بسم الله الرحمن الرحيم.
الحوادث.
فمن سنة إحدى وثمانين ومائتين
فيها توفي: أحمد بن إسحاق الوزان، وإبراهيم بن ديزيل، وعبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد الله بن محمد بن النعمان، وأبو زرعة النصري الدمشقي، وعثمان بن خرزاذ الأنطاكي، ومحمد بن إبراهيم بن المواز المالكي، ووريزة الغساني.
وفيها دخل طغج بن جف صاحب خمارويه من ناحية طرسوس لغزو الروم، ففتح ملورية.
وفيها غارت مياه الري وطبرستان، حتى أبيع الماء ثلاثة أرطال بدرهم، وقحط الناس، وأكلوا الجيف.
وفي رجب شخص المعتضد إلى الجبل ناحية الدينور، وقلد ابنه عليا الري، وقزوين، وهمذان، والدينور، وجعل كاتبه أحمد بن أبي الأصبغ، وقلد عمر بن عبد العزيز ابن أبي دلف أصبهان، وأسرع الانصراف من غلاء السعر، فقدم بغداد في رمضان. ثم خرج في ذي القعدة إلى الموصل عامدًا لحمدان بن حمدون بن الحارث بن منصور بن لقمان، وهو جد ناصر الدولة. وكان قد بلغ المعتضد أنه يميل إلى هارون الشاري الخارجي. وكانت الأعراب والأكراد قد تجمعوا وتحالفوا أنهم يقتلون على دم واحد؛ فالتقوا على الزاب، فحمل عليهم المعتضد فمزق شملهم، فكان من غرق أكثر ممن قتل.
ثم سار إلى ماردين وبها حمدان، فهرب منها، وخلف بها ابنه، فنازلها المعتضد، فحاربه من كان بها، فلما كان من الغد ركب المعتضد ودنا من باب القلعة، وصاح بنفسه: يا ابن حمدان، فأجابه، فقال: افتح الباب. فقال: نعم. ففتحه، وقعد المعتضد على الباب، ونقل ما فيها من الحواصل، وأمر بهدمها، فهدمت، ووجه وراء حمدان، ثم ظفر به وحبسه.
стр. 6583
ثم سار المعتضد إلى قلعة الحسنية، وبها شداد الكردي، في عشرة آلاف مقاتل، فحاصره حتى ظفر به، وهدمها.
وفيها هدم المعتضد دار الندوة بمكة، وصيرها مسجدًا إلى جانب المسجد الحرام.
سنة اثنتين وثمانين ومائتين
توفي فيها: إسماعيل بن إسحاق القاضي الفقيه، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي، والحارث بن محمد بن أبي أسامة، وصاحب مصر خمارويه بن أحمد بن طولون، والفضل بن محمد الشعراني، ومحمد بن الفرج الأزرق، وأبو العيناء محمد بن القاسم الأديب، ومحمد بن مسلمة الواسطي، ويحيى بن عثمان بن صالح المصري.
وفيها أبطل المعتضد ما يفعل في النيروز من وقيد النيران، وصب الماء على الناس، وأزال سنة المجوس.
وفي أولها قدمت قطر الندى بنت خمارويه من مصر، ومعها عمها لتزف إلى المعتضد، فدخل عليها في ربيع الأول، وكان في جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة، وعشرة صناديق جواهر. وقوم ما دخل معها فكان ألف ألف دينار ونيف، وكان صداقها من المعتضد ألف ألف درهم، وأعطي ابن الجصاص الذي مشى في الدلالة مائة ألف دينار، أعطاه ذلك أبوها.
وفيها خرج المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكرج، وأخذ أموال ابن أبي دلف.
وفيها بعث محمد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمد بن الورد العطار ببغداد ثلاثين ألف دينار، ليفرقها على العلويين، فبلغ المعتضد، فسألوه، فقال محمد: إنه يبعث إلي كل سنة بمثلها، فأفرقها. فقال المعتضد: أنا رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في النوم، فأوصاني بذريته خيرًا، ففرق ما تفرقه من هذا المال ظاهرًا.
وفيها ذبح خمارويه بن أحمد على فراشه بدمشق. وكان يتعانى الفاحشة بغلمانه، راود مملوكًا في الحمام، فامتنع عليه حياء من الخدم، فأمر أن يدخل في دبره بمثل الذكر خشب، فلم يزل يصيح حتى مات في الحمام، فأبغضه
стр. 6584
الخدم، فذبحه جماعة وهربوا، فمسكت عليهم الطرق، وجيء بهم وقتلوا.
وكان ذبحه في ذي الحجة، وحمل في تابوت إلى مصر، وصلى عليه ابنه جيش بن خمارويه، وكان الذي نهض في مسك أولئك الخدم طغج بن جف، فصلبهم بعد القتل.
وولي بعده ابنه جيش، فقتلوه بعده بيسير. وأقاموا مكانه أخاه هارون بن خمارويه، وقرر على نفسه أن يحمل إلى المعتضد كل سنة ألف ألف وخمس مائة ألف دينار. فلما استخلف المكتفي عزله، وولى محمد بن سليمان الواثقي، فاستصفى أموال آل طولون.
وفيها، أو قبلها، أهلك المعتضد عمه محمد بن المتوكل لأنه بلغه أنه كاتب خمارويه بن أحمد، فيما قيل. وكان عالمًا شاعرًا.
سنة ثلاث وثمانين ومائتين
توفي فيها: إسحاق بن إبراهيم بن سنين الختلي، وسهل بن عبد الله التستري الزاهد، والعباس بن الفضل الأسفاطي، وعبد الرحمن بن يوسف بن خراش، وعلي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب القاضي، ومحمد بن سليمان الباغندي، ومحمد بن غالب تمتام، ومقدام بن داود الرعيني.
وفي أولها خرج المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الشاري، وكان الحسين بن حمدان قد قال له: إن أنا جئت بهارون إليك فلي ثلاث حوائج. قال: اذكرها. قال: تطلق أبي، والحاجتان أذكرهما بعد أن آتي به. قال: لك ذلك. قال: أريد أنتخب ثلاث مائة فارس. قال: نعم. وخرج الحسين يطلب هارون حتى انتهى إلى مخاضة في دجلة، وكان معه وصيف الأمير، فقال لوصيف: ليس لهارون طريق يهرب منه غير هذا، فقف هاهنا، فإن مر بك فامنعه من العبور. قال: نعم. ومضى الحسين فالتقى مع هارون، فقتل جماعة وهرب هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثًا، فقال أصحابه: قد طال مقامنا. ولسنا نأمن أن يأخذ الحسين هارون فيكون له الفتح له دوننا، فالصواب أن نمضي في آثارهم. فأطاعهم ومضوا. وجاء الشاري إلى المخاضة فعبر، وجاء الحسين في إثره فلم ير وصيفًا، ولم يعرف لهارون خبرا، فبلغه أنه عبر دجلة،
стр. 6585
فعبر خلفه. وجاء هارون إلى حي من العرب، فأخذ دابة ومضى، وجاء الحسين فسألهم فكتموه، فقال: المعتضد في أثري؛ فأخبروه بمكانه، فأتبعه في مائة فارس، فأدركه. فناشده هارون الشاري وتوعده، فألقى الحسين نفسه عليه، وأسره، وجاء به إلى المعتضد، فأمر بفك قيود حمدان والتوسعة عليه. ورجع بهارون إلى بغداد، وخلع على الحسين بن حمدان وطوقه، وعملت قباب الزينة، وركبوا هارون فيلا بين يدي المعتضد، وازدحم الخلق حتى سقط كرسي الجسر الأعلى ببغداد، فغرق خلق كثير. وكان على المعتضد قباء أسود، وعمامة سوداء، وجميع الأمراء يمشون بين يديه.
وفيها ولي طغج بن جف إمرة دمشق لجيش الطولوني.
وفيها وصلت تقادم عمرو بن الليث أمير خراسان، فكانت مائتي حمل مال ومائتي جمارة وغير ذلك من التحف.
وفيها خلع المعتضد على حمدان بن حمدون وأطلقه.
وفيها كتبت الكتب إلى الآفاق، بأن يورث ذوو الأرحام، وأن يبطل ديوان المواريث، وكثر الدعاء للمعتضد. وكان قد سأل أبا حازم القاضي عن ذلك، فقال: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، فقال المعتضد: قد روي عدم الرد عن الخلفاء الأربعة. فقال أبو حازم: كذب الناقل عنهم؛ بل كلهم ردوا، هم وجميع الصحابة، سوى زيد بن ثابت، وكان زيد يخفيه حتى مات عمر، وهو مذهب فقهاء التابعين ومن بعدهم. ولم يذهب إلى قول زيد غير الشافعي في أحد القولين، والقول الآخر كالجماعة. فقال المعتضد: اكتبوا بذلك إلى الآفاق.
وفيها خرج عمرو بن الليث من نيسابور، فهاجمها رافع بن هرثمة وخطب بها لمحمد بن يزيد العلوي، فعاد عمرو ونزل بظاهر نيسابور محاصرًا لها.
وفيها وثب الجند من البربر على جيش بن خمارويه، وقالوا: تنح عن الأمر لنولي عمك، فكلمهم كاتبه علي بن أحمد المادرائي، وسألهم أن ينصرفوا عنهم يومهم، فانصرفوا. فغدا جيش على عمه أبي العشائر، فضرب عنقه وعنق عم له آخر، ورمى برؤوسهما إليهم. فهجم الجند على جيش
стр. 6586
فذبحوه، وذبحوا أمه، وانتهبوا الدار، وأجلسوا أخاه هارون مكانه.
وفيها هزم عمرو بن الليث رافع بن هرثمة، وساق وراءه إلى أن أدركه بخوارزم فقتله بها. وكان المعتضد قد عزله سنة سبع وسبعين عن خراسان، وولى عليها عمرو بن الليث، فبقي رافع بالري. ثم إنه هادن الملوك المجاورين له يستعين بهم على عمرو، ودعا إلى العلوي ثم سار إلى نيسابور، فواقعه عمرو في ربيع الآخر من هذه السنة، وهزمه إلى أبيورد، وقصد رافع أن يخرج إلى مرو أو هراة، ثم دخل نيسابور، فأتى عمرو فحاصره بها، فهرب رافع وأصحابه على الجمازات إلى خوارزم في رمضان، فأحاط به أمير خوارزم وقتله في سابع شوال، وبعث برأسه إلى عمرو بن الليث، فنفذه إلى المعتضد.
ولم يكن رافع ولدا لهرثمة، وإنما هو زوج أمه، فنسب إليه، وهو رافع بن تومرد. وصفت خراسان لعمرو بن الليث.
