وأميرًا. فقال له الجوهر: أنت الأمير. قال: لا يمكنني هذا، أنا حامل أمانة الشرع، ولكن كن أنت الأمير. قال: لو فعلت هذا تسلطت قبيلتي على الناس وعاثوا، فيكون وزر ذلك علي. قال له: فهذا أبو بكر بن عمر رأس لمتونة، وهو جليل القدر، محمود السيرة، مطاع في قومه، فسر إليه واعرض عليه الإمرة، والله المستعان.
فبايعوا أبا بكر، وعقدوا له راية، وسماه عبد الله أمير المسلمين. وقام حوله طائفة من جدالة وطائفة من قومه. وحضهم ابن ياسين على الجهاد وسماهم المرابطين. فتألبت عليهم أحزاب الصحراء من أهل الشر والفساد، وجيشوا لحربهم، فلم يناجزوهم القتال، بل تلطف عبد الله بن ياسين وأبو بكر واستمالوهم، وبقي قوم أشرار، فتحيلوا عليهم حتى جمعوا منهم ألفين تحت زرب عظيم وثيق، وتركوهم فيه أيامًا بغير طعام، وحصروهم فيه، ثم أخرجوهم وقد ضعفوا من الجوع وقتلوهم. فدانت لأبي بكر بن عمر أكثر القبائل وقويت شوكته.
وكان عبد الله يبث فيهم العلم والسنة، ويقرئهم القرآن، فنشأ حوله جماعة فقهاء وصلحاء. وكان يعظهم ويخوفهم، ويذكر سيرة الصحابة وأخلاقهم، وكثر الدين والخير في أهل الصحراء. وأما الجوهر فإنه أخلصهم عقيدة، وأكثرهم صومًا وتهجدًا، فلما رأى أن أبا بكر استبد بالأمر، وأن عبد الله بن ياسين ينفذ الأمور بالسنة، بقي الجوهر لا حكم له، فداخله الهوى والحسد، وشرع سرا في إفساد الأمر. فعلم بذلك منه، وعقدوا له مجلسًا وثبت ما قيل عنه، فحكم فيه بأنه يجب عليه القتل، لأنه شق العصا، فقال: وأنا أحب لقاء الله. فاغتسل وصلى ركعتين، وتقدم فضربت عنقه.
وكثرت طائفة المرابطين، وتتبعوا من خالفهم في القبائل قتلًا ونهبًا وسبيًا إلا من أسلم، وبلغت الأخبار إلى الفقيه بما فعل عبد الله بن ياسين فعظم ذلك عليه وندم، وكتب إليه ينكر عليه كثرة القتل والسبي، فأجابه: أما إنكارك علي ما فعلت وندامتك على إرسالي، فإنك أرسلتني إلى أمة كانوا جاهلية يخرج أحدهم ابنه وابنته لرعي السوام، فتأتي البنت حاملًا من أخيها، فلا ينكرون ذلك، وما دأبهم إلا إغارة بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا. ففعلت وفعلت وما تجاوزت حكم الله، والسلام.
стр. 9662
وفي سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم وماتت مواشيهم، فأمر عبد الله بن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السوس، وأخذ الزكاة، فخرج منهم نحو سبعمائة رجل، فقدموا سجلماسة، وسألوا أهلها الزكاة، وقالوا: نحن قوم مرابطون خرجنا إليكم نطلب حق الله من أموالكم. فجمعوا لهم مالًا ورجعوا به.
ثم إن الصحراء ضاقت بهم، وأرادوا إظهار كلمة الحق، وأن يسيروا إلى الأندلس للجهاد، فخرجوا إلى السوس الأقصى، فاجتمع لهم أهل السوس وقاتلوهم فهزموهم، وقتل عبد الله بن ياسين. وهرب أبو بكر بن عمر إلى الصحراء، فجمع جيشًا وطلب بلاد السوس في ألفي راكب، فاجتمعت لحربه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس، فأرسل إليهم رسلًا، وقال: افتحوا لنا الطريق فما قصدنا إلا غزو المشركين. فأبوا عليه واستعدوا للحرب، فنزل أبو بكر وصلى الظهر على درقته وقال: اللهم إن كنا على الحق فانصرنا عليهم، وإن كنا على باطل فأرحنا بالموت.
ثم ركب والتقوا فهزمهم، واستباح أبو بكر أسلابهم وأموالهم وعددهم، وقويت نفسه.
ثم تمادى إلى سجلماسة فنزل عليها، وطلب من أهلها الزكاة، فقالوا لهم: إنما أتيتمونا في عدد قليل فوسعكم ذلك، وضعفاؤنا كثير، وما هذه حالة من يطلب الزكاة بالسلاح والخيل، وإنما أنتم محتالون، ولو أعطيناكم أموالنا ما عمتكم. وبرز إليهم مسعود صاحب سجلماسة بجيشه، فحاربوه، وطالت بينهم الحرب. ثم ساروا إلى جبل هناك، فاجتمع إليهم خلق من كرونة، فزحفوا إلى سجلماسة وحاربوا مسعود بن واروالي إلى أن قتل، ودخلوا سجلماسة وملكوها، فاستخلف عليها أبو بكر بن عمر يوسف بن تاشفين اللمتوني، أحد بني عمه، فأحسن السيرة في الرعية، ولم يأخذ منهم شيئًا سوى الزكاة. وكان فتحها في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
ورجع أبو بكر إلى الصحراء فأقام بها مدة. ثم قدم سجلماسة، فأقام بها سنة وخطب بها لنفسه، ثم استخلف عليها ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن عمر، وجهز جيشًا عليهم يوسف بن تاشفين إلى السوس فافتتحه.
وكان يوسف دينًا حازمًا مجربًا، داهية، سائسًا.
стр. 9663
وفي سنة اثنتين وستين توفي أبو بكر بن عمر بالصحراء، وتملك بعده يوسف، ولم يختلف عليه اثنان، وامتدت أيامه، وافتتح الأندلس، وبقي إلى سنة خمسمائة.
وأول من كان فيهم الملك صنهاجة ثم كتامة ثم لمتونة، ثم مصمودة، ثم زناتة.
وذكر ابن دريد وغيره أن كتامة، ولمتونة، ومصمودة، وهوارة من حمير، وما سواهم من البربر، وبربر هو من ولد قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم ﵈. ومن أمهات قبائل البربر: مليلة، وزنارة، ولواتة، وزواوة، وهوارة، وزويلة، وعفجومة، ومرطة، وغمارة.
ويقال: إن دار البربر كانت فلسطين، وملكهم جالوت، فلما قتله داود ﵇ جلت البربر إلى المغرب، وتفرقوا هناك في البرية والجبال، ونزلت لواتة أرض برقة، ونزلت هوارة أرض طرابلس، وانتشرت البربر إلى السوس الأقصى، وطول أراضيهم نحو من ألف فرسخ، والله أعلم (١).
стр. 9664
سنة ثلاث وستين وأربعمائة
٦٠ - أحمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن الأزهر النيسابوري الشروطي، أبو حامد الأزهري.
من أولاد المحدثين. سمع من أبي محمد المخلدي، وأبي سعيد بن حمدون، والخفاف.
وأصوله صحيحة؛ روى عنه زاهر ووجيه ابنا الشحامي، وعبد الغافر بن إسماعيل وآخرون.
توفي في رجب. وولد في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وله خبرة بالشروط.
٦١ - أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (١).
أحد الحفاظ الأعلام، ومن ختم به تقان هذا الشأن. وصاحب التصانيف المنتشرة في البلدان.
ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان أبوه أبو الحسن الخطيب قد قرأ على أبي حفص الكتاني، وصار خطيب قرية درزيجان، إحدى قرى العراق، فحض ولده أبا بكر على السماع في صغره، فسمع وله إحدى عشرة سنة، ورحل إلى البصرة وهو ابن عشرين سنة، ورحل إلى نيسابور وهو ابن ثلاث وعشرين سنة. ثم رحل إلى أصبهان. ثم رحل في الكهولة إلى الشام، فسمع أبا عمر بن مهدي الفارسي، وابن الصلت الأهوازي، وأبا الحسين ابن المتيم، وأبا الحسن بن رزقويه، وأبا سعد الماليني، وأبا الفتح بن أبي الفوارس، وهلال بن محمد الحفار، وأبا الحسين بن بشران، وأبا طالب محمد بن الحسين بن بكير، والحسين بن الحسن الجواليقي الراوي عن محمد بن مخلد العطار، وأبا إسحاق إبراهيم بن مخلد الباقرحي، وأبا الحسن محمد بن عمر البلدي المعروف بابن الحطراني، والحسين بن محمد العكبري الصائغ،
стр. 9665
وأبا العلاء محمد بن الحسن الوراق، وأممًا سواهم ببغداد. وأبا عمر القاسم بن جعفر الهاشمي راوي السنن، وعلي بن القاسم الشاهد، والحسن بن علي السابوري، وجماعة بالبصرة. وأبا بكر أحمد ابن الحسن الحيري، وأبا حازم عمر بن أحمد العبدويي، وأبا سعيد محمد بن موسى الصيرفي، وعلي بن محمد بن محمد الطرازي، وأبا القاسم عبد الرحمن السراج، وجماعة من أصحاب الأصم فمن بعده بنيسابور. وأبا الحسن علي بن يحيى بن عبدكويه، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، وأبا نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، وأبا عبد الله الجمال، وطائفة بأصبهان. وأبا نصر أحمد بن الحسين الكسار، وجماعة بالدينور. ومحمد بن عيسى، وجماعة بهمذان. وسمع بالكوفة، والري، والحجاز، وغير ذلك.
وقدم دمشق في سنة خمس وأربعين ليحج منها، فسمع بها أبا الحسين محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر، وأبا علي الأهوازي، وخلقًا كثيرًا حتى سمع بها عامة رواة عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي، لأنه سكنها مدة. وتوجه إلى الحج من دمشق فحج، ثم قدمها سنة إحدى وخمسين فسكنها، وأخذ يصنف في كتبه، وحدث بها بعامة تواليفه.
روى عنه من شيوخه: أبو بكر البرقاني، وأبو القاسم الأزهري، وغيرهما. ومن أقرانه خلق منهم: عبد العزيز بن أحمد الكتاني، وأبو القاسم بن أبي العلاء. وممن روى هو عنه في تصانيفه فرووا عنه نصر المقدسي الفقيه، وأبو الفضل أحمد بن خيرون، وأبو عبد الله الحميدي، وغيرهم.
