← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فإن قلت: فإنّ قوما كرهوا أن يقولوا: هو الرّدؤ في الوقف على المرفوع، فقالوا: هو الرّدىء، وقالوا هذا عدل، لكراهة الضمّة بعد الكسرة. فهلّا كره (عليهمو) كما كره هؤلاء ما ذكرت. قيل له «١»: إنّ هؤلاء إنّما عدلوا عن الضمة إلى الكسرة حيث وجدوا عنها مندوحة، بأن أتبعوا الساكن الحركة التي قبله، كما أتبعوه الحركة التي قبله في مدّ ونحوه. والذي يقرأ (عليهمو) لو لم يكسر الهاء هاهنا لم يشاكل بها الياء، والمشاكلة بها واجبة، لما تقدّم من الحجة في ذلك. ولو لم يضمّ الميم لأتبع الياء والكسرة «٢» في عليهم ما لا يشبهها من كسرة الميم لو كسرها، وكأنّ ذلك إنّما يجوز على نحو مغيرة وأجوءك، ونحو ذلك ممّا ليس بالكثير في الاستعمال ولا المتّجه في القياس، ألا ترى أنّ القياس تقرير هذه الحركات على أصولها، ومن ثمّ لم يجز في مدير ومغير ما جاز في مغيرة من كسر الأوّل. على أن ما ذكرته من قولهم «٣»: هو الرّدء، يشبه ألّا يكون الأكثر، لأنّه قال «٤»: وأمّا ناس من بني تميم فيقولون: هو الرّدىء، كرهوا الضمّة بعد الكسرة، لأنه ليس في الكلام فعل، فتنكّبوه لذلك واستنكروه. قال أبو علي: والقياس قول الأكثر: لأنّ هذه الحركة في أنّها لا تلزم كقولهم: نزق في الرفع، فكما لا مذهب عن ذلك في الرفع فكذلك ينبغي أن يكون الوقف لاجتماع الوقف مع الإعراب في أنّه لا يلزم الكلمة، فلا ينبغي أن يسام ترك القياس

стр. 142

على الأكثر في الاستعمال والأصحّ في القياس إلى ما كان بخلاف هذه الصفة. وكأنّ هؤلاء الذين قالوا: هذا الرّدىء، كراهة الضمة بعد الكسرة شبّهوا الحركة التي تشبه حركات الإعراب بحركة البناء التي لا تفارق، وليس هذا بالمستقيم. ألا ترى أنّهم قالوا: يا زيد العاقل، ولا رجل صاحب امرأة عندك؟ فجعلوا الحركة المشابهة للإعراب بمنزلة الإعراب. وكذلك «١» ينبغي أن تجعل الحركة المشابهة للإعراب في الوقف بمنزلة الإعراب فلا يكره فيه هو الرّدؤ، كما لم يكره فرق، ولا يتبع الأول، لأن إتباع الحركة ليس بمستمرّ استمرار حركة الإعراب التي الحركة في الرّدؤ في قياسها ومشابهة لها من حيث وصفنا. على أنهم قالوا في الوقف: رأيت الرّدىء، ومن البطؤ، ورأيت العكم، ورأيت الحجر، فأتبعوا الأوسط تحريك الأول، فكذلك يكون قولهم: هذا الرّدؤ على هذا الحدّ، لا لكراهة الضمّة بعد الكسرة، فكما لا يكون في رأيت الحجر إلّا على الإتباع لما قبله، كذلك لا يكون في هذا عدل إلا كذلك، لا لكراهة الضمّة بعد الكسرة. ومثل قوله (عليهمو ولا الضالين) في أنّه جعل حركة البناء بمنزلة الإعراب في وقوع الضمّة بعد الكسرة لمشابهتها حركة الإعراب في أنّها لا تلزم، ويتعاقب على الموضع غيرها قول العرب من غير أهل الحجاز في ردّ، وعضّ، وفرّ، واستعدّ «٢» ألا ترى أنهم أدغموا في الساكن المبنيّ كما أدغموا في المعرب نحو: هو يردّ ويستعدّ، لمّا كان

стр. 143

المبنيّ تتعاقب عليه الحركات «١» وإن كن لغير الإعراب كالتحريك لالتقاء الساكنين، وإلقاء حركة الهمزة عليه في التخفيف، وإلحاقهم الثقيلة أو الخفيفة به، والتحريك للإطلاق. أدغموا كما أدغموا المعرب لمشابهته له في تعاقب هذه الحركات عليه، فكما صار غير المعرب بمنزلة المعرب لاجتماعهما في الشّبه الذي ذكرنا، كذلك استجاز أن يوقع الضمة بعد الكسرة في (عليهمو) كما وقعت بعدها في المعرب، لمشابهته المعرب لتعاقب الحركات عليه، وإن لم يكن لاختلاف عامل. والدليل على أن الإدغام في باب ردّ ونحوه إنما هو لما ذكرناه «٢» من مشابهته المعرب لتعاقب الحركات عليه- وإن كانت لغير الإعراب- امتناعهم من الإدغام حيث عري من هذه المشابهة التي وصفنا. وذلك قولهم: رددت، ورددنا، ويرددن. فالذين أدغموا ردّ في الأمر بيّنوا هذا الذي وصفناه من التضعيف المتّصل بالضمير لمّا كان موضعا لا تصل الحركة إليه. فأمّا قول بعضهم ردّت وردّنا يريدون «٣». رددت ورددنا فمن النادر الذي إن لم يعتدّ به كان مذهبا. لقلته في الاستعمال. وأنّه غير قويّ في القياس. فهو كالمقارب: لليجدّع «٤».

