والألف في إلحاق الحرف الملفوظ به «١»، وهلّا ألحق الهاء دون الألف، لقلة إلحاق الألف في الوقف، وكثرة إلحاقهم الهاء فيه؟ قيل: جمع بينهما لمشابهة كلّ واحد منهما الآخر فيما ذكرنا، ولقيام كل واحد منهما مقام الآخر، ولأنّهم قد ألحقوا هذه الحروف الألف في قولهم با، تا، ثا ونحوه، فكثر في هذا الباب وإن لم يكثر في غيره.
فإن قلت: فإنّ الهاء لا يجري فيها الصوت كما يجري في الألف وأختيها. فإنّها وإن كانت كذلك، فإنّها توافقها في الخفاء، والضعف، واتّفاق المخرج، فلا ينكر- وإن اختلفا من حيث ذكرت- أن يتفقا في تقريب إحداهما من الأخرى، كما قربت الباء من الميم في قولهم: (اصحب مطرا)، لاتفاقهما في المخرج، وإن كانتا قد اختلفتا في غير ذلك.
ومما يبيّن شبه الهاء بالألف أنّهم قد غيّروا بها بعض الحروف في الوقف، وأبدلوها منه كما فعلوا ذلك بالألف في:
رأيت رجلأ «٢».
وممّا يدلّ على خفاء الهاء ومشابهتها الألف والياء أنّها إذا كانت إضمار مذكّر بعد حرف ساكن أو مجزوم، حرّكوا الساكن، أو المجزوم بالضمّ، وذلك قولهم في الوقف: «لم يضربه، وقده، ومنه» «٣» وقد كسروا أيضا قبله التاء التي
стр. 107
للتأنيث، وذلك قولهم: ضربته. ومثل هذا في قول أبي الحسن قول بعضهم: ادعه، فكسروا العين للساكن الثاني الذي هو هاء الوقف، فإذا وصلت أسكنت كلّ ذلك، لأنّك تحرك هاء الضمير فتبيّن الحركة «١».
قال أبو زيد: قال- يعني رجلا عربيا-: لم أضربهما، فكسر الهاء مع الباء. قال أبو علي: فهذا على أنّه أجرى الوصل مجرى الوقف نحو: «سبسبّا» «٢»، ولا تحمله على «٣» أجوءك «٤» ونحوه، لأنّ سكون الإعراب مثل حركته، فلا يتبع «٥» غيره، كما أن حركة الإعراب لا يبدل «٦» منها للإتباع، كما لا تسكن في حال السعة والاختيار، ألا ترى أن من قال:
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا [البقرة/ ٣٤] لم يكن مصيبا، ولم يجز كما جاز «منتن» وكما جاز وَعَذابٍ ارْكُضْ «٧» [ص/ ٤١ - ٤٢]،
стр. 108
وليس قوله: لم أضربهما مثل:
... لم يلده أبوان «١» لأنّ التحريك لالتقاء الساكنين، وذلك أنّه لمّا أسكن العين التي وليت حرف المضارعة حيث كان مثل: كبد، كما أسكن «تفخا» من قوله: أراك منتفخا، التقى ساكنان فحرّك لذلك، ومثل ذلك قوله سبحانه: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور/ ٥٢] ومثل «لم يلده» ما أنشده أبو زيد:
أجرّه الرّمح ولا تهاله «٢»
стр. 109
ألا تراه حرّك اللام المنجزمة بالفتح، لالتقاء الساكنين، كما فعل ذلك في «لم يلده». إلّا أنّ اللام في «تهاله» حرّكت للساكن الثاني فكان القياس ألّا تردّ الألف التي هي ردف،
كما لم تردّ فيما حكاه سيبويه من قولهم: لم أبله. وليس قول من قال: (ويتقه) كما أنشده أبو زيد «١»:
قالت سليمى اشتر لنا سويقا لأنّ هذا إمّا أن يكون على سبسبّا «٢» أو على: لم يك «٣».
ووجه ثالث: وهو أن يجرى الوصل في قوله: اشتر لنا، مجرى الوقف.
ومن ذلك «٤» أنّهم حذفوها لاما كما حذفوا الياء وأختها، وذلك نحو: شاة وشفة وسنة فيمن «٥» قال: سنهاء، وفم.
فبحسب كثرة الشبه يحسن إجراؤها مجرى ما قام فيها الشبه منه، ألا ترى أنّ الشيء إذا أشبه في كلامهم شيئا من وجهين
стр. 110
فقد تجري عليه أيضا «١» أشياء من أحكامه، نحو أبواب ما لا ينصرف، ونحو شبه «ما» ب «ليس». فإذا زاد على ذلك كان تشبيهه بالمشابهة له «٢» من جهات كثيرة أجدر.
ومن ذلك أنهم «٣» أبدلوها من الياء، كما أبدلوا منها الألف في «طائيّ» ونحوه. وذلك قولهم: ذه أمة الله «٤». في ذي «٥». تسكن في الوصل كما أسكنت ميم عليهم وعليكم فيه، من حيث لزم ما قبلها ضرب واحد من الحركة، وتلحق هذه الهاء التي هي بدل من الياء في الوصل الياء، وذلك قوله تعالى: قل هذهي سبيلي [يوسف/ ١٠٨] فإذا وقفت قلت:
هذه تحذفها كما حذفتها في عليه وبه في الوقف، وهذا على لغة أهل الحجاز، فأما بنو تميم فإنهم يقولون في الوقف «٦»:
هذه، فإذا وصلوا قالوا: هذي فلانة.
ومن ذلك أنهم أبدلوا الياء منها في التضعيف، كما أبدلوا الألف من الياء في حاحيت، وذلك قولهم في دهدهت «٧»:
دهديت، وقالوا: دهدوهة كدحروجة. وقالوا: دهديّة، فأبدلوا. ومن ذلك أنّهم أبدلوا الهمزة منها لاما كما يبدلونها من حروف اللين، وذلك قولهم: ماء. قال أبو زيد: قالوا: ماهت الركيّة تموه وتميه وأماهها صاحبها إماهة. وأنشد أحمد بن يحيى «٨»:
стр. 111
إنّك يا جهضم ماه القلب ... ضخم عريض مجرئشّ الجنب
«١» ومما يقوّي شبهها بالألف أنّ ناسا كسروها مع حجز الحرف بينها وبين الكسرة، فقالوا: منهم، كأنّهم لمّا رأوها جارية مجرى الألف جعلوها بمنزلة جلباب وحلبلاب «٢»، فإذا كانوا قد كسروا مع هذا الحاجز فأن يكسروا إذا لم يحجز بين الكسرة والياء شيء أجدر، وهذه اللغة وإن كان سيبويه «٣» قد سماها اللغة الرديئة فلها من وجه القياس ما ذكرته.