وروى عنه الأمير أبو نصر علي بن ماكولا، وعبد الله بن أحمد السمرقندي، وأبو الحسين ابن الطيوري، ومحمد بن مرزوق الزعفراني، وأبو بكر ابن الخاضبة، وأبو الغنائم أبي النرسي. وفي أصحابه الحفاظ كثرة، فضلًا عن الرواة.
قال الحافظ ابن عساكر (١): حدثنا عنه أبو القاسم النسيب، وأبو محمد بن الأكفاني، وأبو الحسن بن قبيس، ومحمد بن علي بن أبي العلاء، والفقيه نصر الله بن محمد اللاذقي، وأبو تراب حيدرة، وغيث الأرمنازي، وأبو طاهر
стр. 9666
ابن الجرجرائي، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل، وبركات النجاد، وأبو الحسن بن سعيد، وأبو المعالي ابن الشعيري، بدمشق. والقاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو القاسم ابن السمرقندي، وأبو السعادات أحمد المتوكلي، وأبو القاسم هبة الله الشروطي، وأبو بكر المزرفي، وأحمد بن عبد الواحد بن زريق، وأبو السعود ابن المجلي، وأبو منصور عبد الرحمن بن زريق الشيباني، وأبو منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون، وبدر بن عبد الله الشيحي ببغداد. ويوسف بن أيوب الهمذاني، بمرو.
قلت: وكان من كبار فقهاء الشافعية. تفقه على أبي الحسن ابن المحاملي، وعلى القاضي أبي الطيب.
وقال ابن عساكر (١): أخبرنا أبو منصور بن خيرون قال: حدثنا الخطيب قال: ولدت في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وأول ما سمعت في المحرم سنة ثلاث وأربعمائة.
وقال: استشرت البرقاني في الرحلة إلى ابن النحاس بمصر، أو أخرج إلى نيسابور إلى أصحاب الأصم، فقال: إنك إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، إن فاتك ضاعت رحلتك. وإن خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة، إن فاتك واحد أدركت من بقي. فخرجت إلى نيسابور.
وقال الخطيب في تاريخه (٢): كنت كثيرًا أذاكر البرقاني بالأحاديث، فيكتبها عني ويضمنها جموعه. وحدث عني وأنا أسمع، وفي غيبتي. ولقد حدثني عيسى بن أحمد الهمذاني، قال: أخبرنا أبو بكر الخوارزمي في سنة عشرين وأربعمائة، قال: حدثنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، قال: حدثنا محمد بن موسى الصيرفي، قال: حدثنا الأصم، فذكر حديثًا.
وقال ابن ماكولا (٣): كان أبو بكر آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظًا وإتقانًا وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ ، وتفننًا في علله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه، وغريبه، وفرده، ومنكره، ومطروحه. قال: ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن الدارقطني مثله. وسألت أبا عبد الله الصوري عن الخطيب وعن
стр. 9667
أبي نصر السجزي أيهما أحفظ؟ ففضل الخطيب تفضيلًا بينًا.
وقال المؤتمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من أبي بكر الخطيب.
وقال أبو علي البرداني: لعل الخطيب لم ير مثل نفسه.
روى القولين الحافظ ابن عساكر في ترجمته، عن أخيه أبي الحسين هبة الله، عن أبي طاهر السلفي، عنهما (١).
وقال في ترجمته (٢): سمعت محمود بن يوسف القاضي بتفليس يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآباذي يقول: أبو بكر الخطيب يشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه.
وقال أبو الفتيان عمر الرؤاسي: كان الخطيب إمام هذه الصنعة، ما رأيت مثله.
وقال أبو القاسم النسيب: سمعت الخطيب يقول: كتب معي أبو بكر البرقاني كتابًا إلى أبي نعيم يقول فيه: وقد رحل إلى ما عندك أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أيده الله وسلمه ليقتبس من علومك، وهو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابت. وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورع والتحفظ، ما يحسن لديك موقعه.
وقال عبد العزيز الكتاني: إنه، يعني الخطيب، أسمع الحديث وهو ابن عشرين سنة. وكتب عنه شيخه أبو القاسم عبيد الله الأزهري في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وكتب عنه شيخه البرقاني سنة تسع عشرة، وروى عنه. وكان قد علق الفقه عن أبي الطيب الطبري، وأبي نصر ابن الصباغ. وكان يذهب إلى مذهب أبي الحسن الأشعري ﵀.
قلت: مذهب الخطيب في الصفات أنها تمر كما جاءت؛ صرح بذلك في تصانيفه.
стр. 9668
وقال أبو سعد ابن السمعاني في الذيل في ترجمته: كان مهيبًا، وقورًا، ثقة، متحريًا، حجة، حسن الخط، كثير الضبط، فصيحًا، ختم به الحفاظ.
وقال: رحل إلى الشام حاجًا، فسمع بدمشق، وصور، ومكة، ولقي بها أبا عبد الله القضاعي، وقرأ صحيح البخاري في خمسة أيام على كريمة المروزية، ورجع إلى بغداد، ثم خرج منها بعد فتنة البساسيري، لتشوش الحال، إلى الشام سنة إحدى وخمسين، فأقام بها إلى صفر سنة سبع (١) وخمسين. وخرج من دمشق إلى صور، فأقام بصور، وكان يزور البيت المقدس ويعود إلى صور، إلى سنة اثنتين وستين وأربعمائة، فتوجه إلى طرابلس، ثم إلى حلب، ثم إلى بغداد على الرحبة، ودخل بغداد في ذي الحجة. وحدث في طريقه بحلب، وغيرها.
سمعت (٢) الخطيب مسعود بن محمد بمرو يقول: سمعت الفضل بن عمر النسوي يقول: كنت بجامع صور عند أبي بكر الخطيب، فدخل عليه علوي وفي كمه دنانير فقال: هذا الذهب تصرفه في مهماتك. فقطب وجهه وقال: لا حاجة لي فيه. فقال: كأنك تستقله؟ ونفض كمه على سجادة الخطيب، فنزلت الدنانير، فقال: هذه ثلاثمائة دينار. فقام الخطيب خجلًا محمرًا وجهه وأخذ سجادته ورمى الدنانير وراح، فما أنسى عز خروجه، وذل ذلك العلوي وهو يلتقط الدنانير من شقوق الحصير.
وقال الحافظ ابن ناصر: حدثني أبو زكريا التبريزي اللغوي قال: دخلت دمشق فكنت أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتب الأدب المسموعة له، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إلي وقال: أحببت أن أزورك في بيتك. فتحدثنا ساعة، ثم أخرج ورقة وقال: الهدية مستحبة، اشتر بهذا أقلامًا ونهض. قال: فإذا هي خمسة دنانير مصرية. ثم صعد مرة أخرى، ووضع نحوًا من ذلك، وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع. وكان يقرأ معربًا صحيحًا.
وقال أبو سعد: سمعت على ستة عشر نفسا من أصحابه سمعوا منه
стр. 9669
ببغداد، سوى نصر الله المصيصي فإنه سمع منه بصور، وسوى يحيى بن علي الخطيب، سمع منه بالأنبار. وقرأت بخط والدي: سمعت أبا محمد ابن الآبنوسي يقول: سمعت الخطيب يقول: كلما ذكرت في التاريخ في رجل اختلفت فيه أقاويل الناس في الجرح والتعديل، فالتعويل على ما أخرت ذكره من ذلك، وختمت به الترجمة.
وقال ابن شافع في تاريخه: خرج الخطيب إلى الشام في صفر سنة إحدى وخمسين، وقصد صور، وبها عز الدولة الموصوف بالكرم، وتقرب منه، فانتفع به، وأعطاه مالًا كثيرًا. انتهى إليه الحفظ والإتقان والقيام بعلوم الحديث.
وقال ابن عساكر (١): سمعت الحسين بن محمد يحكي عن أبي الفضل بن خيرون أو غيره، أن أبا بكر الخطيب ذكر أنه لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله تعالى ثلاث حاجات، أخذًا بقول رسول الله ﷺ : ماء زمزم لما شرب له. فالحاجة الأولى أن يحدث بتاريخ بغداد ببغداد، والثانية أن يملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة أن يدفن عند بشر الحافي، فقضى الله الحاجات الثلاث له.
وقال غيث الأرمنازي: حدثنا أبو الفرج الإسفراييني، قال: كان الخطيب معنا في الحج، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب قراءة ترتيل. ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون: حدثنا. فيحدثهم. أو كما قال.
وقال المؤتمن الساجي: سمعت عبد المحسن الشيحي يقول: كنت عديل أبي بكر الخطيب من دمشق إلى بغداد، فكان له في كل يوم وليلة ختمة.
وقال الحافظ أبو سعد ابن السمعاني: وله ستة وخمسون مصنفًا، منها: التاريخ لمدينة السلام في مائة وستة أجزاء (٢)، شرف أصحاب الحديث
стр. 9670
ثلاثة أجزاء، الجامع (١) خمسة عشر جزءًا، الكفاية في معرفة الرواية ثلاثة عشر جزءًا، كتاب السابق واللاحق عشرة أجزاء، كتاب المتفق والمفترق ثمانية عشر جزءًا، كتاب تلخيص المتشابه ستة عشر جزءًا، كتاب تالي التلخيص أجزاء، كتاب الفصل للوصل والمدرج في النقل تسعة أجزاء، كتاب المكمل في المهمل ثمانية أجزاء، كتاب غنية المقتبس في تمييز الملتبس، كتاب من وافقت كنيته اسم أبيه ثلاثة أجزاء، كتاب الأسماء المبهمة مجلد، كتاب الموضح أربعة عشر جزءًا، كتاب من حدث ونسي جزء، كتاب التطفيل ثلاثة أجزاء، كتاب القنوت ثلاثة أجزاء، كتاب الرواة عن مالك ستة أجزاء، كتاب الفقيه والمتفقه اثنا عشر جزءًا، كتاب تمييز متصل الأسانيد ثمانية أجزاء، كتاب الحيل ثلاثة أجزاء، الأسماء المبهمة جزء، كتاب الآباء عن الأبناء جزء، الرحلة جزء، مسألة الاحتجاج بالشافعي جزء، كتاب البخلاء أربعة أجزاء، كتاب المؤتنف لتكملة المؤتلف والمختلف، كتاب مبهم المراسيل ثلاثة أجزاء، كتاب أن البسملة من الفاتحة، كتاب الجهر بالبسملة جزءان، كتاب مقلوب الأسماء والأنساب، كتاب صحة العمل باليمين مع الشاهد، كتاب أسماء المدلسين، كتاب اقتضاء العلم العمل جزء، كتاب تقييد العلم ثلاثة أجزاء، كتاب القول في علم النجوم جزء، كتاب روايات الصحابة عن التابعين جزء، صلاة التسبيح جزء، مسند نعيم بن همار جزء، النهي عن صوم يوم الشك جزء، الإجازة للمعدوم والمجهول جزء، روايات الستة من التابعين بعضهم عن بعض. وذكر تصانيف أخر، قال: فهذا ما انتهى إلينا من تصانيفه.