стр. 144

ومن حجّة من قرأ (عليهمو) أن كسرة الهاء أصلها الضمة، وإنّما أبدل منها الكسرة للاعتلال من أجل الإتباع «١»، كما أن الكسرة في التقاضي والترامي والتداعي ونحو ذلك أصلها الضمّ، من حيث كان مصدر تفاعل. فكما أن هذه الكسرة في حكم الضمّة، والضمّة التي هي الأصل تراعى في المعنى بدلالة صرفهم له وامتناعهم من أن يجعلوه من باب حذار: جمع حذرية «٢» وغواش، كذلك تكون الضمّة التي هي الأصل في (عليهمو) مراعاة في المعنى. فلا ينبغي أن يكره ذلك كما كره فعل، ولا يكون بمنزلته، كما لم يكن الترامي بمنزلة الغواشي والحذاري، لمّا كان الأصل مراعى في ذلك. وإذا كانت الضمّة المرفوضة في الاستعمال مراعاة في اللفظ للدليل الذي ذكرنا، فأن تراعى الضمة في (عليهمو) أجدر، لأنّها لم ترفض كما رفضت في باب التفاعل، ألا ترى أنّ أهل الحجاز يستعملونه، وأنّ من قال: بهو، (وبدارهو) قال: (عليهمو)، ومن قال: (عليهمو) ضمّ إذا عدا الياء «٣» والكسرة. ومما يقوّي ذلك أنهم قد اعتبروا الحركات التي هي أصول في غير هذا الموضع، وإن لم تكن في اللفظ مستعملة، فجعلوا الحكم لها. وذلك قولهم: عدت المريض، وقلت الحق، فعدّوه إلى المفعول، وإن كان اللفظ على فعلت، لأن

стр. 145

الأصل فعلت. ولولا أن تلك الحركة مراعاة معتبرة لم يتعدّ هذا النحو: ألا ترى أنا لم نعلم شيئا على فعل جاء متعديا إلى المفعول «١». ومما يؤكّد ذلك أن النقل وقع بالزيادة منه «٢» وذلك نحو: أقلته إذا جعلته يقول، وأبعت الفرس، وأخفت زيدا. وممّا يدلّ على ذلك أنّهم قالوا: يسع، ويطأ، فحذفوا الواو التي هي فاء كما يحذفونها في باب يعد ويزن، لمّا كان الأصل الكسر، وإنّما فتح لحرف الحلق، فكما أن الفتحة هاهنا في حكم الكسر لمّا لم تكن الأصل، كذلك تكون الكسرة في (عليهمو) في حكم الضمّ، فلا يكون مكروها من حيث لم يجيء فعل ونحوه في أصول الأبنية إذ كان الأصل الضمّ، كما كان الأصل الكسر في يطأ ويسع ونحوه. ومما يبيّن ذلك أن ما كان على فعل لم يذكر سيبويه منه «٣» إلا «إبلا» «٤» وإذا جمعت «٥» قربة وسدرة ونحوهما «٦» قلت: قربات وسدرات، فاستمرّ فيه توالي الكسرتين من أجل الجمع، ولم يرفض ذلك، ولم يكره كما كره في أصل المقرر قبل الجمع. فكذلك (عليهمو) لا تكره فيه الكسرة قبل الضمة من أجل إعلال الإتباع وإن كان قد كره في بناء الآحاد، كما لم يكره توالي الكسرتين في سدرات من أجل الجمع «٧»، وإن كان

стр. 146

كره ذلك في الآحاد، لأن الضمة بعد الكسرة ليس من أصل الكلمة وإنما اجتلبه الاعتلال، كما اجتلب توالي الكسرتين الجمع. ويؤكّد ذلك أنّهم قالوا في شقرة: شقريّ «١»، وفي نمر نمريّ. ولم يجيء في شيء من هذا النحو إلّا فتح العين. وقالوا: صعقيّ، فكسروا الفاء مع العين لمّا كان للاعتلال، ولم يكن من أصل البناء. فأمّا وصل ابن كثير الميم بالواو في (عليهمو) فلأن الأصل الواو، وإنّما أتبع الياء ما يشبهها وترك ما لا يشبهها على الأصل، وكان تقرير الأصل أولى عنده «٢» من إتباع الكسرة الكسرة، لأنّ إتباع الحركة الحركة على هذا النحر «٣» ليس بالمستمرّ. فإن قلت: فقد جاء في ظلمات وسدرات وحفنات «٤». قيل: هذا التحريك ليس الغرض فيه الإتباع فقط. ألا ترى أنّه «٥» يفصل به بين الاسم والصفة، وكذلك عصيّ وحليّ يفصل به بين الواحد والجميع، ولا يلزم الكسر. ومع ذلك فقد أبدل فيه ناس الفتحة من الضمة، والكسرة، فقالوا: ركبات وسدرات. وقد أسكن المفتوح في الشعر قال لبيد: «٦»

стр. 147

رحلن لشقّة ونصبن نصبا ... لوغرات الهواجر والسّموم وقال ذو الرمة «١». أبت ذكر عوّدن أحشاء قلبه ... خفوقا ورفضات الهوى في المفاصل فكأنّه رأى ترك الحرف على أصله أولى من أن يصير به إلى ما لا يطرد. فإن قلت: فقد حكي عن الخليل وهارون، أنّ ناسا يقولون: (مُرْدِفِينَ) «٢» وقال: فهؤلاء يقولون: مقتّلين، فقاس على قولهم. قيل «٣»: قد يمكن أن يقال: إنّ ذلك من قوله لا يدلّ على أنّه يرى القياس عليه، وإنّما أراد أنّ القياس «٤» على ما ذكر لو قيس. فأمّا اطّراده فلا يستقيم، بدلالة أن نحو مغيرة ومنتن لا يطّرد، وإنما يقتصر به على ما جاء فكذلك (مُرْدِفِينَ). وإن شئت قلت: إن هذا تحريك «٥» لالتقاء الساكنين، كما أن قولهم، مدّ كذلك، فيكون هذا مستمرّا على لغتهم، كما أن ردّ كذلك، وإن كان الساكن في مردّفين متقدما. وقد قال: إنّها أقل اللغات. ولم يحذف الواو في عليهمو في الوصل كما حذفها

