الكرجي. وعنه ابنه نصر وتمام الرازي، وعلي الحنائي.
مات بدمشق (١).
٣١١ - أحمد بن المظفر بن إبراهيم المقرئ الأصبهاني جار ابن مندة.
٣١٢ - إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن خرشيذ قولة، أبو إسحاق، الكرماني ثم الأصبهاني، التاجر، مسند أصبهان.
سمع أبا بكر بن زياد النيسابوري، والمحاملي، وأبا العباس بن عقدة، وابن مخلد، والحسن بن أبي الربيع الأنماطي، وطائفة كبارا. وعنه أبو الوفاء محمد بن بديع، وظفر بن عبد الرحيم، وسليمان بن عبد الرحيم الحسناباذي، وعبد الوهاب بن مندة، ومحمد بن أحمد بن علي السمسار، وإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطيان، وأبو منصور محمد بن أحمد بن شكرويه؛ الأصبهانيون، وغيرهم. وعند أبي الوفاء محمود بن مندة جملة من عواليه.
توفي في شهر المحرم.
قال المصقلي: سمعت ابن خرشيذ قولة يقول: ولدت سنة سبع وثلاثمائة، ودخلت بغداد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (٢).
٣١٣ - إبراهيم بن محمد بن عبيد، الحافظ أبو مسعود الدمشقي، مصنف أطراف الصحيحين.
رحل وسمع عبد الله بن محمد ابن السقاء بواسط، وأبا بكر أحمد بن عبدان الشيرازي الحافظ، وأبا بكر ابن المقرئ الأصبهاني. وسمع بالكوفة أصحاب مطين، وبالبصرة أصحاب أبي خليفة، وببغداد ونيسابور، ثم سكن بغداد.
وكان صدوقا ورعا فهما؛ روى عنه أبو القاسم اللالكائي، وأبو ذر الهروي، وحمزة السهمي، والعتيقي.
стр. 8717
وتوفي في رجب. ويقال: توفي سنة إحدى وأربعمائة.
وكان من أئمة الحديث، مات كهلا، وقل ما روى (١).
٣١٤ - حجاج بن هرمز، الأمير أبو جعفر.
استنابه السلطان بهاء الدولة بالعراق، وندبه لحرب الأكراد والأعراب. وكان متقدما في دولة عضد الدولة وبنيه، عارفا بالحروب، شجاعا مهيبا، ذا رأي وجلالة وأبهة وسطوة. خرج عن بغداد في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة فكثرت بها العملات ووقعت الفتن.
توفي بالأهواز في ربيع الأول، فذكر أبو الفرج ابن الجوزي (٢) أنه توفي عن مائة سنة وخمس سنين. وحاصل الأمر أنه أسن وعمر.
٣١٥ - الحسن بن العباس بن الحسن بن أبي الجن حسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين ﵇، القاضي أبو محمد الحسيني القمي.
ولي قضاء دمشق من جهة قاضي الديار المصرية محمد بن النعمان الشيعي العبيدي. وأصله من بلد قم، فقدم أبوه الشام وسكن حلب.
توفي القاضي أبو محمد في جمادى الأولى (٣).
٣١٦ - الحسين بن عثمان، أبو علي المجاهدي الضرير.
صاحب ابن مجاهد، وهو آخر من قرأ عليه. وكان يأخذ على الإنسان الختمة بدينار.
كذا ورخه بعضهم، وبعضهم قال: توفي سنة أربع وأربعمائة، فالله أعلم (٤).
стр. 8718
٣١٧ - الحسين بن محمد، أبو أحمد الشروطي، البغدادي الأصل، الدمشقي، المعروف بابن الوزير.
روى كتاب الأم عن الحسن بن حبيب الحصائري. وروى عن محمد بن جعفر بن ملاس. وعمر نحو مائة سنة. روى عنه علي الحنائي، وأبو علي الأهوازي (١).
٣١٨ - الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، الشريف الطاهر ذو المناقب، ويلقب أيضا بالأوحد، أبو أحمد الحسيني الموسوي البغدادي، والد الرضي والمرتضى.
من سادة الشيعة ومعمريهم، ولد سنة أربع وثلاثمائة، وقد ولاه بهاء الدولة قضاء القضاة، فلم يمكنه القادر بالله. وقد ولي النقابة وله خمسون سنة، ثم عزله العباس بن الحسن الشيرازي وزير عز الدولة، وقلد أبا محمد بن الناصر العلوي. ثم ولي الشريف أبو أحمد النقابة مدة، ثم مرض فولي مكانه أبو الحسن علي بن أحمد بن إسحاق، ثم وليها أبو الفتح محمد بن عمر العلوي الكوفي أمير الحاج، فلما مات قلد أبو أحمد النقابة والمظالم وإمرة الحج، فاستخلف ولديه الرضي والمرتضى، ثم عزل وقلد النقابة أبو الحسن محمد بن الحسن الزيدي، ثم أعيد أبو أحمد، وهي الولاية الخامسة، وبقي إلى أن توفي عن بضع وتسعين سنة، وقد شاخ وأضر، وقل من بلغ هذا السن من كبار العلويين.
توفي في هذه السنة، وصلى عليه ابنه الشريف المرتضى شيخ الرافضة وعالمهم، ودفن في داره، ثم نقل إلى مشهد الحسين ﵇.
وكان فيه دين وخير وتعبد على بدعته.
٣١٩ - خلف بن علي بن ناصر، أبو محمد السبتي الزاهد.
أخذ عن أبي محمد بن أبي زيد، وعبد الملك بن الحسن الصقلي. وكان زاهدا متبتلا، سائحا في الأرض، لا يأوي إلى وطن. وسكن بمسجد
стр. 8719
في قرطبة، فكان الصلحاء والزهاد يقصدونه. أخذ عنه أبو عمر الطلمنكي، والصاحبان، وأبو عبد الله الخولاني.
وتوفي بإلبيرة في صدر الفتنة البربرية، رحمة الله عليه (١).
٣٢٠ - خلف بن مسعود، أبو سعيد الجراوي المالقي.
حدث عنه الصاحبان، قالا: أجاز لنا مختصر النحوي للمدونة. قال ابن حيان: قدم قرطبة، فحمل عنه بها علم كثير، وكان له من القاضي ابن ذكوان خاصة، وأغري به العامة، فأضجعوه وذبحوه حين ثورة الأندلس بالبرابرة عند قيام المهدي الأموي (٢).
٣٢١ - سعيد بن عثمان بن سعيد بن محمد، أبو عثمان البربري الأندلسي، ابن القزاز اللغوي القرطبي، المعروف بلحية الزبل.
ولد سنة خمس عشرة وثلاثمائة. وروى عن قاسم بن أصبغ، ومحمد بن عبد الله بن أبي دليم، ووهب بن مسرة، ومحمد بن محمد بن عبد السلام الخشني، ومحمد بن عيسى بن رفاعة، وسعيد بن جابر الإشبيلي، وكان بارعا في الأدب مقدما في اللغة؛ له كتاب في الرد على صاعد بن الحسن اللغوي، وكانت له عناية بالحديث.
وكان ثقة من أجل أصحاب أبي علي القالي.
فقد في وقعة الأندلس في ربيع الأول من السنة، وهو من شيوخ ابن عبد البر وغيره (٣).
٣٢٢ - سليمان بن هشام بن وليد بن كليب، أبو الربيع، ابن الغماز القرطبي المقرئ المجود.
أخذ القراءات عن أبي الحسن الأنطاكي، ورحل فأخذ بمصر عن أبي بكر الأدفوي، وأبي الطيب بن غلبون.
قال أبو عمر ابن الحذاء: كان أحفظ من لقيت للقراءات، وأكثرهم ملازمة للإقراء، وكان أطيب من لقيت صوتا بالقرآن.
стр. 8720
وقال أبو عمرو الداني: كان ذا ضبط وحفظ للحروف، حسن اللفظ بالقرآن، أخذت عنه، وقتل مع سليمان بن الحكم الأموي الملقب بالمستعين في شوال بعقبة البقر (١).
٣٢٣ - سليمان بن عبد الغافر بن بنج مال (٢) الأموي، أبو أيوب الأندلسي الزاهد.
كان من أهل الزهد والتقلل والورع، يلبس الصوف ويمشي حافيا، ولا يقبل من أحد شيئا. وكان مجاب الدعوة عرف بذلك، وقد بكى من خشية الله حتى عمي. وكان إذا سئل عن حاله قال: كيف يكون حال من الدنيا داره، وإبليس جاره، وتكتب أعماله وأخباره!
ولد سنة إحدى وثلاثمائة، وطال عمره حتى توفي في ذي القعدة سنة أربعمائة، وقد أشرف على المائة، وشيعه الخلائق. وكان آخر العباد بقرطبة، وشهده الخليفة محمد بن هشام المهدي. وقتل بعده بتسعة عشر يوما (٣).
٣٢٤ - طالب بن هجرس، أبو العشائر المصري.
حدث، وورخه الحبال (٤).
٣٢٥ - عائشة بنت أحمد بن محمد بن قادم القرطبية.
قال ابن حيان: لم يكن في جزائر الأندلس في زمانها من يعدلها فهما وعلما وأدبا وشعرا وفصاحة؛ كانت تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم فيما يعرض لها من حاجتها. وكان حسنة الخط تكتب المصاحف، وماتت عذراء لم تنكح في سنة أربعمائة (٥).
٣٢٦ - عبد الله بن أحمد بن قند، أبو محمد القرطبي اللغوي، صاحب الحافظ أبي محمد الأصيلي، يعرف بالطبطل (٦).