وقد قال الخطيب في تاريخه في ترجمة الحيري إسماعيل بن أحمد النيسابوري الضرير (٢): حج وحدث ونعم الشيخ كان. ولما حج كان معه حمل كتب ليجاور، وكان في جملة كتبه صحيح البخاري، سمعه من الكشميهني، فقرأت عليه جميعه في ثلاثة مجالس. وقد سقنا هذا في سنة ثلاثين في ترجمة
стр. 9671
الحيري، وهذا شيء لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه.
وقد قال ابن النجار في تاريخه: وجدت فهرست مصنفات الخطيب وهي نيف وستون مصنفًا، فنقلت أسماء الكتب التي ظهرت منها، وأسقطت ما لم يوجد، فإن كتبه احترقت بعد موته، وسلم أكثرها. ثم سرد ابن النجار أسماءها، وقد ذكرنا أكثرها آنفًا، ومما لم نذكره: كتاب معجم الرواة عن شعبة ثمانية أجزاء، كتاب المؤتلف والمختلف أربعة وعشرون جزءًا، حديث محمد بن سوقة أربعة أجزاء، المسلسلات ثلاثة أجزاء، الرباعيات ثلاثة أجزاء، طرق قبض العلم ثلاثة أجزاء، غسل الجمعة ثلاثة أجزاء، الإجازة للمجهول جزء.
وفيها يقول الحافظ السلفي:
تصانيف ابن ثابت الخطيب … ألذ من الصبا الغض الرطيب
يراها إذ رواها من حواها … رياضا للفتى اليقظ اللبيب
ويأخذ حسن ما قد صاغ منها … بقلب الحافظ الفطن الأريب
فأية راحة ونعيم عيش … يوازي كتبها بل أي طيب؟
أنشدناها أبو الحسين اليونيني، عن أبي الفضل الهمذاني، عن السلفي. وقد رواها أبو سعد ابن السمعاني في تاريخه، عن يحيى بن سعدون القرطبي، عن السلفي، فكأني سمعتها منه.
وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمذاني في تاريخه: وفيها توفي أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت المحدث. ومات هذا العلم بوفاته. وقد كان رئيس الرؤساء، تقدم إلى الخطباء والوعاظ أن لا يرووا حديثًا حتى يعرضوه عليه، فما صححه أوردوه، وما رده لم يذكروه. وأظهر بعض اليهود كتابًا ادعى أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة، وذكروا أن خط علي ﵁ فيه، وحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء فعرضه على الخطيب فتأمله ثم قال: هذا مزور. قيل له: ومن أين قلت ذلك؟ قال: فيه شهادة معاوية وهو أسلم عام الفتح، وفتحت خيبر سنة سبع، وفيها شهادة سعد بن معاذ، ومات يوم بني قريظة قبل فتح خيبر بسنتين، فاستحسن ذلك منه، ولم يجرهم على ما في الكتاب.
стр. 9672
وقال أبو سعد السمعاني: سمعت يوسف بن أيوب الهمذاني يقول: حضر الخطيب درس شيخنا أبي إسحاق، فروى الشيخ حديثًا من رواية بحر بن كنيز السقاء، ثم قال: للخطيب: ما تقول فيه؟ فقال الخطيب: إن أذنت لي ذكرت حاله. فأسند الشيخ ظهره من الحائط، وقعد كالتلميذ، وشرع الخطيب يقول: قال فيه فلان كذا، وقال فيه فلان كذا، وشرح أحواله شرحًا حسنًا، فأثنى الشيخ أبو إسحاق عليه وقال: هو دارقطني عصرنا.
وقال أبو علي البرداني: أخبرنا حافظ وقته أبو بكر الخطيب، وما رأيت مثله، ولا أظنه رأى مثل نفسه.
وقال السلفي: سألت أبا غالب شجاعًا الذهلي، عن الخطيب فقال: إمام مصنف حافظ، لم ندرك مثله.
وقال أبو نصر محمد بن سعيد المؤدب: سمعت أبي يقول: قلت لأبي بكر الخطيب عند لقائي إياه: أنت الحافظ أبو بكر؟ فقال: انتهى الحفظ إلى الدارقطني، أنا أحمد بن علي الخطيب.
وقال ابن الآبنوسي: كان الحافظ الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه.
وقال المؤتمن الساجي: كان الخطيب يقول: من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس.
وقال ابن طاهر في المنثور: حدثنا مكي بن عبد السلام الرميلي قال: كان سبب خروج أبي بكر الخطيب من دمشق إلى صور أنه كان يختلف إليه صبي مليح، سماه مكي، فتكلم الناس في ذلك. وكان أمير البلد رافضيًا متعصبًا، فبلغته القصة، فجعل ذلك سببًا للفتك به، فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله. وكان صاحب الشرطة سنيًا، فقصده تلك الليلة مع جماعة ولم يمكنه أن يخالف الأمير فأخذه، وقال: قد أمرت فيك بكذا وكذا، ولا أجد لك حيلة إلا أني أعبر بك عند دار الشريف ابن أبي الجن العلوي، فإذا حاذيت الباب اقفز وادخل الدار، فإني لا أطلبك، وأرجع إلى الأمير، فأخبره بالقصة. ففعل ذلك، ودخل دار الشريف، فأرسل الأمير إلى الشريف أن يبعث به، فقال: أيها الأمير، أنت تعرف اعتقادي فيه وفي أمثاله، وليس في قتله مصلحة، هذا مشهور بالعراق، إن قتلته قتل به جماعة من
стр. 9673
الشيعة، وخربت المشاهد. قال: فما ترى؟ قال: أرى أن يخرج من بلدك. فأمر بإخراجه، فراح إلى صور، وبقي بها مدة.
قال ابن السمعاني: خرج من دمشق في صفر سنة سبع (١) وخمسين، فقصد صور، وكان يزور منها القدس ويعود، إلى أن سافر سنة اثنتين وستين إلى طرابلس، ومنها إلى حلب، فبقي بها أيامًا، ثم ورد بغداد في أعقاب السنة.
قال ابن عساكر (٢): سعى بالخطيب حسين بن علي الدمنشي إلى أمير الجيوش وقال: هو ناصبي، يروي فضائل الصحابة وفضائل العباس في الجامع.
وقال المؤتمن الساجي: تحاملت الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه. فلما عاد إلى بغداد حدث بالتاريخ ووقع إليه جزء فيه سماع القائم بأمر الله، فأخذ الجزء وحضر إلى دار الخلافة وطلب الإذن في قراءة الجزء. فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث، وليس له في السماع حاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته؟ فسئل، فقال: حاجتي أن يؤذن لي أن أملي بجامع المنصور. فتقدم الخليفة إلى نقيب النقباء بالإذن له في ذلك، فأملى بجامع المنصور. وقد دفن إلى جانب بشر.
وقال ابن طاهر: سألت أبا القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي: هل كان الخطيب كتصانيفه في الحفظ؟ قال: لا، كنا إذا سألناه عن شيء أجابنا بعد أيام. وإن ألححنا عليه غضب. وكانت له بادرة وحشة، ولم يكن حفظه على قدر تصانيفه.
وقال أبو الحسين ابن الطيوري: أكثر كتب الخطيب سوى تاريخ بغداد مستفادة من كتب الصوري. كان الصوري ابتدأ بها، وكانت له أخت بصور خلف أخوها عندها اثني عشر عدلًا من الكتب، فحصل الخطيب من كتبه أشياء. وكان الصوري قد قسم أوقاته في نيف وثلاثين شيئًا.
стр. 9674
أخبرنا أبو علي ابن الخلال، قال: أخبرنا جعفر، قال: أخبرنا السلفي، قال: أخبرنا محمد بن مرزوق الزعفراني، قال: حدثنا الحافظ أبو بكر الخطيب قال: أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها. وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته الله تعالى، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلوم أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: لله يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ و ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
وقال الحافظ ابن النجار في ترجمة الخطيب: ولد بقرية من أعمال نهر الملك، وكان أبوه يخطب بدرزيجان، ونشأ هو ببغداد، وقرأ القرآن بالروايات، وتفقه على الطبري، وعلق عنه شيئا من الخلاف. إلى أن قال: وروى عنه أبو منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون، وأبو سعد أحمد بن محمد الزوزني، ومفلح بن أحمد الدومي، والقاضي محمد بن عمر الأرموي وهو آخر من حدث عنه.
قلت: يعني بالسماع. وآخر من حدث عنه بالإجازة مسعود الثقفي.
وخط الخطيب خط مليح، كثير الشكل والضبط، وقد قرأت بخطه: أخبرنا علي بن محمد السمسار، قال: أخبرنا محمد بن المظفر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحجاج، قال: حدثنا جعفر بن نوح، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: ما عزت النية في الحديث إلا لشرفه.
стр. 9675
وقال أبو منصور علي بن علي الأمين: لما رجع الخطيب من الشام كانت له ثروة من الثياب والذهب، وما كان له عقب، فكتب إلى القائم بأمر الله: إني إذا مت يكون مالي لبيت المال، فأذن لي حتى أفرق مالي على من شئت. فأذن له، ففرقها على المحدثين.
وقال الحافظ ابن ناصر: أخبرتني أمي أن أبي حدثها قال: كنت أدخل على الخطيب وأمرضه، فقلت له يومًا: يا سيدي، إن أبا الفضل بن خيرون لم يعطني شيئًا من الذهب الذي أمرته أن يفرقه على أصحاب الحديث. فرفع الخطيب رأسه من المخدة وقال: خذ هذه الخرقة بارك الله لك فيها. فكان فيها أربعون دينارًا. فأنفقتها مدة في طلب العلم.
