خدمت جلال الدولة بن بهاء … وعلقت آمالي به ورجائي
وكنا ثلاثا من ثلاث قبائل … من العور والعميان والبصراء
فلم يحظ منا كلنا غير واحد … كأن له فضلا على الشعراء
فقالوا ضرير وهو موضع رحمة … وثم له قوم من الشفعاء
فقلت على التقدير: لي نصف ما به … وإن أنصفوا كنا من النظراء
فإن يعط للعميان فالداء شامل … وإن يعط للأشعار أين عطائي؟
وقال أبو منصور محمد بن أحمد ابن النقور: أنشدني ابن نحرير لنفسه:
تولع بالعشق حتى عشق … فلما استقل به لم يطق
فحين رأى أدمعا تستهل … وأبصر أحشاءه تحترق
تمنى الإفاقة من سكره … فلم يستطعها ولما يفق
رأى لجة ظنها موجة … فلما توسط فيها غرق
وقال أبو نصر عبد الله بن عبد العزيز: أنشدنا ابن نحرير لنفسه:
ولما انتبه الوصل … ونامت أعين الهجر
ووافت ضرة البدر … وقد لينها ضري
شربنا الخمر من طرف … ومن خد ومن ثغر
وقلنا قد صفا الدهر … وغابت أنجم الغدر
دهتنا صيحة الديك … ووافت غرة الفجر
فقامت وهي لا تدري … إلى أين ولا أدري
فيا ليت الدجى طال … وكان الطول من عمري
ومن شعره:
لساني كتوم لأسراركم … ولكن دمعي لسري مذيع
فلولا دموعي كتمت الهوى … ولولا الهوى لم تكن لي دموع
كتمت جوى حبكم في الحشى … ولم تدر بالسر مني الضلوع
وقال ابن خيرون: توفي ابن نحرير الشاعر في عاشر رمضان، وكان رافضيا، عاش ثمانيا وسبعين سنة (١).
стр. 9557
١٤٦ - المظفر بن محمد بن علي بن إسماعيل بن عبد الله بن ميكال، الأمير أبو شجاع ابن الأمير أبي صالح، النيسابوري.
من بيت الإمرة والحشمة، ترك الرياسة ولبس المرقّعة وتصوّف، ونظر في العلم، وسمع من أبي الحسين الخفّاف، ويحيى بن إسماعيل الحربي، وأبي بكر بن عبدوس، وحدّث.
توفي نصف رجب (١).
١٤٧ - منصور بن إسماعيل بن أحمد بن أبي قُرة، القاضي أبو المظفر الهروي الفقيه الحنفي (٢)، قاضي هراة وخطيبها ومسندها.
روى عن أبي الفضل بن خميرويه، وأبي الحسن أحمد بن عيسى الغَيزاني (٣)، وزاهر بن أحمد السرخسي.
توفي في ذي القعدة عن قريب تسعين سنة، وهو آخر من روى عن ابن خميرويه.
وهذا الغَيزاني روى عن أبي سعد يحيى بن منصور الهروي، وتوفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
١٤٨ - هارون بن طاهر بن عبد الله بن عمر بن ماهلة، أبو محمد الهمذاني الأمين.
روى عن أبيه، وأبي بكر بن لال، وابن بشار، وابن تركان، وعن صالح بن أحمد الحافظ بالإجازة.
قال شيرويه: صدوق، ثقة، توفي في ذي الحجة.
قلت: هو آخر من روى عن صالح.
١٤٩ - يحيى بن زيد بن يحيى بن علي بن محمد بن أحمد بن عيسى ابن الشهيد زيد بن علي ابن الشهيد الحسين سِبط رسول الله ﷺ ، أبو الحسين الحسيني الزَّيدي، قاضي دمشق.
стр. 9558
روى عن أبي عبد الله بن أبي كامل، وعبد الرحمن بن أبي نصر. روى عنه أبو بكر الخطيب، وأبو طاهر الحنّائي، وأبو الحسن ابن الموازيني.
قال الكتاني (١): توفي الشريف معتمد الدولة ذو الجلالتين في ذي الحجة، وهو يومئذ ناظر أموال العساكر بدمشق (٢).
стр. 9559
سنة ست وخمسين وأربعمائة
١٥٠ - أحمد بن عبد الواحد بن الحسن بن عيسى، أبو نعيم السكري.
في جمادى الأولى.
١٥١ - أحمد بن محمد بن عمر بن ديزكة، أبو الطيب الأصبهاني التاجر، الرجل الصالح.
سمع أبا بكر ابن المقرئ. روى عنه الحداد، وغيره.
أرّخه ابن منده (١).
١٥٢ - الحسن بن عبد الرحمن بن الخصيب، أبو علي الكراني الأصبهاني.
١٥٣ - الحسن بن محمد بن علي بن محمد، الحافظ أبو الوليد البلخي الدربندي.
روى عن أبي عبد الله محمد بن أحمد غنجار، وأبي الحسين بن بشران، وعبد الرحمن بن أبي نصر التميمي الدمشقي، وأبي القاسم بن ياسر الجَوبري، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم الخُرقي، وخلق كثير.
روى عنه أبو بكر الخطيب، وعبد العزيز الكتّاني وهما أقدم طلبا منه، وأبو علي الحدّاد، وزاهر الشحامي، والفرّاوي، وعبد المنعم ابن القشيري، وآخرون.
وتوفي بسمرقند في رمضان (٢).
أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن أبي رَوْح، قال: أخبرنا زاهر، قال: أخبرنا أبو الوليد الحسن بن محمد بن علي، قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد الأنباري، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن المسور، قال: حدثنا المقدام بن داود بن عيسى، فذكر حديثا.
стр. 9560
قال ابن النجار: كان رديء الخط، ولم يكن له كبير معرفة، غير أنه مُكثِر، واسع الرحلة، صدوق. سمع ببلخ علي بن أحمد الخُزاعي، وبنيسابور يحيى ابن المزكي، والحِيري، وبهراة أبا منصور الأزدي، وبأصبهان، وهمذان، والأهواز.
١٥٤ - الحسين بن أحمد بن علي، أبو عبد الله الأبهري الشافعي.
حدث في هذا العام بهمذان عن حمْد بن عبد الله، وأحمد بن محمد البصير، والحسين بن الحسن النعماني، وأبي الحسن السامري، وأبي أحمد الفَرَضي، وأبي بكر بن لال، وجماعة.
قال شيرويه: كان فقيها فاضلا صدوقا، روى عنه أحمد بن عمر البيّع، وكهولنا.
١٥٥ - الحسين بن أحمد بن الحسين بن حي التُّجَيْبي القرطبي.
أخذ علم العدد والهندسة عن محمد بن عمر بن برغوث، وصنّف زيجا مختصرا، ولحق باليمن، وتقدّم عند أميرها، ونفذه رسولا إلى العراق (١).
١٥٦ - حيدرة بن منزو بن النعمان، الأمير أبو المعلّى الكُتامي المغربي.
ولي إمرة دمشق بعد هروب أمير الجيوش عنها فوصلها في سنة ست وخمسين، ثم عُزل بعد شهرين بالأمير دُرّي المستنصري (٢).
١٥٧ - سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج، أبو القاسم الأموي، مولاهم، الأندلسي، قاضي الجماعة بقرطبة.
سمع من أبي محمد الأصيليّ صحيح البخاري بفَوْتٍ يسير إجازة له. وسمع من أبي عبد الله محمد بن زكريا بن برطال، وأبي محمد بن مسلمة، وأبي المطرّف عبد الرحمن بن فُطيس، وغيرهم. وولي القضاء في سنة ثمان وأربعين، وإلى أن توفي، فلم تُنع عليه سقطة، ولا حُفظت له زلّة.
وكان فقيها صالحا حليما على منهاج السلف، توفي في شوال عن ست
стр. 9561
وثمانين سنة، حمل عنه جماعة من العلماء (١).
١٥٨ - عبد الله بن محمد ابن الذهبي، الأزدي الأندلسي، الطبيب الفيلسوف.
كان كلِفا بالكيمياء، مجتهدا في طلبها، وصنّف مقالة في أن الماء لا يغذو.
توفي ببلنسية في جمادى الآخرة.
١٥٩ - عبد الله بن موسى بن سعيد الأنصاري، أبو محمد الطليطلي، ويُعرف بالشارقي.
سمع بقرطبة من يونس بن عبد الله، وأبي محمد بن دحّون، وأبي عمر الطلمنكي، وجماعة كثيرة، وحجّ وسمع ورجع إلى وطنه.
وكان زاهدا عابدا رافضا للدنيا يجلس للناس ويذكّرهم ويأمرهم بالمعروف، ويعلّمهم، ويتواضع لهم ويصبر على أخلاقهم، ويقنع باليسير من السترة والقوت.
توفي في شوال (٢).
١٦٠ - عبد الجبّار بن فاخر بن معاذ، أبو المعالي السِّجْزي.
توفي في شعبان.
١٦١ - عبد العزيز بن أحمد، شمس الأئمة أبو أحمد الحلْوائي، مفتي بخارى وعالمها.
تفقه على القاضي أبي علي الحسين بن الخضر النسفي، وحدّث عن عبد الرحمن بن الحسين الكاتب، وأبي سهل أحمد بن محمد بن مكي الأنماطي، وطائفة من شيوخ بخارى.
تفقّه عليه، وسمع منه أئمة منهم: شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي، وفخر الإسلام علي، وصدر الإسلام أبو اليُسر محمد ابنا محمد بن الحسين البزْدَوي، والقاضي جمال الدين أبو نصر أحمد بن عبد الرحمن، وشمس الأئمة أبو بكر محمد بن علي الزرنجري، وآخرون
стр. 9562
سمّاهم أبو العلاء الفَرَضي، ثم قال: مات ببخارى، في شعبان سنة ست، ودُفن بمقبرة الصدور.