стр. 8721
كان كاتبا أديبا بليغا فقيها محدثا توفي في الوقعة التي كانت بين سليمان بن حكم وبين المهدي بعقبة البقر (١).
٣٢٧ - عبد الله بن جعفر (٢) بن محمد بن مهران، أبو سعد السرخسي النخالي، كان يبيع النخالة.
روى عن أبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، وأبي علي بن لقمان السرخسي.
توفي في حدود الأربعمائة.
٣٢٨ - عبد الله بن مجالد بن بشر، أبو محمد البجلي الكوفي.
ثقة، يروي عن ابن عقدة الحافظ، وتوفي في شوال.
٣٢٩ - عبد الرحمن بن عبد الله بن علي بن سختويه، أبو بكر المزكي، الفقيه الشافعي النيسابوري.
روى عن أبي العباس الأصم وغيره، ودرس الفقه سنين.
مات في رمضان.
٣٣٠ - عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق بن الأزهر الأزهري، أبو نعيم الإسفراييني.
روى عن خال أبيه الحافظ أبي عوانة كتابه الصحيح المسند بقراءة أبيه، واحتاط له خاله في سماعه، فبارك الله في عمره حتى سمعه الأئمة واشتهر به.
قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل (٣): كان رجلًا صالحًا ثقة، حضر نيسابور في آخر عمره، ولم يعهد بعد ذلك المجلس مثله لقراءة الحديث، كما حدثنا الثقات، وعاد إلى إسفرايين، وذلك في سنة تسع وتسعين.
قلت: روى عنه الكتاب الإمام أبو القاسم القشيري، وزوجته فاطمة بنت أبي علي الدقاق ولها فوت، وعبد الحميد وعبد الله ابنا عبد الرحمن بن
стр. 8722
محمد البحيري، وأبو القاسم علي بن عبد الرحمن بن عليك الرازي، وروى عنه بعض الكتاب عثمان بن محمد بن عبيد الله المحمي، وشبيب بن أحمد البستيغي (١)، وأبو الحسن علي بن عبد الله بن يوسف الجويني، وعلي بن محمد بن علي بن ماسرجس الخازن، وعلي بن عبد العزيز الخشاب، وأبو المعالي عمر بن محمد بن حسين البسطامي، وأبو بكر محمد بن حسان بن محمد، ومحمد بن عبيد الله الصرام، وأبو نصر محمد بن سهل بن محمد السراج، وهو آخر أصحابه موتًا؛ توفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
وقع لنا هذا المسند بإجازة أبي المظفر ابن السمعاني، لكني أنا سمعت منه ست مجلدات، وبطلت.
قال الحاكم في تاريخه: توفي أبو نعيم الإسفراييني ابن أخت أبي عوانة في ربيع الأول سنة أربعمائة.
قلت: وسماعه من خاله كان في حياة البغوي، وابن صاعد، وأبي بكر بن أبي داود، وتوفي خاله قبل البغوي بسنة، وكان مولد أبي نعيم في ربيع الأول سنة عشر وثلاثمائة. وقد سمع أيضًا من أبيه المحدث أبي محمد صاحب يوسف القاضي، ومن أبي نعيم عبد الملك بن عدي، وأبي عمران الجويني، وعبد الله بن محمد بن مسلم الإسفراييني، ومحمد بن عبدك الشعراني، والأصم، وابن الأخرم، لكن اشتغل عنه أكثر الطلبة بمسند أبي عوانة.
٣٣١ - عبد الواحد بن علي بن غياث، أبو بكر البغدادي الرزاز.
سمع محمد بن حمدويه المروزي، وابن عياش القطان. روى عنه أبو محمد الخلال، وأبو القاسم الأزجي، وأبو الحسين بن المهتدي بالله، ووثقه الخطيب (٢).
أنبأني المسلم بن محمد القيسي قال: أخبرنا الكندي قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن يوسف قال: أخبرنا محمد بن علي ابن المهتدي بالله قال: ذكر لنا شيخنا عبد الواحد بن علي بن غياث أن مولده في رمضان سنة
стр. 8723
تسع وثلاثمائة، وأنه سمع الحديث من أبي القاسم ابن بنت منيع، وأن كتبه انتهبت.
قال الخلال: توفي سنة أربعمائة.
٣٣٢ - عبيد الله بن أحمد بن الحسن، أبو الفرج بن السخت الرقي المقرئ البزاز.
حدث بدمشق عن النجاد، وجعفر الخلدي، وجماعة. روى عنه أبو علي الأهوازي، وعلي الحنائي (١).
٣٣٣ - علي بن محمد بن إبراهيم، أبو الحسن المديني الأدمي.
توفي في رجب.
٣٣٤ - علي بن محمد بن أحمد بن داود، أبو الحسن ابن النحوي الدمشقي الشاهد الخطيب، والد عبد المنعم.
روى عن علي بن أبي العقب، وعنه علي الحنائي وغيره.
توفي في المحرم (٢).
٣٣٥ - عمرو بن عثمان بن خطار، أبو حفص القرطبي.
أخذ عن علي بن عبيد مختصره في الفقه، وعن محمد بن عمرو بن عيشون. روى عنه أبو حفص الزهراوي وغيره (٣).
٣٣٦ - عمران بن الحسن بن يوسف، أبو الفرج الخفاف.
روى بدمشق عن أحمد بن زبان، وأبي إسحاق بن أبي ثابت، وعثمان بن محمد الذهبي. روى عنه علي بن محمد الحنائي، ورشأ بن نظيف، وأحمد بن الحسن الطيان، وأبو علي الأهوازي، وآخرون (٤).
٣٣٧ - محمد بن أحمد بن جعفر الأصبهاني الكوسج.
توفي في صفر.
стр. 8724
٣٣٨ - محمد بن أحمد بن معارك، أبو القاسم العقيلي القرطبي النحوي.
روى عن أبي علي القالي، وكان مقدمًا في علم العربية والبصر بالشعر، أقرأ النحو.
وهو والد عبد الرحمن العقيلي (١).
٣٣٩ - محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى، أبو عبد الله الخشني الطليطلي، ويعرف بابن المشكيالي.
روى عن أحمد بن خليل قاضي طليطلة، ومحمد بن عمرو بن عيشون، وبقرطبة أحمد بن ثابت، وأبان بن عيسى. وحج فسمع بمصر أبا محمد بن الورد، وأحمد بن سلمة بن الضحاك، وأبا هريرة بن أبي العصام، وحمزة بن محمد الكناني، وأبا بكر بن أبي الموت.
وكان من كبار المالكية، عينًا من أعيان طليطلة، مع زهد وتواضع وورع وعمل بعلمه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ثقة، قصده المظفر بن أبي عامر إلى داره، فلما علم قال للطلبة: لا يقم أحد، فامتثلوا أمره، فلما دخل سأله الدعاء، فقال: اللهم أدخل له في قلوب رعيته الطاعة، وأدخل لهم في قلبه الرأفة والرحمة.
توفي في سادس جمادى الآخرة، وولد سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة، وكان من كبار المسندين بالأندلس، ﵀ (٢).
٣٤٠ - محمد بن خلف بن الشولة، أبو عبد الله الأندلسي.
رحل إلى مصر وأخذ عن الحسين بن عبد الله القرشي معجم الصحابة له في ثلاثين جزءًا، وعن الحسن بن رشيق. حدث عنه الصاحبان، وأبو محمد بن دنين، وأبو عبد الله بن عبد السلام الحافظ. وتوفي في جمادى الأولى عن ست وستين سنة (٣).
стр. 8725
٣٤١ - محمد بن عمروس بن العاص القرطبي، أبو عبد الله المالكي.
أخذ عن أبي عبد الله بن مفرج، وحج سنة تسع وستين، وذهب إلى بغداد فأخذ عن أبي بكر الأبهري الفقيه، وأبي الحسين بن المظفر، والدارقطني، وأخذ عن أهل البصرة ومصر والقيروان. روى عنه أبو عمر بن عبد البر، وأبو عبد الله بن عائذ، وغيرهما.
وتوفي في جمادى الآخرة (١).
٣٤٢ - محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن الناصر لدين الله أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد الأموي الملقب بالمهدي.
توثب على الأمر بالأندلس، وخلع المؤيد بالله هشامًا، وحارب عبد الرحمن ابن الحاجب أبي عامر القحطاني شنشول الذي وثب قبله بسنة، وسمى نفسه ولي العهد، وجعل ابن عمه محمد بن المغيرة حاجبه، وأمر بإثبات كل من جاءه في الديوان، فلم يبق زاهد ولا جاهل ولا حجام ثم حتى جاءه، فاجتمع له نحو من خمسين ألفا، وذلت له الوزراء والصقالبة، وجاءوا وبايعوه، وأمر بنهب دور بني عامر، وانتهب جميع ما في الزهراء من الأموال والسلاح، حتى قلعت الأبواب، فيقال: إن الذي وصل إلى خزانة ابن عبد الجبار خمسة آلاف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، ومن الفضة ألف ألف درهم، ثم وجد بعد ذلك خوابي فيها ألف ألف ومائة ألف دينار، وخطب له بالخلافة بقرطبة، وتسمى بالمهدي، وقطعت دعوة المؤيد، وصلى المهدي الجمعة بالناس، وقرئ كتاب بلعنة عبد الرحمن بن أبي عامر الملقب بشنشول، ثم سار إلى حربه إثر ذلك في سنة تسع وتسعين، وكان القاضي ابن ذكوان يحرض على قتاله، ويقول عن شنشول: هو كافر. وكان قد استعان بعسكر من الفرنج وقام معه ابن غومس القومص، فسار إلى قرطبة، وأخذ أمر ابن عبد الجبار يقوى وأمر شنشول يضعف، وأصحابه تتسحب عنه، فقال له القومص: ارجع بنا قبل أن يدهمنا العدو، فأبى ومال إلى دير شريش جوعان سهران، فنزل له الراهب بخبز ودجاجة، فأكل
стр. 8726
وشرب وسكر، وجاء لحربه حاجب المهدي في خمسمائة فارس، فجدوا في السير وقبضوا عليه، فقال: أنا في طاعة المهدي، وظهر منه جزع وذل، وقبل قدم الحاجب، ثم ضربت عنق شنشول، ونودي عليه هذا شنشول المأبون المخذول.