وفيها دخل جيش بن خمارويه مصر، فقال الأمراء: لا نرضى بك ونريد عمك أبا العشائر، فوثب وقتل عمه، فشاش الناس ووقع حريق ونهب، فوثب هارون في جماعة على أخيه فقتله، واستولى على مصر، قال ربيعة بن أحمد بن طولون: لما دخل ابن أخي جيش مصر قبض علي وعلى عميه مضر وشيبان، وحبسنا، ثم إنه أخذ أخانا مضر فأدخله بيتًا، وجوعه خمسة أيام، ثم دخل علينا ثلاثة من غلمان جيش، فقالوا: مات أخوكم؟ قلنا: لا ندري.
فدخلوا عليه البيت، فرماه كل واحد بسهم، فقتلوه وأغلقوا علينا الباب، وتركونا يومين بلا طعام، فظننا أنهم يهلكوننا بالجوع. فسمعنا صراخًا في الدار، ففتحوا علينا، وأدخلوا إلينا جيش بن خمارويه، فقلنا: ما جاء بك؟ قال: غلبني أخي هارون على مصر. فقلنا: الحمد لله الذي قبض يدك وأضرع خدك. فقال: ما كان في عزمي إلا أن ألحقكما بأخيكما. وبعث إلينا هارون أن نقتله بأخينا، فلم نفعل، وانصرفنا إلى دورنا، فبعث إليه من قتله.
سنة أربع وثمانين ومائتين
فيها توفي: أبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي، وإسحاق بن الحسن الحربي، وأبو خالد عبد العزيز بن معاوية القرشي، ومحمود بن الفرج الأصبهاني الزاهد، وهشام بن علي السيرافي، ويزيد بن الهيثم أبو خالد البادا.
стр. 6587
وفي رابع المحرم قدم على المعتضد برأس رافع بن هرثمة، فنصب يومًا ببغداد.
وفي كانت وقعة بين عيسى النوشري المعتضدي وبين بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف، وكان قد أظهر العصيان، فهزمه النوشري بقرب أصبهان، واستباح عسكره.
وفي ربيع الأول ولى القضاء أبا عمر محمد بن يوسف على مدينة المنصور.
وفيها ظهرت بمصر حمرة عظيمة، حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر، وكذا الحيطان، فتضرع الناس بالدعاء إلى الله، وكانت من العصر إلى الليل.
وفيها بعث عمرو بن الليث بألف ألف درهم لتنفق على إصلاح درب مكة من العراق.
قال ابن جرير الطبري (١): وفيها عزم المعتضد على لعنة معاوية على المنابر، فخوفه عبيد الله الوزير اضطراب العامة. فلم يلتفت، وتقدم إلى العامة بلزوم أشغالهم وترك الاجتماع، ومنع القصاص من القعود في الأماكن، ومنع من اجتماع الخلق في الجوامع، وكتب المعتضد كتابًا في ذلك. واجتمع الناس يوم الجمعة بناء على أن الخطيب يقرؤه، فما قرئ، وكان من إنشاء الوزير عبيد الله، وفيه: وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شبهة دخلتهم في أديانهم، على غير معرفة ولا روية، خالفوا السنن، وقلدوا فيها أئمة الضلالة، ومالوا إلى الأهواء، وقد قال تعالى: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، خروجًا عن الجماعة، ومسارعة إلى الفتنة، وإظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، وبتر منه العصمة، وأخرجه من الملة. قال الله تعالى: والشجرة الملعونة في القرآن، وإنما أراد بني أمية الملعونين على لسان نبيه، وهم كانوا أشد عداوة له من جميع الكفار. ولم يرفع الكفار راية يوم بدر وأحد والخندق إلا وأبو سفيان وأشياعه أصحابها وقادتها.
стр. 6588
ثم ذكر أحاديث واهية وموضوعة في ذم أبي سفيان وبني أمية، وحديث: لا أشبع الله بطنه، عن معاوية، وأنه نازع عليًا حقه، وقد قال ﵇ لعمار: تقتلك الفئة الباغية. وأن معاوية سفك الدماء، وسبى الحريم، وانتهب الأموال المحرمة، وقتل حجرًا، وعمرو بن الحمق، وادعى زياد بن أبيه جراءة على الله، والله يقول: ادعوهم لآبائهم، والنبي ﷺ يقول: الولد للفراش. ثم دعى إلى بيعة ابنه يزيد، وقد علم فسقه، ففعل بالحسين وآله ما فعل؛ ويوم الحرة، وحرق البيت الحرام.
وهو كتاب طويل فيه مصائب. فلما كتبه الوزير قال للقاضي يوسف بن يعقوب: كلم المعتضد في هذا. فقال له: يا أمير المؤمنين، أخاف الفتنة عند سماعه. فقال: إن تحركت العامة وضعت السيف فيها. قال: فما نصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟ وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أميل وصاروا أبسط ألسنة. فأمسك المعتضد.
وفيها ظهر في دار المعتضد شخص، في يده سيف مسلول، فقصده بعض الخدم فضربه بالسيف فجرحه، واختفى في البستان وطلب فلم يوجد له أثر. فعظم ذلك على المعتضد، واحترز وقيل هو من الجن، وساءت الظنون، وأقام الشخص يظهر مرارًا ثم يختفي. ولم يظهر خبره حتى مات المعتضد والمكتفي، فإذا هو خادم أبيض كان يميل إلى بعض الجواري التي في الدور.
وكان من بلغ من الخدام يمنعون من الحرم، وكان خارج دور الحرم بستان كبير، فاتخذ هذا الخادم لحية بيضاء، فبقي تارة يظهر في صورة راهب، وتارة يظهر بزي جندي بيده سيف واتخذ عدة لحى مختلفة الهيئات، فإذا ظهر خرجت الجارية مع الجواري لتراه يعني فيخلو بها بين الشجر ويحدثها خلسة. فإذا طلب دخل بين الشجر ونزع اللحية والبرنس ونحو ذلك، وخبأها، وترك السيف في يده مسلولًا كأنه من جملة الطالبين لذلك الشخص. وبقي إلى أن ولي المقتدر، وخرج الخادم إلى طرسوس، فتحدثت الجارية بحديثه بعد ذلك.
стр. 6589
سنة خمس وثمانين ومائتين
فيها توفي: إبراهيم الحربي، وإسحاق بن إبراهيم الدبري، وعبيد بن عبد الواحد بن شريك، وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد.
وفي المحرم قطع صالح بن مدرك الطائي الطريق على الحجاج بالأجفر، وأخذ للركب ما قيمته ألف ألف دينار، وأسر الحرائر.
وفي المحرم عزل إسماعيل بن أحمد عن ما وراء النهر، ووليه عمرو بن الليث.
وفي ربيع الأول هبت ريح صفراء بالبصرة، ثم صارت خضراء، ثم سوداء، وامتدت في الأمصار؛ ووقع عقيبها برد، وزن البردة مائة وخمسون درهمًا. وقلعت الريح نحو ست مائة نخلة، ومطرت قرية حجارة سوداء وبيضاء.
وفيها استعمل المعتضد على أرمينية وأذربيجان ابن أبي الساج.
وفيها غزا راغب الموفقي الخادم الروم في البحر، فظفر بمراكب كثيرة، ضرب منها ثلاثة آلاف رقبة، وفتح حصونًا كثيرة.
وفي ذي الحجة قدم علي ابن المعتضد بغداد، وكان قد جهزه لقتال محمد بن زيد العلوي، فدفع محمدًا عن الجبال وتحيز إلى طبرستان، ففرح به أبوه وقال: بعثناك ولدًا فرجعت أخًا، كرامة له منه بهذا القول، ثم أعطاه ألف ألف دينار.
وفي ذي الحجة خرج المعتضد وابنه يريد آمد، لما بلغه موت أحمد بن عيسى ابن الشيخ.
وصلى بالناس يوم الأضحى ببغداد علي ابن المعتضد، وركب كما تركب ولاة العهود.
стр. 6590
سنة ست وثمانين ومائتين
فيها توفي: أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ، وأحمد بن علي الخزاز، وأبو سعيد الخراز شيخ الصوفية، وأحمد بن المعلى الدمشقي، وإبراهيم بن سويد الشبامي، وإبراهيم بن برة الصنعاني، والحسن بن عبد الأعلى البوسي أصحاب (١) عبد الرزاق، وعبد الرحيم بن عبد الله البرقي، وعلي بن عبد العزيز البغوي، ومحمد بن وضاح القرطبي، ومحمد بن يوسف البناء الزاهد، ومحمد بن يونس الكديمي، وأبو عبادة البحتري الشاعر.
وفي ربيع الآخر نازل المعتضد آمد، وبها محمد بن أحمد ابن الشيخ؛ فنصب عليها المجانيق، ودام الحصار أربعين يومًا. ثم ضعف محمد، وتخاذل أصحابه، فطلب الأمان ثم خرج فخلع عليه.
وفيها قبض المعتضد على راغب الخادم أمير طرسوس واستأصله، فمات بعد أيام.
وفيها، في جمادى الآخرة، قدمت هدايا عمرو بن الليث، وهي أربعة آلاف ألف درهم، وعشرة من الدواب بسروجها ولجمها المذهبة، وخمسون أخرى بجلالها.
وفيها التقى جيش عمرو بن الليث الصفار، وإسماعيل بن أحمد بن أسد بما وراء النهر. فانكسر أصحاب عمرو؛ ثم في آخر السنة عبر إسماعيل بن أحمد جيحون بعساكره، ثم التقى هو وعمرو بن الليث على بلخ، وكان أهل بلخ قد ملوا عمرا وأصحابه، وضجروا من نزولهم في دورهم وأخذهم لأموالهم، وتعرضهم لنسائهم. فلما التقوا حمل عليهم إسماعيل، فانهزم عمرو إلى بلخ، فوجد أبوابها مغلقة، ففتحوا له ولجماعة معه، فوثب عليه أهل بلخ فأوثقوه، وحملوه إلى إسماعيل. فلما دخل عليه قام إسماعيل واعتنقه، وقبل ما بين عينيه، وخلع عليه، وحلف أنه لا يؤذيه.
وقيل: إن إسماعيل لما كان على ما وراء النهر، سأل عمرو بن الليث
стр. 6591
المعتضد أن يوليه ما وراء النهر، فولاه فعزم عمرو على محاربته، فكتب إليه إسماعيل: إنك قد وليت الدنيا، وإنما في يدي ثغر، فاقنع بما في يدك ودعني. فأبى، فقيل له: بين يديك جيحون كيف تعبره؟ فقال: لو شئت أن أسكره ببدر (١) الأموال لفعلت حتى أعبره. فقال إسماعيل: أنا أعبر إليه. فجمع الدهاقين وغيرهم، وجاوز النهر. فجاء عمرو فنزل بلخ فأخذ إسماعيل عليه الطرق، فصار كالمحاصر. وندم عمرو، وطلب المحاجزة، فلم يجبه، واقتتلوا يسيرًا، فانهزم عمرو، فتبعوه، فتوحلت دابته، فأخذ أسيرًا.