وقد ذكره السمعاني في كتاب الأنساب، فقال (١): عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح، شمس الأئمة البخاري الحلوائي، بفتح الحاء، إمام أهل الرأي ببخارى في وقته. حدث عن غُنجار، وصالح بن محمد، وأبي سهل أحمد بن محمد الأنماطي. توفي بكسّ. وحُمل إلى بخارى سنة ثمانٍ أو تسعٍ وأربعين. وذكره النخشبي في معجمه، فقال: شيخ عالم بأنواع العلوم، معظم للحديث، غير أنه يتساهل في الرواية. مات في شعبان سنة اثنتين وخمسين.
قلت: سنة ست أصح، فإنه بخط شيخنا الفَرَضي.
١٦٢ - عبد العزيز بن محمد بن محمد بن عاصم الحافظ. النخْشبي، ونخْشب هي نَسَف.
سمع جعفر بن محمد المستغفري، وأبا طالب بن غيلان، وأبا طاهر بن عبد الرحيم، وجماعة كثيرة بأصبهان، ودمشق، وبغداد، وخُراسان. روى عنه أبو القاسم بن أبي العلاء، وسهل بن بشر الدمشقيان، وجماعة.
وكان من كبار الحُفّاظ، خرّج لجماعة وتوفي كهلا. ولم يرو إلا اليسير. ودخل أصبهان سنة ثلاث وثلاثين فسمع من أصحاب الطَّبراني. وسمع من أبي الفرج الطناجيري، ومحمد بن الحسين الحرّاني، وأبي منصور السوّاق، والصوري. وانتقى على القاضي أبي يَعلى خمسة أجزاء.
وقال يحيى بن منده: كان واحد زمانه في الحفظ والإتقان لم نر مثله في الحفْظ في عصرنا، دقيق الخط، سريع الكتابة والقراءة، حسن الأخلاق، توفي بنخشب سنة سبع وخمسين.
وقال ابن عساكر (٢): توفي سنة ست وخمسين بنخشب. وقيل: بسمرقند.
стр. 9563
وقال ابن السمعاني: سألت إسماعيل بن محمد الحافظ، عن عبد العزيز النخشبي، فجعل يعظّمه ويعظّم أمره جدا، ويقول: ذاك النخشبي، ذاك النخشبي، وكان كبيرا حافظا، رحل الكثير.
١٦٣ - عبد الكريم بن محمد بن إسماعيل بن عمر بن سَبَنك، أبو الفضل البجلي.
سمع جده وابن الصلت. وعنه ابن بدران الحلْواني، وابن كادش.
وكان من علماء الشافعية، توفي في ربيع الأول.
١٦٤ - عبد الواحد بن علي بن برهان العُكْبري النحوي، أبو القاسم.
بقيّة الشيوخ العالمين بالعربية والكلام والأنساب، سمع أبا عبد الله بن بطة، إلا أنه لم يرو شيئا عنه، قاله الخطيب (١). وقال: كان مضطّلعا بعلوم كثيرة، منها النحو، واللغة، والنسب، وأيام العرب والمتقدمين. وله أنسٌ شديد بعلْم الحديث.
وقال ابن ماكولا (٢): ابن برهان من أصحاب ابن بطة، سمع منه حديثا كثيرا. وأخبرني أبو محمد ابن التميمي أن أصل ابن بطة بمعجم البغوي وقع عنده وفيه سماع ابن بَرْهان، وأنه قرأه عليه لولديه.
قال ابن ماكولا (٣): ذهب بموته علم العربية من بغداد، وكان أحد من يعرف الأنساب، ولم أر مثله. وكان فقيها حنفيا، قرأ الفقه، وأخذ الكلام عن أبي الحسين البصري، وتقدّم فيه، وصار صاحب اختيار في علم الكلام.
وقال ابن الأثير (٤): له اختيار في الفقه، وكان يمشي في الأسواق مكشوف الرأس، ولم يقبل من أحدٍ شيئا، مات في جمادى الآخرة، وقد جاوز الثمانين وكان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة، ويعتقد أن الكفار لا يخلَّدون في النار.
قال ياقوت الحموي في تاريخ الأدباء (٥): نقلت من خط عبد الرحيم
стр. 9564
ابن النفيس بن وهْبان قال: نقلت من خط أبي بكر محمد بن منصور السمعاني: سمعت المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قال: سمعت أبا القاسم بن بَرهان يقول: دخلتُ على الشريف المرتضى في مرضه، فإذا قد حُوَّل إلى الحائط، فسمعته يقول: أبو بكر وعمر وليا فعدلا، واستُرحما فرحما، أفأنا أقول ارتدّا بعد أن أسلما؟ قال: فقمت وخرجت، فما بلغت عَتَبة الباب حتى سمعت الزَّعقة عليه.
١٦٥ - عبد الواحد بن محمد بن موهب، أبو شاكر التجَيْبي القَبْري، ثم القرطبي، نزيل بَلَنسية.
سمع من أبي محمد الأصيلي، وأبي حفص بن نابل، وأبي عمر بن أبي الحُباب، وغيرهم. وكتب إليه أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي بالإجازة. ولي القضاء والخطبة ببلَنْسية.
قال فيه الحُميدي (١): فقيه، محدّث، أديب، خطيب، شاعر. ولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وتوفي في ربيع الآخر.
قلت: وأظنه آخر من حدّث عن ابن أبي زيد.
كتب عنه أبو علي الغسّاني، وغيره. وهو خال أبي الوليد الباجي، وقد سكن أيضا شاطبة مدة.
وله شعر رائق، فمنه:
يا روضتي ورياض الناس مجدِبة … وكوكبي وظلام الليل قد ركدا
إن كان صرْف الليالي عنك أبعدني … فإن شوقي وحُزني عنكِ ما بُعدا
وكان أبوه قد ارتحل وتفقه على ابن أبي زيد، والقابسي. وهو الذي أخذ الإجازة منهما لولده أبي شاكر هذا (٢).
١٦٦ - علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي، الفارسي الأصل، ثم الأندلسي القرطبي، الأمام أبو محمد.
وجده خلف أول من دخل الأندلس.
стр. 9565
وُلد أبو محمد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وسمع من أبي عمر أحمد بن الجَسور، ويحيى بن مسعود، ويونس بن عبد الله القاضي، وحمام (١) بن أحمد القاضي، ومحمد بن سعيد بن نبات، وعبد الله بن ربيع التميمي، وعبد الله بن محمد بن عثمان، وأبي عمر أحمد بن محمد الطلمَنْكي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، وعبد الله بن يوسف بن نامي، وجماعة.
روى عنه أبو عبد الله الحُميدي، وابنه أبو رافع الفضل، وجماعة. وروى عنه بالإجازة أبو الحسن شُريح بن محمد، وغيره.
وأول سماعه من ابن الجَسور في حدود سنة أربعمائة.
وكان إليه المنتهى في الذكاء والحفظ وكثرة العلم. كان شافعي المذهب، ثم انتقل إلى نفي القياس والقول بالظاهر. وكان متفننا في علوم جمة، عاملا بعلمه، زاهدا بعد الرياسة التي كانت لأبيه، وله من الوزارة وتدبير المُلك.
جمع من الكتب شيئا كثيرا، ولا سيما كتب الحديث. وصنّف في فقه الحديث كتابا سمّاه كتاب الإيصال إلى فهْم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع، أورد فيه قول الصحابة فمن بعدهم في الفقه، والحجة لكل قول. وهو كتاب كبير. وله كتاب الإحكام لأصول الأحكام في غاية التقصّي، وكتاب الفصل في الملل والنِّحَل، وكتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم مما لا يحتمل التأويل، وهو كتاب لم يُسبق إليه في الحُسن. وكتاب المُجلّى في الفقه مجلّد، وكتاب المحلى في شرح المجلَّى ثمانية أسفار في غاية التقصي. وله كتاب التقريب لحدّ المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية.
وكان شيخه في المنطق محمد بن الحسن المَذحِجي القرطبي المعروف بابن الكتاني، وكان شاعرا طبيبا مات بعد الأربعمائة.
قال الغزالي: وقد وجدت في أسماء الله تعالى كتابا ألّفه أبو محمد بن حزم الأندلسي يدل على عِظم حِفظه وسَيَلان ذهنه.
стр. 9566
وقال أبو القاسم صاعد بن أحمد: كان ابن حزمٍ أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة مع توسّعه في علم اللسان، ووفور حظّه من البلاغة والشعر، والمعرفة بالسير والأخبار. أخبرني ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه أبي محمد من تآليفه نحو أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة.
وقال الحميدي (١): كان ابن حزم حافظا للحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة، متفننا في علوم جمة، عاملا بعلمه. وما رأينا مثله فيما اجتمع له مع الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتديّن. وكان له في الآداب والشعر نفس واسع، وباع طويل. وما رأيت من يقول الشعر على البديه أسرع منه. وشعره كثير جمعته على حروف المعجم.
وقال أبو القاسم صاعد: كان أبوه أبو عمر من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر، مدبّر دولة المؤيد بالله ابن المستنصر، ثم وزر للمظفّر بن المنصور. ووزر أبو محمد للمستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام، ثم نبذ هذه الطريقة، وأقبل على العلوم الشرعية، وعُني بعلم المنطق، وبرع فيه، ثم أعرض عنه وأقبل على علوم الإسلام حتى نال من ذلك ما لم ينله أحد بالأندلس قبله.
