← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

الحسين القلانسي وحدث عنه إسماعيل بن الإخشيد السراج. وكان في ذهني أنه توفي سنة ستين أو قريبًا منها. وقد قال ابن ماكولا (١): كان يدرس علم النحو ويفهم الكلام. وقال عبد الغافر فيه (٢): الضرير. فكأنه أضر في كبره. وقال: من وجوه القراء ورؤوس الأفاضل، عالم بالقراءات، بعثه نظام الملك ليقعد في المدرسة للإقراء، فقعد سنين وأفاد، وكان مقدمًا في النحو والصرف، عارفًا بالعلل، كان يحضر مجلس أبي القاسم القشيري، ويقرأ عليه من الأصول. وكان أبو القاسم القشيري يراجعه في مسائل النحو ويستفيد منه. وكان حضوره في سنة ثمان وخمسين إلى أن توفي (٣). ٣١٦ - أبو حاتم القزويني، العلامة محمود بن الحسن الطبري الفقيه الشافعي المتكلم. ذكره الشيخ أبو إسحاق، فقال (٤): ومنهم شيخنا أبو حاتم المعروف بالقزويني، تفقه بآمل على شيوخ البلد، ثم قدم بغداد، وحضر مجلس الشيخ أبي حامد، ودرس الفرائض على ابن اللبان، وأصول الفقه على القاضي أبي بكر الأشعري. وكان حافظًا للمذهب والخلاف. صنف كتبًا كثيرة في الخلاف والأصول والمذهب. ودرس ببغداد وآمل. ولم أنتفع بأحد في الرحلة كما انتفعت به وبأبي الطيب الطبري. توفي بآمل. أخبرنا الحسن بن علي: قال: أخبرنا جعفر الهمداني، قال: أخبرنا أبو طاهر السلفي، قال: حدثنا أبو الفرج محمد بن أبي حاتم القزويني إملاء بمكة، قال: أخبرنا أبي بآمل، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد الناتلي: قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى: قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ : لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا (٥). (آخر الطبقة والحمد لله)

стр. 9627

الطبقة السابعة والأربعون (٤٦١ - ٤٧٠ هـ)

стр. 9628

بسم الله الرحمن الرحيم. (الحوادث) سنة إحدى وستين وأربعمائة في نصف شعبان كان حريق جامع دمشق، قال ابن الأثير (١): كان سبب احتراقه حرب وقع بين المغاربة والمشارقة، يعني الدولة، فضربوا دارًا مجاورة للجامع بالنار فاحترقت، واتصل الحريق إلى الجامع. وكانت العامة تعين المغاربة، فتركوا القتال واشتغلوا بإطفاء النار، فعظم الأمر، واشتد الخطب، وأتى الحريق على الجامع، فدثرت محاسنه، وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة، وتشوه منظره، واحترقت سقوفه المذهبة. وفيها وصل حصن الدولة معلى بن حيدرة الكتامي إلى دمشق، وغلب عليها قهرًا من غير تقليد، بل بحيل نمقها واختلقها. وذكر أن التقليد بعد ذلك وافاه، فصادر أهلها وبالغ، وعاث، وزاد في الجور إلى أن خربت أعمال دمشق، وجلا أهلها عنها، وتركوا أملاكهم وأوطانهم، إلى أن أوقع الله بين العسكرية الشحناء والبغضاء، فخاف على نفسه، فهرب منهم إلى جهة بانياس سنة سبع وستين، فأقام بها وعمر الحمام وغيره بها. وأقام إلى سنة اثنتين وسبعين بها، فنزح منها إلى صور خوفًا من عسكر المصريين. ثم سار من صور إلى طرابلس، فأقام عند زوج أخته جلال الملك ابن عمار مدة. ثم أخذ منها إلى مصر، ثم أهلك سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وفيها أقبلت الروم من القسطنطينية ووصلت إلى الثغور.

стр. 9629

سنة اثنتين وستين وأربعمائة. فيها أقبل صاحب القسطنطينية - لعنه الله - في عسكر كبير إلى أن نزل على منبج، فاستباحها قتلًا وأسرًا، وهرب من بين يديه عسكر قنسرين والعرب، ورجع الملعون لشدة الغلاء على جيشه، حتى أبيع فيهم رطل الخبز بدينار. وفيها سار بدر أمير الجيوش فحاصر صور، وكان قد تغلب عليها القاضي عين الدولة ابن أبي عقيل، فسار لنجدته من دمشق الأمير قرلوا في ستة آلاف، فحصر صيدا، وهي لأمير الجيوش، فترحل بدر، فرد العسكر النجدة، ثم عاد بدر فحاصر صور برًا وبحرًا سنة، فلم يقدر عليها، فرحل عنها. وفيها ورد رسول أمير مكة محمد بن أبي هاشم وولد أمير مكة على السلطان ألب أرسلان بأنه أقام الخطبة العباسية، وقطع خطبة المستنصر المصري، وترك الأذان بحي على خير العمل، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعًا، وقال: إذا فعل مهنا أمير المدينة كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار. وسبب ذلك ذلة المصريين بالقحط المفرط، واشتغالهم بأنفسهم حتى أكل بعضهم بعضًا، وتشتتوا في البلاد، وكاد الخراب يستولي على سائر الإقليم، حتى أبيع الكلب بخمسة دنانير، والهر بثلاثة دنانير. وبلغ الإردب مائة دينار. وورد التجار ومعهم ثياب صاحب مصر وآلاته نهبت وأبيعت من الجوع. وقد كان فيها أشياء نهبت من دار الخلافة ببغداد وقت القبض على الطائع لله ووقت فتنة البساسيري. وخرج من خزائنهم ثمانون ألف قطعة بلور، وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج القديم، وأحد عشر ألف كزاغند (١)، وعشرون ألف سيف محلى، هكذا نقله ابن الأثير (٢). قال صاحب مرآة الزمان - والعهدة عليه (٣): خرجت امرأة من القاهرة

стр. 9630

وبيدها مد جوهر، فقالت: من يأخذه بمد بر؟ فلم يلتفت إليها أحد، فألقته في الطريق، وقالت: هذا ما نفعني وقت الحاجة، ما أريده، فلم يلتفت أحد إليه. وقال ابن الفضل يهنئ القائم بأمر الله بقصيدة: وقد علم المصري أن جنوده … سنو يوسف فيها وطاعون عمواس أقامت به حتى استراب بنفسه … وأوجس منها خيفة أي إيجاس سنة ثلاث وستين وأربعمائة. فيها خطب محمود ابن شبل الدولة ابن صالح الكلابي صاحب حلب بها للخليفة القائم وللسلطان ألب أرسلان عندما رأى من قوة دولتهما وإدبار دولة المستنصر، فقال للحلبيين: هذه دولة عظيمة نحن تحت الخوف منها، وهم يستحلون دماءكم لأجل مذهبكم، يعني التشيع. فأجابوا ولبس المؤذنون السواد. فأخذت العامة حصر الجامع، وقالوا: هذه حصر الإمام علي، فليأت أبو بكر بحصر يصلي عليها الناس. فبعث الخليفة القائم له الخلع مع طراد الزينبي نقيب النقباء. ثم سار ألب أرسلان إلى حلب من جهة ماردين، فخرج إلى تلقيه من ماردين صاحبها نصر بن مروان، وقدم له تحفًا. ووصل إلى آمد فرآها ثغرًا منيعًا فتبرك به، وجعل يمر يده على السور ويمسح بها صدره. ثم حاصر الرها فلم يظفر بها، فترحل إلى حلب وبها طراد بالرسالة، فطلب منه محمود الخروج منه إلى السلطان، وأن يعفيه من الخروج إليه. فخرج وعرف السلطان بأنه قد لبس خلع القائم وخطب له. فقال: أيش تسوى خطبتهم ويؤذنون بحي على خير العمل؟ ولا بد أن يدوس بساطي. فامتنع محمود فحاصره مدة، فخرج محمود ليلة بأمه، فدخلت وخدمت وقالت: هذا ولدي فافعل به ما تحب. فعفا عنه وخلع عليه، وقدم هو تقادم جليلة، فترحل عنه. وفيها الوقعة العظيمة بين الإسلام والروم؛ قال عز الدين في كامله (١): فيها خرج أرمانوس طاغية الروم في مائتي ألف من الفرنج والروم والبجاك والكرج، وهم في تجمل عظيم، فقصد بلاد الإسلام، ووصل إلى منازكرد

стр. 9631

بليدة من أعمال خلاط. وكان السلطان ألب أرسلان بخوي من أعمال أذربيجان قد عاد من حلب، فبلغه كثرة جموعهم وليس معه من عساكره إلا خمسة عشر ألف فارس، فقصدهم وقال: أنا ألتقيهم صابرًا محتسبًا، فإن سلمت فبنعمة الله، وإن كانت الشهادة فابني ملكشاه ولي عهدي. فوقعت مقدمته على مقدمة أرمانوس فانهزموا وأسر المسلمون مقدمهم، فأحضر إلى السلطان فجدع أنفه، فلما تقارب الجمعان أرسل السلطان يطلب المهادنة، فقال أرمانوس: لا هدنة إلا بالري. فانزعج السلطان فقال له إمامه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان. وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح. فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين. فلما كان تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطان، فبكى الناس لبكائه، ودعا فأمنوا، فقال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر ولا ينهى. وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض وتحنط، وقال: إن قتلت فهذا كفني، وزحف إلى الروم، وزحفوا إليه، فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التراب، وبكى، وأكثر الدعاء، ثم ركب وحمل الجيش معه، فحصل المسلمون في وسطهم، فقتلوا في الروم كيف شاؤوا، وأنزل الله نصره، وانهزمت الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، حتى امتلأت الأرض بالقتلى، وأسر ملك الروم، أسره غلام لكوهرايين فأراد قتله ولم يعرفه، فقال له خدم مع الملك: لا تقتله فإنه الملك. وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرايين على نظام الملك، فرده استحقارًا له، فأثنى عليه أستاذه عند نظام الملك، فقال نظام الملك: عسى يأتينا بملك الروم أسيرًا. فكان كذلك. ولما أحضره إلى بين يدي السلطان ألب أرسلان ضربه ثلاث مقارع بيده وقال: ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت؟ فقال: دعني من التوبيخ وافعل ما تريد. قال: ما كان عزمك أن تفعل بي لو أسرتني؟ قال: أفعل القبيح. قال: فما تظن أنني أفعل بك؟ قال: إما أن تقتلني، وإما أن تشهرني في بلادك، والأخرى بعيدة، وهي العفو، وبذل الأموال، واصطناعي. قال له: ما عزمت على غير هذه. ففدى نفسه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، وأن ينفذ إليه عسكره كلما طلبه، وأن يطلق كل أسير في مملكته. وأنزله