стр. 148

غيره، لأنّها الأصل، وليس إثباتها من الأصول المرفوضة المطّرحة عندهم، كالواو إذا وقعت طرفا في الأسماء وقبلها ضمة، لكنه مراد في التقدير وإن كان محذوفا من «١» اللفظ عند قوم. والدليل على ذلك اتّفاق الجمهور على إثباتها إذا اتّصل الضمير بها. وبذلك جاء التنزيل في قوله: أَنُلْزِمُكُمُوها [هود/ ٢٨]. وهذا أقوى في القياس، وأشيع في الاستعمال ممّا حكاه عن يونس: من أنه يقول أعطيتكمه، لأن مواضع الضمير وما يتّصل به قد ردّت فيها أشياء إلى أصولها في غير هذا، كقولهم: والله، وحقك. فإذا وصلوه بالضمير قالوا بك لأفعلن. أنشد أبو زيد: رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما «٢»

стр. 149

ويدلّ «١» على ذلك أيضا أنّ ضمير المؤنث الذي بإزائه على حرفين، وذلك نحو عليكنّ وبكنّ. فالأول من التضعيف بإزاء الميم، والثاني بإزاء حرف اللين. فهذا مما يقوي أنّه لم يحذفه على وجه الاطّراح والرفض، إنّما حذفه للتخفيف معتدّا به في الحكم وإن كان محذوفا في اللفظ. فأمّا ما انفرد به ورش في روايته عن نافع: من أن الهاء مكسورة والميم موقوفة، إلّا أن تلقى «٢» الميم ألف أصليّة مثل: سواء عليهمو أأنذرتهمو أم لم تنذرهم لا يؤمنون [البقرة/ ٦] فالقياس فيها إذا لقيت الألف الأصلية وإذا لقيت غيرها سواء. وكأنه أحبّ الأخذ باللغتين مثل: (لا يألتكم) و (لا يَلِتْكُمْ) «٣». فإن قلت: إنّه لمّا أمن سقوطها لالتقاء الساكنين، كما تسقط إذا كانت بعدها همزة وصل، وكان المد قبل الهمزة مستحبا بدلالة أن القرّاء قد مدّوا نحو: كَما آمَنَ النَّاسُ [البقرة/ ١٣] أكثر مما مدّوا: وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل/ ٩٦]- ويقوي ذلك اجتلاب من اجتلب الألف بين الهمزتين في نحو (أاأنت) «٤» [الأنبياء/ ٦٢]- فهو قول. وقال «٥» أبو الحسن: إنّما وقعت هذه القراءة «٦» بالمدّ ليفهّموا المتعلمين فيمدّوا الهمزة إذا كانت

стр. 150

قبلها ألف أو ياء [أو واو] «١» نحو: حتّى إذا «٢»، ونحو: قالُوا أَأَنْتَ [الأنبياء/ ٦٢] قال: والعرب تفعل هذا في حال التطريب، وإذا أراد أحدهم الرقّة والترتيل. الحجة «٣» لاختلافهم إذا حركوا الميم لساكن يلقاها: كان ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر يضمّون الميم إذا لقيها ساكن، مثل قوله تعالى: عليهمو الذلة [البقرة/ ٦١]، ومن دونهمو امرأتين [القصص/ ٢٣]، فأمّا ضمّ ابن كثير ونافع لذلك «٤» فهو على قولهما بيّن، لأنّ ابن كثير في ذلك يتبع الميم واوا تثبت في اللفظ إذا لم تلق ساكنا، وكذلك نافع في رواية الأكثر عنه، لأن من روى عنه أن الميم مضمومة، فكأنه قد روى عنه إثبات الواو، ألا ترى أنه ليس أحد يضمّ الميم ولا يتبعه الواو في نحو: عليهمو «٥» وعليهمو، فإذا لقي الواو ساكن حذفت وبقيت الميم على ضمها. وأمّا عاصم وابن عامر فكأنهما يريان أن حرف اللين الذي يتبع الميم- الواو، دون الياء- وإن كانا قد حذفاه في اللفظ طلبا للخفة «٦»، فإذا لزم التحريك لالتقاء الساكنين ردّا حركة الأصل عندهما، وإن كانا قد حذفا الواو من اللفظ، وأثبتها ابن كثير ونافع، لأن حذف من حذفها ليس على جهة الرفض

стр. 151

- بدلالة أن كثيرا منهم يقولون: كنتموا فاعلين [يوسف/ ١٠] «١» وعليهمو مال- فإذا احتاجا إلى التحريك ردّا حركة الأصل كما رد الجميع حركة الأصل التي هي الضم في قولهم: مذ اليوم لمّا احتيج إلى التحريك «٢» لالتقاء الساكنين، ويدل على أن حركة الساكن المحرك في التقاء الساكنين إذا كانت أصلا كانت أولى من الحركة المجتلبة لالتقاء الساكنين أن أحدا لم «٣» يقل: إليهم اثنين، [يس/ ١٤]، فيكسر بعد الضمّ لما لم يقل أحد «٤» عليهمي. فلولا أن حركة الأصل أولى من المجتلبة لجاز تحريك هذا النحو بالكسر، كما حرّك غيره ما لا «٥» حركة له في الأصل. ومما يقوي تحريكهم إيّاه بالضم أنه حرف ضمير كما أن الواو في اخشوا كذلك، وكما اتّفق الجمهور على تحريك الواو في اخشووا «٦» بالضم وجعلوا مصطفو الله مثله من حيث كان مثل اخشووا فيمن قال: أكلوني البراغيث، مع أن المحرك واو، كذلك حرّكوا الميم بالضمة «٧» لأنها مع الميم أسهل منها مع الواو. ومن زعم أن تحريك ذلك بالضمّ لأنه فاعل دخل عليه قول من كسر فقال: اخشوا القوم، وقولهم: اخشي القوم، وفي غير التقاء الساكنين: ذهبت وذهبت. ومما يقوّي تحريك الواو بالضمّ أنّ قوما شبّهوا التي لغير

