سمع أباه، وأبا سعد المالينيّ، وعليّ بن عمر الأسداباذيّ. روى عنه الرُّستميّ، وطائفة.
مات في رجب.
٣٢٢ - إسماعيل بن عبد الله بن موسى، أبو القاسم السّاويّ.
توفّي في جمادى الأولى. كان صدوقًا فاضلًا، أملى مجالس. سمع أبا بكر الحيريّ، ورحل فسمع ببغداد أبا محمد السُّكّريّ، وابن الفضل القطّان، وجماعة. روى عنه زاهر الشّحّاميّّ، وابنه عبد الخالق، وأخوه وجيه، وعبد الله بن الفراويّ (١).
٣٢٣ - الحسن بن عليّ بن العلاء بن عبدويه، أبو عليّ البشتيّ، وبشت - بالمعجمة -: ناحية من أعمال نيسابور، غير بست الّتي بالمهملة.
كان واعظًا فاضلًا كبير القدر، لكنّه كان قليل العقل، يأكل في الطُّرق، ويسفّه، ويطرق على الأبواب. ثمّ عميّ، وبقي في حالٍ زريّ، فكان يؤذيه الصّبيان، ويبسط هو لسانه فيهم، قاله ابن السّمعانيّ.
سمع ابن محمش الزّياديّ، وأبا عبد الرحمن السُّلميّ، وعليّ بن محمد السّقّاء وغيرهم. روى عنه أبو الأسعد هبة الرحمن، وشريفة بنت الفراويّ، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذّن، وآخرون.
توفّي في رمضان. وكان أبوه أبو الحسن من كبار الشّافعيّة (٢).
٣٢٤ - شافع بن صالح بن حاتم، الفقيه أبو محمد الجيليّ الحنبليّ، الفقيه الزّاهد.
قدم بغداد بعد الثّلاثين وأربعمائة. ولزم القاضي أبا يعلى، وكتب معظم مصنفّاته، وبرع في الأصول والفروع، وسمع الحديث، ودرّس وأفاد. وكان ذا تقشُّف، وعنه سمع من ابن غيلان (٣).
٣٢٥ - عبد الله بن الحسين، الإمام أبو الفضل ابن الجوهريّ المصريّ الواعظ.
стр. 9942
من جلَّة مشايخ بلده ومن بيت العلم. روى عن أبي سعد المالينيّ. أخذ عنه أبو عبد الله الحميديّ، وغيره. وكان أبوه من كبار العلماء والصُّلحاء.
أنشد أبو الفضل على كرسيّ وعظه:
أقبل جيش الهجر في موكبٍ … بين يديه علمٌ يخفق
وصار قلبي في حصار الهوى … كأنما النّار له تحرق
مات في سابع عشر شوّال منه السّنة، وروى عنه عليّ بن المشرف الأنماطيّ، وطائفةً من مشيخة السّلفّي. واسم جدّه سعيد (١).
٣٢٦ - عبد الله بن سهل بن يوسف، أبو محمد الأنصاريّ الأندلسيّ المرسي المقرئ.
أخذ عن أبي عمر الطَّلمنكيّ، ومكّيّ، وأبي عمرو الدّانيّ. ورحل فأخذ بالقيروان عن مصنّف الهادي في القراءات، أبي عبد الله محمد بن سفيان، وأبي عبد الله محمد بن سليمان الأّبيّ.
وكان ضابطًا للقراءات وطرقها، عارفًا بها، حاذقًا بمعانيها، أخذ النّاس عنه.
قال أبو عليّ بن سكَّرة: هو أمام أهل وقته في فنّه، لقيته بالمريّة، لازم أبا عمرو الدّانيّ ثمانية عشر عامًا، ثمّ رحل ولقي جماعة. وأقرأ بالأندلس، وبعد صيته؛ فمن شيوخه: الطَّلمنكيّ، ومكّيّ، وأبو ذرّ الهرويّ، وأبو عمران الفاسيّ، وأبو عبد الله بن عابد، وحسن بن حمَّود التّونسيّ، وعبد الباقي بن فارس الحمصيّ.
قال: وجرت بينه وبين أبي عمرو شيخه عند قدومه منافسة، وتقاطعًا، وكان أبو محمد شديدًا على أهل البدع، قوّالًا بالحقّ مهيبًا، جرت له في ذلك أخبار كثيرة، وامتحن بالتّغّرب، ولفظته البلاد، وغمزه كثيرٌ من النّاس، فدخل سبتة، وأقرأ بها مديدة، ثمّ خرج إلى طنجة، ثمّ رجع إلى الأندلس، فمات برندة.
قال ابن سكَّرة: عزمت على القراءة عليه، فقطع عن ذلك قاطعٌ.
стр. 9943
قال القاضي عياض: وقد حدَّث عنه غير واحدٍ من شيوخنا، وحدثنا عنه شيخنا أبو إسحاق بن جعفر، وحدَّث عنه خالي أبو بكر محمد بن عليّ.
وقال أبو الأصبغ بن سهل: أشكلت عليَّ مسائل من علم القرآن، لم أجد في من لقيت من يشفيني، حتّى لقيته.
قال: وكانت بينه وبين القاضي أبي الوليد الباجيّ منافرة عظيمة، بسبب مسألة الكتابة، فكان ابن سهل يلعنه في حياته، وبعد موته، فأدّى ذلك أصحاب الباجيّ إلى القول في ابن سهل، والإكثار عليه.
قلت: وقرأ عليه بالرّوايات أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع المذكور في أسانيد الشّاطبيّ (١).
٣٢٧ - عبد الباقي بن أحمد بن هبة الله، أبو الحسن البزّاز. صهر المقرئ أبي علي الأهوازيّ.
دمشقيّ، سمع من الأهوازيّ، وأبي عثمان الصّابونيّ، وابن سلوان المازنيّ. روى عنه أبو القاسم الخضر بن عبدان.
وذكر هبة الله بن طاوس أنّ هذا زوَّر سماعًا لنفسه في جزء (٢).
٣٢٨ - عبد الرحيم بن أبي عاصم بن الأحنف، أبو سعد الهروي الزّاهد.
سمع من أبي محمد حاتم بن محمد بن يعقوب المتوفى في سنة أربع وأربعمائة.
٣٢٩ - عبد الملك بن الحسن بن خيرون بن إبراهيم، أبو القاسم الدّبّاس، أخو الحافظ أبي الفضل أحمد.
كان من خيار البغدادييّن وسراتهم وصلحائهم. سمع البرقانيّ، وعبد الملك بن بشران. روى عنه ابنه المقرئ أبو منصور محمد، وعبد الوهّاب الأنماطيّ. ومات في ذي الحجّة (٣).
стр. 9944
٣٣٠ - عبد الواحد بن إسماعيل، الإمام أبو القاسم البوشنجيّ الفقيه (١).
٣٣١ - عليّ بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن اللَّيث، أبو الحسن النّامقيّ (٢)، ثمّ النيَّسابوريّ.
سمع أبا طاهر بن محمش. وعنه زاهر الشّحّاميّ، وبنته سعيدة بنت زاهر، وعائشة بنت الصّفّار، والحسين بن عليّ الشّحّاميّ، وغيرهم.
توفّي في سلخ جمادى الأولى (٣).
٣٣٢ - عليّ بن أبي بكر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحسن الفارسيّ ثمّ النَّيسابوريّ.
سمع ابن محمش، وأبا بكر الحيريّ، وجماعة. حدّث عنه عبد الخالق بن زاهر، وغيره.
أرَّخه السّمعانيّ في رابع ربيع الأوّل (٤).
٣٣٣ - فاطمة بنت الحسن بن عليّ العطار، أمّ الفضل البغداديّة الكاتبة، المعروفة ببنت الأقرع.
كانت تكتب طريقة ابن البّواب؛ كتب النّاس وجوَّدوا على خطّها، وهي الّتي أهّلت لكتابة كتاب الهدنة إلى ملك الرّوم من الدّيوان العزيز، يضرب المثل بحسن خطّها.
وكان لها سماعٌ عالٍ؛ روت عن أبي عمر بن مهديّ، وغيره. روى عنها: أبو القاسم ابن السمرقندي، وأبو البركات الأنماطيّ، وأبو سعد البغداديّ الأصبهانيّ، وقاضي المرستان، وغيرهم.
قال السّمعانيّ: سمعت محمد بن عبد الباقي الأنصاري يقول: سمعت
стр. 9945
فاطمة بنت الأقرع قالت: كتبت ورقة لعميد الملك أبي نصر الكندريّ، فأعطاني ألف دينار.
توفّيت في المحرَّم (١).
٣٣٤ - فاطمة بنت الأستاذ أبي عليّ الحسن بن عليّ الدّقّاق، أمّ البنين النيَّسابوريّة الحرّة الزّاهدة، زوجة أبي القاسم القشيريّ وأمّ أولاده.
سمعت أبا نعيم عبد الملك الإسفراييني، وأبا الحسن العلويّ، وعبد الله بن يوسف الأصبهانيّ، وأبا عليّ الرُّوذباريّ، وأبا عبد الله الحاكم، وأبا عبد الرحمن السُّلميّ، وغيرهم.
روى عنها: سبطها أبو الأسعد هبة الرحمن، وعبد الله ابن الفراويّ، وزاهر الشّحاميّ، وآخرون. وأوّل سماعٍ لها من أبي الحسن العلويّ، وذلك في سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائة. وعمّرت تسعين سنة.
وكانت عابدةً، قانتة، متهجّدة، متبتلّة، توفّيت في ثالث عشر ذي القعدة.
قال أبو سعد السّمعانيّ: كانت فخر نساء عصرها، ولم ير نظيرها في سيرتها، كانت عالمة بكتاب الله، فاضلة. إلى أن قال: سمعت من أبي نعيم، والعلويّ. ثمّ قال: ولدت سنة إحدى وأربعمائة. وهذا غلظٌ بيّن والصّواب أنّها ولدت قبل ذلك بمدّة (٢).
٣٣٥ - الفضل بن محمد بن أحمد، أبو القاسم المدينيّ البقّال.
مات في رمضان.
٣٣٦ - محمد بن إبراهيم بن عليّ، العلاّمة أبو الخطّاب الكعبيّ الطَّبريّ شيخ الشّافعيّة ببخارى.
تفقَّه بأبي سهل أحمد بن عليّ الأبيورديّ، وكان من العلماء الزُّهّاد، تخَّرج به الأصحاب.
قال السّمعانيّ: حتّى كان يقعد بين يديه أكثر من مائتي فقيه على ما قيل. سمع من شيخه أبي سهل، والحسن بن أبي المبارك الشّيرازيّ الحافظ، ومكّيّ
стр. 9946
ابن عبد الرّزّاق الكشميهنيّ، ومحمد بن عبد العزيز القنطريّ، وعبد الكريم بن عبد الرحمن الكلاباذيّ، والمظفّر بن أحمد. حدثنا عنه عثمان بن عليّ البيكنديّ. مات ببخارى في ربيع الأوّل.
٣٣٧ - محمد بن الحسن بن عليّ بن أحمد، أبو طاهر الحلبيّ المعروف بابن الملحيّ.
روى عن رشأ بن نظيف، وأبي عليّ الأهوازيّ، وجماعة. وعنه ابن الأكفانيّ (١).
٣٣٨ - محمد بن أبي سعيد أحمد بن الحسن بن عليّ بن أحمد بن سليمان، أبو الفضل البغداديّ، ثمّ الأصبهانيّ.
من بيت العلم والحديث. كان واعظًا، عالمًا، فصيحًا، حلو المنطق، عارفًا بالتفّسير، له مشيخة خرَّج فيها عن جماعة منهم: أبوه، وأبو الحسين بن فاذشاه، وابن ريذة، وعبد العزيز بن أحمد بن فاذويه، وغيرهم. روى عنهابنه الحافظ أبو سعد أحمد، وإسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهّاب ابن الأنماطيّ.