وقد حطّ أبو بكر ابن العربي في كتاب القواصم والعواصم على الظاهرية، فقال: هي أمة سخيفة، تسوّرت على مرتبة ليست لها، وتكلّمت بكلامٍ لم تفهمه تلقفوه من إخوانهم الخوارج حين حكّم علي يوم صفّين فقالت: لا حكم إلا لله. وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف كان من بادية إشبيلية يُعرف بابن حزم، نشأ وتعلّق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويُشرّع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرا للقلوب عنهم، وخرج عن طريق المشبَّهة في ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطَوامٍّ، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا، فتضاحك مع أصحابه منهم، وعضدته الرياسة بما كان عنده من أدب، وبشُبَهٍ كان يوردها
стр. 9567
على الملوك، فكانوا يحملونه ويحمونه بما كان يلقي إليهم من شُبه البدع والشرك. وفي حين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار إلى حسادٍ يطؤون عقبي، تارة تذهب لهم نفسي، وأخرى ينكشر لهم ضرسي وأنا ما بين إعراض عنهم، أو تشغيب بهم، وقد جاءني رجل بجزء لابن حزم سماه نكت الإسلام، فيه دواهي، فجرّدت عليه نواهي، وجاءني آخر برسالة في الاعتقاد، فنقضتها برسالة الغُرّة. والأمر أفحش من أن يُنقض، يقولون: لا قول إلا ما قال الله ولا نتبع إلا رسول الله. فإن الله لم يأمر بالاقتداء بأحدٍ، ولا بالاهتداء بهدْي بشر فيجب أن يتحققوا أنهم ليس لهم دليل، وإنما هي سخافة في تهويل، فأوصيكم بوصيتين: أن لا تستدلوا عليهم، وأن تطالبوهم بالدليل؛ فإن المبتدع إذا استدللت عليه شغّب عليك، وإذا طالبته بالدليل لم يجد إليه سبيلا. فأما قولهم: لا قول إلا ما قال الله؛ فحق، ولكن أرني ما قال الله. وأما قولهم: لا حكم إلا لله فغير مسلّم على الإطلاق، بل من حكم الله أن يجعل الحكم لغيره فيما قاله وأخبر به، صح أن رسول الله ﷺ قال: وإذا حاصرْت أهل حصنٍ فلا تُنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك (١)، وصح أنه قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء (٢). الحديث (٣).
وقال اليسع بن حزم الغافقي، وذكر أبا محمد بن حزم فقال: أما محفوظه فبحرٌ عجّاج، وماء ثجّاج، يخرج من بحره مرجان الحكم، وينبت بثجّاجه ألفاف النعم في رياض الهمم. لقد حفظ علوم المسلمين، وأربى على كل أهل دين، وألف الملل والنحل. وكان في صباه يلبس الحرير، ولا يرضى من المكانة إلا بالسرير. أنشد المعتمد، فأجاد، وقصد بَلَنسية، وبها
стр. 9568
المظفّر أحد الأطواد. حدثني عنه عمر بن واجب قال: بينما نحن عند أبي ببلنسية، وهو يدرّس المذهب، إذا بأبي محمد بن حزم يسمعنا ويتعجب، ثم سأل الحاضرين عن سؤال من الفقه جُووِب عليه، فاعترض فيه، فقال له بعض الحُضّار: هذا العلم ليس من منتحلاتك. فقام وقعد، ودخل منزله فعكف، ووكف منه وابلٌ فما كف. وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموضع، فناظر أحسن مناظرة قال فيها: أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيّد بمذهبٍ.
وقال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المحلّى لابن حَزم، والمغني للشيخ الموفّق.
قلت: وقد امتُحن ابن حزم وشرّد عن وطنه، وجرت له أمور، وتعصّب عليه المالكية لطول لسانه ووقوعه في الفقهاء الكبار، وجرى بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظرات يطول شرحها. ونفرت عنه قلوب كثير من الناس لحطّه على أئمتهم وتخطئته لهم بأفجّ عبارة، وأفظ محاورة، وعملوا عليه عند ملوك الأندلس وحذّروهم منه ومن غائلته، فأقْصته الدولة وشرّدته عن بلاده، حتى انتهى إلى بادية لبلة، فتوفي بها في شعبان ليومين بقيا منه.
وقيل: توفي في قرية له.
قال أبو العباس ابن العريف: كان يقال: لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان.
وقال أبو الخطاب بن دحّية: كان ابن حزم قد برص من أكل اللبان، وأصابته زمانة، وعاش اثنتين وسبعين سنة إلا شهرا.
قال أبو بكر محمد بن طرخان بن بُلْتِكين: قال لي الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد ابن العربي: توفي أبو محمد بن حزم بقريته، وهي على خليج البحر الأعظم، في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين. وقال لي أبو محمد ابن العربي: أخبرني أبو محمد بن حزم أن سبب تعلّمه الفقه، أنه شهد جنازة، فدخل المسجد فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قم صلِّ تحية المسجد. وكان قد بلغ ستا وعشرين سنة. قال: فقمت وركعت. فلما رجعنا من الصلاة على الجنازة دخلت المسجد بادرت بالركوع، فقيل لي: اجلس اجلس، ليس ذا
стр. 9569
وقت صلاة؛ يعني بعد العصر، فانصرفت وقد خُزيت، وقلت للأستاذ الذي رباني: دلني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحّون. فقصدته وأعلمته بما جرى علي فدلني على موطأ مالك. فبدأت به عليه قراءة من ثاني يوم، ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام، وبدأتُ بالمناظرة.
ثم قال ابن العربي: صحبت ابن حزم سبعة أعوام، وسمعت منه جميع مصنّفاته، سوى المجلد الأخير من كتاب الفِصَل، وهو ست مجلدات، وقرأنا عليه من كتاب الإيصال أربع مجلدات في سنة ست وخمسين، وهو أربعة وعشرون مجلدا، ولي منه إجازة غير مرة.
وقال أبو مروان بن حيّان: توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة. ثم قال: كان ﵀ حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في أنواع التعليم القديمة من المنطق والفلسفة. وله كتب كثيرة لم يخل فيها من غَلطٍ لجُراءته في التسوّر على الفنون، لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زلّ هناك، وضلّ في سلوك المسائل، وخالف أرسطوطاليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض. ومال أولا إلى النظر على رأي الشافعي، وناضل عن مذهبه حتى وُسم به، فاستُهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدَل إلى قول أصحاب الظاهر، فنقّحه، وجادل عنه، وثبت عليه إلى أن مات. وكان يحمل علمه هذا، ويُجادل عنه من خالفه على استرسال في طباعه، ومذْل بأسراره، واستناد إلى العهد الذي أخذه الله تعالى على العلماء ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ فلم يك يلطّف صدعه بما عنده بتعريض ولا بتدريج، بل يصكّ به من عارضه صك الجَندل، وينشقه إنشاق الخردل، فتنفر عنه القلوب، وتوقع به الندوب، حتى استهدف إلى فقهاء وقته، فتمالؤوا عليه، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامّهم عن الدنو منه، فطفق الملوك يُقصونه عن قربهم، ويسيِّرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منقطع أثره بلدة من بادية لَبلة، وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع، يبثّ علمه فيمن ينتابه من بادية بلده، من عامة المقتبسين، منهم من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، يحدثهم، ويفقههم، ويُدارسهم. كمل من مصنفاته وِقر بعير، لم يعد أكثرها عتبة باديته لزهد الفقهاء فيها، حتى أنه أحرق بعضها بإشبيلية ومزّقت
стр. 9570
علانية. وأكثر معايبه - زعموا عند المنصِف له - جهله بسياسة العلم التي هي أعوص إيعابه، وتخلّفه عن ذلك على قوة سبحه في غماره، وعلى ذلك فلم يكن بالسليم من اضطراب رأيه، ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه، إلى أن يُحرّك بالسؤال، فيتفجر منه بحر علم لا تكدّره الدلاء، وكان مما يزيد في شنآنه تشيّعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم، واعتقاده لصحة إمامتهم، حتى نسب إلى النصب لغيرهم.
إلى أن قال: ومن تواليفه كتاب الصادع في الردّ على من قال بالتقليد، وكتاب شرح أحاديث الموطأ، وكتاب الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد، وكتاب التلخيص والتخليص في المسائل النظرية، وكتاب منتقى الإجماع، وكتاب كشف الالتباس لما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس.
قلت: ذكر في الفرائض من المحلى أنه صنّف كتابا في أجزاء ضخمة في ما خالف فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي جمهور العلماء، وما انفرد به كل واحد منهم، ولم يسبق إلى ما قاله (١).