ويقوّيه أيضا من جهة القياس قول الجميع: هو ابن عمي دنيا فقلب «٤» من أجل الكسرة، وإن كانت العين قد حجزت، وقولهم: قنية، وزيد من العلية.
ويقويه أيضا ما حكاه أبو زيد من أن رجلا من بني «٥» بكر بن وائل قال: أخذت هذا منه ومنهما ومنهمي. قال أبو زيد: فكسر الاسم المضمر في الإدراج والوقف.
стр. 112
قال أبو زيد: وقال يعني هذا الرجل: عليكم، فضمّ الكاف.
ومما يؤكد كسر الهاء أن ناسا من بكر بن وائل قالوا:
بكم، و «فضل أحلامكم» «١»، فكسروا تشبيها لها بالهاء من حيث اجتمعا في الهمس وعلامة الضمير، فإذا أجروا هذا مجرى الهاء لقيام شبهين من الهاء فيه، فإتباع الهاء الكسرة للمشابهات التي فيها من حروف اللين وكثرتها أولى، واستجازة غيره أبعد.
ومن ثمّ ألحق الكاف حرف اللين من ألحق، فقال:
أعطيتكاه للمذكّر، وأعطيتكيه للمؤنث، كما ألحقه الهاء في أعطيتهاه، وأعطيتهوه، لاجتماعهما فيما ذكرت لك «٢»، فكسرهم للكاف في بكم «٣» يدلّ على استحكام الكسرة في الهاء وكثرتها فيها.
فإن قال قائل: إنّ الضمة هي الأصل في عليهم وبهم ونحو ذلك بدلالة أن علامة المضمر المجرور كعلامة المضمر المنصوب المتصل، وأنّ ما جاز فيه الكسر جاز فيه الضمّ، نحو (بهو وبدارهو الأرض) وليس كل ما جاز فيه الضم يجوز فيه الكسر، تقول: هذا له، وسكنت داره، ولا يجوز كسر الهاء في شيء من ذلك. وإذا كان استعمال الضمّ فيه أعمّ وكان الأصل، وجب أن يكون أوجه من الكسر. قيل: إن كون الضمّ الأصل ليس ممّا يجب من أجله أن يختار على الكسر مع مجاورة الكسرة أو الياء، لأنّه قد تحدث أشياء توجب تقديم غير الأصل
стр. 113
على الأصل، طلبا للتشاكل وما يوجب الموافقة، ألا ترى أنّ الأصل الذي هو السين في الصراط الصاد أحسن منه، وأن النون التي هي الأصل في شنباء قد رفضت وترك استعمالها، وكذلك الأصل في شقرة «١» ونمر «٢» في باب الإضافة «٣» قد رفض، وكذلك الأصل في حنيفة وجديلة فيها «٤» قد رفض، ولم يستعمل إلّا في أحرف يسيرة. والأصل في يرى قد رفض مع جميع حروف المضارعة في حال السعة والاختيار.
والأصل في عيد كذلك أيضا، ومن ثمّ كسّر على أعياد، ولم يكن كالأرواح. والأصل في الدنيا قد رفض في جميع بابه إلا في القصوى، كما رفض الأصل في تقوى وشروى، والأصل في فاء آدم وآخر أن يكون «٥» همزة، وقد ترك ذلك بدلالة أوادم وأواخر، وإجرائهم إيّاه مجرى ضوارب. وكذلك جاء في قولي «٦» الخليل والنحويين.
والأصل في قسيّ أن يكون على فعول، وأن يكون في الفاء الضم والكسر مثل حقي وعصيّ. وحقيّ وعصيّ. ولم نعلم أحدا ممّن يوثق بروايته حكى الضمّ في فاء هذه الكلمة، والأصل تقديم حرف العلة على السين التي هي لام، وأن تكون الواو مصحّحة كما صحت في العتوّ ونحوه من المصادر، فترك
стр. 114
ذلك إلّا في نحو ونحو ونحوّ. فهذه كلمة قد ترك الأصل فيها في ثلاثة مواضع. وهذا ممّا يقوّي قراءة حمزة في (بيوت) «١» ونحو ذلك «٢» على أن سيبويه حكى في تحقير
بيت: بييت «٣»، فإذا جاز إبدال الضمة كسرة في التحقير لمكان الياء، فكذلك يجوز أن تبدل من ضمّة فاء فعول، في الجمع، الكسرة من أجل الياء. ألا ترى أنه قد قال: إنّ التحقير والتكسير من واد واحد.
فإذا رأيت هذه الأشياء وغيرها قد تركت فيها الأصول، واطّرحت في كثير منها، واختير عليها غيرها لمشابهات تعرض، أو تخفيف يطلب أو غير ذلك، لم ينكر أن يترك الأصل الذي هو الضمّ في عليهم، ويؤثر عليه الكسر ليتشابه الصوتان ويتّفقا ويكون مع ذلك أخفّ في اللفظ.
فإن قال: إنّ الألف التي شبّهت بها الهاء في عليهم ودارهم لا تكون إلا ساكنة، وهذه الهاء متحركة فكيف وفّقت بينهما مع اختلافها من حيث ذكرنا؟ قيل: إنّ هذا الذي ذكرت من الخلاف بينهما لا يوجب لهما اختلاف حكم بينها وبين الألف فيما ذكرنا، لأنّهم قد جعلوا الهاء متحركة بمنزلة الألف الساكنة، ألا ترى أن قول الأعشى «٤»:
رحلت سميّة غدوة أجمالها اللام فيه حرف الرويّ، والهاء وصل، فجعلت الهاء مع
стр. 115
تحركها بمنزلة الألف والواو والياء والهاء والسواكن في نحو:
عاذل والعتابا «١» ونحو:
حبيب ومنزلي «٢» وإن لام لائمو «٣» والهاء في:
أعارتكهما الظبية «٤» وبكّي النساء على حمزة «٥»
стр. 116
فكما جرت وهي وصل متحركة مجرى السواكن بدلالة أنّه لا شيء في هذه الحروف يكون متحركا وصلا إلّا إيّاها، وما كان منها متحركا غيرها كان رويّا، ولم يكن وصلا كالواو في قوله:
وعينيك تبدي أنّ قلبك لي دوي «١» والياء في:
وإنّما يبكي الصّبا الصّبيّ «٢» وكقوله «٣»:
فقد كان مأنوسا فأصبح خاليا «٤» كذلك يكون في قولهم «٥»: بهي وعليهي، وإن كانت متحركة بمنزلة الألف فتتبع الياء أو الكسرة كما تتبعها الألف.
