قال ابن بشكوال (١): أخبرنا بهذا الكتاب أبو محمد بن عتاب عنه، ووصفه لي بالفضل والصَّلاح وكثرة التّلاوة، توفّي في المحرَّم، وأجمعوا على أنه آخر من قرأ بقرطبة على الأنطاكيّ، وعمِّر إحدى وتسعين سنة.
٢٩١ - محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عثمان بن سعيد بن غلبون، أبو عبد الله الخولانيّ القرطبيّ.
روى عن أبيه، وعمه أبي بكر محمد، وأبي عمر أحمد بن هشام بن بكير، وأبي عمر بن الجسور، وأحمد بن قاسم التاهرتيّ، وأبي محمد بن أسد، وأبي عمر أحمد بن عبد الله النّاجي، وأبي الوليد ابن الفرضي، وأبي عبد الله بن أبي زمنين، وأبي المطرَف بن فطيس، وأبي المطرِّف القنازعيّ، وخلق كثير.
وكان معنيا بالحديث وجمعه، وتقييده. ثقةً ثبتا ديّنا متصاونا. توفّي بإشبيلية في ذي الحجة، وهو ابن ستِّ وسبعين سنة.
روى عنه ولده أحمد بن محمد الخولانيّ (٢).
٢٩٢ - محمد بن عبد الله بن مرشد، أبو القاسم، مولى الوزير ابن كلَّس.
خبير بالحساب والهندسة والتّنجيم والأخبار. عمِّر دهرا. مات وقد نيّف على التّسعين بقرطبة.
٢٩٣ - محمد بن عبد الباقي بن الحسين بن فهم، أبو بكر الأنصاريّ البغداديّ.
قال الخطيب (٣): كان صدوقا، حدثنا عن أبي الحسن ابن الجنديّ.
٢٩٤ - محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران، أبو بكر الأمويّ البغداديّ.
سمع أبا الفضل الزُّهريّ، وأبا عمر بن حيُّويه، وأبا الحسن بن المظفّر، وأبا بكر بن شاذان، والدّارقطنيّ، وطائفة كبيرة.
وكان أحد الثّقات، كأبيه. روى عنه أبو بكر الخطيب، وأبيّ النَرسيّ، وأبو
стр. 9452
طالب عبد القادر بن يوسف، وآخرون، وروى عنه سنن الدّارقطنيّ أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف.
قال السِّلفيّ: سألت عنه شجاعا الذُّهليّ فقال: كان شيخا جيّد السَّماع، حسن الأصول، صدوقا فيما يروي من الحديث. قد سمعت منه.
قال الخطيب (١): ولد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وتوفي في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين.
٢٩٥ - محمد بن عبد الملك، أبو الحسين الفارسيّ، ثمّ النَّيسابوريّ التّاجر.
أكثر عن أبي أحمد الحاكم (٢).
٢٩٦ - محمد بن عبد الواحد بن محمد، أبو طاهر البيّع البغداديّ، المعروف بابن الصبّاغ. الفقيه الشافعي.
سمع ابن شاهين، وعليّ بن عبد العزيز بن مردك، وأبا القاسم بن حبابة.
قال الخطيب (٣): كتبنا عنه، وكان ثقة. درس الفقه على أبي حامد الإسفراييني، وكانت له حلقة للفتوى، ومات في ذي القعدة ببغداد.
وقال أبيّ النَّرسيّ: حدثنا عن ابن طرارا، وهو والد أبي نصر صاحب الشّامل.
٢٩٧ - محمد بن عبد الواحد بن محمد بن عمر بن ميمون، أبو الفرج الدّارميّ. البغداديّ، الفقيه الشّافعيّ، نزيل دمشق.
سمع أبا عمر بن حيُّويه، وأبا الحسين بن المظفّر، وأبا بكر بن شاذان، والدّارقطنيّ، وجماعة قد حدَّث عنهم، وسمع من أبي محمد بن ماسيّ، ولم نظفر بسماعه منه.
روى عنه أبو بكر الخطيب، وقال (٤): هو أحد الفقهاء، موصوف بالذّكاء وحسن الفقه، والحساب والكلام في دقائق المسائل، وله شعر حسن. كتبت
стр. 9453
عنه بدمشق، وقال لي: كتبت عن ابن ماسيّ، وأبي بكر الورّاق، وجماعة، وولدت في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. سكن الرَّحبة مدّةً ثمّ دمشق.
قال الخطيب (١): حدَّثني أبو الفرج الدّارميّ قال: سمعت أبا عمر بن حيُّويه يقول: سمعت أبا العبّاس بن سريج وقد سئل عن القرد فقال: هو طاهر، هو طاهر.
قلت: وروى عنه أيضا، أبو عليّ الأهوازيّ وهو من أقرانه، وعبد العزيز الكّتانيّ، وأبو طاهر محمد بن الحسين الحنّائيّ.
وقال أبو إسحاق في الطّبقات (٢): كان فقيها، حاسبا، شاعرا، متصرّفا، ما رأيت أفصح منه لهجةً. قال لي: مرضت فعادني الشّيخ أبو حامد الإسفراييني، فقلت:
مرضتُ فارتحتُ إلى عائد … فعادني العالم في واحدِ
ذاك الإمامُ ابن أبي طاهر … أحمد ذو الفضلِ أبو حامدِ
وروى عنه من شعره، أبو عليّ ابن البناء، وأبو الحسين ابن النَّقُّور، وأبو عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد.
توفّي ليلة الجمعة مستهلّ ذي القعدة أيضا، وشهده خلقٌ عظيم، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
وتفقَّه أيضا على أبي الحسين الأردبيليّ.
وله كتاب الاستذكار في المذهب كبير (٣).
٢٩٨ - محمد بن عبيد الله بن أحمد، أبو طالب البغداديّ الرّزّاز.
سمع عليَّ بن عمر الحربيّ، وابن فهد الموصليّ.
قال الخطيب (٤): كتبت عنه، وكان سماعه صحيحا.
قلت: روى عنه جماعة.
стр. 9454
٢٩٩ - محمد بن عليّ بن أحمد بن إسماعيل، أبو طاهر ابن الأنباري الواعظ.
حدَّث عن محمد بن عبد الله بن حمّاد الموصليّ، والحسن بن العبّاس الشّيرازي، وولد سنة خمس وسبعين وثلاثمائة (١).
٣٠٠ - محمد بن عليّ بن يعقوب، أبو الحسين الإيادي البغداديّ، من أولاد الشّيوخ.
سمع أبا الحسن الدّارقطنيّ، وابن حبابة، والسُّكَّريّ.
قال الخطيب (٢): كتبت عنه، وكان صدوقا. مات في ذي القعدة.
٣٠١ - محمد بن محمد بن المظفّر، أبو الحسين البغداديّ الدقاق، ابن السّرّاج.
سمع موسى بن جعفر السِّمسار، وأبا الفضل الزُّهريّ.
قال الخطيب (٣): كتبت عنه، وكان صدوقا. مات في ربيع الأوّل.
٣٠٢ - محمد بن محمد بن عمرو الحاكم، أبو بكر الزّواهيّ الفقيه.
حدَّث بنيسابور غير مرّة عن ابن فراس العبقسيّ، وأبي أحمد الفرضيّ البغداديّ، وغيرهما.
٣٠٣ - المسلم بن عليّ بن طباطبا، أبو جعفر العلويّ الحسنيّ المصريّ (٤).
٣٠٤ - هلال بن المحسِّن، أبو الحسين ابن الصّابئ، البغداديّ الكاتب.
أخذ عن أبي عليّ الفارسيّ، وعليّ بن عيسى الرُّمانّي، وغيرهما.
قال الخطيب (٥): كتبنا عنه، وكان صدوقا. أسلم بأخرة، وسمع من العلماء في حال كفره لأنّه كان يطلب الأدب. قال لي: ولدت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وجدُّه هو أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصّابئ صاحب
стр. 9455
الرّسائل، ومات هو وابنه المحسّن على الكفر. توفّي هلال في رمضان، وهو والد غرس النّعمة محمد.
٣٠٥ - يوسف بن سليمان بن مروان، أبو عمر الأنصاريّ الأندلسيّ المعروف بالرَّباحيّ.
أصله من قلعة رباح.
كان فقيها، إماما، ورِعا، زاهدا، متقلِّلا، جمّاعةً للعلم، طويل اللّسان. فقيه البدن، نحويا عروضيا، شاعرا، نسابة، يسرد الصّيام، ويديم القيام، وينعزل عن النّاس، ويأنسّ بالله. له مصنَّف في الردّ على القبريّ.
حدَّث عنه أبو المطرّف بن البيرولة، وأبو محمد بن خزرج وقال: كان مجاب الدّعوة، بصيرا بالحجاج والاستنباط. سكن إشبيلية، وله ردّ على أبي محمد الأصيليّ، وكان صاحبا لأبي عمر بن عبد البرّ، وتوفّي بمرسية في آخر سنة ثمان وأربعين، وولد في سنة سبع وستين وثلاثمائة (١).
стр. 9456
سنة تسع وأربعين وأربعمائة
٣٠٦ - أحمد بن الحسن بن عنان، أبو العباس الكنكشيّ الزّاهد.
كان من كبار مشايخ الطّريق بالدِّينور. له معارف وتصانيف، وعاش تسعين سنة، ولقي الكبار وحكى عنهم.
روى عنه ابنه سعيد، أحد شيوخ السِّلفيّ، جزءا فيه حكايات، وقد صحب أبا العبّاس أحمد الأسود مريد الشّيخ عيسى القصّار، وعيسى من كبار تلامذة ممشاذ الدِّينوريّ، وذكر أنّ شيخه أبا العبّاس الأسود عاش مائة سنة.
قال السِّلفيّ: صنَّف أبو العبّاس الكنكشيّ ستّين مصنَّفا، وقد رأيت بعضها فوجدت كلامه في غاية الحسن، وكان غزير الفضل، متفننا، عارفا، عابدا، سفيانيّ المذهب. لم يكن له نظير بتلك النّاحية، وله أصحاب ومريدون، وبحكمه ربط كثيرة.
ومن كلامه: حقيقة الأنس بالله الوحشة ممّا سواه.
وقال: عمل السر سرمد، وعمل الجوارح منقطع.