ومن أشعاره:
هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركنا … فجائعه تبقى ولذاته تفنى
إذا أمكنت فيه مسرة ساعة … تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا
إلى تبعات في المعاد وموقف … نود لديه أننا لم نكن كنا
حصلنا على هم وإثم وحسرة … وفات الذي كنا نلذ به عنا
حنين لما ولى وشغل بما أتى … وهم لما نخشى فعيشك لا يهنا
كأن الذي كنا نسر بكونه … إذا حققته النفس لفظ بلا معنى
وله يفتخر:
أنا الشَّمسُ في جو العُلُوم منيرةٌ … ولكنَّ عيبي أن مطلعي الغَرْبُ
стр. 9571
ولو أنني من جانب الشرق طالع … لجد على ما ضاع من ذكري النهب
ولي نحو أكناف العراق صبابة … ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب
فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم … فحينئذ يبدو التأسف والكرب
هنالك يدرى أن للبعد قصة … وأن كساد العلم آفته القرب
فواعجبا من غاب عنهم تشوقوا … له، ودنو المرء من دارهم ذنب
وله:
مناي من الدنيا علوم أبثها … وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي … تناسى رجال ذكرها في المحاضر
وله وهو يماشي ابن عبد البر، وقد أقبل شاب مليح، فأعجب ابن حزم، فقال أبو عمر: لعل ما تحت الثياب ليس هناك! فقال:
وذي عذل فيمن سباني حسنه … يطيل ملامي في الهوى ويقول
أمن حسن وجه لاح لم تر غيره … ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل
فقلت له: أسرفت في اللوم فاتئد … فعندي رد لو أشاء طويل
ألم تر أني ظاهري وأنني … على ما بدا حتى يقوم دليل
ومن شعره:
لا تشمتن حاسدي إن نكبة عرضت … فالدهر ليس على حال بمترك
ذو الفضل كالتبر طورا تحت ميفعة … وتارة في ذرى تاج على ملك
ومن شعره يصف ما أحرق المعتضد بن عباد له من الكتب:
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي … تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي … وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
دعوني من إحراق رق وكاغد … وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
وإلا فعودوا في المكاتب بدأة … فكم دون ما تبغون لله من ستر
كذاك النصارى يحرقون إذا علت … أكفهم القرآن في مدن الثغر
وقد ذُكر لابن حزم قول من قال: أجلّ المصنفات الموطأ. فأنكر ذلك، وقال: أولى الكتب بالتعظيم الصحيحان، وكتاب سعيد بن السكن، والمنتقى لابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أصبغ، ثم بعد هذه الكتب كتاب أبي داود، وكتاب النَّسائي، ومصنّف قاسم بن أصبغ، ومصنّف
стр. 9572
الطحَاوي، ومسند البزّار، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند أحمد، ومسند ابن راهويه، ومسند الطيالسي، ومسند أبي العباس النسوي، ومسند ابن سنْجر، ومسند عبد الله بن محمد المسندي، ومسند يعقوب بن شيبة، ومسند ابن المديني، ومسند ابن أبي غرزة، وما جرى مجرى هذه الكتب التي أفردت لكلام رسول الله ﷺ صِرفا، وللفظه نصا. ثم بعد ذلك الكتب التي فيها كلامه ﵇، وكلام غيره، مثل مصنّف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف بقيّ بن مَخْلد، وكتاب محمد بن نصر المروزي، وكتابي ابن المنذر الأكبر والأصغر. ثم مصنف حمّاد بن سلمة، ومصنّف سعيد بن منصور، ومصنّف وكيع، ومصنّف الفِريابي، وموطأ مالك، وموطأ ابن أبي ذئب، وموطأ ابن وهْب، ومسائل أحمد بن حنبل، وفقه أبي عبيد، وفقه أبي ثور (١).
ولأبي بكر أحمد بن سليمان المرواني يمدح ابن حزم ﵀:
لما تحلّى بخلق … كالمسك أو نشر عودِ
نجل الكرام ابن حزم … وفاق في العلم عودي
فتواه جدّد ديني … جدواه أورق عُودي
أقول إذ غبت عنه: … يا ساعة السعد عودي (٢)
١٦٧ - علي بن الحسن بن علي بن أبي الفضل الكفرطابي ثم الدمشقي.
حدث عن عبد الله بن محمد الحنّائي. روى عنه أبو الفضائل الحسن بن الحسن (٣).
١٦٨ - علي بن محمد بن عبيد الله بن أحمد بن عَبادل، أبو الحسن الأنصاري الإشبيلي.
قرأ القرآن بقرطبة على أبي المطرّف القنازِعي، وحج، وسمع بمصر من
стр. 9573
أبي محمد ابن النحاس، وغيره. وكانت له معرفة بالحديث ورجاله. وولد سنة خمس وثمانين وثلاثمائة (١).
١٦٩ - عمر بن أحمد بن سبسويه التاجر، أبو الفتح الأصبهاني.
مات في رمضان.
• - عميد المُلك، أبو نصر الكندري الوزير، اسمه محمد بن منصور. سيأتي (٢).
١٧٠ - قُتُلمش بن إسرائيل بن سلجوق، شهاب الدولة والد سليمان، جد ملوك الروم إلى دولة الملك الظاهر.
كانت له قلاع وحصون بعراق العجم، وعصى على ابن ابن عمه الملك ألب أرسلان، فتواقعا بنواحي الري في هذا العام، وانجلت المعركة، فوُجد قُتُلمش ميتا قيل: إنه مات خوفا وهلعا، فالله أعلم، فبكى السلطان عليه وتألم له، وجلس للعزاء، فسلاّه وزيره نظام المُلك. وكان قُتُلمش يتعانى النجوم وأحكامها.
١٧١ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون، أبو الحسين بن النرسي البغدادي.
سمع أبا بكر محمد بن إسماعيل الوراق، وأبا الحسن الحربي، وابن أخي ميمي، وطبقتهم ببغداد، وعبد الوهاب بن الحسن الكلابي، وغيره بدمشق.
روى عنه الخطيب، وقال (٣): كان ثقة من أهل القرآن، ولد سنة سبعٍ وستين وثلاثمائة، وتوفي في صفر.
وقال ابن عساكر (٤): حدثنا عنه أبو بكر قاضي المارِستان، وأبو غالب بن البنّاء، وأبو العز بن كادش.
قلت: سمعنا مشيخته بإجازة الكِندي، بسماعه من القاضي، عنه.
стр. 9574
١٧٢ - محمد بن علي بن عبد الملك بن شبابة، أبو بكر الدينوري ثم البغدادي القارئ.
سمع أبا القاسم إسماعيل بن الحسن الصرصري، وجماعة. وعنه أبو العز بن كادش، وجماعة.
١٧٣ - محمد بن علي بن محمد بن صالح، أبو عبد الله السلمي الدمشقي المطرّز النحوي، مصنّف المقدمة المشهورة.
سمع من تمام الرازي، وعبد الرحمن بن أبي نصر، وجماعة. روى عنه أبو بكر الخطيب، وأبو القاسم النسيب.
قال الكتاني (١): توفي في ربيع الأول، وكان أشعري المذهب مقرئا نحويا (٢).
١٧٤ - محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حبيب، أبو سعيد الخشّاب النيسابوري الصفّار.
توفي في ذي القعدة.
قال عبد الغافر الفارسي (٣): وكان محدثا مفيدا، من خواص خدّام أبي عبد الرحمن السلمي، وكان صاحب كتب، صار بُندار كتب الحديث بنيسابور، وأكثر أقرانه سماعا وأصولا؛ قد رزقه الله الإسناد العالي، وجمع الأبواب، وأسمع الصبيان. وهو من بيت حديث وصلاح. ولد سنة إحدى وثمانين. وثلاثمائة، وسمع من أبي محمد المَخْلدي، وأبي الحسين الخفّاف، والسلمي. وحدثني من أثق به أن أبا سعيد أظهر سماعه من أبي طاهر بن خُزيمة بعد وفاة أبي عثمان الصابوني. فتكلم أصحاب الحديث فيه، وما رضوا ذلك منه، والله أعلم بحاله. وأما سماعه من غيره فصحيح. وقد أجاز لي مَرويّاته، وأخبرنا عنه جماعة منهم: الوالد، وأبو صالح المؤذّن، وأبو سعد بن رامش، وغيرهم.
قلت: وآخر من روى عنه زاهر الشحّامي. توفي في ذي القعدة.
стр. 9575
١٧٥ - محمد بن علي بن يوسف بن جميل، أبو عبد الله الطرسوسي المعروف بابن السُّناط، إمام جامع دمشق.
روى عن عبد الرحمن بن أبي نصر يسيرا (١).
١٧٦ - محمد بن منصور بن محمد، الوزير عميد المُلك، أبو نصر الكُنْدري، وزير السلطان طُغرلْبك.
كان أحد رجال الدهر شهامةً وكتابة وكرما، قُتل بمَروالروذ في ذي الحجة. وكان قد قطع مذاكيره ودفنها بخُوارزم لأمرٍ وقع له، فلما قتلوه حملوا رأسه إلى نيسابور، نسأل الله العافية.
وقد سماه أبو الحسن محمد ابن الصابئ في تاريخه، وعلي بن الحسن الباخَرْزي في دمْية القصر: منصور بن محمد (٢).
وقال أبو الحسن الهمذاني في كتاب الوزراء: أبو نصر محمد بن محمد بن منصور.
وكُندُر قرية من نواحي نيسابور بها وُلد سنة خمس عشرة، وتفقه لأبي حنيفة، وتأدب، ثم صحب رئيسا بنيسابور، فاستخدمه في ضياعه، ثم استنابه عنه في خدمة السلطان طُغرلْبك، فطلبه منه، فدخل في خدمته، وصار صاحب خبره، ثم ولاّه خُوارَزم، وعظُم جاهه، وعصى بخُوارَزم، ثم ظفر به السلطان، ونقم عليه أنه تزوج امرأة ملك خُوارَزم فخصاه. ثم رقّ له فداواه وعوفي، واستوزره وله إحدى وثلاثون سنة. وقدِم بغداد، وأقام بها مدة، ولقّبه الخليفة سيد الوزراء. ونال من الجاه والحُرمة ما لم ينلْه أحد.
وكان كريما جوادا، متعصّبا لمذهبه، معتزليا، متكلما له النظْم والنثر. فلما مات طُغرلبك وتسلطن ابن أخيه ألب أرسلان أقرّه على وزارته قليلا، ثم عزله، واستوزر نظام المُلك.
ومن شعره في غلام له:
أنا في غمرة حبه … وهو مشغول بلعبه
صانه الله فما أكثر … إعجابي بعجبه
стр. 9576
لو أراد الله نفعا … وصلاحا لمحبه
نقلت رقة خديه … إلى قسوة قلبه
وقال أبو الحسن الهمذاني في " تاريخه " إن ابنة الأعرابي المغنية المشهورة وجوقتها غنت عميد الملك، فأطربته، فأمر لها بألف دينار، وأمر لأولئك بألف دينار، وفرق في تلك الليلة أشياء، فلما أصبح قال: كفارة ما جرى أن أتقرب بمثل ذلك، فتصدق بألفي دينار.
وقال أبو رجاء: أنشد عميد الملك عند قتله:
إن كان بالناس ضيق عن منافستي … فالموت قد وسع الدنيا على الناس
مضيت والشامت المغبون يتبعني … كل بكأس المنايا شارب حاسي
وقيل: إنه قال للتركي الذي جاء لكي يقتله: قل للسلطان ألب أرسلان: ما أسعدني بدولة آل سَلجوق، أعطاني طُغرلبك الدنيا، وأعطاني ألب أرسلان الآخرة.