وليست الهاء في قول القائل «٦»:
стр. 117
شلّت يدا فارية فرتها ... وفقئت عين التي أرتها
كالتي في قوله:
غدوة أجمالها «١»:
وإنّما هي بمنزلة التاء فيما أنشده أبو زيد:
ألا آذنتني بالتّفرّق جارتي ... وأصعد أهلي منجدين وغارت
«٢» فالألف في الأبيات تأسيس، وليست «٣» بردف، وإن كان قد لزم الراء التي لا تلزمه [في الأبيات] «٤»، ألا ترى أنّه لو قال: عاجت مع غارت كان مستقيما.
ومما يدل على أنّ الهاء وإن كانت متحركة لم تخرج بحركتها عن الخفاء ومشابهة الألف والياء الساكنة: أنّهم لم
стр. 118
يعتدّوا بها وهي متحركة، فصلا، بل جعلوا ثباتها كسقوطها.
وذلك قولهم: يريد أن يضربها وينزعها وبيني وبينها، فأمالوا الفتحة التي قبل الهاء كما يميلها إذا قال: يريد أن ينزعا، وعلى هذا قالوا: مهاري فأمالوا فتحة الميم كما يميل إذا قال ماري، فإذا لم يعتدّ بها متحركة في هذا الموضع، فأن تجرى مجرى الألف في دارهم «١» وعليهم وبهم، فتقرّب من الياء أو الكسرة بأن تكسر بعد كل واحد منهما، أسهل من ذلك.
ويدل «٢» على ذلك أيضا أنّ من قال: ردّ أو ردّ إذا قال:
ردّها، اجتمعوا على فتح الدال فيما حكى من يوثق به، كما يجمعون على فتحها إذا لم يحل بينها وبين الألف شيء في ردّا، فإذا صنع بها هذا وما ذكرته قبل، علمت أن إجراءها مجرى الألف في السكون أسهل. ومن هاهنا كان الوجه في القراءة:
فِيهِ هُدىً [البقرة/ ٢]، وخُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ [الحاقة/ ٣٠ - ٣١] أن يحذف «٣» الحرف اللّين اللاحق للهاء، لأن الاعتداد في هذين الموضعين لم يقع بها متحركة وفي «أجمالها» «٤» لم يقع الاعتداد بحركتها فيحصل من اعتبار كلا الموضعين أنّك كأنّك جمعت بين ساكنين.
فإن قال: فما وجه حذف حرف الليّن بعد الميم واختياره على وصلها بحرف اللين؟ فإن وجه ذلك أن هذه الحروف قد تستثقل فتحذف في مواضع لا يحذف فيها غيرها، ألا ترى أنّهم حذفوا اللام من قولهم: ما باليت به بالة، وحانة. ولا تجد هذا
стр. 119
الحذف إلا فيه وفيما جانسه، وأجمعوا على حذف ما انقلب «١» عن اللام في نحو مرامى في الإضافة. وحذفوا الياء عندنا من نحو: جوار وغَواشٍ [الأعراف/ ٤١] وحذفوا الياء والواو من نحو: حنيفة، وشنوءة في الإضافة، وجعلوا الأصل في تحيّة فيها «٢» بمنزلتهما، ورفضوا فيها الإتمام الذي هو في الأصل فيمن قلب «٣» فقالوا: أسيدي، وحذفوهما في الفواصل والقوافي. ولما استمر ذلك فيها وكثر، جعلوا ما كان اسما بمنزلة غيره في استجازة حذفها. قال:
لا يبعد الله أصحابا تركتهم ... لم أدر بعد غداة الأمس ما صنع
«٤» وقال:
لو ساوفتنا بسوف من تحيّتها ... سوف العيوف لراح الرّكب قد قنع
«٥» رواية الكتاب: ساوفتنا، وقد روي: لو ساعفتنا،
стр. 120
السوف: الشمّ والعيوف تسوف ولا تشرب. يريد: صنعوا قنعوا «١». وقال:
يا دار عبلة بالجواء تكلم «٢» فكما حذفوهما في هذه المواضع، كذلك حذفوهما في عليهم ونحوه، للخفّة في اللفظ، وأمن اللبس، ألا ترى أن هذه الميم إنّما تلحقها الألف أو الواو أو الياء المنقلبة عنها [و] «٣» الألف لا تحذف كما تحذفان، لأنّ من قال «ما صنع» يريد صنعوا «٤» قالوا: ومن قال «٥» «تكلم» يريد: تكلمي. يقول:
خليليّ طيرا بالتفرّق أوقعا «٦» فلا يحذف الألف كما حذف الواو والياء، ومن قال:
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الفجر/ ٤] وذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ [الكهف/ ٦٤] قال: واللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [الليل/ ١ - ٢] فلا يحذف الألف من الفواصل كما يحذف الياء، وكذلك لا يحذفها من القوافي في نحو:
داينت أروى، والدّيون تقضى ... فمطلت بعضا، وأدّت بعضا
«٧»
стр. 121
فكما لا تحذف ألف «بعضا» كذلك لا تحذف ألف «تقضى» «١». فأمّا ما حذفه من قوله:
رهط مرجوم ورهط ابن المعل «٢» فللضّرورة، والتشبيه بالياء لإقامة القافية، وليس ذلك ولا ما أشبهه ممّا يستقيم الاعتراض به. فإذا كانت هذه الميم لا تلحقها إلا الألف أو الواو، أو الياء. والألف لا تحذف، علم أنّ الذي يلحقه الحذف الواو أو الياء المنقلبة عنها من أجل الكسرة، فلم يقع لبس، وحصل التخفيف في اللفظ، ولم تخل هذه الواو أو الياء في عليهم ونحوه من أن تكون بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، أو ممّا لحق لمعنى، فإذا كانوا قد حذفوا القبيلين جميعا، وحذفوا التي للضمير، ولم «٣» يبق في لفظ الكلمة المحذوف منها شيء يدلّ عليها، كان أن يحذف من نحو: «عليهم» للدلالة عليه أحسن وأولى.
فإن قلت: فإذا حذفت الواو والياء اللتان كانتا تتصلان
стр. 122
بالميم فلم حذفت حركة الميم في الوصل من نحو: عليهم وبهم؟ قيل: لمّا حذفت الواو والياء «١» للتخفيف ولما قام على لزوم حذفهما من الدلالة، كره أن تبقى الكسرة أو الضمة، لأنّهما قد يكونان بمنزلة الياء والواو، في باب الدلالة عليهما، ألا ترى أنّك تقول في النداء: يا غلام أقبل، فيكون ثبات الكسرة كثبات الياء وتقول: أنت تغزين يا هذه، فتشمّ الزاي ليكون ذلك دلالة على الواو المحذوفة، فكما كانتا في هذه المواضع بمنزلة الياء والواو، كذلك لو لم تحذفا مع الميم من عليهمي «٢» وعليهمو كان إثباتهما بمنزلة إثباتهما، ودالّا عليهما، فيصير بإثباتهما كأنّه لم يحذف الحرفين، كما كان إثباتهما حين ذكرتا بمنزلة إثبات الحرفين.