وقال: من عرف قدر ما يبذله لم يستحق اسم السخاء.
قال: وسمعت أحمد الأسود يقول: السّكون إلى الكرامات مكرٌ وخدعة.
٣٠٧ - أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهّر بن زياد بن ربيعة، أبو العلاء التَّنوخيّ المعري اللُّغويّ، الشّاعر المشهور، صاحب التّصانيف المشهورة والزَّندقة المأثورة.
له رسالة الغفران في مجلَّد قد احتوت على مزدكة واستخفاف، وفيها أدب كثير، وله رسالة الملائكة ورسالة الطَّير على ذلك الأنموذج، وله كتاب سقط الزَّند في شعره، وهو مشهور؛ وله من النَّظم لزوم ما لا يلزم في مجلَّد أبدع فيه.
وكان عجبا في الذّكاء المفرط والاطّلاع الباهر على اللّغة وشواهدها.
ولد سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة، وجدِّر في السّنة الثالثة من عمره فعمي منه، فكان يقول: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر، فإنيّ ألبست في
стр. 9457
الجدريّ ثوبا مصبوغا بالعصفر، لا أعقل غير ذلك.
أخذ العربيّة عن أهل بلده كبني كوثر وأصحاب ابن خالويه، ثمّ رحل أطرابلس، وكانت بها خزائن كتب موقوفة فاجتاز باللاّذقية ونزل ديرا كان به راهب له علم بأقاويل الفلاسفة، فسمع أبو العلاء كلامه، فحصل له به شكوك، ولم يكن عنده ما يدفع به ذلك، فحصل له بعض انحلال، وأودع من ذلك بعض شعره، ومنهم من يقول ارعوى وتاب واستغفر.
وممن قرأ عليه أبو العلاء اللغة جماعة فقرأ بالمعرة على والده وبحلب على محمد بن عبد الله بن سعد النحوي وغيره، وكان قانعا باليسير، له وقفٌ يحصل له منه في العام نحو ثلاثين دينارا، قرَّر منها لمن يخدمه النّصف، وكان أكله العدس، وحلاوته التّين، ولباسه القطن، وفراشه لبّاد، وحصيره برديّة، وكانت له نفسٌ قويّة لا تحمل منَّة أحد، وإلاّ لو تكسَّب بالشِّعر والمديح لكان ينال بذلك دنيا ورياسة، واتّفق أنّه عورض في الوقف المذكور من جهة أمير بحلب، فسافر إلى بغداد متظلّما منه في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، فسمعوا منه ببغداد سقط الزِّند، وعاد إلى المعرّة سنة أربعمائة، وقد قصده الطَّلبة من النّواحي.
ويقال عنه أنّه كان يحفظ ما يمرّ بسمعه، وقد سمع الحديث بالمعرَّة عاليا من يحيى بن مسعر التَّنوخيّ، عن أبي عروبة الحرّانيّ، ولزم منزله، وسمّى نفسه رهن المحبسين للزوم منزله، وذهاب بصره، وأخذ في التّصنيف، فكان يملي تصانيفه على الطَّلبة، ومكث بضعا وأربعين سنة لا يأكل اللَّحم، ولا يرى إيلام الحيوان مطلقا على شريعة الفلاسفة، وقال الشِّعر وهو ابن إحدى عشرة سنة.
قال أبو الحسين عليّ بن يوسف القفطيّ (١): قرأت على ظهر كتاب عتيق أن صالح بن مرداس صاحب حلب خرج إلى المعرَّة وقد عصى عليه أهلها، فنازلها وشرع في حصارها ورماها بالمجانيق. فلما أحسّ أهلها بالغلب سعوا إلى أبي العلاء بن سليمان وسألوه أن يخرج ويشفع فيهم. فخرج ومعه قائدٌ يقوده، فأكرمه صالح واحترمه، ثمّ قال: ألك حاجة؟ قال: الأمير أطال الله
стр. 9458
بقاءه كالسّيف القاطع، لان مسَّهُ، وخشن حدُّه وكالنّهار الماتع، قاظ وسطه، وطاب إبراده. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فقال له صالح: قد وهبتها لك. ثم قال له: أنشدنا شيئا من شعرك لنرويه. فأنشده بديها أبياتا فيه، فترحَّل صالح.
وذكر أنّ أبا العلاء كان له مغارة ينزل إليها ويأكل فيها، ويقول: الأعمى عورة والواجب استتاره في كلِّ أحواله. فنزل مرّةً وأكل دبسا، فنقط على صدره منه ولم يشعر، فلمّا جلس للإقراء قال له بعض الطَّلبة: يا سيدي أكلت دبسا؟ فأسرع بيده إلى صدره يمسحه، وقال: نعم، لعن الله النَّهم. فاستحسنوا سرعة فهمه، وكان يعتذر إلى من يرحل إليه من الطّلبة، فإنّه كان ليس له سعة، وأهل اليسار بالمعرّة يعرفون بالبخل، وكان يتأوّه من ذلك.
وذكر الباخرزيُّ أبا العلاء فقال (١): ضريرٌ ما له في الأدب ضريب ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألدّ محجوج. قد طال في ظلّ الإسلام آناؤه ولكن إنّما رشح بالإلحاد إناؤه، وعندنا بإساءته لكتابه الّذي زعموا أنّه عارض به القرآن وعنونه بالفصول والغايات في محاذاة السُّور والآيات.
قال القفطيّ (٢): وذكرت ما ساقه غرس النّعمة محمد بن هلال بن المحسّن فيه فقال: كان له شعرٌ كثير وفيه أدبٌ غزير، ويرمى بالإلحاد، وأشعاره دالّة على ما يزنُّ به، ولم يكن يأكل لحما ولا بيضا ولا لبنا، بل يقتصر على النّبات، ويحرّم إيلام الحيوان، ويظهر الصَّوم دائما. قال: ونحن نذكر طرفا ممّا بلغنا من شعره ليعلم صحّة ما يُحكى عنه من إلحاده، فمنه:
صرفُ الزّمانِ مُفَرِّقُ الإلْفَيْنِ … فاحكُمْ إلهي بين ذاك وبيني
أَنَهَيْتَ عن قتْل النُّفُوس تعمُّدا … وبَعَثْتَ أنتَ لقَبْضها مَلَكَيْنِ
وَزَعْمتَ أنّ لها مَعَادا ثانيا … ما كان أغناها عن الحالَيْنِ
ومنه (٣):
стр. 9459
قرانُ المُشْتَري زُحَلا يُرَجَّى … لإيقاظِ النّواظِر مِن كَرَاهَا
تقضّى النّاسُ جيلا بعدِ جيل … وخُلَّفتِ النّجومُ كما تراها
تقدَّم صاحبُ التُوراة موسى … وأوقعَ بالخَسَار مَن اقْتراها
فقال رِجالُه وَحْيٌ أتاهُ … وقال الآخرون: بلِ افتراها
وما حَجّي إلى أحجارِ بيت … كؤوسُ الخمرِ تُشْربُ في ذُراها
إذا رَجَعَ الحكيم إلى حجاه … تهاون بالمذاهب وازْدراها
ومنه (١)
عقول تستخف بها سطور … ولا يدري الفتى لمن الثبور
كتاب محمد وكتاب موسى … وإنجيل ابن مريم والزبور
ومنه فيما أنشدنا أبو عليّ ابن الخلاّل قال: أخبرنا جعفر، قال: أخبرنا السِّلفّي، قال: أنشدنا أبو زكريّا التِّبريزيّ، وعبد الوارث بن محمد الأسديّ لقيته بأبهر قالا: أنشدنا أبو العلاء بالمعرَّة لنفسه قال:
ضحِكْنا وكان الضّحكُ منّا سَفَاهةً … وحُقّ لسُكّان البسِيطةِ أن يبكوا
تُحَطِّمُنا الأيّامُ حتّى كأَنّنا … زُجاجٌ، ولكن لا يُعاد له السبْكُ
ومنه (٢):
هَفَتِ الحنيفةُ والنّصارى ما اهتدتْ … ويهودُ حارتْ والمجوسُ مُضَلَّلَةْ
اثنان أهلُ الأرض: ذو عقل بلا … دين، وآخرُ دَيِّنٌ لا عقلَ لَهْ
ومنه (٣):
قلتم لنا خالقٌ قديمٌ … صدقتُمُ، هكذا نقول
زعمتموهُ بلا زمان … ولا مكان، ألا فقولوا
هذا كلامٌ له خَبِيء … مَعناهُ ليستْ لكم عُقُولُ
ومنه (٤):
стр. 9460
دِينُ وكُفْرٌ وأنباءٌ تقالُ وفُر … قانٌ يُنَصُّ وتوراةٌ وإنجيلُ
في كلّ جيل أباطيلٌ يُدانُ بها … فهل تفرَّد يوما بالهدى جيلُ
فأجبته (١):
نعمْ أبو القاسم الهادي وأمّته … فزادك اللهُ ذُلا يا دجَيْجِيلُ
ومنه:
فَلا تحسْب مَقَال الرُّسلِ حقّا … ولكنْ قولُ زُور سَطَرُوهُ
وكان النّاس في عَيْش رغيد … فجاؤوا بالمُحالِ فكدّرُوهُ (٢)
ومنه (٣):
وإنما حمّل التّوارة قارِئها … كسْب الفوائد لا حُبّ التّلاواتِ
وهل أبيحت نساء الرّوم عن غرّض (٤) … للعُرب إلاّ بأحكام النُّبوّات
أنبأتنا أمُّ العرب فاطمة بنت أبي القاسم قالت: أخبرنا فرقد الكنانيّ سنة ثمان وستّمائة قال: أخبرنا السِّلفيّ، قال: سمعت أبا زكريّا التّبريزيّ قال: لما قرأت على أبي العلاء بالمعرَّة قوله (٥):
تَنَاقُضٌ ما لنا إلاّ السُّكُوتُ لهُ … وأن نَعُوذَ بمولانا من النّار
يدٌ بخُمْس مِيء من عَسْجَد ودِيَتْ … ما بالُها قُطِعَتْ في رُبع دينار؟
سألته عن معناه فقال: هذا مثل قول الفقهاء عبادةً لا يعقل معناها.