стр. 152

الضمير بها، فقالوا: لو استطعنا «١» [التوبة/ ٤٢]، فحرّكوها بالضمّ. فأمّا: أو اخرجوا «٢» [النساء/ ٦٦] وأو انقص [المزمل/ ٣]، فعلى حدّ: وقالت اخرج [يوسف/ ٣١]، فدلّ قولهم لو استطعنا [التوبة/ ٤٢]، وتشبيه غير الضمير بالضمير على استحكام الضمّة في الواو، كما دلّ قول من قال: منهم وعليكم وأحلامكم على استحكام الكسرة في عليهم وبهم وما أشبه ذلك. الحجة لأبي عمرو في قراءته: عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [البقرة/ ٦١] ونحوه بكسر الميم: فأمّا قول أبي عمرو: عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [البقرة/ ٦١] وإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ [يس/ ١٤]، فتحريكه بالكسر ليس على حدّ قوله: قُمِ اللَّيْلَ [المزمل/ ٢] وأحدن الله [الإخلاص/ ١ - ٢]، ولكن كأن الأصل عنده في الوصل عليهمي، فحذف الياء استخفافا، كما حذف عاصم وابن عامر ونافع في إحدى الروايتين لذلك، فلمّا حرّك لالتقاء الساكنين، أتى بحركة الأصل التي هي الكسر «٣»، كما أتى أولئك بالضمّ،

стр. 153

لأنّ الكسر في قوله: (عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) و (إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) على قوله في أنه أصل، نظير الضمّ في قول ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر، فكانت «١» حركة الأصل أولى من أن تجتلب حركة، كما أنّ «٢» تحريك مذ بالضمّ أولى. وعلى هذا قال سيبويه «٣»: في ترخيم رادّ اسم رجل على قول من قال: يا حار، يا راد أقبل، فحرّك لالتقاء الساكنين بالحركة التي كانت للحرف في الأصل، ولم يجعله بمنزلة ترخيم إسحارّ «٤»، لأنّ الراء الأولى فيه لا حركة لها في الأصل كحركة عين رادّ فأتبع الحركة ما قبلها، لأنّ حركة التقاء الساكنين تتبع كثيرا ما قبلها، كقولهم: ردّ وعضّ وفرّ، وكقولهم: انطلق. فإن قلت: فقد قدّمت أن حركة الإتباع لا تطرّد، ولا يقاس عليها، قيل له: ليس هذا بقياس، ولكنه مسموع، كما أن مغيرة مسموع، وكما أن حليّ وعصيّ ومردّفين كذلك، ومع ذلك فقد اطّردت هذه الحركة في قول «٥» من قال: ردّ وعضّ وفرّ «٦» والأظهر في مردّفين أنه مطّرد في بابه. وممّا يقوّي تحريك هذه الميم بالكسر من جهة القياس، أنّهم قد أتبعوا حركة الميم الدالة على اسم الفاعل الكسر، مع أنّ ذلك يزيل صورة دلالتها على ما أريد فيها. فإذا جاز في

стр. 154

ذلك كان في حركة علامة الضمير التي لا تتعلق بها دلالة على معنى أجوز. وممّا يقوّي إتباع الميم في الكسر الهاء، أنّ حركة الإتباع قد جاءت «١» عنهم مع حجز حرف بين الحركتين، وذلك قولهم: أجوءك في أجيئك ومنتن. وأما قولهم: أنبؤك ومنحدر من الجبل، فإن قولهم: منحدر تبعت الضمة فيه ضمة الإعراب، كقولهم: ابنم وامرو، وأخوك، وفوك، وذو مال. فأمّا قولهم: أنبؤك، فإن شئت أتبعت ضمّة العين ضمّة الإعراب مثل منحدر، وإن شئت أتبعتها ضمة همزة المضارعة، وإن كان الحرف قد حجز مثل منتن. ومما يقوّي ذلك، أن أبا عثمان قال حدثني محبوب «٢» بن الحسن القرشي عن عيسى «٣»، قال: كان عبد الله بن أبي إسحاق يقرأ: بين المرء وقلبه «٤» [الأنفال/ ٢٤] ويقول: رأيت مرءا وهذا مرء.