ويدلّ على وجوب إسكان الميم أنّ الحركة لو أثبتت، ولم تحذف كان فيها استجلاب بإثباتهما للمحذوف، ألا ترى أن الضمة والكسرة إذا ثبتتا «٣» قد يشبعان «٤» فيلحقهما الواو والياء، فمن إشباع الضمة قول الشاعر- أنشده أحمد بن يحيى-:
وأنّني حوثما يسري الهوى بصري ... من حوثما سلكوا أثني فأنظور
«٥»
стр. 123
ومن إشباع الكسرة:
لما نزلنا نصبنا ظلّ أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل
«١» فلو أتيت ما يجلبهما في بعض الأحوال كان ذلك كالنقض لما قصد من التخفيف بحذفهما. وقد جرت الفتحة في ذلك مجرى أختيها، قال ابن هرمة «٢»:
وأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذمّ الرجال بمنتزاح
وإذا أسكن أمن هذا، ألا ترى أنهم لم يصلوا القوافي الساكنة، ومن ثم كانت الهاء رويّا في: «فرتها» «٣» ولم تكن وصلا كما كانت إيّاه في: «أجمالها» «٤».
فإن قلت: فهلّا أثبتت حركتها، كما أثبتت حركة الهاء في
стр. 124
عليه ونحوه بعد حذف حرف اللين «١»، ليتفقا في التحرك، كما اتفقا في حذف حرف اللين منهما وكما اتفقا في الحذف في الوقف. قيل: الفصل بينهما أن الميم في عليهم، وعليكم، ودارهم، وبهم، لا يخلو ما قبلها من أن يكون ضما أو كسرا فما يستثقل لازم له، والهاء في الإفراد لا تكون كذلك، لأن ما قبلها قد يكون مفتوحا في نحو: رفعت حجره، وقدت جمله.
وقد يكون ساكنا في نحو: عصاه، وعليه، واضربه، فهذه الهاء إذا تصرف ما قبلها هذا التصرف، علمت أنّها لا تكون بمنزلة هاء الجميع التي لا تخلو من الضمة والكسرة وهما يستثقلان فخفّف بحذف الحركة وإلزامها ذلك كما خفّف نحو: عضد وكتف، ولم يخفّف نحو: جمل.
فأمّا اتّفاقهما في الحذف في الوقف فلأنّهما قد حذفا في الوصل في: عليهم وعليكم، فلما اتفقا في الحذف في الوصل وكان الوقف يحذف فيه ما لا يحذف في الوصل نحو الحركات، وجب أن يلزم فيه الحذف ما يحذف في الوصل، لأنّ الوقف موضع تغيير.
وممّا يقوّي حذف هذه الحركة من الميم في «عليهم» ونحوه أنّها لو أثبتت ولم تحذف لأدّى ذلك إلى اجتماع أربع متحركات وخمس، وذلك ممّا قد كرهوه حتى لم يأخذوا به في أصول أبنيتهم، إلا أن يكون قد حذف منه شيء «٢»، ولا في أوزان الشعر إلّا أن يلحقه ذلك أيضا، وقد رفضوا أن تجتمع
стр. 125
خمس متحركات في شيء من أوزان الشعر. ومن ثمّ تعاقبت السين والفاء في مستفعلن التي هي عروض البيت الأول من المنسرح، لأنّهما لو حذفا جميعا وقبلها تاء مفعولات لاجتمع خمس متحركات، فلما كان يؤدّي إلى ما قد تركوه، واطّرحوه، حذفوا الحركة فيه.
ألا ترى أنهم تركوا الابتداء بأنّ الثقيلة المفتوحة لما كان يؤدي إليه من اجتماع حرفين لمعنى «١» وتركوا أن يخرموا من أول الكامل كما خرموا من أول الطويل والوافر ونحوهما لما كان الخرم فيه يؤدّي إلى الابتداء بالساكن؟ فكذلك حذفت الحركة في الميم من «عليهم» ونحوه لمّا كان يؤدّي إلى ما قد رفضوه في كلامهم من توالي المتحركات، وجعل غير اللازم في هذا كاللازم، كما جعل مثله في: فعل لبيد، و (لا تناجوا) «٢» ومررت بمال لك، ونحو ذلك.
الحجة لحمزة في قراءته (عَلَيْهِمْ):
فأمّا قراءة حمزة: (عليهم) وأختيها بالضم فليس على أنّه لم يتبع الهاء الياء مع المشابهات التي بينهما، ولكنّه لمّا وجد هذه الياءات غير لازمة، وما كان غير لازم من الحروف فقد لا يقع الاعتداد به في الحكم وإن ثبت في اللفظ، وكانت الياء
стр. 126
بمنزلة الألف في قرب المخرج والاجتماع في اللين وإبدال إحداهما من الأخرى في نحو:
لنضربن بسيفنا قفيكا «١» أجرى الياء مجرى الألف، فضمّ الهاء بعد الياء، كما يضمّها بعد الألف، وقوّى ما رآه من ذلك عندنا أن سيبويه حكى «٢» عن الخليل: أن قوما يجرونها مع المضمر مجراها مع المظهر، فيقولون: علاك وإلاك. فهذا يقوّي أن الياء لمّا لم تلزم لم يكن لها حكم اللازم، كما أن الواو في ضوء «٣» إذا خففت الهمزة فلم تلزم لم يلزمه القلب، كما «٤» أن التاء في قائمة وطويلة لمّا لم تلزم لم يكن لها «٥» حكم اللازم، والياء لما كانت أقرب مخرجا إلى الألف من الواو إليها «٦» أبدلت هي من الألف، كما أبدلت الألف منها، ولم تبدل الألف من الواو على هذا الحدّ.
ألا ترى أنهم قالوا: حاحيت، وعاعيت، وقالوا في النسب إلى طيئ: طائيّ وفي الحيرة: حاريّ، وفي زبينة: زباني «٧»،
стр. 127
وذهب سيبويه في آية وغاية إلى أن الألف «١» بدل من الياء الساكنة التي كانت «٢» في أيّة «٣» ولم نعلم الألف أبدلت من الواو على هذه الصورة إلّا قليلا كياجل في بعض اللغات.