قلت: لو أراد ذلك لقال: تعبد ما لنا إلاّ السُّكوت له، ولما اعترض على الله بالبيت الثّاني.
стр. 9461
قال السِّلفّي: إن قال هذا الشِّعر معتقدا معناه، فالنار مأواه، وليس له في الإسلام نصيب. هذا إلى ما يحكى عنه في كتاب الفصول والغايات وكأنه معارضة منه للسُّور والآيات، فقيل له: أين هذا من القرآن؟ فقال: لم تصقله المحاريب أربعمائة سنة. إلى أن قال السِّلفيّ: أخبرنا الخليل بن عبد الجبّار بقزوين، وكان ثقة قال: حدثنا أبو العلاء التّنوخيّ بالمعرّة، قال: حدثنا أبو الفتح محمد بن الحسين، قال: حدثنا خيثمة فذكر حديثا.
وقال غرس النّعمة: وحدَّثني الوزير أبو نصر بن جهير قال: حدثنا أبو نصر المنازي الشّاعر قال: اجتمعت بأبي العلاء فقلت له: ما هذا الذي يروى عنك ويحكى؟ قال: حسدوني وكذبوا عليَّ. فقلت: على ماذا حسدوك، وقد تركت لهم الدّنيا والآخرة؟ فقال: والآخرة؟ قلت: إي والله.
قال غرس النّعمة: وأذكر عند ورود الخبر بموته، وقد تذاكرنا إلحاده، ومعنا غلام يعرف بأبي غالب بن نبهان من أهل الخير والفقه. فلمّا كان من الغد حكى لنا قال: رأيت في منامي البارحة شيخا ضريرا، وعلى عاتقه أفعيان متدلّيان إلى فخذيه وكلُّ منهما يرفع فمه إلى وجهه، فيقطع منه لحما يزدرده وهو يستغيث. فقلت وقد هالني: من هذا؟ فقيل لي: هذا المعرّي الملحد.
ولأبي العلاء (١):
أتى عيسى فبطَّلَ شرْعَ موسى … وجاء محمدٌ بصلاةِ خَمْس
وقالوا: لا نبيٌّ بعدَ هذا … فَضَلَّ القومُ بين غد وأمس
ومهما عشْتَ في دُنياك هذي … فما تُخْليكَ من قمر وشمسِ
إذا قُلتُ المُحالَ رفعتُ صَوْتي … وإنْ قلتُ الصّحيحَ أطلَّتُ هَمْسي
وله:
إذا مات ابنُها صرخَتْ بجهلِ … وماذا تستفيد من الصُّراخِ؟
ستتبعه كفاء العطف ليست … بمهل أو كَثُمَّ على التراخي
وله (٢):
стр. 9462
لا تَجْلِسْنَ حُرّةُ موفْقَةٌ … مع ابن زوج لها ولا خَتَن
فذاك خيرُ لها وأسلم لل … إنسانِ إنْ الفَتَى من الفِتَنِ
وله:
منكَ الُّصدُودُ ومنّي بالصُّدودِ رِضا … مَن ذا عليَّ بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو غدا بالشّمسِ ما طَلَعَتْ … من الكآبة أو بالبَرْقِ ما وَمَضَا جرَّبتُ دَهْري وأهليه فما تَرَكَتْ … لِيَ التّجاربُ في وُدّ امرئ غَرضا
إذا الفتى ذَمّ عَيْشا في شبيبته … فما يقولُ إذا عَصْرُ الشَّباب مَضى
وقد تعوّضتُ عن كل بمُشْبهِه … فما وجدتُ لأيّامِ الصِّبا عِوَضا
وله (١):
وصفراءّ لون التَّبْر مثلي جليدة … على نُوب الأيام والعِيشة الضَّنكِ
تريك ابتساما دائما وتجلدا … وصبرا على ما نابها وهي في الهلكِ
ولو نطّقت يوما لقالت أظنّكم … تخالون أنّي من حذار الرَّدى أبكي
فلا تحسبوا وجدي لوجد وجدته … فقد تدمع العينان من كثرة الضَّحكِ
أنشدنا أبو الحسين ببعلبك قال: أخبرنا جعفر قال: أخبرنا السِّلفيّ، قال: أنشدنا أبو المكارم عبد الوارث بن محمد الأسديّ رئيس أبهر قال: أنشدنا أبو العلاء بن سليمان لنفسه قطعة ليس لأحد مثلها:
رغبتُ إلى الدّنيا زمانا فلم تجد … بغير عناء والحياةُ بلاغُ
وألفى ابنه اليأس الكريم وبنتهُ … لديَّ فعندي راحة، وفراغ
وزاد فساد النّاس في كلّ بلدة … أحاديثُ مين تفترى وتصاغُ
ومن شرِّ ما أسرجت في الصُّبح والُّدجى … كميت لها بالشاربين مراغ
ولما مات أوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناهُ أبيْ عليَّ … وما جنيتُ على أحدْ
الفلاسفة يقولون: إيجاد الولد وإخراجه إلى هذا العالم جناية عليه، لأنّه يعرَّض إلى الحوادث والآفات، والّذي يظهر أنّ الرجل مات متحيّرا، لم يجزم
стр. 9463
بدين من الأديان، نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا بكرمه.
أنبأتنا فاطمة بنت علي، قالت: أخبرنا فرقد بن ظافر، قال: أخبرنا أبو طاهر بن سلفة، قال: من عجيب رأي أبي العلاء تركه تناول كلّ مأكول لا تنبته الأرض شفقةً بزعمه على الحيوانات، حتى نسب إلى التَّبرهم، وأنّه يرى رأي البراهمة في إثبات الصّانع، وإنكار الرُّسل، وتحريم الحيوانات وإيذائها، حتى الحيّات والعقارب، وفي شعره ما يدلّ على غير هذا المذهب، وإن كان لا يستقرّ به قرار ولا يبقى على قانون واحد، بل يجري مع القافية إذا حصلت كما تجيء، لا كما يجب. فأنشدني أبو المكارم الأسديّ رئيس أبهر قال: أنشدنا أبو العلاء لنفسه (١):
أقرُّوا بالإله وأثبتوه … وقالوا: لا نبيَّ ولا كتابُ
ووطءُ بناتنا حلٌّ مُباحٌ … رويدكمُ فقد بطل العتابُ
تمادوا في الضّلال فلم يتوبوا … ولو سمعوا صليلَ السّيفِ تابوا
وبه قال: وأنشدني أبو تمام غالب بن عيسى الأنصاريّ بمكّة قال: أنشدنا أبو العلاء المعرّي لنفسه:
أتتني من الأيام ستُّون حجَّةً … وما أمسكت كفّيَ بثني عنانِ
ولا كان لي دارٌ ولا ربعُ منزل … وما مسّني من ذاك روعُ جنانِ
تذكَّرتُ أنّي هالكٌ وابنُ هالك … فهانت عليَّ الأرضُ والثقلانِ
إلى أن قال السِّلفيّ: وممّا يدلّ على صحة عقيدته ما سمعت الخطيب حامد بن بختيار النُّميريّ بالسِّمسمانيّة - مدينة بالخابور - قال: سمعت القاضي أبا المهذّب عبد المنعم بن أحمد السَّروجيّ يقول: سمعت أخي القاضي أبا الفتح يقول: دخلت على أبي العلاء التَّنوخيّ بالمعرَّة ذات يوم في وقت خلوة بغير علم منه، وكنت أتردَّدُ إليه وأقرأ عليه، فسمعته وهو ينشد من قيله:
كم غودرت غادةٌ كعاب … وعمرت أمها العجوزُ
أحرزها الوالدان خوفا … والقبر حرز لها حريز
يجوز أن تبطئ المنايا … والخلد في الدهر لا يجوز
стр. 9464
ثم تأوه مرات وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
ثم صاح وبكى. بكاء شديدا، وطرح وجهه على الأرض زمانا، ثم رفع رأسه، ومسح وجهه وقال: سبحان من تكلم بهذا في القدم، سبحان من هذا كلامه. فصبرت ساعة، ثم سلمت عليه، فرد وقال: متى أتيت؟
فقلت: الساعة. ثم قلت: أرى يا سيدنا في وجهك أثر غيظ. فقال: لا يا أبا الفتح، بل أنشدت شيئا من كلام المخلوق، وتلوت شيئا من كلام الخالق، فلحقني ما ترى. فتحققت صحة دينه، وقوة يقينه.
وبالإسناد إلى السلفي: سمعتُ أبا بكر التبريزي اللغوي يقول: أفضل من رأيته ممن قرأت عليه أبو العلاء، وسمعتُ أبا المكارم بأبهر، وكان من أفراد الزمان، ثقة مالكي المذهب، قال: لما توفي أبو العلاء اجتمع على قبره ثمانون شاعرا، وختم في أسبوع واحد عند القبر مائتا ختمة.
وبه قال السلفي: هذا القدر الذي يمكن إيراده هنا على وجه الاختصار، مدحا وقدحا، وتقريظا، وذما، وفي الجملة فكان من أهل الفضل الوافر، والأدب الباهر، والمعرفة بالنسب، وأيام العرب. قرأ القرآن بروايات، وسمع الحديث بالشام على ثقات، وله في التوحيد وإثبات النبوة وما يحض على الزهد، وإحياء طرق الفتوة والمروءة شعر كثير، والمشكل منه فله على زعمه تفسير.
قال القفطي (١): ذكر أسماء الكتب التي صنفها. قال أبو العلاء: لزمت مسكني منذ سنة أربعمائة واجتهدت أن أتوفر على تسبيح الله وتحميده، إلا أن أضطر إلى غير ذلك، فأمليت أشياء تولى نسخها الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي هاشم، أحسن الله توفيقه، ألزمني بذلك حقوقا جمة، لأنه أفنى زمنه ولم يأخذ عما صنع ثمنه، وهي على ضروب مختلفة، فمنها ما هو في الزهد والعظات والتمجيد. فمن ذلك: كتاب الفصول والغايات وهو موضوع على حروف المعجم، ومقداره مائة كراسة، ومنها كتاب أنشئ في ذكر غريب
стр. 9465
هذا الكتاب، لقبه الشادن. نحو عشرين كراسة وكتاب إقليد الغايات في اللغة، عشر كراريس، وكتاب الأيك والغصون وهو ألف ومائتا كراسة، وكتاب مختلف الفصول نحو أربعمائة كراسة، وكتاب تاج الحرة في عظات النساء، نحو أربعمائة كراسة، وكتاب الخطب نحو أربعين كراسة، وكتاب تسمية خطب الخيل عشر كراريس. كتاب خطبة الفصيح. نحو خمس عشرة كراسة، وكتاب يعرف برسيل الراموز نحو ثلاثين كراسة. كتاب لزوم ما لا يلزم نحو مائة وعشرين كراسة. كتاب زجر النابح أربعون كراسة. كتاب نجر الزجر مقداره كذا. كتاب راحة اللزوم في شرح كتاب لزوم ما لا يلزم نحو مائة كراسة. كتاب ملقى السبيل مقداره أربع كراريس.
