← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

القرآن: أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الولي، وأخبر أنه قرأ على الدوري (١). ٥٣٣ - علي بن الحسين، أبو الحسن ابن الرقي الوزان المقرئ. شيخ بغدادي، لا يعرف إلا من جهة أبي أحمد السامري. ذكره الداني فقال: أخذ القراءة عرضًا عن: أبي شبيب السوسي، وقنبل، وعبد الرحمن بن عبدوس، وأحمد بن علي الخزاز، وإسحاق الخزاعي. مشهور ثقة. روى عنه القراءة عرضًا: عبد الله بن الحسين، يعني السامري. نسبه لنا فارس بن أحمد، عنه. ٥٣٤ - علي بن الفتح، أبو الحسن العسكري الرومي. روى حديثًا عن: الحسين بن عرفة، رواه: الدارقطني، والقاضي أبو بكر الأبهري، وابن شاهين (٢). ٥٣٥ - علي بن محمد بن حاتم، أبو الحسين القومسي، نزيل قزوين. حدث ببغداد عن: محمد بن عزيز الأيلي. روى عنه: أبو بكر الوراق، والحربي (٣). ٥٣٦ - علي بن المبارك، أبو الحسن المسروري. سمع: عبد الأعلى بن حماد، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وجماعة. وعنه: أبو أحمد الحاكم (٤). ٥٣٧ - علي بن موسى بن محمد بن النضر، أبو القاسم الأنباري. حدث ببغداد عن: محمد بن وزير، وزياد بن أيوب، ويعقوب الدورقي، وجماعة. وعنه: أبو القاسم بن النخاس، وأبو عمر بن حيويه، وعمر بن شاهين. وثقه ابن النخاس (٥).

стр. 7387

٥٣٨ - علي بن الحسن بن الحارث بن غيلان، أبو القاسم المروذي البغدادي. عن: زياد بن أيوب، ومحمد بن سهل بن عسكر، وابن عرفة، وعدة. وعنه: أبو الفضل الزهري، وعلي بن عمر السكري، وعمر بن نوح. وثقه الخطيب (١). ٥٣٩ - عمر بن عثمان بن الحارث بن ميسرة الزغيثي (٢) الحمصي. روى عن: عطية بن بقية بن الوليد، وأبي سعيد الأشج. وعنه: الحسين بن أحمد بن عتاب، وابن المقرئ. ٥٤٠ - عمر بن محمد بن شعيب الصابوني. حدث عن: عبد الله المخرمي، وحنبل، وجماعة. وعنه: عبيد الله الزهري، وابن المظفر، والدارقطني، وجماعة. وثقه الخطيب (٣). ٥٤١ - عمر بن محمد بن عيسى الجوهري السذابي. شيخ بغدادي. سمع: محمود بن خداش، والحسن بن عرفة، والأثرم. وعنه: الشافعي، وابن بخيت، ومحمد بن الشخير، وغيرهم. قال الخطيب (٤): في حديثه نكرة. ٥٤٢ - عيسى بن عمر بن العباس بن حمزة بن عمرو بن أعين، أبو عمران السمرقندي، صاحب أبي محمد الدارمي. شيخ مستور مقبول. روى عنه: أبو الحسن محمد بن عبد الله الكاغدي، وعبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، وغيرهما.

стр. 7388

لا أعلم متى توفي، إلا أنه كان في هذا العصر حيًا. ٥٤٣ - الفضل بن إسماعيل البغدادي الغلفي، أبو غانم. عن: الحسن الزعفراني، والرمادي، وطبقتهما. وعنه: الدارقطني، وابن شاهين، ويوسف القواس (١). ٥٤٤ - الفضل بن محمد بن حماد السلمي الحراني، أبو معشر بن أبي معشر، أخو أبي عروبة. شيخ مسن كأخيه. سمع: عبد السلام بن عبد الحميد الإمام، وجده عمرو بن أبي عمرو سعيد بن زاذان، والزبير بن بكار. وعنه: ابن المقرئ، وأبو أحمد الحاكم. ٥٤٥ - القاسم بن عيسى، أبو بكر العصار. دمشقي مشهور، ثقة. سمع: مؤمل بن إهاب، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وعبد السلام بن عتيق، وموسى بن عامر المري، وطبقتهم. وعنه: محمد بن حميد بن معتوق، وأبو هاشم عبد الجبار، ومحمد بن المظفر، وأبو بكر الربعي، وأبو أحمد الحاكم، وابن المقرئ (٢). ٥٤٦ - القاسم بن محمد بن عبد الرحمن، أبو الحسن الجدي، ثم المكي البزاز. سمع: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، والحسن الحلواني، والحسين بن الحسن المروزي. روى عنه: أبو بكر ابن المقرئ، وأبو أحمد الحاكم. ٥٤٧ - محمد بن أحمد بن حمدان، أبو الطيب المروروذي ثم الرسعني الوراق. يروي عن: الربيع بن سليمان، وأبي عتبة الحمصي، وإسحاق بن شاهين، وأبي هشام الرفاعي، وطائفة كثيرة. وعنه: بكير الطرسوسي،

стр. 7389

وعبد الله بن عدي ورماه بوضع الحديث (١)، وأبو أحمد الحاكم. وقال أبو عروبة الحراني: ما رأيت في الكذابين أصفق وجهًا منه. ٥٤٨ - محمد بن أحمد بن سلم، أبو العباس الرقي الضراب، نزيل حران. سمع: محمد بن سليمان لوينا، وسليمان بن عمر الأقطع، وإسحاق بن موسى الأنصاري، وجماعة. وعنه: ابن المقرئ، وأبو أحمد الحاكم. ٥٤٩ - محمد بن أحمد بن عمر الرملي الضرير المقرئ، أبو بكر الداجوني الكبير. من شيوخ القراءة. تلا على: العباس بن الفضل الرازي، ومحمد بن موسى الصوري، وهارون بن موسى الأخفش الدمشقي، وجماعة بعدة روايات. وكان كثير التطواف. قرأ عليه: عبد الله بن محمد بن فورك القباب، وأبو بكر بن مجاهد، وأحمد العجلي شيخ أبي علي الأهوازي، وزيد بن أبي بلال، وأبو بكر الشذائي، والعباس بن محمد الرملي الداجوني الصغير، ومحمد بن أحمد الباهلي. ٥٥٠ - محمد بن إبراهيم بن شعيب الغازي، أبو الحسين الحافظ الجرجاني. ثقة مشهور. سمع: أبا حفص الفلاس، وابن أبي الشوارب، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، والذهلي، وأبا زرعة الرازي، والبخاري. روى عنه: ابن عدي، والإسماعيلي، وأبو أحمد الحاكم. ٥٥١ - محمد بن إبراهيم بن أبي الجحيم، أبو كثير الشيباني البصري. حدث ببغداد عن: يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، ومحمد بن إسماعيل الصائغ، وطبقتهم. روى عنه: محمد بن المظفر، وابن حيويه، وابن شاهين.

стр. 7390

قال حمزة السهمي (١): سألت عنه أبا محمد غلام الزهري فوثقه (٢). ٥٥٢ - محمد بن أيوب بن مشكان، أبو عبد الله النيسابوري. حدث عن: المنسجر بن الصلت القزويني، وأبي عتبة الحمصي، ومحمد بن عمر بن أبي السمح. روى عنه: أبو بكر بن أبي دجانة، وأبو هاشم المؤدب، وأبو بكر ابن المقرئ، وجماعة. ٥٥٣ - محمد بن حصن بن خالد، أبو عبد الله البغدادي الألوسي. سمع: محمد بن معمر البحراني، ومحمد بن زنبور المكي، ومحمد بن زياد الزيادي، وعلي بن الحسين الدرهمي، وجماعة. وحدث بدمشق. وعنه: محمد بن حميد بن معيوف، وأحمد بن جعفر بن حمدان الطرسوسي، والطبراني (٣)، وأبو بكر ابن المقرئ، وجماعة. ٥٥٤ - محمد بن سعيد بن محمد، أبو بكر الترخمي الحمصي الحافظ، وقيل اسمه: محمد بن جعفر بن سعيد. سمع: أباه، والحسن بن علي بمعان، وأبا أمية الطرسوسي، وسعيد بن عمرو السكوني، وطائفة. وعنه: محمد بن المظفر، وأبو المفضل محمد بن عبد الله الشيباني، وأبو الخير أحمد بن علي الحمصي الحافظ، وأبو الفضل جعفر بن الفرات الوزير، وآخرون. وترخم: بطن من يحصب. ٥٥٥ - محمد بن الحسن، أبو بكر العجلي الكاراتي. روى عن: سعدان بن نصر، وطبقته. روى عنه: أبو عمرو ابن السماك، وأبو بكر بن شاذان (٤). ٥٥٦ - محمد بن سليمان بن محبوب، أبو عبد الله الحافظ المعروف بالسخل.

стр. 7391

روى عن: محمد بن عوف الحمصي، وجماعة. وعنه: الجعابي، وابن المظفر، وجماعة (١). ٥٥٧ - محمد بن عبد الله بن محمد بن أعين الطائي، الحمصي، أبو بكر. سمع: محمد بن عوف، والعباس بن الوليد بن مزيد، ويزيد بن عبد الصمد، وجماعة. وعنه: أبو بكر ابن المقرئ، وأبو أحمد الحاكم، والحسن بن عبد الله الكندي. والطبراني (٢)، وغيرهم (٣). ٥٥٨ - محمد بن عبد الله بن سعيد، أبو الحسن المهراني. سمع: محمد بن الوليد البسري، والحسن بن محمد الزعفراني، ومحمد بن بشار. وعنه: محمد بن أحمد الإخميمي. ٥٥٩ - محمد بن سفيان بن موسى المصيصي، أبو يوسف الصفار. روى عن: محمد بن آدم المصيصي، ومحمد بن قدامة، وسعيد بن رحمة. وعنه: ابن المقرئ، وأبو أحمد الحاكم. ٥٦٠ - محمد بن عبد الله بن ثابت، أبو بكر الأشناني. بغدادي كذاب. روى عن: علي بن الجعد، وأحمد بن حنبل. وعنه: أبو بكر بن شاذان، وغيره. قال الدارقطني (٤): هو دجال. ٥٦١ - محمد بن المبارك بن عبد الملك المعافري المصري. حدث عن: دحيم، وغيره. وعنه: ابن يونس. وتوفي سنة بضع عشرة. ٥٦٢ - محمد بن علي القاضي، أبو عبد الله المروزي الزاهد العابد، الملقب بالخياط، لأنه كان يخيط على الأيتام والمساكين حسبةً.