وبلغ المعتضد، فخلع على إسماعيل خلع السلطنة وقال: يقلد أبو إبراهيم كل ما كان في يد عمرو بن الليث.
ثم بعث يطلب من إسماعيل عمرا، ويعزم عليه. فما رأى بدًا من تسليمه، فبعث به إلى المعتضد فدخل بغداد على جمل ليشهروه، فقال الحسين بن محمد بن الجهم:
ألم تر هذا الدهر كيف صروفه … يكون يسيرا مرة وعسيرا
وحسبك بالصفار نبلا وعزة … يروح ويغدو في الجيوش أميرا
حباهم بأجمال، ولم يدر أنه … على جمل منها يقاد أسيرا
ثم حبسه المعتضد في مطمورة، فكان يقول: لو أردت أن أعمل على جيحون جسرًا من ذهب لفعلت، وكان مطبخي يحمل على ست مائة جمل، وأركب في مائة ألف، أصارني الدهر إلى القيد والذل!
فقيل: إنه خنق عند موت المعتضد، وقيل: قبل موته بيسير. وقيل: إن إسماعيل خيره بين أن يقعد عنده معتقلًا، وبين توجيهه إلى المعتضد، فاختار توجيهه إلى المعتضد، فأدخل بغداد في سنة ثمان وثمانين على جمل له سنامان، وعلى الجمل الديباج والحلي، وطيف به في شوارع بغداد. فأدخل على المعتضد، فقال له: يا عمرو هذا ببغيك، ثم سجنه.
وبعث المعتضد إلى إسماعيل ببدنة من لؤلؤ، وتاج مرصع، وسيف، وعشرة آلاف ألف درهم.
стр. 6592
وفيها ظهر بالبحرين أبو سعيد الجنابي القرمطي في أول السنة. وفي وسطها قويت شوكته، وانضم إليه طائفة من الأعراب، فقتل أهل تلك القرى، وقصد البصرة. فبنى المعتضد عليها سورًا وحصنها.
وكان أبو سعيد كيالًا بالبصرة، وجنابة: من قرى الأهواز. وقيل من البحرين؛ وقال الصولي: كان أبو سعيد فقيرا يرفو أعدال الدقيق بالبصرة، وكان يسخر منه ويستخف به، فخرج إلى البحرين، وانضاف إليه جماعة من بقايا الزنج والخرمية، فعاث وأفسد وتفاقم أمره، حتى بعث إليه الخليفة جيوشًا وهو يهزمها. وهو جد أبي علي المستولي على الشام الذي مات بالرملة سنة خمس وستين وثلاث مائة.
وقال غيره: أقام أبو سعيد مدة، ثم ذبح في حمام بقصره. ثم خلفه ابنه أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطي، وهو الذي يأتي أنه قتل الحجيج واقتلع الحجر الأسود.
سنة سبع وثمانين ومائتين
توفي فيها: أحمد بن إسحاق بن نبيط، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، وزكريا بن يحيى السجزي خياط السنة، ومحمد بن عمرو الجرشي أبو علي قشمرد، وموسى بن الحسن الجلاجلي، وأبو سعد يحيى بن منصور الهروي.
وفي المحرم واقعت طي ركب الحاج العراقي بأرض المعدن، وكانت الأعراب في ثلاثة آلاف ما بين فارس وراجل. وكان أمير الحاج أبو الأغر، فأقاموا يقاتلونهم يومًا وليلة. واشتد القتال، ثم إن الله أيد الركب وهزموهم، وقتل صالح بن مدرك الذي نهب الحاج فيما مضى؛ وقتل معه أعيان طي، ودخل الركب بغداد بالرؤوس على الرماح وبالأسرى.
وفي نصف ربيع الأول كانت الوقعة على بلخ بين عمرو بن الليث وإسماعيل بن أحمد، فأسره إسماعيل.
وفيها غلظ أمر القرامطة، وأغاروا على البصرة ونواحيها، فسار لحربهم العباس بن عمرو الغنوي، فالتقوا، فأسر الغنوي، وقتل خلق من جنده.
стр. 6593
ثم إن أبا سعيد بعد أن ضيق عليه أطلقه، وقال: بلغ المعتضد عني رسالة؛ ومضمونها أنه يكف عنه ويحفظ حرمته: فأنا قد قنعت بالبرية، فلا يتعرض لي.
قال ابن خلكان (١): كان من حديث العباس أن القرامطة لما اشتد أمرهم وبالغوا في القتل، أرسل إليهم المعتضد جيشًا عليه العباس بن عمرو، فالتقوا، فأسره أبو سعيد القرمطي في الوقعة، وأسر جميع من معه من الجيش. ثم من الغد أحضر الأسرى فقتلهم بأسرهم وحرقهم، ﵏. وأطلق العباس فجاء إلى المعتضد وحده. وكانت الوقعة بين البصرة والبحرين.
وفي شوال خرج المعتضد من بغداد، وسار إلى عين زربة، فأسر وصيفًا الخادم. ثم قدم المصيصة ونزل طرسوس، ثم رحل إلى أنطاكية. ثم جاء إلى حلب، ثم إلى بالس، وأقام بالرقة إلى سلخ السنة.
وفيها مات صاحب طبرستان محمد بن زيد العلوي.
وفيها أوقع بدر بالقرامطة على غرة منهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة.
سنة ثمان وثمانين ومائتين
فيها توفي: إسحاق بن إسماعيل الرملي بأصبهان، وبشر بن موسى الأسدي، وجعفر بن محمد بن سوار الحافظ، وعثمان بن سعيد بن بشار الأنماطي، ومعاذ بن المثنى العنبري، وخلق سواهم.
وفي جمادى الأولى أدخل عمرو بن الليث الصفار بغداد أسيرًا على جمل، فسجن إلى سنة تسع وثمانين، وأهلك عند موت المعتضد.
وزلزلت دبيل ليلًا. قال أبو الفرج ابن الجوزي (٢): فأخرج من تحت الهدم خمسون ومائة ألف ميت.
وقيل: كان ذلك في العام الماضي.
وفيها وقع وباء عظيم بأذربيجان حتى فقدت الأكفان، حتى كفنوا في
стр. 6594
الأكسية واللبود ثم طرحوا في الطرق. ومات من أصحاب محمد بن أبي الساج وأقاربه سبع مائة إنسان، وكان ببرذعة؛ ثم توفي هو، فقام بعده ابنه ديوداذ، وخالفه أخوه يوسف.
وفيها قدم المعتضد ومعه وصيف خادم محمد بن أبي الساج، وكان قد عصى عليه بالثغور، فأسره وأدخل على جمل، ثم توفي في السجن بعد أيام، فصلبت جثته عند الجسر.
وفيها ظهر أبو عبد الله الشيعي بالمغرب، ونزل بكتامة، ودعاهم إلى المهدي عبيد الله.
سنة تسع وثمانين ومائتين
فيها توفي: أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم البسري، والمعتضد بالله، وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، وإبراهيم بن أحمد الأغلبي أمير القيروان، وأنس بن السلم، وجماعة كبار.
وفيها فاض ماء البحر على الساحل، فأخرب البلاد والحصون التي عليه، وهذا لم يعهد.
وفيها ظفر بسرية للقرامطة فأسر جماعة وقائد السرية ابن أبي الفوارس فعذب وقتل.
وفي ربيع الآخر اعتل المعتضد علة صعبة، وتماثل، فقال ابن المعتز:
طار قلبي بجناح الوجيب … جزعا من حادثات الخطوب
وحذارا من أن يشاك بسوء … أسد الملك وسيف الحروب
ثم انتكس ومات في الشهر. وقام بعده ولده المكتفي بالله أبو محمد علي، وليس في الخلفاء من اسمه علي إلا هو، وعلي بن أبي طالب ﵁. ولد سنة أربع وستين ومائتين، وأمه تركية. وكان من أحسن الناس.
ولما نقل المعتضد اجتمعوا في دار العامة، وفيهم مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، ووصيف، موشكير، والفضل بن راشد، ورشيق، وكان بدر المعتضدي بفارس، فقالوا للقاسم بن عبيد الله الوزير: خذ البيعة. فقال: المعتضد حي، ولا آمن إفاقته، وقد أطلقت المال، فينكر علي. فقالوا: إن
стр. 6595
عوفي فنحن المناظرون دونك. وكان في عزمه أن يزوي الأمر عن المكتفي، لكن رأى ميلهم إلى المكتفي، فأخذ له البيعة بعد العصر من يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر. وأحضر أحمد بن محمد بن بسطام أولاد الخلفاء: عبد الله بن المعتز، وقصي ابن المؤيد، وعبد العزيز ابن المعتمد، وعبد الله ابن الموفق أبي أحمد، فأخذ عليهم البيعة للمكتفي.
وتوفي المعتضد ليلة الإثنين لثمان بقين من الشهر. وكان المكتفي بالرقة، فكتب إليه القاسم بالخلافة، وأن في بيوت الأموال عشرة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم أضعافها، ومن الجواهر ما قيمته كذلك، ومن الثياب والخيل، وذكر أشياء كثيرة.
وقيل: إن الجند تحركوا ببغداد عند موت المعتضد، ففرق القاسم فيهم العطاء، فسكنوا.
ووافى المكتفي بغداد في سابع جمادى الأولى، ومر بدجلة في سمارية، وكان يومًا عظيمًا. وسقط أبو عمر القاضي من الزحمة من الجسر، وأخرج سالمًا. ونزل المكتفي بقصر الخلافة، وتكلمت الشعراء، وخلع على القاسم بن عبيد الله سبع خلع، وقلده سيفًا. وهدم المطامير التي اتخذها أبوه، وصيرها مساجد. وأمر برد البساتين والحوانيت التي أخذها أبوه من الناس ليعملها قصرًا. وفرق أموالًا جزيلة. وسار سيرة جميلة، فأحبه الناس ودعوا له.
ومات في السجن عمرو بن الليث الصفار في اليوم الذي دخل فيه المكتفي بغداد. فقيل: إن القاسم الوزير قتله سرًا، خوفًا من إخراجه، فإنه كان محسنًا إلى المكتفي أيام مقامه بالري.
وفي رجب ورد الخبر إلى بغداد أن أهل الري كتبوا إلى الأمير محمد بن هارون الذي كان إسماعيل بن أحمد متولي خراسان بعثه لقتال العلوي وولاه طبرستان، فخلع محمد بن هارون الطاعة، ولبس البياض، وسار إلى الري، وكان واليها أوكرتمش قد غشم وظلم، فالتقيا، فهزمه محمد وقتله، وقتل ولديه وقواده، واستولى على الري.