وكانت وزارته ثمان سنين وثمانية أشهر؛ وزر لألب أرسلان شهرين وعزله. فتوجّه إلى مروالروذ في صفر سنة سبع وخمسين، ومعه زوجته وبنته، أولدها قبل أن يُخصى. وأخذ ألب أرسلان ضياعه جميعها وآلاته وغلمانه، وكانوا ثلاثمائة مملوك. ثم كتب له بمائتي دينار في الشهر، وتركه قليلا، ثم أرسل إليه من قتله صبرا، وحمل إليه رأسه، وله نيّفٌ وأربعون سنة.
قلت: ويُقال إن غلامين دخلا عليه ليقتلاه، فأذنا له، فودّع أهله، وصلى ركعتين، فأرادا خنقه فقال: لست بلصٍّ. وشرط خرقةً من كمّه وعصب عينيه فضربوا عنقه.
وكان متعصبا يقع في الشافعي.
١٧٧ - محمد بن هبة الله بن محمد بن الحسين، الإمام أبو سهل ابن جمال الإسلام أبي محمد الموفق ابن القاضي العلاّمة أبي عمر البسطامي ثم النيسابوري.
ذكره عبد الغافر فقال (١): سلالة الإمامة، وقرة عين أصحاب الحديث، انتهت إليه زعامة الشافعية بعد أبيه، فأجراها أحسن مجرى. ووقعت في أيامه
стр. 9577
وقائع ومحَن للأصحاب. وكان يقيم رسم التدريس، لكنه كان رئيسا، ديّنا، ذكيا صيّنا، قليل الكلام. ولد سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. وسمع من مشايخ وقته بخُراسان، والعراق، مثل النصْرويي، وأبي حسان المزكي، وأبي حفص بن مسرور. وكان بيتهم مجمع العلماء وملتقى الأئمة، فتوفي أبوه سنة أربعين، فاحتفّ به الأصحاب، وراعوا فيه حق والده، وقدّموه للرياسة. وقام أبو القاسم القشيري في تهيئة أسبابه، واستدعى الكل إلى متابعته، وطلب من السلطان ذلك فأُجيب، وأرسل إليه الخلع ولقّب بأبيه جمال الإسلام، وصار ذا رأي وشجاعة ودهاء، وظهر له القبول عند الخاص والعام، حتى حسده الأكابر وخاصموه، فكان يخصمهم ويتسلط عليهم، فبدا له خصوم، واستظهروا بالسلطان عليه وعلى أصحابه، وصارت الأشعرية مقصودين بالإهانة والطرد والنفي، والمنع عن الوعظ والتدريس، وعُزلوا عن خطابة الجامع. ونبغ من الحنفية طائفة أشربوا في قلوبهم الاعتزال والتشيع، فخيّلوا إلى ولي الأمر الإزراء بمذهب الشافعي عموما، وتخصيص الأشعرية، حتى أدى الأمر إلى توظيف اللعنة عليهم في الجُمع، وامتد الأمر إلى تعميم الطوائف باللعن في الخُطَب.
واستعلى أولئك في المجامع، فقام أبو سهل أبلغ قيامٍ، وتردد إلى العسكر في دفع ذلك، إلى أن ورد الأمر بالقبض على الرئيس الفراتي، والقشيري، وأبي المعالي ابن الجويني، وأبي سهل بن الموفق، ونفيهم ومنْعهم عن المحافل. وكان أبو سهل غائبا إلى بعض النواحي، ولما قُرئ الكتاب بنفْيهم أُغري بهم الغوغاء والأوباش، فأخذوا بأبي القاسم القُشيري والفُراتي يجرّونهما ويستخفّون بهما، وحُبسا بالقُهُندز. وكان ابن الجويني أحسّ بالأمر، فاختفى وخرج على طريق كرْمان إلى الحجاز، وبقيا في السجن مفترقين أكثر من شهر، فتهيّأ أبو سهل من ناحية باخَرْز، وجمع من شاكريته وأعوانه رجالا عارفين بالحرب، وأتى باب البلد، وطلب تسريح الفراتي والقُشيري، فما أُجيب، بل هُدِّد بالقبض عليه، فما التفت، وعزم على دخول البلد ليلا، والاشتغال بإخراجهما مجاهرة ومحاربة، وكان متولي البلد قد تهيأ للحرب، فزحف أبو سهل ليلا إلى قرية له على باب البلد، وهيأ الأبطال، ودخل البلد مغافصةً إلى داره، وصاح من معه بالنعرات العالية، ورفعوا عقائرهم، فلما أصبحوا ترددت الرسل والنصحاء في الصلح، وأشاروا على الأمير بإطلاق
стр. 9578
الرئيس والقُشيري، فأبى، وبرز برجاله، وقصد محلّة أبي سهل، فقام واحد من أعوان أبي سهل واستدعى منه كفاية تلك النائرة إياه وأصحابه، فأذن لهم، فالتقوا في السوق، وثبت هؤلاء حتى فرغ نشاب أولئك، ثم حمل هؤلاء عليهم فهزموهم إلى رأس المربعة، وهموا بأسر الأمير، وسبّوه وردّوه مجروحا أكثر رجاله، مقتولا منهم طائفة، مسلوبا سلاح أكثرهم. ثم توسط السادة العلوية، ودخلوا على أبي سهل في تسكين الفتنة، وأخرجوا الاثنين من الحبس إلى داره، وباتوا على ظَفَر، وأحب الشافعية أبا سهل.
ثم تشاور الأصحاب بينهم، وعلموا أن مخالفة السلطان قد يكون لها تبعة، وأن الخصوم لا ينامون، فاتفقوا على مهاجرة البلد إلى ناحية أَسْتُوا، ثم يذهبون إلى الملك. وبقي بعض الأصحاب بالنواحي متفرقين وذهب أبو سهل إلى العسكر بالري، وخرج خصمه من الجانب الآخر، وتوافيا بالري وأنهي إلى السلطان ما جرى، وسعي بأصحاب الشافعي والإمام أبي سهل وجرت مناظرات، وحبس أبو سهل في قلعة طورك أشهرا، ثم صودر وأبيعت ضياعه، ثم عفي عنه، وأُحيل ببعض ما أُخذ منه، ووُجّه إليها، فخرج إلى فارس، وحصل شيئا من ذلك، وقصد بيت الله فحج ورجع، وحسُن حاله عند السلطان، وأذِن له في الرجوع إلى خُراسان، وأتى على ذلك سُنون إلى أن تبدل الأمر، ومات السلطان طُغرلبك، وتسلطن أبو شجاع ألب أرسلان، فحظي عنده. ووقع منه موقعا أرفع مما وقع أبوه من طُغرلبك، ولاح عليه أنه يستوزره، فقُصد سرا، واحتيل في إهلاكه، ومضى إلى رحمة الله في هذا العام، وحُمل تابوته إلى نيسابور، وأظهر أهلها عليه من الجَزَع ما لم يعهد مثله، وبقيت النوائح عليه مدة بعده. وكانت مراثيه تنشد في الأسواق والأزقة، وبقيت مصيبته جرْحا لا يندمل، وأفضت نوبة القبول بين العوام إلى نجله ولم يبق سواه أحد من نسله. وكان إذا حضر السلطان البلد يقدّم له أبو سهل وللأمراء من الحلواء والأطعمة المفتخرة أشياء كثيرة بحيث يتعجّب السلطان والأعوان. ولقد دخل إليه يوم تلك الفتنة زوج أخته الشريف أبو محمد الحسن بن زيد شفيعا في تسكين النائرة، فنثر على أقدامه ألف دينار، واعتذر بأنه فاجأه بالدخول.
стр. 9579
اختصرت هذا من السياق لعبد الغافر (١).
وذكر غيره أن ألب أرسلان بعثه رسولا إلى بغداد، فمات في الطريق.
١٧٨ - المحسّن بن عيسى بن شهفيروز، أبو طالب البغدادي الفقيه الشافعي.
توفي ببغداد في رمضان. وقد حدث عن المعافى بن زكريا الجريري، وأبي طاهر المخلّص (٢).
стр. 9580
سنة سبع وخمسين وأربعمائة
١٧٩ - أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن، أبو الحسين الطرائفي الدمشقي.
سمع تمام بن محمد الرازي، وعبد الرحمن بن أبي نصر. روى عنه أبو بكر الخطيب، وهبة الله ابن الأكفاني (١).
١٨٠ - أحمد بن عبد العزيز بن أحمد، أبو بكر بن الأطروش القدوري، البغدادي المقرئ.
قرأ القراءات على أبي الفرج النهرواني، وأبي الحسن الحمامي. وسمع من أبي الحسن بن الصلت، والسوسَنجِردي، وطائفة.
قرأ عليه هبة الله بن الطبر، وحدث عنه رفيقه أبو علي ابن البنّاء، والمختار بن سعيد، وأبو محمد عبد الله ابن الآبنوسي.
قال أحمد بن خيرون: ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وتوفي في جمادى الآخرة.
١٨١ - أحمد بن القاسم بن ميمون بن حمزة، الشريف أبو إبراهيم الحسيني المصري.
توفي في هذه السنة أو بعدها. وكان يجتهد بمصر في نشر السنة. روى عن جده، وعن أبي الحسن الحلبي، وجماعة. روى عنه أبو عبد الله الحُميدي، ومحمد بن أحمد الرازي، وعلي بن المؤمَّل بن غسان الكاتب، وعلي بن الحسين الفرّاء، وأبو الحسن بن المشرف الأنماطي.
١٨٢ - إسماعيل بن علي بن محمد بن الحسين بن قيلة، أبو القاسم المديني.
مات في ربيع الآخر بأصبهان.
١٨٣ - سعيد بن أبي سعيد أحمد بن محمد بن نُعيم بن إشكاب، الشيخ أبو عثمان النيسابوري الصوفي، المعروف بالعيّار.