قلت: إنما مقداره ثمان ورقات، فكأنه يعني بالكراسة زوجين من الورق.
قال: وكتاب خماسة (١) الراح في ذم الخمر، نحو عشرة (٢) كراريس. مواعظ، خمس عشرة كراسة. كتاب وقفة الواعظ. كتاب الجلي والجلى (٣) عشرون كراسة. كتاب سجع الحمائم ثلاثون كراسة. كتاب جامع الأوزان والقوافي نحو ستين كراسة. كتاب غريب ما في هذا الكتاب نحو عشرين كراسة كتاب سقط الزند، فيه أكثر من ثلاثة آلاف بيت نظم في أول العمر. كتاب رسالة الصاهل والشاحج يتكلم فيه على لسان فرس وبغل أربعون كراسة. كتاب القائف على معنى كليلة ودمنة نحو ستين كراسة. كتاب منار القائف في تفسير ما فيه من اللغة والغريب، نحو عشر كراريس. كتاب السجع السلطاني في مخاطبات الملوك والوزراء، نحو ثمانين كراسة. كتاب سجع الفقيه ثلاثون كراسة. كتاب سجع المضطرين،
стр. 9466
رسالة المعونة. كتاب ذكرى حبيب كتاب تفسير شعر أبي تمام، نحو ستين كراسة. كتاب يتصل بشعر البحتري (١). كتاب الرياش أربعون كراسة. كتاب تعليق الخلس (٢) كتاب إسعاف الصديق. كتاب قاضي الحق. كتاب الحقير النافع في النحو، نحو خمس كراريس. كتاب المختصر الفتحي. كتاب اللامع العزيزي في شرح شعر المتنبي، نحو مائة وعشرين كراسة. كتاب في الزهد يعرف بكتاب استغفر واستغفري منظوم فيه نحو عشرة آلاف بيت. كتاب ديوان الرسائل، مقداره ثمان مائة كراسة. كتاب خادم الرسائل. كتاب مناقب علي ﵁. رسالة العصفورين. كتاب السجعات العشر. كتاب عون الجمل. كتاب شرف السيف. نحو عشرين كراسة. كتاب شرح بعض سيبويه نحو خمسين كراسة. كتاب الأمالي، نحو مائة كراسة.
قال: فذلك خمسة وخمسون مصنفا في نحو أربعة ألاف ومائة وعشرين كراسة.
ثم قال القفطي (٣): وأكثر كتب أبي العلاء عدمت، وإنما وجد منها ما خرج عن المعرة قبل هجم الكفار عليها، وقتل أهلها، وقد أتيت قبره (٤) سنة خمس وستمائة، فإذا هو في ساحة بين دور أهله، وعليه باب. فدخلت فإذا القبر لا احتفال به، ورأيت على القبر خبازى يابسة، والموضع على غاية ما يكون من الشعث والإهمال.
قلت: وقد رأيت قبره أنا بعد مائة سنة من رؤية القفطي فرأيت نحوا مما حكى، وقد ذكر بعض الفضلاء أنه وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتاب الأيك والغصون، قال: ولا أعلم ما يعوزه بعد ذلك.
وقد روى عنه، أبو القاسم التنوخي، وهو من أقرانه، والخطيب أبو زكريا التبريزي أحد الأعلام، والإمام أبو المكارم عبد الوارث بن محمد الأبهري، والفقيه أبو تمام غالب بن عيسى الأنصاري، والخليل بن عبد الجبار القزويني،
стр. 9467
وأبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر الأنباري وغير واحد.
ومرض ثلاثة أيام، ومات في الرابع ليلة جمعة، من أوائل ربيع الأول من السنة، وقد رثاه تلميذه أبو الحسن علي بن همام بقوله:
إن كنت لم ترق الدماء زهادة … فلقد أرقت اليوم من جفني دما
سيرت ذكرك في البلاد كأنه … مسك فسامعةً يضمخ أو فما
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة … ذكراك أخرج فدية من أحرما (١)
٣٠٨ - أحمد بن علي. أبو الفتح الإيادي، أخو محمد المذكور في العام الماضي (٢).
سمع أبا حفص الكتاني، والمخلص، ومات في ذي القعدة.
قال الخطيب (٣): صدوق.
٣٠٩ - أحمد بن علي بن محمد بن عثمان، أبو طاهر ابن السواق الأنصاري البغدادي المقرئ.
أخو حمزة.
قرأ القراءات على الحمامي، وسمع من عبيد الله بن أحمد الصيدلاني، وأبي أحمد الفرضي، وطائفة، وعنه أبو غالب عبد الله بن منصور المقرئ، وعلي بن المبارك بن سيف الدواليبي، وجعفر السراج وآخرون.
وكان ثقة، صالحا نبيلا، فقيها مقرئا.
٣١٠ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان، أبو مسعود البجلي الرازي الحافظ ابن المحدث الصالح.
ولد بنيسابور سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. قال: وأمي من طبرستان، وأكثر مقامي بجرجان.
قلت: رحل وطوف وصنف الأبواب والشيوخ، وسمع من الكبار أبي عمرو بن حمدان، وأبي أحمد حسين بن علي التميمي، وأبي سعيد بن عبد الوهاب الرازي، وأحمد بن أبي عمران الهروي المجاور، وزاهر بن أحمد، وأبي النضر محمد بن أحمد بن سليمان الشرمغولي، ومحمد بن الفضل بن
стр. 9468
محمد بن خزيمة، وأبي بكر محمد بن محمد الطرازي، وأبي الحسين الخفاف، وأبي محمد المخلدي، وشافع الإسفراييني، وأبي بكر بن لال الهمذاني، وأبي الحسن بن فراس العبقسي، وأبي الحسين بن فارس اللغوي، وابن جهضم، وخلق كثير.
وكان جوالا في الآفاق، وبقي في الآخر يسافر للتجارة.
روى عنه يحيى بن الحسين بن شراعة، وعبد الواحد بن أحمد الخطيب الهمذانيان، وأبو الحسن علي بن محمد الجرجاني، وظريف النيسابوري، وإسماعيل بن عبد الغافر، وخلق آخرهم عبد الرحمن بن محمد التاجر.
وثقه جماعة.
توفي في المحرم ببخارى (١).
قال يحيى بن منده: كان ثقة جوالا، تاجرا كثير الكتب عارفا بالحديث، حسن الفهم.
٣١١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن النعمان بن المنذر، أبو العباس الأصبهاني الصائغ الفضاض الذهبي.
حدث عن أبي بكر ابن المقرئ، وعبيد الله بن يعقوب بن جميل، وأبي بكر محمد بن أحمد بن جشنس، وأبي عبد الله بن منده، وأبي بكر محمد بن أحمد بن الفضل بن شهريار، وجماعة. روى عنه أبو علي الحداد، وسعيد بن أبي الرجاء، وغيرهما.
وكان ثقة نبيلا جميل الطريقة.
قال يحيى بن منده: هو ثقة مأمون، صالح، قليل الكلام. عاش ثمانين سنة.
وقال غيره: هو أبو بكر الفضاض، توفي ليلة عيد الفطر. روى عن ابن المقرئ مسند العدني.
٣١٢ - أحمد بن محمد بن أبي عبيد أحمد بن عروة، أبو نصر الكرميني.
حدث في رمضان من السنة ببلد كرمينية من ما وراء النهر عن محمد بن
стр. 9469
أحمد بن محفوظ الورقودي (١)، وسماعه منه في سنة بضع وسبعين وثلاثمائة عن الفربري.
٣١٣ - أحمد بن مهلب بن سعيد، أبو عمر البهراني الإشبيلي.
روى عن أبي محمد الباجي، وأبي الحسن الأنطاكي المقرئ، وأبي عبد الله بن مفرج، وأبي بكر الزبيدي، وغيرهم.
ذكره ابن خزرج وقال: كان من أهل الذكاء، قديم العناية بطلب العلم، توفي في صفر وقد استكمل ستا وتسعين سنة (٢).
قلت: هذا كان من كبار المسندين بالأندلس.
٣١٤ - إبراهيم بن محمد بن علي، أبو نصر الكسائي الأصبهاني.
سمع أبا بكر ابن المقرئ. روى عنه الحداد، وسعيد بن أبي الرجاء، وغيرهما، وكان وراقا، فسمع الكثير.
مات في ذي القعدة.
٣١٥ - إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عابد بن عامر، أبو عثمان الصابوني النيسابوري الواعظ المفسر، شيخ الإسلام.
حدث عن زاهر بن أحمد السرخسي، وأبي سعيد عبد الله بن محمد الرازي، والحسن بن أحمد المخلدي، وأبي بكر بن مهران المقرئ، وأبي طاهر بن خزيمة، وأبي الحسين الخفاف، وعبد الرحمن بن أبي شريح، وطبقتهم.
روى عنه عبد العزيز الكتاني، وعلي بن الحسين بن صصرى، ونجا بن أحمد، وأبو القاسم المصيصي، ونصر الله الخشنامي، وأبو بكر البيهقي، وخلق كثير آخرهم أبو عبد الله الفراوي.
قال البيهقي: أخبرنا إمام المسلمين حقا، وشيخ الإسلام صدقا أبو عثمان الصابوني، ثم ذكر حكاية.
وقال أبو عبد الله المالكي، أبو عثمان الصابوني ممن شهدت له أعيان
стр. 9470
الرجال بالكمال في الحفظ، والتفسير، وغيرهما.