стр. 9632

في خيمة، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار ليتجهز بها، وخلع عليه وأطلق له جماعة من البطارقة، فقال أرمانوس: أين جهة الخليفة؟ فأشاروا له، فكشف رأسه وأومأ إلى الجهة بالخدمة، وهادنه السلطان خمسين سنة، وشيعه مسيرة فرسخ. وأما الروم - لعنهم الله - فلما بلغهم أنه أسر ملكهم ملكوا عليهم ميخائيل، فلما وصل أرمانوس إلى طرف بلاده بلغه الخبر، فلبس الصوف وأظهر الزهد، وجمع ما عنده من المال، فكان مائتي ألف دينار وجوهر بتسعين ألف دينار، فبعث به، وحلف أنه لا بقي يقدر على غير ذلك. ثم إن أرمانوس استولى على بلاد الأرمن. وكانت هذه الملحمة من أعظم فتح في الإسلام، ولله الحمد. قال (١): وفيها سار آتسز بن أبق الخوارزمي من أحد أمراء ألب أرسلان في طائفة من الأتراك، فدخل الشام، فافتتح الرملة، ثم حاصر بيت المقدس وبه عسكر المصريين فافتتحه، وحاصر دمشق، وتابع النهب لأعمالها حتى خربها، وثبت أهل البلد فرحل عنه. قلت: ولكن خرب الأعمال ورعى الزرع عدة سنين حتى عدمت الأقوات بدمشق، وعظم الخطب والبلاء، فلا حول ولا قوة إلا بالله. سنة أربع وستين وأربعمائة فيها سار نظام الملك الوزير إلى بلاد فارس، فافتتح حصن فضلون، وكان يضرب المثل بحصانته، وأسر فضلون صاحبه، فأطلقه السلطان. وفيها كان الوباء في الغنم، حتى قيل: إن راعيًا بطرف خراسان كان معه خمسمائة رأس ماتوا في يوم. ومات قاضي طرابلس أبو طالب بن عمار الذي كان قد استولى عليها، توفي في رجب. وتملك بعده جلال الملك أبو الحسن بن عمار، وهو ابن أخي القاضي، فامتدت أيامه إلى بعد الخمسمائة (٢)، وأخذت منه الفرنج طرابلس، فلا قوة إلا بالله.

стр. 9633

سنة خمس وستين وأربعمائة. فيها قتل السلطان ألب أرسلان، وقام في الملك ولده ملكشاه. فسار أخو السلطان قاروت بك صاحب كرمان بجيوشه يريد الاستيلاء على السلطنة، فسبقه إلى الري السلطان ملكشاه ونظام الملك، فالتقوا بناحية همذان في رابع شعبان، فانتصر ملكشاه، وأسر عمه قاروت، فأمر بخنقه بوتر فخنق، وأقر مملكته على أولاده. ورد الأمور في ممالكه إلى نظام الملك، وأقطعه أقطاعًا عظيمة، من جملتها مدينة طوس، ولقبه الأتابك، ومعناه الأمير الوالد. وظهرت شجاعته وكفايته، وحسن سيرته. وفيها، وفي حدودها وقعت فتنة عظيمة بين جيش المستنصر العبيدي، فصاروا فئتين: فئة الأتراك والمغاربة، وقائد هؤلاء ناصر الدولة، أبو عبد الله الحسين بن حمدان، من أحفاد صاحب الموصل ناصر الدولة ابن حمدان، وفئة العبيد وعربان الصعيد. فالتقوا بكوم الريش، فانكسر العبيد، وقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفًا، وكانت وقعة مشهودة. وقويت نفوس الأتراك، وعرفوا حسن نية المستنصر لهم، وتجمعوا وكثروا، فتضاعفت عدتهم، وزادت كلف أرزاقهم، فخلت الخزائن من الأموال، واضطربت الأمور، فتجمع كثير من العسكر، وساروا إلى الصعيد، وتجمعوا مع العبيد، وجاؤوا إلى الجيزة، فالتقوا هم والأتراك عدة أيام، ثم عبر الأتراك إليهم النيل مع ناصر الدولة ابن حمدان، فهزموا العبيد. ثم إنهم كاتبوا أم المستنصر واستمالوها، فأمرت من عندها من العبيد بالفتك بالمقدمين، ففعلوا ذلك، فهرب ناصر الدولة، والتفت عليه الأتراك، فالتقوا ودامت الحرب ثلاثة أيام بظاهر مصر، وحلف ابن حمدان لا ينزل عن فرسه ولا يذوق طعامًا حتى ينفصل الحال. فظفر بالعبيد، وأكثر القتل فيهم، وزالت دولتهم بالقاهرة، وأخذت منهم الإسكندرية، وخلت الدولة للأتراك، فطمعوا في المستنصر، وقلت هيبته عندهم، وخلت خزائنه البتة. فطلب ابن حمدان العروض، فأخرجت إليهم، وقومت بأبخس ثمن، وصرفت إلى الجند. فقيل: إن نقد الأتراك كان في الشهر أربعمائة ألف دينار.

стр. 9634

وأما العبيد فغلبوا على الصعيد، وقطعوا السبل، فسار إليهم ابن حمدان، ففروا منه إلى الصعيد الأعلى، فقصدهم وحاربهم، فهزموه. وجاء الفل إلى القاهرة. ثم نصر عليهم وعظم شأنه، واشتدت وطأته، وصار هو الكل، فحسده أمراء الترك لكثرة استيلائه على الأموال، وشكوه إلى الوزير، فقوى نفوسهم عليه وقال: إنما ارتفع بكم. فعزموا على مناجزته، فتحول إلى الجيزة، فنهبت دوره ودور أصحابه، وذل وانحل نظامه. فدخل في الليل إلى القائد تاج الملوك شاذي واستجار به، وحالفه على قتل الأمير إلدكز، والوزير الخطير. فركب إلدكز فقتل الوزير. ونجا إلدكز، وجاء إلى المستنصر فقال: إن لم تركب وإلا هلكت أنت ونحن. فركب في السلاح، وتسارع إليه الجند والعوام، وعبى الجيش، فحملوا على ابن حمدان فانكسر واستحر القتل بأصحابه، وهرب فأتى بني سنبس، وتبعه فل أصحابه، فصاهر بني سنبس وتقوى بهم، فسار الجيش لحربه، فأراد أحد المقدمين أن يفوز بالظفر، فناجزه بعسكره، والتقوا فأسره ابن حمدان، وقتل طائفة من جنده. ثم عدى إليه فرقة ثانية لم يشعروا بما تم، فحمل عليهم، ورفع رؤوس أولئك على الرماح، فرعبوا وانهزموا، وقتلت منهم مقتلة. وساق وكبس بقية العساكر، فهزمهم، ونهب الريف، وقطع الميرة عن مصر في البر والبحر، فغلت الأسعار، وكثر الوباء إلى الغاية، ونهبت الجند دور العامة، وعظم الغلاء، واشتد البلاء. قال ابن الأثير (١): حتى إن أهل البيت الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلة واحدة. واشتد الغلاء حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفًا بألف دينار، فاستبعد ذلك، فقيل إنها باعت عروضها، وقيمته ألف دينار، بثلاثمائة دينار، واشترت بها قمحًا، وحمله الحمال على ظهره، فنهبت الحملة في الطريق، فنهبت هي مع الناس، فكان الذي حصل لها رغيفًا واحدًا. وجاء الخلق ما يشغلهم عن القتال، ومات خلق من جند المستنصر، وراسل الأتراك الذين حوله ناصر الدولة في الصلح، فاصطلحوا على أن يكون

стр. 9635

تاج الملك شاذي نائبًا لناصر الدولة ابن حمدان بالقاهرة يحمل إليه المال. فلما تقرر شاذي استبد بالأمور، ولم يرسل إلى ابن حمدان شيئًا، فسار ابن حمدان إلى أن نزل بالجيزة. وطلب الأمراء إليه فخرجوا، فقبض على أكثرهم، ونهب ظواهر القاهرة، وأحرق كثيرًا منها، فجهز إليه المستنصر عسكرًا، فبيتوه، فانهزم. ثم إنه جمع جمعًا وعاد إليهم، فعمل معهم مصافًا، فهزمهم، وقطع خطبة المستنصر بالإسكندرية ودمياط، وغلب على البلدين وعلى سائر الريف. وأرسل إلى العراق يطلب تقليدًا وخلعًا. واضمحل أمر المستنصر وخمل ذكره. وبعث إليه ابن حمدان يطلب الأموال، فرآه الرسول جالسًا على حصير، وليس حوله سوى ثلاثة خدم. فلما أدى الرسالة، قال: أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذه الحال؟ فبكى لرسول وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره بما قال، فرق له وأجرى له في كل يوم مائة دينار. وقدم القاهرة وحكم فيها، وكان يظهر التسنن ويعيب المستنصر. وكاتب عسكر المغاربة فأعانوه. ثم قبض على أم المستنصر وصادرها، فحملت خمسين ألف دينار. وكانت قد قل ما عندها إلى الغاية. وتفرق عن المستنصر أولاده وكثير من أهله من القحط، وضربوا في البلاد. ومات كثير منهم جوعا، وجرت عليهم أمور لا توصف في هذه السنوات بالديار المصرية من الفناء والغلاء والقتل. وانحط السعر في سنة خمس وستين. قال ابن الأثير (١): وبالغ ناصر الدولة ابن حمدان في إهانة المستنصر، وفرق عنه عامة أصحابه، وكان يقول لأحدهم: إنني أريد أن أوليك عمل كذا. فيسير إليه، فلا يمكنه من العمل، ويمنعه من العود. وكان غرضه من ذلك ليخطب للقائم بأمر الله أمير المؤمنين، ولا يمكنه ذلك مع وجودهم، ففطن له الأمير إلدكز، وهو من أكبر أمراء وقته، وعلم أنه متى تم له ما أراد، تمكن منه ومن أصحابه. فأطلع على ذلك غيره من أمراء الترك، فاتفقوا على قتل ابن حمدان، وكان قد أمن لقوته وعدم عدوه. فتواعدوا ليلة، وجاؤوا سحرًا إلى داره، وهي المعروفة بمنازل العز بمصر، فدخلوا صحن الدار من غير استئذان، فخرج إليهم في غلالة، لأنه كان آمنًا منهم، فضربوه بالسيوف، فسبهم وهرب،