وقال مكي الرميلي: مرض الخطيب ببغداد في رمضان في نصفه، إلى أن اشتد به الحال في غرة ذي الحجة، وأوصى إلى أبي الفضل بن خيرون، ووقف كتبه على يده، وفرق جميع ماله في وجوه البر وعلى المحدثين، وتوفي رابع ساعة من يوم الاثنين سابع ذي الحجة، ثم أخرج بكرة الثلاثاء وعبروا به إلى الجانب الغربي، وحضره القضاة والأشراف والخلق، وتقدمهم القاضي أبو الحسين ابن المهتدي بالله، فكبر عليه أربعًا، ودفن بجنب بشر الحافي.
وقال ابن خيرون: مات ضحوة الاثنين ودفن بباب حرب، وتصدق بماله وهو مائتا دينار، وأوصى بأن يتصدق بجميع ثيابه، ووقف جميع كتبه وأخرجت جنازته من حجرة تلي النظامية في نهر معلى، وتبعه الفقهاء والخلق، وحملت جنازته إلى جامع المنصور، وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يذب عن رسول الله ﷺ ، هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله ﷺ ، وهذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله ﷺ . وختم على قبره عدة ختمات.
وقال الكتاني (١): ورد كتاب جماعة أن الحافظ أبا بكر توفي في سابع ذي الحجة، وكان أحد من حمل جنازته الإمام أبو إسحاق الشيرازي، وكان ثقة، حافظًا، متقنًا، متحريًا، مصنفًا.
وقال أبو البركات إسماعيل بن أبي سعد الصوفي: كان الشيخ أبو بكر بن
стр. 9676
زهراء الصوفي، وهو أبو بكر بن علي الطريثيثي الصوفي، برباطنا قد أعد لنفسه قبرًا إلى جانب قبر بشر الحافي، وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة، وينام فيه، ويقرأ فيه القرآن كله. فلما مات أبو بكر الخطيب، وكان قد أوصى أن يدفن إلى جنب قبر بشر الحافي، فجاء أصحاب الحديث إلى أبي بكر بن زهراء وسألوه أن يدفنوا الخطيب في قبره وأن يؤثره به، فامتنع وقال: موضع قد أعددته لنفسي يؤخذ مني؟! فلما رأوا ذلك جاؤوا إلى والدي أبي سعد، وذكروا له ذلك، فأحضر أبا بكر فقال: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن أقول لك لو أن بشرًا الحافي في الأحياء، وأنت إلى جانبه، فجاء أبو بكر الخطيب ليقعد دونك، أكان يحسن بك أن تقعد أعلى منه؟ قال: لا، بل كنت أقوم وأجلسه مكاني. قال: فهكذا ينبغي أن تكون الساعة. قال: فطاب قلبه، وأذن لهم فدفنوه في ذلك القبر.
وقال أبو الفضل بن خيرون: جاءني بعض الصالحين وأخبرني لما مات الخطيب أنه رآه في المنام، فقال له: كيف حالك؟ قال: أنا في روح وريحان وجنة نعيم.
وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن جدا: رأيت بعد موت الخطيب كأن شخصًا قائمًا بحذائي، فأردت أن أسأله عن الخطيب، فقال لي ابتداء: أنزل وسط الجنة حيث يتعارف الأبرار؛ رواها أبو علي البرداني في المنامات، له عن ابن جدا.
وقال غيث الأرمنازي: قال مكي بن عبد السلام: كنت نائمًا ببغداد في ليلة ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وأربعمائة، فرأيت عند السحر كأنا اجتمعنا عند أبي بكر الخطيب في منزله لقراءة التاريخ على العادة، فكأن الخطيب جالس والشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم الفقيه عن يمينه، وعن يمين الفقيه نصر رجل لم أعرفه، فسألت عنه، فقيل: هذا رسول الله ﷺ ، جاء ليسمع التاريخ، فقلت في نفسي: هذه جلالة لأبي بكر، إذ يحضر رسول الله ﷺ مجلسه. وقلت: وهذا رد لقول من يعيب التاريخ، ويذكر أن فيه تحاملا على أقوام.
وقال أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني: حدثني الفقيه الصالح أبو
стр. 9677
علي الحسن بن أحمد البصري قال: رأيت الخطيب في المنام، وعليه ثياب بيض حسان، وعمامة بيضاء، وهو فرحان يبتسم، فلا أدري قلت: ما فعل الله بك؟ أو هو بدأني فقال: غفر الله لي أو رحمني، وكل من يجيء - فوقع لي أنه يعني بالتوحيد - إليه يرحمه أو يغفر له، فأبشروا، وذلك بعد وفاته بأيام.
وقال أبو الخطاب بن الجراح يرثيه:
فاق الخطيب الورى صدقا ومعرفة … وأعجز الناس في تصنيفه الكتبا
حمى الشريعة من غاو يدنسها … بوضعه ونفى التدليس والكذبا
جلا محاسن بغداد فأودعها … تاريخه مخلصا لله محتسبا
وقال في الناس بالقسطاس منحرفا … عن الهوى وأزال الشك والريبا
سقى ثراك أبا بكر على ظمأ … جون ركام تسح الواكف السربا
ونلت فوزا ورضوانا ومغفرة … إذا تحقق وعد الله واقتربا
يا أحمد بن علي طبت مضطجعا … وباء شانيك بالأوزار محتقبا
وقال أبو الحسين ابن الطيوري: أنشدنا أبو بكر الخطيب لنفسه:
تغيب الخلق عن عيني سوى قمر … حسبي من الخلق طرا ذلك القمر
محله في فؤادي قد تملكه … وحاز روحي فما لي عنه مصطبر
والشمس أقرب منه في تناولها … وغاية الحظ منه للورى النظر
وددت تقبيله يوما مخالسة … فصار من خاطري في خده أثر
وكم حليم رآه ظنه ملكا … وردد الفكر فيه أنه بشر
وقال غيث الأرمنازي: أنشدنا أبو بكر الخطيب لنفسه:
إن كنت تبغي الرشاد محضا … لأمر دنياك والمعاد
فخالف النفس في هواها … إن الهوى جامع الفساد
وقال أبو القاسم النسيب: أنشدنا أبو بكر الخطيب لنفسه:
لا تغبطن أخا الدنيا لزخرفها … ولا للذة وقت عجلت فرحا
فالدهر أسرع شيء في تقلبه … وفعله بين للخلق قد وضحا
كم شارب عسلا فيه منيته … وكم تقلد سيفا من به ذبحا
стр. 9678
٦٢ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون، أبو الوليد المخزومي الأندلسي القرطبي، الشاعر المشهور.
قال ابن بسام (١): كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم، أحد من جر الأيام جرًا، وفاق الأنام طرًا، وصرف السلطان نفعًا وضرًا، ووسع البيان نظمًا ونثرًا، إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه، وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم اقترانه، وحظ من النثر غريب المباني، شعري الألفاظ والمعاني. وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة. انتقل عن قرطبة إلى المعتضد ابن عباد صاحب إشبيلية بعد عام أربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه، وبقي معه في صورة وزير.
فمن شعره (٢):
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع … سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعا حظه مني ولو بذلت … لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حملت قلبي ما … لا تستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واستطل أصبر، وعز أهن … وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع
وله (٣):
أيتها النفس إليه اذهبي … فما لقلبي عنه من مذهب
مفضض الثغر له نقطة … من عنبر في خده المذهب
أيأسني التوبة من حبه … طلوعه شمسا من المغرب
وله القصيدة السائرة الباهرة (٤):
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا … شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه … وقد يئسنا فما لليأس يغرينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا … يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
طالت لفقدكم أيامنا فغدت … سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
стр. 9679
بالأمس كنا وما يخشى تفرقنا … واليوم نحن وما يرجى تلاقينا
إذ جانب العيش طلق من تألفنا … ومورد اللهو صاف من تصافينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا … والسعد قد غض من أجفان واشينا
ليسق عهدكم عهد السرور فما … كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
وهي طويلة.
توفي ابن زيدون في رجب بإشبيلية. وولي ابنه أبو بكر وزارة المعتمد بن عباد، وقتل يوم أخذ يوسف بن تاشفين قرطبة من المعتمد سنة أربع وثمانين.
٦٣ - أحمد بن علي بن أحمد بن عقبة الأصبهاني.
يروي عن أبي عبد الله بن منده، وأبي إسحاق بن خرشيذ قولة.
وكان رجلًا صالحًا عفيفًا، مات في المحرم.
٦٤ - أحمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري، أبو طاهر.
توفي بعكبرا.
٦٥ - بدر الفخري، أبو النجم.
عن عثمان بن دوست. سمع منه: شجاع الذهلي، وهبة الله السقطي. وتوفي في رمضان. كان يلزم الخطيب. ذكره في تاريخه (١).
٦٦ - حسان بن سعيد، أبو علي المنيعي المروروذي.
بلغنا أنه من ذرية خالد بن الوليد ﵁. سمع من أبي طاهر بن محمش الزيادي، وأبي القاسم بن حبيب، وأبي الحسن السقاء، وجماعة. روى عنه محيي السنة البغوي، وأبو المظفر عبد المنعم القشيري، ووجيه الشحامي، وعبد الوهاب بن شاه.
وذكره عبد الغافر الفارسي فقال (٢): هو الرئيس أبو علي الحاجي شيخ الإسلام المحمود بالخصال السنية. عم الآفاق بخيره وبره. وكان في شبابه
стр. 9680
تاجرًا، ثم عظم حتى صار من المخاطبين من مجالس السلاطين، لم يستغنوا عن الاعتضاد به وبرأيه، فرغب إلى الخيرات، وأناب إلى التقوى والورع، وبنى المساجد والرباطات، وبنى جامع مدينته مروالروذ. وكان كثير البر والإيثار، يكسو في الشتاء نحوًا من ألف نفس، وسعى في إبطال الأعشار عن البلد، ورفع الوظائف عن القرى. ومن ذلك أنه استدعى صدقة عامة على أهل البلد، غنيهم وفقيرهم، فكان يطوف العاملون على الدور والأبواب، ويعدون سكانها، فيدفع إلى كل واحد خمسة دراهم. وتمت هذه السنة بعد موته. وكان يحيي الليالي بالصلاة، ويصوم الأيام، ويجتهد في العبادة اجتهادًا لا يطيقه أحد. قال: ولو تتبعنا ما ظهر من آثاره وحسناته لعجزنا.