стр. 155

ومن ذلك أنّهم قد احتملوا من أجل إتباع الحركات ما رفضوه في غيره وذلك قولهم: يخطّف، ويكتّب، فكسروا الياء في المضارعة اتباعا لما بعدها، ولولا ذلك لم تكسر الياء، لأن من يقول: أنت تعلم لا يقول: هو يعلم. فأمّا ما حكاه من قولهم: هو يئبى، فليس مما يعترض به لشذوذه، فإنّما الكسرة في يخطّف لاستحباب قائله للإتباع «١»، كما أنّ من قال: ييجل، استجاز الكسر في الياء مع امتناعه في يعلم ليتوصل بذلك إلى قلب الواو ياء، فكذلك «٢» كسر فيما ذكرنا ليصل «٣» به إلى الإتباع. قال أبو الحسن: من قال يخطّف كسر الخاء لاجتماع الساكنين ثم كسر الياء، أتبع الكسرة الكسرة وهي قبلها، كما أتبعها إيّاها وهي بعدها. وإتباع الآخر الأوّل في كلام العرب كثير، ويتبعون الكسرة الكسرة في هذا الباب. يقولون: قتّلوا وفتّحوا يريدون افتتحوا. ومما يؤكد ذلك أن أبا الحسن قال: روى عيسى بن عمر أن بعض العرب يثقّل كل اسم أوّله مضموم إذا كان على ثلاثة أحرف، نحو: العسر، واليسر، والحكم، والرّحم. ومن الإتباع قولهم: هذا فوك ورأيت فاك، ومررت بفيك. ومثله قولهم: ذو مال، إلا أن ذو لا يضاف إلى المضمر، لمّا حذفت اللام من فم تبعت الفاء العين التي هي حرف الإعراب عندنا. فإن

стр. 156

أضفته إلى المتكلم، قلت: هذا فيّ ورأيت فيّ، وفي فيّ. ولا يجوز في موضع النصب فاي. وإنما اتّفقت الألفاظ الثلاثة على لفظ واحد إذا أضاف المتكلم إلى نفسه، لأنّ حرف الإعراب ينقلب إلى الحرف المجانس للحركة التي تجب له، ألا ترى أنّه يكون في موضع الرفع واوا، وفي الجرّ ياء، وفي النصب «١» ألفا، ثم تتبعه الفاء؟ فكذلك إذا أضافه إلى نفسه انقلبت ياء؛ لأنّ حركة الحرف الذي يلي «٢» الياء في جميع أحواله الكسر «٣»، فإذا كان كذلك وجب أن يكون ياء في الأحوال الثلاث إذا أضفته إلى نفسك كما يكون في الجرّ، لاجتماع الحركتين على لفظ واحد، وليس هذا في موضع النصب إذا أضفته إلى نفسك بمنزلة عصاي، لأنّ حرف اللين في عصاي لا ينقلب بحسب الحركة التي تجب له كما ينقلب في فيك. فأمّا «٤» افتراق الحركتين بأن إحداهما حركة إعراب، والأخرى حركة بناء، فليس ممّا يوجب اختلافا فيما ذكرنا، كما لم يوجب في قولهم: ابنم، ألا ترى أنهم أتبعوا النون فتحة التثنية في قولهم:

стр. 157

ومنا لقيط وابنماه وحاجب ... مؤرّث نيران المكارم لا المخبي «١» كما أتبعوها فتحة النصب فيما أنشده أبو زيد: تبزّ عضاريط الخميس ثيابها ... فأبأست ربّا يوم ذلك وابنما «٢» وقد قال قائل في قولهم ابنم: إن النون إنما جعلت حركته «٣» تابعة لحركة الميم، لأنّها قد كانت تتحرك بهذه الحركات، فزيدت الميم فتبعته لذلك. وليس هذا بمستقيم، لأنّهم قد فعلوا ذلك بامرئ، ولم يحذف منه شيء، ألا ترى أنّ الهمزة في تخفيف امرئ المسكّن الفاء تكون «٤» بين بين،

стр. 158

ولا تحذف لتحرّك ما قبلها، فيقول «١»: إنّ العين قد تحركت لحذف «٢» الهمزة، وجرى الإعراب عليها كما جرى على الباء من الخب «٣». ويدلّ على بعد اعتبار ذلك، أنّهم أتبعوها الفاء فيما حكيناه عن ابن أبي إسحاق، مع أنّها لا يجوز أن تتحرك بحركة إعراب، فتحريك النون من ابنم على حدّ تحريك الفاء من المرء. على أنّهم قد قالوا: غد فحذفوا، وغدو، فأتمّوا، ولم يفعلوا به ما فعلوا بفم، وهو مثله في الزنة، وفي أن نقص مرّة وأتمّ أخرى. وما ثبت «٤» مما ذكرناه من قولهم في فيّ «٥» يدلّ على فساد قول من قال: إن هذه الكلم «٦» معربة من مكانين. ألا ترى أنهم أتبعوا حركة البناء، كما أتبعوا حركة الإعراب في هذا وفي تثنية ابنم في قوله: وابنماه. والحركة التي تتبع الحركة على ضربين: أحدهما: إتباع حركة ليست للإعراب حركة ليست للإعراب نحو: مغيرة، ومنتن، ويعفر، وظلمات، والآخر: إتباع حركة ليست للإعراب حركة إعراب، وذلك مثل: امرؤ، وابنم، وفوك، وأجوءك، وأنبؤك، والحرف «٧» المذكور في الكتاب

стр. 159

بعكس هذه القسمة، من النادر الذي لا حكم له. وهو مثل تشبيههم حركة الإعراب بحركة البناء في نحو: أشرب «١» غير مستحقب «٢» شبهه بعضد. فأمّا ما قيل من قولهم: فَلِأُمِّهِ «٣» [النساء/ ١١]، فإنّه يذكر في هذا الكتاب في موضعه إن شاء الله. الحجة لحمزة والكسائي في قراءتهما عليهم الذلة [البقرة/ ٦١] ومن دونهم امرأتين [القصص/ ٢٣] . فأمّا قول حمزة والكسائي: (عليهم الذلة)، و (من دونهم امرأتين)، فإنّ تحريك حمزة الميم، في: عليهم ولديهم، وإليهم، خاصّة بالضم مستقيم حسن، وذلك أنه يضم الهاء في