стр. 9636

فلحقوه وقتلوه، وقتلوا أخويه فخر العرب، وتاج المعالي، وانقطع ذكر الحمدانية بمصر. فلما كان في سنة سبع وستين ولي الأمر بمصر بدر الجمالي أمير الجيوش، وقتل إلدكز، والوزير ابن كدينة، وجماعة، وتمكن من الدولة إلى أن مات. وقام بعده ابنه الأفضل. سنة ست وستين وأربعمائة فيها كان الغرق العظيم ببغداد، فغرق الجانب الشرقي، وبعض الغربي، وهلك خلق كثير تحت الهدم. وقام الخليفة يتضرع إلى الله، ويصلي. واشتد الأمر وأقيمت الجمعة في الطيار على ظهر الماء مرتين، ودخل الماء في هذه النوبة من شبابيك المارستان العضدي. وارتفعت دجلة أكثر من عشرين ذراعًا، وبعض المحال غرقت بالكلية، وبقيت كأن لم تكن. وهلكت الأموال والأنفس والدواب. وكان الماء كأمثال الجبال. وغرقت الأعراب والتركمان وأهل القرى. وكان من له فرس يركبه ويسوق إلى التلال العالية. وقيل: إن الماء ارتفع ثلاثين ذراعًا. ولم يبلغ مثل هذه المرة قط، وركب الناس في السفن، وقد ذهبت أموالهم، وغرقت أقاربهم، واستولى الهلاك على أكثر الجانب الشرقي. قال سبط ابن الجوزي: انهدمت مائة ألف دار وأكثر، وبقيت بغداد خلقة واحدة، وانهدم سورها، فكان الرجل يقف في الصحراء فيرى التاج، ونهب للناس ما لا يحصيه إلا الله، وجرى على بغداد نحو ما جرى على مصر من قريب. قال ابن الصابئ في تاريخه: تشققت الأرض، ونبع منها الماء الأسود، وكان ماء سخط وعقوبة. ونهبت خزائن الخليفة. فلما هبط الماء أخرج الناس من تحت الهدم وعلا الناس الذل. ثم فسد الهواء بالموتى، ووقع الوباء، وصارت بغداد عبرة ومثلًا. وفيها كان صاحب سمرقند خاقان ألتكين قد أخذ ترمذ بعد قتل السلطان ألب أرسلان، فلما تمكن ابنه ملكشاه سار إلى ترمذ وحصرها، وطم خندقها،

стр. 9637

ورماها بالمنجنيق، فسلموها بالأمان. فأقام فيها نائبًا، وحصنها وأصلحها وسار يريد سمرقند، ففارقها ملكها وتركها، وأرسل يطلب الصلح، ويضرع إلى نظام الملك ويعتذر، فصالحوه. وسار ملكشاه بعد أن أقطع أخاه شهاب الدين تكش بلخ وطخارستان. ثم قدم الري، فمات ولده إياس، وكان فيه شر وشهامة، بحيث إن أباه كان يخافه، فاستراح منه. وفيها بنيت قلعة صرخد، بناها حسان بن مسمار الكلبي. سنة سبع وستين وأربعمائة. قال ابن الأثير (١): قد ذكرنا في سنة خمس ما كان من تغلب الأتراك وبني حمدان على مصر، وعجز صاحبها المستنصر عن منعهم، وما وصل إليه من الشدة العظيمة، والفقر المدقع، وقتل ابن حمدان. فلما (٢) رأى المستنصر أن الأمور لا تنصلح ولا تزداد إلا فسادًا، أرسل إلى بدر الجمالي، وكان بساحل الشام، فطلبه ليوليه الأمور بحضرته، فأعاد الجواب: إن الجند قد فسدوا، ولا يمكن إصلاحهم، فإن أذنت لي أن أستصحب معي جندًا حضرت وأصلحت الأمور. فأذن له أن يفعل ما أراد. فاستخدم عسكرًا يثق بهم وبنجدتهم، وسار في هذا العام من عكا في البحر زمن الشتاء، وخاطر لأنه أراد أن يهجم مصر بغتة. وكان هذا الأمر بينه وبين المستنصر سرًا، فركب البحر في كانون الأول، وفتح الله له بالسلامة، ودخل مصر، فولاه المستنصر جميع الأمر، ولقبه أمير الجيوش فلما كان الليل بعث من أصحابه عدة طوائف إلى أمراء مصر، فبعث إلى كل أمير طائفة ليقتلوه ويأتوه برأسه، ففعلوا. فلم يصبحوا إلا وقد فرغ من أمراء مصر، ونقل جميع حواصلهم وأموالهم إلى قصر المستنصر، فعاد إليه جميع ما كان أخذ منه إلا ما تفرق في البلاد، وأعاد دولة المستنصر، وسار إلى دمياط، وكان قد تغلب عليها طائفة، فظفر بهم وقتلهم، وشيد أمرها. وسار إلى الإسكندرية فحاصرها

стр. 9638

ودخلها عنوة، وقتل طائفة ممن استولى عليها. وسار إلى الصعيد فهذبه. وقتل به في ثلاثة أيام اثني عشر ألف رجل، وأخذ عشرين ألف امرأة، وخمسة عشر ألف فرس، وبيعت المرأة بدينار، والفرس بدينار ونصف. فتجمعوا بالصعيد لحربه، وكانوا عشرين ألف فارس، وأربعين ألف راجل، فساق إليهم فكبسهم وهم على غرة في نصف الليل، فأمر النفاطين فأضرموا النيران وضربت الطبول والبوقات، فارتاعوا وقاموا لا يعقلون. وألقيت النار في وحلة هناك، وامتلأت الدنيا نارًا، وبلغت السماء فولوا منهزمين، وقتل منهم خلق وغرق خلق، وسلم البعض. وغنمت أموالهم ودوابهم. ثم عمل بالصعيد مصافًا آخر، ونصر عليهم. وأحسن إلى الرعية، وأقام المزارعين فزرعوا البلاد، وأطلق لهم الخراج ثلاث سنين، فعمرت البلاد به وعادت، وذلك بعد الخراب، إلى أحسن ما كانت عليه. وفي شعبان توفي أمير المؤمنين القائم بأمر الله العباسي، واستخلف بعده حفيده عبد الله بن محمد، ولقب بالمقتدي بأمر الله. وحضر قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والشيخ أبو نصر ابن الصباغ، ومؤيد الملك ولد نظام الملك، وفخر الدولة ابن جهير الوزير، ونقيب النقباء طراد العباسي، والمعمر بن محمد نقيب العلويين، وأبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي الفقيه. فكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر، فإنه لما فرغ من غسل القائم بايعه وتمثل: إذا سيد منا مضى قام سيد ثم أرتج عليه، فقال المقتدي: قؤول لما قال الكرام فعول فلما فرغوا من بيعته صلى بهم العصر. وكان أبوه الذخيرة أبو العباس محمد ابن القائم قد توفي أيام القائم، ولم يكن له ولد غيره، فأيقن الناس بانقراض نسل القائم، وانتقال الخلافة من البيت القادري. وكان للذخيرة جارية تسمى أرجوان، فلما مات، ورأت أباه قد جزع ذكرت له أنها حامل، فتعلقت الآمال بذلك الحمل. فولدت هذا بعد موت أبيه بستة أشهر، فاشتد سرور القائم به، وبالغ في الإشفاق عليه والمحبة له.

стр. 9639

وكان ابن أربع سنين في فتنة البساسيري، فأخفاه أهله، وحمله أبو الغنائم ابن المحلبان إلى حران، ولما عاد القائم إلى بغداد أعيد المقتدي، فلما بلغ الحلم جعله ولي عهده. فلما استخلف أقر فخر الدولة ابن جهير على وزارته بوصية من جده. وسير عميد الدولة ابن فخر الدولة إلى السلطان ملكشاه لأخذ البيعة، وبعث معه تحفًا وهدايا. وفيها بعث المستنصر بالله العبيدي إلى ابن أبي هاشم صاحب مكة هدية جليلة، وطلب منه أن يعيد له الخطبة. فقطع خطبة المقتدي بالله، وخطب للعبيدي بعد أن خطب لبني العباس بمكة أربع سنين. ثم أعيدت خطبتهم في السنة الآتية. وفيها اختلفت العرب بإفريقية وتحاربوا، وقويت بنو رياح على قبائل زغبة، وأخرجوهم عن البلاد. وفيها وقع ببغداد حريق عظيم بمرة، هلك فيه ما لا يعلمه إلا الله. قال: صاحب مرآة الزمان: أكلت النار البلد في ساعة واحدة، فصارت بغداد تلولًا (١). وفيها جمع نظام الملك المنجمين، وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل، وقد كان النيروز قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت. وصار ما فعله النظام مبدأ التقاويم. وفيها عمل الرصد للسلطان ملكشاه، وأنفق عليه أموالًا عظيمة، وبقي دائرًا إلى آخر دولته. وفيها مات صاحب حلب عز الدولة محمود بن نصر، وتملك ابنه نصر بعده. سنة ثمان وستين وأربعمائة. فيها أخذ صاحب حلب نصر بن محمود مدينة منبج من الروم. وفيها حاصر آتسز مدينة دمشق، وأميرها المعلى بن حيدرة من جهة المستنصر، فلم يقدر عليها فترحل. وفي ذي الحجة هرب المعلى بن حيدرة