وقال أبو سعد السمعاني (١): حسان بن سعيد بن حسان بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي المنيعي، كان في شبابه يجمع بين الدهقنة والتجارة، وسلك طريق الفتيان حتى ساد أهل ناحيته بالفتوة والمروءة والثروة الوافرة. إلى أن قال: ولما تسلطن سلجوق ظهر أمره، وبنى الجامع بمروالروذ، ثم بنى الجامع الجديد بنيسابور. وبلغني أن عجوزًا جاءته وهو يبنيه، ومعها ثوب يساوي نصف دينار وقالت: سمعت أنك تبني الجامع، فأردت أن يكون لي في البقعة المباركة أثر. فدعا خازنه واستحضر ألف دينار، واشترى بها منها الثوب، وسلم المبلغ إليها، ثم قبضه منها الخازن، وقال له: أنفق هذه الألف منها في عمارة المسجد. وقال: احفظ هذا الثوب لكفني ألقى الله فيه. وكان لا يبالي بأبناء الدنيا ولا يتضعضع لهم. وحكي أن السلطان اجتاز بباب مسجده، فدخل مراعاة له، وكان يصلي، فما قطع صلاته، ولا تكلف حتى أتمها. فقال السلطان: في دولتي من لا يخافني ولا يخاف إلا الله. وحيث وقع القحط في سنة إحدى وستين كان ينصب القدور ويطبخ، ويحضر كل يوم ألف من خبز ويطعم الفقراء. وكان في الخريف يتخذ الجباب والقمص والسراويلات للفقراء، ويجهز بنات الفقراء، ورفع الأعشار من أبواب نيسابور. وكان
стр. 9681
مجتهدًا؛ يقوم الليل، ويصوم النهار ويلبس الخشن من الثياب. توفي يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي القعدة، ﵁.
٦٧ - الحسن بن رشيق، أبو علي الأزدي القيرواني.
شاعر أهل المغرب، ومصنف كتاب العمدة في صناعة الشعر، وكتاب الأنموذج، والرسائل الفائقة، وغير ذلك.
فمن شعره (١):
أحب أخي وإن أعرضت عنه … وقل على مسامعه كلامي
ولي في وجهه تقطيب راض … كما قطبت في وجه المدام
ورب تقطب من غير بغض … وبغض كامن تحت ابتسام
وله:
يا رب لا أقوى على حمل الأذى … وبك استعنت على الضعيف المؤذي
ما لي بعثت إلي ألف بعوضة … وبعثت واحدة إلى نمروذ!
وكان أبوه مملوكًا روميًا ولاؤه للأزد.
ولد أبو علي بالمهدية سنة تسعين وثلاثمائة، ودخل بلد القيراون سنة ست وأربعمائة ومدح ملوكها، ودخل صقلية.
وقيل: توفي سنة ست وخمسين، وسنة ثلاث هذه أصح (٢).
٦٨ - الحسن بن عبد الله، أبو محمد التميمي المطاميري. ثم المكي.
سمع أبا القاسم عبيد الله السقطي، وحدث. ومطامير: قرية بحلوان (٣).
٦٩ - حمد بن أحمد بن عمر بن ولكيز، أبو سهل الصيرفي.
سمع مسند أبي داود السجستاني، أعني السنن، من محمد بن الحسن النيلي في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة (٤)، وأكثر عن ابن منده.
مات في ذي الحجة سنة ثلاث، روى عنه أبو سعد البغدادي.
قال يحيى بن منده: يطعن في اعتقاده.
стр. 9682
٧٠ - سعيد بن أحمد أبو عثمان الخواشتي الهروي. نزيل مرو.
توفي في ربيع الآخر، ومولده في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
٧١ - طاهر بن أحمد بن علي بن محمود، أبو الحسين القايني الفقيه الشافعي. نزيل دمشق.
حدث عن أبي الحسن بن رزقويه، وأبي الحسن الحمامي المقرئ، وأبي طالب يحيى الدسكري، ومنصور بن نصر السمرقندي الكاغدي. روى عنه نصر المقدسي، وأبو طاهر الحنائي، وأبو الحسن ابن الموازيني، وهبة الله ابن الأكفاني ووثقه، وآخرون (١).
٧٢ - عبد الله بن علي بن أبي الأزهر الغافقي، أبو بكر الطليطلي.
حج، وسمع من أبي ذر الهروي، وأبي بكر المطوعي. وكان من أهل المعرفة والذكاء، حمل الناس عنه (٢).
٧٣ - عبد الله بن محمد بن جماهر الحجري الطليطلي.
روى عن أبي عبد الله ابن الفخار، وحج أيضًا فأخذ عن أبي ذر. وكان ﵀، مفتيًا فرضيًا (٣).
٧٤ - عبد الله بن محمد بن عباس، أبو محمد ابن الدباغ القرطبي.
روى عن مكي القيسي، وأبي عبد الله بن عابد. وكان إمامًا دينًا، ورعًا، مشاورًا بقرطبة. توفي في جمادى الآخرة (٤).
٧٥ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سهل الماليني، الفقيه أبو سهل المزكي.
روى عن أبي منصور محمد بن محمد الأزدي، وغيره. توفي في صفر وله ثلاث وسبعون سنة.
٧٦ - عبد الرزاق بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن الفضيل، أبو القاسم الكلاعي الحمصي، ثم الدمشقي.
стр. 9683
سمع عبد الرحمن بن أبي نصر، والمسدد الأملوكي، وعبد الرحمن بن الطبيز. وروى عنه عمر الدهستاني، وهبة الله ابن الأكفاني، وأبو الفضل يحيى بن علي القرشي.
توفي في ربيع الآخر كهلًا (١).
٧٧ - عبد الواحد بن أحمد بن أبي القاسم بن محمد بن داود بن أبي حاتم، أبو عمر المليحي الهروي، محدث هراة في وقته ومسندها.
سمع أبا محمد المخلدي، وأبا الحسين الخفاف، وعبد الرحمن بن أبي شريح، ومحمد بن محمد بن سمعان، وأبا عمرو الفراتي، وأبا حامد النعيمي، وغيرهم. وحدث بالصحيح (٢) عن النعيمي، عن الفربري. روى عنه محيي السنة أبو محمد البغوي، وخلف بن عطاء الماوردي، وإٍسماعيل بن منصور المقرئ، ومحمد بن إسماعيل الفضيلي، وغيرهم.
قال المؤتمن الساجي: كان ثقة صالحًا قديم المولد. سمع البخاري بقراءة أبي الفتح بن أبي الفوارس.
وقال الحسين الكتبي: توفي في جمادى الآخرة، وقال: مولده سنة سبع وستين وثلاثمائة، فعمره ست وتسعون سنة (٣).
ومليح: قرية بهراة.
٧٨ - علي بن عبد الوهاب بن علي المقرئ الدمشقي.
حدث بصور عن عبد الرحمن بن أبي نصر. روى عنه غيث بن علي الأرمنازي، وقال: لا بأس به (٤).
٧٩ - علي بن يوسف بن عبد الله بن يوسف، أبو الحسين، عم أبي المعالي الجويني، ويعرف بشيخ الحجاز.
كان كثير الترحال. سمع أبا نعيم عبد الملك بن الحسن بخراسان، وعبد الرحمن النحاس بمصر، وابن أبي نصر بدمشق، وأبا عمر الهاشمي بالبصرة، وعبد الله بن يوسف بن مامويه بنيسابور. وعقد مجلس الإملاء
стр. 9684
بخراسان. روى عنه أبو سعد بن أبي صالح المؤذن، وأبو عبد الله الفراوي، وعبد الجبار الخواري، وزاهر ووجيه ابنا الشحامي.
وتوفي في ذي القعدة (١).
٨٠ - عمر بن عبد العزيز بن أحمد، أبو طاهر الفاشاني المروزي. الفقيه الشافعي.
رحل في صباه وتفقه ببغداد على الشيخ أبي حامد، وكان من بقايا أصحابه. وسمع بالبصرة من أبي عمر الهاشمي السنن (٢)، وبرع في علم الكلام والنظر. روى عنه محيي السنة البغوي، وغيره.
وقد أخذ علم الكلام عن أبي جعفر السمناني صاحب ابن الباقلاني.
٨١ - كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم، المروزية.
تأتي في سنة خمس وستين (٣). ولكني جزمت بموتها في هذه السنة، لأن هبة الله ابن الأكفاني قال في الوفيات في سنة ثلاث وستين (٤): حدثني عبد العزيز بن علي الصوفي، قال: سمعت بمكة من يخبر بأن كريمة ابنة أحمد المروزي الهاشمي، رحمها الله، توفيت في شهور هذه السنة.
وقال أبو جعفر محمد بن علي الهمذاني: حججت سنة ثلاث، فنعيت إلينا كريمة في الطريق، ولم أدركها.
٨٢ - محمد بن إسحاق بن علي بن داود بن حامد، القاضي أبو جعفر الزوزني البحاثي.
ذكره عبد الغافر في سياق التاريخ، فقال (٥): أحد الفضلاء المعروفين، والشعراء المفلقين، صاحب التصانيف المفيدة العجيبة جدًا وهزلًا، والفائق أهل عصره ظرفًا وفضلا، المتعصب لأهل السنة، المخصوص بخدمة البيت الموفقي. ولقد رزق من الهجاء في النظم والنثر طريقة لم يسبق إليها، وما ترك من الكبراء والفقهاء أحدًا إلا هجاه. وكان صديق والدي، ومن البائتين عنده
стр. 9685
في الأحايين، والمقترحين عليه الأطعمة.
سمعت أبي يحكي عنه أحواله وتهتكه، فمما حكاه لي عنه أنه قال: ما وقع بصري قط على شخص إلا تصور في قلبي هجاؤه إلا القاضي صاعد بن محمد، فإني استحييت من الله لعبادته وفضله. ولقد خص طائفة بوضع التصانيف فيهم، ورميهم بما برأهم الله منه. وبالغ في الإفحاش، وأغرب في فنون الهجاء، وأتى بالعبارات الرشيقة. وكان شعره في الطبقة العليا في المديح أيضًا. وكان ينسخ كتب الأدب أحسن نسخ، ولقد نسخ نسخة بغريب الحديث للخطابي، وقرأها على جدي. وقد ذكر الحافظ الحسكاني أنه روى له، عن خاله أبي الحسن بن هارون الزوزني، عن ابن حبان.