وفي رجب زلزلت بغداد زلزلة عظيمة دامت أيامًا.
وفيها خلع على أحمد بن محمد بن بسطام، وأمر على آمد، وديار ربيعة.
стр. 6596
وفيها هبت ريح عظيمة بالبصرة، قلعت عامة نخلها، ولم يسمع بمثل ذلك.
وفيها خرج بالشام يحيى بن زكرويه القرمطي، وجمع الأعراب، فقصد دمشق وبها طغج بن جف نائب هارون بن خمارويه، فكانت بينهما حروب، إلى أن قتل في أول سنة تسعين.
وسبب خروجه أن زكرويه بن مهرويه القرمطي لما رأى متابعة الجيوش إلى من بسواد الكوفة وضعف، سعى في استغواء الأعراب الذين بالسواد، فاستجابوا له. وكان طائفة من كلب يخفرون الطريق على السماوة، فيما بين دمشق والكوفة على طريق تدمر. ويحملون الرسل وأمتعة التجار على إبلهم. فأرسل زكرويه أولاده إليهم فبايعوهم، وخالطوهم، وانتسبوا إلى أمير المؤمنين علي، وإلى إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق، فقبلوهم، فدعوهم إلى رأي القرامطة، فلم يقبل منهم إلا طائفة، فبايعوهم. وكان المشار إليه في القرامطة يحيى بن زكرويه أبو القاسم. وذكر لهم أن له بالعراق والشرق مائة ألف تابع، وأن ناقته مأمورة، وأنهم متى اتبعوها في مسيرها ظفروا، فقصدوا الرصافة، التي هي غربي الفرات، فقتلوا أميرها، وأكثروا الفساد.
وفيها كانت وقعة بين جيش إسماعيل بن أحمد، وبين محمد بن هارون على باب الري. وكان محمد في مائة ألف، فكانت الدبرة عليه، فانهزم إلى الديلم في ألف رجل، فاستجار بهم.
وفيها قويت أمور أبي عبد الله الشيعي بالمغرب، فصنع صاحب إفريقية صنع محمد بن يعفر ملك اليمن، فانسلخ من الإمارة، وأظهر توبة، ولبس الصوف، ورد المظالم، وخرج إلى الروم غازيًا. فقام بعده ابنه أبو العباس.
وكان خروج إبراهيم بن أحمد صاحب إفريقية منها وركوبه البحر سنة تسع وثمانين، فوصل إلى صقلية، ومنها إلى طبرمين، فافتتحها في شعبان، ثم حاصر كنيسة، فمرض عليها بإسهال، ومات في ذي القعدة. وكانت ولايته ثمانية وعشرين عامًا ونصفا، ودفن بصقلية.
واشتهر أمر أبي عبد الله بأرض كتامة، وسمي المشرقي لقدومه من المشرق. فكان إذا بايعه الواحد قيل: تشرق، وتسارع المغاربة إليه. ولما استفاضت دعوة المهدي كثر الطلب عليه من العراق والشام، فسار متنكرًا من سلمية، ثم إلى الرملة، ثم مصر، ومعه ولده محمد صبي، وأبو العباس أخو الداعي
стр. 6597
أبي عبد الله بزي التجار. فتوصلوا إلى طرابلس الغرب. فلما وصل المهدي إلى طرابلس الغرب قدم أبو العباس أخو الداعي إلى القيروان فوصلها، وقد جاءت المكاتبات من مصر بالإنذار بالمهدي وصفته والتوكيد في طلبه، فعني زيادة الله بطلبه، وتقصى أخباره، فوقع بأبي العباس، فقرره فلم يعترف، فحبسه برقادة. وكتب إلى طرابلس في طلب المهدي، وكان قد خرج منها قاصدًا أبا عبد الله داعيته، وفات أمره. ثم علم في طريقه بحبس رفيقه، فعدل إلى سجلماسة، وأقام بها يتجر، فبلغ زيادة الله أنه بسجلماسة، فقبض متوليها على المهدي وابنه. ثم وقعت الحرب بين زيادة الله وبين أبي عبد الله الداعي، فهزمه أبو عبد الله مرات، وهرب من الجيش أبو العباس، ثم مسك. ثم سار زيادة الله منهزمًا إلى مصر، ولحق أبو العباس بأخيه. ثم سارا في جيش كثيف وطلبا سجلماسة، فخرج اليسع متوليها للقتال، فهزمه أبو عبد الله سنة ست وتسعين، كما سيجيء.
وفيها صلى المكتفي بالناس يوم النحر بالمصلى.
وفيها قتل بدر المعتضدي. وكان المعتضد يحبه. وكان بدر جوادًا كريمًا شجاعًا، وكان يؤثر القاسم بن عبيد الله الوزير ويتعصب له، فقال المعتضد: والله لا قتله غيره. فكان كما قال. وذلك أن القاسم هم بنقل الخلافة عند موت المعتضد إلى غير ولده، وناظر بدرًا في ذلك، فامتنع بدر، فلما رأى القاسم ذلك وعلم أن لا سبيل إلى مخالفة بدر، إذ كان المستولي على الأمور، اضطغنها على بدر. وحدث على المعتضد الموت، وبدر بفارس، فعمل القاسم على إهلاكه.
وكان بين بدر وبين المكتفي تباعد في أيام أبيه. فأشار القاسم على المكتفي أن يكتب إلى بدر بأن يقيم بفارس، ويبعث إليه بالمال، وأن يختار من الولايات ما شاء، ولا يقدم الحضرة. وخوف المكتفي منه. فكتب إليه مع يانس الموفقي بذلك، وبعث إليه بعشرة آلاف ألف درهم. فلما وصل إلى بدر فكر وخاف لبعده من مكر القاسم. فكتب إلى المكتفي يقول: لا بد من المصير إلى الحضرة، وأن أشاهد مولاي. فقال القاسم له: قد جاهرك بالعصيان، ولا آمنه عليك. وكاتب القاسم الأمراء الذين مع بدر بالمصير إلى باب الخليفة. فأوقفوا بدرًا على الكتب وقالوا: قم معنا حتى نجمع بينك وبين الخليفةفقال: قد كتبت إليه، وأنا منتظر جوابه. ففارقوه ووصلوا إلى بغداد.
وجاء بدر فنزل واسطًا. فندب القاسم أبا حازم القاضي وقال: اذهب إلى بدر برسالة أمير المؤمنين بالأمان والعهود. فامتنع، وكان ورعًا، وقال: لِمَ
стр. 6598
أؤدي عن الخليفة رسالة لم أسمعها منه؟ قال: أما تقنع بقولي؟ قال: في مثل هذا ما يكفيني.
فندب أبا عمر محمد بن يوسف القاضي، فأجاب مسرعًا، وانحدر إلى واسط، فاجتمع ببدر، وأعطاه الأيمان المغلظة عن المكتفي، فنزل بدر في طيار، وترك أصحابه بواسط ليلحقوه في البر. فبينا هو يسير، إذ تلقاه لؤلؤ غلام القاسم في جماعة، فنقلوا القاضي إلى طيار آخر، وأصعدوا بدرًا إلى جزيرة. فلما عرف بدر أنهم قاتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين وأوصي، فتركوه؛ فأوصى بعتق أرقابه، وصدقة ما يملك، وذبحوه في الركعة الثانية، في ليلة الجمعة السابعة والعشرين من شهر رمضان، وقدموا برأسه على المكتفي، فسجد.
وذم الناس أبا عمر القاضي وقالوا: هو غر بدرا؛ وندم القاضي غاية الندم. وقال شاعر:
قل لقاضي مدينة المنصور … بم أحللت أخذ رأس الأمير؟
بعد إعطائه المواثيق والعه … د وعقد الأمان في منشور
أين أيمانك التي شهد الل … هـ على أنها يمين فجور
إن كفيك لا تفارق كفي … هـ إلى أن يرى مليك السرير
يا قليل الحياء يا أكذب الأ … مة يا شاهدا شهادة زور
أي أمر ركبت في الجمعة الغ … راء من خير شهر هذي الشهور
قد مضى من قتلت في رمضا … ن صائما بعد سجدة التعفير
يا بني يوسف بن يعقوب أضحى … أهل بغداد منكم في غرور
في أبيات.
سنة تسعين ومائتين
فيها توفي: أحمد بن علي الأبار، والحسن بن سهل المجوز، والحسين بن إسحاق التستري، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن زكريا الغلابي الأخباري، ومحمد بن العباس المؤدب، ومحمد بن يحيى بن المنذر القزاز، شيوخ الطبراني.
وفي أولها قصد يحيى بن زكرويه الرقة، في جمع، فخرج إليه عسكرها فهزمهم وقتل منهم، فبعث طغج لحربه بشيرًا غلامه، فالتقوا، فقتل بشير، وانهزم جنده. فندب المكتفي أبا الأغر في عشرة آلاف، وجهزه لحربهم. ثم سار القرمطي فحاصر دمشق، وبها طغج بن جف، فضعف عن مقاومة القرامطة.
стр. 6599
وفيها خرج المكتفي من بغداد يريد سامراء ليسكن بها، فصرفه الوزير عن ذلك وقال: نحتاج إلى غرامات كثيرة. فعاد إلى بغداد.
وفيها قتل الكلب يحيى بن زكرويه على حصار دمشق فأقاموا مقامه أخاه الحسين.
وفيها عسكر المكتفي وسار إلى الموصل في رمضان لحرب القرامطة، وتقدم أمامه إلى أرض حلب أبو الأغر، فنزل بوادي بطنان فكبسهم على غرة صاحب الشامة القرمطي، فقتل منهم خلقًا، وهرب أبو الأغر في ألف رجل إلى حلب. وقتل تسعة آلاف. وتبعهم صاحب الشامة، فحاربه أبو الأغر على باب حلب، ثم تحاجزوا؛ ووصل المكتفي إلى الرقة، وسرح الجيوش إلى القرمطي.
وفي رمضان وصل القرمطي أيضًا إلى دمشق، فخرج لقتاله بدر الحمامي صاحب ابن طولون فهزم القرمطي، ووضع في أصحابه السيف وهرب الباقون في البادية. وبعث المكتفي في إثر صاحب الشامة الحسين بن حمدان والقواد.
وقيل: إنما كانت الوقعة بين بدر والقرمطي بأرض مصر، وأن القرمطي انهزم إلى الشام في نفر يسير. فسار على الرحبة وهيت، فنهب وسبى، ومضى إلى الأهواز.
وفيها قتل أبو القاسم يحيى بن زكرويه بن مهرويه القرمطي المعروف بالشيخ، وبالمبرقع. وكان يسمي نفسه كذبًا وبهتانًا: علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الحسيني وكان من دعاة القرامطة.