حجّ، ورجع، فأدركه أجله ببغداد، في صفر (٢).
٣٣٩ - محمد بن هلال بن المحسّن بن إبراهيم بن هلال ابن الصّابئ، أبو الحسن البغداديّ، غرس النّعمة.
من بيت الكتابة والبلاغة والتّاريخ. جمع ذيلًا على تاريخ أبيه. وكان عاقلًا، لبيبًا، رئيسًا مبجّلًا، سمع أبا عليّ بن شاذان، وغيره. روى عنه ابن السَّمرقنديّ، والأنماطيّ. وتوفّي في ذي القعدة عن ستيّن سنة، أو أربعٍ وستين سنة. وله أيضا كتاب الربيع، وكتاب الهفوات (٣).
٣٤٠ - مسعود بن سهل بن حمك، أبو الفتح النَّيسابوريّ، نزيل مرو.
كان أحد الرّؤساء المتموّلين. روى عن علي بن أحمد بن عبدان الأهوازيّ، وجماعة.
توفّي في حدود هذه السَّنة. وقد ذكر سنة تسعٍ أيضا (٤).
стр. 9947
ومن المتوفين تقريبًا
٣٤١ - إسماعيل بن أحمد بن حسن، الفقيه أبو سريج الشّاشيّ الصُّوفيّ.
شيخ جوّال، لقي المشايخ والصُّلحاء، وحدَّث بنيسابور، وغيرها. سمع بهراة: أبا الحسن محمد بن عبد الرحمن الدّبّاس، وأبا عثمان سعيد بن العبّاس القرشيّ. روى عنه عبد الغفّار الفارسيّ ووثّقه، وأثنى عليه في سياقه (١)، ولقيه سنة سبعين.
٣٤٢ - إسماعيل بن أحمد بن محمد بن محمد بن يحيى بن معاذ الرّازيّ، أبو إبراهيم.
شيخ من أهل نيسابور. صدوق خيّر. سمع عبد الملك بن أبي عثمان الخركوشيّ الواعظ، وغيره. روى عنه سعيد بن الحسين الجوهريّ، شيخٌ لعبد الرحيم ابن السّمعانيّ.
٣٤٣ - إفرائيم بن الزّفّان، أبو كثير اليهوديّ المصريّ، الطّبيب.
خدم ملوك الباطنية بمصر، ونال دنيا عريضة، واقتنى من الكتب شيئًا كثيرًا. وهو أمهر تلامذة علي بن رضوان المذكور في سنة ثلاثٍ وخمسين. وكان إفرائيم في أيّام الأفضل ابن أمير الجيوش. وخلَّف من الكتب ما يزيد على عشرين ألف مجلَّد، ومن الأموال شيئًا كثيرًا (٢).
٣٤٤ - الجنيد بن القاسم، أبو محمد المحتاجي، خطيب ميهنة.
سمع أبا بكر الحيريّ، وأبا إسحاق الإسفراييني. روى عنه حفيده محمد بن أحمد بن الجنيد. وسماعه منه في سنة اثنتين وسبعين.
٣٤٥ - سعيد بن محمد بن أحمد بن سعيد بن صالح، البقّال، أبو القاسم الأصبهانيّ الحافظ.
عن ابن المرزبان الأبهريّ، وابن مردويه، وخلق. وهو والد قتيبة بن
стр. 9948
سعيد البقّال، وأخته لامعة. ذكرهم ابن نقطة مختصرًا (١).
٣٤٦ - سليمان بن أبي الفضل عبّاس بن سليمان، الشّيخ أبو محمد القيروانيّ.
مسند معمَّر، أجاز له من الحجاز أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس، وأبو القاسم عبيد الله السَّقطيّ. وأجاز له من القيروان أبو الحسن القابسيّ.
سمع منه: أبو عليّ الصَّدفيّ، وغيره، وقال: قال لي: لمّا ولدت ذهب أبي إلى أبي الحسن القابسيّ، فقال: سمّه باسم الأعمش. أخبرنا سليمان، قال: أخبرنا ابن فراس كتابةً، قال: أخبرنا نافلة ابن المقرئ، فذكر حديثًا.
٣٤٧ - شبيب بن أحمد بن محمد بن خشنام البستيغيّ النَّيسابوريّ، أبو سعد.
ولد سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاثمائة.
سمع أبا نعيم عبد الملك الإسفراييني، وأبا الحسن العلويّ، وغيرهما. روى عنه أبو عبد الله الفراويّ، وزاهر الشَّحّاميّ، وأخوه وجيه، وأبو الأسعد القشيريّ.
ذكره ابن السّمعانيّ في الأنساب، وقال (٢): كان من الكّراميّة، وبستيغ: قرية من سواد نيسابور، توفّي في سنة نيف وسبعين وأربعمائة (٣).
٣٤٨ - عبد الله بن محمد بن عمر، أبو محمد الطُّليطليّ، ويعرف بابن الأديب.
روى عن الصّاحبين أبي إسحاق بن شنطير، وأبي جعفر بن ميمون، وعبدوس بن محمد، وأبي عبد الله ابن الفخّار. وسمع على أبي القاسم البراذعيّ كتابه في اختصار المدوّنة. وعمّر دهرًا. وحمل النّاس عنه.
قال ابن بشكوال (٤): مات في عشر الثّمانين وأربعمائة.
٣٤٩ - عبد الرحمن بن عبد الله بن أسد الجهنيّ، أبو المطّرف الطُّليطليّ.
روى عن محمد بن مغيث، وأبي محمد العشاريّ، ولقي بمكّة أبا ذرّ الهرويّ.
стр. 9949
وكان ثقة، محدّثًا، فقيهًا، مشاورًا، ذا خيرٍ وتواضع، وسنّ وجلالة، توفّي قبل الثّمانين (١).
٣٥٠ - عبد الرحمن بن محمد بن اللّبّان الصّنهاجيّ القرطبيّ.
روى عن مكّيّ بن أبي طالب، وأبي عمر أحمد بن مهديّ، واختصّ بمحمد بن عتّاب.
وكان عارفًا، نبيهًا، يقظًا، كامل الأدوات، مليح الخطّ، توفّي في نحو الثّمانين أيضا (٢).
٣٥١ - عبد الرحمن بن محمد بن يونس بن أفلح، أبو الحسن الأندلسيّ.
من كبار النُّحاة، أخذ عن أبي تمّام القطينيّ، وأبي عثمان الأصفر. حمل النّاس عه، ومات بإشبيلية في حدود الثّمانين أو بعدها (٣).
٣٥٢ - عبد الصّمد بن سعدون، أبو بكر الصَّدفيّ، المعروف بالرّكانيّ الطُّليطليّ.
روى عن قاسم بن محمد بن هلال، وحجّ فسمع بمصر من أبي محمد بن الوليد، وأبي العبّاس أحمد بن نفيس، وأبي نصر الشّيرازيّ.
وكان صالحًا يلقّن القرآن، وتوفّي بعد سنة خمسٍ وسبعين، قاله ابن بشكوال (٤).
٣٥٣ - عبد الوهّاب بن محمد بن الحسن بن إبراهيم، أبو أحمد الجزريّ البروجرديّ، نزيل اليمن.
مقرئ فاضل، سمع أبا عمر بن مهديّ ببغداد، وأبا محمد ابن النحّاس بمصر. روى عنه مكّيّ الرُّميليّ، وابن طاهر المقدسيّ، ومحمد بن القاسم الحلوانيّ، توفّي بعد السّبعين. قاله السّمعانيّ.
٣٥٤ - عبيد الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسكان، القاضي أبو القاسم ابن الحذّاء القرشيّ النَّيسابوريّ الحنفيّ الحاكم، الحافظ.
стр. 9950
شيخ متقن، ذو عناية تامّة بالحديث والسَّماع. أسنّ وعمّر، وهو من ذرّية عبد الله بن عامر بن كريز. سمع وجمع وصنَّف، وجمع الأبواب والطُّرق، وتفقَّه على القاضي أبي العلاء صاعد. وحدَّث عن جدّه، والسّيد أبي الحسن العلويّ، وأبي عبد الله الحاكم، وابن محمش الزّيادي، وعبد الله بن يوسف، وأبي الحسن بن عبدان، وابن فنجويه، وأبي الحسن ابن السّقّاء، وابن باكويه، وأبي حسّان المزكّيّ، ومن بعدهم إلى أبي سعد الكنجروذيّ، وطبقته. واختصّ بأبي بكر بن الحارث الأصبهانيّ، وأخذ عنه. وكذا أخذ العلم عن أحمد بن عليّ بن فنجويه. وما زال يسمع ويسمع ويحدّث ويفيد.
وقد أكثر عنه أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل، وذكره (١). ولم أجده ذكر له وفاةً. وقد بقي إلى بعد السّبعين وأربعمائة. ووجدت له مجلسًا في تصحيح ردّ الشَّمس وترغيم النّواصب الشُّمس. وقد تكلَّم على رجاله كلام شيعيّ عارفٍ بفنّ الحديث.
ويعرف بالحسكانيّ، وابن حسكويه الّذي روى عنه عبد الخالق الشّحّاميّ آخر يأتي سنة ثمانٍ وثمانين، اسمه عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن حسكويه أبو سعد (٢).
٣٥٥ - عليّ بن الحسن بن عليّ بن بكر، أبو الحسن المحكَّميّ (٣) الأسداباذيّ الفقيه الأديب.
سمع الحديث، وأكثر منه. وعمّر حتّى حدَّث وحمل عنه. سمع بأسداباذ: أبا عبد الله بن شاذي الجيليّ، وأبا القاسم نصر بن أحمد، وببغداد: أبا الحسين بن بشران، وأبا الحسن الحمَّاميّ، وجماعة، وبنيسابور: أبا بكر الحيريّ، وغيره، وبأصبهان وغيرها. روى عنه هبة الله ابن أخت الطّويل الهمذانيّ. وولد سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاثمائة (٤).
стр. 9951
٣٥٦ - محمد بن أحمد بن عثمان، أبو عبد الله القيسيّ الأندلسيّ ابن الحدّاد الشّاعر المشهور. ولقبه: مازن، من أهل مدينة وادي آش، سكن المريّة.
ذكره الأبار، فقال (١): كان من فحول الشُّعراء، وأفراد البلغاء، له ديوان كبير، ومؤلَّف في العروض. اختصَّ بالمعتصم محمد بن معن بن صمادح، وفيه استفرغ مدائحه. ثمّ سار عنه إلى سرقسطة وأقام في كنف المقتدر بن هود. توفّي في حدود الثّمانين وأربعمائة.
٣٥٧ - محمد بن أحمد بن أبي الحسن العارف الميهنيّ، أبو الفضل.
شيخ صالح، ثقة، صوفيّ، سمع الكثير. حدَّث بمرو عن أبي بكر الحيريّ، وأبي سعيد الصَّيرفيّ، وجماعة. وعن جدّه أبي العبّاس.
سمع منه أبو المظفّر السّمعانيّ وابنه مسند الشّافعيّ في سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمائة. روى عنه أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن الخطيب الكشميهنيّ، والحافظ أبو سعد محمد بن أحمد بن محمد بن الخليل، ومحمد بن أحمد بن الجنيد المحتاجيّ، والعبّاس بن محمد العصّاريّ، وعبد الواحد بن محمد التُّونيّ، وسعيد بن سعد الميهنيّ، وآخرون، سمع منهم عبد الرّحيم ابن السّمعانيّ.
٣٥٨ - محمد بن عليّ بن حيدرة، أبو بكر الهاشميّ الجعفريّ البخاريّ.