قال الحميدي (١): قام على المهدي في شوال سنة تسع وتسعين ابن عمه هشام بن سليمان ابن الناصر الأموي مع البربر، فحاربه، ثم انهزمت البربر، وأسر هشام فضرب المهدي عنقه.
وقال غيره: لما استوسق الأمر لابن عبد الجبار المهدي أظهر من الخلاعة أكثر مما فعله شنشول، وأربى عليه في الفساد، وأخذ الحرم، وعمد إلى نصراني يشبه المؤيد بالله، ففصده حتى مات، وأخرجه إلى الناس وقال: هذا هشام، وصلى عليه ودفنه.
وفي رمضان وصل إلى ابن عبد الجبار رسول صاحب طرابلس المغرب فلفل بن سعيد الزناتي، داخلًا في الطاعة، ويسأل إرسال سكة يضرب بها الذهب على اسمه، كل ذلك ليعينه على باديس ابن المنصور، فخرج باديس وأخذ طرابلس، وكتب إلى عمه حماد في إغراء القبائل على ابن عبد الجبار.
وكان ابن عبد الجبار بخذلانه قد همّ بالغدر بالبربر الذين حوله، وصرح بذلك لجهله، فنم عليه بسببه هشام بن سليمان ابن الناصر لدين الله، وحرضهم على خلعه، فقتلوا وزيريه محمد بن دري وخلف بن طريف، وثار الهيج، واجتمع لهشام عسكر، وحرقوا السراجين، وعبروا القنطرة، ثم تخاذلوا عن هشام فأخذ، وأخذ ولده وأخوه أبو بكر فقتلهم ابن عبد الجبار صبرًا، وقتل خلق من البربر، ثم تحيز البربر إلى قلعة رباح وهرب معهم سليمان بن الحكم بن سليمان ابن الناصر هشام فبايعوه، وسموه المستعين بالله، وجمعوا له مالًا من كل قبيلة، حتى اجتمع له نحو من مائة ألف دينار، فتوجه بالبربر إلى طليطلة، فامتنعوا عليه، ثم ملكها، وقتل واليها، فاعتدّ ابن عبد الجبار للحصار، وجزع حتى جرأ عليه العامة،
стр. 8727
ثم بعث عسكرًا فهزمهم سليمان، فرتب الناس للقتال، وكان أكثر جند ابن عبد الجبار لحامين وحاكة، وقارب سليمان قرطبة، فبرز إليه عسكر ابن عبد الجبار، فناجزهم سليمان، فكان من غرق منهم في الوادي أكثر ممن قتل، وكانت وقعة هائلة، وذهب خلق من الأخيار والمؤذنين والأئمة، فلما أصبح ابن عبد الجبار أخرج المؤيد بالله هشام بن الحكم الذي كان أظهر موته، فأجلسه للناس، وأقبل القاضي يقول: هذا أمير المؤمنين، وإنما محمد نائبه، فقال له البربر: يا ابن ذكوان، بالأمس تصلي عليه، واليوم تحييه! وخرج أهل قرطبة إلى المستعين سليمان فأحسن ملقاهم، واختفى ابن عبد الجبار، واستوسق أمر المستعين، ودخل القصر، ووارى الناس قتلاهم، فكانوا نحو اثني عشر ألفًا.
ثم هرب ابن عبد الجبار إلى طليطلة، فقاموا معه، وكتب إلى الفرنجية ووعدهم بالأموال، فاجتمع إليه خلق عظيم، وهو أول مال انتقل من بيت المال بالأندلس إلى الفرنج، وكانت الثغور كلها باقية على طاعة ابن عبد الجبار، فقصد قرطبة في جيش كبير، فكان الملتقى على عقبة البقر على بريد من قرطبة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم سليمان، واستولى المهدي على قرطبة ثانيًا، ثم خرج بعد أيام إلى قتال جمهرة البربر، فالتقاهم بوادي آره، فهزموه، ففر إلى قرطبة، فوثب عليه العبيد ثم انهزم ابن عبد الجبار أقبح هزيمة، وقتل من الفرنج ثلاثة آلاف في السنة، وغرق منهم خلق، وأسر ابن عبد الجبار ثم ضربت عنقه، وقطعت أربعته في ثامن ذي الحجة سنة أربعمائة، وله أربع وثلاثون سنة؛ وثب عليه العبيد، إذ جاء قرطبة منهزمًا.
٣٤٣ - مطهر بن أحمد بن مطهر الأشموني.
توفي بمصر في ذي الحجة وله خمس وثمانون سنة.
٣٤٤ - هشام بن عبيد الله ابن الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد الأموي الأمير، أبو الوليد الأندلسي، ويعرف بصاحب الخضراء.
قال الأبار (١): كان خير من تبقى من أهل بيت الخلافة عفافًا ومروءة
стр. 8728
وسخاء، إلى أدب ومعرفة، وجمع للكتب، رغب المستعين بالله سليمان في كتبه، فقومت واشتراها.
توفي في أول سنة أربعمائة.
٣٤٥ - أبو سعيد الفلاحي الحنفي النيسابوري.
حدث عن الأصم وغيره، توفي في صفر.
٣٤٦ - أبو نصر بن الحسن بن أحمد الحيري النيسابوري، أخو القاضي أبي بكر.
روى عن أبي العباس الأصم وأقرانه، وتوفي في رمضان.
стр. 8729
المتوفون قبل الأربعمائة
٣٤٧ - أحمد بن أفلح بن حبيب بن عبد الملك، أبو عمر الأموي القرطبي الأديب.
روى عن قاسم بن أصبغ، ومحمد بن عيسى بن رفاعة، ووهب بن مسرة، وجماعة، ورحل إلى الشرق. حدث عنه الصاحبان، وابن أبيض (١).
٣٤٨ - أحمد بن عبد الواحد بن أحمد، أبو بكر البجلي الجريري المكي.
رحال جوال. روى عن عبد الله بن محمد ابن السقاء، وأبي بكر الإسماعيلي، والمفيد، وطبقتهم. وعنه تمام الرازي وهو أسند منه، وعلي بن الحسن الربعي، وأبو الحسن ابن السمسار، ومات قبل أوان الرواية.
٣٤٩ - أحمد بن علي بن وصيف، أبو الحسين بن خشكنانكة البغدادي، الكاتب الشاعر النديم.
صاحب كتاب النثر الموصول بالنظم، وكتاب صناعة البلاغة. وكان شيعيا مناظرا، نادم الوزير المهلبي، وبقي إلى أيام الملك شرف الدولة، وقد نادم ابن بقية الوزير (٢).
فمن شعره:
سلمت بالجفون سلمى فسلمـ … ـت إليها قلبا سليما سقيما
بالقوام القويم يهتز لدنا … زاده الهز في النقى تقويما
كم لها من مقاتل وقتيل … وكلام به تداوي الكلوما
رب ليل من شعرها ونهار … من سنا وجهها اتخذت نديما
٣٥٠ - أحمد بن عيسى بن سليمان، من أهل بجانة، أبو القاسم الأندلسي.
стр. 8730
روى عن سعيد بن فحلون، وأحمد بن جابر. روى عنه الصاحبان، وأبو عمر الطلمنكي (١).
٣٥١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن سيد أبيه، أبو عمر القرطبي.
روى عن محمد بن معاوية، روى عنه الصاحبان؛ أبو إسحاق، وأبو جعفر.
مات قبل الأربعمائة، وله قريب من سبعين سنة (٢).
٣٥٢ - أحمد بن محمد الأديب، أبو طاهر الشيرازي الشاعر البليغ.
روى عنه من شعره أبو القاسم عمر بن محمد النعماني، وأبو غالب محمد بن أحمد بن بشران اللغوي، وعلي بن الحسن السمسمي.
٣٥٣ - أحمد بن محمد بن المكتفي بالله علي ابن المعتضد.
سمع من أبي القاسم البغوي. وعنه أبو الحسين ابن المهتدي بالله؛ سمع منه في سنة سبع وتسعين وثلاثمائة (٣).
٣٥٤ - أحمد بن محمد بن زيد، أبو سعد القزويني المالكي، صاحب أبي بكر الأبهري.
تفقه عليه، وعلى أبي بكر بن علويه الأبهري، صنف المذهب والخلاف وله كتاب المعتمد في الخلاف في مائة جزء، وهو من أحسن الكتب، وسمع من أبي زيد المروزي.
وتوفي سنة نيف وتسعين وثلاثمائة؛ قاله عياض وقرّظه (٤).
٣٥٥ - إبراهيم بن شاكر بن خطاب، أبو إسحاق القرطبي اللجام.
روى عن أحمد بن ثابت التغلبي، وأبي محمد بن عثمان، وجماعة. وكان رجلًا صالحًا ورعًا، حافظًا للحديث وأسماء الرجال. روى عنه أبو
стр. 8731
عمر بن عبد البر وقال: إن كان في عصره أحد من الأبدال فيوشك أن يكون منهم، ﵀ (١).
٣٥٦ - إسحاق بن إبراهيم بن شريح، أبو محمد الجرجاني.
عن الأصم، ومحمد بن عبد الله الصفار.