стр. 7392

ولي قضاء نيسابور سنة ثمانٍ وثلاثمائة، إلى أن استعفى سنة إحدى عشرة. ورد الخريطة، خريطة الحكم، ابتداءً منه إلى الرئيس أبي الفضل البلعمي، فلم يشرب لأحد ماءً، ولا عثر عليه في الدين والدنيا على زلة. وكان لا يدع سماع الحديث وهو على القضاء، ولا يتخلف عن مجالس أبي العباس السراج. وقد كان سمع من: علي بن خشرم، ومحمود بن آدم، وأحمد بن سيار، والمشايخ. وسئل أن يحدث فلم يحدث إلا في المذاكرة بالشيء بعد الشيء. قاله الحاكم. وقال: سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: مررت أنا وأبو الحسن الصباغ على باب مسجد رجاء، ومحمد بن علي الخياط جالس وكاتبه بحذائه، وليس معهما أحد. فقلنا: نحتسب ونتقدم إليه، ويدعي أحدنا على الآخر. فتقدمنا وجلسنا، فادعيت أنا أو هو أني سمعت في كتابه، وليس يعيرني سماعي. فسكت ساعةً ثم قال: بإذنك سمع في كتابك؟ قال: نعم. قال: فأعره سماعه. وقال الحاكم: سمعت أبي يقول: كان محمد بن علي الحاكم المروزي طول أيامه يسكن دار ابن حمدون بحذاء دارنا، وكنت أعرفه يخيط بالليل، وعند فراغه بالنهار، للأيتام والضعفاء، ويعدها صدقة. سمعت محمد بن عبدان خادم الجامع يقول: كان محمد بن علي الحاكم يجيء في كل أسبوع ليلةً إلى الجامع، فيتعبد إلى الصباح من حيث لا يعرف غيري. فصادفته ليلةً وهو يتلو: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فكلما تلا آية منها ضرب بيده على صدره ضربةً، أسمع صوت الضربة من شدته. قلت: ولم يورخ له موتًا. ٥٦٣ - محمد بن السري بن عثمان، أبو بكر البغدادي التمار. عن: الحسن بن عرفة، والرمادي، وعباس الدوري، وعدة. وعنه: ابن بخيت، والدارقطني، وابن زنبور الوراق، وغيرهم.

стр. 7393

كذا ذكره الخطيب (١)، ولم يورخه. ٥٦٤ - محمد بن صالح بن زغيل البصري التمار. شيخ معمر. روى عن: طالوت بن عباد، وعبد الواحد بن غياث. أدركه أبو حفص بن شاهين بالبصرة، وروى عنه. ٥٦٥ - محمد بن عبد الله بن يوسف، أبو بكر المهري. سمع: الحسن بن عرفة، وطبقته. وعنه: أبو عمر بن حيويه، وأبو بكر بن شاذان. وكان ثقة (٢). ٥٦٦ - محمد بن عبد الملك التاريخي البغدادي، أبو بكر السراج. روى عن: الحسن بن محمد الزعفراني، والرمادي، وهذه الطبقة. روى عنه: القاضي أبو الطاهر الذهلي فقط. ولقب بالتاريخي لاعتنائه التام بالتواريخ. قال الخطيب (٣): كان فاضلًا أديبًا حسن الأخبار. ٥٦٧ - محمد بن عمر بن حفص، أبو بكر القبلي الثغري. عن: هلال بن العلاء، وغيره. وعنه: ابن شاهين، وأبو بكر بن شاذان، والمعافى الجريري. قال الدارقطني (٤): ضعيف جدًا. ٥٦٨ - محمد بن علي بن الحسين بن يزيد، أبو بكر الهمذاني الصيدلاني. سمع: أحمد بن بديل، وأحمد بن محمد التبعي، وأحمد بن عصام الأصبهاني. وعنه: ابنه أحمد، وصالح بن أحمد الحافظ، والحسن بن علي بن أحمد بن سليمان البغدادي الأصبهاني.

стр. 7394

وكان سمحًا سهلًا، صالحًا صدوقًا. قاله شيرويه في الطبقات. ٥٦٩ - محمد بن علي، أبو سهل الزعفراني. سمع: أحمد بن سنان القطان، وشعيب الصريفيني. وعنه: أبو بكر بن شاذان، وأبو حفص بن شاهين (١). ٥٧٠ - محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، أخو الحافظ أبي بكر. أبو عبد الله. روى عن: شعيب بن أيوب الصريفيني بالموصل. وعنه: محمد بن المظفر (٢). ٥٧١ - محمد بن محمد بن عمرو، أبو الحسن الجارودي البصري. حدث ببغداد عن: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ونصر بن علي. روى عنه: ابن بخيت الدقاق، وابن شاهين، وعلي بن الحسن الجراحي. وهو من جملة من تجاوز مائة سنة. قال الخطيب (٣): روايته مستقيمة. حدث في سنة عشرين وثلاثمائة، وقد ولد سنة ثمان عشرة ومائتين. ٥٧٢ - محمد بن هارون بن نافع التمار، أبو بكر المقرئ. بصري نزل بغداد، وقرأ على محمد بن المتوكل رويس. وهو أجل أصحابه وأضبطهم لقراءة يعقوب. قرأ عليه: أحمد بن محمد اليقطيني، وأبو بكر النقاش، وأبو بكر ابن الأنباري، وعبد الواحد بن أبي هاشم، وعبيد الله بن سليمان النخاس، وأحمد بن محمد الشنبوذي، وأبو الحسن الغضائري، ومحمد بن محمد بن فيروز الكرجي، وعبد الله بن الحسين السامري، وآخرون. قال أبو بكر محمد بن الحسن الجلندي: قرأت على أبي بكر محمد

стр. 7395

ابن هارون التمار، وأخذ مني ثمانية عشر درهمًا. وأخبرني أنه قرأ على رويس أربعًا وعشرين ختمةً. قلت: توفي سنة بضع عشرة وثلاثمائة. ٥٧٣ - معروف بن محمد بن زياد الجرجاني. حدث ببغداد عن: الحسن بن علي بن عفان، وإسحاق بن مهران الرازي، ويحيى بن أبي طالب. وعنه: أبو بكر الأبهري، ومحمد بن عبيد الله بن الشخير، وآخرون (١). ٥٧٤ - المفجع، هو محمد بن محمد بن عبد الله البصري النحوي. من كبار النحاة. يكنى أبا عبد الله، وهو مشهور بلقبه (٢). أخذ عن: ثعلب، وغيره. وكان شاعرًا مفلقًا وشيعيًا متحرقًا، وبينه وبين ابن دريد مهاجاة، صنف كتاب الترجمان، وكتاب عرائس المجالس، وكتاب المنقذ في الإيمان، وغير ذلك. ذكره القفطي في تاريخه (٣). ٥٧٥ - منصور بن إسماعيل، أبو الحسن التميمي المصري. الفقيه الشافعي الضرير. مصنف كتاب الهداية، وكتاب الواجب، وغير ذلك. تفقه على أصحاب الشافعي. وتوفي قبل العشرين وثلاثمائة، قيل: سنة ست وثلاثمائة. ٥٧٦ - موسى بن أنس، أبو التيهان الأنصاري. عن: نصر بن علي الجهضمي. وعنه: ابن شاهين، ومحمد بن المظفر، وغيرهما (٤).

стр. 7396

٥٧٧ - وصيف بن عبد الله أبو علي الرومي الأنطاكي الأشروسني الحافظ. عني بالحديث ورحل فيه. وروى عن: أحمد بن حرب الطائي، وعلي بن سراج، وحاجب بن سليمان المنبجي، وسليمان بن سيف الحراني، وطبقتهم. وعنه: أبو زرعة، وأبو بكر ابنا أبي دجانة، وابن عدي الجرجاني، وحمزة الكناني، والطبراني (١)، وأبو جعفر محمد بن الحسن اليقطيني. بقي إلى سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. (آخر الطبقة والحمد لله).

стр. 7397

الطبقة الثالثة والثلاثون (٣٢١ - ٣٣٠ هـ)

стр. 7398

بسم الله الرحمن الرحيم. (الحوادث). سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة فيها (١): شغب الجُنْد على القاهر بالله، وهجموا الدّار، فنزل في طيّار إلى دار مؤنس فشكا إليه. فصبّرهم مُؤنس عشرة أيّام. وكان ابن مُقْلَة منحرفًا عن محمد بن ياقوت، فنقل إلى مؤنس أنّ ابن ياقوت يدبّر عليهم. فبعث مؤنس غلمان علي بن بُلَيْق إلى دار الخلافة يطلبون عيسى الطّبيب لأنه اتُّهم بالفضول. فهجموا إلى أن أخذوه من حضرة القاهر فنفاه مؤْنس إلى الموصل. واتَّفق ابن مُقْلَة ومؤْنس وبُلَيْق وابنه على الإيقاع بابن ياقوت، فعلم فاستتر وتفرّق رجاله. وجاء علي بن بُلَيْق إلى دار الخلافة، فوكّل بها أحمد بن زَيْرك، وأمره بالتضييق على القاهر وتفتيش مَن يدخل. وطالب ابن بُلَيْق القاهرَ بما كان عنده مِن أثاث أمّ المقتدر، فأعطاه إيّاه، فبيع وجُعِل في بيت المال، وصُرِفَ إلى الجُنْد. ونقل ابن بُلَيْق أمّ المقتدر إلى عند أمّهِ، فبقيت عندها مكرّمةً عشرة أيّام، وماتت في سادس جُمَادَى الآخرة. وفيها: وقع الإرجاف بأنّ علي بن بُلَيْق وكاتبه الحسن بن هارون عَزَما على سبّ معاوية على المنابر، فارتجّت بغداد. وتقدم ابن بُلَيْق بالقبض على رئيس الحنابلة أبي محمد البَرْبهاري فاستتر، فَنُفِي جماعة من أصحابه إلى البصرة. وبقي تحيُّل القاهر في الباطن على مؤْنس وابن مُقْلَة، فبلغهم فعملوا

стр. 7399

على خلْعهِ وتولية ابن المكتفي. فدبَّر ابن مُقْلَة تدبيرًا انعكس عليه. أشاعَ بأنّ القَرْمَطِي قد غلب على الكوفة، وأرسل إلى القاهر: المصلحة خروج ابن بُلَيْق إلى قتاله. ليدخل ابن بُلَيْق يقبّل يده، فيقبض عليه. ففهِمها القاهر، وكرَّر ابن مُقْلَة الطّلب بأن يدخل ابن بُلَيْق ليقبّل يده ويسير. فاسترابَ القاهرُ، وراسل الغلمان الحجريّة وفرَّقهم على الدّركاه، وراح ابن بُلَيْق إلى القاهر في عددٍ يسير، فقام إليه السّاجيّة وشتموه، فهرب واستتر، واضطّرب النّاسُ، وأصبحوا في مُسْتَهَلّ شعبان قلقين. وجاء بُلَيْق إلى دار الخليفة ليعتذر عن ابنِه، فقُبِضَ عليه وعلى أحمد بن زَيْرك، وعلى يُمْن المؤنسي صاحب شرطة بغداد وحُبِسوا وصار الجيش كلّه في دار الخليفة، فراسل مؤْنسًا وقال: أنتَ عندي كالوالد، فأْتِني تُشير عليّ. فاعتذرَ بثقل الحركة. ثم أشاروا عليه بالإتيَان، فلمّا حصل في دار الخلافة قُبِض عليه، فاختفى ابن مُقْلة، فاستوزرَ القاهر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عُبَيْد الله. وأُحْرِقت دار ابن مقلة، كما أُحْرِقت قبلَ هذه المرّة. وهرب محمد بن ياقوت إلى فارس، فكتب إليه بعهده على أصبهان، وقلَّدَ سلامة الطولوني الحجابة. وقبضَ على أبي أحمد ابن المكتفي وطيّن عليه بين حائطين، ونهبَ القاهر دُور المخالفين. ثمّ إنّه ظَفَرَ بعلي بن بُلَيْق بعد جمعة، فحبسه بعد الضَّرْب، فاضطرب رجال مؤْنس وشغبوا، وقصدوا دار الوزير محمد بن القاسم وأحرقوا بعض داره في ثامن عشر شعبان. فدخل القاهر إلى مؤنس وبُلَيْق وابنه، فأمر بذبح بُلَيْق وابنه، وذَبَح بعدهما مؤْنسًا، وأُخرجت رؤوسهم إلى النّاس وطِيْفَ بها. وكان على مؤْنس دماغٌ هائل. ثمْ ذُبح يُمن وابن زَيْرك. ثم أطلقت أرزاق الجُنْد فسكنوا. واستقامت الأمور للقاهر، وعظم في القلوب، وزيد في ألقابه: المنتقم مِن أعداء دين الله. ونقش ذلك على السّكّة ثمَ أحضر عيسى الطّبيب مِن الموصل. وأمَرَ أنْ لا يركب في طيّار سوى الوزير والحاجب، والقاضي، وعيسى الطّبيب. وفيها: خلع القاهر على أحمد بن كَيْغَلَغ، وقلّده مصرَ.