قيل: إن بدرا الحمامي لقيه بحوران في هذه السنة، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، فقتل، وقام أخوه موضعه.
وكان سبب قتله أن بربريًا رماه بمزراق، واتبعه نفاط فأحرقه بالنار في وسط القتال، فنصب أصحابه أخاه الحسين بن زكرويه، ويسمى بصاحب الشامة، وزعم بكذبه أنه: أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن الصادق جعفر، وأظهر شامة في وجهه زعم أنها آيته. وجاءه ابن عمه عيسى بن مهرويه وزعم أنه عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر، ولقبه المدثر، وعهد إليه. وزعم أنه المعني في السورة. ولقب غلامًا له المطوق بالنور، وظهر على دمشق وحمص والشام، وعاث وأفسد، حتى قتل الأطفال وسبى الحريم، وتسمى أمير المؤمنين المهدي، ودعي له على المنابر.
وكان ليحيى بن زكرويه شعر جيد في الحماسة والحرب.
стр. 6600
تراجم رجال هذه الطبقة على حروف المعجم
١ - أحمد بن إبراهيم بن فيل أبو الحسن البالسي، نزيل أنطاكية.
سمع: أبا جعفر النفيلي، وأبا توبة الحلبي، والمعافى بن سليمان، وعبد الوهاب بن نجدة، وسليمان ابن بنت شرحبيل، وطائفة.
وعنه: أبو عوانة، وحاجب بن أركين، وأبو سعيد ابن الأعرابي، وخيثمة الأطرابلسي، وسليمان الطبراني، وطائفة.
وقد روى عنه النسائي في حديث مالك تأليفه.
توفي سنة أربع وثمانين (١)، وهو والد صاحب الجزء المشهور أبي طاهر الحسن بن أحمد.
٢ - أحمد بن إبراهيم أبو جعفر الأصبهاني الغسال، والد القاضي أبي أحمد الحافظ.
سمع: إسماعيل بن عمرو البجلي، وسهل بن عثمان العسكري.
وعنه: ابنه.
توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين (٢).
٣ - ن: أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن بكار. أبو عبد الملك القرشي العامري البسري الدمشقي، من ولد بسر بن أبي أرطاة.
سمع: أبا الجماهر محمد بن عثمان، ومحمد بن عائذ، وجده محمد بن عبد الله، وجماعة. وعنه: النسائي وقال: لا بأس به، وابن جوصا، وأبو عوانة، وعلي بن أبي العقب، والطبراني، وآخرون.
مات في شوال سنة تسع وثمانين (٣).
وسمعنا من طريقه مغازي ابن عائذ.
٤ - أحمد بن إبراهيم بن فروة، أبو عبد الله اللخمي القرطبي.
له رحلة إلى العراق، فسمع بمصر من عبد الغني بن أبي عقيل، وغيره.
стр. 6601
وبالعراق من: عبيد الله القواريري، وبندار. وعنه: أحمد بن خالد بن الجباب، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن. وكان شيخًا مغفلًا.
عاش تسعين سنة، ومات سنة تسعين (١).
٥ - أحمد بن إبراهيم بن ملحان أبو عبد الله البلخي الأصل البغدادي.
سمع من يحيى بن عبد الله بن بكير، وغيره. وعنه: أبو بكر الشافعي، وابن قانع، والطبراني، وأبو بكر بن خلاد، وجماعة.
ووثقه الدارقطني (٢).
مات سنة تسعين ومائتين (٣).
٦ - أحمد بن إسحاق بن صالح، أبو بكر البغدادي الوزان.
عن: مسلم بن إبراهيم، وجندل بن والق، وقرة بن حبيب، وطبقتهم. وعنه: ابن مخلد، وأبو جعفر بن البختري، وعبد الله بن إسحاق الخراساني، وأبو عمرو ابن السماك.
قال ابن أبي حاتم (٤): كتبت عنه أنا وأبي، وهو صدوق.
وأثنى عليه الدارقطني (٥).
توفي في أول سنة إحدى وثمانين (٦).
٧ - أحمد بن إسحاق بن واضح، أبو جعفر المصري العسال.
عن: سعيد بن أبي مريم، وجماعة. وعنه: أبو القاسم الطبراني (٧).
توفي في صفر سنة أربع وثمانين.
٨ - أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط الأشجعي صاحب النسخة المشهورة الموضوعة.
стр. 6602
روى عن أبيه؛ وزعم أنه ولد سنة سبعين ومائة. وعنه: أحمد بن محمد البيروتي، وأحمد بن القاسم بن الريان اللكي (١)، والطبراني (٢)، وغيرهم.
قال أبو سعيد بن يونس: توفي بمصر سنة سبع وثمانين، وهو كوفي قدم مصر، وكان يكون بالجيزة.
٩ - أحمد بن إسحاق البلدي الخشاب.
عن: عفان بن مسلم، وعبد الله بن جعفر الرقي، وغيرهما. وعنه: أبو القاسم الطبراني (٣).
١٠ - أحمد بن إسحاق بن يزيد الرقي الخشاب.
عن: عبيد بن جناد الحلبي. وعنه: الطبراني أيضًا (٤)، وهو أصغر من البلدي الذي قبله (٥).
١١ - أحمد بن إسحاق الصدفي المصري.
روى عن عمرو بن الربيع بن طارق. وعنه: الطبراني (٦)، وغيره.
١٢ - أحمد بن إسماعيل العدوي البصري.
روى عن عمرو بن مرزوق، وطبقته. وعنه: الطبراني (٧).
١٣ - أحمد بن إسماعيل الوساوسي البصري.
عن شيبان بن فروخ، وعنه: الطبراني (٨).
١٤ - أحمد بن أصرم بن خزيمة أبو العباس المغفلي المزني البصري.
حدث بدمشق عن: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعبد الأعلى بن حماد، والقواريري. وعنه: أبو عوانة، وأبو جعفر العقيلي، وأبو بكر النجاد،
стр. 6603
وأبو عبد الله بن مروان، وجماعة.
وقال أبو بكر الخلال: هو ثقة، كتبنا عن المروذي، عنه.
وقال ابن أبي حاتم (١): كتبت عنه مع أبي، وسمعت موسى بن إسحاق القاضي يعظم شأنه ويرفع منزلته.
قلت: كان صاحب سنة، شديدًا على المبتدعة.
توفي في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ومائتين (٢).
١٥ - أحمد بن بحر الدمشقي.
سمع من منبه بن عثمان، وعنه: الطبراني فقط (٣).
١٦ - أحمد بن بشر المرثدي. أبو علي البغدادي.
عن: علي بن الجعد، والهيثم بن خارجة، وجماعة. وعنه: عثمان ابن السماك، وأبو بكر الشافعي، وجماعة.
وثقه ابن المنادي وقال: مات سنة ست وثمانين (٤).
١٧ - أحمد بن جعفر، أبو علي الدينوري النحوي، تلميذ أبي عثمان المازني.
أخذ عن المازني كتاب سيبويه. وسكن مصر وأفاد أهلها.
وكان زوج بنت ثعلب؛ وله مصنف في النحو.
توفي سنة تسع وثمانين.
١٨ - أحمد بن الحسن بن مكرم البغدادي.
سمع: علي بن الجعد. وعنه: الطبراني، وابن قانع. وكان بزازًا (٥).
١٩ - أحمد بن الحسين بن مدرك القصري.
عن: أبي شعيب السوسي، وسليمان بن أحمد الواسطي المقرئ. وعنه: الطبراني. توفي سنة تسعين.
стр. 6604
وعنه أيضًا: الطستي، وعمر بن الحسن الشيباني. وكان بقصر ابن هبيرة (١).
٢٠ - أحمد بن الحسين، أبو الفضل النيسابوري المستملي.
سمع: يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه؛ واستملى على إسحاق. وعنه: محمد بن صالح بن هانئ، ومحمد بن يعقوب بن الأخرم، وآخرون.
توفي سنة ست وثمانين.
٢١ - أحمد بن حماد بن سفيان، أبو عبد الرحمن الكوفي الفقيه.
ولي قضاء المصيصة. وروى عن: أبي بلال الأشعري، ويزيد بن عمرو الغنوي، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن عمار. وارتحل إلى مصر فلقي أصحاب ابن وهب.
قال الخليلي: صالح في الحديث، له معرفة. وقال: مات سنة ثمان وثمانين.
قلت: روى عنه: أبو الحسن القطان، وابن قانع، ومحمد بن علي بن حبيش، وآخرون.
مات بالمصيصة (٢).
٢٢ - أحمد بن حمدون أبو نصر الموصلي الخفاف.
عن: معلى بن مهدي، ومحمد بن عبد الله بن عمار، وأحمد بن السكن، وغيرهم. وعنه: يزيد بن محمد في تاريخه، وقال: كان صاحب حديث حسن الحفظ. توفي سنة تسعين.
٢٣ - أحمد بن خالد بن يزيد الآجري، أبو بكر، وسماه أبو بكر الشافعي: محمدًا (٣).
سمع: أبا نعيم، وعفان، وجماعة. وعنه: الشافعي، وعثمان ابن السماك، وجماعة.
стр. 6605
توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين (١).
٢٤ - أحمد بن خالد الدامغاني نزيل نيسابور.
عن: أبي مصعب الزهري، وداود بن رشيد، وجماعة. وعنه: أبو حامد ابن الشرقي، ومحمد بن الأخرم، ودعلج، وجماعة.
وله رحلة إلى الشام، ومصر، والعراق.
توفي سنة ثمان وثمانين.
٢٥ - أحمد بن خشنام الأصبهاني.
عن: بكر بن بكار، والحسين بن حفص، وجماعة.
توفي في عام أربعة وثمانين.
وثقه ابن مردويه. حدث عنه: أحمد بن محمد بن عاصم.
وقال أبو الشيخ: كانت فيه غفلة (٢).
٢٦ - أحمد بن خطاب الأصبهاني.
عن: طالوت بن عباد. وعنه: عبد الله بن محمد القباب، وغيره (٣).
٢٧ - أحمد بن خليد أبو عبد الله الكندي الحلبي.
سمع: أبا نعيم، وأبا اليمان، والوحاظي، والحميدي، ومحمد بن عيسى ابن الطباع، وزهير بن عباد، وطبقتهم. وله رحلة واسعة، ومعرفة جيدة. روى عنه: علي بن أحمد المصيصي، وأحمد بن مروان الدينوري، وسليمان الطبراني، وآخرون.
٢٨ - أحمد بن داود، أبو حنيفة الدينوري النحوي صاحب ابن السكيت.
ثقة، بارع الأدب، كثير الفنون، كبير الدائرة، طويل النفس. له مصنفات عديدة في العربية واللغة والهندسة والهيئة، والوقت، وغير ذلك.