فأمّا ما يقوله بعض البغداذيّين من أن الألف في داويّة بدل من الواو في دوّيّة فقد يمكن أن يكون الأمر على خلاف ما ذهب إليه، وذلك أنه يجوز أن يكون بنى من الدوّ فاعلا كالكاهل والغارب، ثم أضاف إليه على من قال: حانيّ، ويقوّي ذلك أن أبا زيد أنشد:
والخيل قد تجشم أربابها الشّقّ «٤» * وقد تعتسف الداويه «٥» فإن قلت: إنه قد يمكن أن يكون خفف ياء النسب في الداويه لأنّها قد تخفّف في الشعر، كما أنشده أبو زيد:
بكّي بعينك واكف القطر ... ابن الحواري العالي الذكر
«٦»
стр. 128
فإن الحمل على القياس والأمر العامّ أولى، حتى يحوج إلى الخروج عنه أمر يضطرّ إلى خلافه، ويخرج عن الشائع الواسع.
وممّا يؤكد ذلك أنّ أبا الحسن قال: زعم أبو زيد أنّه لقي أعرابيا فصيحا: يقول: ضربت يداه، ووضعته علاه. وحكى «١» أبو عثمان عن أبي زيد أنّه سأل الخليل عمن قال: رأيت يداك، فحمله على هذا الوجه.
ومن الدلالة على صحّة ما اعتبره حمزة في ذلك، أنّ الياء في الأواخر في غير هذا الموضع، وقعت موضع الألف في الوصل، والوقف، وذلك لغة طيئ فيما حكاه عن أبي الخطّاب «٢» وغيره من العرب، وذلك قولهم في أفعا: أفعي «٣» فكما جرت الياء مجرى الألف في هذا عندهم، كذلك أجرى الياء في «عليهم» مجرى الألف، معها، كما ضمّها مع الألف، إذ كانت الياء في حكمها، وإن لم تكن من لفظها.
وتوافق هذه اللغة في إبدال الياء من الألف قول ناس في
стр. 129
الإضافة إلى الياء: (يا بُشْرى) «١». و:
سبقوا هويّ وأعنقوا «٢» ...
وممّا يثبت هذه اللغة التي استشهدنا له بها من القياس، أنّها على قياس ما اجتمع عليه أهل الحجاز وغيرهم من قيس، وذلك أن بني، تميم يبدلون من الياء الهاء في الوقف في «هذه» فإذا وصلوا قالوا:
فهذي شهور الصيف «٣» ..
كما أن ناسا يقولون: أفعي في الوقف، فإذا وصلوا قالوا:
رأيت الأفعى، فاعلم.
стр. 130
وجعلت طيئ الحرف في الوصل والوقف ياء كما جعل أهل الحجاز وغيرهم من قيس آخر الكلمة في الوصل والوقف هاء فقالوا: هذه وهذهي أمة الله، وقالوا في الوقف: هذه، فاجتمعوا على إبدال الياء هاء كما فعلت طيئ ذلك بالألف فيهما. فإذا عضد ما ذكرنا من السماع الذي وصفناه من القياس، ثبت بذلك توجّه هذه اللغة وتقدّمها، وساغ من أجل ذلك التشبيه بها والترجيح لها على غيرها.
فإن قلت: فقد قال بعضهم: أفعو، فأبدل الواو من الألف، كما أبدل الياء منها. فالقول أن إبدال الواو منها ليس بقويّ من جهة القياس قوة إبدال الياء لما تقدم ذكره، وليس هو أيضا من طريق السماع في كثرة إبدال الياء منها، لأنّ الياء يبدلها «١» من الألف في الوقف فيما حكاه عن الخليل وأبي الخطّاب فزارة وناس من قيس، وفي الوقف والوصل يبدلها «٢» منها طيّئ والواو يبدلها منها بعض طيئ، فما كثر في الاستعمال وعضده قياس لم يكن كما كان بخلاف هذا الوصف. على أن مشابهة بعض هذه الحروف لبعض لا تنكر «٣»، وإن كانت الألف أقرب إلى الياء منها إلى الواو.
فإن قلت: فإن الياء قد اجتمعت مع الواو في أشياء لم تجتمع الألف فيها معها، كوقوعها في الردف في نحو: صدود وعميد، وامتناع الألف من مشاركتهما «٤»، وكاجتماعهما في الإدغام في سيّد ونحو ذلك. فالقول في ذلك أن الشعر يعتبر
стр. 131
فيه التعديل في الأجزاء، لما يدخله من الغناء والحداء، فلمّا كان المدّ في الألف أكثر من المدّ الذي في كل واحد منهما لم تجتمع معهما الألف في الردف، كما لم تقع واحدة
منهما مع الألف في التأسيس. ويدلّك على أن امتناع الألف في الاجتماع معهما في الردف لذلك، أنّ الفتحة لمّا لم تكن في مدّ الألف، لم يمتنع أن تقع «١» قبل حرف الروي مع الضمة والكسرة في نحو:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق
إذا الدليل استاف أخلاق الطرق ... ألّف شتّى ليس بالرّاعي الحمق
«٢» ألا ترى أن الفتحة لمّا خالفت الألف فيما ذكرنا لم تمتنع «٣» في قول أبي الحسن من أن تجتمع مع الضمة والكسرة. ومما يدلّك على زيادة المدّ في الألف، استجازتهم تخفيف الهمزة بعدها في هباءة والمسائل وجزاء أمّه «٤»، ولم يفعلوا ذلك بها مع الواو والياء «٥». ولكن قلبوها إلى لفظها في: مقروّ
стр. 132
والنسيّ. ومن ثم استجاز يونس إيقاع الخفيفة بعدها في فعل الاثنين وجماعة النساء، وقرأ بعضهم فيما روي لنا: وَمَحْيايَ وَمَماتِي «١» [الأنعام/ ١٦٢].
وأما امتناعها من الإدغام وجوازه فيهما فإن إدغامها لم يجز في واحدة منهما لما فيها من زيادة المد «٢»: ألا ترى أن الصاد والسين والزاي «٣» لم يدغمن في الطاء والتاء والدال، ولا في الظاء والثاء والذال، لما فيهنّ من زيادة الصوت التي ليست «٤» في هذه الستة وهو الصفير «٥»، وأدغمن فيهنّ. ولم يجز إدغام الياء والواو في الألف لأنها لا تكون إلا ساكنة والمدغم فيه تلزمه الحركة، ولأن الحروف المجانسة لها يكره فيها الإدغام.