وقال عبد الغافر في سياق تاريخ نيسابور (١): إسماعيل الصابوني الأستاذ، شيخ الإسلام، أبو عثمان الخطيب المفسر الواعظ، المحدث، أوحد وقته في طريقه، وعظ المسلمين سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع نحوا من عشرين سنة، وكان حافظا كثير السماع والتصنيف، حريصا على العلم. سمع بنيسابور، وهراة، وسرخس، والشام، والحجاز، والجبال، وحدث بخراسان، والهند، وجرجان، والشام، والثغور، والقدس، والحجاز، ورُزِق العز والجاه في الدين والدنيا، وكان جمالا للبلد، مقبولا عند الموافق والمخالف، مجمع على أنه عديم النظير، وسيف السنة، ودامغ أهل البدعة، وكان أبوه أبو نصر من كبار الواعظين بنيسابور، ففتك به لأجل المذهب، وقتل وهذا الإمام صبي ابن تسع سنين، فأقعد بمجلس الوعظ مقام أبيه، وحضر أئمة الوقت مجالسه، وأخذ الإمام أبو الطيب الصعلوكي في ترتيبه وتهيئة شأنه، وكان يحضر مجالسه، هو والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والأستاذ أبو بكر بن فورك، ويتعجبون من كمال ذكائه وحسن إيراده، حتى صار إلى ما صار إليه، وكان مشتغلا بكثرة العبادات والطاعات، حتى كان يضرب به المثل.
وقال الحسين بن محمد الكتبي في تاريخه: توفي أبو عثمان في المحرم، وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وأول مجلس عقده للوعظ بعد قتل والده في سنة اثنتين وثمانين.
وفي معجم السفر للسلفي (٢): سمعتُ الحسن بن أبي الحر بن سعادة بثغر سلماس يقول: قدم أبو عثمان الصابوني بعد حجه، ومعه أخوه أبو يعلى في أتباع ودواب، فنزل على جدي أحمد بن يوسف بن عمر الهلالي، فقام بجميع مؤنه، وكان يعقد المجلس كل يوم، وافتتن الناس به، وكان أخوه فيه دعابة، وسمعتُ أبا عثمان وقت أن ودع الناس يقول: يا أهل سلماس، لي عندكم أشهر أعظ وأنا في تفسير آية وما يتعلق بها، ولو بقيت عندكم تمام سنة، لما تعرضت لغيرها والحمد لله.
стр. 9471
قلت: هكذا كان والله شيخنا ابن تيمية، بقي أزيد من سنة يفسر في سورة نوح، وكان بحرا لا تكدره الدلاء ﵀.
وقال عبد الغافر (١): حكى الثقات أن أبا عثمان كان يعظ، فدفع إليه كتابُ ورد من بخارى مشتمل على ذكر وباء عظيم وقع بها ليدعى على رؤوس الملأ في كشف ذلك البلاء عنهم، ووصف في الكتاب أن رجلا أعطى دراهم لخباز يشتري خبزا، فكان يزنها والصانع يخبز، والمشتري واقف، فمات الثلاثة في ساعة. فلما قرأ الكتاب هاله ذلك، فاستقرأ من القارئ قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ﴾ الآيات ونظائرها، وبالغ في التخويف والتحذير، وأثر ذلك فيه وتغير في الحال، وغلبه وجع البطن من ساعته، وأنزل من المنبر، فكان يصيح من الوجع، وحمل إلى الحمام، فبقي إلى قريب المغرب، فكان يتقلب ظهرا لبطن، وبقي سبعة أيام لم ينفعه علاج، فأوصى وودع أولاده وتوفي، وصلي عليه عصر يوم الجمعة رابع المحرم، وصلى عليه ابنه أبو بكر، ثم أخوه أبو يعلى إسحاق.
وقد طول عبد الغافر ترجمة شيخ الإسلام وأطنب في وصفه، وقال (٢): قال فيه البارع الزوزني:
ماذا اختلاف الناس في متفنن … لم يبصروا للقدح فيه سبيلا
والله ما رقى المنابر خاطب … أو واعظ كالحبر إسماعيلا
وقال: قرأت في كتاب كتبه الإمام زين الإسلام من طوس في تعزية شيخ الإسلام يقول فيه: أليس لم يجسر مفتر أن يكذب على رسول الله ﷺ في وقته؟ أليست السنة كانت بمكانة منصورة، والبدعة لفرط حشمته مقهورة؟ أليس كان داعيا إلى الله هاديا عباد الله، شابا لا صبوة له، ثم كهلا لا كبوة له، ثم شيخا لا هفوة له؟ يا أصحاب المحابر، حطوا رحالكم، فقد استتر بجلال التراب من كان عليه إلمامكم، ويا أرباب المنابر، أعظم الله أجوركم، فقد مضى سيدكم وإمامكم.
стр. 9472
وقال الكتاني (١): ما رأيت شيخا في معنى أبي عثمان الصابوني زهدا وعلما. كان يحفظ من كل فن لا يقعد به شيء، وكان يحفظ التفسير من كتب كثيرة، وكان من حفاظ الحديث.
قلت: ولأبي عثمان مصنف في السنة واعتقاد السلف، أفصح فيه بالحق، فرحمه الله ورضي عنه.
وقال الحافظ ابن عساكر (٢): سمعت معمر بن الفاخر يقول: سمعت عبد الرشيد بن ناصر الواعظ بمكة يقول: سمعت إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي يقول: سمعت الإمام أبا المعالي الجويني قال: كنت بمكة أتردد في المذاهب، فرأيت النبي ﷺ فقال: عليك باعتقاد ابن الصابوني.
وقال عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر: حكى المقرئ الصالح محمد بن عبد الحميد الأبيوردي عن الإمام أبي المعالي الجويني أنه رأى في المنام كأنه قيل له: عد عقائد أهل الحق. قال: فكنت أذكرها إذ سمعت نداء كان مفهومي منه أني أسمعه من الحق ﵎ يقول: ألم نقل: إن ابن الصابوني رجل مسلم؟
قال عبد الغافر: ومن أحسن ما قيل فيه أبيات للإمام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي (٣):
أودى الإمام الحبر إسماعيل … لهفي عليه ليس منه بديل
بكت السما والأرض يوم وفاته … وبكى عليه الوحي والتنزيل
والشمس والقمر المنير تناوحا … حزنا عليه وللنجوم عويل
والأرض خاشعة تبكي شجوها … ويلي تولول: أين إسماعيل؟
أين الإمام الفرد في آدابه … ما إن له في العالمين عديل
لا تخدعنك منى الحياة فإنها … تلهي وتنسي والمنى تضليل
وتأهبن للموت قبل نزوله … فالموت حتم والبقاء قليل
стр. 9473
٣١٦ - الحسن بن محمد بن علي، أبو عامر النسوي النحوي الزاهد الشاعر، مصنف الديوان المعروف.
كان كثير التطواف، جم الفوائد، دائم العبادة والصوم والتهجد، يقال: إنه من الأبدال.
ترجمه علي بن محمد الجرجاني وقال: سمع بالعراق، وأصبهان، وذهب أكثر سماعه إلا من جزء من مسند أبي يعلى الموصلي، سمعه من أبي بكر بن المقرئ، وأجزاء أخر عن شيوخ، ولد سنة ستين وثلاثمائة، وتوفي في رمضان بنسا.
وقال ابن السمعاني (١): هو ثقة، عالم باللغة فقير. سمع بنسا أبا القاسم عبد الله بن محمد صاحب الحسن بن سفيان. روى عنه عبد المنعم ابن القشيري.
أخبرنا أحمد بن هبة الله، قال: أخبرنا أبو روح في كتابه، قال: أخبرنا زاهر، قال: أخبرنا أبو عامر الحسن بن محمد إجازة، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا أبو يعلى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سالم، قال: حدثنا عبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن الحارث العكلي، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها فإنه رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه (٢).
٣١٧ - الحسين بن محمد بن عثمان، ابن النصيبي البغدادي.
سمع الدارقطني، وأبا الحسن الحربي.
стр. 9474
قال الخطيب (١): كتبت عنه، وكان يذهب إلى الاعتزال.
٣١٨ - الحسين بن محمد بن القاسم، أبو عبد الله بن طباطبا العلوي النسابة.
قال الخطيب (٢): كان متميزا بعلم النسب ومعرفة أيام الناس وله حظ من الأدب والشعر، وكان كثير الحضور معنا في مجالس الحديث. ذكر لي سماعه من ابن الجندي، وأبي عبد الله الضبي. علقت عنه أشياء، ومات في صفر.
٣١٩ - شيبان بن محمد بن جعفر الجرقوهي (٣) الأصبهاني.
روى عن أبي بكر ابن المقرئ، وعبد الرحمن بن الخصيب، وعنه أبو علي الحداد، وغيره.
مات في جمادى الآخرة.
٣٢٠ - عبد الرحمن بن أحمد بن زكريا أبو محمد الطليطلي، يعرف بابن راها (٤).
كان نبيلا فصيحا أخباريا. سمع من عبدوس بن محمد، ومحمد بن إبراهيم الخشني (٥).
٣٢١ - عبد الواحد بن الحسين بن قرقر، أبو طاهر البغدادي الحذاء.
سمع أبا الحسن الدارقطني، وأبا حفص بن شاهين، وجماعة.
قال الخطيب (٦): كتبت عنه، وكان سماعه صحيحا، وله حانوت في الحذائين.
٣٢٢ - عبد الغفار بن محمد بن عمر بن العزيز، أبو سعد الهمذاني التككي.
стр. 9475
روى عن أبي بكر بن لال، وأبي أحمد الفرضي. روى عنه العلوي، ومحمد بن عثمان.
توفي في ذي القعدة.
٣٢٣ - عبد الوهاب بن أحمد بن هارون، أبو الحسين ابن الجندي الشاهد. أخو القاضي أبي نصر بن هارون.
من كبار شهود دمشق. روى عن أبي بكر بن أبي الحديد.
روى عنه أبو طاهر الحناني، وأبو القاسم النسيب.
توفي في جمادى الأولى من السنة (١).
٣٢٤ - عبيد الله بن الحسين بن نصر العطار.
روى ببغداد عن محمد بن المظفر الحافظ، وأبا عمر بن حيويه، والدارقطني، وغيرهم.