стр. 7400

وفيها: أمَرَ القاهر بتحريم القِيان والخمر، وقبضَ على المغنّين، ونفى المخانيث، وكسر آلات اللهو. وأمَرَ ببيع المغنّيات من الجواري على أنّهن سواذج (١). وكان مع ذلك يشرب المطبوخ والسّلاف، ولا يكاد يصحو مِن السُّكر، ويختار القَيْنات ويسمعهنّ. وفيها: عزل القاهر الوزير محمدًا، واستوزر أبا العبّاس بن الخصيب. وحجّ بالنّاس مؤنس الورقانيّ. وفيها: تُوُفّي أبو جعفر الطّحاوي شيخ الحنفيّة. وفي ربيع الأوّل تُوُفّي أمير مصر أبو منصور تكين الخاصّة بمصر وحُمِلَ إلى بيت المقدس، وقام بعده بالأمر ابنه محمد يسيرًا. ثمّ ولي محمد بن طُغْج. وعُزِل بابن كَيْغَلَغ بعد اثنتين وثلاثين يومًا. وقدِم على قضاء مصر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قُتيبة، ثم صُرِفَ بعد شهرين ونصف. وفيها: تُوُفّيت شغب أمّ المقتدر كما قدَّمنا. وكان دخْلها من مُغَلِّها في العام ألف ألف دينار، فتتصدّق بها، وتُخرج مِن عندها مثلها. وكانت صالحة. ولمّا قُتِل ابنها كانت مريضة، فعظُم جَزَعُها، وامتنعت من الأكل حتّى كادت تهلك. ثمّ عذّبها القاهرُ، فحلفت أنّه ما عندها مال، فقيل: ماتت في العذاب معلّقة، وقيل لا. ولم يظهر لها إلاّ ما قيمته مائة وثلاثون ألف دينار لا غير. وكان لها الأمر والنَّهْي في دولة ابنها. وقد ذكرنا قتل مؤنس الخادم الملقَّب بالمظفّر، وكان شجاعًا فاتكًا مَهِيبًا، عاش تسعين سنة، منها ستّون سنة أميرًا. وكان كلّ ما له في عُلُوٍّ ورِفْعة. كان قد أبعده المعتضد إلى مكّة، ولمّا بُويع المقتدر أحضره وفوَّض إليه الأمور. وقد مَرّ مِن أخباره. وفيها: غلبت الرُّوم على رساتيق مَلَطْية وسُمَيْساط، وصار أكثر البلد في أيديهم.

стр. 7401

سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فيها: ظهرت الدَّيْلم، وذلك لأنّ أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان، وكان من قُوّاده علي بن بُوَيه. فاقتطع مالًا جليلًا وانفرد عن مخدومه. ثم التقى هو ومحمد بن ياقوت، فهزم محمدًا واستولى على فارس. وكان بُوَيه فقيرًا صُعْلُوكًا يَصِيد السّمك، رأى كأنّه بالَ، فخرج من ذَكَره عمود نار. ثمّ تشعَّب العمود حتّى ملأ الدّنيا. فقّص رؤياه على معبّر، فقال: لا أعبرها إلاّ بألف درهم. فقال: والله ما رأيتُ عُشْرها، وإنما أنا صيّاد. ثمّ مضى وصادَ سمكة فأعطاه إيّاها، فقال له: ألكَ أولاد؟ قال: نعم. قال: أبشِرْ فإنهم يملكون الدّنيا، ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت النّار الّتي رأيتَها. وكان معه أولاده علي، والحسن، وأحمد. ثمّ مَضَتْ السُّنُون، وخرج بولده إلى خُراسان، فخدموا مرداويج بن زيار الدَّيْلَمِي، إلى أن صار علي قائدًا، فأرسله يستخرج له مالًا من الكُرْجِ، فاستخرج خمسمائة ألف درهم، فأخذ المال وأتى همذان ليملكها، فغلّق أهلها في وجهه الأبواب، فقاتلهم وفتحها عَنْوةً وقتل خلقًا. ثم صار إلى أصبهان وبها المظفّر بن ياقوت، فلم يحاربه وسارَ إلى أبيه بشيراز. ثمّ صار إلى أَرَّجان، فأخذ الأموال، وتنقّل في النّواحي، وانضم إليه خلْق، وصارت خزائنه خمسمائة ألف دينار. فجاء إلى شيراز وبها ابن ياقوت، فخرج إليه في بضع عشر ألفًا، وكان علي بن بُوَيه في ألف رجل، فهابهُ علي وسأله أن يُفْرِج له عن الطّريق لينصرف، فأبى عليه، فالتقوا فانكسر عليّ، ثمّ انهزم ابن ياقوت، ودخل علي شيراز. ثمّ إنه قلّ ما عنده فنام على ظهره، فخرجت حيّة من سقف المجلس، فأمر بنقْضه، فخرجت صناديق ملأى ذَهَبًا، فأنفقها في جُنْده. وأضاق مرّةً فطلب خيّاطًا يخيط له، وكان أَطْروشًا، فظنّ أنّه قد سُعي به، فقال: والله ما عندي سوى اثني عشر صندوقًا، لا أعلم ما فيها. فأمرَ علي بإحضارها، فوجد فيها مالًا عظيمًا فأخذه. وركب يومًا، فَسَاختْ قوائم فرسه، فحفروه

стр. 7402

فوجد فيه كنزًا. واستولى على البلاد، وخرجت خُراسان وفارس عن حُكْم الخلافة. وسيأتي من أخبار هؤلاء الثّلاثة الإخوة، وأنّ المستكفي بالله لقّب عليًّا عماد الدولة. أبا شجاع، ولقّب الحسن رُكْن الدّولة، ولقّب أحمد معزّ الدّولة. وملكوا الدّنيا سنين. وفيها: قَتَلَ القاهرُ أبا السّرايا نصر بن حمدان وإسحاق بن إسماعيل النُّوبَخْتي الّذي كان قد أشار بخلافة القاهر، ألقاهما على رؤوسهما في بئر وطُمّت، وكان ذنْبهما أنهما فيما قيل زايَدَا القاهرَ قبل الخلافة في جاريتين واشترياهما، فحقد عليهما. ومات مؤنس الورقاني الّذي حجّ بالنّاس. وقال ثابت بن سنان: كان أبو علي بن مقلة في اختفائه يُراسل السّاجيّة والحُجَريّة ويُضَرّبهم على القاهر ويُوحشهم منه. وكان الحسن بن هارون كاتب بُلَيْق يخرج باللّيل في زي المُكدّيّين أو النساء فيسعى إلى أن اجتمعت كلمتهم على الفتك بالقاهر. وكان يقول لهم: قد بنى لكم المطامير ليحبسكم. وألزموا منجّم سيما (١) حتى كان يقول له: إن القاهر يقبض عليك. وهاجت الحُجَريّة وقالوا: تريد أن تحبسنا في المطامير؟ فحلف القاهرُ أنّه لم يفعل، وإنّما هذه حمّامات للحُرَم. وحضر الوزير ابن خصيب وعيسى المتطبّب عند القاهر، فقال لسلامة الحاجب: اخرج فاحلف لهم. ففعل، فسكنوا. ثمّ بكّروا على الشرّ إلى دار القاهر، وكان نائمًا سكرانًا إلى أن طلعت الشّمس، ونبّهوه فلم ينتبه لشدّة سُكْرِه، وهرب الوزير في زي امرأة، وكذا سلامة الحاجب. فدخلوا بالسّيوف على القاهر، فأفاق مِن سُكْرِه، وهربَ إلى سطح حمّام فاستتر، فأتوا مجلسَ القاهر وفيه عيسى الطّبيب، وزَيْرك الخادم، واختيار القَهْرَمانة، فسألوهم، فقالوا: ما نعرف له خبرًا. فرسموا عليهم. ووقع في أيديهم خادم له فضربوه، فدلّهم عليه، فجاؤوه وهو على السطح وبيده سيف مسلول، فقالوا: انزل. فامتنع، فقالوا: نحن عبيدك فلِمَ

стр. 7403

تستوحش منّا؟ فلم ينزل. ففوّق واحدٌ منهم سهمًا وقال: انزل وإلا قتلتُك. فنزل إليهم، فقبضوا عليه في سادس جُمَادى الآخرة. وأخرجوا أبا العبّاس محمد ابن المقتدر وأمّه، وبايعوه بالخلافة ولقّبوه الرّاضي بالله، فأحضر علي بن عيسى وأخاه عبد الرحمن واعتمد على رأيهما، وأدخل علي بن عيسى، والقاضي أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف، والقاضي أبو محمد الحسن بن عبد الله بن أبي الشّوارب، والقاضي أبو طالب ابن البُهْلُول على القاهر، فقال له طريف السْكُرِيّ: ما تقول؟ قال: أنا أبو منصور محمد ابن المعتضد، لي في أعناقكم بَيعة وفي أعناق النّاس، ولست أُبَرِّئكم ولا أُحَلّكم منها، فقوموا فقاموا، فلما بُعدوا قال القاضي لطريف: وأي شيء كان مجيئنا إلى رجلٍ هذا اعتقاده؟ فقطب علي بن عيسى وقال: يُخلع ولا نفكَّر فيه. أفعاله مشهورة. قال القاضي أبو الحسين: فدخلتُ على الرّاضي وأعدتُ ما جرى سرًّا، وأعلمته بأنّي أرى إمامته فَرْضًا. فقال: انصرف ودعني وإيّاه. وأشار سِيما مقدّم الحُجَرّية على الرّاضي بسمله. فأرسلَ سيما وطريفًا إلى البيت الّذي فيه القاهر، فَكُحِّل بمِسمار مُحَمَّى. ثمّ طلب الرّاضي من علي بن عيسى أن يلي الوزارة، فامتنع، فقال: يتولّى أخوك عبد الرحمن. فقال: لا. فاستوزر ابن مُقْلَة بعد أن كتب له أمانًا. وقال محمود الأصبهانيّ: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفْكه الدّماء. فامتنع عليهم من الخلع فَسَمَلوا عينيه حتّى سالتا على خدَّيه. وكانت خلافته سنة ونصفًا وأسبوعًا. وقال الصُّوليّ: كان أهْوَج، سفّاكًا للدّماء، قبيح السّيرة، كثير التَّلوُّن والاستحالة، مُدمن الخمر. ولولا جَوْدة حاجبه سلامة لأهلك الحْرث والنَّسْل. وكان قد صنع حربة يحملها فلا يطرحها حتّى يقتل بها إنسانًا. وقال محمد بن علي الخراساني (١): أحضرني القاهر يومًا والحَرْبةُ بين يديه، فقال: قد علمت حالي إذا وضعت هذه. فقلت: الأمان. فقال: على