تفقَّه على القاضي أبي عليّ الحسين بن الخضر النَّسفيّ، وسمع الكثير، وأملى عن أبي الطّيَّب إسماعيل بن إبراهيم الميدانيّ صاحب خلف الخيّام. وعن إبراهيم بن سلم الشّكانيّ (٢)، وأبي مقاتل أحمد بن محمد بن حمدي، ومحمد بن أحمد الغنجار الحافظ.
ولد قبل الأربعمائة، حدَّث عنه عثمان بن عليّ البيكنديّ، وجماعة (٣).
٣٥٩ - محمد بن عليّ بن محمد بن جولة، أبو بكر الأبهريّ الأصبهانيّ.
стр. 9952
عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الجرجاني، وأبي بكر بن مردويه. وعنه أبو المبارك عبد العزيز الأدميّ، وأبو سعد أحمد بن محمد البغداديّ، وأحمد بن حامد بن أحمد بن محمود الثّقفيّ، وأبو مسعود عبد الجليل كوتاه (١).
٣٦٠ - محمد بن الفضل بن جعفر، أبو عبد الله المروزيّ الخرقيّ الزّاهد، من أهل قرية: خرق.
قال السّمعانيّ: كان فقيهًا ورعًا زاهدًا متبرَّكًا به. سمع محمد بن عمر بن طرفة السّجزيّ، وعليّ بن عبدا الطَّيسفونيّ. وكان في الزُّهد والورع إلى غاية. ولد قبل سنة أربعمائة، وبقي إلى حدود سنة ثمانٍ وسبعين. حدثنا عنه عبد الواحد بن محمد التُّونيّ.
٣٦١ - محمد بن محمد بن زيد بن عليّ بن موسى، الشّريف المرتضى أبو المعالي، وأبو الحسن. ذو الشَّرفين، العلويّ، الحسينيّ.
ولد ببغداد وسمع بها من أبي القاسم الحرفيّ، وأبي عبد الله المحامليّ، والبرقانيّ، وطلحة الكتانيّ، ومحمد بن عيسى الهمذانيّ، وأبي عليّ بن شاذان، وأبي القاسم بن بشران، وطائفة. وتخرَّج بأبي بكر الخطيب ولازمه.
روى عنه الخطيب شيخه، وأبو العبّاس المستغفريّ أحد شيوخه، وزاهر الشّحّاميّ، ويوسف بن أيّوب الهمذانيّ، وأبو الأسعد ابن القشيريّ، وهبة الله السّيِّديّ، وخلق آخرهم وفاةً الخطيب أبو المعالي المدينيّ. وممّن حدَّث عنه أبو طالب محمد بن عبد الرحمن الحيريّ، وأبو الفتح أحمد بن الحسين الأديب السمَّرقنديّ؛ حدَّث هذا عنه بالإجازة.
قال فيه السّمعاني: أفضل علويّ في عصره، له المعرفة التّامة بالحديث. وكان يرجع إلى عقلٍ وافر، ورأيٍ صائب. وبرع على الخطيب في الحديث؛ نقل عنه الخطيب، أظنُّ في كتاب البخلاء (٢). ورزق حسن التّصنيف وسكن في آخر عمره سمرقند، ثمّ قدم بغداد وأملى بها. وحدَّث بأصبهان، ثمّ ردّ إلى سمرقند.
سمعت (٣) يوسف بن أيّوب الهمذانيّ يقول: ما رأيت علويًّا أفضل منه. وأثنى عليه. وكان من الأغنياء المذكورين. وكان كثير الإيثار، ينفّذ كلّ سنة
стр. 9953
إلى جماعةٍ من الأئمّة إلى كلّ واحدٍ ألف دينار أو خمسمائة أو أكثر، وربمّا يبلغ مبلغ ذلك عشرة آلاف دينار، ويقول: هذه زكاة مالي، وأنا غريب، ففرِّقوا على من تعرفون استحقاقه. ويقول: كلّ من أعطيتموه شيئًا، فاكتبوا له خطّا، وأرسلوه حتّى نعطيه من عشر الغلَّة. وكان يملك قريبًا من أربعين قرية خالصة بنواحي كش، وله في كلّ قرية وكيل أوفى من رئيسٍ بسمرقند.
قلت: هذا فرط في المبالغة من السّمعانيّ.
ثمّ قال: سمعت أبا المعالي محمد بن نصر الخطيب يقول ذلك، وكان من أصحاب الشّريف. وسمعت أبا المعالي يقول: إنّ الشّريف عمل بستانًا عظيمًا، فطلب ملك سمرقند وما وراء النهّر الخضر خاقان أن يحضر البستان، فقال الشّريف السّيّد لحاجب الملك: لا سبيل إلى ذلك، فألحّ عليه، فقال: لكن لا أحضر، ولا أهيئ آلة الفسق والفساد لكم، ولا أفعل ما يعاقبني الله عليه في الآخرة. فغضب الملك، وأراد أن يمسكه، فاختفى عند وكيل له نحو شهرين، ونودي عليه في البلد، فلم يظفروا به. ثم أظهروا النَّدم على ما فعلوا، فألحّ عليه أهله حتّى ظهر، وجلس على ما كان مدّة. ثمّ إنّ الملك نفَّذ إليه يطلبه ليشاوره في أمر، فلّما استقرَّ عنده أخذه وسجنه، وأخذ جميع ما يملكه من الأموال والجواهر والضّياع، فصبر وحمد الله، وقال: من يكون من أهل بيت رسول الله ﷺ ، لا بدّ وأن يبتلى، وأنا ربِّيت في النّعمة، وكنت أخاف لا يكون وقع خلل في نسبي، فلّما وقع هذا فرحت، وعلمت أنّ نسبي متّصل!
قال لنا أبو المعالي: فسمعنا أنّهم منعوه من الطّعام حتّى مات جوعًا. ثمّ أخرج من القلعة ودفن. وهو من ولد زين العابدين عليّ بن الحسين ﵁.
قال السّمعانيّ: قال أبو العبّاس الجوهريّ: رأيت السّيّد المرتضى أبا المعالي بعد موته وهو في الجنّة، وبين يديه مائدة من طعام، وقيل له: ألا تأكل؟ قال: لا حتّى يجيء ابني، فإنّه غدًا يجيء. فلما انتبهت، وذلك في رمضان سنة اثنتين وتسعين، قتل ابنه أبو الرّضا في ذلك اليوم.
ولد السّيّد المرتضى ﵁ في سنة خمسٍ وأربعمائة، واستشهد بعد سنة ستٍّ وسبعين، وقيل: سنة ثمانين، قتله الخاقان خضر بن إبراهيم صاحب ما وراء النَّهر.
وقد قدم رسولًا من سلطان ما وراء النّهر إلى الخليفة القائم بأمر الله في سنة ثلاثٍ وخمسين.
стр. 9954
قلت: وقع لنا من تصنيفه كتاب فرحة العالم، سمعناه بالإجازة العالية من ابن عساكر، فأخبرنا أحمد بن هبة الله قال: أخبرنا أبو المظفّر ابن السّمعاني كتابةً، قال: أخبرنا أبو الأسعد ابن القشيريّ، قال: أخبرنا أبو المعالي محمد بن محمد الحسينيّ الحافظ، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد الفارسيّ، قال: أخبرنا محمد بن العبّاس بن نجيح، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا بشر بن عمر، وسعيد بن عامر، قالا: حدثنا شعبة، عن زياد بن علاّقة، عن أسامة بن شريك قال: أتيت رسول الله ﷺ وأصحابه كأنّما على رؤوسهم الطَّير.
الفارسيّ هو شاذان (١).
٣٦٢ - مطهر بن بحير بن محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن بحير، أبو القاسم البحيريّ النّيسابوريّ.
حدَّث عن أبيه، والحاكم، وحمزة المهلَّبيّ، وابن محمش. وعنه ابن ماكولا، وابن طاهر المقدسيّ، وعبد الغافر وقال: شيخ معروف سديد (٢).
٣٦٣ - نصر بن عليّ بن أحمد بن منصور بن شاذويه، أبو الفتح الحاكميّ الطُّوسيّ.
شيخ عالم مشهور معمَّر، حدَّث بالسُّنن لأبي داود، عن أبي عليّ الرُّوذباريّ. وسمع أيضا من أبي بكر الحيريّ.
وأحضر إلى نيسابور، فسمعوا منه السُّنن.
قال أبو سعد السّمعانيّ: فسمعه منه جدّي. روى عنه لولدي عبد الرّحيم: صخر بن عبيد الطّابرانيّ، وهبة الرحمن ابن القشيريّ، وأبو الفتح محمد بن أبي أحمد الحصريّ. مات بعد السّبعين والأربعمائة (٣).
стр. 9955
الطبقة التاسعة والأربعون
(٤٨١ - ٤٩٠ هـ)
стр. 9956
بسم الله الرحمن الرحيم.
(الحوادث)
سنة إحدى وثمانين وأربعمائة
فيها استولت الفرنج على مدينة زويلة من بلاد إفريقيّة (١)، جاؤوا في البحر في أربعمائة قطعة فنهبوا وسبوا، ثمّ صالحهم تميم بن باديس، وبذل لهم من خزانته ثلاثين ألف دينار فردّوا جميع ما حووه.
وفيها مات النّاصر بن علناس بن حمّاد، ووليّ بعده ابنه المنصور، فجاءته كتب تميم بن المعزّ، وكتب يوسف بن تاشفين صاحب مرّاكش بالعزاء والهناء.
وفيها مات ملك غزنة الملك المؤّيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وكان كريمًا، عادلًا، مجاهدًا، عاقلًا، له رأي ودهاء، ومن مخادعته أن السّلطان ملكشاه سار بجيوشه يقصده، ونزل بأسفزار (٢)، فكتب إبراهيم كتبًا إلى جماعةٍ من أعيان أمراء ملكشاه يشكرهم، ويعتذر لهم بما فعلوه من تحسينهم لملكشاه أن يقصده: ليتم لنا ما استقر بيننا من الظفر به، وتخليصكم من يده، ويعدهم بكلّ جميل. وأمر القاصد بالكتب أن يتعرض لملكشاه في تصيّده، فأخذ وأحضر عند ملكشاه فقررّه، فأنكر، فأمر بضربه، فأقرّّ وأخرج الكتب، فلما فتحها وقرأها تخيّل ملكشاه من أمرائه، وكتم ذلك عنهم خوف الوحشة، ورجع من وجهه.
وكان إبراهيم يكتب في العام ختمةً، ويهديها ويتصدّق بثمنها. وكان يقول: لو كنت بعد وفاة جدي محمود لما ضعف ملكنا، ولكني الآن عاجز أن أسترد ما أخذ منّا من البلاد لكثرة جيوشهم.
стр. 9957
وقام في الملك بعده ولده جلال الدّين مسعود، الذي كان أبوه زوجه بابنة السّلطان ملكشاه، وناب نظام الملك في عرسه عليها مائة ألف دينار.
وفيها جمع آقسنقر متولي حلب العساكر، ونازل شيزر، ثمّ صالحه صاحبها ابن منقذ.
وفيها مات الملك أحمد ابن السّلطان ملكشاه، وله إحدى عشرة سنة، وكان قد جعله وليّ عهده عام أوّل، ونثر الذّهب على الخطباء في البلاد عند ذكره. فلمّا مات عمل عزاؤه ببغداد سبعة أيام بدار الخلافة، ولم يركب أحد فرسًا وناح النّساء في الأسواق عليه، وكان منظرًا فظيعًا.
وفيها توجه ملكشاه إلى سمرقند ليملكها، فوصل إليها في السنة المقبلة كما سيأتي.
سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة
في صفر كبس غوغاء السّنة الكرخ، وقتلوا رجلًا وجرحوا آخر، فأغلق أهل الكرخ أسواقهم، ورفعوا الّمصاحف وثياب الّرجلين بالدماء، ومضوا إلى دار كمال الملك الدّهستاني مستغيثين، فأرسل إلى الّنقيب طراد يطلب منه إحضار الرّجلين القاتلين، فلم يقدر، وكفّ النّاس، فلما سار السّلطان عادت الفتنة.