стр. 9640

منها، وكان ظلومًا غشومًا للجند والرعية، فثاروا عليه، فهرب إلى بانياس، فأخذ إلى مصر، وحبس إلى أن مات. فلما هرب اجتمعت المصامدة، وهم أكثر جند البلد يومئذ، فولوا على البلد زين الدولة انتصار بن يحيى المصمودي. . والمصامدة قبيلة من المغاربة. وكان أهل الشام في غلاء مفرط وقحط، فوقع الخلف بين المصامدة وأحداث البلد، فعرف آتسز، فجاء من فلسطين ونزل على البلد فحاصره، وعدمت الأقوات، فسلموا إليه البلد. وعوض انتصارا ببانياس ويافا، ودخلها في ذي القعدة، وخطب بها لأمير المؤمنين المقتدي، وقطع خطبة المصريين، وأبطل الأذان بحي على خير العمل، وفرح به الناس، وغلب على أكثر الشام وعظم شأنه، وخافه المصريون، لكن حل بأهل الشام منه قوارع البلاء، حتى أهلك الناس وأفقرهم، وتركهم على برد الديار. سنة تسع وستين وأربعمائة. فيها سار آتسز بجيوشه الشامية، وقصد مصر وحاصرها، ولم يبق إلا أن يملكها، فاجتمع أهلها عند ابن الجوهري الواعظ، ودعوا وتضرعوا، فترحل عنهم شبه المنهزم من غير سبب. وعصى عليه أهل القدس فقاتلهم، ودخل البلد عنوة، فقتل وعمل كل نحس، وقتل فيها ثلاثة آلاف نفس، وذبح القاضي والشهود صبرًا بين يديه. وقيل: إنه إنما جاء من مصر منهزمًا في أنحس حال بعد مصاف كان بينه وبين بدر الجمالي، وهذا أشبه. وفيها قدم بغداد أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري، فوعظ بالنظامية، وبرباط شيخ الشيوخ. وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة، لأنه تكلم على مذهب الأشعري، وحط عليهم. وكثر أتباعه والمتعصبون له، فهاجت أحداث السنة، وقصدوا نحو النظامية، وقتلوا جماعة نعوذ بالله من الفتن. وفيها قال هبة الله ابن الأكفاني: كان كسرة آتسز بن أوق (١) بمصر، ثم

стр. 9641

رجع وجمع، وطلع إلى القدس ففتحها، وقتل بها ذلك الخلق العظيم، فمنهم حمزة بن علي العين زربي الشاعر. وقال أبو يعلى القلانسي (١): سار آتسز، فكسره أمير الجيوش، فأفلت في نفر يسير وجاء إلى الرملة وقد قتل أخوه، وقطعت يد أخيه الآخر. فسرت نفوس الناس بمصابه، وتحكم السيف في أصحابه. سنة سبعين وأربعمائة. فيها اصطلح تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية مع الناصر بن علناس صاحب قلعة حماد بعد حروب وفصول تطول. وزوجه تميم بابنته، فبعث الصداق ثلاثين ألف دينار، فأخذ منها تميم دينارًا واحدًا ورد الباقي، وبعث معها جهازًا عظيمًا. وفيها كانت ببغداد فتنة هائلة بسبب الاعتقاد، ونهب بعضهم بعضًا، فركب الجند وقتلوا جماعة، فسكنوا على حنق، وتشفت بهم الرافضة. وفيها نزل المصريون مع ناصر الدولة الجيوشي على دمشق، فأقام عليها مديدة، ثم ترحل عنها. وفيها نزل تاج الدولة تتش على حلب محاصرًا لها، ثم ترحل عنها. ثم جاء جيش مصر، فنازلوا دمشق ثانيًا.

стр. 9642

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الوفيات) المتوفون في سنة إحدى وستين وأربعمائة من المشاهير ١ - أحمد بن الحسن بن علي بن الفضل، أبو الحسن البغدادي الكاتب. أخو الشاعر أبي منصور علي صردر. سمع أبا الحسين بن بشران، وأبا الحسن الحمامي، وأحمد بن علي البادا. وعنه شجاع الذهلي، وأبو علي البرداني، وأبو الغنائم النرسي، وعلي بن أحمد الموحد. وكان صالحًا خيرًا كثير الذكر، توفي في ربيع الآخر، وله خمس وثمانون سنة (١). ٢ - أحمد بن عبد الواحد بن محمد، أبو معمر الهروي البالكي (٢) المزكي. سمع عبد الرحمن بن أبي شريح، وغيره، وتوفي في شوال. وقد حدث بالجعديات كلها عن ابن أبي شريح. روى عنه أهل هراة، وكان من الفقهاء (٣). ٣ - أحمد بن علي بن يحيى، أبو منصور الأسداباذي المقرئ. حدث ببغداد عن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد الصيدلاني. قال الخطيب (٤): كتبنا عنه، وكان يذكر أنه سمع من الدارقطني، ويذكر أشياء تدل على تخليطه، وعاش خمسًا وتسعين سنة (٥).

стр. 9643

٤ - أحمد بن عمر بن الحسن بن يوسف، أبو القاسم الأصبهاني المؤدب. في المحرم. رحل، وروى عن أبي عمر الهاشمي، وأبي عمر بن مهدي، وهلال الحفار. ٥ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن مسعود، أبو عمر الجذامي البزلياني (١)، القاضي ببجانة. صحب أبا بكر بن زرب، وأبا عبد الله بن مفرج، والزبيدي، وابن أبي زمنين. وكان من العلماء؛ حدث عنه ابن خزرج، وقال: ولد سنة ستين وثلاثمائة، وتوفي في جمادى الأولى (٢). قلت: فيكون مبلغ عمره مائة سنة وسنة. ٦ - إبراهيم بن يحيى بن محمد بن حسين بن أسد، أبو بكر التميمي الحماني المقرئ، القرطبي، المعروف بابن الطبني. أخذ مع ابن عمه أبي مروان عن بعض شيوخه. وكان عالمًا بالطب. من بيت حشمة. وكان صديقًا لأبي محمد بن حزم. مولده سنة ست وتسعين وثلاثمائة (٣). ٧ - إسماعيل بن أبي نصر الصفار. كان إمامًا، قوالًا بالحق، قتله الخاقان نصر بن إبراهيم ببخارى صبرًا لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. ٨ - حيدرة بن إبراهيم بن العباس بن الحسن، النقيب أبو طاهر الحسيني، ابن أبي الجن الدمشقي.

стр. 9644

ولي نقابة العلويين. قال ابن عساكر (١): بلغني أنه قتل بعكا، وسلخ في سنة إحدى. ٩ - عبد الله بن محمد بن سعيد، أبو محمد الأندلسي البشكلاري. نزيل قرطبة، وبشكلار: قرية من قرى جيان. روى عن أبي محمد الأصيلي، وأبي حفص بن نابل، وأحمد بن فتح الرسان، ومحمد بن أحمد بن حيوة، وخلف بن يحيى الطليطلي. وكان ثقة فيما رواه ثبتا، شافعي المذهب. روى عنه أبو علي الغساني، وأبو القاسم بن صواب وأجاز له بخطه. توفي في رمضان، وولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة (٢). ١٠ - عبد الرحمن بن محمد بن فوران، أبو القاسم المروزي الفقيه، صاحب أبي بكر القفال. له المصنفات الكثيرة في المذهب والأصول والجدل، والملل والنحل. وطبق الأرض بالتلامذة، وله وجوه جيدة في المذهب. عاش ثلاثًا وسبعين سنة، وتوفي في رمضان. وكان مقدم أصحاب الحديث الشافعية بمرو. سمع علي بن عبد الله الطيسفوني (٣)، وأبا بكر القفال. روى عنه عبد المنعم بن أبي القاسم القشيري، وزاهر، وعبد الرحمن بن عمر المروزي. وصنف كتاب الإبانة، وغيرها. وهو شيخ أبي سعد المتولي صاحب التتمة. والتتمة هي تتمة لكتاب الإبانة المذكور وشرح لها. وقد أثنى أبو سعد على الفوراني هذا في خطبة التتمة. وقد سمع منه أيضًا: محيي السنة البغوي. وكان أبو المعالي إمام الحرمين يحط على الفوراني، حتى قال في باب الأذان: والرجل غير موثوق بنقله. ونقم العلماء ذلك على أبي المعالي ولم

стр. 9645

يصوبوا كلامه فيه (١). ١١ - عبد الرحيم بن أحمد بن نصر بن إسحاق بن عمرو، الحافظ أبو زكريا التميمي البخاري المحدث، صاحب الرحلة الواسعة. سمع بالشام، والعراق، ومصر، واليمن، والثغور، والحجاز، وبخارى، والقيروان، وحدث عن أبي نصر أحمد بن علي الكاتب، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الغنجار، وأبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الفقيه، وأبي يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي، وأبي عمر بن مهدي الفارسي، وهلال الحفار، وأبي محمد عبد الله بن عبيد الله ابن البيع، وتمام بن محمد الرازي، وعبد الغني بن سعيد الأزدي، وابن النحاس، وابن الحاج الإشبيلي، وخلق كثير. روى عنه أبو نصر بن الجبان، وهو من شيوخه، وعلي بن محمد الحنائي، والفقيه نصر المقدسي، ومشرف بن علي التمار، وجميل بن يوسف المادرائي، وأحمد بن إبراهيم بن يونس المقدسي، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وآخرون. وكان مولده في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وأكبر شيخ له إبراهيم بن محمد بن يزداد الرازي، حدثه عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، وذلك في مشيخة الرازي. وفي الرواة عن أبي زكريا سابق ولاحق، بينهما في الموت مائة سنة، وهما عبد الوهاب بن الجبان، والرازي. أخبرنا المسلم بن محمد بن علان كتابة، عن القاسم بن علي بن الحسن: قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبو الحسن بن المسلم الفرضي، قال: حدثنا عبد العزيز الكتاني، قال: أخبرنا أبو نصر عبد الوهاب بن عبد الله المري، قال: حدثني عبد الرحيم بن أحمد بن نصر البخاري، قدم علينا طالب علم، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن نصر الكاتب ببخارى، قال: حدثنا أبو نصر بن سهل، قال: حدثنا قيس بن أنيف، قال: حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثنا محمد بن سليمان المكي، قال: حدثنا عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 9646