стр. 7404

الصِّدْق. قلت: نعم. قال: أسألك عن خلفاء بني العبّاس في أخلاقهم وشيمتهم. قلت: أما السّفّاح، فكان مسارعًا إلى سفْك الدّماء. سفك ألف دم. واتَّبعه عُمّاله على ذلك، مثل محمد بن الأشعث بالمغرب، وعمه صالح بن علي بمصر، وخازم بن خُزَيْمَة، وحُمَيْد بن قَحْطَبَة. وكان مع ذلك سمْحًا بحرًا، وَصولًا بالمال. قال: فالمنصور؟ قلت: كان أول مَن أوقع الفُرْقة بين ولد العبّاس وولد أبي طالب. وكانوا قبله متّفقين. وهو أوّل خليفة قرّب المنجّمين وعمل بقَولهم. وكان عنده نُوبَخْت المنجّم، وعلي بن عيسى الأصْطرلابيّ. وهو أول خليفة تُرْجِمت له الكُتُب السُّرْيانيّة والأعجميّة ككتاب كليلة ودِمْنَة، وكتاب أرسطاطاليس في المنطق، وإقليدس، وكُتُب اليونان. فنظر النّاس فيها وتعلّقوا بها. فلمّا رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسّيَر. والمنصور أوّل من استعمل مواليه وقدّمهم على العرب. قال: فما تقول في المهديّ؟ قلت: كان جوادًا عادلًا منصِفًا. ردَّ ما أخذ أبوه مِن أموال النّاس غصْبًا، وبالغ في إتلاف الزّنادقة وأحرق كُتُبهم لمّا أظهروا المعتقدات الفاسدة كابن دَيْصان، وماني، وابن المقفّع، وحمّاد عَجْرَد. وبنى المسجدَ الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس. قال: فالهادي؟ قلت: كان جبّارًا متكبّرًا، فسلك عُمّاله طريقَه على قِصَر أيّامه. قال: فالرّشيد؟ قلت: كان مواظبًا على الجهاد والحجَ، وعَمَّر القصور والبِرَك بطريق مكّة، وبنى الثغور كأذنة، وطرسوس، والمَصِيصة، وعين زَربة، والحَدَث، ومَرْعَش. وعَمّ النّاس إحسانُه. وكان في إيامه البرامكة وما اشتهر من كرمهم. وهو أول خليفة لعب بالصوالجة ورمى النّشّاب في البرجاس، ولعب بالشَّطَرَنْج من بني العباّس. وكانت زوجته بنت عمّه أمّ جعفر زُبَيْدة بنت جعفر ابن المنصور من أكمل النّساء. وَقَفَت الأوقاف وعملت المصانع والبِرَك، وفعلت وفعلت.

стр. 7405

قال: فالأمين؟ قلت: كان جوادًا، إلاّ أنّه انهمك في لذّاته ففسدت الأمور. قال: فالمأمون؟ قلت: غلبَ عليه الفضْل بن سهْل، فاشتغل بالنّجوم، وجالسَ العلماء. وكان حليمًا جوادًا. قال: فالمعتصم؟ قلت: سلكَ طريقه، وغلبَ عليه حُب الفُرُوسيّة، والتّشبُّه بملوك الأعاجم، واشتغل بالغزو والفتوح. قال: فالواثق؟ قلت: سلك طريقة أبيه. قال: فالمتوكّل؟ قلت: خالفَ ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق مِن الاعتقادات، ونهى عن الجَدَل والمناظرات في الأهواء، وعاقب عليها. وأمر بقراءة الحديث وسماعه، ونهى عن القول بخلق القرآن، فأحبه النّاسُ. ثمّ سأل عن باقي الخلفاء، وأنا أُجيبه بما فيهم، فقال لي: قد سمعت كلامك وكأني مشاهد القوم. وقام على أثري والحَرْبة بيده، فاستسلمت للقتل، فعطف إلى دُور الحُرَم. وقال المسعودي (١): أخذ القاهر من مؤنس وأصحابه أموالًا كثيرة، فلمّا خُلِعَ وسُمِلَ طُولِب بها، فأنكر فَعُذِّبَ بأنواع العذاب، فلم يُقرّ بشيء. فأخذه الراضي بالله فقرّبه وأدناه وقال له: قد ترى مطالبة الجُنْد بالمال، وليس عندي شيء، والّذي عندك فليس بنافعٍ لك، فاعترف به. فقال: أمّا إذا فعلت هذا فالمال مدفون في البستان، وكان قد أنشأ بستانًا فيه أصناف الشجر حملت إليه من البلاد، وزَخرفه وعمل فيه قصرًا، وكان الرّاضي مغرمًا بالبستان والقصر، فقال: وفي أي مكان المال منه؟ فقال: أنا مكفوف لا أهتدي إلى مكان، فاحفر البستان تجدْه. فحفر الراضي البستان وأساسات القصر، وقلع الشجر، فلم يجد شيئًا. فقال له: وأين المال؟ فقال: وهل عندي مال، وإنما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعّمك، فأردتُ أن أفجعك فيه. فندم الراضي وأبعده وحبسه. فأقام إلى سنة ثلاثٍ وثلاثين، ثمّ أُخرج إلى دار ابن طاهر، فكان تارة يُحبس، وتارة يُطلق، فوقف يومًا بجامع

стр. 7406

المنصور بين الصُّفوف وعليه مُبطنّة بيضاء وقال: تصدَّقوا عليَّ، فأنا مَن قد عرفتم. وكان مقصوده أن يشنّع على المستكفي، فقام إليه أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشميّ، فأعطاه خمسمائة درهم. وقيل: ألف درهم، ثمّ مُنع من الخروج، وعاش إلى سنة تسعٍ وثلاثين خاملًا. وعاش ثلاثًا وخمسين سنة. وكان له من الولد عبد الصّمد، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبد العزيز. ووزر له ابن مُقْلَة، ثمّ محمد بن القاسم بن عُبَيد الله، وكان محمد جبارًا ظالمًا، ثمّ الخصيبي. وكان الراضي بالله أبو العبّاس محمد ابن المقتدر مربوعًا، خفيف الجسم، أسمر، وأمّه ظَلُوم الروميّة. بويع يوم خُلع القاهر، وكان هو وأخوه في حبْس القاهر، وقد عزمَ على تلهما. فأخرجهما الغلمان ورأسهم سِيما المناخلي، وعاش سيما بعد البيعة مائة يوم. وولّى الراضي أتابكه محمد بن رائق إمارة الجيش ببغداد. ثمّ أمر ابن مُقْلة عبد الله بن ثوابة أن يكتب كتابًا فيه مثالب القاهر ويُقرأ على النّاس. وصودر عيسى المتطبّب على مائتي ألف دينار. وفيها: مات مرداويج، مُقَدَّم الدَّيْلَم بأصبهان. وكان قد عظُم أمرُه، وتحدّثوا أنّه يريد قصْد بغداد. وأنه مسالمٌ لصاحب المجوس. وكان يقول: أنا أردّ دولة العجم وأَمْحق دولة العرب. ثمّ إنه أساء إلى أصحابه، فتواطأوا على قتْله في حمّام. وفيها: بعث علي بن بويه إلى الراضي يُقاطعه على البلاد الّتي استولى عليها بثمانية آلاف ألف درهم كلّ سنة. فبعث له لواء وخِلَعًا. ثّم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال. وفيها: في نصف ربيع الأوّل مات المهدي عُبَيْد الله صاحب المغرب عن اثنتين وستين سنة. وكانت أيّامه خمسًا وعشرين سنة وأشهُرًا، وقام بالأمر بعده ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد، فبقي إلى سنة أربع وثلاثين. وقال القاضي عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبّار البصْريّ: اسم جدّ الخلفاء المصريّين سعيد، ويلقب بالمهدي. وكان أبوه يهوديًّا حدّادًا

стр. 7407

بسَلَمّية. زعم سعيد هذا أنّه ابن ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح. وأهل الدّعوة أبو القاسم بن الأبيض العلويّ، وغيره يزعمون أنّ سعيدًا إنّما هو ابن امرأة الحسين المذكور. وأنّ الحسين ربّاه وعلّمه أسرار الدّعوة، وزوّجه ببنت أبي الشَّلَغْلَغ فجاءه ابن سمّاه عبد الرحمن، فلمّا دخل المغرب وأخذ سجلماسة تسمى بعُبَيد وتكنّى بأبي محمد، وسمَّى ابنَه الحسن. وزعمت المغاربة أنّه يتيم ربّاه، وليس بابنه، وكنّاه أبا القاسم، وجعله ولي عهده. وقتل عُبَيد خلقًا من العساكر والعُلماء، وبثّ دُعاته في الأرض. وكانت طائفة تزعم أنّه الخالق الرّازق، وطائفة تزعم أنّه نبيّ، وطائفة تزعم أنه المهدي حقيقة. وقال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني: إنّ القدّاح جدّ عُبَيد الله كان مجوسيًّا. ودخل عُبَيد الله المغرب، وادّعى أنّه علويّ، ولم يعرفهُ أحد من علماء النَّسَب، وكان باطنيًّا خبيثًا، حريصًا على إزالة مِلّة الإسلام. أَعْدَمَ العلماء والفقهاء ليتمكّن من إغواء الخلْق. وجاء أولاده على أُسلوبه. أباحوا الخُمور والفُرُوج، وأشاعوا الرَّفْض، وبثُّوا دُعاةً، فأفسدوا عقائد خلقٍ من جبال الشّام كالنصيرية والدرزية. وكان القدّاح كاذبًا ممخرقًا. وهو أصل دُعاة القرامطة. وقال أيضًا في كتاب كشف أسرار الباطنيّة: أوّل من وضع هذه الدّعوة طائفة من المجوس وأبناء الأكاسرة. فذكر فَصلًا، ثمّ قال: ثمّ اتّفقوا على عبد الله بن عَمْرو بن ميمون القدّاح الأهوازي وأمدّوه بالأموال في سنة ثلاثين ومائتين أو قبلها، وكان مُشَعْوِذًا ممخرقا يُظْهِر الزُّهْد، ويزعم أن الأرض تُطْوَى له. وجدُّ القدّاح هو دَيْصَان أحد الثَّنَوِيّة. وجاء ابن القدّاح على أسلوب أبيه، وكذا ابنه، وابن ابنه سعيد بن حسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله، وهو الّذي يقال له عُبَيد الله. يُلقَّب بالمهدي صاحب القيروان، وجدّ بني عُبَيد الّذين تسمّيهم جَهَلَةُ النّاس الخلفاء الفاطميّين. قال ابن خلّكان (١): اختُلِف في نَسَبه، فقال صاحب تاريخ