ومما يقوّي قراءته بالضم في هذه الحروف أنّه قد اعتبر في بعض الحروف المنقلبة حكم المنقلب عنه، ألا ترى أن الألف إذا كانت منقلبة عن الياء قرّبت منها فصارت مشابهة لها، ولا يفعل بها ذلك في الأمر العام إذا كانت منقلبة عن غيرها، وكذلك هذه الياء في عليهم إذا كانت منقلبة عن الألف جعلت
стр. 133
بمنزلة الألف فضمّت معها الهاء ضمك إيّاها مع الألف، كما قرّبت الألف من الياء لمّا كانت منقلبة عنها. وقد أريتك فيما تقدم أن المقرّب من الحروف قد يكون في حكم الحرف المقرّب منه عندهم بدلالة قولهم اجدرءوا «١» واجدمعوا، وإبدالهم تاء الافتعال مع المقرب إبدالهم إياها مع الحرف المقرّب منه.
ومما يؤكد ذلك أنّهم قالوا. رويا وروية ونوي «٢» فجعلوا [حكم الواو] «٣» حكم الحرف المنقلب عنه، فلم يدغموه في الأمر العام الشائع، كما لم يدغموا في هذه الياء ما الواو بدل منه، فكذلك يكون حكم الياء في عليهم حكم الحرف المنقلب عنه.
ومن ذلك أنهم قالوا: بيس فلم يحقق الهمزة، وأقرّ مع ذلك كسرة الباء فيها، كما كان يكسرها لو حقق الهمزة، أفلا ترى أنّه جعل حكم الحرف المغير حكمه قبل أن يغيره، فكذلك يضم الهاء مع الياء المنقلبة عن الألف، كما يضمّها مع الألف.
ومن تشابه الياء والألف أنّ الياء قد أجريت مجرى الألف، فأسكنت في موضع النصب، فصارت في الأحوال الثلاث «٤» على صورة واحدة، كما أنّ الألف في مثنّى «٥» ومعلّى كذلك، وقد كثر هذا «٦» في الشعر، وجاء في الكلام منه أيضا.
وذلك قولهم: أيادي سبا، وأيدي سبا، وبادي بدا وبادي بدي «٧»
стр. 134
وقالي قلا، ومعدي كرب. فالأول من هذه الأشياء في موضع فتح، لأنّه لا يخلو من أن يكون ككفّة كفّة أو كفّة كفّة. فأمّا قولهم: لا أكلمك حيري دهر، فإن شئت قلت: إن الياء للإضافة فلما حذفت المدغم فيها «١» بقيت الأولى على السكون كقوله:
............. أيهما ... عليّ من الغيث استهلّت مواطره
«٢» وإن شئت قلت: إنّه لمّا حذف الثانية جعل الأولى كالتي في أيدي سبا، ولم يجعله مثل رأيت يمانيا «٣». وإن شئت «٤» جعله فعلي «٥» وكان في موضع نصب.
فإن قلت: إنّه قد قال: إن هذا البناء لا يكون إلّا بالهاء «٦» فإن شئت «٧» جعلته مثل انقحل «٨»، وإن شئت قلت:
إن الهاء حذفت للإضافة كما حذفت معها حيث، لم تحذف مع غيرها، وأن تجعلها للنسب أولى، لأنّهم قد شدّدوها. وكما
стр. 135
شبّهت الياء بالألف في هذا، كذلك شبّهت الألف بالياء في نحو ما أنشده أبو زيد:
إذا العجوز غضبت فطلّق ... ولا ترضّاها ولا تملّق
«١» فهذا إنما هو على تشبيه الألف بالياء، ألا ترى ما قدّر من إثبات الحركة في «ألم يأتيك ... » «٢» وحذفها للجزم لا يستقيم هاهنا لمنع اللام بانقلابها ألفا من ذلك، من حيث لو لم يقدّر ثبات الحركة لصحّ الحرف ولم ينقلب كما لم ينقلب في نحو كي وأي ولو وأو. فأمّا قول الشاعر:
وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم تري قبلي أسيرا يمانيا
«٣» فإنه ينشد تري وترى. فمن أنشده تري بالياء كان مثل قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ «٤» [الفاتحة/ ٤] بعد الحمد لله، وقد يكون على هذا قول الأعشى:
стр. 136
حتى تلاقي محمدا بعد قوله:
فآليت لا أرثي لها من كلالة «١».
وقد تكون على: هي تفعل، إلّا أنّه أسكن اللام في موضع نصب «٢». ومن أنشد: كأن لم ترى، كان مثل لا ترضّاها.
فإن قلت: فلم لا «٣» يكون على التخفيف «٤» على قياس من قال: المراة والكماة. قيل إن التخفيف على ضربين:
تخفيف قياس وتخفيف قلب على غير القياس «٥» وهذا الضرب حكم الحرف فيه حكم حروف اللين التي ليست أصولهن الهمز، ألا ترى أن من قال: أرجيت قال: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ [التوبة/ ١٠٦] مثل معطون، ومن لم يقلب جعلها بين بين، فكذلك: «لم ترى» إذا لم يكن تخفيفه تخفيف قياس كان كما قلنا، فلا يجوز لتوالي الإعلالين ألا ترى أنّهم قالوا: طويت وقويت وحييت فأجروا الأول في جميع ذلك مجرى العين من
стр. 137
اخشوا، وقالوا: نوا وحيا، فجعلوه بمنزلة قطا، وقالوا: آية. فإن قلت: فقد قالوا: استحيت. فإن ذلك من النادر الذي لا يحمل عليه «١». فإن قلت: فلم لا تجعله مثل لم يك ولم أبل كأنه حذف أولا اللام للجزم، كما حذف الحركة من «٢» يكون، ثم خفف على تخفيف الكماة والمراة، وأقرّ الألف كما أقرّ في «لا ترضّاها». فإن ذلك يعرض فيه ما ذكرنا من توالي الإعلالين، ويدخل فيه شيء آخر لا نظير له، وهو أنّه إذا حذف الألف من «لم ترى» على هذا الحدّ، فقد حذف للجزم حرفين، وليس لم يك ولم أبل كذلك، لأنّه إنّما حذف فيه «٣» حركة وحرف. وممّا يبعد التخفيف في «ترى» على حد الكماة والمراة، أنّهم قد حذفوا الألف من هذه الكلمة في قولهم: ولو تر أهل مكّة، لكثرة الاستعمال، كما حذفوها «٤» في قول من قرأ:
حاشَ لِلَّهِ «٥» [يوسف/ ٣١ - ٥١]. فإذا حذف الألف كما حذف من حاش لله «٦» وجب أن تكون العين في حكم الصحيح والتخفيف القياسي ليكون كحاش لله.
الحجة لابن كثير في قراءته: (عليهمو ولا) «٧» وأما قول ابن كثير: «عليهمو ولا الضالين» فوجهه أنّه أتبع
стр. 138
الياء ما أشبهها، والذي يشبهها الهاء، وترك ما لا يشبه الياء والألف- وهو الميم- على أصله وهو الضم، كما أنّ الذين قالوا: شعير، ورغيف، ورجل جئز «١» وماضغ لهم «٢»، وشهد.