قال الخطيب (٢): حدثنا عنه أبو العلاء الواسطي، والعتيقي.
٣٥٧ - بديل بن أحمد بن محمد الحافظ، أبو بكر الهروي.
حدث ببغداد عن الأصم، ومنصور بن الحسن الدينوري، وجماعة. وعنه أبو سعد الماليني، وأبو محمد الخلال.
ذكر الخطيب ترجمته مختصرة (٣).
٣٥٨ - الحسن بن المليح بن مسلم بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٤)، الأمير الشريف أبو محمد العلوي الحسيني المدني، أمير المدينة وابن أميرها أبي طاهر.
قال أبو الغنائم النسابة في كتاب نزهة العيون: حكى الشريف حسن بن المليح قال: قدمت على بكجور نائب دمشق، قلت: وليها في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، قال: فأتيته وأنا شاب، وكان يحب العلويين، وكان أبي إذ ذاك أمير المدينة، فنزلت في فندق الطائي بسوق القمح من دمشق، وأهديت له شعرا من شعر النبي ﷺ ، فذكر الحكاية، وأن بكجور وصله بأشياء، فلما خرج قال بعض الحاضرين: كيف يكون هذا شعر رسول الله ﷺ ؟ ولعله من شعر أهل بيته. قال: فتغير علي ثاني يوم، ثم بلغني ذلك فتألمت، وجئته وقلت: أشتهي ترد علي هديتي، فأحضره، فطلبت منقل نار فأحضر، فوضعت الشعر - وكان أربع عشرة شعرة - على
стр. 8732
ذلك الجمر فلم يحترق، فبكى الأمير وقال: يا حياءنا من رسول الله ﷺ ، وبالغ في كرامتي؛ حتى أنني لما ركبت أخذ بركابي وقبل رجلي.
٣٥٩ - الحسين بن محمد بن أحمد بن قطينا، أبو عبد الله البغدادي.
روى عن أبي بكر بن زياد النيسابوري، والمحاملي. روى عنه أبو بكر البرقاني، وعبد العزيز الأزجي.
ووثقه الخطيب (١).
٣٦٠ - حكم بن محمد بن حكم، أبو العاصي الأموي الأطروش.
روى عن ابن النحاس النحوي، وسلم بن الفضل، وابن خروف، وأبي بكر بن أبي الموت، وابن حيويه النيسابوري.
وولد سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. روى عنه الصاحبان، وأبو عمرو الداني (٢).
٣٦١ - خلف بن سعيد بن عبد الله بن عثمان بن زرارة (٣)، أبو القاسم ابن المرابط الكلبي، من ذرية الأبرش الكلبي، ويعرف بالمبرقع المحتسب، من أهل قرطبة.
رحل إلى المشرق مرتين؛ أولاهما سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، فسمع أبا سعيد ابن الأعرابي، وابن الورد، وأبا بكر الآجري. روى عنه أبو إسحاق بن شنظير، وأبو حفص الزهراوي.
وقال ابن شنظير: توفي في نحو الأربعمائة (٤).
٣٦٢ - خلف بن عيسى بن سعد الخير، أبو الحزم الوشقي، فقيه وشقة وقاضيها.
يروي عن ابن عيشون، وأبي عيسى. حدث عنه ابنه أبو الأصبغ، وأبو
стр. 8733
عمر ابن الحذاء. وكان من فضلاء المالكية (١).
٣٦٣ - سعيد بن عثمان بن مروان القرشي الأندلسي الشاعر، المعروف بابن عمرون.
من فحول شعراء المنصور أبي عامر صاحب الأندلس، ومن شعره في المنصور - وقد أحسن ما شاء:
ذكر العقيق ومنزلا بالأبرق … فكفاه ما يلقى الفؤاد وما لقي
ردت إليه صبابة ردته من … فرط التوقد كالذبال المحرق
من لي بمن تأبى الجفون لفقده … في الدهر أن لا تلتقي أو نلتقي
ريم يروم - وما اجترمت جريمة … قتلي ليتلف من بقائي ما بقي
لم يلق قلبي قط من لحظاته … إلا بسهم للحتوف مفوق
وإذا رماني عن قسي جفونه … لم أدر من أي الجوانب أتقي
قال الإمام أبو محمد بن حزم: تذكر المنصور هذه القصيدة في سنة إحدى وثمانين فأعجبته، وكان سعيد قد مدحه بها قديما، فأمر له الآن بثلاثمائة دينار (٢).
٣٦٤ - عبد الرحمن بن أبي الفهد الأندلسي الإلبيري، أبو المطرف.
أحد فحول شعراء قرطبة، وعين شعراء الدولة العامرية. رحل في شبيبته إلى المشرق، وأضمرته البلاد قبل الأربعمائة.
قال أبو عامر بن شهيد: عمل بحضرتي أربعين بيتًا على البديهة ليس فيها حرف معجم، أولها:
حلمك ما حد حده أحد (٣)
٣٦٥ - علي بن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي النيسابوري.
стр. 8734
سمع أبا حامد ابن الشرقي، ومكي بن عبدان.
٣٦٦ - علي بن إسماعيل بن الحسن، الأستاذ أبو الحسن البصري القطان المقرئ، المعروف بالخاشع.
أحد من عني بالقراءات ورحل فيها، قرأ بمكة على أبي بكر محمد بن عيسى بن بندار صاحب قنبل، وبأنطاكية على الأستاذ إبراهيم بن عبد الرزاق، وبغيرها على محمد بن عبد العزيز بن الصباح، وأحمد بن محمد بن بقرة، ومحمد بن عبد الله الرازي صاحب الحسين بن علي الأزرق، وطائفة.
وتصدر للإقراء ببغداد؛ قرأ عليه أبو علي الأهوازي، وأبو نصر أحمد بن مسرور، وأبو بكر محمد بن عمر بن زلال النهاوندي.
٣٦٧ - علي بن الحسين بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام الوزير، أبو القاسم ابن المغربي، وهو بغدادي الأصل، والمغربي لقب لجده.
ولد أبو القاسم بحلب ونشأ بها، ووزر لصاحبها سعد الدولة أبي المعالي ابن سيف الدولة بن حمدان، ثم هرب خوفا منه إلى مصر وعظم بها، ووزر للحاكم، ثم قتله الحاكم. وكان أديبا شاعرا، روى عنه الحافظ عبد الغني الأزدي.
وهو والد الوزير أبي القاسم الحسين.
٣٦٨ - علي (١) بن محمد بن عمر بن العباس، أبو الحسن الرازي القصار، الفقيه الشافعي.
قال أبو يعلى الخليلي (٢): أفضل من لقيناه بالري. كان مفتيها قريبًا من ستين سنة، أكثر عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، وابن معاوية الكاغدي، وأحمد بن خالد الحروري، ومحمد بن قارن، ولقي بأخرة شيوخ بغداد؛ ابن السماك، والنّجّاد. وكان عالمًا، له في كل علم حظ، وبلغ قريبًا من مائة
стр. 8735
سنة. سمعت عبد الله بن محمد الحافظ يقول: لم يعش أحد من الشافعية ما عاش هذا، وكان عالمًا بالفتاوى والنظر.
قلت: وروى عنه هبة الله اللالكائي، وعبد الجبار بن عبد الله بن برزة الرازي، وجماعة، ولا أعلم متى توفي.
٣٦٩ - علي بن محمد بن يعقوب الرازي.
مكثر عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، روى عنه أهل بلده.
٣٧٠ - علي بن محمد بن هبة الله الحاجي، أبو الحسن.
سمع الأصم، وفي الرحلة من أبي بكر الشافعي وطبقته.
مات في صفر سنة سبع أو تسع وتسعين وثلاثمائة.
٣٧١ - عمر بن القاسم، أبو الحسين المقرئ البغدادي، صاحب ابن مجاهد، يلقب وبرة، ويعرف بابن الحداد.
حدث عن علي بن عبد الله بن مبشر الواسطي، وقاسم بن إبراهيم الملطي، والحسين المحاملي. روى عنه أبو محمد الخلال، وأبو الحسن العتيقي، وأبو الفرج الطناجيري.
قال الخطيب (١): صدوق.
٣٧٢ - متوكل بن الحسين الأندلسي.
شاعر مفلق في حدود الأربعمائة، فمن شعره:
تعيرني أن لا أقيم ببلدة … وفي مثل حالي هذه القمران
رأت رجلا لا يشرب الماء صافيا … ويحلو لديه وهو أحمر قان
له همم سافرن في طلب العلى … نجوم الثريا عندهن دواني
تغرب لما أن تغرب ذكره … علوا كلا هذين مغتربان (٢)
٣٧٣ - محمد بن أحمد بن محمد بن حمدان النيسابوري المراري العدل.
سمع مكي بن عبدان، والمحاملي، وابن عقدة.
стр. 8736
قال ابن ماكولا (١): حدثنا عنه أبو سعيد بن عليك بالري.
٣٧٤ - محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن النعمان، أبو الفتح ابن النحوي الأنباري، نزيل الرملة.
روى عن المحاملي، وأبي العباس بن عقدة، ويوسف الأزرق. روى عنه أبو سعد الماليني، وعلي الحنائي، وأبو علي الأهوازي، وآخرون. وكان كثير الحديث، واسع الرحلة (٢).
٣٧٥ - محمد بن أحمد، أبو الفرج الغساني الدمشقي الشاعر، المعروف بالوأواء.
وليس للشاميين في وقته مثله.
روى عنه من شعره: أبو الحسين الميداني، وأبو محمد الجوهري، وأبو منصور يوسف بن هلال.