ومن شعره (١):
يرتاح للمجد مهتزا كمطرد … مثقف من رماح الخط عسال
فمرة باسم عن ثغر برق حياء … وتارة كاسر عن ناب رئبال
فما أسامة مطرورا براثنه … ضخم الجزارة يحمي خيس أشبال
يوما بأشجع منه حشو ملحمة … والحرب تصدم أبطالا بأبطال
ولا خضاره صخابا غواربه … تسمو أواذيه حالا على حال
أندى وأسمح منه إذ يبشره … مبشروه بزوار ونزال
وله:
وذي شنب لو أن حمرة ظلمه … أشبهها بالجمر خفت به ظلما
قبضت عليه خاليا واعتنقته … فأوسعني شتما وأوسعته لثما
وله يصف البرد:
متناثر فوق الثرى حباته … كثغور معسول الثنايا أشنب
برد تحدر من ذرى صخابة … كالدر إلا أنه لم يثقب
وديوان الزوزني موجود، والله يسامحه، توفي بغزنة سنة ثلاث.
وقال غيره: سنة اثنتين، فالله أعلم.
стр. 9686
٨٣ - محمد بن الحسن بن علي، أبو نصر الجلفري القزاز. وجلفر: قرية على فرسخين من مرو.
كان فقيهًا شهمًا، رحل إلى الشام، وسمع من عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي، وغيره. وحدث في هذه السنة؛ روى عنه محيي السنة البغوي، ومحمد بن أحمد بن أبي العباس، وكان من الدهاة بمرو (١).
٨٤ - محمد بن علي بن علي بن الحسن، أبو الغنائم ابن الدجاجي البغدادي.
ولي مرة حسبة بغداد، فلم يحمد وعزل.
قال الخطيب (٢): حدث عن علي بن عمر الحربي، وابن معروف، وابن سويد، وكان سماعه صحيحًا.
قلت: وأجاز له المعافى الجريري.
روى عنه أبو عبد الله الحميدي، وشجاع الذهلي، وناصر بن علي الباقلاني، وطلحة بن أحمد العاقولي، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو منصور بن زريق الشيباني، وآخرون. ومات في سلخ شعبان وله ثلاث وثمانون سنة. فإنه ولد سنة ثمانين.
قال السمعاني (٣): قرأت بخط هبة الله بن المبارك السقطي (٤): ابن الدجاجي كان ذا وجاهة وتقدم، وحال واسعة. وعهدي به وقد أخنى عليه الزمان بصروفه، وقد قصدته في جماعة مثرين لنسمع منه وهو مريض، فدخلنا عليه وهو على بارية، وعليه جبة قد أكلت النار أكثرها، وليس عنده ما يساوي درهمًا، فحمل على نفسه، حتى قرأنا عليه بحسب شره أهل الحديث، وقمنا وهو متحمل للمشقة في إكرامنا، فلما خرجنا قلت: هل مع سادتنا ما نصرفه إلى الشيخ؟ فمالوا إلى ذلك، فاجتمع له نحو خمسة مثاقيل، فدعوت ابنته وأعطيتها، ووقفت لأرى تسليمها إليه، فلما دخلت وأعطته لطم حر وجهه ونادى: وافضيحتاه، آخذ على حديث رسول الله ﷺ عوضًا، لا والله. ونهض
стр. 9687
حافيًا ينادي: بحرمة ما بيننا إلا رجعت، فعدت إليه، فبكى، وقال: تفضحني مع أصحاب الحديث! الموت أهون من ذلك. فأعدت الذهب إلى الجماعة، فلم يقبلوه، وتصدقوا به.
٨٥ - محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو عبد الله الطالقاني الصوفي.
سمع أبا عبد الرحمن السلمي، وعبد الرحمن بن أبي نصر التميمي. روى عنه الخطيب، وأبو عبد الله الحميدي، وعمر الدهستاني، وهبة الله ابن الأكفاني. وسكن صور.
تكلموا في سماعه من السلمي (١).
٨٦ - محمد بن أبي نصر، أبو بكر المروذي الصوفي.
حدث عن عبد الوهاب بن عبد الله المري، وعبد الرحمن بن الطبيز السراج الدمشقيين.
توفي في خامس رجب (٢).
٨٧ - محمد بن أبي الهيثم عبد الصمد، أبو بكر المروزي الترابي.
روى عن أبي سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي، وعبد الله بن حمويه السرخسي. وعمر دهرًا طويلًا؛ روى عنه محيي السنة البغوي، وغيره.
وقد أورده أبو سعد السمعاني في كتاب الأنساب (٣)، وأنه روى أيضًا عن الحاكم أبي الفضل محمد بن الحسين الحدادي، الراوي عن أصحاب إسحاق بن راهويه. روى عنه جدي أو المظفر، وعلي بن الفضل الفارمذي.
وقال ابن ماكولا (٤): وحدث أيضًا عن محمد بن أحمد الدورقي (٥) عن
стр. 9688
أبي حامد الكشميهني، عن علي بن حجر. ثم قال: وتوفي في رمضان عن ست وتسعين سنة.
٨٨ - محمد بن وشاح، أبو علي الزينبي، مولى أبي تمام.
بغدادي فاضل، كان ذا رأي ودهاء.
قال ابن السمعاني: كان يقول: أنا معتزلي ابن معتزلي. قال: وسمعت أنه كان رافضيًا. سمع أبا حفص بن شاهين، وأبا القاسم الوزير، والمخلص. وحدثنا عنه أبو بكر الأنصاري، وأبو منصور القزاز الشيباني، وأبو عبد الله السلال.
وقال الخطيب في تاريخه (١): وكان معتزليًا، ذكر لي أنه ولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.
قال السمعاني: توفي في رجب، وصلى عليه أبو نصر الزينبي.
٨٩ - المبارك بن محمد بن عثمان، الشيخ أبو الفضل ابن الحرمي البغدادي الصوفي.
سمع من علي بن محمد بن إبراهيم بن علويه الجوهري، وأبي الحسين بن المتيم. سمع منه أبو نصر بن ماكولا، والحميدي، وأبو بكر ابن الخاضبة، وأبو علي البرداني.
قال أبو نصر ابن المجلي: توفي سنة ثلاث.
وقال غيره: سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
وشيخه ابن علويه يروي عن المحاملي.
٩٠ - المشرف بن علي بن الخضر، أبو الطاهر التمار الأنماطي.
مصري ثقة، محدث. سمع أولاده. وكانت منيته بصور في شوال.
ذكره ابن الأكفاني (٢)، ولم يذكره ابن عساكر.
٩١ - يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم، الإمام أبو عمر النمري القرطبي العلم الحافظ، محدث قرطبة.
روى عن الحافظ خلف بن القاسم، وعبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن
стр. 9689
نصر، وعبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، وعبد الله بن محمد بن أسد الجهني، وأحمد بن فتح الرسان، والحسين بن يعقوب البجاني، وأبي الوليد عبد الله بن محمد ابن الفرضي، ومحمد بن عبد الملك بن ضيفون، والقاسم بن عسلون الفراء، ويعيش بن محمد الوراق، وأبي عمر بن الجسور، وأبي القاسم سلمة بن سعيد، ويحيى بن مسعود بن وجه الجنة، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي المطرف القنازعي، ويونس بن عبد الله القاضي، وآخرين. وأجاز له أبو القاسم بن عبيد الله السقطي، وغيره من مكة، وأبو الفتح بن سيبخت، والحافظ عبد الغني بن سعيد، وأبو محمد النحاس من مصر.
قال طاهر بن مفوز: سمعته يقول: ولدت يوم الجمعة والإمام يخطب لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
قلت: وطلب الحديث سنة بضع وثمانين، قبل أن يولد الحافظ أبو بكر الخطيب بأعوام.
قال أبو الوليد الباجي: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث.
وقال أبو محمد بن حزم في رسالته في فضائل الأندلس: ومنها - يعني المصنفات - كتاب التمهيد لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر، وهو الآن بعد في الحياة لم يبلغ سن الشيخوخة. قال: وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلًا، فكيف أحسن منه؟. ومنها كتاب الاستذكار، وهو اختصار التمهيد المذكور (١). ولصاحبنا أبي عمر تواليف لا مثل لها في جميع معانيها، منها كتابه المسمى بالكافي في الفقه، على مذهب مالك خمسة عشر كتابًا، مغن عن المصنفات الطوال في معناه، ومنها كتابه في الصحابة، يعني الاستيعاب، ليس لأحد من المتقدمين قبله مثله، على كثرة ما صنفوا في ذلك، ومنها كتاب الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو، ومنها كتاب بهجة
стр. 9690
المجالس وأنس المجالس نوادر وأبيات، ومنها كتاب جامع بيان العلم وفضله.
وقال القاضي عياض (١): صنف أبو عمر بن عبد البر كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد في عشرين مجلدًا، وكتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار لما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، وكتاب التقصي لحديث الموطأ، وكتاب الاستيعاب لأسماء الصحابة، وكتاب العلم، وكتاب الإنباه عن قبائل الرواة وكتاب الانتقاء لمذاهب الثلاثة علماء؛ مالك وأبي حنيفة والشافعي، وكتاب البيان في تلاوة القرآن، وكتاب الأجوبة الموعبة، وكتاب بهجة المجالس، وكتاب المعروفين بالكنى، وكتاب الكافي في الفقه، وكتاب الدرر في اختصار المغازي والسير، وكتاب القصد والأمم في أنساب العرب والعجم وأول من نطق بالعربية من الأمم، وكتاب الشواهد في إثبات خبر الواحد، وكتاب الاكتفاء في القراءات، وكتاب الإنصاف فيما في اسم الله من الخلاف (٢)، وكتاب الفرائض، وأشياء من الكتب الصغار.
قال أبو علي بن سكرة: سمعت أبا الوليد الباجي، وجرى ذكر ابن عبد البر، فقال: هو أحفظ أهل المغرب.
وقال الحافظ أبو علي الغساني: سمعت أبا عمر بن عبد البر يقول: لم يكن أحد ببلدنا مثل قاسم بن محمد، وأحمد بن خالد الجباب. قال الغساني: وأنا أقول إن شاء الله: إن أبا عمر لم يكن بدونهما، ولا متخلفًا عنهما.