стр. 7408

القيروان: هو عُبَيْد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفرالصّادق. وقال غيره: هو عُبَيْد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق. وقيل: هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن زين العابدين علي بن الحسين. وإنّما سمّى نفسه عُبَيد الله استتارًا. وهذا على قول مَن يصحِّح نَسَبَه. وأهل العلم بالأنساب المحقّقين يُنكِرون دعواه في النَّسبِ ويقولون: اسمه سعيد، ولَقَبه عُبَيد الله، وزوج أمّه الحسين بن أحمد القدّاح. وكان كحّالًا يقدح العين. وقيل: إن عُبَيد الله لمّا سار من الشّام وتوصّل إلى سجلماسة أحس به ملكها اليسع آخر ملوك بني مدرار، وأعلم بأنه الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي بالقيروان، فسجنه، فجمع الشيعي جيشًا من كتامة وقصد سلجماسة، فلمّا قُربوا قتله الْيسع في السجن، وهرب. فلمّا دخل الشّيعي السّجن وجده مقتولًا، وخاف أن ينتقض عليه الأمر، وكان عنده رجلٌ من أصحابه يخدمه، فأخرجه إلى الجُنْد، وقال: هذا المهديّ. قلت: وهذا قولٌ منكر. بل أخرج عُبَيدَ الله وبايَع النّاس له، وسلّم إليه الأمر، ثمّ ندم، ووقعت الوحشة بينهما كما قدَّمنا قبل هذا في موضعه من هذا الكتاب. وآخر الأمر أنّ المهدي قَتَلَ أبا عبد الله الشّيعي وأخاه، ودانت له المغرب، وبنى مدينة المهديّة، والله أعلم. وفيها: ظهر محمد بن علي الشلْمغاني المعروف بابن أبي العزاقر. وكان مستترًا ببغداد، وقد شاع أنّه يدّعي الأُلُوهيّة، وأنّه يُحْيي الموتى وله أصحاب. فتعصَّب له أبو علي بن مُقْلَة، فأحضره عند الرّاضي، فسمع كلامه وأنكر ما قيل عنه وقال: إن لم تنزل العقوبة على الّذي باهلَنَي بعد ثلاثة أيّام وأكثره تسعة أيام، وإلا فَدَمي حلال. قال: فضُرب ثمانين سوطًا، ثمّ قتل وصُلب. وقُتل بسببه الحسين بن القاسم بن عُبَيْد الله بن سليمان بن وهْب وزير المقتدر، وكان زنديقًا متَّهمًا بالشَّلْمغانيّ، وفي نفس الرّاضي منه لكونه آذاه عند المقتدر بالله. وقُتل معه أيضًا أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عَوْن أحمد بن هلال

стр. 7409

الأنباري الكاتب، صاحب كتاب الأجوبة المسكتة، وكتاب التّشبيهات، وكتاب بيت مال السّرور. وكان قد مَرَق من الإسلام وصحِب ابن أبي العزاقر، وصار مِن المتغالين في حبّه، وصرَّح بإلهيته، تعالى الله عما يقوله عُلوًّا كبيرًا. فلّما تتبّعوا أصحاب ابن أبي العزاقر قالوا لإبراهيم بن أبي عون: سُبّه وابصق عليه. فامتنع وأرعد وأظهر الخوف، فضُربَ بالسّياط، فلم يرجع، فَضُرِبت عُنقه، وأحْرِق في أوّل ذي القعدة. وفيها: قُتِل هارون بن غريب الخال، كان مقيمًا بالدّينَوَر، فلمّا ولي الراّضي كاتَب قوّاد بغداد بأنّه أحقّ بالحضرة ورئاسة الجيش، فأجابوه، فسارَ إلى بغداد حتّى بقي بينه وبينها يوم. فعُظم ذلك على ابن مُقْلة الوزير ومحمد بن ياقوت والحُجَريّة، وخاطبوا الراضي فعرّفهم كراهيته له، وأمر بممانعته، فأرسل ابن مُقْلَة إليه بأن يرجع، فقال، قد انضمّ إلي جُنْدٌ لا يكفيهم عملي. فأرسل إليه الراضي ابن ياقوت القراريطّي بأن قد قلّدوك أعمال طريق خراسان، فقال للقراريطيّ: إن جُنْدي لا يقنعون بهذا، ومَن أحقّ منّي بخدمة الخليفة؟ فقال: لو كنت تراعي أمير المؤمنين ما عصيته. فأغلظ له، فقام مِن عنده وأدّى الرسالة إلى الخليفة. وشَخَص إلى هارون مُعْظم جُنْد بغداد، فبعث إليه محمد بن ياقوت يتلطّف به، فلم يلتفت. ووقعت طلائعه على طلائع ابن ياقوت، فظهر عليها، ثمّ تقدَّم إلى قنطرة النهروان (١)، واشتبكت الحرب، فعبر هارون القنطرة، وانفردَ عن أصحابه على شاطئ النّهر، وهو يظنّ أنّه يظفر بمحمد بن ياقوت، فتقنطر به فرسه فوقع، وبادره مملوك ابن ياقوت فقتله، ومزّق جيشه، ونهبهم عسكر ابن ياقوت، وذلك في جُمادَى الآخرة. وفيها: تُوُفّي أبو جعفر السَّجْزِي أحد الحُجّاب. قيل: بلغ من العمر أربعين ومائة سنة. وكان يركب وحده وحواسُّه جيّدة. وفيها: قبض ابن مُقْلَة على أبي العبّاس الخصِيبيّ، والحسن بن مَخْلَد

стр. 7410

ونفاهما إلى عُمان، فرجعا إلى بغداد مختَفِيَيْن. وفيها: تُوُفّي موسى ابن المقتدر. ولم يحجّ الناس إلى سنة سبْعٍ وعشرين من بغداد. سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة فيها: تمكن الرّاضي بالله وقلَّدَ ابنَيه المشرقَ والمغربَ، وهما أبو جعفر وأبو الفضل. واستكتب لهما أبا الحسين علي بن محمد بن مُقْلَة. وفيها: بلغ الوزير أبا علي بن مُقْلَة أنْ ابن شَنَبُوذ المقرئ يغيّر حروفًا مِن القرآن، ويقرأ بخلاف ما أنزل. فأحضره، وأحضر عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف القاضي، وأبا بكر بن مجاهد، وجماعة من القُرّاء، ونوظر، فأغلظ للوزير في الخطاب وللقاضي ولابن مجاهد، ونَسَبَهم إلى الجهل، وأنّهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر. فأمرَ الوزير بضربه، فنُصب بين الهِنبازَيْن وضُرِب سبْع دِرَر، وهو يدعو على الوزير بأن تُقْطَع يده، ويشتّت شمله. ثمّ أوقف على الحروف الّتي قيل إنّه يقرأ بها، فأهْدِرَ منها ما كان شنيعًا، وتوّبوه غصْبًا. وكتب عنه الوزير محضرًا. ومّما أُخِذَ عليه: فامضوا إلى ذكر الله في الجمعة (١) وكان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينةٍ صالحة غصبًا (٢)، وتكون الجبال كالصّوف المنفوش (٣)، تّبت يدا أبي لهب وقد تبّ (٤)، فلمّا خرّ تبيّنت الإنسُ أنّ الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيبَ لَما لبِثوا حَوْلًا في العذاب المهين (٥)، والذّكر والأنثى (٦). فاعترفَ بها. ولا ريب أنّها قد رُويت ولم يخترعْها

стр. 7411

الرّجلُ من عنده. وقيل: إنه نُفي إلى البصرة، وقيل: إلى الأهواز. وكان إمامًا في القراءة. وفي ربيع الأوّل شغبت الجُنْد، وصاروا إلى دار محمد بن ياقوت، وطلبوا أرزاقهم، فأغلظ لهم، فغضبوا وهمّوا به، فدافع عنه غلمانه، وقام إلى دار الحُرَم. فجاء الوزير وسكّنهم. ثمّ عادوا في اليوم الثّاني وخرجوا إلى الصّحراء، وعاونتهم العامّة. فعبَروا إلى الجانب الغربيّ، وفتحوا السّجون والمُطْبق، وأخرجوا مَن بها، وعظُمت الفتنة، وشرع القتال، ونُهِبت الأسواق. وركب بدر الخَرشني ليكُفَّهُم، فرموه بالنّشّاب. واتَّفقَت الحُجَريّة والسّاجيّة، وقصدوا دار الخليفة فمنعهم الحُجّاب، فكاشفوا محمد بن ياقوت وقالوا: لا نرضى أن تكون كبير الجيش. وحاصّروا دار الخليفة أيّامًا، ثمّ أرضاهم، فسكنوا. وفيها: قبض الرّاضي على محمد بن ياقوت، وأخيه المظفّر، وأبي إسحاق القراريطيّ، وأخذ خطّ القراريطي بخمسمائة ألف دينار. وعظُم شأن الوزير ابن مُقْلَة، واستقلّ بالدولة، ثمّ شَغَبَ الجُنْد عليه ونهبوا داره، فأرضاهم بمال. وفيها: أخرجَ المنصور إسماعيل العُبَيْدي يعقوب بن إسحاق في أسطول من المهديّة عدّته ثلاثون حربيًّا إلى ناحية إفرنجة، ففتح مدينة جنوة، ومرّوا بجزيرة سردانية، فأوقعوا بأهلها وسّبوا وأحرقوا عدّة مراكب، وقتلوا رجالها، وأسرعوا بالخروج إلى جنوة، وحرّقوا مراكب قرسقة (١)، ونقبوا أسوار جنوة، واستولوا على المدينة، وقتلوا، وأسروا ألف امرأة، وقدِموا بالغنائم إلى المهديّة. وفي جُمَادى الأولى جرت فتنة عظيمة من البَرْبهاري الحنبلي وأصحابه، فنودي أن لا يجتمع أحدٌ من أصحاب البَرْبهاريّ. وحُبِس منهم جماعة واستتر الشّيخ. فقيل: إنّهم صاروا يكبسون دُور الأمراء والكُبراء، فإن رأوا نبيذًا أراقوه، وإن صادفوا مغنّيةً ضربوها، وكسروا آلة الملاهي، وأنكروا في بيع النّاس وشرائهم، وفي مشْي الرجال مع الصّبيان. فَنَهاهُم