قال فيه أبو منصور الثعالبي في " اليتيمة " (٣): هو من حسنات الشام، وأحد صاغة الكلام، ومن عجيب شأنه ما أخبرني أبو بكر الخوارزمي قال: كان أبو الفرج الوأواء مناديا في دار بطيخ بدمشق على الفواكه، فما زال يشعر حتى جاد شعره وسار، ووقع منه ما يروق ويفوق حتى يعلو العيوق.
وقال يوسف بن هلال: أنشدني الوأواء لنفسه:
ترشفت من شفتيه العقارا … وقبلت من خده جلنارا
وشاهدت منه كثيبا مهيلا … وغصنا رطيبا وبدرا ونارا
وأبصرت من وجهه في الظلام … بكل مكان بليل نهارا
قال: وأنشدني لنفسه:
زمان الربيع زمان أنيق … وعيش الخلاعة عيش رقيق
وقد جمع الوقت حاليهما … فمن ذا يفيق ومن يستفيق
ويوم ستارته غيمة … وقد طرزت رفرفيه البروق
عقدنا من الند دخانه … ومن شرر الراح فيه حريق
стр. 8737
سجدنا لصلبان منثورة … وقد نصرتنا لديه الرحيق
فذا أصفر وجل خائف … وذا أحمر وكذاك العشيق
أدر يا غلام كؤوس المدام … وإلا فيكفيك لحظ وريق
تغنم بنا غفلة الحادثا … ت فوجه الحوادث وجه صفيق
وله في سيف الدولة بن حمدان:
من قاس جدواك بالغمام فما … أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحك أبدا … وهو إذا جاد باكي العين
وله:
أتاني زائرا من كان يبدي … لي الهجر الطويل ولا يزور
فقال الناس لما أبصروه … ليهنك زارك القمر المنير
متى أرعى رياض الحسن فيه … وعيني قد تضمنها غدير (١)
٣٧٦ - محمد بن إسحاق النديم البغدادي، أبو الفرج الأخباري الأديب الشيعي المعتزلي، صاحب التصانيف.
فمن كتبه كتاب الفهرست، وكتاب التشبيهات. والفهرست هو في أخبار الأدباء، ذكر أنه صنفه في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، ولا أعلم متى توفي، وإنما كتبته هنا على التوهم (٢).
٣٧٧ - محمد بن أسد، أبو طاهر الأشناني، إمام جامع الرقة.
روى عن أبي سهل بن زياد والخلدي، وقرأ بالروايات على النقاش، وأبي طاهر عبد الواحد بن أبي هاشم. روى عنه أبو سعد الماليني، وأبو نصر السجزي (٣).
٣٧٨ - محمد بن الحسن بن سليمان، القاضي أبو جعفر المطوعي، المعروف بالباحث.
ولي القضاء بكور خراسان، وله مصنفات كثيرة، أراده ابن عباد على
стр. 8738
القضاء على شرط أن ينتحل الاعتزال، فامتنع.
ذكره ابن الصلاح في الشافعية.
٣٧٩ - محمد بن الحسن، القاضي أبو عبد الله المصري الدقاق.
سمع محمد بن الربيع بن سليمان، وأبا سعيد ابن الأعرابي. وعنه هبة الله بن إبراهيم الصواف (١).
٣٨٠ - محمد بن خطاب، أبو عبد الله الأزدي القرطبي النحوي.
روى عن أبيه، وأبي علي القالي، وابن القوطية. وبرع في الآداب، وتصدر للعربية.
قال الأبار: كان قبل الأربعمائة (٢).
٣٨١ - محمد بن عبد الرحمن بن عثمان الخولاني، أبو بكر القرطبي الزاهد، ويعرف بالعواد.
روى الموطأ عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله وغيره، حدث عنه أبو الوليد بن الفرضي، وابن أخيه محمد بن عبد الله والد أحمد بن محمد الخولاني، وأبو حفص الهوزني، وأبو بكر محمد بن أحمد بن منظور.
قال أحمد بن محمد الخولاني: بلغنا أنه توفي بعسقلان.
٣٨٢ - محمد بن علي بن أحمد بن وهب التميمي البغدادي المذهب.
سمع يحيى بن صاعد، وأبا بكر بن زياد النيسابوري. روى عنه حفيده أبو علي الحسن بن علي بن المذهب، وبقي إلى بعد التسعين وثلاثمائة فيما أظن (٣).
٣٨٣ - محمد بن علي بن عبد الله الأموي، أبو عبد الله السبتي، ويعرف بابن الشيخ.
كان محدث سبتة في وقته، مشهور بالخير والورع، رحل إلى
стр. 8739
الأندلس، وسمع من وهب بن مسرة وأبي عيسى الليثي.
قال القاضي عياض: كانت عنده غرائب وعجائب.
٣٨٤ - محمد بن علي بن عبد الحميد الصنعاني.
سمع من إسحاق الدبري جملة صالحة، وحدث بمكة. روى عنه أبو عبد الله الحاكم في المستدرك (١).
٣٨٥ - محمد بن عمر، أبو الحسن الأنباري.
الشاعر الذي رثى الوزير ابن بقية بكلمته البديعة:
علو في الحياة وفي الممات توفي سنة نيف وتسعين وثلاثمائة (٢).
٣٨٦ - محمد بن أبي موسى عيسى بن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب، الرئيس الأنبل أبو عبد الله الهاشمي، والد الشريف أبي بكر أحمد.
حدث عن جعفر الفريابي، وكان ثقة؛ قاله الخطيب (٣). روى عنه ولده أبو بكر، قال: وإليه انتهت رياسة العباسيين في زمانه.
قال أبو إسحاق الطبري: رأيت ثلاثة لا يزاحمون؛ يعني في السؤدد: أبو عبد الله الحسين بن أحمد الموسوي الطالبي والد الشريف المرتضى، وأبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي، وأبو بكر الأكفاني صدر الشهود.
٣٨٧ - محمد بن محمد بن عمر بن خشيش، أبو أحمد البغدادي.
حدث عن يزداد الكاتب، وأبي عبد الله المحاملي، وخيثمة الأطرابلسي. روى عنه هبة الله اللالكائي، وأبو الحسن العتيقي وقال: ثقة، كثير الأسفار (٤).
стр. 8740
٣٨٨ - محمد بن مسعود، أبو عبد الله، البجاني ثم القرطبي.
شاعر مفلق مكثر، مدح الملوك، وكان في حدود الأربعمائة.
فمن جيد شعره:
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه … ويعرف عند الصبر فيما ينوبه
وعاقبة الصبر الجميل من الفتى … إلى فرج من ذي الجلال يثيبه
إذا المرء لم يسحب إلى الهول ذيله … ولم تعترك بالحادثات جيوبه
فقد خس في الدنيا من المال حظه … وقل من الأخرى لعمري نصيبه
وله:
خليلي في الإظعان بدر دجنة … أعار سناه مغرب الشمس مشرقا
فلا تنكروا شقي جيوبي فإنه … يقل لقلبي بعده أن يشققا (١)
٣٨٩ - مروان بن عبد الرحمن بن مروان ابن الإمام الناصر عبد الرحمن الأموي الأندلسي، المعروف بالطليق، أبو عبد الملك، أحد فحول الشعراء الأشراف.
قال ابن حزم: هو في بني أمية كابن المعتز في بني العباس. سجن وهو ابن ست عشرة سنة، فبقي في السجن ست عشرة سنة، ثم أخرج ولقب بالطليق، وعاش بعد إطلاقه ست عشرة سنة، ومات كهلًا قريبًا من سنة أربعمائة.
قال الحميدي (٢): فأخبرت أنه كان يتعشق جارية ربيت معه وعينت له، ثم بدا لأبيه فاستأثرها، فاشتدت بمروان الغيرة، فقتل أباه فسجن.
فمن شعره:
غصن يهتز في دعص نقا … يجتني منه فؤادي حرقا
اطلع الحسن لنا من وجهه … قمرا ليس يرى ممحقا
ورنا عن طرف ريم أحور … لحظه سهم لقلبي فوقا
منها:
стр. 8741
أصبحت شمسا وفوه مغربا … ويد الساقي المحيي مشرقا
فإذا ما غربت في فمه … تركت في الخد منه شفقا
٣٩٠ - معروف بن محمد، أبو المشهور الزنجاني الواعظ، نزيل الري.
روى عن أبي سعيد ابن الأعرابي، وقاسم الملطي. وعنه البرقاني، ورضوان الدينوري، والعتيقي.
قال الخطيب (١): تكلم فيه. حدث في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
٣٩١ - منصور بن محمد بن منصور، أبو الحسن البغدادي القزاز المقرئ.
قرأ القرآن برواية أبي عمرو على أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، وأسن وتفرد في وقته. قرأ عليه القرآن أبو نصر أحمد بن مسرور الخباز المقرئ، وأبو علي الحسن بن علي العطار، ونصر بن عبد العزيز الشيرازي، وغيرهم. بقي إلى حدود الأربعمائة.
قال الخطيب (٢): حدث عن نفطويه ونحوه. حدثنا عنه أبو محمد الخلال وأبو القاسم التنوخي، وكان ثقة.
٣٩٢ - يعيش بن سعيد، أبو عثمان الأندلسي الوراق.
سمع قاسم بن أصبغ ومحمد بن معاوية بن الأحمر فأكثر عنهما، وألف مسند حديث ابن الأحمر بأمر الحكم المستنصر.
قال ابن عبد البر: قرأ علينا مسند ابن الأحمر سنة تسعين وثلاثمائة (٣).
٣٩٣ - أبو حيان التوحيدي، صاحب المصنفات، واسمه علي بن محمد بن العباس الصوفي.