اغسلوا ثيابكم، وخذوا من شعوركم، واستاكوا، وتزينوا، فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك، فزنت نساؤهم (١). قال أبو عبد الله الرازي: دخل أبو زكريا عبد الرحيم بلاد الأندلس وبلاد المغرب، وكتب بها، وكتب عمن هو دونه، وفي شيوخه كثرة، وكان من الحفاظ الأثبات؛ قال السلفي هذا على لسان الرازي في مشيخته، وورخ وفاته ابن الأكفاني في سنتنا هذه (٢). وقال ابن طاهر المقدسي في كتاب تكملة الكامل في الضعفاء إن شيخه سعد بن علي الزنجاني حدثه أنه لم يرو كتاب مشتبه النسبة عن مؤلفه عبد الغني إلا ابن بنته علي بن بقاء، وأن عبد الرحيم حدث به. وفي قول الزنجاني نظر، فإن رشأ بن نظيف قد روى هذا الكتاب، عن عبد الغني أيضًا. وهو وعبد الرحيم بن أحمد ثقتان. وبمثل هذا لا يحل تضعيف الرجل العالم (٣). ١٢ - عبد الواحد بن علي بن عبد الواحد بن موحد بن البري، بالفتح (٤)، أبو الفضل السلمي. سمع أبا بكر محمد بن عبد الرحمن القطان، وعبد الرحمن بن أبي نصر. روى عنه أبو بكر الخطيب (٥)، وعمر الرواسي، وابن أخيه علي بن الحسن بن البري. مات في المحرم (٦). ١٣ - عبد الغفار بن أحمد بن محمد بن يعقوب، أبو منصور الأصبهاني المعدل. عن إبراهيم بن خرشيذ قولة. مات في ذي القعدة.

стр. 9647

١٤ - عبد الواحد بن أبي جعفر محمد بن أحمد بن المرزبان، أبو مسلم الأبهري الأصبهاني. روى جزء لوين عن والده. روى عنه عبد الصمد بن الحسين بن إبراهيم الجمال شيخ أبي علي الحداد. توفي في رجب، وله ثلاث وتسعون سنة. والعجب من الحداد كونه لم يسمع منه وروى عن رجل، عنه. ١٥ - عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن محمد بن صالح، أبو الفضل المعلم. سمع أبا عبد الله بن منده، وخلقًا. ١٦ - عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن عبد القدوس، أبو القاسم الأنصاري القرطبي. حج وسمع من أبي بكر محمد بن علي المطوعي بمكة. وقرأ القراءات بدمشق على أبي علي الأهوازي. وسمع من أبي الحسن السمسار، وأخذ بحران عن الشريف الزيدي. وأخذ بمصر عن أبي العباس بن نفيس، وبميافارقين عن محمد بن أحمد الفارسي. وكان من جلة المقرئين، ومن الخطباء المجودين؛ كانت الرحلة إليه في القراءات. توفي في ذي القعدة، ومولده سنة ثلاث وأربعمائة. ولي خطابة قرطبة (١)، وصنف المفتاح في القراءات. ١٧ - عمر بن منصور بن أحمد بن محمد بن منصور، الحافظ أبو حفص البخاري البزاز، محدث ما وراء النهر في وقته. سمع أبا علي بن حاجب الكشاني، وأبا نصر أحمد بن محمد الملاحمي، وأبا الفضل أحمد بن علي السليماني، وإبراهيم بن محمد الرازي، وطبقتهم. روى عنه الحافظ عبد العزيز النخشبي، ومحمد بن علي بن سعيد المطهري، ومحمد بن عبد الله السرخكتي، وآخرون. قال النخشبي: هو مكثر، صحيح السماع، فيه هزل.

стр. 9648

وقال أبو سعد ابن السمعاني (١): مات بعد الستين وأربعمائة، وهو سبط محمد بن أحمد بن خنب. ١٨ - محمد بن مكي بن عثمان، أبو الحسين الأزدي المصري. سمع أبا الحسن علي بن محمد الحلبي، ومحمد بن أحمد الإخميمي، والمؤمل بن أحمد، والميمون بن حمزة الحسيني، وأبا مسلم الكاتب، وعبد الكريم بن أحمد بن أبي جدار الصواف، وجده لأمه أحمد بن عبد الله بن رزيق البغدادي، وأبا علي أحمد بن عمر بن خرشيذ قولة، وغيرهم. حدث بمصر، ودمشق؛ حدث عنه أبو بكر الخطيب، ونصر المقدسي، وعبد الواحد وعبد الله ابنا أحمد السمرقندي، وأبو القاسم النسيب، وهبة الله ابن الأكفاني، وأبو القاسم بن بطريق، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل الإسفراييني، وغيرهم. مولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. ووثقه الكتاني، وقال (٢): توفي في نصف جمادى الأولى بمصر (٣). ١٩ - محمد بن وهب بن بكير، أبو عبد الله الكتاني الأندلسي، قاضي قلعة رباح. روى عن أبي محمد بن ذنين، وأبي عبد الله ابن الفخار، ومحمد بن يمن. وكان ينصر مذهب مالك مع الدين والخير. استوطن طليطلة، وبها توفي (٤). ٢٠ - المسيب بن محمد بن المسيب، أبو عمرو الأرغياني. وأرغيان: قرية من أعمال نيسابور. رحل وسمع ببغداد أبا عمر بن مهدي، وبالبصرة أبا عمر الهاشمي. روى عنه زاهر الشحامي. وكان صالحًا، دينًا، سكن نيسابور (٥).

стр. 9649

٢١ - المظفر بن الحسن، أبو سعد الهمذاني سبط أبي بكر بن لال. سكن بغداد، وحدث عن جده ابن لال، وأحمد بن فراس العبقسي، وأبي أحمد محمد بن عبد الله بن جامع الدهان. قال الخطيب (١): كتبت عنه، وكان ثقة، عاش ثمانين سنة. ٢٢ - نصر بن عبد العزيز بن أحمد بن نوح، أبو الحسين الفارسي الشيرازي، المقرئ المجود، نزيل مصر. أقرأ بها القرآن زمانًا، وأملى مجالس. وكان قد قرأ بالروايات على أبي الحسن أحمد بن عبد الله السوسنجردي، وبكر بن شاذان الواعظ، وأبي أحمد الفرضي، وأبي الحسن الحمامي، ومنصور بن محمد بن منصور صاحب ابن مجاهد، وجماعة. قرأ عليه أبو الحسين الخشاب، وأبو القاسم ابن الفحام، وغيرهما. وكان ينفرد بنكت عن أبي حيان التوحيدي. وروى الحديث عن أبي أحمد الفرضي، وابن الصلت المجبر، وابن بشران المعدل. روى عنه أبو عبد الله الرازي في مشيخته، ورحل إلى مصر هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، وعمر بن عبد الكريم الدهستاني في رأس سنة ستين وأربعمائة فأدركاه وسمعا منه. وروى عنه أحمد بن يحيى بن الجارود، وروزبة بن موسى الخزاعي. وكان من كبار أئمة القراء، قرأ بما في الروضة على جميع شيوخ مصنفها. ٢٣ - يعقوب بن موسى بن طاهر بن أبي الحسام، أبو أيوب المرسي. روى عن أبي الوليد بن ميقل، وحاتم بن محمد، وجماعة. قال ابن مدير: كان فقيهًا حافظًا متفننًا. توفي في صفر (٢). ٢٤ - يونس بن عمر الأصبهاني، نزيل القدس. روى عن عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي. روى عنه نصر المقدسي، وأبو الفتيان الرواسي.

стр. 9650

سنة اثنتين وستين وأربعمائة. ٢٥ - أحمد بن الحسن بن أحمد بن علي، أبو بكر ابن اللحياني، البغدادي الصفار، المقرئ. أحد قراء السبعة المحققين؛ قرأ بالروايات على أبي الحسن الحمامي، وغيره، وسمع من أبي الفتح بن أبي الفوارس، وأبي الحسين بن بشران. قرأ عليه: أبو نصر هبة الله ابن المجلي. روى عنه أبو علي ابن البرداني، وهبة الله السقطي وأبو السعود أحمد بن علي ابن المجلي. توفي في رجب، ورخه ابن خيرون وقال: قيل إنه نسي القرآن. وقال أبو علي ابن البرداني: سألته عن مولده، فقال: في أول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. ٢٦ - أحمد بن الحسين بن سعد الطرسوسي، أبو الحسين البزاز الشاهد الدمشقي، من أهل سوق الأحد. حدث عن محمد بن إبراهيم الشيرازي، وعبد الرحمن بن أبي نصر. روى عنه عمر الرواسي، وهبة الله ابن الأكفاني (١). ٢٧ - أحمد بن علي الأسدآباذي المقرئ. حدث بدمشق عن عبيد الله بن أحمد الصيدلاني، ومحمد بن عبد الله الجعفي. وعنه عبد العزيز الكتاني، ونجا العطار. قال ابن خيرون: فيها توفي، وكان كذابًا، سمع لنفسه (٢). ٢٨ - أحمد بن علي بن أبي قتيبة الأصبهاني. سمع الحافظ ابن منده. ٢٩ - أحمد بن محمد بن سياوش، أبو بكر الكازروني الفارسي البيع. شيخ ثقة، صالح، مكثر.