стр. 7412

متولّي الشّرطة، فما التفتوا عليه: فكتب الرّاضي توقيعًا يزجُرُهم ويوبّخهم باعتقادهم: وأنّكم تزعمون أنّ الله على صُوَركم الوحشة، وتذكرون أنّه يصعد وينزل. وأُقسم: إنْ لم تنتهوا لأقتلنَّ فيكم ولأُحَرّقنّ دُوركم. وفي الشّهر هبّت ريح عظيمة ببغداد، واسودَّت الدّنيا وأظلمت من العصر إلى المغرب برعدٍ وبَرْق. وفيه شَغَب الجُنْد بابن مُقْلة وهمّوا بالشّرّ. وكان سعيد بن حمدان قد ضمِن المَوْصل وغيرها سِرًّا من ابن أخيه الحسن بن عبد الله بن حمدان، وخلع عليه ببغداد، فخرج سعيد في صورة أنّه يساعد ابنُ أخيه في الضمان في خمسين فارسا، فدخل الموصل فخرج ابن أخيه مظهِرًا لتَلَقِّيه. ومضى العمّ إلى دار ابن أخيه فنزلها، وسأل عنه فقيل: خرج لتَلَقّيك. فجلس ينتظره، فلمّا علم الحسن بأنّ عمّه في داره وجّه غلمانه فقبضوا عليه وقيَّدوه، ثمّ قتله بعد أيام. وتألَّم له الرّاضي، وأمرَ أبا علي بن مُقْلَة بالخروج إلى الموصل، والإيقاع بالحَسَن. فخرج في جميع الجيش واستخلَف ابنَه أبا الحسين موضعه. فلمّا قرُب من المَوْصل نزح عنها الحسن في شعبان، فتبِعَه ابن مُقْلَة، فصعِد الجبل ودخل بلد الزوزان، فاستقرّ ابن مُقْلَة بالموصل يستخرج أموالًا، ويستسلف من التُّجّار على غلات البلد، فاجتمع له أربعمائة ألف دينار. فاحتال سهل بن هاشم كاتب الحسن، وكان مقيمًا ببغداد، فبذل لولد ابن مُقْلَة عشرة آلاف دينار حتى يكتب إلى أبيه بأن الأمور بالحضرة مضطّربة، فانزعج الوزير وسار إلى بغداد، فدخل في ذي القعدة. وفيها: وقعوا برجلٍ قد أخذ البيعة لجعفر ابن المكتفي، وبذل أموالًا عظيمة، فقُبِض عليه وعلى جعفر، ونُهب منزل جعفر. وعاد الحسن بن عبد الله بن حمدان إلى الموصل بعد حرب تمّ له مع جيش الخليفة وهزمهم، وكتب إلى الخليفة يعتذر. وخرج الرَّكْبُ العراقي ومعهم لؤلؤ يَخْفُرُهم، فاعترضهم أبو طاهر القَرْمَطِيّ، فانهزم لؤلؤ وبه ضربات. فقتل القَرْمطي الحاجّ وسبى الحُرَم، والتجأ الباقون إلى القادسيّة، وتسللوا إلى الكوفة.

стр. 7413

وفي ذي القعدة انقضت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رؤي مثله. وفي ذي الحِجّة مات الأمير أبو بكر محمد بن ياقوت في الحبْس حتْف أنفه. وفيها: غلا السِّعْر ببغ اد حتّى أبيع كَرّ القمح بمائة وعشرين دينارًا. وفيها: قدِم غلمان مرداويج الدَّيْلَمي إلى بغداد، وفيهم بَجْكم، فخافت الحُجَريّة منهم. ثمّ إن محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها كاتَبَهم، فأتوا إليه، فأكرمهم وقدَّم عليهم بجكم، وأفرط في الإحسان إليه، وأمره بمكاتبة جُنْد الجبال ليَقْدَمُوا عليه. ففعلوا، فصار عنده عدّة كبيرة، وتمكّن وجبى الخراج. سنة أربع وعشرين وثلاثمائة فيها: تُوُفّي هارون ابن المقتدر، وحزن عليه أخوه الخليفة، واغتّم له، وأمرَ بِنَفْي الطّبيب بُخْتيشوع بن يحيى، واتهمه بتعمُّد الخطأ في علاجه. وفيها: قلّد ابن مقلة أبا بكر محمد بن طُغْج أعمال المعاون بمصر مُضافًا إلى ما بيده مِن الشّام. وفيها: قطع الحمل عن بغداد محمد بن رائق، واحتجَّ بكثرة كلْفة الجيش عنده، وقطع حمْل الأهواز، وطمع غيرهم. وفي ربيع الأوّل أطلق من الحبس المظفر بن ياقوت، وحلف للوزير على المصافاة، وفي نفسه الحقْد عليه لأنه نكبه، ونكب أخاه محمدًا. ثمّ أخذ يسعى في هلاكه ويشغب عليه الحجرية. فعلم الوزير فاعتضد بالأمير بدر صاحب الشرطة ليوقع بالمظفر، فانحدر بدر وأصحابه بالسلاح إلى دار الخليفة، ومنعوا الحجرية من دخولها، فضعفت نفس المظفر، وأشار على الحجرية بالتذلل لابن مقلة، وأظهر له المظفر أنه على أيمانه، فاغتر بذلك وصرف بدرًا والجند من دار الخلافة. فمشى الغلمان بعضهم إلى بعض

стр. 7414

وأوحشوا نفوس الجند من ابن مقلة ومن بدر، وتحالفوا وصارت كلمتهم واحدة. ثمّ صاروا إلى دار الخلافة فأحدقوا بها، وصار الراضي في أيديهم كالأسير، وطالبوه أن يخرج معهم إلى الجامع فيصلي بالناس ليعلموا أنه من حزبهم. فخرج يوم الجمعة سادس جمادى الأولى، فصلى بالناس، وقال في خطبته: اللهم إن هؤلاء الغلمان بطانتي وظهارتي، فمن أرادهم بخير فأزده، ومن كادهم فكده. وأمر بدرًا الخرشني بالمسير على إمرة دمشق مسرعًا. ثمّ أخذ ابن مقلة يشير على الراضي سرًا أن يخرج بنفسه ليدفع محمد بن رائق عن واسط والبصرة. ثمّ بعث ابن مقلة بمقدم من الحجرية، وآخر من الساجية برسالة إلى ابن رائق يطلب المحاسبة. فأحسن ابن رائق إليهما، وحملهما رسالة إلى الراضي سرًا بأنه إن استدعي إلى الحضرة قام بتدبير الخلافة، وكفى أمير المؤمنين كل مهم، فقدما. فلم يلتفت الراضي إلى الرسالة. ولما رأى ابن مقلة امتناع ابن رائق عليه عمل على خروج الراضي إلى الأهواز، وأن يرسل القاضي برسالة إلى ابن رائق لئلا يستوحش. فبينا ابن مقلة في الدهليز شغب الغلمان ومعهم المظفر، وأظهروا المطالبة بالأرزاق، وقبضوا على الوزير، وبعثوا إلى الراضي يعرفونه ليستوزر غيره، فبعث إليهم يستصوب رأيهم، ثم قال: سموا من شئتم حتى أستوزره. فسموا علي بن عيسى، وقالوا: هو مأمون كافي. فاستحضره وخاطبه بالوزارة فامتنع، فخاطبه ثانية وثالثة فامتنع، فقال: أشر بمن ترى. فأومى إلى أخيه عبد الرحمن بن عيسى. فبعث الراضي إليه المظفر بن ياقوت، فأحضره وقلده، وركب الجيش بين يديه، وأحرقت دار ابن مقلة، وهذه المرة الثالثة. وكان قد أحرق دار سليمان بن الحسن. فكتبوا على داره: أحسنتَ ظنّك بالأيّام إذ حسُنت … ولم تَخَفْ سوءَ (١) ما يأتي به القدرُ وسالَمَتْك اللّيالي فاغترَرت بها … وعند صفو اللّيالي يحدُثُ الكَدَر واختفى الوزير وأعوانه.

стр. 7415

وظهر أبو العباس الخصيبيّ، وسليمان بن الحسن، وصارا يدخلان مع الوزير عبد الرحمن وأخيه عليّ، ويدخل معهم أبو جعفر محمد بن القاسم والأعيان. وأخذ ابن مقلة فتسلّمه عبد الرحمن الوزير، وضرب بالمقارع، وأخذ خطُّه بألف ألف دينار. ثم سلم إلى أبي العباس الخصيبيّ، فجرى عليه من المكاره والتعليق والضرب عجائب. قال ثابت: كلفني الخصيبي الدخول إليه يومًا وقال: إن كان يحتاج إلى الفصد فليفصد بحضرتك. فدخلت فوجدته مطروحًا على حصيرٍ، وتحت رأسه مخدة وسخة، وهو عريان في وسطه سراويل، ورأيت بدنه من رأسه إلى أطراف رجليه كلون الباذنجان، وبه ضيق نفسٍ شديد. وكان الذي تولى عذابه ودهق صدره الدستوائي. فقلت: يريد الفصد. فقال الخصيبي: وكيف نعمل، ولا بد من تعذيبه كل يوم؟ فقلت: فيتلف. قال: افصده. ففصد هـ ورفهته ذلك اليوم. واتفق أنّ الخصيبي استتر ذلك اليوم، فاطمأن ابن مقلة وتصلح. وحضر أبو بكر بن قرابة، وضمن ما عليه وتسلمه. وفي جمادى الأولى قبض الراضي على المظفر بن ياقوت وهدم داره، ثمّ أطلقه بعد جمعة وأحدره إلى أبيه ياقوت. وعزل بدر الخرشني عن الشرطة، ووليها كاجو، وقلد الخرشني أعمال أصبهان وفارس. وعجز الوزير عبد الرحمن بن عيسى عن النفقات، وضاق المال. فاستعفى. فقبض عليه الراضي في رجب وعلى أخيه، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخيّ، وسلم ابني عيسى إلى الكرخي، فصادرهما برفق، فأدى كل واحد سبعين ألف دينار، وانصرفا إلى منازلهما. وفي رمضان قتل ياقوت الأمير بعسكر مكرم، فأراد الحجرية قتل أبي الحسين البريدي ببغداد، وكان يخلف أخاه في الكتابة لياقوت، فاختفى. وكان ياقوت قد سار بجموعه لحرب علي بن بويه، فالتقيا بباب أرجان، فهزمه ابن بويه، فعاد إلى الأهواز، وتواترت الأخبار بأن ابن بويه وافى إلى رامهرمز مقتفيًا آثار ياقوت. فعبر ياقوت إلى عسكر مكرم وقطع الجسر.