ولعب أتبعوا الفتحة الكسرة في جميع ذلك لقربها منها كقرب الألف من الياء، وشبهها بها. ولم يتبعوا الفتحة الضمّة فيقلبوها «٣» ضمّة في رءوف ورؤف «٤» كما أتبعوا الفتحة الكسرة في جئز وشعير حيث لم تقرب الواو من الألف قرب الياء منها، فكذلك أتبع الهاء الياء لما قرب «٥» منها، ولم يتبعها الميم لما لم تقرب منها، كما لم يتبع الفتحة في رءوف الضمة حيث لم تقرب الفتحة من الضمة قربها من الكسرة.
فأما قولهم: مغيرة ومغير فليس على حدّ شعير ورغيف، ولكن على قولهم. منتن في منتن وأجوءك في أجيئك «٦».
ومما يقوّي قوله في ذلك، أنّهم قالوا: قرأ يقرأ، وجأر يجأر، فأتبعوا الهمزة وأخواتها ما جانسها من الحركات، وما كان من حيزها، وهي الفتحة، ولم يفعلوا ذلك مع الحروف المرتفعة عن الحلق. حيث لم يقربن من الفتحة قرب الحلقيّة منها.
فكذلك أتبع في قوله: (عليهمو ولا) الياء ما قرب من الياء «٧»، وهو الهاء، ولم يتبعه ما لم يقرب منها وهو الميم.
стр. 139
ومثل قوله: (عليهمو) - في أنّه أتبع الياء ما يشبهها، وترك ما لا يشبهها على أصله- قولهم (يُصْدِرَ) «١» فقرّب الصاد من أشبه الحروف من موضعها بالدال وهو الزاي. ألا ترى أنهما يجتمعان في الجهر؟ فلما أراد تقريب الأول من الثاني، ولم يجز ذلك بالإدغام لما يدخل الحرف من انتقاص صوته، قرّبه من هذا الوجه الذي قرّب منه دون الإدغام.
ولو كان موضع الدال في (يُصْدِرَ) حرف آخر لا يقرب من الصاد قرب الدال منها- كاللام والراء ونحوهما- لم تغيّر الصاد له كما غيرت من أجل الدال لقربها منها، فكذلك قرّب الهاء في عليهمو من الياء، لقربها منها ولم يغير الميم لبعدها منها، كما لم تقرّب الصاد من الزاي مع اللام ونحوها، لمّا لم يقربن منها قربها من الدال.
فإن قلت: هلّا رغب عن ذلك لما يعترض في قراءته «٢» من ضم بعد كسر، والضم بعد الكسر في كلامهم مكروه؟ قيل له «٣»: إن الضم بعد الكسر على ضربين، أحدهما: أن يكون في بناء الكلمة وأصلها، كالضم بعد الفتح في عضد، (والآخر: أن يكون عارضا في الكلمة غير لازم لها) «٤»، فما كان من الضرب الأول فهو مرفوض في أبنية الأسماء والأفعال كما كان فعل في أبنية الأسماء مرفوضا. وما كان من الضرب الثاني فمستعمل، نحو قولهم: فرق، ونزق في الرفع، وقالوا في
стр. 140
الوقف على الرّدء في الرفع في قوله: فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [القصص/ ٣٤] هو الرّدؤ مثل الرّدع «١»، كما قالوا في البطء: من البطىء فحرّكوه- كراهة لالتقاء الساكنين- بالحركة التي كانت تكون للإعراب، كما قال:
... إذ جدّ النّقر «٢».
وقد أعلمتك فيما تقدّم أن كثيرا ممّا لا يلزم الكلمة لا يقع الاعتداد به. فإذا كان الأمر في وقوع الضمة بعد الكسرة على ما ذكرنا لم يصحّ أن يرغب عن قراءته (عليهمو ولا) من حيث لحقت فيها ضمة بعد كسرة. لأن هذه الضمة تشبه ما ذكرنا. من ضمة الإعراب وما استعملوه في الوقف، وذلك أنّها غير لازمة، ألا نرى أنّ الكسرة في الهاء إنّما تكون إذا جاورت الكسرة أو الياء، فإذا زالت هذه المجاورة زالت الكسرة. كما أن ضمّة الإعراب في قولهم: هذا نزق يا فتى «٣» إذا زال عاملها زالت. وكما أن الرّدؤ إذا زال الوقف فيه في الرفع زالت الضمة
стр. 141
فإن قلت: فإنّ قوما كرهوا أن يقولوا: هو الرّدؤ في الوقف على المرفوع، فقالوا: هو الرّدىء، وقالوا هذا عدل، لكراهة الضمّة بعد الكسرة. فهلّا كره (عليهمو) كما كره هؤلاء ما ذكرت. قيل له «١»: إنّ هؤلاء إنّما عدلوا عن الضمة إلى الكسرة حيث وجدوا عنها مندوحة، بأن أتبعوا الساكن الحركة التي قبله، كما أتبعوه الحركة التي قبله في مدّ ونحوه. والذي يقرأ (عليهمو) لو لم يكسر الهاء هاهنا لم يشاكل بها الياء، والمشاكلة بها واجبة، لما تقدّم من الحجة في ذلك. ولو لم يضمّ الميم لأتبع الياء والكسرة «٢» في عليهم ما لا يشبهها من كسرة الميم لو كسرها، وكأنّ ذلك إنّما يجوز على نحو مغيرة وأجوءك، ونحو ذلك ممّا ليس بالكثير في الاستعمال ولا المتّجه في القياس، ألا ترى أنّ القياس تقرير هذه الحركات على أصولها، ومن ثمّ لم يجز في مدير ومغير ما جاز في مغيرة من كسر الأوّل. على أن ما ذكرته من قولهم «٣»: هو الرّدء، يشبه ألّا يكون الأكثر، لأنّه قال «٤»: وأمّا ناس من بني تميم فيقولون:
هو الرّدىء، كرهوا الضمّة بعد الكسرة، لأنه ليس في الكلام فعل، فتنكّبوه لذلك واستنكروه.