стр. 9651

قال أبو سعد (١): سمع أبا أحمد الفرضي، وابن الصلت المجبر، وهلالًا الحفار، وأكثر عن هذه الطبقة. حدثنا عنه أبو بكر قاضي المارستان، وأبو عبد الله السلال. توفي في جمادى الأولى. *- أحمد بن منصور بن خلف المغربي. قد ذكر في سنة تسع وخمسين (٢). ٣٠ - إبراهيم بن الحسين بن محمد بن أحمد بن حاتم بن صولة، أبو نصر البغدادي البزاز، نزيل مصر، ووالد أبي الحسن علي. سمع أبا أحمد الفرضي. وعنه جعفر السراج، وعلي بن المؤمل بن غسان الكاتب، وعلي بن الحسين الفراء، ومحمد بن أحمد الرازي المعدل، وغيرهم. وكان محدثًا، ثقة، عالمًا. ٣١ - إبراهيم بن محمد، أبو إسحاق الأزدي القرطبي. أخذ عن مكي، وأبي العباس المهدوي، وأقرأ الناس بقرطبة (٣). ٣٢ - ثابت بن محمد بن علي، أبو محمد، وأبو القاسم الطبقي الفزاري. سمع أبا الحسن بن الصلت المجبر. وعنه أبو عبد الله البارع، وعبيد الله بن نصر الزاغوني. حدث في هذا العام، ولم أعرف وفاته. ٣٣ - الحسن بن علي بن محمد بن أحمد بن أبي عيسى، أبو علي الحسناباذي المحدث. روى عن أبي بكر بن مردويه الحافظ. ورحل فسمع ببغداد من أبي الحسن بن رزقويه، وطبقته. وكان يفهم؛ روى عنه عبد السلام الحسناباذي، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق.

стр. 9652

٣٤ - الحسن بن علي بن عبد الصمد بن مسعود، أبو محمد الكلاعي اللباد، المقرئ الدمشقي. كان آخر من قرأ على الجبني أبي بكر محمد بن أحمد. وسمع من تمام الرازي، وعبد الرحمن بن أبي نصر، وعبد الوهاب الميداني. روى عنه أبو بكر الخطيب، وعمر الرواسي، وسبطه محمد بن أحمد اللباد، وأبو القاسم علي بن إبراهيم النسيب، وهبة الله ابن الأكفاني وقال: هو ثقة دين. قال لي: ولدت سنة تسع وسبعين، ومات في صفر (١). ٣٥ - الحسين بن أحمد، أبو علي الخوافي (٢). توفي بنيسابور في شهر ربيع الآخر، وله تسع وستون سنة (٣). ٣٦ - حسين بن محمد بن أحمد، القاضي أبو علي المروزي، يقال له أيضًا: المروروذي، الشافعي. فقيه خراسان في عصره. روى عن أبي نعيم عبد الملك الإسفراييني، وغيره. وكان أحد أصحاب الوجوه، تفقه على أبي بكر القفال. وله: التعليق الكبير، والفتاوى. وعليه تفقه صاحب التتمة وصاحب التهذيب محيي السنة. وكان يقال له: حبر الأمة. ومما نقل في تعليقه أن البيهقي نقل قولًا للشافعي أن المؤذن إذا ترك الترجيع في الأذان لا يصح أذانه. وروى عنه عبد الرزاق المنيعي، ومحيي السنة البغوي في تصانيفه. قلت: توفي القاضي حسين بمروالروذ في المحرم من السنة. ويقال: إن أبا المعالي تفقه عليه أيضًا. ٣٧ - حمد بن محمد بن عبد العزيز السكري الأصبهاني العسال. سمع أبا عبد الله بن منده؛ أرخه يحيى بن منده. ٣٨ - ذؤيب بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو عمر القرشي الهروي. روى عن عبد الرحمن بن أبي شريح.

стр. 9653

٣٩ - زياد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الحكم، أبو محمد الأصبهاني الجلاب البقال. سمع أبا عبد الله بن منده، وجده. شيخ صالح، مات في شوال؛ قاله يحيى بن منده. ٤٠ - سعيد بن عيسى بن أحمد بن لب، أبو عثمان الرعيني الطليطلي، ويعرف بالقصري وبالأصفر. ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، ودخل قرطبة طالب علم في سنة تسع وتسعين، فلقي علي بن سليمان الزهراوي، ومحمد بن فضل الله، ولقي بمالقة نافعًا الأديب، وسمع منهم ومن خلق. وبرع في اللغة والنحو، وصنف شرحًا للجمل، وجلس للإفادة؛ أخذ عنه عبد الرحمن بن أفلح، وغيره، وعاش إحدى وثمانين سنة (١). ٤١ - عبد الله بن الحسن بن طلحة، أبو محمد التنيسي ابن النخاس، ويعرف أيضًا بابن البصري. قدم دمشق، ومعه ابناه محمد وطلحة، فسمعوا الكثير من أبي بكر الخطيب، وغيره. وحدث عن ابن نظيف الفراء، وجماعة. روى عنه نصر المقدسي، وهبة الله ابن الأكفاني، وعبد الكريم بن حمزة. وعاش بضعًا وخمسين سنة. توفي تقريبًا (٢). ٤٢ - عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي العجائز، القاضي أبو محمد الأزدي الدمشقي. ناب في الحكم بدمشق. سمع أباه، وأبا محمد بن أبي نصر، وأبا نصر بن الجندي. روى عنه الضحاك بن أحمد الخولاني، وهبة الله ابن الأكفاني، وجماعة. توفي في رجب في الثمانين (٣).

стр. 9654

٤٣ - عبد الله بن محمود الدمشقي البرزي. سمع عبد الرحمن بن أبي نصر، وغيره. وعنه هبة الله ابن الأكفاني، وغيره. وكان يحفظ مختصر المزني، وكنيته أبو علي (١). ٤٤ - عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بن الحارث بن عبد الله ابن صاحب رسول الله ﷺ كعب بن مالك الأنصاري البغدادي، أبو طاهر، والد القاضي أبي بكر. ساق نسبه أبو سعد السمعاني، وقال: شيخ صالح ثقة، راغب في الخير، مختلط بأهل العلم. سمع أبا الحسن بن الصلت المجبر، وأبا نصر بن حسنون النرسي. حدثنا عنه ولده. وذكره عبد العزيز النخشبي في معجمه، فقال أبو طاهر البزاز: شيخ صالح ثقة، له كرم ونفقة على أهل العلم. ولد في حدود تسعين وثلاثمائة. ٤٥ - عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد أبو محمد النجار الدمشقي، المعروف بابن كبيبة. سمع من تمام الرازي، والحسين بن أبي كامل، وجماعة. روى عنه

стр. 9655

الخطيب، وابنه صاعد بن عبد الله، وهبة الله ابن الأكفاني، وطاهر ابن الإسفراييني، وإسماعيل بن أحمد السمرقندي. قال ابن ماكولا (١): هو شيخ صالح، سمعنا منه بدمشق، وسمع منه الحميدي. توفي في ربيع الآخر، وقد جاوز الثمانين (٢). ٤٦ - علي بن أحمد بن علي ابن الملطي السراج البغدادي. سمع ابن الصلت المجبر، وابن مهدي. وعنه يحيى، وأبو غالب ابنا البناء، والمبارك ابن الطيوري. مات في جمادى الأولى، وله تسع وسبعون سنة. ٤٧ - علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن شريعة اللخمي الباجي، أبو الحسن. من أهل إشبيلية، روى عن والده، وكان نبيه البيت والحسب. روى عنه أبو الحسن شريح بن محمد. وولد في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وتوفي في ربيع الآخر (٣). ٤٨ - عمر بن أحمد بن الحسين الكرجي. حدث بأصبهان عن هبة الله اللالكائي. وعنه سعيد بن أبي الرجاء. توفي في صفر. ٤٩ - محمد بن أحمد بن سهل، أبو غالب الواسطي، المعروف بابن بشران، وبابن الخالة، المعدل الحنفي اللغوي، شيخ العراق في اللغة. وأما نسبته إلى ابن بشران فلأن جده لأمه هو ابن عم أبي الحسين بن بشران المعدل. ولد أبو غالب سنة ثمانين وثلاثمائة، وسمع أبا القاسم علي بن طلحة بن كردان النحوي، وأبا الفضل التميمي، وأبا الحسين علي بن دينار، وأبا عبد الله العلوي، وأبا عبد الله بن مهدي، وأبا الحسن العطاردي، وأبا الحسن

стр. 9656

الصيدلاني، وأبا الحسين ابن السماك، وأبا بكر أحمد بن عبيد بن بيري. قال ابن السمعاني (١): كان الناس يرحلون إليه، يعني لأجل اللغة، وهو مكثر من كتب الأدب وروايتها. روى عنه أبو عبد الله الحميدي، وهبة الله بن محمد الشيرازي، وبالإجازة أبو القاسم ابن السمرقندي، والقاضي أبو عبد الله بن الجلابي. قلت: وروى عنه علي بن محمد والد الجلابي ومن خطه نقلت من الزيادات التالية لتاريخ واسط أنه توفي يوم الخميس الخامس عشر من رجب من سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وذكر مولده. وقال خميس (٢): كان أحد الأعيان، تخصص بابن كردان النحوي وقرأ عليه كتاب سيبويه ولازم حلقة أبي إسحاق الرفاعي صاحب السيرافي، وكان يقول: قرأت عليه من أشعار العرب ألف ديوان. وكان مكثرًا، حسن المحاضرة، إلا أنه لم ينتفع به أحد، يعني: أنه لم يتصدر للإفادة. قال: وكان جيد الشعر، معتزليًا. وممن روى عنه أبو المجد محمد بن محمد بن جهور القاضي، وأبو نصر ابن ماكولا، وأهل واسط. وسمع هو من خاله أبي الفرج محمد بن عثمان بن محمد بن بشران الواسطي. ٥٠ - محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله ابن القاضي أبي الحسن أحمد بن سليمان بن حذلم، أبو الحسن الأسدي الدمشقي. سمع أباه، وعبد الرحمن بن أبي نصر، وصدقة بن المظفر، وجماعة. روى عنه أبو بكر الخطيب، ونجا بن أحمد، وأبو القاسم النسيب، وعبد الكريم بن حمزة. ووثقه النسيب، وتوفي في ذي القعدة (٣). ٥١ - محمد بن أبي الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبيد الله بن محمد بن الغمر، الأمير أبو الوليد، رئيس قرطبة ومدبر أمرها كوالده.