стр. 7416

وأقام ابن بويه أيامًا برامهرمز إلى أن وقع الصلح بينه وبين الخليفة، وجرت فصول. وضعف أمر ياقوت، وجاع عسكره، وتفرقت رجاله، وتمت له حروب مع كاتبه أبي عبد الله البريدي، ثم انهزم وأوى إلى قريٍةٍ، فظفروا به وقتلوه، وكان قد شاخ. ثم طغى البريدي وأظهر العصيان. وفيها: استوزر الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن. وسببه أن ابن رائق تغلب على ناحيته، وابن بويه تغلب على فارس. وضاقت الدنيا على الوزير الكرخي، وكان غير ناهض بالأمور، فعزل في شوّال. وقلد سليمان، فكان في العجز بحال الكرخي وزيادة. فدعت الضرورة إلى أن كاتب الراضي محمد بن رائق يلاطفه مع كاجو، فأصغى وأسرع، فأرسل إليه الراضي بالخلع واللواء. فانحدر إليه أعيان الساجية، فقيدهم وحبسهم، فاستوحش الحجرية ببغداد، وأحدقوا بدار الخليفة. فوصل ابن رائق في جيشه إلى بغداد في ذي الحجة، ودخل على الراضي في قواده. ثم إنه أمر الحجرية بقلع خيامهم وذهابهم إلى منازلهم، فلم يفعلوا، وبطل حينئذٍ أمر الوزارة والدواوين وبقي الاسم لا غير، وتولى الجميع محمد بن رائق وكتابه، وصارت الأموال تحمل إليه، وبطلت بيوت المال. وحكم ابن رائق على البلاد وبقي الراضي معه صورةً. وفيها: وقع الوباء العظيم بأصبهان وبغداد، وغلت الأسعار. وفيها: سار الدمستق في جيوش الروم إلى أرض آمد وسميساط فسار علي بن عبد الله بن حمدان، وهو شاب، وهذه من أول مغازيه، إلى آمد، وبعث الأقوات إلى سميساط، فاختلف عليه بعض أمرائه، ثمّ حاربه فظفر به، ثمّ عفا عنه. وكان الحسن بن عبد الله بن حمدان أخوه قد غلب على الموصل، فسار إليه خلق من الساجية والحجرية، وهم خاصكية الخليفة، هربوا من محمد بن رائق، فأحسن الحسن إليهم. وسار من عنده نظيف الساجي متقلدًا أذربيجان، فحاربه اللشكري (١)، فانهزم نظيف واستبيح عسكره،

стр. 7417

وغلب اللشكري على أذربيجان، فسار لحربه ديسم وابن الديلمي وطائفة، فهزموه ونهبوا وسبوا، وفعلوا القبائح. وفيها: استولت الروم على سميساط ودكوها، وآمن الدمستق أهلها ووصلهم إلى مأمنهم. وفيها: عاثت العرب من بني نمير وقشير وملكوا ربيعة ومضر، وشنوا الغارات، وسبوا وقطعوا السبل، وخلت المدائن من الأقوات، فسار لحربهم علي بن عبد الله بن حمدان، فأوقع بهم وهزمهم بسروج وطردهم إلى ناحية سنجار وهيت. ونفذ الراضي بالله خلع الملك إلى صاحب الموصل الحسن بن عبد الله، فبعث على أذربيجان ابن عمه حسين بن سعيد بن حمدان. وكان على ديار بكر أخوه عليّ. سنة خمس وعشرين وثلاثمائة فيها أشار محمد بن رائق على الراضي بأن ينحدر معه إلى واسط، فخرج أول السنة منحدرًا، فوصل واسط في عاشر المحرم. واستخلف بالحضرة أبا محمد الصلحي، فاضطربت الحجرية وقالوا: هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالساجية. فأقام بعضهم ثم انحدروا. واستخدم ابن رائق ستين حاجبًا، وأسقط الباقين، وكانوا أربعمائة وثمانين. ونقص أرزاق الحشم، فثاروا وحاربوا ابن رائق، وجرى بينهم قتال شديد، وانهزم من بقي من الساجية إلى بغداد، ولم يبق من الحجرية إلاّ قليل، مثل صافي الخازن، والحسن بن هارون، فأطلقا. ولمّا فرغ ابن رائق من الحجرية والساجية أشار على الراضي بالله بالتقدم إلى الأهواز، فأخرجت المضارب، وبعث ابن رائق أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، والحسن بن إسماعيل الإسكافي إلى أبي عبد الله البريدي برسالة من الراضي، مضمونها أنه قد أخر الأموال وأفسد الجيوش. وأنه ليس طالبيًا فينازع الأمر، ولا جنديا فينازع الإمارة، ولا ممن يحمل السلاح، فيؤهل لفتح البلاد. وأنه كان كاتبًا صغيرًا، فرفع فطغى وكفر

стр. 7418

النعمة فإن راجع سومح عن الماضي، فأجاب إلى أنه يحمل مالًا عينه، وأن الجيش الذي عنده لا يقوم بهم مال الحضرة، فسيجهزهم إلى فارس لحرب من بها. فبعث إليه الراضي بالعهد، فما حمل المال ولا جهز الجيش. وكان أبو الحسين البريدي ببغداد، فجهزه ابن رائق إلى أخيه أبي عبد الله، ثمّ ضمن البريدي البلاد. ورجع الراضي إلى بغداد، وتقلّد الشرطة بجكم. وخرج من بقي من الحجرية من بغداد إلى الأهواز، فقبلهم البريدي، وأجرى أرزاقهم، ورثى لهم. وصارت البلدان بين خارجي قد تغلب عليها، أو عامل لا يحمل مالًا، وصاروا مثل ملوك الطوائف، ولم يبق بيد الراضي غير بغداد والسواد، مع كون يد ابن رائق عليه. وفيها: ظهرت الوحشة بين محمد بن رائق وبين أبي عبد الله البريدي. ووافى أبو طاهر القرمطي إلى الكوفة فدخلها في ربيع الآخر، فخرج ابن رائق في جمادى الأولى، وعسكر بظاهر بغداد. وسير رسالة إلى القرمطي فلم تغن شيئًا، ثمّ إن القرمطي رد إلى بلده. وفيها: استوزر الراضي أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بمشورة ابن رائق. وكان ابن الفرات بالشام فأحضروه. ومضى ابن رائق إلى واسط وراسل البريدي، فلم يلتفت وأخذ يماطله. وبعث جيشًا إلى البصرة يحفظها من ابن رائق، وطيب قلوب أهلها، فقلق ابن رائق، وبعث إلى البصرة جيشًا، فالتقوا فانهزم جيش ابن رائق غير مرة. ثم قدم بدر الخرشني من مصر، فأكرمه ابن رائق، ثم نفذه وبجكمًا إلى الأهواز، فجهز إليهما البريدي أبا جعفر الجمال في عشرة آلاف نفس، فالتقوا على السوس، فهزمهم الخرشني، وساق وراءهم، فخرج البريدي وأخوه في طيار، وحملوا معهم ثلاثمائة ألف دينار، فغرق بهم الطيار، فأخرجهم الغواصون، واستخرجوا بعض الذهب لبجكم، ووافوا البصرة، ودخل بجكم الأهواز، وكتب إلى ابن رائق بالفتح.

стр. 7419

ودخل البريديون البصرة واطمأنوا، فساق ابن رائق بنفسه إلى البصرة في نصف شوّال. فهرب البريدي إلى جزيرة أوال، ووافاه بجكم. وسار ابن رائق وجيشه ليدخلوا البصرة، فقاتلهم أهلها ومنعوهم لظلمهم. وذهب البريدي إلى فارس، واستجار بعلي بن بويه فأجاره، وأنفذ معه أخاه أبا الحسين أحمد بن بويه لفتح الأهواز. وبلغ ابن رائق ذلك، فجهز بجكم إلى الأهواز، فقال: لست أحارب هؤلاء إلا بعد أن تحصل لي إمارتها وخراجها. فقال ابن رائق: نعم. وأمضى له ذلك على مائة وثلاثين ألف دينار في السنة. ودام أهل البصرة على عصيان ابن رائق لسوء سيرته، فحلف إن تمكن من البصرة ليجعلها رمادًا. فازدادا غيظهم منه. وفيها: ولي إمرة دمشق بدير مولى محمد بن طغج، فأقام بها إلى سنة سبع وعشرين. وقدم محمد بن رائق دمشق، فأقام بها، وزعم أن المتقي ولاه إياها، وأخرج بديرًا. ثم ولي بدير دمشق بعد ذلك من قبل كافور الإخشيدي. وأما البريديون فهم ثلاثة من الكتّاب: أبو عبد الله، وأبو الحسين، وأبو يوسف. كان أبوهم كاتبًا على البريد بالبصرة، فغلبوا على الأهواز وجرت لهم قصص، ثمّ اختلفوا وتمزقوا. وفيها: سار علي بن عبد الله بن حمدان إلى مصر، فتغلب عليها لما خرج عنها بدر الخرشني إلى العراق. ولم يجسر أحد أن يحج هذا العام. وفيها: أسس أمير الأندلس الناصر لدين الله الأموي مدينة الزهراء. وكان منتهى الإنفاق في بنائها كل يوم ما لا يحد، يدخل فيها كل يوم من الصخر المنحوت ستة آلاف صخرة، سوى التبليط. وجلب إليها الرخام من أقطار المغرب، ودخل فيها أربعة آلاف وثلاثمائة سارية، منها ثلاث وعشرون سارية ملونة. وأهدى له ملك الفرنج أربعين سارية رخام. وأما الوردي والأخضر فمن إفريقية، والحوض المذهب جلب من القسطنطينية، والحوض الصغير عليه صورة أسد، وصورة غزال، وصورة عقاب، وصورة

стр. 7420

ثعبان، وغير ذلك، كل ذلك ذهب مرصع بالجوهر. وبقوا في بنائها ست عشرة سنة. وكان ينفق عليها ثلث دخل الأندلس. وكان دخل الأندلس يومئذٍ خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانون ألف درهم. وعمل في الزهراء قصر المملكة. غرم عليه من الأموال ما لا يعلمه إلا الله. وبين الزهراء وبين قرطبة أربعة أميال، وطولها ألف وستمائة ذراع، وعرضها ألف وسبعون ذراعًا. ولم يبن في الإسلام أحسن منها، لكنها صغيرة بالنسبة إلى المدائن كما ترى؛ لا بل هي متوسطة المقدار. وكانت من عجائب الدنيا. وسورها ثلاثمائة برج، وكل شرافة حجر واحد. وعمل ثلثها قصور الخلافة، وثلثها للخدم، وكانوا اثني عشر ألف مملوك، وثلثها الثالث بساتين. وقيل: إنه عمل فيها بحيرة ملأها بالزئبق. وقيل: كان يعمل فيها ألف صانع، مع كل صانع اثنا عشر أجيرًا. وقد أحرقت وهدمت في حدود سنة أربعمائة، وبقيت رسومها وسورها. فسبحان الباقي بلا زوال. سنة ست وعشرين وثلاثمائة فيها: سار أبو عبد الله البريدي لمحاربة بجكم. وأقبل في مددٍ من ابن بويه، فخرج بجكم لحربه، وعاد منهزمًا بعد ثلاث، لأن الأمطار عطلت نشاب أصحابه وقسيهم، فقبض على وجوه أهل الأهواز، وحملهم معه، وسار إلى واسط. وأقام البريدي وأحمد بن بويه بالأهواز أيامًا. ثمّ هرب البريدي في الماء، ثم أخذ يراوغ أحمد بن بويه، وجرت له فصول. وقوي ابن بويه. وبجكم مقيم بواسط ينازع إلى الملك ببغداد. وقد جمع ابن رائق أطرافه وأقام ببغداد، والبريدي هارب في أسفل الأهواز. ولما رأى الوزير أبو الفتح الفضل اختلال الحضرة، واستيلاء المخالفين على البلاد، أطمع ابن رائق في أن يحمل إليه الأموال من الشام ومصر. وأن ذلك لا يتم مع بعده. وصاهره فزوج ابنه بابنة محمد بن رائق، وزوج مزاحم بن محمد بن رائق ببنت محمد بن طغج.