стр. 160

هذه الأحرف ولا يكسرها، فإذا ضمّها لم يكن في تحريك الميم إلا الضمّ، ولم يجز الكسر، ألا ترى أنّه لم يكسر الميم أحد ممّن ضمّ الهاء، نحو: عليهم الذلة، وإنما يكسر هذه الميم لالتقاء الساكنين من يكسر الهاء فيتبعها حركة الميم؟ واجتماعهم على ذلك يدلّ على أنّ المحرّك لالتقاء الساكنين إذا كانت له حركة أسكن عنها، كان تحريكه بتلك الحركة التي كانت له «١» أولى من اجتلاب حركة لالتقاء الساكنين لم يتحرك الحرف بها في غير التقائهما. وعلى هذا قالوا: مذ اليوم، فحركوا الذال بالضمّ، فكذلك تحريك حمزة هذه الميم في (عليهم) والحرفين الآخرين «٢» بالضم. وأمّا موافقة الكسائيّ له في عليهم ولديهم، واتفاقهما على تحريك الهاء من ضمير المجرور أو المنصوب «٣» المجموع بالضم إذا لقيت الميم ساكنا مع كسرهما هذه الهاء في غير هذه المواضع إلّا ما انفرد به حمزة في عليهم وإليهم ولديهم فوجهه أن ذلك لغة، كما أن الكسر لغة، فكأنّهما أحبّا أن يأخذا باللغتين جميعا، كما قرأ «٤» غيرهما: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً «٥» [الأنعام/ ٣٧] وكما قرئ: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة/ ١٨٥] ولتكملوا «٦»

стр. 161

العدة وكما قال: لا يألتكم من أعمالكم شيئا، ولا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ «١» [الحجرات/ ١٤] ونحو ذلك، ممّا قد أخذ فيه بلغتين وأكثر، نحو قوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ «٢» [الإسراء/ ٢٣]. وفي ذلك توسعة وتسهيل وأخذ بظاهر الخبر المأثور: «نزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف» «٣». ومثل قولهما في هذا من الأخذ باللغتين، ما روي عن نافع من قراءته مرة: (عليهمو) وأخرى (عَلَيْهِمْ). فإن قلت: فإن «٤» حركة التقاء الساكنين حركة غير معتدّ بها لأدلة قامت على ذلك، وإذا لم يعتدّ بها وجب ألّا تتبع غيرها، فيلزم ألّا تضمّ الهاء معها كما لا يضمها «٥» إذا لم تكن الميم متحركة، فإذا ضمّ الهاء في هذا الموضع دون غيره فكأنّه أتبع حركة الهاء التحريك لالتقاء الساكنين قيل: إنّ هذا الكلام مما يجوز أن يرجّح به قول من خالفهما في ذلك فإذا «٦» تؤول قولهما على ما قدمناه لم يدخل هذا السؤال عليه «٧».

стр. 162

فأما الأدلة على أنّ التحريك لالتقاء الساكنين غير معتدّ به، فمنها أنّهم قالوا «١»: رمت المرأة وبغت الأمة. فحذفوا الألف المنقلبة عن اللام لسكونها وسكون تاء التأنيث، ولمّا حركت التاء لالتقاء الساكنين لم يردّ الألف ولم يثبت كما لا يثبت «٢» في حال سكون التاء. وكذلك: لم يخف الرجل، ولم يقل القوم، ولم يبع الناس وقُمِ اللَّيْلَ [المزمل/ ٢]. ولو كانت الحركة معتدا بها لثبتت العين كما ثبتت في: لم يقولا، ولم يخافا. ومن ثم ثبتت العين مع الخفيفة والشديدة «٣»، إذا قال: قولن ذاك، وبيعنّ هذا. فدلّ أن التحريك ليس لالتقاء الساكنين. فإن قلت: فقد جاء: أجرّه الرّمح ولا تهاله «٤» فردّ الألف التي كانت حذفت للجزم، واللام التي بعدها متحركة لالتقاء الساكنين، فهلّا دلّ ذلك على الاعتداد بحركة التقاء الساكنين وقوّى ذلك قول من قال: (عليهم الذلة)، و (من دونهم امرأتين)، فضمّ الهاء لمّا انضمت الميم. فالقول: إنّ ذلك من القلّة «٥» بحيث إن لم يعتبر به المعتبر كان المذهب على أنّ الألف يجوز أن تكون على حدها في «منتزاح» «٦».

стр. 163

فإن قلت: فقد اعتد بحركة «١» التقاء الساكنين في موضع آخر، وذلك قوله «٢»: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة/ ١]، ألا ترى أنّ من يقول: لم يك زيد منطلقا، إذا تحرك لالتقاء الساكنين لم يحذف. كما أنّه إذا تحرك بحركة الإعراب لم يحذف؟ فالقول: إنّ ذلك أوجه من الأول، من حيث كثر في الاستعمال. وجاء به التنزيل. فالاحتجاج به أقوى. فأمّا حذف الشاعر له مع تحركها بهذه الحركة كما يحذفها إذا كانت ساكنة فإن هذه الضرورة من ردّ الشيء إلى أصله نحو: «ضننوا» «٣» لأنّ الاستعمال فيه الإثبات كما أعلمتك «٤». فهذا يجري مجرى (اسْتَحْوَذَ) في أن القياس كان على نظائره أن يعلّ، كما كان القياس في النون أن يستعمل حذفها في حال السعة إذا كانت الحركة غير لازمة ولكن الاستعمال جاء بغيره. ومن ذلك قولهم: اضرب الاثنين. واكتب الاسم. فحركت اللام من افعل بالكسر لالتقاء الساكنين. ثم لمّا حركت لام المعرفة من الاثنين والاسم «٥» لم تسكن اللام من افعل كما لم تسكنها في نحو: اضرب القوم، لأن تحريك اللام لالتقاء