стр. 9657

قرأ القرآن على أبي محمد مكي، وسمع من أبي المطرف القنازعي، ويونس بن عبد الله القاضي، وابن بنوش. وكان معتنيًا بالرواية، وسمع الكثير. توفي معتقلًا في سجن المعتمد محمد بن عباد في نصف شوال، وقد جاوز السبعين. لم يذكر ابن بشكوال شيئًا من سيرته (١)، وقد ولي إمرة قرطبة بعد والده في سنة خمس وثلاثين، فحكم فيها مدة ثمانية أعوام إلى أن قويت شوكة المعتمد ابن عباد واستولى على قرطبة فسجن ابن جهور في حصن. ٥٢ - محمد بن الحسين بن عبد الله بن أبي علانة، أبو سعد البغدادي. سمع أبا طاهر المخلص، وابن حمكان الفقيه. قال الخطيب (٢): كتبت عنه، وكان سماعه صحيحًا. ٥٣ - محمد بن عتاب بن محسن، مولى عبد الملك بن أبي عتاب الجذامي، أبو عبد الله مفتي قرطبة وعالمها. ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وروى عن أبي بكر عبد الرحمن بن أحمد التجيبي، وأبي القاسم خلف بن يحيى، وأبي المطرف القنازعي، وسعيد بن سلمة، وأبي عبد الله بن نبات، ويونس القاضي، وعبد الرحمن بن أحمد بن بشر القاضي، وأبي بكر بن واقد القاضي، وأبي محمد بن بنوش القاضي، وأبي أيوب بن عمرون القاضي، وأبي عثمان بن رشيق، وغيرهم. قال ابن بشكوال (٣): وكان فقيهًا، عالمًا، عاملًا، ورعًا، عاقلًا، بصيرًا بالحديث وطرقه، عالمًا بالوثائق لا يجارى فيها، كتبها عمره فلم يأخذ عليها من أحد أجرًا، وكان يحكى أنه لم يكتبها حتى قرأ فيها أزيد من أربعين مؤلفًا. وكان متفننًا في فنون العلم، حافظًا للأخبار والأمثال والأشعار، صليبًا في الحق، مريدًا له، منقبضًا عن السلطان وأسبابه، جاريًا على سنن الشيوخ متواضعًا، مقتصدًا في ملبسه، يتولى حوائجه بنفسه. وكان شيخ أهل الشورى

стр. 9658

في زمانه، وعليه كان مدار الفتوى. دعي إلى قضاء قرطبة مرارًا، فأبى ذلك، وكان يهاب الفتوى ويخاف عاقبتها في الأخرى، ويقول: من يحسدني فيها جعله الله مفتيًا، وددت أني أنجو منها كفافًا. وكانت له اختيارات من أقاويل العلماء، يأخذ بها في خاصة نفسه. وذكره أبو علي الغساني، فقال (١): كان من جلة العلماء الأثبات، وممن عني بالفقه وسماع الحديث دهره، وقيده فأتقنه، وكتب بخطه علمًا كثيرًا، أخذت عنه. إلى أن قال: توفي لعشر بقين من صفر، ومشى في جنازته المعتمد على الله محمد بن عباد. قلت: روى عنه ولده عبد الرحمن، وخلق من الأندلسيين. ٥٤ - محمد بن علي بن مموس، أبو سعد الهمذاني البزاز. حدث عن أبي بكر بن لال، وعبد الرحمن بن أبي الليث، وأبي القاسم يوسف بن كج، والعلاء بن الحسين، وعلي بن إبراهيم بن حامد البزاز، وأبي بكر بن حمدويه الطوسي، وجماعة كبيرة. وكان شيخًا صالحًا. ٥٥ - محمد بن علي بن حميد بن علي بن حميد، أبو نصر الهمذاني، إمام الجامع. روى عن علي بن إبراهيم بن حامد، وعلي بن شعيب، والحسن بن أحمد بن مموس، وجماعة. وهو صدوق. ٥٦ - محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن منصور، أبو الغنائم بن الغراء البصري المقرئ. رحل، وسمع أبا الحسن بن جهضم بمكة، وأحمد بن الحسن الرازي بمكة وحدث عنه بصحيح مسلم. وسمع أبا محمد ابن النحاس بمصر، ومحمد بن عبد الرحمن القطان، وابن أبي نصر بدمشق. روى عنه أبو بكر الخطيب (٢)، وأبو

стр. 9659

نصر بن ماكولا (١)، ومكي الرميلي، والفقيه نصر المقدسي، وغيرهم. سكن القدس، وبه توفي في شعبان وله ثمانون سنة (٢). ٥٧ - موسى بن هذيل بن محمد بن تاجيت البكري، أبو محمد القرطبي، ويعرف بابن أبي (٣) عبد الصمد. روى عن أبي عبد الله بن عابد، والقاضي يونس بن عبد الله، وأبي محمد بن الشقاق، وأبي محمد بن دحون. وكان من أهل المعرفة والحفظ والصلاح، وكان مشاورًا في الأحكام بقرطبة. عزم عليه محمد بن جهور أن يوليه القضاء بقرطبة فقال: أخرني ثمانية أيام حتى أستخير الله. فأخره، فعمي في تلك الأيام، فكانوا يرون أنه دعا على نفسه. قال أبو القاسم بن بشكوال (٤): أخبرني أحمد بن عبد الرحمن الفقيه، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن فرج الفقيه يقول: قال لي أبو عبد الله بن عابد ولابن أبي عبد الصمد معًا: لو رآكما مالك ﵀ لقرت عينه بكما. ولد سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وتوفي في ربيع الأول. ٥٨ - نزار بن عبد الله بن أحمد، أبو مضر القرشي الهروي. يروي عن أبي محمد بن أبي شريح الأنصاري. ٥٩ - أبو بكر بن عمر البربري اللمتوني، ملك المغرب. وكان ظهوره قبل الخمسين وأربعمائة، أو في حدود الأربعين. فذكر الأمير عزيز في كتاب أخبار القيروان، وقد رأيت له رواية في هذا الكتاب في أوله عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، ولا أعرف له نسبًا ولا ترجمة، قال: أخبرني عبد المنعم بن عمر بن حسان الغساني، قال: حدثني قاضي مراكش علي بن أبي فنون أن رجلًا من قبيلة جدالة من كبرائهم، يعني المرابطين، اسمه الجوهر، قدم من الصحراء إلى بلاد المغرب ليحج، وكان مؤثرًا للدين والصلاح، وذلك في عشر الخمسين وأربعمائة، فمر بالمغرب بفقيه يقرئ

стр. 9660

مذهب مالك، والغالب أنه عمران الفاسي بالقيروان. قلت: أبو عمران مات بعد الثلاثين وأربعمائة. قال: فأوى إليه وأصغى إلى العلم، ثم حج وفي قلبه من ذلك فعاد. وأتى ذلك الفقيه، وقال: يا فقيه، ما عندنا في الصحراء من العلم شيء إلا الشهادتين في العامة، والصلاة في بعض الخاصة. فقال الفقيه: فخذ معك من يعلمهم دينهم. فقال له الجوهر: فابعث معي فقيهًا وعلي حفظه وإكرامه. فقال لابن أخيه: يا عمر اذهب مع هذا السيد إلى الصحراء، فعلم القبائل دين الله ولك الثواب الجزيل والشكر الجميل، فأجابه. ثم جاء من الغد، فقال: اعفني من الصحراء، فإن أهلها جاهلية، قد ألفوا ما نشأوا عليه. وكان من طلبة الفقيه رجل اسمه عبد الله بن ياسين الجزولي، فقال: أيها الشيخ، أرسلني معه، والله المعين. فأرسله معه، وكان عالمًا قوي النفس، ذا رأي وتدبير، فأتيا قبيلة لمتونة، وهي على ربوة من الأرض، فنزل الجوهر، وأخذ بزمام الجمل الذي عليه عبد الله بن ياسين تعظيمًا له، فأقبلت المشيخة يهنئون الجوهر بالسلامة وقالوا: من هذا؟ قال: هذا حامل سنة الرسول ﷺ . فرحبوا به وأنزلوه، ثم اجتمعوا له، وفيهم أبو بكر بن عمر، فقص عليهم عبد الله عقائد الإسلام وقواعده، وأوضح لهم حتى فهم ذلك أكثرهم، فقالوا: أما الصلاة والزكاة فقريب، وأما قولك من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنا يجلد، فلا نلتزمه، فاذهب إلى غيرنا. فرحل، وأخذ بزمامه الجوهر! وفي تلك الصحراء قبائل منهم وهم ينتسبون إلى حمير، ويذكرون أن أسلافهم خرجوا من اليمن في الجيش الذي جهزه الصديق إلى الشام، ثم انتقلوا إلى مصر، ثم توجهوا إلى المغرب مع موسى بن نصير، ثم توجهوا مع طارق إلى طنجة، فأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء، وهم لمتونة، وجدالة، ولمطة، وإينيصر، وإينواري، ومسوفة، وأفخاذ عدة، فانتهى الجوهر وعبد الله إلى جدالة، قبيلة الجوهر، فتكلم عليهم عبد الله، فمنهم من أطاع، ومنهم من عصى، فقال عبد الله للذين أطاعوا: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين أنكروا دين الإسلام، وقد استعدوا لقتالكم وتحزبوا عليكم، فأقيموا لكم راية