وكان من النمر بن قاسط، طلب وتفقه ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي الفقيه، فكتب بين يديه، ولزم ابن الفرضي، وعنه أخذ كثيرا من علم الحديث. ودأب أبو عمر في طلب الحديث، وافتن به، وبرع براعة فاق بها من تقدمه من رجال الأندلس.
وكان مع تقدمه في علم الأثر، وبصره بالفقه والمعاني، له بسطة كبيرة في علم النسب والخبر. جلا عن وطنه ومنشئه قرطبة، فكان في الغرب مدة،
стр. 9691
ثم تحول إلى شرق الأندلس، وسكن دانية، وبلنسية، وشاطبة وبها توفي.
وذكر غير واحد أن أبا عمر ولي القضاء بأشبولة في دولة المظفر بن الأفطس مدة.
وقد سمع سنن أبي داود عاليًا من ابن عبد المؤمن، بسماعه من ابن داسة. وسمع منه فوائد عن إسماعيل الصفار، وغيره. وقرأ كتاب الزعفراني على ابن ضيفون، بسماعه من ابن الأعرابي، عنه. وسمع ابن عبد البر من جماعة حدثوه، عن قاسم بن أصبغ.
وكان مع إمامته وجلالته أعلى أهل الأندلس إسنادًا في وقته.
روى عنه أبو العباس الدلائي، وأبو محمد بن أبي قحافة، وأبو الحسن بن مفوز، وأبو عبد الله الحميدي، وأبو علي الغساني، وأبو بحر سفيان بن العاص، ومحمد بن فتوح الأنصاري، وطائفة سواهم، وأبو داود سليمان بن نجاح المقرئ وقال: توفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر، ودفن يوم الجمعة بعد العصر.
قلت: استكمل ﵀ خمسًا وتسعين سنة وخمسة أيام.
وقال شيخنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح (١)، ومن خطه نقلت: كان أبو عمر بن عبد البر أعلم من بالأندلس في السنن والآثار واختلاف علماء الأمصار. وكان في أول زمانه ظاهري المذهب مدة طويلة، ثم رجع عن ذلك إلى القول بالقياس من غير تقليد أحد، إلا أنه كان كثيرًا ما يميل إلى مذهب الشافعي.
قلت: وجميع شيوخه الذين حمل عنهم لا يبلغون سبعين نفسًا، ولا رحل في الحديث، ومع هذا فما هو بدون الخطيب، ولا البيهقي ولا ابن حزم في كثرة الاطلاع، بل قد يكون عنده ما ليس عندهم مع الصدق والديانة والتثبت وحسن الاعتقاد.
قال الحميدي (٢): أبو عمر فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع، لم يخرج من الأندلس، وكان يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي.
قلت: وكان سلفي الاعتقاد، متين الديانة.
стр. 9692
سنة أربع وستين وأربعمائة.
٩٢ - أحمد بن أسعد بن محمد بن حسين. أبو نصر الهروي التاجر.
سمع أباه، وعمه، وأبا علي منصور بن عبد الله الخالدي، وغيرهم.
٩٣ - أحمد بن عبد العزيز بن علي بن محمد، القاضي أبو سعيد الثقفي الأصبهاني.
روى عن أبي عبد الله بن منده. وعنه جماعة.
٩٤ - أحمد بن عثمان بن الفضل بن جعفر، أبو الفرج البغدادي، المعروف بابن المخبزي.
من بيت حشمة، ذكر أن كتبه ذهبت في حريق الكرخ.
قال أبو سعد السمعاني: كبر وضعف، وكان مقلًا من الحديث، وسماعه صحيح. قال: ورأيت بخط بعض المحدثين أنه كان يتشيع. وقال الخطيب (١): كتبت عنه، وكان صدوقًا، ووثقه ابن خيرون. سمع عيسى بن الوزير، وعبيد الله بن حبابة. حدثنا عنه أبو بكر الأنصاري، ويحيى بن الطراح، ومات في صفر.
٩٥ - أحمد بن علي بن شجاع بن محمد، أبو زيد المصقلي الأصبهاني أخو شجاع.
ثقة، سمع من أبي عبد الله بن منده، وغيره. روى عنه محمد بن عبد الواحد الدقاق. وتوفي في شوال (٢).
وروى أيضًا عن أبي جعفر بن المرزبان جزء لوين؛ رواه عنه محمد بن أبي نصر هاجر، ومحمود بن محمد بن ماشاذة.
٩٦ - أحمد بن الفضل بن أحمد الجصاص الأصبهاني.
رحال جوال، سمع أبا سعيد النقاش، وجماعة بأصبهان، وأبا عبد الرحمن السلمي بنيسابور، وعلي بن أحمد الرزاز ببغداد، ومنصور
стр. 9693
الكاغدي بسمرقند، وبمرو، وبلخ، ومواضع. وحدث في هذا العام في رمضان بكتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ له (١).
٩٧ - أحمد بن محمد بن مسلم، أبو العباس الأصبهاني الأعرج المؤدب.
سمع أبا عبد الله بن منده. وعنه يحيى بن منده. مات في صفر.
٩٨ - أحمد بن محمد الكناني الفلسطيني.
توفي في المحرم؛ يروي عن علي بن محمد الحنائي (٢).
٩٩ - أحمد بن محمد بن يحيى بن بندار، أبو علي الهمذاني المعدل، المعروف بابن الشيخ.
روى عن أبيه أبي نصر، وابن لال، وشعيب بن علي، وجماعة.
توفي في جمادى الآخرة بهمذان.
١٠٠ - بكر بن محمد بن علي بن محمد بن حيد، أبو منصور النيسابوري التاجر. يقلب بالشيخ المؤتمن.
حدث ببغداد، وهمذان، وتنقل. وحدث عن أبيه، وأبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف، ومحمد بن الحسين العلوي، وأبي بكر بن عبدوس، وعبد الله بن يوسف بن بامويه.
قال شيرويه: لم يقض لي السماع منه، وكنت أدور إذ ذاك وأسمع. وكان صدوقًا أمينًا. حدثنا عنه الميداني.
وقال السمعاني: حدثنا عنه محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وإسماعيل بن علي الحمامي الأصبهانيان. وسمع منه جدي أبو المظفر، وأبو بكر الخطيب وأثنى عليه (٣). توفي في صفر (٤).
١٠١ - جابر بن ياسين بن الحسن بن محمد بن أحمد بن محمويه، أبو الحسن الحنائي العطار.
стр. 9694
بغدادي؛ قال الخطيب (١): كتبت عنه، وكان سماعه صحيحًا، سمع أبا حفص الكتاني، وأبا طاهر المخلص.
قلت: روى عنه أبو بكر الأنصاري، وأبو منصور القزاز، ويحيى بن علي الطراح، وغيرهم.
توفي في شوال.
١٠٢ - الخضر بن عبد الله (٢) بن كامل، أبو القاسم المري.
حدث بدمشق، أو بغيرها عن عقيل بن عبيد الله السمسار، وأبي طالب عبد الوهاب بن عبد الملك الفقيه الهاشمي. وعنه ابن الأكفاني، وعلي بن طاهر النحوي، وغيرهما.
قال ابن الأكفاني: ولم يكن يدري شيئًا (٣).
١٠٣ - عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد، المعتضد بالله أبو عمرو أمير إشبيلية ابن قاضيها أبي القاسم.
قد تقدم أن أهل إشبيلية ملكوا عليهم القاضي أبا القاسم، وأنه توفي سنة ثلاث وثلاثين، فقام بالأمر بعده المعتضد بالله. وكان شهمًا صارمًا، جرى على سنن والده مدة، ثم سمت همته وتلقب بالمعتضد بالله، وخوطب بأمير المؤمنين.
وكان شجاعًا داهية. قتل من أعوان أبيه جماعة صبرًا، وصادر بعضهم، وتمكن من الملك، ودانت له الملوك. وكان قد اتخذ خشبًا في قصره، وجللها برؤوس ملوك وأعيان ومقدمين. وكان يشبه بأبي جعفر المنصور. وكان ابنه ولي العهد إسماعيل قد هم بقتل أبيه، وأراد اغتياله، فلم يتم له الأمر، فقبض عليه المعتضد، وضرب عنقه، وعهد إلى ابنه أبي القاسم محمد، ولقبه المعتمد على الله.
ويقال: إنه أخذ مال أعمى، فنزح وجاور بمكة يدعو عليه، فبلغ المعتضد، فندب رجلًا، وأعطاه حقًا فيه جملة دنانير، وطلاها بسم. فسافر إلى
стр. 9695
مكة، وأعطى الأعمى الدنانير، فأنكر ذلك وقال: يظلمني بإشبيلية، ويتصدق علي هنا. ثم أخذ دينارًا منها، فوضعه في فمه فمات بعد يوم. وكذلك فر منه رجل مؤذن إلى طليطلة، فأخذ يدعو عليه في الأسحار، فبعث إليه من جاءه برأسه (١).
وطالت أيامه إلى أن توفي في رجب فقيل: إن ملك الفرنج سمه في ثياب بعث بها إليه. وقيل: مات حتف أنفه، وقام بعده ابنه المعتمد.