وفيها ملك السّلطان ما وراء النهر، وذلك لأن سمرقند تملكها ابن أخي تركان زوج السّلطان، وكان صبيًا ظلومًا غشومًا، كثير المّصادرة فكتبوا إلى السّلطان سرًا يستغيثون به ليتملك عليهم، فطمع السّلطان، وتحركت همته، وسار من أصبهان بجميع جيوشه، وعبر النّهر، وقصد بخارى فملّكها، وقصد سمرقند ونازلها، وكاتب أهلها، ففرح به التّجار والرؤساء، وفرّق صاحبها أحمد خان الأبرجة على الأمراء، وسلم برج العّيار إلى رجل علوي، فنصح في القّتال. وكان ولده ببخارى فأسر فبعث إليه ملكشاه يهدده بقتله، ففتر عن القتال. ورمى السّلطان عدة أماكن من السّور بالمنجنيقات، فلما صعدوا السّور اختفى أحمد خان في بيت عامي، فغمز عليه، وحمل إلى السّلطان يجر بحبل،
стр. 9958
فأكرمه السّلطان وأطلقه، وأرسله تحت الاحتياط إلى أصبهان. ورتب لسمرقند أبا طاهر عميد خوارزم.
ثمّ قصد كاشغر، فبلغ إلى يوزكند، وهي بلدة يجري على بابها نهر، فأرسل رسله إلى ملك كاشغر يأمره بإقامة الخطبة والسّكة له، ويتهدده إن خالف. فدخل في الطّاعة، وجاء إلى الخدمة، فأكرمه السّلطان وعظمه، وأنعم عليه، ورده إلى بلده. ثمّ رد إلى خراسان، فوثبّ عسكر سمرقند بالعميد أبي طاهر، فاحتال حتّى هرب منهم، وكان كبيرهم عين الدّولة، ثمّ ندم وخاف، فكاتب يعقوب أخا الملك صاحب كاشغر فحضر واتفق معه، وجرت أمور، فلمّا اتصلت الأخبار بالسلطان كرّ راجعًا إلى سمرقند، فهرب يعقوب وكان قد قتل عين الدّولة، فلحق بفرغانة وهي ولايته، ثمّ هادنه، ورجع بعد فصول طويلة.
وفيها أرسلت ابنة السّلطان زوجة الخليفة تشكو من الخليفة كثرة اطراحه لها، فأرسل يطلب بنته طلبًا لا بد منه، فأذن لها الخليفة، ومعها ولدها جعفر، وسعد الدّولة كوهرائين، فذهبت إلى أصبهان، فأدركها الموت في ذي القعدة من السّنة، وعمل الشّعراء فيها المراثي.
فيها جاء عسكر مصر فافتتحوا صور وصيدا، وكانّ فتحها في السنة الآتية.
سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة
فيها افتتح أهل مصر صور، وكان قد تغلب عليها القاضي عيّن الدّولة ابن أبي عقيل، ثمّ توفي ووليها أولاده، فسّلموها لضعفهم. وسارت العّساكر إلى صيدا فتسلموها. ثمّ ساروا إلى عكا، فحاصروها وضيّقوا على المسلمين فافتتحوها. وملكوا مدينة جبيل، ورتبوا نواب المستنصر بها، ورجعوا إلى مصر منصورين مظفرين بعزم أمير الجيوش.
وفيها عظمت البليّة ببغداد بين السّنة والشّيعة، وقتل بيّنهم بشرٌ كثير، وركب شحنة بغداد ليكفهم فعجز، وذلت الرّافضة بإعانة الخليفة وأعوانه عليهم، وأجابوا إلى إظهار السّنة، وكتبوا بالكرخ على أبواب مساجدهم: خّير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ علي فعظم هذا
стр. 9959
على جهلتهم وشطارهم، فثاروا ونهبوا شارع ابن أبي عوف، وفي جملة ما نهبوا دار المحدّث أبي الفضل بن خيرون، فذهب مستصرخًا ومعه خلق، ورفعت العامة الصلبان وهجموا على الوزير وما أبقوا ممكنًا، وقتل يومئذ رجل هاشمي بسهم غرب، فقتلت السّنة عوضه رجلًا علويًا وأحرقوه. وجرت أمور قبيحة، فطلب الخليفة من صدقة بن مزيد عسكرًا فبعث عسكرًا، وتتبعوا المفسدين إلى أن خمدت الفتنة.
وفيها كان قحط بإفريقيّة وحروب، ثمّ أمنوا ورخصت الأسعار.
وفيها عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدّولة بباب أبرز، ودرس بها أبو بكر الشّاشيّ، وتعرف بالمدرسة التاجية.
وفيها عمرت منارة جامع حلب.
وفيها سرق رجل نحوي أشقر ثيابًا فأخذ وهموا به فهرب وذهب إلى بلاد بني عامر، بنواحي الإحساء، وقال لأميرهم: أنت تملك الأرض ويتم لك، وأنت أجدادك أفعالهم بالحاج في التواريخ. وحسن له نهب البصرة فجمع العربان، وقصد البصرة بغتة، والناس آمنون بهيبة السّلطان، فملكها ونهبها، وفعلوا كل قبيح، وأحرقوا عدة أماكن، وجاء الصريخ إلى بغداد، فانحدر سعد الدّولة كوهرائين، وسيف الدّولة صدقة بن مزيد، فوجدوا الأمر قد فات، ثمّ أخذ ذلك النحوي فشهر وصلب ببغداد.
وفيها وصل للنّظامية مدرسان، كل واحد معه منشور بها من نظام الملك، وهما أبو محمد عبد الوهاب الشّيرازيّ، وأبو عبد الله الطبري. ثمّ تقرر الأمر أن كل واحد يدرس يومًا.
وفيها مات فخر الدّولة بن جهير.
وفي شعبان تسلم ابن الصباح رأس الإسماعيلية قلعة أصبهان، وذلك أول ظهورهم. وسيأتي ذكرهم في سنة أربع وتسعين.
стр. 9960
سنة أربع وثمانين وأربعمائة
فيها عزل عن الوزارة ببغداد أبو شجاع بعميد الدّولة بن جهير وأمر بلزوم داره، فتمثل عن نفسه بقول الشاعر:
تَوَلَّاهَا وليسَ له عدُوُّ … وفارقها وليسَ له صديقُ
وفيها استولى أمير المسلمين يوسف على بلاد الأندلس قرطبة، وإشبيلية، وسجن ابن عباد، وفعل في حقه ما لا ينبغي لملك، فإن الملوك إما أن يقتلوا، وإما أن يسجنوا، ويقرر لذلك المحبوس راتب يليق به، وهذا لم يفعل ذلك، بل استولى على جميع مملكته وذخائره، وسجنه بأغمات، ولم يجر على أولاده ما يكفيهم، فكن بنات المعتمد بن عباد يغزلن بالأجرة، وينفقن على أنفسهن، فأبان أمير المسلمين بهذا عن صغر نفس، ولؤم طبع.
واتسعت ممكلته واستولى على المغرب وكثير من إقليم الأندلس، وترك كثيرًا من جيوشه بثغور الأندلس، وطاب لهم الخصب والرفاهية، واستراحوا من جبال البربر وعيشها القشب، ولقبهم بالمرابطين. وسالمه المستعين بالله ابن هود صاحب شرق الأندلس، وكان يبعث إليه بالتحف. وكان هو وأجناده ممن يضرب بهم المثل في الشجاعة، فلما احتضر يوسف بن تاشفين أوصى ولده عليًا ببني هود وقال: اتركهم بينك وبين العدو، فإنهم شجعان.
وفيها استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلية، وأول ما فتحها المسلمون بعد المائتين، وحكم عليها آل الأغلب دهرًا، إلى أن استولى المهدي العبيدي على الغرب، وكان العزيز العبيدي صاحب مصر قد استعمل عليها الأمير أبا الفتوح يوسف بن عبد الله فأصابه فالج، فاستناب ولده جعفرًا فضبط الجزيرة، وأحسن السيرة إلى سنة خمس وأربعمائة، فخرج عليه أخوه علي في جمع من البربر والعبيد، فالتقوا فقتل خلق من البربر والعبيد، وأسر علي، وقتله أخوه، فعظم قتله على أبيه وهو مفلوج، وأمر جعفر بنفي كل بربري بالجزيرة، فطردوا إلى إفريقيّة، وقتلوا سائر العبيد، واستخدم له جندًا من أهل البلد، فاختلف عسكره، ولم تمض إلا أيام حتّى أخرجوه وخلعوه، وأرادوا قتله. وكان ظلومًا لهم، عسوفًا، فعملوا حسبته، وحصروه في قصره سنة عشر وأربعمائة، فخرج إليهم أبوه أبو الفتوح في محفة، فرقوا لحاله،
стр. 9961
وأرضاهم، واستعمل عليهم ابنه أحمد المعروف بالأكحل. ثمّ جهز ابنه في البحر في مركب إلى مصر، وسار هو بعد ابنه ومعهما من العين ستمائة ألف وسبعون ألف دينار. وكان ليوسف من الخيل ثلاث عشرة ألف حجرة، سوى البغال وغيرها. ومات يوم مات وما له إلا فرس واحدة.
وأما الأكحل فكان حازمًا سائسًا أطاعه جميع حصون صقلية التي للمسلمين، ثمّ إن أهل صقلية اشتكوا منه، وبعث المعز بن باديس جيشًا عليهم ولده، فحصروا الأكحل، ووثب عليه طائفة من البلد، فقتلوه في سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ثمّ رأوا مصلحتهم في طرد عسكر ابن باديس عنهم، فالتقوا، فانهزم الإفريقيون، وقتل منهم ثمانمائة نفس، ورجع الباقون بأسوأ حال، فولى أهل صقلية عليهم الأمير حسنًا الصمصام أخا الأكحل، فلم يتفقوا وغلب كل مقدم على قلعة، واستولى الأراذل. ثمّ أخرجوا الصمصام، فانفرد القائد عبد الله بن منكوت بمازر وطرابنش، وانفرد القائد علي بن نعمة بقصريانه وجرجنت، وانفرد ابن الثمنة بمدينة سرقوسة وقطانية، وتحارب هو وابن نعمة، وجرت لهما خطوب، فانهزم ابن الثمنة، فسولت له نفسه الانتصار بالنصارى، فسار إلى مالطة، وقد أخذتها الفرنج بعد السبعين وثلاثمائة وسكنوها، فقال لملكها: أنا أملكك الجزيرة، وملأ يد هذا الكلب خسايا، فسارت الفرنج معه في سنة أربع وأربعين وأربعمائة، فلم يلقوا من يمنعهم، فأخذوا ما في طريقهم، وحاصروا قصريانه. وعمل معه ابن نعمة مصافًا، فهزموه، فالتجأ إلى القصر، وكان منيعًا حصينًا. فرحلوا عنه واستولوا على أماكن كثيرة، ونزح عنها خلق من الصالحين والعلماء، واجتمع بعضهم بالمعز، فأخبره بما الناس فيه من الويل مع عدوهم، فجهز أسطولًا كبيرًا، وساروا في الشتاء، فغرق البحر أكثرهم، وكان ذلك مما أضعف المعز، وقويت عليه العرب، وأخذت البلاد منه، وتملك الفرنج أكثر صقلية.