стр. 164

الساكنين، فهي في تقدير السكون، فكما أنّ لام افعل إذا وقع بعدها ساكن يحرك ولا يسكن «١»، فكذلك إذا وقعت بعدها حركة لالتقاء الساكنين، تحرك من حيث كانت الحركة غير معتد بها، فصارت من أجل ذلك في حكم السكون. فإن قلت: فكيف «٢» حرّكت لام المعرفة في اضرب الاثنين لالتقاء الساكنين، وهلّا حرّكت الثاء «٣» لأنهما في كلمة واحدة، والساكنان إذا التقيا في كلمة واحدة حرّك الثاني منهما، نحو أين وكيف؟. فالقول في ذلك أنّ لام المعرفة، وإن كانت بمنزلة ما هو من نفس الحرف لدخول العامل عليها، وأنّها أشدّ اتصالا بالكلمة التي هي فيها من حرف التنبيه في قولهم: هذا، ونحوه لاكتساب «٤» الكلمة بها معنى لم يكن لها إذا لم يدخلها «٥». فالقول: إنها قد جرت مجرى المنفصل منها لمّا لم تكن أصلا فيها كما كان في التذكّر كذلك، وذلك قولهم: ألي، إذا تذكروا، نحو: الخليل، والقوم، ولذلك كرّرت في قوله: بالشحم إنّا قد مللناه بجل «٦»

стр. 165

ويدل على أن التحريك للساكنين «١» غير معتدّ به، أنهم قالوا في الجزم: لم يضربا، ولم يضربوا، فحذفوا النون في هذه المواضع، كما حذفوا الألف والياء والواو «٢» السواكن إذا كنّ لامات، من حيث عودلن بالحركة، ولو كانت حركة النون معتدّا بها لحذفت هي من دون الحرف، كما فعل ذلك بسائر الحروف المتحرّكة إذا لحقها «٣» الجزم. ويدلّ على ذلك أيضا اتفاقهم على أن المثلين إذا تحرّكا ولم يكونا للإلحاق أو شاذا عن الجمهور، أدغموا الأوّل في الآخر، وقالوا: اردد ابنك واشمم الريحان، فلم يدغموا في الثاني إذا تحرك لالتقاء الساكنين، كما لم يدغموه قبل هذا التحريك، فدلّ ذلك على أنّ التحريك لالتقاء الساكنين لا اعتداد به عندهم. ويدلّ على ذلك أيضا أنّ الواوات إذا تحرّكت بالضمّ، جاز أن تبدل منها الهمزة. نحو: أقّتت «٤» وأدؤر «٥» والنئوور «٦»، و: كأن عينيه من الغئور «٧»

стр. 166

ولم يبدلوا الهمزة منها إذا تحركت بالضم لالتقاء الساكنين، كما لم يبدلوها منها إذا كانت ساكنة لمّا لم يكن بتحريك الساكنين اعتداد. والذي حكي من همز بعضهم لذلك يجرى مجرى الغلط. وقد جعلوا ما لم يلزم من الحركات كما لم يلزم من حركة التقاء الساكنين في أن لم يعتدّ به، كما لم يعتدّ بالتحريك لالتقائهما، وذلك لاجتماع الصنفين في أنّ الحركة فيهما غير لازمة. فمن ذلك قولهم: رمتا وغزتا، لما لم تلزم حركة التاء وإنّما هي لمجاورة الألف، لم يعتدّ بها، فلم تردّ الألف المنقلبة عن اللام في فعل كما لم تردّ في رمت المرأة لمّا كانت حركة التاء غير لازمة، كما كانت في رمت المرأة كذلك. فإن قلت: فقد وقع الاعتداد بها في قوله: لها متنتان خظاتا «١»

стр. 167

فالقول فيه أنّه بمنزلة ما تقدّم من قوله: ولا تهاله «١». وقد قيل: إنّه حذف منها نون التثنية، وليس ذلك عندنا بأوجه القولين، لأنّ حذف نون التثنية إنّما جاء في الموصولة نحو: ....... إن عمّيّ اللّذا ... قتلا «٢» ....... ونحو: الحافظو عورة العشيرة «٣» .. والحذوف تخصّص ولا تقاس. وكذلك قول من ذهب إلى الحذف في قوله: قد سالم الحيّات منه القدما «٤»

стр. 168

ولا يقوى «١» ما ذهبوا إليه من قول «٢» أبي دواد: ومتنان خظاتان ... كزحلوف من الهضب «٣» لأنّ هذا يكون تثنية والأول مثال ماض كغزا أو رمى «٤» ومن ذلك قولهم: اضرب الاجل، لمّا كانت حركة اللام حركة الهمزة ولم تكن لازمة في قول من حقّق، كما لم تلزم حركة التقاء الساكنين، أقررت الكسرة على الباء، كما أقررتها في اضرب الاثنين، لاجتماع الحركتين في أنّهما لا تلزمان. وعلى هذا تقول: ملآن. وما أنس م الأشياء «٥» ...