ومما تم له في سنة سبع وأربعين أنه سكر ليلة، وخرج في الليل مع غلام، وسار نحو قرمونة، وهي بعض يوم من إشبيلية. وكان صاحب قرمونة إسحاق بن سليمان البرزالي قد جرى له معه حروب، فلم يزل يسري حتى أتى قرمونة، وكان إسحاق يشرب في جماعة، فأعلم بالمعتضد بأنه يستأذن، فزاد تعجبهم، وأذن له، فسلم على إسحاق، وشرع في الأكل، فزال عنه السكر، وسقط في يده، لما بينه وبين بني برزال من الحرب، لكنه تجلد وأظهر السرور، وقال: أريد أن أنام. فنومه في فراش، فتناوم، وظنوا أنه قد نام، فقال بعضهم: هذا كبش سمين، والله لو أنفقتم ملك الأندلس عليه ما قدرتم، فإذا قتل لم تبق شوكة تشوككم. فقام منهم معاذ بن أبي قرة، وكان رئيسًا، وقال: والله لا كان، هذا رجل قصدنا ونزل بنا، ولو علم أنا نؤذيه ما أتانا مستأمنًا. كيف تتحدث عنا القبائل أنا قتلنا ضيفنا وخفرنا ذمتنا؟ ثم انتبه، فقاموا وقبلوا رأسه، وجددوا السلام عليه، فقال لحاجبه: أين نحن؟ قال: بين أهلك وإخوانك. فقال: إيتوني بدواة. فأتوه بها، فكتب لكل منهم بخلعة وذهب وأفراس وخدم، وأمر كل واحد أن يبعث رسوله ليقبض ذلك. ثم ركب من فوره، وقاموا في خدمته. ثم طلبهم بعد ستة أشهر لوليمة، فأتاه ستون رجلًا منهم، فأنزلهم، وأنزل معاذًا عنده. ثم أدخلهم حماما، وطين بابه فماتوا كلهم. فعز على معاذ ذلك، فقال المعتضد: لا ترع فإنهم قد حضرت آجالهم، وقد أرادوا قتلي، ولولاك لقتلوني، فإن أردت أن أقاسمك جميع ما أملك فعلت. فقال: أقيم عندك، وإلا بأي وجه أرجع إلى قرمونة وقد قتلت سادات بني برزال. فأنزله في قصر وأقطعه، وكان من كبار أمرائه. ثم كان المعتمد
стр. 9696
يجله ويعظمه. فحدث بعض الإشبيليين أنه رأى معاذًا يوم دخل يوسف بن تاشفين، وعليه ثوب ديباج مذهب، وبين يديه نحو ثلاثين غلامًا، وأنه رآه في آخر النهار وهو مكتّف في تلّيس.
ذكر هذه الحكاية بطولها عزيز في تاريخه، فإن صحت فهي تدل على لؤم المعتضد وعسفه وكفر نفسه. وقد لقّاه الله في عاقبته.
وحكى عبد الواحد بن علي في تاريخه (١) أن المعتضد كان شهمًا شجاعًا داهية. فقيل: إنه ادعى أنه وقع إليه هشام المؤيد بالله ابن المستنصر الأموي، فخطب له مدة بالخلافة، وكان الحامل له على تدبير هذه الحيلة ما رآه من اضطراب أهل إشبيلية عليه، لأنهم أنفوا من بقائهم بلا خليفة، وبلغه أنهم يطلبون أمويًا ليقيموه في الخلافة، فأخبرهم بأن المؤيد بالله عنده بالقصر، وشهد له جماعة من حشمه بذلك، وأنه كالحاجب له. وأمر بذكره على المنابر، فاستمر ذلك سنين إلى أن نعاه إلى الناس في سنة خمس وخمسين وأربعمائة. وزعم أنه عهد إليه بالخلافة على الأندلس.
وهذا محال. وهشام هلك من سنة ثلاث وأربعمائة، ولو كان بقي إلى الساعة لكان يكون ابن مائة سنة وسنة.
١٠٤ - عبد الله بن محمد بن علي بن أحمد بن جعفر، القاضي أبو محمد بن أبي الرجاء الأصبهاني الكوسج، مفتي البلد.
وكان من الأشعرية الغلاة. سمع أبا عبد الله بن منده، وعم أبيه الحسين، وعدة. مات في ربيع الأول؛ قاله يحيى بن منده.
١٠٥ - عبد الرحمن بن سوار (٢) بن أحمد بن سوار، أبو المطرف القرطبي الفقيه، قاضي الجماعة.
روى عن أبي القاسم بن دينال، وحاتم بن محمد. استقضاه المعتمد على الله بقرطبة بعد ابن منظور في جمادى الآخرة من هذه السنة، وتوفي بعد أشهر في ذي القعدة، وله اثنان وخمسون عامًا.
وكان من أهل النباهة والذكاء. لم يأخذ على القضاء أجرًا (٣).
стр. 9697
١٠٦ - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن رجاء، أبو القاسم بن أبي العيش الأطرابلسي.
حدث عن أبي عبد الله بن أبي كامل الأطرابلسي، وأبي سعد الماليني، وخلف الواسطي الحافظ؛ ولعله آخر من حدث عن خلف. روى عنه عمر الرواسي، ومكي الرميلي، وهبة الله الشيرازي؛ سمعوا منه بأطرابلس.
توفي في جمادى الأولى (١).
١٠٧ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو نصر الهمذاني، المعروف بابن شاذي، شيخ الصوفية.
روى عن أبيه، وابن لال، وشعيب بن علي، وأبي سهل محمود بن عمر العكبري.
قال شيرويه: لم يقض لي السماع منه، وكان يسلك سبيل الملامتية، صحب طاهرًا الجصاص. وبلغني أنه وقف ثمانيًا وعشرين وقفة، وتوفي في ذي الحجة.
١٠٨ - عبد العزيز بن موسى، أبو عمر المروزي القصاب المعلم.
قال السمعاني فيما خرج لولده عبد الرحيم: شيخ صالح سديد السيرة، من المعمرين. أدرك أبا الحسين عبد الرحمن بن محمد الدهان المقرئ، وسمع منه السنن لأبي مسلم الكجي؛ قرأ عليه جدي هذا الكتاب في سنة أربع وستين هذه.
وروى عنه بأخرة محمد بن علي بن محمد الكواز الملحمي.
١٠٩ - عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، أبو الحسن ابن الحافظ أبي عبد الله، العبدي الأصبهاني التاجر.
روى عن أبيه، وإبراهيم بن خرشيد قولة، وأبي جعفر بن المرزبان الأبهري، وأبي محمد بن يوة، وعمر بن إبراهيم بن الفاخر، والحسين بن منجويه، وجماعة.
قال شيرويه: قدم همذان، وكان صدوقًا، من بيت العلم، وحدث عنه أصحابنا.
стр. 9698
وقال أخوه أبو القاسم عبد الرحمن: توفي أخي أبو الحسن بجيرفت في عاشر ربيع الآخر.
وأما يحيى بن عبد الوهاب فورَّخه كذلك، لكن قال: في سنة أربع وستين، وأنه وُلد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. فعلى هذا تكون مدَّة عمره ثمانين سنة. قال: وله أعقاب.
قلت: روى عنه هو، والحسين بن عبد الملك الخلال، وعدة. وكان يشبه أباه (١).
١١٠ - عتيق بن علي بن داود، الزاهد أبو بكر الصقلي الصوفي السمنطاري (٢).
أكثر التطواف، وسمع من أبي القاسم الزيدي بحران، ومن أبي نعيم الحافظ، وبشرى الفاتني. وصنف كتابًا حافلًا في الزهد في اثنتي عشرة مجلدة سماه دليل القاصدين. وله معجم في جزءين، وشيوخه نيف وسبعون شيخًا. وكان رجلًا زاهدًا صالحًا (٣).
١١١ - علي بن الحسين بن سهل، أبو الحسن المروزي الدهقان الفقيه.
تفقه بمرو على: أبي عاصم النافلة، وأبي نصر المحسن بن أحمد الخالدي، وسمع جده محمد بن الفضل. وقدم بغداد فسمع هبة الله بن الحسن اللالكائي. روى عنه أبو المظفر ابن القشيري.
توفي في جمادى الآخرة (٤).
١١٢ - المبارك بن الحسين، أبو طاهر الأنصاري البغدادي الصفار.
كان صالحًا خيرًا من أهل نهر القلائين. سمع عبيد الله بن أبي مسلم
стр. 9699
الفرضي، وأبا الحسين بن بشران. وعنه أبو بكر الأنصاري، وأبو محمد ابن الطراح، وأبو المعالي بن البدن.
مات في شعبان.
١١٣ - محمد بن أحمد بن محمد بن منظور، أبو بكر القيسي الإشبيلي.
روى عن أبي القاسم بن عصفور الحضرمي الزاهد، ومحمد بن عبد الرحمن العواد. وولي قضاء قرطبة للمعتمد على الله محمد بن عباد، وكان عدلًا في أحكامه.
توفي في جمادى الآخرة. روى عنه أبو الوليد بن طريف (١).
١١٤ - محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد ابن المهتدي بالله، أبو الحسن الهاشمي العباسي، خطيب جامع المنصور.
كان عدلًا نبيلًا، يلبس القلانس الدنية (٢).
روى عن أبي الحسن بن رزقويه، وغيره. وعنه أبو بكر محمد بن عبد الباقي، ويحيى ابن الطراح.
قال الخطيب (٣): كان صدوقًا، كتبت عنه. وقرأ القرآن على أبي القاسم الصيدلاني.
١١٥ - محمد بن أحمد بن شاذة بن جعفر، أبو عبد الله الأصبهاني القاضي بدجيل.
تفقه على مذهب الشافعي، وسمع أبا سعد الماليني، وحدث. وكان ثقة صالحًا.
وسمع أيضًا أبا عمر بن مهدي. روى عنه أبو بكر الأنصاري، ومفلح الدومي، ويحيى ابن الطراح.
١١٦ - محمد بن الحسن، أبو عبد الله المروزي، المقرئ.
стр. 9700
حدث عن، أبي الفتح بن ودعان الموصلي بجزءين؛ قاله ابن الأكفاني (١).
١١٧ - محمد بن عقيل بن أحمد بن بندار، أبو عبد الله الخراساني، ثم الدمشقي، المعروف بابن الكريدي.
سمع محمد بن أحمد بن عثمان بن أبي الحديد، وأبا محمد بن أبي نصر، وتوفي بصور. روى عنه هبة الله ابن الأكفاني (٢).
١١٨ - محمد بن علي بن الحسين بن زكريا، أبو سعيد الطريثيثي، المعروف بابن زهراء، أخو أبي بكر أحمد بن علي.
سمع أبا القاسم الحرفي، وأبا الحسن بن مخلد البزاز. روى عنه المعمر بن محمد البيع. ومات في سلخ رجب.
١١٩ - محمد بن علي بن محمد بن إسحاق، أبو بكر النيسابوري المعدل.
كان عابدًا خائفًا ورعًا، سمع أبا الحسن العلوي، وأبا يعلى المهلبي. روى عنه زاهر الشحامي، وغيره (٣).
١٢٠ - نصر بن الحسن بن إبراهيم، أبو الفتح البالسي الجوهري.
حدث بجزء عن عبد الواحد بن مشماس الدمشقي (٤).
١٢١ - أبو طالب بن عمار، قاضي طرابلس.
كان قد استولى على طرابلس، واستبد بالأمور إلى أن مات في رجب من السنة، فقام مكانه ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن بن عمار، فضبطها أحسن ضبط، وظهرت شهامته.