واشتغل المعز بما دهمه من العرب الذين بعثهم صاحب مصر المستنصر لحربه وانتزاع البلاد منه، فقام بعده ولده تميم في الملك، فجهز أسطولًا وجيشًا إلى صقلية، فجرت لهم حروب وأمور طويلة، ورجع الأسطول، وصحبهم طائفة من أعيان أهل صقلية، ولم يبق أحد يمنع الفرنج، فاستولوا على بلاد صقلية، سوى قصريانه وجرجنت، فحاصروا المسلمين مدة حتّى
стр. 9962
كلوا، وأكلوا الميتة من الجوع، وسلم أهل جرجنت بلدهم، ولبثت قصريانه بعدهم ثلاث سنين في شدة من الحصار، ولا أحد يغيثهم، فسلموا بالأمان، وتملك روجار، جميع الجزيرة، وأسكنها الروم والفرنج مع أهلها.
وهلك رجار قبل التسعين وأربعمائة، وتملك بعده ابنه، فاتسعت ممالكه، وعمر البلاد، وبالغ في الإحسان إلى الرعية، وتطاول إلى أخذ سواحل إفريقيّة.
وفي رمضان وصل السّلطان إلى بغداد، وهي القدمة الثانية، وبادر إلى خدمته أخوه تاج الدّولة تتش صاحب دمشق، وقسيم الدّولة آقسنقر صاحب حلب، وغيرهما من أمراء النواحي، فعمل الميلاد ببغداد، وتأنقوا في عمله على عادة العجم، وانبهر الناس، ورأوا شيئًا لم يعهدوه من كثرة النيران، حتّى قال شاعرهم:
وكل نارٍ على العشاق مضرمةٌ … من نار قلبي أو من ليلة الصدق
نارٌ تجلت بها الظلماء فاشتبهت … بسدفة الليل فيه غرةٌ الفلق
وزارت الشمس فيه البدر واصطلحا … على الكواكب بعد الغيظ والحنق
مدت على الأرض بسطٌ من جواهرها … ما بين مجتمع وارٍ ومفترق
مثل المصابيح إلا أنها نزلت … من السماء بلا رجمٍ ولا حرق
أعجب بنارٍ ورضوانٌ يسعرها … ومالك قائمٌ منها على فرق
في مجلسٍ ضحكت روض الجنان لهُ … لما جلى ثغره عن واضحٍ يقق
وللشموع عيونٌ كلما نظرت تظلمت … من يديها أنجم الغسق
من كل مرهفة الأعطاف كالغصن الـ … ـمياد لكنه عارٍ من الورق
إني لأعجب منها وهي وادعةٌ … تبكي وعيشتها من ضربه العنق
وفي آخرها أمر السّلطان بعمل جامعٍ كبير له ببغداد، وعمل الأمراء حوله دورًا لهم ينزلونها، ولم يدروا أن دولتهم قد ولت، وأيامهم قد تصرمت نسأل الله خاتمة صالحة.
وفيها كانت زلازل عظيمة مزعجة بالشام، وتخرب من سور أنطاكية تسعون برجًا، وهلك من أهلها عالمٌ كثير تحت الردم، فأمر السّلطان بعمارتها.
стр. 9963
سنة خمس وثمانين وأربعمائة
فيها وقعة جيان بالأندلس؛ كانت بعد وقعة الزلاقة، وتقاربها في الكبر فإن الأذفونش جمع جموعًا عظيمة، وقصد بلاد جيان، فالتقاه المرابطون فانهزم المسلمون، وأشرف الناس على خطة صعبة، ثمّ أنزل الله النصر، فثبتوا وهزموا الكفار، ووضعوا السيف فيهم، ونجا الأذفونش في نفر يسير. ثمّ تهيأ في العام القابل وأغار على القرى وحرق الزرع، وبقي الناس معه في بلاء شديد، وشاخ وعمر، وكان من دهاة الروم، وهو أكبر ملك للفرنج، تحت يده عدة ملوك وجعل دار مملكته طليطلة، فبقي مجاورًا لبلاد الإسلام. وهو من ذرية هرقل. وكان عنده كتاب النبي ﷺ إلى جده، قال اليسع بن حزم: حدثنا الفقيه أبو الحسن بن زيدان قال: لما توجهنا إلى ابن بنته رسلًا أنا وفلان، أمر فأخرج سفط فيه حق ذهب مرصع بالياقوت والدر، فاستخرج منه الكتاب كما نصه في صحيح البخاري فلما رأيناه بكينا، فقال: مم تبكون؟ فقلنا: تذكرنا به النبي ﷺ . فقال: إنما هذا الكتاب شرفي وشرف آبائي من قبلي.
وفيها أمر السّلطان ملكشاه لقسيم الدّولة وبوزان وغيرهما أن يسيروا في خدمة أخيه تتش، حتّى يستولوا على ما بيد المستنصر العبيدي بالسّواحل، ثمّ يسيرون بعد ذلك إلى مصر فيفتحونها، فساروا إلى أن نزلوا على حمص، وبها صاحبها ابن ملاعب، وكان كثير الأذية للمسلّمين، فأخذوا منه البلد بعد أيام. ثمّ ساروا إلى حصن عرقة، فأخذوه بالأمان. ثمّ نازل طرابلس، فرأى صاحبها جلال الملك ابن عمار جيشًا لا قبل له به، فأرسل إلى الأمراء الذين مع تتش، ووعدهم ليصلحوا حاله، فلم ير فيهم مطمعًا ثمّ سير لقسيم الدّولة ثلاثين ألف دينار وتقادم فسعى له عند تتش هو وكاتبه، فغضب تتش وقال: هل أنت إلا تابع لي. فخلاه في الليل، ورحل إلى حلب، فاضطر تتش إلى التّرحل عن البلد (١) وانتقض ما قرر لهم السّلطان من الفتوح.
وفيها افتتح للسلطان اليمن؛ كان فيمن حضر إلى خدمته ببغداد جبق أمير التّركمان صاحب قرميسين، فجهزه السّلطان في جماعة أمراء من التّركمان إلى
стр. 9964
الحجاز واليمن، وأن يكون أمرهم إلى سعد الدّولة كوهرائين، فاستعمل عليهم كوهرائين عوضه ترشك، فساروا إلى اليمن واستولوا عليها، فظلموا وعسفوا وفسقوا فأسرفوا، وملكوا عدن، وظهر على ترشك جدري أهلكه بعد جمعة من وصوله إلى عدن. وعاش سبعين سنة فنقله أصحابه معهم، ودفن ببغداد عند مشهد أبي حنيفة.
قال صاحب المرآة (١): وفي غرة رمضان توجه السّلطان من أصبهان إلى بغداد عازمًا على تغيير الخليفة، فوصل بغداد في ثامن عشر رمضان، فنزل داره، ثمّ بعث إلى الخليفة يقول: لا بد أن تترك لي بغداد، وتذهب إلى أي بلد شئت. فانزعج الخليفة وقال: أمهلني ولو شهرًا. فقال: ولا ساعة. فبعث الخليفة إلى وزير السّلطان تاج الملك، فطلب المهلة عشرة أيام. فاتفق مرض السّلطان وموته، وعد ذلك كرامة للخليفة.
وفي عاشر رمضان قتل نظام الملك الوزير بقرب نهاوند؛ أتاه شاب ديلمي من الباطنية في صورة مستغيث فضربه بسكين عندما أخرجت محفته إلى خيمة حرمه بعد إفطاره، وتعس الباطني فلحقوه وقتلوه. وكان مولده سنة ثمان وأربعمائة.
وقيل: إن السّلطان هو الذي دس عليه من قتله؛ لأن ابن نظام الملك كان شابًا طريًا، وليّ نظر مرو ومعه شحنة للسلطان، فعمد وقبض عليه. فغضب السّلطان، وبعث جماعة إلى نظام الملك يعنفه ويوبخه ويقول: إن كنت شريكي في الملك فلذلك حكم! وهؤلاء أولادك قد استولى كل واحد على كورة كبيرة، ولم يكفهم حتّى تجاوزوا أمر السياسة، فأدوا الرسالة، فقوى نفسه، وأخذ يمت بأمور ما أظن عاقلًا يقولها، ويقول: إن كان ما علم أني شريكه في الملك فليعلم، فازداد غضب السّلطان ملكشاه وعمل عليه، ولكنه ما متع بعده، إنما بقي خمسةً وثلاثين يومًا ومات.
فلما مات السّلطان كتمت زوجته تركان موته، وأرسلت إلى الأمراء سرًا فاستحلفتهم لولدها محمود ابن السّلطان، وهو في السّنة الخامسة من عمره. فحلفوا له، وأرسلت إلى المقتدي بالله في أن يسلطنه، فأجاب، وخطب له،
стр. 9965
ولقب ناصر الدنيا والدين، وأرسلت في الحال تركان إلى أصبهان من قبض على بركياروق أكبر أولاد السّلطان فقبض عليه. فلما اشتهر موت أبيه وثب المماليك بأصبهان، وأخرجوه وملكوه بأصبهان. وطالبت العساكر تاج الملك الوزير بالأرزاق، فوعدهم فلما وصل إلى قلعة برجين التي فيها الخزائن صعد إليها ليفرق فيهم، فأغلقها وعصى على تركان فنهبت العساكر أثقاله، وذهبت هي إلى أصبهان. فندم ولحقها، وزعم أن متولي القلعة حبسه، وأنه هرب منه، فقبلت عذره.
وأما بركياروق ففارق أصبهان، وبادر إلى الريّ، وانضم إليه فرقة من العسكر، وأكثرهم من المماليك النظامية، لبغضهم لتاج الملك؛ لأنه كان عدوًا لمولاهم، وهو المتهم بقتله، فنازلو قلعة طبرك، وأخذوها عنوةً، وجهزت تركان عساكرها لحربهم، فالتقى الجمعان بناحية بروجرد، فخامر طائفة، والتفوا أيضا على بركياروق، واشتد الحرب. ثمّ انهزم عسكر تركان، وساق بركياروق في أثرهم، فنازل أصبهان في آخر السنة. وأسر بعد الوقعة تاج الملك، فأتي به بركياروق وهو على أصبهان، فأراد أن يستوزره.
وأخذ تاج الملك في إصلاح كبار النظامية، وفرق فيهم مائتي ألف دينار، وبلغ ذلك عثمان ابن نظام الملك، فشغب عليهم سائر الغلمان الصغار، وقال: هذا قاتل أستاذكم. ففتكوا به، وقطعوه في المحرم سنة ست. وكان كثير المحاسن والفضائل وإنما غطى ذلك ممالأته على قتل النظام، ولأن مدته لم تطل، وعاش سبعًا وأربعين سنة.
وأما عرب خفاجة فطمعوا بموت السّلطان، وخرجوا على الركب العراقي، فأوقعوا بهم، وقتلوا أكثر الجند الذين معهم، ونهبوا الوفد، ثمّ أغاروا على الكوفة، فخرجت عساكر بغداد وتبعتهم حتّى أدركتهم فقتل من خفاجة خلق، ولم تقو لهم شوكة بعدها.
وفيها كان الحريق المهول ببغداد، وكان من الظهر إلى العصر. قال صاحب الكامل (١): واحترق من الناس خلق كثير، واحترق نهر معلى، من عقد الحديد إلى خرابة الهراس، إلى باب دار الضرب، واحترق سوق الصاغة،
стр. 9966
والصيارف، والمخلطين والريحانيين، وركب الوزير عميد الدّولة ابن جهير وأتى، فما زال راكبًا حتّى أطفئ.
وفيها وقع بالبصرة برد عظيم كبار، أهلك الحرث والنسل. كانت البردة من خمسة أرطال إلى عشرة أرطال.
سنة ست وثمانين وأربعمائة
استهلت وبركياروق منازل أصبهان، فخرج إليه جماعة من أولاد نظام الملك، فاستوزر عز الملك ابن نظام الملك الذي كان متولي خوارزم.
