يؤمره علينا. كذا رواه الفسوي عن أبي عاصم عن يزيد. وقال ابن عيينة: أخبرنا عبد الله بن دينار، سمع ابن عمر يقول: إن رسول الله ﷺ أمَّر أسامة على قوم، فطعن الناس في إمارته. فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن ابنه هذا لأحب الناس إلي بعده (٢). وقال ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن أسامة، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ لأبي: يا زيد أنت مولاي ومني وإلي وأحب القوم إلي (٣). وقال محمد بن عبيد: حدثنا إسماعيل، عن مجالد، عن عامر، عن عائشة أنها كانت تقول: لو أن زيدا كان حيا لاستخلفه رسول الله ﷺ (٤). ورواه محمد بن عبيد مرة أخرى، فقال: حدثنا وائل بن داود، عن البهي، عن عائشة قالت: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمَّره عليهم، ولو بقي بعده استخلفه (٥).
следующие страницы →