стр. 9581
حدث عن أبي الفضل عُبيد الله بن محمد الفامي، والحسن بن أحمد المَخْلدي، وأبي طاهر بن خزيمة، والخفّاف. وحدث بصحيح البخاري عن محمد بن عمر بن شبّويه. وقد سمعه في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. وقد انتقى له البيهقي، وخرّج له موافقات.
روى عنه أبو عبد الله الفراوي، وأبو القاسم الشحّامي، وأبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي، وحدث بأصبهان فروى عنه غانم بن أحمد الجُلودي، وفاطمة بنت محمد البغدادي، والحسين بن طلحة الصالحاني، وعتيق بن حسين الرويْدشتي، وغيرهم.
قال عبد الغافر (١): سمع بمرْو صحيح البخاري من أبي علي الشَّبَويي.
قلت: وسمع بَهَراة من عبد الرحمن بن أبي شُريح، وتوفي بغَزنة في ربيع الأول.
وقال السلفي: سمعت أبا بكر محمد بن منصور السمعاني يقول: سمعت صالح بن أبي صالح المؤذّن يقول: كان أبي سيئ الرأي في سعيد العيّار ويتكلم فيه، ويطعن فيما روى عن بِشر الإسفراييني خاصة.
قلت: ولهذا لم يخرّج له البيهقي عن بِشر شيئا، وسماعه منه ممكن، فقد ذكر الحافظ ابن نُقطة (٢) أن مولده في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. وعلى هذا يكون قد عُمّر مائة وثلاث عشرة سنة. وفي الجملة فهو ممن عُمّر، فإنه رحل بنفسه إلى مرو سنة ثمانٍ وسبعين وثلاثمائة كما ذكرنا، والله أعلم.
قال فضل الله بن محمد الطبسي: كان الشيخ سعيد العيَّار شيخا بهيًّا ظريفا، من أبناء مائة واثنتي عشرة سنة، وذُكِرَ أنه كان لا يروي شيئا، فرأى بدمشق رؤيا حملته على رواية مسموعاته، وهي أنه رأى النبي ﷺ ، قال: فأردتُ أن أسلِّم، فتلقَّاني أبو بكر برسالة رسول الله ﷺ : كيف لا تروي أخباري وتنشرها؟ قال: فأنا منذ ذلك أطوف في البلدان وأروي مسموعاتي.
قال غيث الأرمنازي: سألت جماعة لم سُمِّي العيَّار؟ قالوا: لأنه كان في ابتدائه يسلك مسالك العيَّارين.
стр. 9582
وقال ابن طاهر في الضعفاء له: يتكلَّمون فيه لروايته كتاب اللُّمع عن أبي نصر السراج، وكان يزعم أنه سمع الأربعين لابن أسلم، من زاهر السرخسي.
وقال محمد بن عبد الواحد الدَّقاق: روى العيَّار، عن بشر بن أحمد، وبئس ما فعل؛ أفسد سماعاته الصحيحة بروايته عنه (١).
١٨٤ - عبد الصمد بن أبي عبد الله الحسين بن إبراهيم الأصبهاني الجمَّال، أبو نصر.
توفي في ربيع الأول.
روى عن أبي مسلم بن أبي جعفر بن المرزبان الأبهري، عن أبيه عن الحزوري. روى عنه أبو علي الحداد، وغيره. وسماعه نازل بمرة، وما أدري كيف لم يسمع عاليا.
١٨٥ - عبد العزيز بن محمد، أبو عاصم النخشبي الحافظ.
توفي في هذا العام في قول يحيى بن منده، وفي سنة ست في قول غيره؛ وقد تقدم (٢).
١٨٦ - عبد الملك بن زيادة الله بن علي بن حسين التميمي ثم الحماني، أبو مروان الطبني.
من بيت علم ودين، أصلهم من طبنة من عمل إفريقية. سمع بقرطبة من محمد بن سعيد بن نبات، ويونس بن عبد الله بن مغيث، وأبي المطرف القنازعي، ومكي بن أبي طالب، وطائفة. وله رحلتان إلى المشرق؛ سمع من أبي الحسن بن صخر، وطبقته.
وكان ذا عناية تامة بالحديث. وكان أديبا، لغويا، شاعرا، عاش ستين سنة، وقُتل في داره في ربيع الآخر (٣).
١٨٧ - عبد الواحد بن محمد، أبو القاسم النصري الأصبهاني البقال.
стр. 9583
روى عن محمد بن أحمد بن جشنس، توفي في رجب؛ قاله أبو القاسم بن منده.
١٨٨ - عبيد الله بن علي بن عبيد الله، الشيخ أبو المعالي الجيرفتي المعروف بالعالم.
١٨٩ - علي بن إبراهيم بن جعفر بن الصَّباح، أبو طالب الأسدي الهمذاني المزكي.
روى عن أبيه، وأبي بكر بن لال، وابن خيران، وشعيب بن علي، وأبي بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، وجماعة.
قال شيرويه: كان ثقة، صدوقا، وحدثني عنه أبو الفضل القومساني. توفي في سادس المحرم، وولد في سنة إحدى وستين وثلاثمائة.
١٩٠ - الفضل بن محمد بن إبراهيم، أبو نصر الصيرفي الأصبهاني.
روى عن أبي العباس الأسدي، مات في ربيع الأول؛ قاله عبد الرحمن بن منده.
١٩١ - محمد بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسين ابن الأبنوسي، البغدادي.
سمع أبا القاسم بن حبابة، وأبا حفص عمر بن إبراهيم الكتاني.
قال الخطيب (١): كتبت عنه، وكان سماعه صحيحا.
١٩٢ - محمد بن علي، أبو بكر الحدَّاد.
بغدادي زاهد صالح، كبير القدر، فقيه، حفظ مختصر الخرقي. وكان قوالا بالحق، نهاءً عن المنكر.
توفي في شوال من السنة، وشيَّعه خلائق، حكى عنه الخطيب في ترجمة دعلج (٢).
١٩٣ - موحِّد بن علي بن عبد الواحد بن الموحِّد، أبو الفرج ابن البري الدمشقي.
стр. 9584
سمع عبد الرحمن بن أبي نصر. روى عنه أبو بكر الخطيب.
وله إخوة ذكرهم الأمير ابن ماكولا بالفتح (١).
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر (٢): كذا ذكرهم الأمير في باب بري بفتح الباء: يعني: أنه بالضم.
стр. 9585
سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
١٩٤ - أحمد بن الحسين بن علي بن موسى. الإمام أبو بكر البيهقي الخسروجردي.
مصنف السنن الكبير، والسنن الصغير، والسنن والآثار، ودلائل النبوة وشعب الإيمان، والأسماء والصفات، وغير ذلك.
كان واحد زمانه، وفرد أقرانه، وحافظ أوانه، ومن كبار أصحاب أبي عبد الله الحاكم. أخذ مذهب الشافعي عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي، وغيره، وبرع في المذهب.
وكان مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
وسمع الكثير من أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي، وهو أكبر شيخ له، ومن أبي طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، وأبي عبد الله الحافظ الحاكم، وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي بكر بن فورك، وأبي علي الروذباري، وأبي بكر الحيري، وإسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، وعلي بن محمد بن علي السقاء، وأبي زكريا المزكي، وخلق من أصحاب الأصم. وحج فسمع ببغداد من هلال الحفار، وأبي الحسين بن بشران، وعبد الله بن يحيى السكري، وأبي الحسين القطان، وجماعة. وبمكة من أبي عبد الله بن نظيف، والحسن بن أحمد بن فراس، وبالكوفة من جناح بن نذير المحاربي، وغيره. وشيوخه أكثر من مائة شيخ.
لم يقع له جامع الترمذي ولا سنن النسائي، ولا سنن ابن ماجه. ودائرته في الحديث ليست كبيرة، بل بورك له في مروياته وحسن تصرفه فيها، لحذقه وخبرته بالأبواب والرجال.
روى عنه جماعة كثيرة منهم: حفيده أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أبي بكر، وابنه إسماعيل بن أبي بكر وأبو عبد الله الفراوي، وزاهر بن طاهر الشحامي، وعبد الجبار بن محمد الخواري، وأخوه عبد الحميد بن محمد، وأبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي، وعبد الجبار بن عبد الوهاب الدهان، وآخرون. وبعد صيته، وقيل: إن تصانيفه ألف جزء، سمعها الحافظان ابن عساكر، وابن السمعاني من أصحابه.
стр. 9586
وأقام مدة ببيهق يصنف كتبه، ثم إنه طلب إلى نيسابور لنشر العلم بها فأجاب، وذلك في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة فاجتمع الأئمة وحضروا مجلسه لقراءة تصانيفه. وهو أول من جمع نصوص الشافعي، واحتج لها بالكتاب والسنة.
وقد صنف مناقب الشافعي في مجلد، ومناقب أحمد في مجلد، وكتاب المدخل إلى السنن الكبير، وكتاب البعث والنشور في مجلد، وكتاب الزهد الكبير في مجلد وسط، وكتاب الاعتقاد في مجلد، وكتاب الدعوات الكبير، وكتاب الدعوات الصغير، وكتاب الترغيب والترهيب، وكتاب الآداب، وكتاب الإسراء، وله خلافيات لم يصنف مثلها، وهي مجلدان، وكتاب الأربعين سمعته بعلو.
قال عبد الغافر (١): كان على سيرة العلماء، قانعا من الدنيا باليسير، متجملا في زهده وورعه. عاد إلى الناحية في آخر عمره، وكانت وفاته بها. وقد فاتني السماع منه لغيبة الوالد، ولانتقال الشيخ آخر عمره إلى الناحية. وقد أجاز لي.
وقال غير عبد الغافر: قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه.