كان في حدود الأربعمائة، وله مصنفات عديدة في الأدب والفصاحة والفلسفة، وكان سيئ الاعتقاد، نفاه الوزير أبو محمد المهلبي.
стр. 8742
قال ابن بابي في كتاب الخريدة والفريدة: كان أبو حيان كذابًا، قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان، تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل، ولقد وقف سيدنا الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يدغله ويخفيه من سوء الاعتقاد، فطلبه ليقتله، فهرب والتجأ إلى أعدائه، ونفق عليهم بزخرفه وإفكه، ثم عثروا منه على قبيح دخلته وسوء عقيدته وما يبطنه من الإلحاد ويرومه في الإسلام من الفساد، وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح، ويضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح، فطلبه الوزير المهلبي فاستتر منه، ومات في الاستتار، وأراح الله منه، ولم تؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي في تاريخه (١): زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وأشدهم على الإسلام أبو حيان؛ لأنهما صرحا، وهو مجمج ولم يصرح.
قلت: وكان من تلامذة علي بن عيسى الرماني، وقد بالغ في الثناء على الرماني في كتابه الذي ألفه في تقريظ الجاحظ، فانظر إلى الحامد والمحمود، وأجود الثلاثة الرماني مع اعتزاله وتشيعه.
وأبو حيان هو الذي نسب نفسه إلى التوحيد، كما سمى ابن تومرت أتباعه فقال: الموحدين، وكما سمى صوفية الفلاسفة نفوسهم بأهل الوحدة وأهل الاتحاد.
أخبرني أحمد بن سلامة كتابة، عن الطرسوسي، عن ابن طاهر الحافظ قال: سمعت أبا الفتح عبد الوهاب الشيرازي بالري يقول: سمعت أبا حيان التوحيدي يقول: أناس مضوا تحت التوهم وظنوا أن الحق معهم، وكان الحق وراءهم.
قلت: مثلك يا معثر، بل أنت حامل لوائهم.
وقيل: إن أبا حيان معدود في كبار الشافعية. ذكره لي القاضي عز الدين الكناني.
стр. 8743
وقال الشيخ محيي الدين النواوي في تهذيب الأسماء (١): أبو حيان التوحيدي من أصحابنا المصنفين، من غرائبه أنه قال في بعض رسائله: لا ربا في الزعفران، ووافقه عليه القاضي أبو حامد المروزي، والصحيح تحريم الربا فيه.
وقد ذكره ابن النجار، وقال: له المصنفات الحسنة، كالبصائر (٢) وغيرها، وكان فقيرًا صابرًا متدينًا، إلى أن قال: وكان صحيح العقيدة - كذا قال، بل كان عدوًا لله خبيثًا (٣) - قال: وسمع أبا بكر الشافعي، وجعفرا الخلدي، وأبا سعيد السيرافي، والقاضي أحمد بن بشر العامري. وعنه علي بن يوسف الفامي، ومحمد بن منصور بن جيكان (٤)، وعبد الكريم بن محمد الداودي، ونصر بن عبد العزيز المقرئ الفارسي، ومحمد بن إبراهيم بن فارس؛ الشيرازيون. ولقي الصاحب ابن عباد وأمثاله.
قلت: وسماع نصر بن عبد العزيز منه في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وقد سمع منه بشيراز أبو سعد عبد الرحمن بن ممجة الأصبهاني في سنة أربعمائة.
стр. 8744
٣٩٤ - أبو عبد الله ابن القمي التاجر.
من كبار المتمولين بمصر، اشتملت وصيته على ألف ألف دينار، وتوفي بطريق مكة سنة أربعمائة.
٣٩٥ - أبو القاسم، مسلمة بن أحمد القرطبي.
كان أستاذاً مقدماً في علم الهيئة والهندسة والأرصاد وهذه الصنائع المظلمة، وكان حاذقاً بمعرفة كتاب المجسطي لبطلميوس، وله تصانيف عديدة في العلوم الرياضية، وأنجب له تلامذة منهم: ابن السمح، وابن الصفار، وابن خلدون، والكرماني، والزهراوي. وتوفي في حدود سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة (١).
(آخر الطبقة والحمد لله)
стр. 8745
الطبقة الحادية والأربعون
(٤٠١ - ٤١٠ هـ)
стр. 8746
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وأربعمائة
فيها ورد الخبر أن أبا المَنِيع قرواش بن مُقَلّد جمع أهل المَوْصِل وأظهر عندهم طاعة الحاكم، وعرفهم بما عزم عليه من إقامة الدعوة له، ودعاهم إلى ذلك، فأجابوه في الظاهر، وذلك في المحرم، فأعطى الخطيب نسخة ما خطب به، فكانت: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، وله الحمد الذي انجلت بنوره غَمَرات الغضب، وانقهرت بقُدرته أركان النَّصْب، وأطلع بنوره شمس الحق من الغرب، الذي محا بعدله جور الظلمة، وقصم بقُوته ظهر الفِتْنة، فعاد الأمر إلى نصابه، والحق إلى أربابه، البائن بذاته المتفرد بصفاته، الظاهر بآياته، المتوحد بدلالاته، لم تفنه الأوقات فتسبقه الأزمنة، ولم يشْبه الصور فتحويه الأمكنة، ولم تره العيون فتصفه الألسنة إلى أن قال: بعد الصلاة على الرسول، وعلى أمير المؤمنين وسيد الوصيين، أساس الفضل والرحمة، وعماد العِلْم والحكمة، وأصل الشجرة الكرام البررة النابتة في الأرومة المقدسة المطهرة، وعلى أغصانه البواسق من تلك الشجرة.
وقال في الخطبة الثانية بعد الصلاة على محمد: اللهم صل على وليك الأكبر علي بن أبي طالب أبي الأئمة الراشدين المَهْديين، اللهم صل على السَّبْطَيْن الطاهرين الحسن والحسين، اللهم صل على الإمام المهدي بك والذي بلغ بأمرك وأظهر حُجتَّك، ونهض بالعدل في بلادك هاديا لعبادك، اللهم صلّ على القائم بأمرك، والمنصور بنصرك اللذين بذلا نفوسهما في رضاك وجاهدا أعداءك، وصل على المعز لدينك، المجاهد في سبيلك، المُظْهِر لآياتك الحقية، والحجة الجلية، اللهم وصل على العزيز بك، الذي تهذبت به البلاد، اللهم اجعل نوامي صلواتك على سيدنا ومولانا إمام الزمان وحصن الإيمان، وصاحب الدعوة العلوية والملة النبوية، عبدك ووليك المنصور أبي علي
стр. 8747
الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الراشدين، اللهم أعنه على ما وليته، واحفظ له ما استرعيته، وانصر جيوشه وأعلامه.
وكان السبب أن رسل الحاكم وكتبه تكررت إلى قرواش، فاستمالته وأفسدت نيته. ثم انحدر إلى الأنبار، فأمر الخطيب بهذه الخطبة، فهرب الخطيب، فسار قرواش إلى الكوفة، فأقام بها الدعوة في ثاني ربيع الأول، وأقيمت بالمدائن، وأبدى قرواش صفحة الخلاف، وعاث، فانزعج القادر بالله، وكاتب بهاء الدولة، وأرسل في الرّسْليّة أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني، وحمله قولا طويلا، فقال: إن عندنا أكثر مما عند أمير المؤمنين، وقد كاتبنا أبا علي - يعني عميد الجيوش - وأمرنا بإطلاق مائة ألف دينار يستعين بها على نفقة العسكر، وإن دَعَت الحاجة إلى مسيرنا سِرنْا. ثم نفذ إلى قرواش في ذلك، فاعتذر ووثق من نفسه في إزالة ذلك، وأعاد الخطبة للقادر، وكان الحاكم قد وجه إلى قرواش هدايا بثلاثين ألف دينار، فسار الرسول فتلقّاه قَطع الخطبة في الرَّقة فردَّ.
وفي ربيع الأول منها عُزِل عن إمرة دمشق منير بالقائد مظفر، فولي أشهرا، وعُزِل بالقائد بدر العطار، ثم عُزِل بدر في أواخر العام أيضا، وولي القائد منتجب الدولة لؤلؤ، وكلهم من جهة الحاكم العُبَيْديّ. ثم قدم دمشق أبو المطاع بن حمدان متوليا عليها من مصر يوم النَّحْر.
وفي صفر انقض وقت العصر كوكب من الجانب الغربي إلى سَمْتِ دار الخلافة، لم يُرَ أعظم منه.
وفي رمضان بلغت زيادة دِجْلة إحدى وعشرين ذراعا وثُلثا، ودخل الماء إلى أكثر الدُّور الشّاطئية وباب التِّبْن وباب الشعير وغرقت القُرى (١).
وفيها خرج أبو الفتح الحسن بن جعفر العلوي، ودعا إلى نفسه، وتلقب بالراشد بالله. وكان حاكما على مكة والحجاز وكثير من الشام، فإن الحاكم بعث أمير الأمراء يازوخ نائبا إلى الشام، فسار بأمواله وحُرمه، فلقِيَهم في غزَّة مفرج بن جراح، فحاز جميع ما معهم وقتل يازوخ، وسار مفرج إلى الرملة
стр. 8748
فنهبها، وأقام بها الدعوة للراشد بالله، وضرب السكة له، واستحوذت العربُ على الشام من الفَرَما (١) إلى طبرية، وحاصروا الحصون، ولم يحج ركْب من العراق.