стр. 7421

ثمّ دخل الوزير أبو الفتح إلى الشام على البرية، وقد استخلف على الحضرة عبد الله بن علي النفري (١). وسار ابن شيرزاد بين البريدي وابن رائق في الصلح، فكتبوا للبريدي بالعهد على البصرة، وأن يجتهد في أخذ الأهواز من أحمد بن بويه، وأن يحارب بجكم. فواقع عسكر البريدي عسكر بجكم فهزمه، فسر بذلك ابن رائق. ثم أرسل بجكم إلى البريدي: أنت قد اتفقت مع ابن رائق علي وقد عفوت عنك، وأنا أعاهدك إن ملكت الحضرة أن أقلدك واسطًا. فسجد البريدي شكرًا لله وحلف له واتفقا. وفيها قطعت يد ابن مقلة. وسببه أن محمد بن رائق لما صار إليه تدبير المملكة قبض على ضياع ابن مقلة وابنه، فسأله ابن مقلة إطلاقها، فوعده ومطله. فأخذ ابن مقلة في السعي عليه من كل وجهٍ، وكتب إلى بجكم يطمعه في الحضرة، وكتب إلى الراضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق، ويضمن له إذا فعل ذلك وأعاده إلى الوزارة أنه يستخلص له منه ثلاث آلاف ألف دينار. وأشار باستدعاء بجكم ونصبه في بغداد. فأصغى إليه، فكتب ابن مقلة إلى بجكم يخبره ويحثه على القدوم. واتفق معهم أن ابن مقلة ينحدر سرًا إلى الراضي ويقيم عنده، فركب من داره، وعليه طيلسان، في رمضان في الليل. فلما وصل إلى دار الخليفة لم يمكن، وعدل به إلى حجرة فحبس بها. وبعث الراضي إلى ابن رائق فأخبره. فتردد الرسل بينهما أسبوعين، ثم أظهر الخليفة أمره، واستفتى القضاة في أمره، وأفشى ما أشار به ابن مقلة من مجيء بجكم وقبض ابن رائق. فيقال: إن القضاة، أفتوا بقطع يده، ولم يصح. ثم أخرجه الراضي إلى الدهليز، فقطعت يده بحضرة الأمراء. قال ثابت بن سنان: فاستدعاني الراضي وأمرني بالدخول عليه وعلاجه، فدخلت، فإذا به جالس يبكي، ولونه مثل الرصاص، فشكا ضربان ساعده. فطلبت كافورًا، وطليت به ساعده فسكن. وكنت أتردد إليه، فعرضت له علة النقرس في رجله. ثم لما قرب بجكم من بغداد قطع

стр. 7422

ابن رائق لسان ابن مقلة، وبقي في الحبس مدة، ثم لحقه ذرب وشفي إلى أن مات بدار الخلافة. وقد وزر ثلاث مرات لثلاثة من الخلفاء. ومات سنة ثمان وعشرين، وهو صاحب الخط المنسوب. ثم أقبل بجكم في جيوشه وضعف عنه محمد بن رائق، فاستتر ببغداد، ودخلها بجكم في ذي القعدة، فأكرمه الراضي ورفع منزلته، ولقبه أمير الأمراء، وانقضت أيام محمد بن رائق. وفيها: ورد كتاب من الروم. والكتابة بالذهب، وترجمتها بالعربية بالفضة؛ وهو: من رومانس وقسطنطين وأسطانوس عظماء ملوك الروم، إلى الشريف البهي ضابط سلطان المسلمين. بسم الأب والابن وروح القدس الإله الواحد، الحمد لله ذي الفضل العميم، الرؤوف بعباده، الذي جعل الصلح أفضل الفضائل، إذ هو محمود العاقبة في السماء والأرض. ولما بلغنا ما رزقته أيها الأخ الشريف الجليل من وفور العقل وتمام الأدب، واجتماع الفضائل أكثر ممن تقدمك من الخلفاء، حمدنا الله … وذكر كلامًا يتضمن طلب الهدنة والفداء. وقدموا تقدمة سنية. فكتب إليهم الراضي بإنشاء أحمد بن محمد بن ثوابة، بعد البسملة: من عبد الله أبي العباس الإمام الراضي بالله أمير المؤمنين إلى رومانس وقسطنطين وأسطانوس رؤساء الروم. سلام على من اتبع الهدى وتمسك بالعروة الوثقى وسلك سبيل النجاة، والزلفى. وأجابهم إلى ما طلبوا. وفيها: قلد الراضي بجكم إمارة بغداد وخراسان. وابن رائق مستتر. ولم يحج أحد. وفيها: كانت ملحمة عظيمة بين الحسن بن عبد الله بن حمدان وبين الدمستق، ونصر الله الإسلام، وهرب الدمستق. وقتل من النصارى خلائق، وأخذ سرير الدمستق وصليبه. سنة سبع وعشرين وثلاثمائة فيها: سافر الراضي وبجكم لمحاربة الحسن بن عبد الله بن حمدان،

стр. 7423

وكان قد أخر الحمل عن ما ضمنه من الموصل والجزيرة. فأقام الراضي بتكريت، ثمّ التقى بجكم وابن حمدان، فانهزم أصحاب بجكم وأسر بعضهم فحقق بجكم الحملة بنفسه، فانهزم أصحاب ابن حمدان. واتبعه بجكم إلى أن بلغ نصيبين فأقام بها، وهرب ابن حمدان إلى آمد، وسار الراضي إلى الموصل. وكان في جند بجكم طائفة من القرامطة، وبقوا مع الراضي، فلحقتهم ضائقة بتكريت، فذهبوا مغاضبين إلى بغداد. وظهر محمد بن رائق من استتاره فانضموا إليه، وكانوا ألف رجل، وقيل: إن الراضي إنما سارع إلى الموصل خوفًا منهم، فدخلها في صفر، فاستناب بجكم قواده على نصيبين وديار ربيعة، وعاد إلى الموصل وهو قلق من أمر ابن رائق. وبعد أيام وقعت فتنة بين المواصلة وجند الأمير بجكم، فركب بجكم ووضع السيف في أهل الموصل، وأحرق فيها أماكن. وسار ابن حمدان إلى نصيبين فهرب عمال بجكم عنها، وأخذ أصحابه يتسللون إلى ابن رائق. ثم طلب ابن حمدان من بجكم الصلح، فما صدق به، وبعث إليه بعهده. وأما ابن رائق فهرب أصحاب السلطان ببغداد وهزمهم، وراسل والدة الراضي وحرمه رسالة جميلة، وراسل الراضي وبجكم يلتمس الصلح وأن يقلد الفرات وجند قنسرين ويخرج إليها. فأجيب إلى ذلك، فسار ابن رائق إلى الشام. وفيها: أهلك عبد الصمد ابن المكتفي لكونه راسل ابن رائق في ظهوره أن يقلد الخلافة. وفيها: صاهر بجكم الحسن بن عبد الله بن حمدان. وفيها: مات الوزير أبو الفتح الفضل بن الفرات بالرملة. وفيها: وقع الصلح على أن يضمن البريدي من بجكم واسطا في السنة بستمائة ألف دينار. وفيها استوزر الراضي أبا عبد الله أحمد بن محمد البريدي. أشار عليه بذلك ابن شيرزاد، وقال: نكتفي شرة. فبعث الراضي قاضي القضاة أبا

стр. 7424

الحسن عمر بن محمد بن يوسف القاضي إليه بالخلع والتقليد. وفيها: كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطي، وكان يحبه، أن يطلق طريق الحاج، ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير. فأذن، وحج الناس؛ وهي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج. سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة في أولها ورد الخبر بأن علي بن عبد الله بن حمدان لقي الدمستق، فهزمه علي. وفيها: تزوج بجكم بسارة بنت الوزير أبي عبد الله البريدي. وفي شعبان توفي قاضي القضاة أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف، وقلد مكانه ابنه القاضي أبو نصر يوسف. وفيها: سار بجكم إلى الجبل وعاد، وفسد الحال بينه وبين الوزير البريدي لأمور، فعزل بجكم الوزير، واستوزر أبا القاسم سليمان بن مخلد. وخرج بجكم إلى واسط. وفي رمضان ملك محمد بن رائق حمص، ودمشق، والرملة، وإلى العريش، ولقيه محمد بن طغج الإخشيد فانهزم الإخشيد، ووقع جند ابن رائق في النهب، فخرج عليهم كمين ابن طغج فهزمهم، ونجا ابن رائق إلى دمشق في سبعين رجلًا. وفي شوال مات أبو علي ابن مقلة، وأبو العباس أحمد بن عبيد الله الخصيبي اللذين وزرا. وفيها: واقع محمد بن رائق أبا نصر بن طغج في أرض اللجون، فانهزم أصحاب ابن طغج، واستؤسر وجوه قواده، وقتل في المعركة. فعز ذلك على ابن رائق وكفنه، وأنفذ معه ابنه مزاحمًا إلى الإخشيد محمد بن طغج يعزيه في أخيه، ويحلف أنه ما أراد قتله، وأنه أنفذ إليه ولده مزاحمًا ليقيده به. فشكره وخلع على مزاحم ورده، واصطلحا على أن يفرج ابن رائق عن الرملة للإخشيد، ويحمل إليه الإخشيد في السنة مائة وأربعين ألف دينار.

стр. 7425

وفي شعبان غرقت بغداد غرقًا عظيمًا، حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعًا. وغرق الناس والبهائم، وانهدمت الدور، فلله الأمر. وفيها: غزا سيف الدين علي بن حمدان بلاد الروم، وجرت له مع الدمستق وقعات نصر الله فيها المؤمنين، وله الحمد. سنة تسع وعشرين وثلاثمائة فيها عزل بجكم ابن شيرزاد عن كتابته، وصادره على مائة وخمسين ألف دينار. وفي ربيع الأول اشتدت علة الراضي بالله، وقاء في يومين أرطالًا من دم، ومات. وبويع المتقي لله أخوه. وكان الراضي سمحًا كريمًا أديبًا شاعرًا فصيحًا، محبًا للعلماء. سمع من البغوي، وله شعر مدون. قال الصولي (١): سئل الراضي أن يخطب يوم الجمعة، فصعد المنبر بسر من رأى، فحضرت أنا وإسحاق بن المعتمد. فلما خطب شنف الأسماع وبالغ في الموعظة. ثم نزل فصلى بالناس. وقيل: إن الراضي استسقى وأصابه ذرب عظيم. وكان من أعظم آفاته كثرة الجماع. توفي في منتصف ربيع الآخر، وله إحدى وثلاثون سنة ونصف. ودفن بالرصافة. وهو آخر خليفة جالس الندماء. خلافة المتقي. قال الصولي: لما مات الراضي، كان بجكم بواسط، وبلغه الخبر، فكتب إلى كاتبه أبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي يأمره أن يجمع القضاة والأعيان بحضرة وزير الراضي أبي القاسم سليمان بن الحسن ويشاورهم فيمن يصلح. وبعث الحسين بن الفضل بن المأمون إلى الكوفي بعشرة آلاف
следующие страницы →