قال الخطيب (٢): كتبنا عنه وكان صدوقا، وتوفي في صفر.
قال النرسي: سمعنا منه.
٣٢٥ - علي بن أحمد بن إبراهيم بن غريب البزاز.
بغدادي، سمع علي بن حسان الدممي، وعلي بن عمر الحربي.
قال الخطيب (٣): كتبنا عنه، وكان صحيح السماع، وغريب هو خال الخليفة المقتدر.
قلت: حدث بدمشق فروى عنه محمد بن علي الحداد (٤).
٣٢٦ - علي بن الحسن السقلاطوني.
بغدادي صدوق. سمع ابن شاهين؛ أرخه الخطيب وحدث عنه (٥).
٣٢٧ - علي بن الحسين بن محمد البصري، أبو القاسم التاجر.
ثقة، روى عن أبي القاسم بن حبابة وأبي الحسن بن فراس العبقسي،
стр. 9476
وطائفة، وكان سفارا في البز، كتب عنه الخطيب، وقال (١): مات في المحرم.
٣٢٨ - علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن القرطبي، ويعرف أيضا بابن اللجام.
روى عن أبي المطرف القنازعي، ويونس بن عبد الله القاضي، وأبي محمد بن بنوش، وأبي عمر بن عفيف، وغيرهم.
قال ابن بشكوال (٢): كان من أهل العلم والمعرفة والفهم، مليح الخط، حسن الضبط، عني بالحديث العناية التامة وأتقن ما قيد منه، وشرح صحيح أبي عبد الله البخاري في عدة مجلدات، رواه الناس عنه، وولي قضاء لورقة، وحدث عنه جماعة من العلماء. توفي في سلخ صفر.
قلت: وكان ينتحل الكلام على طريقة الأشعري وقد أبان عن جهل حين شرح كتاب الرد على الجهمية في الصحيح والجهمية أشهر من أن ينبه على بدعتهم وعلتهم، ومقصود البخاري بتلك الأبواب من أوضح الأشياء فإنهم قائلون خلافها، فظن ابن بطال أن الجهمية هم المجسمة وأن مقصود البخاري الرد على المجسمة فقال: تضمنت ترجمة هذا الباب أن الله واحد وأنه ليس بجسم فانظر إلى سوالفهم، وما علمنا أحدا من الجهمية قال بأن الله جسم بل هم يكفرون من جسم، وبالجملة فلا خير في الطائفتين.
٣٢٩ - محمد بن علي بن محمد بن الحسن، أبو عبد الله الخبازي المقرئ.
ولد بنيسابور سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وقرأ القرآن على أبيه وعلى أبي بكر محمد بن محمد الطرازي، وسمع من أبي أحمد الحاكم، وأبي محمد الحسن المخلدي، وأبي الحسن الماسرجسي، وتصدر للإقراء، وصنف في القراءات.
ذكره علي بن محمد الزبحي (٣) في تاريخ جرجان فقال: تخرج على
стр. 9477
يده ألوف بنيسابور، وغزنة، ودخل غزنة أيام السلطان محمود، وكان يكرمه غاية الإكرام. سمعته يقول: أول ما وردت على السلطان سألني عن آية أولها غين. فقلت: ثلاثة مواضع: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ واثنان مختلف فيهما، الكوفي يعدهما، والبصري لا يعدهما: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ و ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾
قلت: قرأ عليه جماعة منهم أبو القاسم الهذلي، وتوفي بنيسابور في رمضان.
وقال عبد الغافر الفارسي (١): هو شيخ نبيل مشهور بين أكابر المتقدمين بنيسابور، المنظور إليه، المشاور في الأمور، المبجل في المحافل والمشاهد، قعد سنين في مسجده المشهور به لقراءة القرآن في سكة معاذ، وحضر في مجلسه الأكابر وأولاد الأئمة وقرأوا عليه، وتبركوا بالقعود بين يديه، وكان عارفا بالقراءات ووجوهها. قرأ على أبيه الأستاذ أبي الحسين وغيره، وصنف كتاب الإبصار محتويا على أصول الروايات وغرائبها، وكان له صيت لتقدمه في علم القراءات، وله جاه وقدر عند السلاطين؛ استحضره يمين الدولة أبو القاسم محمود ابن ناصر الدين إلى غزنة، وسمع قراءته، وأكرم مورده ورده إلى نيسابور، وقد رحل إلى الكشميهني لسماع صحيح البخاري فسمعه منه وحدث به وكان يحيي الليل بالقراءة والدعاء والبكاء، حتى قيل إنه كان مستجاب الدعوة، لم ير بعده مثله. حدثنا عنه أبو بكر محمد بن يحيى المزكي، ووالدي، ومسعود بن ناصر الركاب، وطاهر الشحامي.
قلت: وآخر من روى عنه الفراوي.
فأما أبو بكر محمد بن الحسن بن علي الخبازي المقرئ الطبري. فآخر تأخر عن هذا، ولقيه أبو الأسعد القشيري (٢).
٣٣٠ - محمد بن علي بن إبراهيم، أبو بكر الدينوري القارئ، نزيل بغداد.
стр. 9478
حدث عن أبي بكر بن لال الهمذاني، وأبي عمر بن مهدي.
قال الخطيب (١): كتبت عنه، وكان صالحا ورعا، توفي في شوال.
٣٣١ - محمد بن علي، أبو الفتح الكراجكي شيخ الشيعة، والكراجكي: هو الخيمي.
مات بصور في رابع ربيع الآخر، وله عدة مصنفات، وكان من فحول الرافضة، بارع في فقههم وأصولهم، نحوي، لغوي، منجم، طبيب، رحل إلى العراق ولقي الكبار كالمرتضى.
وله كتاب تلقين أولاد المؤمنين، وكتاب الأغلاط مما يرويه الجمهور، وكتاب موعظة العقل للنفس، وله كتاب المنازل قد سيره إلى أن بلغ إلى سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وكتاب ما جاء على عدد الاثني عشر، وكتاب المؤمن إلى غير ذلك من هذيانات الإمامية.
٣٣٢ - محمد بن ميمون بن محمد النرسي الكوفي، عم الحافظ أبي.
سمع من الشريف أبي عبد الله الكوفي.
٣٣٣ - وليد بن عبد الله بن عباس، أبو القاسم الأصبحي القرطبي، ويعرف بابن العربي.
روى عن سليمان بن الغماز المقرئ، وولي خطابة قرطبة بعد مكي، وكان حسن الخطابة، بليغ الموعظة، طيب الصوت، عذب اللفظ. قرأ عليه أبو محمد بن عتاب، وتوفي في رمضان، وهو في عشر التسعين (٢).
стр. 9479
سنة خمسين وأربعمائة
٣٣٤ - أحمد بن الحسين بن علي بن عمر الحربي، أبو منصور.
روى عن جده علي السكري (١).
٣٣٥ - أحمد بن سليمان، أبو صالح النيسابوري الصوفي الزاهد.
حج نيفا وثلاثين مرة، وكان سنيا منكرا على المتكلمين. لقي بمكة شيخ الحرم السيرواني. روى عنه إسماعيل الفارسي، وغيره، وتوفي في جمادى الأولى (٢).
٣٣٦ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى بن هاموشة، أبو جعفر الأبريسمي التاجر.
من شيوخ أصبهان. روى عن أبي بكر ابن المقري، وعنه سعيد بن أبي الرجاء.
٣٣٧ - أحمد بن محمد بن حسين، أبو طاهر ابن الخفاف.
عن أبي القاسم ابن الصيدلاني، وجماعة، وعنه الخطيب، وقال (٣): مات في آخر السنة.
٣٣٨ - الحسين بن محمد بن عبد الواحد، أبو عبد الله البغدادي، الفقيه الفرضي المعروف بالوني.
انتهت إليه معرفة الفرائض. قتل ببغداد شهيدا في فتنة البساسيري ووثوبه على بغداد، ضرب بدبوس فمات، وكان أحد الأذكياء المذكورين، وله يد في علوم متعددة (٤).
قال ابن ماكولا (٥): سمعت الخطيب يقول: حضرنا مجلس شيخ ومعنا أبو عبد الله الوني فأملى الشيخ: فلما قمنا إذا الونّي قد حفظ من الإملاء بضعة
стр. 9480
عشر حديثا.
وقد سمع عن أصحاب الصّفّار، وابن البختريّ. سمع منه أبو حكيم الخبريّ.
٣٣٩ - الحسين بن محمد بن طاهر بن مهدي البغداديّ، أخو حمزة.
حدَّث عن الدّارقطنيّ، وجماعة (١).
٣٤٠ - حمزة بن أحمد بن حمزة، أبو يعلى القلانسيّ الدّمشقيّ السبعيّ الرجل الصالح.
حدَّث عن أبي محمد بن أبي نصر، وعبد الواحد بن مشماش، ومنصور بن رامش. روى عنه عبد الله بن الحسن البعلبكّيّ.
قال الكتّانيّ (٢): كان يحفظ معاني القرآن للنّحاس، وكان عبدا صالحا أقام بالجامع أربعين سنةً بلا غطاء ولا وطاء، ﵀ (٣).
٣٤١ - طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، القاضي أبو الطيِّب الطَّبري، الفقيه الشّافعي أحد الأعلام.
سمع بجرجان من أبي أحمد الغطريفيّ، وبنيسابور من الفقيه أبي الحسن الماسرجسيّ، وبه تفقَّه، وسمع ببغداد من أبي الحسن الدّارقطنيّ، وموسى بن عرفة، والمُعافى بن زكريّا، وعليّ بن عمر الحربيّ.
واستوطن بغداد، ودرسّ وأفتى، وولي قضاء ربع الكرخ بعد موت القاضي الصَّيمريّ، وكان مولده بآمل طبرستان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. قال: وخرجت إلى جرجان للقاء أبي بكر الإسماعيليّ فقدمتها يوم الخميس، فدخلت الحمّام، فلمّا كان من الغد لقيت أبا سعد ابن الشّيخ أبي بكر، فأخبرني أنّ والده قد شرب دواءً لمرض كان به، وقال لي: تجيء في صبيحة غد لتسمع منه. فلمّا كان في بكرة السّبت غدوت للموعد فإذا النّاس يقولون: مات أبو بكر الإسماعيليّ.