وفيها توفي عميد الجيوش أبو علي الحُسين بن أبي جعفر عن إحدى وخمسين سنة، وكان أبوه من حُجاب الملك عضد الدولة، فجعل أبا علي برسم خدمة ابنه صمصام الدولة، فخدمه وخدم بعده بهاء الدولة، ثم ولاه بهاء الدولة تدبير العراق، فقدِم في سنة اثنتين وتسعين، والفِتَن شديدة واللصوص قد انتشروا ففتك بهم، ثم غرق طائفة، وأبطل ما تعمله الشيعة يوم عاشوراء وقيل: إنه أعطى غلاما له دنانير في صينية، وقال: خذها على يدك وقال: سر من النجمي (٢) إلى المأصر (٣) الأعلى، فإن عرض لك معترض فدعْه يأخذها، واعرف الموضع. فجاء نصف الليل فقال: قد مشيتُ البلدَ كله، فلم يلْقني أحد. ودخل مرة عليه الرُّخَّجي (٤)، وأحضر مالا كثيرا، وقال: مات نصراني مصري ولا وارث له. فقال: يترك هذا المال، فإن حضر وارث وإلا أخذ. فقال الرُّخَّجي: فيحمل إلى خزانة مولانا إلى أن يتيقن الحال، فقال: لا يجوز ذلك. ثم جاء أخو الميت فأخذ التركة.
وكان مع هيبته الشديدة عادلا، ولي العراق ثماني سنين وسبعة أشهر. وتولى الشريف الرضي أمره ودفنه بمقابر قُرَيْش. وولي بعده العراق فخر الملك. وفيه يقول الببغاء الشاعر:
سألت زماني: بمن أستغيث؟ … فقال: استغث بعميد الجيوش
فناديت: ما لي من حرفة فجاوب … حوشيت من ذا وحوشي
رجاؤك إياه يدنيك منه … ولو كنت بالصين أو بالعريش
نبت بي داري وفر العبيد … وأودت ثيابي وبعت فروشي
стр. 8749
وكنت ألقب بالببغاء قديما … وقد مزق الدهر ريشي
وكان غذائي نقي الأرز … فها أنا مقتنع بالحشيش
وفيها كان القحط الشديد بخراسان لا سيما بنيسابور، فهلك بنيسابور وضواحيها مائة ألف أو يزيدون، وعجزوا عن غسل الأموات وتكفينهم، وأكلت الجيف والأرواث ولحوم الآدميين أكلا ذريعا، وقبض على أقوام بلا عدد كانوا يغتالون بني آدم ويأكلونهم، وفي ذلك يقول أبو نصر الراهبي:
قد أصبح الناس في بلا … ء وفي غلاء تداولوه
من يلزم البيت مات جوعا … أو يشهد الناس يأكلوه
وقد أنفق محمود بن سبكتكين في هذا القحط أموالا لا تحصى حتى أحيا الناس، وجاء الغيث.
وفيها وقبلها جرت بالأندلس فتنة عظيمة، وبذل السيف بقرطبة، وقتل خلق كثير وتم ما لا يعبر عنه، سقناه في تراجم الأمراء.
سنة اثنتين وأربعمائة
أذِنَ فخرُ المُلْك أبو غالب بن حامد الوزير الذي قُلِّد العراق عام أول في عمل عاشوراء والنَّوْح.
وفي ربيع الآخر كُتِبَ من الديوان محضر في معنى الخلفاء الذين بمصر والقدح في أنسابهم وعقائدهم، وقُرِئت النسخةُ ببغداد، وأُخِذَت فيها خطوط القُضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العِلْم والمعرفة بنسَب الدَيْصَانية، وهم منسوبون إلى دَيْصَان بن سعيد الخُرّميّ، إخوان الكافرين، ونُطَف الشياطين، شهادةً يُتقرَّبُ بها إلى الله، ومعتقد ما أوجب الله على العلماء أن يبينوه للناس، شهدوا جميعا: إن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والخزْي والنكال - ابن مَعَد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله - فإنه لما صار سعيد إلى الغرب تسمى بُعبَيْد الله وتلقب بالمهدي، وهو ومن تقدم من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليه وعليهم اللعنة - أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب ﵁، وأن ذلك باطل وزور، وأنتم لا تعلمون أن أحدا من الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم أدعياء. وقد كان هذا الإنكار شائعا بالحَرَمَيْن، وفي أول
стр. 8750
أمرهم بالغرب، منتشرا انتشارا يمنع من أن يُدلَّس على أحد كَذِبُهُم، أو يذهب وهْمٌ إلى تصديقهم، وأن هذا الناجم بمصر هو وسبيله كفار وفُساق فُجار زنادقة، ولمذهب الثنوية والمَجُوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية، وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة.
وكتب خلق كثير في المحضر منهم الشريف الرضي، والمرتضى أخوه، وابن الأزرق الموسوي، ومحمد بن محمد بن عمر بن أبي يَعْلَى العلويون، والقاضي أبو محمد عبيد الله ابن الأكفانيّ، والقاضي أبو القاسم الجزري، والإمام أبو حامد الإسفراييني، والفقيه أبو محمد الكُشفليّ (١)، والفقيه أبو الحسين القدوريّ الحنفيّ، والفقيه أبو علي بن حَمَكَان، وأبو القاسم بن المحسن التنوخيّ، والقاضي أبو عبد الله الصَيْمُريّ.
وفيها فرق فخر المُلْك الوزير أموالا عظيمة في وجوه البر، وبالغ في ذلك حتى كثر الدعاء له ببغداد، وأقام دارا هائلة أنفق عليها أموالا طائلة.
وفيها ورد كتاب يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سُبكْتكين إلى القادر بالله بأنه غزا قوما من الكُفار، وقطع إليهم مفازة، وأصابه عطش كادوا يهلكون، ثمّ تفضّل الله عليهم بمطر عظيم رواهم، ووصلوا إلى الكفّار، وهم خلق ومعهم ستّمائة فيل، فنصر عليهم وغنم وعاد.
стр. 8751
وفي آخر السنة ورد كتاب أمير الحاج محمد بن محمد بن عمر العلوي بأن ريحا سوداء هاجت عليهم بُزبالة، وفقدوا الماء، فهلك خلْق، وبلغت مزادة الماء مائة درهم، وتخفر جماعة ببني خَفَاجة وردّوا إلى الكوفة.
وعُمل الغدير، ويوم الغدير معروف عند الشيعة، ويوم الغار لجهلةِ السُّنّة في شهر ذي الحجة بعد الغدير بثمانية أيام اتخذته العامة عنادا للرافضة. فَعُمِل الغدير في هذه السنة والغار في ذي الحجة، لكن بِطُمَأنينة وسُكُون، وأظهرت القَيْنات من التعليق شيئا كثيرا، واستعان السُّنّة بالأتراك، فأعاروهم القماش المفتخر والحلي والسلاح المذهبة.
وفي هذه الحدود هرب من الديار المصرية ناظر ديوان الزمام بها، وهو الوزير أبو القاسم الحسن بن علي المغربي حين قَتَلَ الحاكم أباه وعمه، وبقي إِلْبا على الحاكم يسعى في زوال دولته بما استطاع. فحصل عند المفرج بن جراح الطائي أمير عرب الشام، وحسن له الخروج على الحاكم، وقتل صاحب جيشه، فقتله كما ذكرناه سنة إحدى وأربعمائة. ثم قال أبو القاسم لحسان ولد المفرج بن الجراح: إن الحسن بن جعفر العلوي صاحب مكة لا مَطْعَن في نسبه، والصواب أن تنصبه إماما، فأجابه، ومضى أبو القاسم إلى مكة، واجتمع بأميرها وأطمعه في الإمامة، وسهل عليه الأمور وبايعه، وجوز أخذ مال الكعبة وضربِهِ دراهم، وأخذ أموالا من رجل يُعرف بالمطّوعي، عنده ودائع كثيرة للناس، واتفق موت المطوعي، فاستولى على الأموال وتلقب بالراشد بالله، واستخلف نائبا على مكة، وسار إلى الشام، فتلقاه المفرج وابنهُ وأمراء العرب، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين، وكان متقلدا سيفا زعم أنه ذو الفِقار، وكان في يده قضيب ذكر أنه قضيب النبيّ ﷺ ، وحوله جماعة من العلويين، وفي خدمته ألف عبد. فنزل الرملة، وأقام العدل، واستفحل أمره، فراسل الحاكمُ ابن جراح، وبعث إليه أموالا استماله بها، وأحس الراشد بالله بذلك، فقال لابن المغربي: غَرَرْتني وأَوْقعتني في أيدي العرب، وأنا راض من الغنيمة بالإياب والأمان. وركب إلى المفرج بن جراح وقال: قد فارقتُ نعمتي، وكشفتُ القناع في عداوة الحاكم سُكونا إلى ذمامك، وثقةً بقولك، واعتمادا على عهودك، وأرى ولدكَ حسانا قد أصلح أمره مع الحاكم وأريدُ العَوْد إلى مأمني. فسيره المفرج إلى وادي القُرى، وسيرَّ أبا القاسم ابن المغربي إلى العراق. فقصدَ أبو القاسم
стр. 8752
فخر الملك أبا عليّ، فتوهّموا فيه أنه يفسد الدولة العباسية، فتسحب إلى الموصل ونفق على قرواش، ثم عاد إلى بغداد.
وفي جمادى الأولى عُزل أبو المطاع بن حمدان عن إمرة دمشق، وأعيد إليها بدر العطار. ثم صُرِف بعد أيام بالقائد ابن بزال، فولِيَها نحوا من أربعة أعوام.
سنة ثلاث وأربعمائة.
فيها قُلد الشريف الرضي أبو الحسن الموسَوِيّ نقابة الطالبيين في سائر الممالك، وخُلِعَتْ عليه خلعة سوداء، وهو أول طالبي خُلِعَ عليه السواد.