ذكره الوزير القفطي، قال (٤): توفي لأربع بقين من جمادى الأولى سنة
стр. 6606
اثنتين وثمانين ومائتين.
٢٩ - أحمد بن داود بن موسى أبو عبد الله السدوسي البصري، ثم المكي. نزيل مصر.
حدث عن: عبد الله بن أبي بكر العتكي، ومسلم بن إبراهيم، وجماعة. وعنه: الطبراني، وغيره.
قال ابن يونس: ثقة. توفي في صفر سنة اثنتين أيضًا.
٣٠ - أحمد بن داود السمناني.
عن: أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن حميد الرازي.
توفي سنة تسعين.
٣١ - أحمد بن دبيس الموصلي.
عن: غسان بن الربيع، ومعلى بن مهدي. روى عنه: يزيد في تاريخه. وقال: مات سنة تسع وثمانين.
٣٢ - أحمد بن ربيعة بن سليمان بن زبر. والد القاضي عبد الله بن زبر، وجد المحدث أبي سليمان محمد بن عبد الله.
سمع: إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر، ومحمد بن المثنى، وجماعة.
وعنه: ابنه.
توفي سنة ست وثمانين.
٣٣ - أحمد بن رضوان بن حمار البخاري.
سمع: أبا حفص أحمد بن حفص، ومحمد بن سلام البيكندي، وغيرهما.
مات سنة ست أيضًا.
٣٤ - أحمد بن رواغ (١) بن برد، أبو الحسن الأيدعاني المصري.
روى عن: يحيى بن بكير، وعمرو بن خالد، وجماعة. وكان كريمًا جوادًا ثقة. توفي سنة ست وثمانين، قاله ابن يونس.
٣٥ - أحمد بن روح بن زياد أبو الطيب الشعراني البغدادي.
له مصنفات في الزهد وغير ذلك. روى عن: عبد الله بن خبيق الأنطاكي،
стр. 6607
ومحمد بن حرب النسائي، والحسن الزعفراني. وأقام بأصبهان، روى عنه: أبو أحمد العسال، وأحمد بن بندار الشعار، والطبراني. وإنما سمع منه الطبراني ببغداد (١).
٣٦ - أحمد بن زياد بن مهران، أبو جعفر البغدادي البزاز السمسار.
عن: سليمان بن حرب، وزكريا بن عدي، وأبي نعيم، ومعاوية بن عمرو، وطائفة. وعنه: أحمد بن عثمان الأدمي، ومحمد بن نجيح، وأبو عمر الزاهد، وغيرهم. وكان شاهدًا معدلًا صدوقًا.
توفي في صفر سنة إحدى وثمانين (٢).
٣٧ - أحمد بن زياد الرقي الحذاء.
روى عن: حجاج الأعور. وهو من كبار شيوخ الطبراني (٣).
٣٨ - أحمد بن سلمة بن عبد الله، أبو الفضل النيسابوري البزاز المعدل الحافظ.
رفيق مسلم في الرحلة إلى قتيبة وإلى البصرة. ثم جمع له مسلم الصحيح على كتابه. سمع: قتيبة، وابن راهويه، ومحمد بن مهران، وأبا كريب، ومحمد بن حميد، وعبد الله بن معاوية، وعثمان بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وطبقتهم فأكثر. روى عنه: ابن وارة، وأبو زرعة، وأبو حاتم وهم أكبر منه، وأبو حامد ابن الشرقي الحافظ، ويحيى بن منصور القاضي، وسليمان بن محمد بن ناجية، وعلي ابن عيسى، وأبو الفضل محمد بن إبرهيم الهاشمي وطائفة.
قال أبو الفضل الهاشمي: توفي في غرة جمادى الآخرة سنة ست وثمانين.
قال أبو القاسم النصرآباذي: رأيت أبا علي الثقفي في النوم، فقال: عليك بصحيح أحمد بن سلمة (٤).
стр. 6608
٣٩ - أحمد بن سليمان بن أبي الربيع الأندلسي الفقيه.
روى عن: سحنون، وسعيد بن حسان، والحارث بن مسكين، وغيرهم. ورحل إلى مصر.
توفي سنة سبع وثمانين بحاضرة إلبيرة من الأندلس (١).
٤٠ - أحمد بن سهل بن الربيع بن سليمان الجهني. مولاهم الإخميمي.
عن: يحيى بن بكير، ويحيى بن سليمان الجعفي، وإبراهيم بن الغمر.
توفي سنة إحدى وثمانين.
٤١ - أحمد بن سهل أبو حامد الإسفراييني.
عن: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن حجر، وعنه ابن أبي حاتم، وقال (٢): صدوق.
٤٢ - أحمد بن سهل البلخي، الفقيه حمدان (٣).
عن: القعنبي، ومسلم بن إبراهيم.
وهو صدوق. تفقه عليه: محمد بن عقيل البلخي.
ولعله مات قبل هذا الوقت.
٤٣ - أحمد بن سهل بن بحر النيسابوري.
عن: داود بن رشيد، ودحيم، وإسحاق بن راهويه، وطبقتهم. وله رحلة إلى الشام والعراق. روى عنه: محمد بن صالح بن هانئ، وأبوعبد الله بن الأخرم. وكان ابن الأخرم يعتمده أي اعتماد.
توفي سنة اثنتين وثمانين.
٤٤ - أحمد بن صالح بن عبد الصمد بن أبي خداش. أبو جعفر الموصلي.
عن: جده لأمه محمد بن علي، وغسان بن الربيع. وعنه: يزيد بن محمد الأزدي.
стр. 6609
توفي سنة خمس وثمانين، وكان رجلًا صالحًا صدوقًا.
٤٥ - أحمد بن الضوء بن المنذر الشيباني البخاري.
توفي بكرمينية في صفر سنة اثنتين وثمانين (١).
٤٦ - أحمد المعتضد بالله أمير المؤمنين أبو العبا ابن ولي العهد أبي أحمد طلحة الموفق بالله ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم ابن الرشيد الهاشمي العباسي.
ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومائتين في دولة جده. وقدم دمشق سنة إحدى وسبعين لحرب خمارويه الطولوني؛ فالتقوا على حمص، فهزمهم أبو العباس. ثم دخل دمشق ومر بباب البريد، فالتفت فوقف ينظر إلى الجامع، فقال: أي شيء هذا؟ قالوا: الجامع. ثم نزل بظاهر دمشق بمحلة الراهب أيامًا، وسار فالتقى خمارويه عند الرملة.
واستخلف بعد عمه المعتمد في رجب سنة تسع وسبعين وكان ملكًا شجاعًا مهيبًا، أسمر نحيفًا، معتدل الخلق، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شديد الوطأة، من أفراد خلفاء بني العباس. كان يقدم على الأسد وحده لشجاعته.
قال المسعودي (٢): كان المعتضد قليل الرحمة؛ قيل إنه كان إذا غضب على قائد أمر بأن يحفر له حفيرة ويلقى فيها، ويطم عليه. قال: وكان ذا سياسة عظيمة.
وعن عبد الله بن حمدون أن المعتضد تصيد فنزل إلى جانب مقثأة وأنا معه. فصاح الناطور، فقال: علي به. فأحضر فسأله، فقال: ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها. فجيء بهم فضربت أعناقهم في المقثأة من الغد. فكلمني بعد مدة، وقال: اصدقني فيما ينكر علي الناس؟ قلت: الدماء. قال: والله ما سفكت دمًا حرامًا منذ وليت. قلت: فلم قتلت أحمد بن الطيب؟ قال: دعاني إلى الإلحاد. قلت: فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة؟ قال: والله ما قتلتهم، وإنما
стр. 6610
قتلت لصوصًا قد قتلوا، وأوهمت أنهم هم.
وقال البيهقي، عن الحاكم، عن أبي الوليد حسان بن محمد الفقيه، عن ابن سريج، عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد، وعلى رأسه أحداث صباح الوجوه روم، فنظرت إليهم، فرآني المعتضد أتأملهم، فلما أردت القيام أشار إلي ثم قال: أيها القاضي، والله ما حللت سراويلي على حرام قط. ودخلت مرة، فدفع إلي كتابًا، فنظرت فيه، فإذا قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: مصنف هذا زنذيق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة. ومن أباح المتعة لم يبح الغناء. وما من عالم إلا له زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه. فأمر بالكتاب فأحرق.
وقال أبو علي المحسن التنوخي عن أبيه: بلغني عن المعتضد أنه كان جالسًا في بيت يبنى له، فرأى في جملتهم أسود منكر الخلقة يصعد على السلالم درجتين درجتين، ويحمل ضعف ما يحملونه، فأنكر أمره، فأحضره وسأله عن سبب ذلك، فتلجلج. وكلمه ابن حمدون فيه وقال: من هذا حتى صرفت فكرك إليه؟ قال: قد وقع في خلدي أمر ما أحسبه باطلًا. ثم أمر به فضرب مائة، وتهدده بالقتل ودعا بالنطع والسيف، فقال: لي الأمان؟ قال: نعم. فقال: أنا أعمل في أتون الآجر، فأتى علي منذ شهور رجل في وسطه هميان (١)، فتبعته. فجلس بين الآجر ولا يعلم بي، فحل هميانه وأخرج دنانير، فوثبت عليه وسددت فاه، وكتفته وألقيته في الأتون، والدنانير معي يقوى بها قلبي، فاستحضرها فإذا على الهميان اسم صاحبه، فأمر فنودي في البلد، فجاءت امرأة فقالت: هو زوجي، ولي منه طفل. فسلم الذهب إليها، وهو ألف دينار، وضرب عنق الأسود.
قال: وبلغني عن المعتضد أنه قام في الليل فرأى بعض الغلمان المردان قد وثب على غلام أمرد، ثم دب على أربعة حتى اندس بين الغلمان فجاء المعتضد فوضع يده على فؤاد واحد واحد حتى وضع يده على ذلك الفاعل، فإذا به يخفق، فوكزه برجله فجلس، فقتله.