قال أبو علي: والقياس قول الأكثر: لأنّ هذه الحركة في أنّها لا تلزم كقولهم: نزق في الرفع، فكما لا مذهب عن ذلك في الرفع فكذلك ينبغي أن يكون الوقف لاجتماع الوقف مع الإعراب في أنّه لا يلزم الكلمة، فلا ينبغي أن يسام ترك القياس
стр. 142
على الأكثر في الاستعمال والأصحّ في القياس إلى ما كان بخلاف هذه الصفة. وكأنّ هؤلاء الذين قالوا: هذا الرّدىء، كراهة الضمة بعد الكسرة شبّهوا الحركة التي تشبه حركات الإعراب بحركة البناء التي لا تفارق، وليس هذا بالمستقيم. ألا ترى أنّهم قالوا: يا زيد العاقل، ولا رجل صاحب امرأة عندك؟
فجعلوا الحركة المشابهة للإعراب بمنزلة الإعراب. وكذلك «١» ينبغي أن تجعل الحركة المشابهة للإعراب في الوقف بمنزلة الإعراب فلا يكره فيه هو الرّدؤ، كما لم يكره فرق، ولا يتبع الأول، لأن إتباع الحركة ليس بمستمرّ استمرار حركة الإعراب التي الحركة في الرّدؤ في قياسها ومشابهة لها من حيث وصفنا.
على أنهم قالوا في الوقف: رأيت الرّدىء، ومن البطؤ، ورأيت العكم، ورأيت الحجر، فأتبعوا الأوسط تحريك الأول، فكذلك يكون قولهم: هذا الرّدؤ على هذا الحدّ، لا لكراهة الضمّة بعد الكسرة، فكما لا يكون في رأيت الحجر إلّا على الإتباع لما قبله، كذلك لا يكون في هذا عدل إلا كذلك، لا لكراهة الضمّة بعد الكسرة. ومثل قوله (عليهمو ولا الضالين) في أنّه جعل حركة البناء بمنزلة الإعراب في وقوع الضمّة بعد الكسرة لمشابهتها حركة الإعراب في أنّها لا تلزم، ويتعاقب على الموضع غيرها قول العرب من غير أهل الحجاز في ردّ، وعضّ، وفرّ، واستعدّ «٢» ألا ترى أنهم أدغموا في الساكن المبنيّ كما أدغموا في المعرب نحو: هو يردّ ويستعدّ، لمّا كان
стр. 143
المبنيّ تتعاقب عليه الحركات «١» وإن كن لغير الإعراب كالتحريك لالتقاء الساكنين، وإلقاء حركة الهمزة عليه في التخفيف، وإلحاقهم الثقيلة أو الخفيفة به، والتحريك للإطلاق.
أدغموا كما أدغموا المعرب لمشابهته له في تعاقب هذه الحركات عليه، فكما صار غير المعرب بمنزلة المعرب لاجتماعهما في الشّبه الذي ذكرنا، كذلك استجاز أن يوقع الضمة بعد الكسرة في (عليهمو) كما وقعت بعدها في المعرب، لمشابهته المعرب لتعاقب الحركات عليه، وإن لم يكن لاختلاف عامل.
والدليل على أن الإدغام في باب ردّ ونحوه إنما هو لما ذكرناه «٢» من مشابهته المعرب لتعاقب الحركات عليه- وإن كانت لغير الإعراب- امتناعهم من الإدغام حيث عري من هذه المشابهة التي وصفنا. وذلك قولهم: رددت، ورددنا، ويرددن.
فالذين أدغموا ردّ في الأمر بيّنوا هذا الذي وصفناه من التضعيف المتّصل بالضمير لمّا كان موضعا لا تصل الحركة إليه. فأمّا قول بعضهم ردّت وردّنا يريدون «٣». رددت ورددنا فمن النادر الذي إن لم يعتدّ به كان مذهبا. لقلته في الاستعمال. وأنّه غير قويّ في القياس. فهو كالمقارب: لليجدّع «٤».
стр. 144
ومن حجّة من قرأ (عليهمو) أن كسرة الهاء أصلها الضمة، وإنّما أبدل منها الكسرة للاعتلال من أجل الإتباع «١»، كما أن الكسرة في التقاضي والترامي والتداعي ونحو ذلك أصلها الضمّ، من حيث كان مصدر تفاعل. فكما أن هذه الكسرة في حكم الضمّة، والضمّة التي هي الأصل تراعى في المعنى بدلالة صرفهم له وامتناعهم من أن يجعلوه من باب حذار: جمع حذرية «٢» وغواش، كذلك تكون الضمّة التي هي الأصل في (عليهمو) مراعاة في المعنى. فلا ينبغي أن يكره ذلك كما كره فعل، ولا يكون بمنزلته، كما لم يكن الترامي بمنزلة الغواشي والحذاري، لمّا كان الأصل مراعى في ذلك.
وإذا كانت الضمّة المرفوضة في الاستعمال مراعاة في اللفظ للدليل الذي ذكرنا، فأن تراعى الضمة في (عليهمو) أجدر، لأنّها لم ترفض كما رفضت في باب التفاعل، ألا ترى أنّ أهل الحجاز يستعملونه، وأنّ من قال: بهو، (وبدارهو) قال: (عليهمو)، ومن قال: (عليهمو) ضمّ إذا عدا الياء «٣» والكسرة.
ومما يقوّي ذلك أنهم قد اعتبروا الحركات التي هي أصول في غير هذا الموضع، وإن لم تكن في اللفظ مستعملة، فجعلوا الحكم لها. وذلك قولهم: عدت المريض، وقلت الحق، فعدّوه إلى المفعول، وإن كان اللفظ على فعلت، لأن
стр. 145
الأصل فعلت. ولولا أن تلك الحركة مراعاة معتبرة لم يتعدّ هذا النحو: ألا ترى أنا لم نعلم شيئا على فعل جاء متعديا إلى المفعول «١».
ومما يؤكّد ذلك أن النقل وقع بالزيادة منه «٢» وذلك نحو:
أقلته إذا جعلته يقول، وأبعت الفرس، وأخفت زيدا. وممّا يدلّ على ذلك أنّهم قالوا: يسع، ويطأ، فحذفوا الواو التي هي فاء كما يحذفونها في باب يعد ويزن، لمّا كان الأصل الكسر، وإنّما فتح لحرف الحلق، فكما أن الفتحة هاهنا في حكم الكسر لمّا لم تكن الأصل، كذلك تكون الكسرة في (عليهمو) في حكم الضمّ، فلا يكون مكروها من حيث لم يجيء فعل ونحوه في أصول الأبنية إذ كان الأصل الضمّ، كما كان الأصل الكسر في يطأ ويسع ونحوه.
ومما يبيّن ذلك أن ما كان على فعل لم يذكر سيبويه منه «٣» إلا «إبلا» «٤» وإذا جمعت «٥» قربة وسدرة ونحوهما «٦» قلت: قربات وسدرات، فاستمرّ فيه توالي الكسرتين من أجل الجمع، ولم يرفض ذلك، ولم يكره كما كره في أصل المقرر قبل الجمع. فكذلك (عليهمو) لا تكره فيه الكسرة قبل الضمة من أجل إعلال الإتباع وإن كان قد كره في بناء الآحاد، كما لم يكره توالي الكسرتين في سدرات من أجل الجمع «٧»، وإن كان