стр. 9661

وأميرًا. فقال له الجوهر: أنت الأمير. قال: لا يمكنني هذا، أنا حامل أمانة الشرع، ولكن كن أنت الأمير. قال: لو فعلت هذا تسلطت قبيلتي على الناس وعاثوا، فيكون وزر ذلك علي. قال له: فهذا أبو بكر بن عمر رأس لمتونة، وهو جليل القدر، محمود السيرة، مطاع في قومه، فسر إليه واعرض عليه الإمرة، والله المستعان. فبايعوا أبا بكر، وعقدوا له راية، وسماه عبد الله أمير المسلمين. وقام حوله طائفة من جدالة وطائفة من قومه. وحضهم ابن ياسين على الجهاد وسماهم المرابطين. فتألبت عليهم أحزاب الصحراء من أهل الشر والفساد، وجيشوا لحربهم، فلم يناجزوهم القتال، بل تلطف عبد الله بن ياسين وأبو بكر واستمالوهم، وبقي قوم أشرار، فتحيلوا عليهم حتى جمعوا منهم ألفين تحت زرب عظيم وثيق، وتركوهم فيه أيامًا بغير طعام، وحصروهم فيه، ثم أخرجوهم وقد ضعفوا من الجوع وقتلوهم. فدانت لأبي بكر بن عمر أكثر القبائل وقويت شوكته. وكان عبد الله يبث فيهم العلم والسنة، ويقرئهم القرآن، فنشأ حوله جماعة فقهاء وصلحاء. وكان يعظهم ويخوفهم، ويذكر سيرة الصحابة وأخلاقهم، وكثر الدين والخير في أهل الصحراء. وأما الجوهر فإنه أخلصهم عقيدة، وأكثرهم صومًا وتهجدًا، فلما رأى أن أبا بكر استبد بالأمر، وأن عبد الله بن ياسين ينفذ الأمور بالسنة، بقي الجوهر لا حكم له، فداخله الهوى والحسد، وشرع سرا في إفساد الأمر. فعلم بذلك منه، وعقدوا له مجلسًا وثبت ما قيل عنه، فحكم فيه بأنه يجب عليه القتل، لأنه شق العصا، فقال: وأنا أحب لقاء الله. فاغتسل وصلى ركعتين، وتقدم فضربت عنقه. وكثرت طائفة المرابطين، وتتبعوا من خالفهم في القبائل قتلًا ونهبًا وسبيًا إلا من أسلم، وبلغت الأخبار إلى الفقيه بما فعل عبد الله بن ياسين فعظم ذلك عليه وندم، وكتب إليه ينكر عليه كثرة القتل والسبي، فأجابه: أما إنكارك علي ما فعلت وندامتك على إرسالي، فإنك أرسلتني إلى أمة كانوا جاهلية يخرج أحدهم ابنه وابنته لرعي السوام، فتأتي البنت حاملًا من أخيها، فلا ينكرون ذلك، وما دأبهم إلا إغارة بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا. ففعلت وفعلت وما تجاوزت حكم الله، والسلام.

стр. 9662

وفي سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم وماتت مواشيهم، فأمر عبد الله بن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السوس، وأخذ الزكاة، فخرج منهم نحو سبعمائة رجل، فقدموا سجلماسة، وسألوا أهلها الزكاة، وقالوا: نحن قوم مرابطون خرجنا إليكم نطلب حق الله من أموالكم. فجمعوا لهم مالًا ورجعوا به. ثم إن الصحراء ضاقت بهم، وأرادوا إظهار كلمة الحق، وأن يسيروا إلى الأندلس للجهاد، فخرجوا إلى السوس الأقصى، فاجتمع لهم أهل السوس وقاتلوهم فهزموهم، وقتل عبد الله بن ياسين. وهرب أبو بكر بن عمر إلى الصحراء، فجمع جيشًا وطلب بلاد السوس في ألفي راكب، فاجتمعت لحربه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس، فأرسل إليهم رسلًا، وقال: افتحوا لنا الطريق فما قصدنا إلا غزو المشركين. فأبوا عليه واستعدوا للحرب، فنزل أبو بكر وصلى الظهر على درقته وقال: اللهم إن كنا على الحق فانصرنا عليهم، وإن كنا على باطل فأرحنا بالموت. ثم ركب والتقوا فهزمهم، واستباح أبو بكر أسلابهم وأموالهم وعددهم، وقويت نفسه. ثم تمادى إلى سجلماسة فنزل عليها، وطلب من أهلها الزكاة، فقالوا لهم: إنما أتيتمونا في عدد قليل فوسعكم ذلك، وضعفاؤنا كثير، وما هذه حالة من يطلب الزكاة بالسلاح والخيل، وإنما أنتم محتالون، ولو أعطيناكم أموالنا ما عمتكم. وبرز إليهم مسعود صاحب سجلماسة بجيشه، فحاربوه، وطالت بينهم الحرب. ثم ساروا إلى جبل هناك، فاجتمع إليهم خلق من كرونة، فزحفوا إلى سجلماسة وحاربوا مسعود بن واروالي إلى أن قتل، ودخلوا سجلماسة وملكوها، فاستخلف عليها أبو بكر بن عمر يوسف بن تاشفين اللمتوني، أحد بني عمه، فأحسن السيرة في الرعية، ولم يأخذ منهم شيئًا سوى الزكاة. وكان فتحها في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ورجع أبو بكر إلى الصحراء فأقام بها مدة. ثم قدم سجلماسة، فأقام بها سنة وخطب بها لنفسه، ثم استخلف عليها ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن عمر، وجهز جيشًا عليهم يوسف بن تاشفين إلى السوس فافتتحه. وكان يوسف دينًا حازمًا مجربًا، داهية، سائسًا.

стр. 9663

وفي سنة اثنتين وستين توفي أبو بكر بن عمر بالصحراء، وتملك بعده يوسف، ولم يختلف عليه اثنان، وامتدت أيامه، وافتتح الأندلس، وبقي إلى سنة خمسمائة. وأول من كان فيهم الملك صنهاجة ثم كتامة ثم لمتونة، ثم مصمودة، ثم زناتة. وذكر ابن دريد وغيره أن كتامة، ولمتونة، ومصمودة، وهوارة من حمير، وما سواهم من البربر، وبربر هو من ولد قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم ﵈. ومن أمهات قبائل البربر: مليلة، وزنارة، ولواتة، وزواوة، وهوارة، وزويلة، وعفجومة، ومرطة، وغمارة. ويقال: إن دار البربر كانت فلسطين، وملكهم جالوت، فلما قتله داود ﵇ جلت البربر إلى المغرب، وتفرقوا هناك في البرية والجبال، ونزلت لواتة أرض برقة، ونزلت هوارة أرض طرابلس، وانتشرت البربر إلى السوس الأقصى، وطول أراضيهم نحو من ألف فرسخ، والله أعلم (١).

стр. 9664

سنة ثلاث وستين وأربعمائة ٦٠ - أحمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن الأزهر النيسابوري الشروطي، أبو حامد الأزهري. من أولاد المحدثين. سمع من أبي محمد المخلدي، وأبي سعيد بن حمدون، والخفاف. وأصوله صحيحة؛ روى عنه زاهر ووجيه ابنا الشحامي، وعبد الغافر بن إسماعيل وآخرون. توفي في رجب. وولد في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وله خبرة بالشروط. ٦١ - أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (١). أحد الحفاظ الأعلام، ومن ختم به تقان هذا الشأن. وصاحب التصانيف المنتشرة في البلدان. ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان أبوه أبو الحسن الخطيب قد قرأ على أبي حفص الكتاني، وصار خطيب قرية درزيجان، إحدى قرى العراق، فحض ولده أبا بكر على السماع في صغره، فسمع وله إحدى عشرة سنة، ورحل إلى البصرة وهو ابن عشرين سنة، ورحل إلى نيسابور وهو ابن ثلاث وعشرين سنة. ثم رحل إلى أصبهان. ثم رحل في الكهولة إلى الشام، فسمع أبا عمر بن مهدي الفارسي، وابن الصلت الأهوازي، وأبا الحسين ابن المتيم، وأبا الحسن بن رزقويه، وأبا سعد الماليني، وأبا الفتح بن أبي الفوارس، وهلال بن محمد الحفار، وأبا الحسين بن بشران، وأبا طالب محمد بن الحسين بن بكير، والحسين بن الحسن الجواليقي الراوي عن محمد بن مخلد العطار، وأبا إسحاق إبراهيم بن مخلد الباقرحي، وأبا الحسن محمد بن عمر البلدي المعروف بابن الحطراني، والحسين بن محمد العكبري الصائغ،

стр. 9665

وأبا العلاء محمد بن الحسن الوراق، وأممًا سواهم ببغداد. وأبا عمر القاسم بن جعفر الهاشمي راوي السنن، وعلي بن القاسم الشاهد، والحسن بن علي السابوري، وجماعة بالبصرة. وأبا بكر أحمد ابن الحسن الحيري، وأبا حازم عمر بن أحمد العبدويي، وأبا سعيد محمد بن موسى الصيرفي، وعلي بن محمد بن محمد الطرازي، وأبا القاسم عبد الرحمن السراج، وجماعة من أصحاب الأصم فمن بعده بنيسابور. وأبا الحسن علي بن يحيى بن عبدكويه، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، وأبا نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، وأبا عبد الله الجمال، وطائفة بأصبهان. وأبا نصر أحمد بن الحسين الكسار، وجماعة بالدينور. ومحمد بن عيسى، وجماعة بهمذان. وسمع بالكوفة، والري، والحجاز، وغير ذلك. وقدم دمشق في سنة خمس وأربعين ليحج منها، فسمع بها أبا الحسين محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر، وأبا علي الأهوازي، وخلقًا كثيرًا حتى سمع بها عامة رواة عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي، لأنه سكنها مدة. وتوجه إلى الحج من دمشق فحج، ثم قدمها سنة إحدى وخمسين فسكنها، وأخذ يصنف في كتبه، وحدث بها بعامة تواليفه. روى عنه من شيوخه: أبو بكر البرقاني، وأبو القاسم الأزهري، وغيرهما. ومن أقرانه خلق منهم: عبد العزيز بن أحمد الكتاني، وأبو القاسم بن أبي العلاء. وممن روى هو عنه في تصانيفه فرووا عنه نصر المقدسي الفقيه، وأبو الفضل أحمد بن خيرون، وأبو عبد الله الحميدي، وغيرهم. وروى عنه الأمير أبو نصر علي بن ماكولا، وعبد الله بن أحمد السمرقندي، وأبو الحسين ابن الطيوري، ومحمد بن مرزوق الزعفراني، وأبو بكر ابن الخاضبة، وأبو الغنائم أبي النرسي. وفي أصحابه الحفاظ كثرة، فضلًا عن الرواة. قال الحافظ ابن عساكر (١): حدثنا عنه أبو القاسم النسيب، وأبو محمد بن الأكفاني، وأبو الحسن بن قبيس، ومحمد بن علي بن أبي العلاء، والفقيه نصر الله بن محمد اللاذقي، وأبو تراب حيدرة، وغيث الأرمنازي، وأبو طاهر
следующие страницы →