وأما تاج الدّولة تتش صاحب دمشق، فلما علم بموت أخيه ملكشاه جمع الجيوش وأنفق الأموال، وسار يطلب السلطنة، فمر بحلب وبها قسيم الدّولة آقسنقر فصالحه وصار معه، وأرسل إلى ياغي سيان صاحب أنطاكية، وإلى بوزان صاحب الرها وحران، يشير عليهما بطاعة تتش، فصاروا معه، وخطبوا له في بلادهم، وقصدوا الرّحبة، فملكوها في المحرم سنة ست. ثمّ سار بهم وحاصر نصيبين، فسبوه ونالوا منه، فغضب وأخذها عنوةً، وقتل بها خلقًا ونهبها. ثمّ سلّمها إلى محمد ابن شرف الدّولة العقيلي، وقصد الموصل.
واستوزر الكافي ابن فخر الدّولة بن جهير، أتاه من جزيرة ابن عمر.
وكان قد غلب على الموصل إبراهيم بن قريش أخو شرف الدّولة، فعمل معه مصافًا، وتعرف بوقعة المصنع، فكان هو في ثلاثين ألفًا، وكان تتش في عشرة آلاف فتمت الكسرة على جيش إبراهيم، وأخذ أسيرًا، ثمّ قتل صبرًا. وقيل: إن تقدير القتلى من الفريقين عشرة آلاف، وامتلأت الأيدي من السّبيّ والغنائم، حتّى أبيع الجمل بدينار، وأما الغنم فقيل: أبيعت مائة شاة بدينار. ولم يشاهد أبشع من هذه الوقعة، وقتل بعض نسوان العرب أنفسهن خوف الفضيحة، ومنهن من غرقت نفسها.
وأقر تتش على الموصل الأمير علي ابن شرف الدّولة وأمه صفية، وهي عمة تتش، ثمّ بعث إلى بغداد يطلب تقليدًا بالسلطنة، وساعده كوهرائين فتوقفوا قليلًا.
وسار تتش فملك ميافارقين، وديار بكر وقصد أذربيجان، وغلب على
стр. 9967
بعضها، فبادر بركياروق ليدفع عمه تتش عن البلاد، وقصده، فالتقيا، فقال قسيم الدّولة لبوزان: إنما أطعنا هذا لننظر ما يكون من أولاد السّلطان، والآن فقد ظهر ابنه هذا، وينبغي أن نكون معه، ففارقا تتش وتحولا بعسكرهما إلى بركياروق، فلما رأى ذلك تتش ضعف ورجع إلى الشّام، واستقام دست بركياروق.
وفيها في جمادى الآخرة جاء عسكر المصريين، فتملكوا مدينة صور بمخامرة أهلها، وأخذ متوليها إلى مصر، فقتل هو وجماعة.
ولم يحج أحدٌ من العراق، بل خرج ركب من دمشق، فنهبهم أمير مكة محمد بن أبي هاشم، وخرجت عليهم العربان غير مرة ونهبوهم، وتمزقوا، وقتل جماعة، ورجع من سلم في حال عجيب.
وأما بغداد فهاجت بها فتنة مزعجة على العادة بين السّنة والرافضة.
وسار سيف الدّولة صدقة بن مزيد أمير العرب، فلقي السّلطان بركياروق بنصيبين، وسار في خدمته إلى بغداد، فوصلها في ذي القعدة، وخرج عميد الملك بن جهير الوزير والناس معه إلى تلقيه.
ومات جعفر ابن المقتدي بالله، وله ست سنين، وهو سبط السّلطان ملكشاه.
سنة سبع وثمانين وأربعمائة
في أولها خطب ببغداد للسلطان بركياروق، ولقب ركن الدّولة وعلم الخليفة على تقليده، ومات الخليفة المقتدي من الغد فجاءة، وبويع بالخلافة ولده المستظهر.
وأما تاج الدّولة تتش فإنه رجع وشرع يجمع العساكر، وصار قسيم الدّولة وبوزان ضدًا له، وأمدهما بركياروق بعسكر، فكان بينهما مصاف بتل السّلطان، على بريد من حلب، فانهزم جمع آقسنقر صاحب حلب، وثبت هو، فأخذ أسيرًا، وأحضر بين يدي تتش، فقال له: لو كنت ظفرت بي ما كنت تفعل بي؟ قال: كنت أقتلك، فذبحه صبرًا. وساق إلى حلب وقد دخلها المنهزمون، فحاصرها حتّى ملكها، وأخذ الأميرين بوزان وكربوقا أسيرين. فقتل بوزان ثمّ بعث برأسه إلى أهل حران والرها، فخافوه، وسلموا له البلدين، وسجن
стр. 9968
كربوقا بحمص. ثمّ سار إلى بلاد الجزيرة فملكها، ثمّ ملك خلاط وغيرها. ثم سار فافتتح أذربيجان جميعها، وكثرت جيوشه واستفحل أمره.
وسار بركياروق في طلب عمه، فبيته ليلة عسكر تتش، فانهزم بركياروق في طائفة يسيرةٍ، ونهبت أثقاله، فقصد أصبهان لما بلغه موت امرأة أبيه تركان، ففتحوا له خديعة، وقبضوا عليه، وأرادت الأمراء أن يكحلوه، فاتفق أن أخاه محمود ابن السّلطان ملكشاه جدر، فقال لهم الطبيب: ما كأنه يسلم، فلا تعجلوا بكحل هذا، وأنتم تكرهون أن يملك تاج الدّولة تتش، فدعوا هذا حتّى تنظروا في أمركم، فمات محمود في سلخ شوال وله سبع سنين، فملكوا بركياروق، ووزر له مؤيد الملك ابن نظام الملك، لأن أخاه الوزير عز الملك مات بناحية الموصل مع السّلطان، فأخذ مؤيد الملك يكاتب له الأمراء ويتألفهم، فقوي سلطانه وتم.
وفيها مات المستنصر بالله الرافضي صاحب مصر، وقام بعده ابنه المستعلي.
وفيها مات بدر أمير الجيوش قبل المستنصر بأشهر.
وفيها مات محمد بن أبي هاشم الحسيني أمير مكة، وقد نيف على السبعين وكان ظالمًا قليل الخير، أمر بنهب الركب في هذا العام.
وفيها قتل السّلطان بركياروق عمه تكش وغرقه، وكان محبوسًا مكحولًا بقلعة تكريت، لأنه اطلع منه على مكاتبات.
وكانت تركان الخاتون قد بعثت جيشًا مع الأمير أنر لأخذ فارس من الملك تورانشاه بن قاروت بك، فانهزم تورانشاه، ولم يحسن أنر تدبير أمر فارس، واستوحش منه الأجناد وانحازوا إلى تورانشاه، وعمل معه مصافًا، فانهزم أنر. ومات تورانشاه من سهم أصابه، ومرضت تركان وهي بنت طمغان خان أحد ملوك الترك، وكان لها هيبة وصولة، وأمر مطاع، لأنها بنت ملك كبير، ولأن زوجها سلطان الوقت كان، وابنها ولي عهد، وهي حماة المقتدي بالله، إلى غير ذلك. وكانت قد تجهزت تريد المسير إلى تاج الدّولة لتتزوج به. فأدركها الأجل، وأوصت بولدها إلى الأمير أنر، ولم يكن بقي له سوى أصبهان.
стр. 9969
وفيها دخلت الروم لعنهم الله بلنسية صلحًا بعد حصار عشرين شهرًا، فلا قوة إلا بالله.
سنة ثمان وثمانين وأربعمائة
في المحرم قتل أحمد خان صاحب سمرقند، وكان قد كرهه جنده واتهموه بالزندقة، لأن السّلطان ملكشاه لما تملك سمرقند وأسر أحمد خان وكل به جماعة من الديلم، فحسنوا له الانحلال، وأخرجوه إلى الإباحة، فلما عاد إلى سمرقند كان يظهر منه الانحلال، وعصى طغرل ينال بقلعة له، فسار لحصاره، فتمكن الأمراء وقبضوا عليه، ورجعوا به، وأحضروا الفقهاء، وأقاموا له خصومًا ادعوا عليه بالزندقة، فأنكر، فشهدوا عليه، فأفتى العلماء بقتله، فخنقوه، وملكوا ابن عمه.
وفي صفر بعث تتش شحنة لبغداد، وهو يوسف بن أبق التركماني، فجاء صدقة بن مزيد صاحب الحلة ومانعه، فسار نحو طريق خراسان، ونهب باجسرى، وبعقوبا أفحش نهب، ثمّ عاد إلى بغداد، وقد راح منها صدقة، فدخلها وأراد نهبها، فمنعه أمير معه، فجاءه الخبر بقتل تتش فترحل إلى الشّام، وذلك أن تتش لما هزم بركياروق سار بركياروق فحاصر همذان، ثمّ رحل عنه، ومرض بالجدري، وقصد تتش أصبهان وكاتب الأمراء يدعوهم إلى طاعته، فتوقفوا لينظروا ما يكون من بركياروق. فلما عوفي فرحوا به، وأقبلت إليه العساكر حتّى صار في ثلاثين ألفًا والتقى هو وتتش بقرب الري فانكسر عسكر تتش، وقاتل هو حتّى قتل، قتله مملوك لقسيم الدّولة، وأخذ بثأر مخدومه.
وانفرد بركياروق بالسلطنة، ودانت له الممالك بعد أن انهزم من عمه بالأمس في نفر يسير إلى أصبهان، ولو اتبعه عشرون فارسًا لأسروه؛ لأنه بقي على باب أصبهان أيامًا، ثمّ خدعوه وفتحوا له، ثمّ قبضوا عليه وهموا بكحله فحم أخوه محمود وجدر ومات فملكوه عليهم، وشرعت سعادته.
وقد كان تتش بعث إلى ولده رضوان يأمره بالمجيء إلى بغداد، وينزل بدار السلطنة، فسار في عسكر كبير، فلما قارب هيت جاءه نعي أبيه، فرد إلى
стр. 9970
حلب، وتملكها بعد أبيه، وجعل زوج أمه جناح الدّولة حسين بن أيدكين أتابكه ومدبر دولته، فأحسن السياسة، وصالحهم صاحب أنطاكية ياغي سيان التركماني، فقصدوا ديار بكر، والتف عليهم نواب الأطراف الذين لتتش، فساروا يريدون سروج، فسبقهم إليها الأمير سقمان بن أرتق، فحكم عليها. ثمّ ملك رضوان الرها، ووهبها لصاحب أنطاكية. ثمّ وقع بينهم اختلاف، فسار جناح الدّولة مسرعًا إلى حلب، ثمّ قدم رضوان.
وأما أخوه دقاق الملك فإنه كان في خدمة عمه السّلطان ملكشاه، وهو صبي قد خطب ابنة السّلطان، وسار بعد موت عمه مع تركان إلى أصبهان. ثمّ خرج إلى بركياروق، فصار معه، ثمّ هرب إلى أبيه، وحضر مقتل أبيه، وهرب مع بعض المماليك إلى حلب، فبقي مع أخيه، فراسله الخادم ساوتكين متولي قلعة دمشق سرًا، يدعوه ليملكه فهرب، وأرسل أخوه وراءه فوارس، فلم يدركوه، وفرح الخادم بقدومه، وتملك دمشق.
واتفق مجيء طغتكين هو وجماعة من خواص تتش قد سلموا، فخرج لتلقيهم دقاق وأكرمهم، وقيل: كانوا قد أسروا يوم المصاف، ثمّ تخلصوا. وكان طغتكين زوج أم دقاق، فتمكن من الأمور، وعمل على قتل الخادم فقتله.
وجاء إلى الخدمة ياغي سيان صاحب أنطاكية، ومعه أبو القاسم الخوارزمي، فاسوزره دقاق.
وفيها توفي المعتمد بن عباد مسجونًا بأغمات وكان من محاسن الدنيا جودًا، وشجاعة، وسؤددًا، وفصاحة، وأدبًا، وما أحسن قوله:
سلت علي يد الخطوب سيوفها … فجذذن من جسدي الخصيب الأفتنا
ضربت بها أيدي الخطوب وإنما … ضربت رقاب الآملين بنا المنى
يا آملي العادات من نفحاتنا … كفوا، فإن الدهر كف أكفنا
وفيها توفي الوزير أبو شجاع وزير الخليفة مجاورًا بالمدينة.