قلت: كانت وفاته في عاشر جمادى الأولى بنيسابور، ونقل تابوته فدفن ببيهق، وهي ناحية كحوران، على يومين من نيسابور وخسروجرد أم تلك الناحية.
١٩٥ - أحمد بن محمد أبو العباس الشقاني الحسنويي الصوفي المتكلم.
ذكره عبد الغافر فقال (٢): واحد عصره في جلالته وورعه وزهده، وتبحره في علم الأصول. تخرج به جماعة. وكان قانعا باليسير.
١٩٦ - إبراهيم بن محمد بن موسى. الإمام أبو إسحاق السروي، الفقيه الشافعي من أهل سارية.
стр. 9587
قدم بغداد في صباه، وسمع بها من أبي حفص الكتاني، وأبي طاهر المخلص. وتفقه على الشيخ أبي حامد، وأخذ الفرائض عن ابن اللبان، وصنف في المذهب وأصوله. وصار شيخ تلك الناحية. وولي قضاء سارية مدة، ويقال له: المطهري نسبة إلى قرية مطهر، بفتح الهاء، وطاء مهملة.
روى عنه مالك بن سنان، وغيره. توفي في صفر عن مائة سنة. من الأنساب للسمعاني (١) ومن الذيل له.
١٩٧ - الحسن بن غالب بن المبارك المقرئ، أبو علي البغدادي.
شيخ مسن، توفي في رمضان. وقد روى عن علي بن عمر، وجماعة.
قال أبو الفضل بن خيرون: حدث عن جماعة لم يوجد له عنهم ما يعول عليه، كأبي الفضل الزهري، ومحمد بن أحمد المفيد. وحدث بمختصر الخرقي في الفقه، عن ابن سمعون ولم يكن سماعه. وواقفته، وجرت لي معه نوب. وأقرأ بقراءات عن إدريس بن علي، ووقف عليها وتاب منها، وكتب عليه محضر.
وقال الخطيب (٢): كتبنا عنه، وكان له سمت وظاهر صلاح، وأقرأ بما خرق به الإجماع فاستتيب.
قلت: روى عنه أبو غالب ابن البناء، وأبو بكر محمد بن عبد الباقي، وغيرهما. وقرأ عليه بالروايات أحمد بن بدران الحلواني.
١٩٨ - حمزة بن فضالة، أبو أحمد الهروي.
سمع عبد الرحمن بن أبي شريح، وأبا معاذ شاه بن عبد الرحمن.
١٩٩ - الخضر بن الفتح أبو القاسم الدمشقي الصوفي.
سمع من تمام الرازي، وأبي نصر ابن الجبان. روى عنه أبو بكر الخطيب، ونجا بن أحمد (٣).
٢٠٠ - عبد الله بن موسى، أبو محمد الأنصاري الطليطلي الزاهد، المعروف بالشارقي.
стр. 9588
روى عن يونس بن عبد الله، وأبي عمر الطلمنكي، وطبقتهما، وحج، وكان من العلماء العاملين، ذا ورع وتعبد وتأله وتواضع ونفع للخلق (١).
٢٠١ - عبد الله ابن الإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، أبو محمد النمري الأندلسي.
روى عن أبيه، وأبي العباس المهدوي، وكان من أهل الأدب البارع والبلاغة الرائعة، وله شعر حسن (٢).
٢٠٢ - عبد الرزاق بن عمر بن موسى بن شمة، أبو الطيب الأصبهاني التاجر.
حدث عن أبي بكر ابن المقرئ بكتاب السنن لأبي قرة الزبيدي. روى عنه غانم بن خالد، وفاطمة بنت ناصر، وأحمد بن الفضل سمويه، وسعيد بن أبي الرجاء، والحسين بن عبد الملك، وغيرهم.
ومات في جمادى الآخرة.
وشمة: بالفتح والتخفيف، قيده الحسين الخلال، وابن عساكر. وقيل: شمة بكسر أوله؛ كذا بخط أبي العلاء العطار (٣).
٢٠٣ - عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن الفضل، أبو القاسم القطان.
سمع أبا طاهر المخلص، وعبيد الله بن أحمد الصيدلاني.
قال الخطيب (٤): كتبت عنه، وكان صدوقا، توفي في ربيع الأول.
٢٠٤ - عبيد الله بن عبد الله بن هشام، أبو القاسم العنسي الداراني.
سمع عبد الرحمن بن أبي نصر، والحسين بن أبي كامل الأطرابلسي. روى عنه أبو بكر الخطيب، وعبد الكريم بن حمزة.
توفي في ربيع الأول (٥).
стр. 9589
٢٠٥ - علي بن إسماعيل، أبو الحسن المرسي اللغوي، المعروف بابن سيده.
مصنف المحكم في اللغة. وله كتاب المخصص، وكتاب الأنيق في شرح الحماسة عشرة أسفار. وكذا المحكم في مقداره. وله كتاب العالم في اللغة على الأجناس يكون نحو مائة مجلد، بدأ بالفلك، وختم بالذرة. وله كتاب شاذ اللغة في خمس مجلدات.
أخذ عن أبيه، وعن صاعد بن الحسن البغدادي.
قال أبو عمر الطلمنكي: دخلت مرسية، فتشبث بي أهلها ليسمعوا علي غريب المصنف، فقلت: انظروا لي من يقرأ لكم. وأمسك أنا كتابي. فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده، فقرأه علي كله، فعجبت من حفظه. وكان أعمى ابن أعمى.
وقال الحميدي (١): إمام في اللغة والعربية، حافظ لهما، على أنه كان ضريرا. قد جمع في ذلك جموعا، وله مع ذلك في الشعر حظ وتصرف. مات بعد خروجي من الأندلس.
وورخه القاضي صاعد بن أحمد، وقال: بلغ ستين سنة أو نحوها.
وذكره اليسع بن حزم، فذكر أنه كان يفضل العجم على العرب، هو رأي الشعوبية.
وحط عليه السهيلي في الروض الأنف، فقال (٢): إنه يعثر في المحكم وغيره عثرات يدمى منها الأظل (٣) ويدحض دحضات تخرجه إلى سبيل من ضل، بحيث إنه قال في الجمار: هي التي ترمى بعرفة، وكذا يهم إذا تكلم في النسب.
وقال أبو عمرو ابن الصلاح الشافعي: أضرت به ضرارته.
قلت: ولكنه حجة في اللغة، موثق في نقلها. لم يكن في عصره أحد يدانيه فيها. وله شعر رائق. وكان منقطعا إلى الأمير أبي الجيش مجاهد
стр. 9590
العامري، فلما توفي حدثت لأبي الحسن نبوة في أيام إقبال الدولة، فهرب منه، ثم عمل فيه أبياتا يستعطفه يقول فيها:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى … سبيل فإن الأمن في ذاك واليمنا
وإن تتأكد في دمي لك نية … تصدق فإني لا أحب له حقنا
فيا ملك الأملاك إني محوم … على الورد لا عنه أذاد ولا أدنى
ونضو هموم طلحته طياته … فلا غاربا أبقين منه ولا متنا
إذا ميتة أرضتك منها فهاتها … حبيب إلينا ما رضيت به عنا
وهي طويلة ووقع بها الرضى عنه.
٢٠٦ - علي بن أبي طالب محمد بن علي بن عطية المكي، أبو الحسن. ولد مصنف قوت القلوب.
سمع أباه، وأبا طاهر المخلص (١).
٢٠٧ - عمرو بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو الحكم الكرماني الأندلسي القرطبي، صاحب الهندسة.
كان إماما لا يشق غباره في علم أوقليدس ودقائقه. رحل إلى المشرق، وأخذ بحران عن فضلائها. ثم رجع وسكن مدينة سرقسطة، وجلب معه رسائل إخوان الصفا. وله يد طولى في الطب، والجرح، والبط.
وعمر، عاش تسعين سنة. ومات سنة ثمانٍ هذه. وهو من تلامذة مسلمة بن أحمد المرجيطي (٢).
٢٠٨ - غانم بن أبي سهل عمرو بن أحمد بن عمر الأصبهاني، الصّفار الفقيه.
٢٠٩ - فرج الزنجاني، الزاهد المعروف بفرج أخي.
من كبار الصالحين بتلك الديار. وهو الذي لبسنا خرقة السهروردي من طريقه.
قال السلفي: سمعتُ أبا حفص عمر بن محمد بن عمويه السهروردي ببغداد يقول: قدمت إليه وأنا ابن أربع سنين. قال: ومات سنة ثمان وخمسين.
стр. 9591
٢١٠ - قاسم بن محمد بن سليمان بن هلال، أبو محمد القيسي الطليطلي.
روى عن عبدوس بن محمد، وأبي إسحاق بن شنظير، وأبي جعفر بن ميمون، وسعيد بن نصر، وابن الفرضي، ويونس بن عبد الله القاضي، وجماعة. وحج فأخذ عن أبي الحسن بن جهضم وهو في عشر التسعين، وأبي ذر، وغيرهما، وعني بالعلم مع زهدٍ وصلاة وخشية.
كتب بخطه الكثير. وكان ثقة إماما في السنة، سيفا على أهل الأهواء، صليبا في الحق. توفي في رجب (١).
٢١١ - محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن عباد. القاضي أبو عاصم العبادي الهروي. الفقيه الشافعي.
تفقه على القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي بهراة، وعلى القاضي أبي عمر البسطامي بنيسابور.
وكان إماما دقيق النظر تنقل في النواحي، وصنف كتاب المبسوط، وكتاب الهادي، وكتاب أدب القاضي. وله مصنف في طبقات الفقهاء.
أخذ عنه أبو سعد الهروي وغيره. ومات في شوال عن ثلاث وثمانين سنة.
وكان من أعيان الشافعية. روى الحديث عن أحمد بن محمد بن سهل القراب، وغيره. روى عنه إسماعيل بن أبي صالح المؤذن.