وفيها عَمر رُستاقَ العراق فخر الملك الوزير، فجاء الارتفاع لحق السلطان بضعة عشر ألف كُر (١).
وفيها، في أولها بل في صَفرَ، وقْعة القرعاء (٢)، جاء الخبر بأن فُلَيْتَة الخفاجيّ سبق الحاج إلى واقصة في ستمائة من بني خَفَاجة، فغور الماء وطرحَ في الآبار الحنظل، وقعد ينتظر الرَّكْب. فلما وردوا العقبة حبسهم ومنعهم العبور، وطالبهم بخمسين ألف دينار. فخافوا وضعُفُوا، وأجهدهم العطش، فهجم عليهم، فلم يكن عندهم مَنَعَة، فاحتوى على الجِمال والأحمال وهلك الخلق، فقيل: إنه هلك خمسة عشر ألف إنسان، ولم يفلت إلا العدد اليسير، وأفلت أميرهم محمد بن محمد بن عمر العلوي في نفر من الكِبار في أسوأ حال بآخر رَمقَ. فورد على فخر المُلْك الوزير من هذا أعظم ما يكون وكتبَ إلى عامل الكوفة بأن يُحسن إلى من توصل ويُعينهم. وكاتب علي بن مَزْيد وأمره أن يطلب العرب، وأن يُوقِع بهم، فسار ابن مَزْيد، فلحقهم بالبرية وقد قاربوا البصرة، فأوقع بهم وقتل كثيرا منهم وأسر القوي والد فُلَيتَةَ والأشتر وأربعة عشر رجلا من الوجوه، ووجدَ الأموال والأحمال قد تمزقت وتفرقت، فانتزع ما أمكنه وعاد إلى الكوفة، وبعث الأسرى إلى بغداد، فشهروا وسجِنوا، وجُوع بعضهم، ثم أطعموا المالح، وتُرِكوا على دجلة يرون الماء حتى ماتوا عطشا.
стр. 8753
وفي رمضان انقضّ كوكبّ من المشرق ببغداد، فغلب ضوؤه على ضوء القمر وتقطع قِطعا.
وفي شوال أخرجت جنازة بنت أبي نوح الطبيب امرأة ابن إسرائيل كاتب الناصح أبي الهيجاء ومع الجنازة النوائح والطُّبولُ والزُّمور والرُّهْبان والصّلْبان والشُّموع. فأنكر هاشمي ذلك ورجم الجنازة، فوثب بعض غلمان الناصح فضربَ الهاشمي بدبوس فشجه، وهربوا بالجنازة إلى بَيْعة هناك، فتبِعَتْهم العامة، ونهبوا البيعة وما جاورها مِن دُور النصارى. وعاد ابن إسرائيل إلى داره، فهجموا عليه، فهربَ واستجار بمخدومه، وثارت الفتنة بين العامة وبين غلمان الناصح وزادت ورُفِعَتْ المصاحف في الأسواق، وغُلقت الجوامع، وقصد الناسُ دار الخليفة، فركب ذو السَّعادتين إلى دار الناصح، وترددت رسالة الخليفة بإنكار ذلك وطُلِبَ ابن إسرائيل، فامتنع الناصح من تسليمه، فغضب الخليفة وأمر بإصلاح الطيار (١) للخروج من البلد، وجمع الهاشميين في داره، واجتمعت العامة يوم الجمعة، وقصدوا دار الناصح، ودفعهم غلمانه عنها، فقُتل رجل قيل إنه علوي، فزادت الشناعة، وامتنع الناس من صلاة الجمعة، فظفرت العامة بقوم من النصارى فقتلوهم. ثم بعث الناصحُ ابن إسرائيل إلى دار الخلافة فسكن العامة، وأُلزِمت النصارى بالغيار (٢)، ثم أُطلِقَ ابن إسرائيل.
وفيها ألزم الحاكم صاحب مصر النصارى بحمل صلبان خَشب ذراع في ذراع في أعناقهم، وزن الصليب خمسة أرطال، وفي رقاب اليهود أكر خشب بهذا الوزن، فأسلم بسبب هذا الذُّلّ طائفة، ونهى الأمراء عن تقبيل الأرض وبوس اليد، ورسم أن يقتصروا على: السلام عليكم ورحمة الله. ولبس الصوف على جسده ورأسه، واقتصر على ركوب الحمار بغير حجاب ولا طرادين.
وفيها بعث محمود بن سُبُكْتكين كتابا إلى القادر بالله، قد ورد إليه من الحاكم صاحب مصر، يدعوه فيه إلى الطاعة والدخول في بيعته، وقد خرقه وبصق عليه.
стр. 8754
وفيها قرئ عهد أبي نصر بن مروان الكُردي على آمد وديار بكر، وطُوق وسُور، ولُقب نصر الدولة.
ولم يحج أحد من العراق، وردّ حاجُّ خُراسان.
وفيها مات إيلك خان صاحب ما وراء النهر الذي أخذها من آل سامان بعد التسعين وثلاثمائة، وكان ملكا شجاعا، حازما، ظالما شديد الوطأة. وكان قد وقع بينه وبين أخيه الخان الكبير طُغان ملك التُرْك، فورث مملكته أخوه طغان، فمالأ السلطان محمود بن سُبكْتكين ووالاه وهادنه، وتردد له، فجاشت من جانب الصين جيوش لقصد طغان وبلاد الإسلام من ديار الترك وما وراء النهر يزيدون على مائة ألف خِركاه، لم يعهد الإسلام مثلها في صعيد واحد، فجمع طغان جمعا لم يسمع بمثله ونصره الله تعالى.
ومات السلطان بهاء الدولة أحمد ابن عضد الدولة، وكان مصافيا للسلطان محمود بن سُبُكْتكين مداريا له، مُؤثِرا لِمصافاته لحكم الجوار، والله أعلم.
سنة أربع وأربعمائة
في ربيع الأول انحدر فخر المُلك إلى دار الخلافة، فلما صعِد مِن الزَّبْزَب (١) تلقاه أبو الحسن علي بن عبد العزيز ابن حاجب النعمان، وقبل الأرض بين يديه، وفعل الحُجاب كذلك ودخل الدار والحُجّاب بين يديهُ، وأجلس في الرواق، وجلس الخليفة في القُبَّة، ودعا فخر الملك، ثم كثر الناس وازدحموا، وكثر البَوسَ واللَّغَط، وعجز الحُجّابُ عن الأبواب، فقال الخليفة: يا فخر الملك، امنع من هذا الاختلاط، فرد بالدّبوس (٢) الناس، ووكل النُقباء بباب القبُة. وقرأ ابن حاجب النُعمان عهد سلطان الدولة بالتقليد والألقاب، وكتب القادر بالله علامته عليه، وأحضرت الخِلَع والتاج والطَّوْق والسواران واللواءان، وتولى عقدهما الخليفةُ بيده، ثم أعطاه سيفا وقال للخادم: اذهب قلده به، فهو فخر له ولعَقبه يفتح به شرق الأرض وغَربها، وبعث ذلك إلى شِيراز مع جماعة.
стр. 8755
وفيها أبطل الحاكم المنجمين من بلاده، وشددَّ في ذلك، وأعتقَ أكثر مماليكه وأحسن إليهم، وجعل ولي عهده ابن عمه عبد الرحيم بن إلياس، وخطب له بذلك، وأمر بحبس النساء في البيوت فاستمر ذلك خمسة أعوام وصلحت سيرته.
وحج بالناس أبو الحسن محمد بن الحسن ابن الأقساسي وكذلك في سنة ست.
وفي هذه السنة كانت الملحمة الهائلة بين ملك الترك طغان ﵀ وبين جيش الصين فقتل فيها من الكفار نحو مائة ألف، ودامت الحرب أياما ثم نزل النصر، ولله الحمد.
سنة خمس وأربعمائة
فيها ورد الخبر بأن الحاكم صاحب مصر حظَر على النساء الخروج من بيوتهن والاطلاع من الأسطحة ودخول الحَمّامات، ومنعَ الأساكفة من عمل الخِفاف، وقتل عدة نِسوة خالفنَ أمره، وكان قد لهج بالركوب في الليل يطوف بالأسواق، ورتب في كل درب أصحاب أخبار يطالعونه بما يتم، ورتبوا عجائز يدخلن الدُّور ويكشفن ما يتم للنساء، وأن فلانة تحب فلانا ونحو هذا، فُيْنفذ من يُمسك تلك المرأة، فإذا اجتمع عنده جماعة منهن أمر بتغريقهن، فافتضح الناس وضجوا في ذلك، ثم أمر بالنداء: أيما امرأة خرجت من بيتها أباحت دمها. فرأى بعد النداء عجائز فغرقهن. قال: فإذا ماتت امرأة جاء ولُيها إلى قاضي القضاة يلتمس غاسلة، فيكتب إلى صاحب المعونة، فيرسل غاسلةً مع اثنين من عنده ثم تعاد إلى منزلها.
وكان قد هم بتغيير هذه السُنة فاتفق أن مَر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي، فنادته امرأة من رَوُزَنة: أقسمتُ عليك بالحاكم وآبائه أن تقف لي. فوقفَ، فبكت بكاءً شديدا وقالت: لي أخ يموت، فبالله إلا ما حملتني إليه لأشاهده قبل الموت. فرق لها وأرسلها مع رجلين، فأتت بابا فدخلته، وكانت الدار لرجل يهواها وتهواه، وأتى زوجها فسأل الجيران فأخبروه بالحال، فذهب إلى القاضي وصاح، وقال: أنا زوج المرأة، وما لها أخ، وما أفارقك حتى تردها إلي. فعظم ذلك على قاضي القُضاة، وخاف سطوة الحاكم، فطلع بالرجل إلى