стр. 6611
قال: وبلغنا عنه أن خادمًا له أتاه فأخبره أن صيادًا أخرج شبكته، وهو يراه، فثقلت، فجذبها، وإذا فيها جراب، فظنه مالًا، ففتحه فإذا فيه آجر، وبين الآجر كف مخضوبة بحناء. فأحضر الجراب. فهال ذلك المعتضد، فأمر الصياد، فعاود طرح الشبكة، فخرج جراب آخر فيه رجل. فقال: معي في بلدي من يقتل إنسانًا ويقطع أعضاءه ولا أعلم به؟ ما هذا ملك. فلم يفطر يومه، ثم أحضر ثقة له وأعطاه الجراب وقال: طف به على من يعمل الجرب ببغداد لمن باعه. فغاب الرجل وجاء، فذكر أنه عرف بائعه بسوق يحيى، وأنه اشترى منه عطار جرابًا. فذهب إليه فقال: نعم، اشترى مني فلان الهاشمي عشرة جرب، وهو ظالم من أولاد المهدي. وذكر طرفا من أخباره إلى أن قال: يكفيك أنه كان يعشق جارية مغنية لإنسان، فاكتراها منه، وادعى أنها هربت. فلما سمع المعتضد سجد لله شكرًا، وأحضر الهاشمي، فأخرج إليه اليد والرجل، فامتقع لونه واعترف. فأمر المعتضد بدفع ثمن الجارية إلى صاحبها، ثم سجن الهاشمي. فيقال إنه قتله.
قال التنوخي: وحدثنا أبو محمد بن سليمان قال: حدثني أبو جعفر بن حمدون؛ قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن حمدون قال: كنت قد حلفت لا أعقل مالًا من القمار، ومهما حصل صرفته في ثمن شمع أو نبيذ أو خدر مغنية. فقمرت المعتضد يومًا سبعين ألفًا، فنهض يصلي سنة العصر، فجلست أفكر وأندم على اليمين، فلما سلم قال: في أي شيء فكرت؟ فما زال بي حتى أخبرته. فقال: وعندك أني أعطيك سبعين ألفًا في القمار؟ قلت له: فتضغوا (١)؟ قال: نعم، قم ولا تفكر في هذا. ثم قام يصلي، فندمت ولمت نفسي لكوني أعلمته، فلما فرغ من صلاته قال: اصدقني عن الفكر الثاني؛ فصدقته. فقال: أما القمار فقد قلت إني ضغوت، ولكن أهب لك من مالي سبعين ألفًا. فقبلت يده وقبضت المال.
وقال ابن المحسن التنوخي، عن أبيه: رأيت المعتضد وعليه قباء أصفر، وكنت صبيًا، وكان خرج إلى قتال وصيف بطرسوس.
стр. 6612
وعن خفيف السمرقندي قال: خرجت مع المعتضد للصيد، وقد انقطع عنا العسكر، فخرج علينا أسد فقال: يا خفيف أفيك خير؟ قلت: لا. قال: ولا تمسك فرسي؟ قلت: بلى. فنزل وتحزم وسل سيفه وقصد الأسد، فقصده الأسد، فتلقاه المعتضد بسيفه قطع يده، فتشاغل الأسد بها، فضربه فلق هامته، ومسح بسيفه في صوفه وركب. قال: وصحبته إلى أن مات، فما سمعته يذكر ذلك لقلة احتفاله بما صنع.
قلت: وكان المعتضد يبخل ويجمع المال. وقد ولي حرب الزنج وظفر بهم. وفي أيامه سكنت الفتن لفرط هيبته.
وكان غلامه بدر على شرطته، وعبيد الله بن سليمان على وزارته، ومحمد بن شاه على حرسه. وكانت أيامه أيامًا طيبة كثيرة الأمن والرخاء. وكان قد أسقط المكوس، ونشر العدل، ورفع الظلم عن الرعية.
وكان يسمى السفاح الثاني، لأنه جدد ملك بني العباس، وكان قد خلق وضعف وكاد يزول. وكان في اضطراب بين من وقت موت المتوكل.
وبلغنا أنه أنشأ قصرًا أنفق عليه أربع مائة ألف دينار. وكان مزاجه قد تغير من كثرة إفراطه في الجماع، وعدم الحمية بحيث إنه أكل في علته زيتونًا وسمكًا.
ومن عجيب ما ذكر المسعودي إن صح قال (١): شكوا في موت المعتضد، فتقدم الطبيب فجس نبضه، ففتح عينه ورفس الطبيب برجله فدحاه أذرعا، فمات الطبيب. ثم مات المعتضد من ساعته.
وعن وصيف الخادم قال: سمعت المعتضد يقول عند موته:
تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى … وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا
ولا تأمنن الدهر إني أمنته … فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا
قتلت صناديد الرجال فلم أدع … عدوا، ولم أمهل على ظنة خلقا
وأخليت دور الملك من كل بازل … وشتتهم غربا ومزقتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزا ورفعة … ودانت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتي … فها أنذا في حفرتي عاجلا ملقى
стр. 6613
فأفسدت دنياي وديني سفاهة … فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى
فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى … إلى نعمة لله أم ناره ألقى؟
وقال الصولي: ومن شعر المعتضد:
يا لاحظي بالفتور والدعج … وقاتلي بالدلال والغنج
أشكو إليك الذي لقيت من ال … وجد، فهل لي إليك من فرج؟
حللت بالظرف والجمال من النا … س محل العيون والمهج
ذكر المعتضد من تاريخ الخطبي:
قال: كان أبو العباس محبوسًا، فلما اشتدت علة أبيه الموفق عمد غلمان أبي العباس فأخرجوه بلا إذن، وأدخلوه إليه، فلما رآه أيقن بالموت. قال: فبلغني أنه قال: لهذا اليوم خبأتك، وفوض الأمور إليه. وضم إليه الجيش، وخلع عليه قبل موته بثلاثة أيام.
قال: وكان أبو العباس شهمًا جلدًا رجلًا بازلًا، موصوفًا بالرجلة والجزالة، قد لقي الحروب وعرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه الناس ورهبوه أعظم رهبة. وعقد له المعتمد العقد أنه مكان أبيه، وأجرى أمره على ما كان أبوه الموفق بالله، رسمه في ذلك، ودعي له بولاية العهد على المنابر. وجعل المعتمد ولده جميعًا تحت يد أبي العباس. ثم جلس المعتمد مجلسًا عامًا، أشهد فيه على نفسه بخلع ولده المفوض إلى الله جعفر من ولاية العهد، وإفراد المعتضد أبي العباس بالعهد في المحرم سنة تسع وسبعين، وتوفي في رجب من السنة يعني المعتمد فقيل: إنه غم في بساط حتى مات.
قال: وكانت خلافة المعتضد تسع سنين وتسعة أشهر وأيامًا. وكان أسمر نحيفًا، معتدل الخلق، أقنى الأنف، إلى الطول ما هو، في مقدم لحيته امتداد، وفي مقدم رأسه شامة بيضاء، تعلوه هيبة شديدة. رأيته في خلافته.
وقال إبراهيم بن عرفة: توفي المعتضد يوم الإثنين لثمان بقين من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين، ودفن في حجرة الرخام. وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي.
قلت: وبويع بعده ابنه المكتفي بالله علي بن أحمد، وأبطل كثيرًا من مظالم أبيه؛ ورثاه الأمير عبد الله بن المعتز الهاشمي بهذه الأبيات:
стр. 6614
يا ساكن القبر في غبراء مظلمة … بالطاهرية مقصى الدار منفردا
أين الجيوش التي قد كنت تسحبها؟ … أين الكنوز التي أحصيتها عددا
أين السرير الذي قد كنت تملؤه … مهابة، من رأته عينه ارتعدا؟
أين الأعادي الأولى ذللت مصعبهم؟ … أين الليوث التي صيرتها بعدا
أين الجياد التي حجلتها بدم … وكن يحملن منك الضيغم الأسدا
أين الرماح التي غذيتها مهجا؟ … مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا
أين الجنان التي تجري جداولها … ويستجيب إليها الطائر الغردا
أين الوصائف كالغزلان رائحة؟ … يسحبن من حلل موشية جددا
أين الملاهي؟ وأين الراح تحسبها … ياقوتة كسيت من فضة زردا؟
أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا … صلاح ملك بني العباس إذ فسدا؟
ما زلت تقسر منهم كل قسورة … وتخبط العالي الجبار معتمدا
ثم انقضيت فلا عين ولا أثر … حتى كأنك يوما لم تكن أحدا
*أحمد بن أبي الطيب
هو أبو العباس السرخسي يأتي بكنيته.
٤٧ - أحمد بن عبد العزيز الموصلي شقلاق.
عن: عاصم بن علي، وخلف البزار. أخذ عن خلف كتاب القراءات، وبقي إلى بعد الثمانين.
ذكره يزيد بن محمد في تاريخه.
٤٨ - أحمد بن عبد الوهاب الحوطي.
يقال: توفي سنة إحدى وثمانين.
وقد ذكر في الطبقة الماضية (١).
٤٩ - أحمد بن عبد القاهر بن الخيبري (٢) اللخمي الدمشقي.
شيخ لا يعرف. روى عن منبه بن عثمان.
стр. 6615
وعنه: الطبراني. ولم يعرفه ابن عساكر إلا بهذا.
٥٠ - أحمد بن عثمان أبو عبد الرحمن النسائي.
من أقران مصنف السنن سمع بمصر والشام والعراق وخراسان من: قتيبة، وأبي مصعب، وهشام بن عمار، وعيسى زغبة، وطبقتهم. وعنه: أبو حامد ابن الشرقي، وأبو عبد الله ابن الأخرم، ويحيى بن منصور القاضي، وجماعة. وروى عنه من القدماء: أبو بكر بن أبي عاصم.
قال ابن أبي حاتم (١): سمعت منه وهو ثقة صدوق.
وقال الحاكم: حدث بنيسابور سنة أربع وثمانين ومائتين.
وقد روى الطبراني، عن أحمد بن عبد الرحمن بن بشار النسائي قال: حدثنا قتيبة فذكر حديثًا. وهو هو إن شاء الله تعالى.
٥١ - أحمد بن عطية.
عن: محمد بن مقاتل، وسجادة، وطبقتهما. وعنه: مكرم بن أحمد القاضي.
٥٢ - أحمد بن عقبة بن مضرس الأصبهاني نزيل الري.
سمع: شيبان بن فروخ، وهدبة بن خالد، وجماعة. وعنه: عبد الله بن فارس الأصبهاني.
توفي سنة اثنتين وثمانين.
وله ولد صالح عابد اسمه عبيد الله، يروي عن الحسن بن عرفة (٢).
٥٣ - أحمد بن علي الخزاز أبو جعفر البغدادي المقرئ.
سمع: هوذة بن خليفة، وسريج بن النعمان، وأسيد بن زيد الجمال، وسعدويه، وأحمد بن يونس، وعاصم بن علي، وطبقتهم.
وعنه: ابن صاعد، وجعفر الخلدي، وابن السماك، وأبو بكر الشافعي، وأحمد بن يوسف بن خلاد، وجماعة.
وثقه الدارقطني (٣)، وغيره.
стр. 6616
وتوفي في المحرم سنة ست وثمانين (١).
وقد روى تلاوة عن هبيرة بن محمد التمار صاحب حفص الغاضري.