وفيها عملوا سور الحريم ببغداد، فزينوا البلد لذلك، وعملوا القباب والمغاني، وجدوا فيه.
وفي رمضان وثب رجل فجرح السّلطان بركياروق.
стр. 9971
وفيها قدم الغزالي، ﵀، إلى الشّام متزهدًا، وصنف كتاب الإحياء وأسمعه بدمشق، وأقام بها نحو سنتين، ثمّ حج، وسار إلى خراسان.
وفيها عزل بركياروق مؤيد الملك ابن النظام من الوزارة بأخيه فخر الملك.
سنة تسع وثمانين وأربعمائة
تملك كربوقا الموصل:
قد ذكرنا أن تتش سجنه فأطلقه رضوان بن تتش، وأطلق أخاه التونتاش، فالتف عليهما كثير من العسكر البطالين، فأتيا حران، وجاء إليهما محمد بن شرف الدّولة مسلم بن قريش يستنصر بهما على أخيه علي صاحب الموصل من جهة تتش، فسار كربوقا، ثمّ غدر بمحمد، وقبض عليه، وغرقه، ونازل الموصل على فرسخ منها، ونزل أخوه ألتونتاش من الجهة الأخرى، فجاء صاحب الجزيرة العمرية جكرمش ليكشف عنهم، فهزمه ألتونتاش، وطالت مصابرتهما لأهل الموصل حتّى عدمت بها الأقوات، وكل شيء حتّى ما يوقدونه، ودام الحصار تسعة أشهر، ففارقها صاحبها، وسار إلى الحلة إلى الأمير صدقة، واستولى كربوقا على الموصل، وشرع ألتونتاش في مصادرة الناس، فقتله أخوه وأحسن السيرة، ثمّ سار فملك الرحبة.
وفيها اجتمعت الكواكب السبعة، سوى زحل في برج الحوت، فحكم المنجمون بطوفان يقارب طوفان نوح، فاتفق أن الحجاج نزلوا في وادي المناقب، فأتاهم سيل، فغرق أكثرهم؛ كذا قال ابن الأثير (١)، ونجا من تعلق بالجبال، وذهبت الجمال والأزواد.
وفيها درس بالنظامية ببغداد أبو عبد الله الطبري الفقيه.
стр. 9972
سنة تسعين وأربعمائة
فيها قتل الملك أرسلان أرغون ابن السّلطان ألب أرسلان السلجوقي بمرو، وكان قد حكم على خراسان. وسبب قتله أنّه كان مؤذيًا لغلمانه، جبارًا عليهم، فوثب عليه غلامٌ بسكين فقتله. وكان قد ملك مرو، وبلخ، ونيسابور، وترمذ، وأساء السيرة، وخرب أسوار مدن خراسان، وصادر وزيره عماد الملك ابن نظام الملك، وأخذ منه ثلاثمائة ألف دينار، ثمّ قتله.
وفيها عصى متولي مدينة صور على المصريين، فسار لحربه جيش، وحاصروه، ثمّ افتتحوها عنوةً وقتلوا بها خلقًا ونهبوها، وحمل واليها إلى مصر، فقتل بها.
وكان بركياروق قد جهز العساكر مع أخيه الملك سنجر لقتال عمه أرسلان أرغون المتغلب على خراسان، فلما بلغوا الدامغان أتاهم قتله، ثمّ لحقهم السّلطان بركياروق، وسار إلى نيسابور، فتسلمها ثمّ تسلم سائر خراسان بلا قتال، ثمّ نازل بلخ وتسلمها، وبقي بها سبعة أشهر، وخطبوا له بسمرقند، وغيرها. ودانت له البلاد، وخضعت له العباد. واستعمل أخاه سنجر على خراسان، ورتب في خدمته من يسوس الممالك، لأنه كان حدثًا.
وفيها أمر بركياروق الأمير محمد بن أنوشتكين على خوارزم. وكان أبوه مملوك الأمير بلكابك السلجوقي، فطلع نجيبًا، كامل الأوصاف، فولد له محمد هذا، فعلمه وأدبه، وترقت به الحال إلى أن ولي خوارزم، ولقب خوارزم شاه. وكان كريمًا، عادلًا، محسنًا، محبًا للعلماء، فلما تملك السّلطان سنجر أقر محمدًا على خوارزم، ولما توفي ولي بعده ولده آتسز بن خوارزم شاه فمد ظلل الأمن، ونشر العدل، وكان عزيزًا على السّلطان سنجر، واصلًا عنده لشهامته وكفايته وشجاعته، وهو والد السّلطان خوارزم شاه محمد الذي خرج عليه جنكزخان.
وفيها نازل رضوان صاحب حلب مدينة دمشق ليأخذها من أخيه دقاق، فرأى حصانتها، فسار ليأخذ القدس فلم يمكنه، وانقطعت عنه العساكر. وكان معه ياغي سيان ملك أنطاكية، فانفصل عنه، وأتى دمشق، وحسن لدقاق محاصرة حلب، فسار معه، واستنجد رضوان بسقمان بن أرتق، فنجده بجيش التركمان،
стр. 9973
وخاض الفرات إليه. والتقى دقاق ورضوان بقنسرين، فانهزم دقاق وجمعه، ونهبوا، ورجعوا بأسوأ حال. ثمّ قدم رضوان في الخطبة على أخيه بدمشق، واصطلحا.
وفيها خطب للمستعلي بالله المصري في ولاية رضوان بن تتش، لأن جناح الدّولة زوج أم رضوان رأى من رضوان تغيرًا، فسار إلى حمص، وهي يومئذ له، فجاء حينئذ ياغي سيان إلى حلب، وصالح رضوان، وكان لرضوان منجمٌ باطنيٌ اسمه أسعد، فحسن له مذهب المصريين، وأتته رسل المستعلي تدعوه إلى طاعته، على أن يمده بالجيوش، ويبعث له الأموال ليتملك دمشق، فخطب للمستعلي بحلب، وأنطاكية، والمعرة، وشيزر شهرًا. فجاءه سقمان، وياغي سيان، فأنكرا عليه وخوفاه، فأعاد الخطبة العباسية.
ورد ياغي سيان إلى أنطاكية، فما استقر بها حتّى نازلتها الفرنج يحاصرونها.
وكانوا قد خرجوا في هذه السّنة في جمع كثير، وافتتحوا نيقية، وهو أول بلدٍ افتتحوه، ووصلوا إلى فامية، وكفرطاب، واستباحوا تلك النواحي. فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشام. قدموا في بحر القسطنطينية في جمع عظيمٍ، وانزعجت الملوك والرعية، وعظم الخطب، ولا سيما سلطان بلاد الروم سليمان، فجمع وحشد، واستخدم خلقًا من التركمان، وزحف إلى معابرهم، فأوقع بخلقٍ من الفرنج، ثمّ إنهم التقوه، ففلوا جمعه، وأسروا عسكره، واشتد القلق وزاد الفرق، وكان المصاف في رجب.
стр. 9974
بسم الله الرحمن الرحيم.
(الوفيات)
ذكر من توفي في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة من المشاهير
١ - أحمد بن إبراهيم، أبو بكر القرشي الدرعي الهرويّ.
توفي بهراة في شهر صفر، سمع أبا الفضل الجارودي.
٢ - أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل، أبو بكر الغورجي الهرويّ التاجر.
سمع الجامع لأبي عيسى من الجراحي. روى عنه المؤتمن الساجي، وعبد الملك الكروخي. وتوفي في ذي الحجة بهراة.
وثقه الحسين بن محمد الكتبي (١).
٣ - أحمد بن محمد بن حسن بن خضر، أبو طاهر الجواليقي، والد أبي منصور ابن الجواليقي.
كان صالحًا صحيح السماع، سمع أبا القاسم بن بشران. وعنه عبد الوهاب الأنماطي (٢).
٤ - أحمد بن محمد بن أحمد، أبو نصر الثعالبي الصوفي.
توفي في رجب بخراسان. روى عن ابن محمش، وأبي عبد الرحمن السلمي، وجماعة (٣).
٥ - أحمد بن محمد بن عبيد الله، أبو الفضل الرّصاص الأصبهانيّ.
стр. 9975
سمع محمد بن إبراهيم الجرجانيّ. وعنه مسعود الثّقفيّ، والرّستميّ.
توفيّ في هذه السّنة تقريبًا.
٦ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق الأصبهانيّ الطّيّان القفّال.
سمع إبراهيم بن خرّشيذ قولة. وعنه مسعود الثّقفيّ، والرّستميّ.
توفّي في صفر.
وقد سئل أبو سعد البغداديّ عنه، فقال: شيخ صالح، سمعت أنّه كان يخدم ابن خرّشيذ في صغره، وما سمعت فيه إلا خيرًا (١).
٧ - إسماعيل بن عليّ بن محمد بن عبد الله، أبو الفضل الدّلشاذيّ الفقيه، من تلامذة أبي محمد الجُوينيّ.
صالح مستور، حدّث عن أبي القاسم عبد الرحمن السّرّاج، وأبي بكر الحيريّ، وأبي سعيد الصّيرفيّ. روى عنه عبد الغافر الفارسيّ، وقال (٢): توفي في الحادي والعشرين من المحرم.
٨ - إسماعيل بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن نوح، القاضي الخطيب أبو محمد النوحي السّمرقنديّ.
توفي يوم الأضحى، وحدّث عن جعفر المستغفريّ، وعنه عمر بن محمد النّسفيّ، وغيره، وعاش تسعًا وخمسين سنة (٣).
٩ - جعفر بن حيدر، أبو المعالي العلوي الهرويّ الزاهد.
أحد الكبار، بنى بهراة الخانقاه، وكان له مريدون وأصحاب أشعريّون. سمع عبد الغافر الفارسيّ، وجماعة (٤).
١٠ - حجّاج بن قاسم، أبو محمد المأمونيّ السّبتيّ الفقيه.
سمع من أبيه؛ وبمكّة من أبي ذر عبدٍ الهرويّ، وأبي بكر المطّوّعيّ، وسكن المرية، وصار رئيس علمائها، وبعد ذلك انتقل إلى سبتة، وحدّث
стр. 9976
بصحيح البخاري. سمع منه قاضي القضاة أبو محمد بن منصور، وأبو علي بن طريف، وأبو القاسم بن العجوز وآخرون (١).
وكان أبوه قاسم بن محمد الرّعينيّ ممن لقي ابن أبي زيد، توفي سنة ثمان وأربعين.
١١ - الحسن بن محمد بن الحسن، أبو القاسم الخوافيّ (٢). نزيل نيسابور.
سمع من ابن محمش، وعبد الله بن يوسف، والسلميّ. روى عنه أبو البركات الفراوي، وعائشة بنت الصّفّار، ومحمد بن الحسن الزوزني.
قال ابن السّمعاني: مات بعد سنة ثمانين (٣).
١٢ - عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عليّ بن جعفر بن منصور بن متّ، شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنّصاري الهرويّ الحافظ العارف، من ولد صاحب النبي ﷺ أبي أيّوب الأنّصاري.
قال أبو النضر الفامي: كان بكر الزمان وواسطة عقد المعاني، وصورة الإقبال في فنون الفضائل، وأنواع المحاسن، منها نصرة الدين والسنة من غير مداهنةٍ ولا مراقبة لسلطان ولا وزير. وقد قاسى بذلك قصد الحساد في كل وقت، وسعوا في روحه مرارًا، وعمدوا إلى إهلاكه أطوارًا فوقاه الله شرّهم، وجعل قصدهم أقوى سببٍ لارتفاع شأنه.