٢١٢ - محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد. القاضي أبو يعلى ابن الفراء البغدادي الحنبلي، كبير الحنابلة.
ولد في أول سنة ثمانين وثلاثمائة. وسمع أبا الحسن الحربي، وإسماعيل بن سويد، وأبا القاسم بن حبابة، وعيسى بن الوزير، وابن أخي ميمي، وأبا طاهر المخلص، وأم الفتح بنت أحمد بن كامل، وأبا الطيب بن منتاب، وابن معروف، وجماعة.
وأملى مجالس. روى عنه أبو بكر الخطيب، وابنه القاضي أبو الحسين محمد، وأبو الخطاب الكلوذاني، وأبو الوفاء بن عقيل، وأبو غالب ابن البناء،
стр. 9592
وأخوه يحيى ابن البناء وأبو العز بن كادش، وأبو بكر قاضي المارستان. وآخر من روى عنه أبو سعد أحمد بن محمد بن علي الزوزني الصوفي فيما علمت. وروى عنه من القدماء أبو علي الأهوازي، وبين وفاته ووفاة هذا تسعون سنة.
قال الخطيب (١): ولأبي يعلى تصانيف على مذهب أحمد. ودرس وأفتى سنين كثيرة. وولي القضاء بحريم دار الخلافة. وكان ثقة. وتوفي في شهر رمضان في تاسع عشره.
وذكره ابنه أبو الحسين في كتاب الطبقات له فقال (٢): كان عالم زمانه، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره. وكان له في الأصول والفروع القدم العالي، وفي شرف الدين والدنيا المحل السامي، والحظ الرفيع عند الإمامين القادر، والقائم، وأصحاب الإمام أحمد له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون، وبقوله يفتون، وعليه يعولون. والفقهاء على اختلاف مذاهبهم كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون، وبه ينتفعون.
وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال، لا سيما مذهب الإمام أحمد، واختلافات الروايات عنه، وما صح لديه منه، مع معرفته بالقرآن وعلومه، والحديث، والفتاوى، والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد، والورع، والعفة والقناعة، والانقطاع عن الدنيا وأهلها، واشتغاله بالعلم ونشره. وكان أبوه أحد شهود الحضرة، قد درس على الفقيه أبي بكر الرازي مذهب أبي حنيفة، وتوفي سنة تسعين، وكان سن الوالد إذ ذاك عشر سنين إلا أياما، وكان وصيه رجل يعرف بالحربي يسكن بدار القز، فنقله من باب الطاق إلى شارع دار القز وفيه مسجد يصلي فيه شيخ يعرف بابن مفرحة المقرئ يقرئ القرآن، ويلقن العبادات من مختصر الخرقي فلقن الوالد ما جرت عادته، فاستزاده، فقال: إن أردت الزيادة فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد، فإنه شيخ الطائفة، ومسجده بباب الشعير. فمضى الوالد إليه، وصحبه إلى أن توفي ابن حامد سنة ثلاث وأربعمائة، وتفقه عليه.
ولما خرج ابن حامد إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة سأله محمد بن علي: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال: إلى هذا الفتى. وأشار إلى
стр. 9593
الوالد. وقد كان لابن حامد أصحاب كثر، فتفرس في الوالد ما أظهره الله عليه.
وأول سماعه للحديث سنة خمس وثمانين وثلاثمائة من السكري، ومن موسى بن عيسى السراج، وأبي الحسن علي بن معروف. وسمى جماعة، ثم قال: ومن أبيه، ومن القاضي أبي محمد ابن الأكفاني، ومن أبي نصر بن الشاه. وسمع بمكة، ودمشق، وحلب.
قلت: سمع بدمشق من عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي.
قال (١): وابتدأ بالتدريس والتصنيف بعد وفاة ابن حامد وحج سنة أربع عشرة وأربعمائة.
قال (٢): ولو بالغنا في وصفه لكنا إلى التقصير فيما نذكره أقرب. إذ انتشر على لسان الخطير والحقير ذكر فضله. قصده الشريف أبو علي بن أبي موسى دفعات ليشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله بن ماكولا، ويكون ولد القاضي أبي علي أبو القاسم تابعا له، فأبى عليه، فمضى الشريف إلى أبي القاسم بن بشران، وسأله أن يشهد مع ولده، وقد كان ابن بشران قد ترك الشهادة، فأجابه. وتوفي الشريف أبو علي سنة ثمان وعشرين، ثم تكررت سؤالات ابن ماكولا إلى الوالد أن يشهد عنده، فأجاب وشهد كارها لذلك.
وحضر الوالد دار الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة مع الزاهد أبي الحسن القزويني لفساد قولٍ جرى من المخالفين لما شاع قراءة كتاب إبطال التأويل، فخرج إلى الولد الاعتقاد القادري في ذلك بما يعتقده الوالد. وكان قبل ذلك قد التمس منه حمل كتاب إبطال التأويل ليتأمل، فأعيد إلى الوالد وشكر له تصنيفه. وذكر بعض أصحاب الوالد أنه كان حاضرا في ذلك اليوم فقال: رأيت قارئ التوقيع الخارج من القائم بأمر الله قائما على قدميه، والموافق والمخالف بين يديه، ثم أخذت في تلك الصحيفة خطوط الحاضرين من العلماء على اختلاف مذاهبهم، وجعلت كالشرط المشروط. فكتب أولا القزويني: هذا قول أهل السنة، وهو اعتقادي. وكتب الوالد بعده، والقاضي
стр. 9594
أبو الطيب الطبري، وأعيان الفقهاء بين موافق ومخالف.
قال (١): ثم توفي ابن القزويني سنة اثنتين وأربعين، وخصومنا عالم كثير، فجرت أمور فحضر الوالد سنة خمس وأربعين دار الخلافة، فجلس أبو القاسم علي رئيس الرؤساء، ومعه خلق من كبار الفقهاء والرؤساء، فقال أبو القاسم على رؤوس الأشهاد: القرآن كلام الله، وأخبار الصفات تمر كما جاءت. وأصلح بين الفريقين.
فلما توفي قاضي القضاة ابن ماكولا راسل رئيس الرؤساء الوالد ليلي القضاء بدار الخلافة والحريم، فأبى فكرر عليه السؤال، فاشترط عليهم أن لا يحضر أيام المواكب، ولا يقصد دار السلطان، ويستخلف على الحريم فأجيب. وكان قد ترشح لقضاء الحريم القاضي أبو الطيب. ثم أضيف إلى الوالد قضاء حران وحلوان، فاستناب فيهما.
وقال تلميذه علي بن نصر العكبري:
رفع الله راية الإسلام … حين ردت إلى الأجل الإمام
التقي النقي ذي المنطق الصا … ئب في كل حجة وكلام
خائف مشفق إذا حضر الخصما … ن يخشى من هول يوم الخصام
في أبيات.
ولم يزل جاريا على سديد القضاء وإنفاذ الأحكام حتى توفي.
ولو شرحنا قضاياه السديدة لكانت كتابا قائما بنفسه.
وقد (٢) قرأ القرآن بالقراءات العشر، ولقد حضر الناس مجلسه وهو يملي الحديث على كرسي عبد الله ابن إمامنا أحمد. فكان المبلغون عنه والمستملون ثلاثة: خالي أبو محمد، وأبو منصور الأنباري، وأبو علي البرداني. وأخبرني جماعة من الفقهاء ممن حضر الإملاء أنهم سجدوا على ظهور الناس، لكثرة الزحام في صلاة الجمعة. وحزر العدد بالألوف. وكان يوما مشهودا. وحضرت أنا أكثر أماليه.
وكان يقسم ليله أقساما: قسم للمنام، وقسم للقيام، وقسم لتصنيف
стр. 9595
الحلال والحرام.
ومن شاهد ما كان عليه من السكينة والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار، شهد له بالدين والفضل ضرورة.
وتفقه عليه: أبو الحسن البغدادي، والشريف أبو جعفر الهاشمي، وأبو الغنائم ابن الغباري، وأبو علي ابن البناء، وأبو الوفاء ابن القواس، وأبو الحسن النهري، وأبو الوفاء بن عقيل، وأبو الحسن بن جدا العكبري، وأبو الخطاب الكلوذاني، وأبو يعلى الكيال، وأبو الفرج المقدسي. ثم سمى جماعة.
قال (١): ومصنفاته كثيرة، فمنها: أحكام القرآن، ومسائل الإيمان والمعتمد ومختصره والمقتبس وعيون المسائل، والرد على الأشعرية، والرد على الكرامية، والرد على المجسمة، والرد على السالمية، وإبطال التأويلات لأخبار الصفات، ومختصره والانتصار لشيخنا أبي بكر، والكلام في الاستواء والكلام في حروف المعجم، وأربع مقدمات في أصول الديانات، والعدة في أصول الفقه، ومختصرها، والكفاية في أصول الفقه، ومختصرها، وفضائل أحمد، وكتاب الطب، وكتاب اللباس، وكتاب الأمر بالمعروف، وشروط أهل الذمة، والتوكل، وذم الغناء، والاختلاف في الذبيح، وتفضيل الفقر على الغنى، وفضل ليلة الجمعة على ليلة القدر، وإبطال الحيل، والمجرد في المذهب، وشرح الخرقي، وكتاب الراويتين، وقطعة من الجامع الكبير. والجامع الكبير، وشرح المذهب، والخصال، والأقسام، وكتاب الخلاف الكبير.
وقد حمل الناس عنه علما كثيرا، وهو مستغن باشتهار فضله عن الإطناب في وصفه.
توفي فصلى عليه أخي أبو القاسم، فقيل إنه لم ير في جنازة بعد جنازة أبي الحسن القزويني الجمع الذي حضر جنازته.
وسمعت أبا الحسن النهري يقول: لما قدم الوزير ابن دارست عبرتُ أبصرته، ففاتني الدرس، فلما جئت قلت للقاضي: يا سيدي تتفضل وتعيد لي