حمل عنه الحروف: ابن مجاهد، وابن شنبوذ، وأحمد بن عجلان.
وقد مر لنا:
*-أحمد بن علي الخراز الدمشقي.
كان بعد الستين ومائتين (٢).
٥٤ - أحمد بن علك الجوهري المروزي أبو العباس، والد عمر (٣).
سمع يحيى بن يحيى، وابن راهويه، والعرني. وسمع بالشام والحجاز. وعنه: ابنه عمر، وإبراهيم بن محمد السكري، ومحمد بن سليمان بن فارس، وغيرهم.
واسم أبيه: علي.
٥٥ - أحمد بن علي بن سهل بن عيسى بن نوح المروزي ثم الدوري. حدث بمصر عن: عبيد الله القواريري، وعلي بن الجعد، ويحيى بن معين، وخلف بن هشام البزار، وطائفة.
وعنه: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الأذرعي، وعبد الله بن جعفر بن الورد، وأحمد بن إبراهيم بن الحداد، وغيرهم (٤).
٥٦ - أحمد بن علي بن الحسن بن جابر البربهاري. أبو العباس.
سمع: عفان، وعاصم بن علي، ومحمد بن سابق، وجماعة.
وعنه: عبد الصمد الطستي، وابن قانع، وعثمان بن محمد، وأبو أحمد العسال، والطبراني، وآخرون.
وثقه الخطيب (٥).
٥٧ - أحمد بن علي بن مسلم. أبو العباس الأبار الحافظ.
стр. 6617
نزل بغداد وحدث عن: مسدد، وأمية بن بسطام، وعلي بن الجعد، وشيبان بن فروخ، ودحيم، وهشام بن عمار، ومحمد بن المنهال، وخلق، بالشام والعراق وخراسان.
وعنه: ابن صاعد، ودعلج، والنجاد، وأبو سهل بن زياد، وأبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي، وخلق.
قال الخطيب (١): كان ثقة حافظًا متقنًا، حسن المذهب. توفي يوم نصف شعبان سنة تسعين.
وقال أبو سهل: سمعته يقول: بايعت النبي ﷺ في النوم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وقال جعفر الخلدي: كان أحمد الأبار من أزهد الناس. استأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة فلم تأذن ثم ماتت، فخرج إلى خراسان، ثم وصل إلى بلخ وقد مات قتيبة. وكانوا يعزونه على هذا فقال: هذا ثمرة العلم، لأني اخترت رضى الوالدة.
قال أحمد بن جعفر بن سلم: سمعته يقول: كنت بالأهواز، فرأيت رجلًا قد حف شاربه، وأظنه قد اشترى كتبًا، وتعين للفتوى، فذكر له أصحاب الحديث فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئًا. فقلت: أنت لا تحسن تصلي. قال: أنا؟ قلت: نعم؛ أيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا افتتحت ورفعت يديك؟ فسكت. فقلت: أيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا سجدت؟ فسكت. فقلت: ألم أقل لك: إنك لا تحسن تصلي؟ أنت إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين، والظهر أربعًا، فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث.
قلت: وله تاريخ وتصانيف.
٥٨ - أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد بن مسلم. القاضي أبو بكر الشيباني الحافظ الزاهد الفقيه، قاضي أصبهان بعد صالح ابن الإمام أحمد.
ولد في حياة جده، ولم يدرك السماع منه. وسمع أبا الوليد الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن كثير، وأبا سلمة التبوذكي، وهو جده لأمه، وأبا عمر الحوضي، وهدبة بن خالد، والأزرق بن علي، وأبا كامل الجحدري،
стр. 6618
وهشام بن عمار، ودحيمًا، وخلقًا كثيرًا بالبصرة، والكوفة، وبغداد، ودمشق، وحمص، والحجاز، والنواحي.
وعنه: عبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو العباس أحمد بن بندار الشعار، وأحمد بن جعفر بن معبد، وأبو الشيخ الحافظ، ومحمد بن إسحاق بن أيوب، وعبد الرحمن بن محمد بن سياه، ومحمد بن أحمد الكسائي، والقاضي أبو أحمد العسال، وطائفة.
وقال ابن أبي حاتم (١): صدوق.
قلت: صنف كتابًا حافلًا في السنن، وقع لنا عدة كتب صغار منه. وكان فقيهًا إمامًا يفتي بظاهر الأثر. وله قدم في العبادة والورع والعلم. وقد ولي قضاء أصبهان ست عشرة سنة. ثم صرف لشيء وقع بينه وبين علي بن متويه. وكانت كتبه قد ذهبت بالبصرة في فتنة الزنج، وقال: لم يبق لي شيء من كتبي، فأعدت من ظهر قلبي خمسين ألف حديث. كنت أمر إلى دكان بقال، فأكتب بضوء سراجه، ثم فكرت أني لم أستأذن صاحب السراج، فذهبت إلى البحر، فغسلت ما كتبت، ثم أعدته ثانيًا.
هذا الكلام رواه أبو الشيخ في تاريخه (٢)، عن ولده عبد الرزاق، عن أبي عبد الله محمد بن أحمد الكسائي، عن ابن أبي عاصم.
وروى أبو الشيخ (٣)، عن ابنه، عن أحمد بن محمد بن عاصم، عنه قال: وصل إلي من دراهم القضاء زيادة على أربع مائة ألف درهم، لا يحاسبني الله يوم القيامة أني شربت منها شربة ماء.
وعن محمد بن خفيف الصوفي قال: سمعت الحكيمي يقول: ذكرعند أبي ليلى الديلمي أن أبا بكر بن أبي عاصم ناصبي، فبعث غلامًا بسيف ومخلاة وقال: ائتني برأسه. فجاء الغلام وأبو بكر يروي الحديث فقال: أمرني أن أحمل إليه رأسك. قال: فنام على قفاه، ووضع الكتاب على وجهه وقال: افعل ما شئت. فلحقه آخر فقال: أمرك الأمير أن لا تقتله. فقعد أبو بكر ورجع إلى الحديث، فعجب الناس منه. رواها ابن عساكر في تاريخه (٤).
стр. 6619
وقال محمد بن أحمد الكسائي: كنت جالسًا عند أبي بكر، فقال رجل: أيها القاضي، بلغنا أن ثلاثة كانوا بالبادية يقلبون الرمل، فقال أحدهم: اللهم إنك قادر على أن تطعمنا خبيصًا على لون هذا الرمل، فإذا هم بأعرابي بيده طبق، فوضعه بين أيديهم، خبيص حار. فقال ابن أبي عاصم: قد كان ذلك.
قال الكسائي: كان الثلاثة: هو، وعثمان بن صخر الزاهد أستاذ أبي تراب النخشبي، وأبو تراب. وكان أبو بكر هو الذي دعا.
قال الكسائي: رأيت أبا بكر فيما يرى النائم، كأنه يصلي من قعود، فسلمت، فرد علي، فقلت: أنت أحمد بن عمرو؟ قال: نعم. قلت: ما فعل الله بك؟ قال: يؤنسي ربي. قلت: يؤنسك ربك؟ قال: نعم. فشهقت شهقة فانتبهت.
وقال ابن الأعرابي في طبقات النساك: وأما ابن أبي عاصم فسمعت من يذكر أنه كان يحفظ لشقيق البلخي ألف مسألة، وكان من حفاظ الحديث والفقه. وكان مذهبه القول بالظاهر ونفي القياس. وقد ولي قضاء أصبهان.
وقال أبو نعيم الحافظ (١): ابن أبي عاصم من ذهل بن شيبان، كان فقيهًا ظاهري المذهب. ولي القضاء بأصبهان ست عشرة سنة، أو قيل ثلاث عشرة سنة، بعد وفاة صالح. توفي في ربيع الآخر سنة سبع وثمانين.
٥٩ - أحمد بن عمرو أبو جعفر الفارسي الوراق المقعد.
طوف وسمع: هدبة بن خالد، وشيبان بن فروخ، وجماعة. وسكن دمشق. روى عنه: خيثمة، وعلي بن أبي العقب، وأبو علي محمد بن هارونوبقي إلى بعد الثمانين.
وثقه خيثمة (٢).
٦٠ - أحمد بن عيسى، أبو سعيد الخراز البغدادي العارف، شيخ الصوفية.
حدث عن: إبراهيم بن بشار صاحب إبراهيم بن أدهم، وعن: محمد بن منصور الطوسي. وعنه: علي بن محمد الواعظ المصري، وأبو محمد
стр. 6620
الجريري، وعلي بن حفص الرازي، ومحمد بن علي الكتاني، وجماعة.
وصحب السري السقطي؛ وأخذ عن ذي النون. ويقال: إنه أول من تكلم في علم الفناء والبقاء.
وقال أبو القاسم عثمان بن مردان النهاوندي: أول ما لقيت أبا سعيد الخراز سنة اثنتين وسبعين ومائتين، فصحبته أربع عشرة سنة. قال: وتوفي سنة ست وثمانين.
وعن غيره أن أبا سعيد توفي سنة سبع وسبعين.
وقال السلمي: أبو سعيد إمام القوم في كل فن من علومهم. له في مبادئ أمره عجائب وكرامات ظهرت بركته عليه وعلى من صحبه. وهو أحسن القوم كلامًا خلا الجنيد، فإنه الإمام.
وقال أبو القاسم القشيري (١): صحب ذا النون، والنباجي، والسري، وبشرًا.
قال: ومن كلامه: كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل.
وقال أبو بكر ابن الطرسوسي: أبو سعيد الخراز قمر الصوفية.
وعن أبي سعيد قال: أوائل الأمر التوبة، ثم ينتقل إلى مقام الخوف، ثم ينتقل منه إلى مقام الرجاء، ثم منه إلى مقام الصالحين، ثم ينتقل منه إلى مقام المريدين، ثم ينتقل منه إلى مقام المطيعين، ثم ينتقل منه إلى مقام المحبين، ثم ينتقل منه إلى مقام المشتاقين، ثم ينتقل منه إلى مقام الأولياء، ثم ينتقل منه إلى مقام المقربين.
وقال السلمي: أنكر على أبي سعيد أهل مصر وكفروه بألفاظه، فإنه قال في كتاب السر فإذا قيل لأحدهم: ما تقول؟ قال: الله؛ وإذا تكلم قال: الله؛ وإذا نظر قال: الله؛ فلو تكلمت جوارحه قالت: الله. وأعضاؤه مملوءة من الله؛ فأنكروا عليه هذه الألفاظ، وأخرجوه من مصر ثم رد بعد عزيزا.
وعن الجنيد قال: لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخراز لهلكنا، فقيل لإبراهيم بن شيبان: وأيش كان حاله؟ قال: أقام كذا كذا سنة يخرز، ما فاته الحق بين الخرزتين.