قلت: سمع من عبد الجبّار الجراحيّ جامع التّرمذي، وسمع من الحافظ أبي الفضل محمد بن أحمد الجاروديّ، والقاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزديّ، وأحمد بن محمد بن العالي، ويحيى بن عمّار السّجزيّ المفسّر، ومحمد بن جبريل بن ماحٍ، وأبي يعقوب القرّاب، وأبي ذرّ عبد بن أحمد الهرويّ، ورحل إلى نيسابور، فسمع من محمد بن موسى الحرشيّ، وأحمد بن محمد السّليطيّ، وعلي بن محمد الطرّازي الحنبليّ أصحاب الأصمّ، والحافظ أحمد بن عليّ بن فنجويه الأصبهاني. وسمع من خلقٍ كثير بهراة، أصحاب
стр. 9977
الرّفّاء فمن بعدهم.
وصنّف كتاب الفاروق في الصّفات وكتاب ذمّ الكلام وكتاب الأربعين حديثًا في السّنة. وكان جذعًا في أعين المتكلمين، وسيفًا مسلولًا على المخالفين، وطودًا في السّنة لا تزعزعه الرّياح.
وقد امتحن مرّات؛ قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا إسماعيل الأنّصاري يقول بهراة: عرضت على السّيف خمس مرّات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت. وسمعته يقول: أحفظ اثني عشر ألف حديث أسردها سردًا.
قلت: خرّج أبو إسماعيل خلقًا كثيرًا بهراة، وفسر القرآن زمانًا، وفضائله كثيرة. وله في التصوف كتاب منازل السّائرين وهو كتاب نفيس في التصّوف، ورأيت الاتّحادية تعظّم هذا الكتاب وتنتحله، وتزعم أنّه على تصوفهم الفلسفيّ. وقد كان شيخنا ابن تميمة بعد تعظيمه لشيخ الإسلام يحطّ عليه ويرميه بالعظائم بسبب ما في هذا الكتاب. نسأل الله العفو والسلامة (١).
وله قصيدة في السّنة، وله كتاب في مناقب أحمد بن حنبل، وتصانيف أخر لا تحضرني.
روى عنه المؤتمن السّاجيّ، ومحمد بن طاهر المقدسيّ، وعبد الله بن أحمد السّمرقنديّ، وعبد الصّبور بن عبد السّلام الهرويّ، وعبد الملك الكروخيّ، وأبو الفتح محمد بن إسماعيل الفاميّ، وعطاء بن أبي الفضل المعلّم، وحنبل بن عليّ البخاريّ، وأبو الوقت عبد الأول، وعبد الجليل بن أبي سعد، وخلق سواهم. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الفتح نصر بن سيّار.
قال السّلفي: سألت المؤتمن عنه، فقال: كان آيةً في لسان التذكير والتصوف، من سلاطين العلماء؛ سمع ببغداد من أبي محمد الخلال، وغيره. ويروى في مجالس وعظه أحاديث بالإسناد، وينهى عن تعليقها عنه. وكان بارعًا في اللغة، حافظًا للحديث. قرأت عليه كتاب ذمّ الكلام، وكان قد روى فيه حديثًا عن عليّ بن بشرى، عن أبي عبد الله بن منده، عن إبراهيم بن
стр. 9978
مرزوق. فقلت له: هذا هكذا؟ قال: نعم. وإبراهيم هو شيخ الأصمّ وطبقته، وهو إلى الآن في كتابه على هذا الوجه.
قلت: وكذا سقط عليه رجلان في حديثين مخرّجين من جامع التّرمذي. وكذا، وقعت لنا في ذمّ الكلام. نبهت عليهما في نسختي، واعتقدتها سقطت على المنتقى من ذمّ الكلام ثمّ رأيت غير نسخةٍ كما في المنتقى.
قال المؤتمن: وكان يدخل على الأمراء والجبابرة، فما كان يبالي بهم، وكان يرى الغريب من المحدثين، فيكرمه إكرامًا يتعجب منه الخاصّ والعامّ. وقال لي مرّةً: هذا الشأن شأن من ليس له شأن سوى هذا الشأن. يعني: طلب الحديث. وسمعته يقول: تركت الحيريّ لله، يعني القاضي أبا بكر أحمد بن الحسن صاحب الأصمّ. قال: وإنّما تركه لأنه سمع منه شيئاَ يخالف السّنة.
وقال أبو عبد الله الحسين بن عليّ الكتبي في تاريخه: خرج شيخ الإسلام لجماعة الفوائد بخطه، إلى أن ذهب بصره، فلما ذهب بصره أمر واحدًا بأن يكتب لهم ما يخرج، ثمّ يصحح عليه، وكان يخرج لهم متبرعًا لحبه للحديث، وقد تواضع بأن خرج لي فوائد. ولم يبق أحدٌ خرج له سواي.
وقال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا إسماعيل الأنّصاري يقول: إذا ذكرت التفسير، فإنما أذكره من مائةٍ وسبعة تفاسير.
وسمعت أبا إسماعيل ينشد على المنبر هذا:
أنا حنبلي ما حييت، وإن أمت … فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
وسمعت أبا إسماعيل يقول: لما قصدت الشيخ أبا الحسن الخرقانيّ (١) الصوفي، وعزمت على الرجوع، وقع في نفسي أن أقصد أبا حاتم بن خاموش الحافظ بالريّ وألتقي به - وكان مقدم أهل السّنة بالريّ - وذلك أن السّلطان محمود بن سبكتكين لما دخل الريّ، وقتل بها الباطنية، منع سائر الفرق من الكلام على المنابر، غير أبي حاتم، وكان من دخل الريّ من سائر الفرق، يعرض اعتقاده عليه، فإن رضيه أذن له في الكلام على الناس وإلا منعه، فلما قربت من الريّ كان معي في الطريق رجلٌ من أهلها، فسألني عن مذهبي.
стр. 9979
فقلت: أنا حنبلي. فقال: مذهبٌ ما سمعت به وهذه بدعة. وأخذ بثوبي وقال: لا أفارقك حتّى أذهب بك إلى الشيخ أبي حاتم. فقلت: خيرة. فذهب بي إلى داره، وكان له ذلك اليوم مجلسٌ عظيم، فقال: هذا سألته عن مذهبه، فذكر مذهبًا لم أسمع به قط. قال: ما قال؟ قال: أنا حنبليّ. فقال: دعه، فكل من لم يكن حنبليًا فليس بمسلم.
فقلت: الرجل كما وصف لي: ولزمته أيامًا وانصرفت.
قال ابن طاهر: حكى لي أصحابنا أنّ السّلطان ألب أرسلان قدم هراة ومعه وزيره نظام الملك، فاجتمع إليه أئمة الفريقين من الشافعية والحنفية للشكاية من الأنّصاري، ومطالبته بالمناظرة. فاستدعاه الوزير، فلما حضر قال: إن هؤلاء قد اجتمعوا لمناظرتك، فإن يكن الحق معك رجعوا إلى مذهبك، وإن يكن الحق معهم إما أن ترجع وإما أن تسكت عنهم.
فقام الأنّصاري وقال: أناظر على ما في كميّ، فقال: وما في كميك؟ قال: كتاب الله، وأشار إلى كمه الأيمن، وسنّة رسوله، وأشار إلى كمه اليسار، وكان فيه الصّحيحان. فنظر الوزير إليهم كالمستفهم لهم، فلم يكن فيهم من يمكنه أن يناظره من هذا الطريق.
وسمعت أحمد بن أميرجة القلانسيّ خادم الأنّصاري يقول: حضرت مع الشيخ للسلام على الوزير أبي عليّ، يعني نظام الملك، وكان أصحابه كلفوه الخروج إليه، وذلك بعد المحنة ورجوعه من بلخ. قلت: وكان قد غرب عن هراة إلى بلخ. قال: فلمّا دخل عليه أكرمه وبجّله، وكان في العسكر أئمة من الفريقين. في ذلك اليوم، قد علموا أن الشيخ يأتي، فاتفقوا على أن يسألوه عن مسألةٍ بين يدي الوزير، فإن أجاب بما يجيب بهراة سقط من عين الوزير، وإن لم يجب سقط من عيون أصحابه. فلما استقر به المجلس قال: العلويّ الدبوسي: يأذن الشّيخ الإمام في أن أسأل مسألة؟ قال: سل. فقال: لم تلعن أبا الحسن الأشعري؟ فسكت، وأطرق الوزير. فلما كان بعد ساعةٍ، قال له الوزير: أجبه. فقال: لا أعرف الأشعري، وإنما ألعن من لم يعتقد أن الله في السماء، وأن القرآن في المصحف، وأن النبي ﷺ اليوم غير نبي.
ثمّ قام وانصرف، فلم يمكن أحدٌ أن يتكلم بكلمةٍ من هيبته وصلابته وصولته. فقال الوزير للسائل أو من معه: هذا أردتم، كنا نسمع أنّه يذكر هذا بهراة، فاجتهدتم
стр. 9980
حتّى سمعناه بآذاننا. وما عسى أن أفعل به؟ ثمّ بعث خلفه خلعًا وصلةً، فلم يقبلها، وخرج من فوره إلى هراة ولم يتلبث.
قال: وسمعت أصحابنا بهراة يقولون: لما قدم السّلطان ألب أرسلان هراة في بعض قدماته اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه، ودخلوا على أبي إسماعيل الأنّصاري، وسلموا عليه وقالوا: قد ورد السّلطان، ونحن على عزم أن نخرج ونسلّم عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسلام على الشيخ الإمام، ثمّ نخرج إلى هناك. وكانوا قد تواطؤوا على أن حملوا معهم صنمًا من نحاس صغيرًا، وجعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ، وخرجوا. وذهب الشيخ إلى خلوته، ودخلوا على السّلطان، واستغاثوا من الأنّصاري أنّه مجسّم، وأنه يترك في محرابه صنمًا، ويقول: إن الله على صورته، وإن بعث السّلطان الآن يجد الصّنم في قبلة مسجده. فعظم ذلك على السّلطان، وبعث غلامًا ومعه جماعة، ودخلوا الدار وقصدوا المحراب، وأخذوا الصنم من تحت السجادة، ورجع الغلام بالصّنم، فوضعه بين يدي السّلطان، فبعث السّلطان من أحضر الأنّصاري، فلما دخل رأى مشايخ البلد جلوسًا، ورأى ذلك الصنم بين يدي السّلطان مطروحًا، والسلطان قد اشتد غضبه، فقال له السّلطان: ما هذا؟ قال: هذا صنم يعمل من الصفر شبه اللعبة. قال: لست عن هذا أسألك.
فقال: فعمّ يسألني السّلطان؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنّك تعبد هذا، وأنّك تقول: إن الله على صورته. فقال الأنّصاري: سبحانك، هذا بهتان عظيم. بصوت جهوريّ وصولة، فوقع في قلب السّلطان أنهم كذبوا عليه، فأمر به فأخرج إلى داره مكرمًا، وقال لهم: أصدقوني، وهدّدهم، فقالوا: نحن في يد هذا الرجل في بليةٍ من استيلائه علينا بالعامة، فأردنا أن نقطع شرّه عنا، فأمر بهم، ووكل بكلّ واحد منهم، ولم يرجع إلى منزله حتّى كتب خطه بمبلغٍ عظيم يحمله إلى الخزانة. وسلموا بأرواحهم بعد الهوان والجناية.
وقال أبو الوقت السّجزيّ: دخلت نيسابور، وحضرت عند الأستاذ أبي المعالي الجوينيّ فقال: من أنت؟ قلت: خادم الشيّخ أبي إسماعيل الأنّصاري. فقال: ﵁؟
وعن أبي رجاء الحاجيّ قال: سمعت شيخ الإسلام عبد الله الأنّصاري يقول: أبو عبد الله بن منده سيّد أهل زمانه.