قال الخطيب (٤): وكان أبو الطّيِّب ورعا عارفا بالأصول والفروع،
стр. 9481
محقّقا، حسن الخلق، صحيح المذهب، اختلفت إليه وعلّقت عنه الفقه سنين.
من المرآة: قيل إنّ أبا الطّيّب دفع خفَّه إلى من يصلحه، فكان يأتي يتقاضاه، فإذا رآه غمس الخفّ في الماء وقال: السّاعة أصلحه فلمّا طال على أبي الطّيّب ذلك قال: إنّما دفعته إليك لتصلحه، لم أدفعه لتعلِّمه السِّباحة.
قال الخطيب (١): سمعت أبا بكر محمد بن أحمد المؤدِّب يقول: سمعت أبا محمد البافي يقول، أبو الطّيّب الطَّبريّ أفقه من أبي حامد الإسفراييني، وسمعت أبا حامد يقول، أبو الطّيّب أفقه من أبي محمد البافي.
وقال القاضي أبو بكر بن بكران الشّاميّ: قلت للقاضي أبي الطّيِّب شيخنا، وقد عمِّر: لقد متّعت بجوارحك أيّها الشّيخ. فقال: ولم لا، وما عصيت الله بواحدة منها قطّ؟ أو كما قال.
وقال غير واحد: سمعنا أبا الطّيِّب الطَّبريّ يقول: رأيت النبي ﷺ في النّوم فقلت: يا رسول الله أرأيت من روى عنك أنّك قلت: نضّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها … الحديث. أحقٌّ هو؟ قال: نعم.
وقال أبو إسحاق في الطّبقات (٢): ومنهم شيخنا وأستاذنا أبو الطّيب، توفيّ عن مائة وسنتين، لم يختلّ عقله، ولا تغيّر فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد، ويحضر المواكب إلى أن مات. تفقَّه بآمل على أبي عليّ الزَّجّاجيّ صاحب ابن القاصّ، وقرأ على أبي سعد الإسماعيليّ، وعلى القاضي أبي القاسم بن كجّ بجرجان. ثمّ ارتحل إلى نيسابور وأدرك أبا الحسن الماسرجسيّ، وصحبه أربع سنين، ثمّ ارتحل إلى بغداد، وعلّق عن أبي محمد البافي الخوارزميّ صاحب الدّاركيّ، وحضر مجلس الشّيخ أبي حامد، ولم أر فيمن رأيت أكمل اجتهادا، وأشدّ تحقيقا، وأجود نظرا منه. شرح المزنيّ، وصنَّف في الخلاف والمذهب والأصول والجدل كتبا كثيرة، ليس لأحد مثلها، ولازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرّست أصحابه في مسجده سنين بإذنه، ورتَّبني في حلقته، وسألني أن أجلس
стр. 9482
في مسجد للتّدريس، ففعلت في سنة ثلاثين. أحسن الله تعالى عنّي جزاءه ورضي عنه.
قلت: وأبو الطّيّب صاحب وجه في المذهب، فمن غرائبه أنّ خروج المنيّ ينقض الوضوء، ومنها أنّه قال: الكافر إذا صلّى في دار الحرب كانت صلاته إسلاما.
وقد روى عنه الخطيب، وأبو إسحاق الشّيرازيّ، وأبو محمد ابن الآبنوسيّ، وأبو نصر أحمد بن الحسن الشّيرازيّ، وأبو سعّد أحمد بن عبد الجبّار ابن الطُّيوريّ، وأبو عليّ محمد بن محمد ابن المهديّ، وأبو المواهب أحمد بن محمد بن ملوك، وأبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن أحمد العكبريّ، وأبو العزّ أحمد بن عبيد الله بن كادش، وأبو القاسم بن الحصين، وخلق آخرهم موتا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاريّ.
قال الخطيب (١): مات أبو الطّيّب في ربيع الأوّل، صحيح العقل، ثابت الفهم، وله مائة وسنتان.
٣٤٢ - ظفر بن الفرج بن عبد الله بن محمد، أبو سعد البغداديّ الخفّاف.
روى عن ابن الصَّلت الأهوازيّ.
توفّي في رمضان (٢).
٣٤٣ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسكان، الحاكم أبو محمد القرشيّ النَّيسابوريّ الواعظ، المعروف بالحذّاء.
ولد سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة، وحجَّ مع أبيه سنة ثلاث وثمانين، فسمع من مشايخ الرَّيّ وبغداد. فسمع بالرَّي من علي بن محمد بن عمر الفقيه. روى عنه ابنه القاضي أبو القاسم عبيد الله الحسكانيّ.
توفّي في شوّال (٣).
стр. 9483
٣٤٤ - عبد الله بن علي بن عيّاض بن أبي عقيل، أبو محمد الصُّوريّ، القاضي عين الدّولة.
سمع أبا الحسين بن جميع، وغيره. روى عنه، أبو بكر الخطيب، وسهل بن بشر الإسفراييني، وغيث الأرمنازيّ.
توفي فجاءة بين عكا وصور (١).
٣٤٥ - عبد العزيز بن أبي الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران البغداديّ، أبو الطّيّب.
سمع أبا الحسين بن المظفّر، وأبا عمر بن حيُّويه، وأبا بكر بن شاذان وأبا الفضل الزُّهري.
قال الخطيب (٢): كتبنا عنه، وكان سماعه صحيحا. توفّي في صفر، وكان مولده سنة ثمان وستين.
٣٤٦ - عبد الوهاب بن عبد العزيز بن المظفّر، أبو بكر الدّمشقيّ الورّاق، الحنبليّ المعروف بابن حزوَّر.
حدَّث عن تمّام الرّازيّ، روى عنه ابنه عبد الواحد، ونجا بن أحمد، وأبو طاهر محمد بن الحسين الرّازيّ (٣).
٣٤٧ - عبد الوهاب بن عثمان، أبو الفتح ابن المخبزيّ.
بغداديّ صدوق. روى عن ابن حبابة، وعيسى بن الوزير، وعنه أبو بكر الخطيب (٤)، وهو أخو أبي الفرج.
٣٤٨ - عبد الواحد بن الحسين بن أحمد بن عثمان بن شيطا، أبو الفتح.
مقرئ العراق، ومصنَّف كتاب التذكار في القراءات. سمع محمد بن إسماعيل الورّاق، وابن معروف القاضي، وعيسى بن الجراح، وابن سويد المؤدَّب.
стр. 9484
قال الخطيب (١): كتبنا عنه، وكان ثقةً عالما بوجوه القراءات، بصيرا بالعربية.
توفي في صفر، ومولده في سنة سبعين وثلاثمائة.
قلت: قرأ على أحمد بن عبد الله بن الخضر السَّوسنجرديّ، وعبد السّلام بن الحسين، وأبي الحسن ابن العلاف، والحماميّ، وطبقتهم. قرأ عليه بالروايات جماعة منهم، أبو الفضل محمد بن محمد ابن الصبّاغ، وأبو غالب محمد بن عبد الواحد القزّاز، وروى عنه كتاب التذّكار الحسن بن محمد الباقرحي.
٣٤٩ - عبيد الله بن علي، الإمام أبو القاسم الرَّقّيّ.
روى عن أبي أحمد الفرضيّ.
قال الخطيب (٢): كان أحد العلماء بالنحو واللغة والفرائض، كتبت عنه.
٣٥٠ - عليّ بن بقاء بن محمد، أبو الحسن المصريّ الورّاق الناسخ.
روى عن القاضي أبي الحسن علي بن محمد الحلبيّ، وأبي عبد الله التنوخي اليمنيّ، وأبي مسلم الكاتب، والحافظ عبد الغني بن سعيد، ولم يزل يكتب لنفسه ويورّق لغيره إلى حين موته، وكان مفيد مصر في وقته، ثقة مرضيا.
قال أبو عبد الله الرازي في مشيخته أخبرنا علي بن بقاء، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن عمر التنوخي اليمني إملاءً بانتقاء خلف الواسطي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن رشدين، قال: حدثنا أبو الطّاهر بن السَّرح، قال: حدثنا رشدين بن سعد، فذكر حديثا.
توفي في ذي الحجة (٣).
٣٥١ - علي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر بن الرفيل، المعروف بابن المسلمة. الوزير رئيس الرؤساء أبو القاسم البغدادي.
استكتبه الخليفة القائم بأمر الله، ثمّ استوزره، وكان عزيزا عليه إلى
стр. 9485
الغاية، وهو لقّبه رئيس الرؤساء ورفع من قدره، وكان من خيار الوزراء.
ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، وسمع من جدِّه أبي الفرج المعدّل، ومن أبي أحمد بن أبي مسلم الفرضيّ، وإسماعيل الصَّرصريّ، وحدَّث. روى عنه أبو بكر الخطيب، وكان خصِّيصا به. قال (١): كتبت عنه، وكان ثقة. قد اجتمع فيه من الآلات ما لم يجتمع في أحد قبله، مع سداد مذهب، ووفور عقل، وأصالة رأي.
وقال أبو الفرج ابن الجوزيّ (٢): وفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة في ربيع الآخر رسم لأبي القاسم علي ابن المسلمة النَّظر في أمور الخليفة، وتقدَّم إلى الحواشي بتوفية حقوقه فيما جعل إليه، فجلس لذلك على دهليز الفردوس، وعليه الطَّيلسان، وبين يديه الدّواة، وهنّأه الأعيان واستدعي إلى حضرة أمير المؤمنين، ثم خرج فجلس في الديوان في مجلس عميد الرؤساء ودسته، وحمل على بغلة بمركب، ومضى إلى داره ومعه القضاة والأشراف والحجاب.
وقال في سنة ثلاث وأربعين (٣): وفي عيد الأضحى حضر الناس في بيت النّوبة، واستدعي رئيس الرؤساء، فخلع عليه، ولُقِّب جمال الورى شرف الوزراء.
قلت: ولم يبق له ضدّ إلاّ البساسيري، وهو الأمير المظفَّر أبو الحارث أرسلان التُّركي، فإنه عظم قدره ببغداد، وبعد صيته، ولم يبق للملك الرّحيم ابن بويه معه إلاّ مجرَّد الاسم. ثمّ إن المذكور خلع الخليفة، وتملَّك بغداد، وخطب بها للمستنصر العبيدي، وقتل رئيس الرؤساء كما ذكرناه في ترجمة القائم وغير موضع.
وقال أبو الفضل محمد بن عبد الملك الهمذانيّ في تاريخه: إن البساسيري حبس رئيس الرؤساء ثم أخرجه وعليه جبَّة صوف وطرطور أحمر، وفي رقبته مخنقة جلود، وهو يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية، وهو يردَّدها، وطيف به على جمل، ثمّ نصبت له خشبة بباب خراسان
стр. 9486
وخيط عليه جلد ثور سلخ في الحال، وعلِّق في فكَّيه كلاّبان من حديد، وعلِّق على الخشبة حيّا، ولبث إلى آخر النهار يضطّرب، ثم مات ﵀.
قلت: ما أتت على البساسيري سنة حتى قتل وطيف برأسه، وكان صلبه في ذي الحجّة ببغداد.
٣٥٢ - علي بن الحسين بن صدقة، أبو الحسن ابن الشرابي، الدمشقي المعدّل.
روى عن أبي بكر بن أبي الحديد، وعبد الله بن محمد الحنائي.
روى عنه علي بن طاهر النحوي، وأبو القاسم النسيب، وأبو طاهر الحنائي.
قال الكتاني (١). مضى على سداد، وأمر جميل. توفي في جمادى الأولى (٢).
٣٥٣ - علي بن عمر بن أحمد بن إبراهيم، أبو الحسن البرمكي، أخو إبراهيم وأحمد، وكان علي أصغرهم.
سمع أبا الفتح القوّاس، وأبا الحسين بن سمعون، وابن حبابة.
قال الخطيب (٣): كتبت عنه، وكان ثقة. درس على أبي حامد الإسفراييني مذهب الشافعي، وتوفي في ذي الحجّة.
٣٥٤ - علي بن محمد بن حبيب، القاضي أبو الحسن البصري الماورديّ الفقيه الشّافعي صاحب التّصانيف.
روى عن الحسن بن علي الجبليّ صاحب أبي خليفة الجُمحيّ، وعن محمد بن عدي المنقريّ، ومحمد بن المعلَّى، وجعفر بن محمد بن الفضل. روى عنه أبو بكر الخطيب ووثَّقه، وقال (٤): مات في ربيع الأول وقد بلغ ستا وثمانين سنة، وولي القضاء ببلدان كثيرة. ثم سكن بغداد.
وقال أبو إسحاق في الطّبقات (٥): ومنهم أقضى القضاة أبو الحسن
стр. 9487
الماورديّ البصريّ. تفقَّه على أبي القاسم الصَّيمريّ بالبصرة، وارتحل إلى الشيخ أبي حامد الإسفراييني، ودرس بالبصرة وبغداد سنين كثيرة، وله مصنَّفات كثيرة في الفقه والتفسير، وأصول الفقه، والأدب، وكان حافظا للمذهب. قال: وتوفي ببغداد.
وقال القاضي شمس الدّين في وفيات الأعيان (١): من طالع كتاب الحاوي له شهد له بالتبحُّر ومعرفة المذهب، ولي قضاء بلاد كثيرة، وله تفسير القرآن سمّاه النُّكت، وله أدب الدّنيا والدّين، والأحكام السُّلطانية، وقانون الوزارة وسياسة الملك، والإقناع في المذهب وهو مختصر، وقيل إنه لم يظهر شيئا من تصانيفه في حياته، وجمعها في موضع، فلما دنت وفاته قال لمن يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نيّةً خالصةً، فإذا عاينت الموت ووقعت في النَّزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك، فاعلم أنها قد قبلت، وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية. قال ذلك الشّخص: فلّما قارب الموت، وضعت يدي في يده، فبسطها ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه بعده.
قلت: آخر من روى عنه أبو العزّ بن كادش.
وقال ابن خيرون: كان رجلا عظيم القدر، متقدِّما عند السّلطان، أحد الأئمة. له التّصانيف الحسان في كلّ فنّ من العلم. بينه وبين القاضي أبي الطّيّب في الوفاة أحد عشر يوما.
قال أبو عمرو بن الصّلاح: هو متَّهم بالاعتزال، وكنت أتأول له وأعتذر عنه، حتى وجدته يختار في بعض الأوقات أقوالهم؛ قال في تفسيره في الأعراف: لا يشاء عبادة الأوثان، وقال في قوله: ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ على وجهين، معناه: حكمنا بأنّهم أعداء، والثاني: تركناهم على العداوة، فلم نمنعهم منها.
قال ابن الصّلاح: فتفسيره عظيم الضّرر، لكونه مشحونا بتأويلات أهل
стр. 9488
الباطل، تدسيسا وتلبيسا، وكان لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة حتى يحذر، بل يجتهد في كتمان موافقته لهم، ولكن لا يوافقهم في خلق القرآن ويوافقهم في القدر. قال في قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ يعني بحكم سابق، وكان لا يرى صحّة الرّواية بالإجازة، وذكر أنه مذهب الشافعي، وكذا قال في المكاتبة إنها لا تصحّ. ثمّ قال ابن الصّلاح: أخبرنا عزّ الدّين علي بن الأثير، قال: أخبرنا خطيب الموصل، قال: أخبرنا ابن بدران الحلواني، قال: أخبرنا الماوردي، فذكر حديث: هل أنت إلا إصبع دميت؟ (١)
قلت: وبكل حال هو مع بدعة فيه من كبار العلماء. فلو أننا أهدرنا كلّ عالم زل لما سلم معنا إلاّ القليل، فلا تحطّ يا أخي على العلماء مطلقا، ولا تبالغ في تقريظهم مطلقا واسأل الله أن يتوفّاك على التوحيد.
٣٥٥ - عمر بن الحسين بن إبراهيم، أبو القاسم الخفّاف، أخو محمد.
بغداديّ صدوق. سمع أبا الحسين بن المظفر، وأبا حفص الزيّات، وأبا الفضل الزُّهريّ، وطبقتهم. روى عنه الخطيب (٢)، وجماعة.
وآخر من روى عنه قاضي المرستان.
٣٥٦ - عمر بن محمد بن علي بن معدان، أبو طاهر الأصبهاني الأديب الورّاق.
قال ابن السَّمعاني (٣): توفي في حدود سنة خمسين.
روى عن أبي عمر بن عبد الوهاب السُّلمي، وأبي عبد الله بن منده.
٣٥٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن ملهب بن جعفر، أبو بكر القرطبيّ الأديب.
قال أبو عبد الله الأبار (٤): سمع الكثير من أبي الوليد ابن الفرضي، وأبي عبد الله بن الحذّاء، وجماعة، وكان من أهل الكتابة والبلاغة. له تعليق على
стр. 9489
تاريخ ابن الفرضي، وكان ذا حظوة عند الملوك، وهو من بيت وزارة. توفي في حدود الخمسين.
٣٥٨ - محمد بن أحمد بن الحسين ابن المسند المشهور علي بن عمر الحربي. السكَّري البغدادي أبو الحسن، الشاعر المعروف بالخازن.
من أعيان الشعراء. روى عنه أبو الفضل بن خيرون، وشجاع الذهلي، وغيرهما.
توفي في رابع شوّال.
وله:
وقالوا: غداة البَيْن دمعك لم يفض … وقد شطّ بالأحباب عنك مزارُ
فقلت: حذار البين أفنيت أدْمُعي … وفي القلب من ذكر التفرق نارُ
٣٥٩ - محمد بن الحسن بن المؤمل النَّيسابوري، ويعرف بشاه الموصلي.
من بيت الرواية والصّلاح. روى عن أبي أحمد الحاكم، وأبي سعيد بن عبد الوّهاب الرّازي، وسكن بيهق (١).
٣٦٠ - محمد بن عبد الجبار بن أحمد، القاضي أبو منصور السمعاني المروزي الفقيه الحنفي، وسمعان بطن من تميم.
كان أبو منصور إماما ورعا نحويا لغويا، له مصنَّفات، وهو والد العلاّمة أبي المظفر منصور بن محمد السمعاني مصنّف الاصطلام ومصنّف الخلاف الذي انتقل من مذهب الوالد إلى مذهب الشافعي.
توفي أبو منصور بمرو في شوال.
٣٦١ - محمد بن عبيد الله بن محمد بن إبراهيم، أبو الوفاء بن أبي معشر الهمذاني الواعظ.
روى عن القاضي أبي عمر الهاشمي، ويحيى بن عمّار السَّجستاني، والمظفر بن أحمد.
قال شيرويه: كان متعصِّبا للسُّنّة وأهلها. حدثنا عنه أبو الوفاء محمد بن
стр. 9490
جابار، وكان كثير البكاء في وعظه. توفي في شوال.
٣٦٢ - محمد بن الفضل بن محمد بن محمد، الحافظ أبو علي الهرويّ جهاندار.
له وفيات على السنين من سنة أربعمائة إلى قريب وفاته.
توفي في المحرم.
وقد حدَّث بجامع التِّرمذي بنيسابور.
سمع أبا علي منصور بن عبد الله الخالدي، وطبقته (١).
٣٦٣ - محمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو عبد الله الهاشمي البغدادي.
قال الخطيب (٢): حدثنا عن أبي القاسم بن حبابة، وكان صدوقا.
٣٦٤ - محمد بن همام بن الصَّقر، أبو طاهر الموصلي البّزّاز.
سمع أبوي الحسن: الدَّارقطني والسُّكري.
قال الخطيب (٣): صدوق.
٣٦٥ - مقلد بن نصر بن منقذ، الأمير مخلص الدولة أبو المتوَّج الكناني، صاحب شيزر.
كان رئيسا سعيدا، نبيل القدر، مدحه الشُّعراء، وخرج من ذرِّيته أمراء وفضلاء.
٣٦٦ - منصور بن الحسين، أبو الفوارس الأسدي، صاحب جزيرة ابن عمر، ولقبه شهاب الدّولة.
مات بناحية خوزستان؛ واجتمعت عشيرته بعده على ولده صدقة (٤).
٣٦٧ - منصور بن الحسين بن علي بن القاسم بن محمد بن روَّاد، أبو الفتح التّاني الأصبهاني.
ذكره يحيى بن منده في تاريخه، وقال: صاحب أصول كتب الحديث،