стр. 169

فلا ترد النون التي حذفتها لالتقاء الساكنين، لأنّ اللام في تقدير السكون من حيث كانت متحركة بحركة الهمزة. وعلى هذا تقول: (قال لان جئت بالحق) «١» [البقرة/ ٧١] فلا تردّ الواو، كما لم تسكّن الباء في قولهم: اضرب الاجل. ومن قال: ((قالوا لان جئت بالحق)) فردّ الواو لحركة اللام فإنّ هذا على قياس قولهم: لحمر، لمّا جعلت الحركة بمنزلة اللازمة حذفت همزة الوصل التي إنّما تجتلب لسكون اللام. وقياس هذا أن يسكن الباء في اضرب لاجل ولا تكسرها كما كسرها من لم يعتدّ بالحركة «٢». وهذا مما يقوي قراءة حمزة والكسائي. ألا ترى أن الحركة التي ليست بلازمة جعلت بمنزلة اللازمة في أن حذفت همزة الوصل قبلها؟ فكذلك يجعلان الحركة التي لالتقاء الساكنين وإن كانت غير لازمة بمنزلة اللازمة، فيختاران أن يتبعاها المضمومة في ((عليهم الذلة)) و ((من دونهم امرأتين)) وإن لم يختاراها في غير هذا الموضع ليكون الصوت من جنس واحد وضربا واحدا. وقد أخذ أبو عمرو مثل «٣» ذلك أيضا معهما. وذلك في قراءته: وأنه أهلك عادلولى «٤» [النجم/ ٥٠]، ألا ترى أن حكم المدغم فيه أن يكون متحركا ولا يكون ساكنا، فإنما تجعله على لغة من قال:

стр. 170

لحمر، كما تأوّله أبو عثمان. فإن قلت: فلم لا تحمله على قول من قال: الحمر، فلم يسقط همزة الوصل لأن الحركة غير لازمة، فلما أدغمت النون في اللام الساكنة حرّكتها، كما حركت غض ونحوه، وإن كان المدغم «١» فيه ساكنا؟ فالقول: إن ذلك لا يمتنع أن تقدر القراءة عليه، وتتأوّل، إلّا أنّه مثل الأول في أن المدغم فيه ساكن، وأن الحركة التي هي بمنزلة المجتلبة لالتقاء الساكنين تنزّلت «٢» منزلة الثابتة غير المجتلبة. ومما يقوي قولهما، أنّهم قالوا: سل ور رأيك، فأسقطوا همزة الوصل لما تحركت الفاء، فكما شبهوها هاهنا «٣» بالحركة اللازمة فحذفت همزة الوصل، كذلك تكون «٤» في قولهما الحركة غير اللازمة بمنزلة اللازمة، فيحسن أن يضم «٥» لذلك الهاء التي كانا يكسرانها لتتبع حركة الميم التي قد تنزّلت منزلة اللازمة في هذه المواضع. وقد قال أبو الحسن: إنّ ناسا يقولون: اسل، فهؤلاء لم يسقطوا همزة الوصل لما كانت السين في تقدير السكون، إلا أن إسقاط الهمزة مع سل أكثر وإثباتها في قولهم: الحمر، وقولهم: الْآنَ «٦» جِئْتَ بِالْحَقِّ [البقرة/ ٧١] أكثر، والقياس على ما ذكرت لك.

стр. 171

قال أبو عثمان: ولا يجوز عندي اسل، وإنّما جاز في الألف واللام الحمر لأنّ الألف واللام بمنزلة حرف واحد، ألا ترى أن ألف الاستفهام تلحق ألف اللام فتمدّ ولا تحذف في قولك: آلرجل قال ذاك؟ ويقولون: الحمر، وليس كذا جميع ألفات الوصل، لأنّ الألف واللام بمنزلة قد «١»، كما ذكر سيبويه. قال: ومن أثبت ألف الآن، وقبلها كلام، فقد أخطأ في كل مذهب. وممّا لم يعتد فيه بالحركة لمّا لم تلزم قولهم: قعدتا وضربتا، لما كانت الحركة من أجل الألف، والألف غير لازمة استجازوا الجمع بين أربع متحركات، ولم يستجيزوا ذلك في ضربت ونحوه. وإنّما استجازوا الموالاة بين هذه الحركات في ضربتا كما قالوا: رمتا وقضتا، فلم يردوا الألف، فكما لم يردوا الألف، حيث كانت الحركة غير لازمة، كذلك لم يكرهوا الموالاة بين أربع متحركات من حيث لم تكن الحركة في التاء لازمة، فكانت من أجل ذلك في تقدير السكون كما كان في تقديره في رمتا. ومن الحجّة لمن خالفهما ممّن تقدم ذكر قوله، أن يقال: إنّ التحريك لالتقاء الساكنين لا ينبغي أن يتبع غيره، لأنّهم قد جعلوه تابعا لغيره متقدما ومتأخّرا، ولم يجعلوا غيره يتبعه من حيث كان في تقدير السكون بالأدلّة التي تقدمت. فممّا أتبع ما قبله: انطلق. ولم يلده. فاعلم «٢»، لما لزم تحريك اللامين

стр. 172

لالتقاء الساكنين أتبعا الفتحة التي قبلهما، ومن ثم قال سيبويه في ترخيم اسم رجل «١» يسمى إسحارّ على من قال يا حار: يا إسحار أقبل. وكذلك قالوا لا تضارّ يا فتى. ومن ذلك مدّ، وفرّ، وعضّ، ومما أتبع ما بعده قول من قال: (وقالت اخرج) [يوسف/ ٣١] وعذابن. اركض «٢» [ص/ ٤١ - ٤٢]، (أو انقص) [المزمل/ ٣]، وعيونن ادخلوها [الحجر/ ٤٥ - ٤٦]. فإذا «٣» كان على ذلك بعد أن يتبع غيره لما تقدم من أنّه في تقدير السكون. فأمّا ما ذكره أبو بكر عن بعض من احتجّ لكسر الهاء في عليهم أنّ الهاء من جنس الياء، لأنّ الهاء تنقطع إلى مخرج الياء- فليس بمستقيم وذلك أنّ قوله: لأن الهاء تنقطع إلى مخرج الياء لا يخلو من أن يريد به أنّه ينقطع إلى الجهة التي تخرج منها الياء، أو يريد بذلك أن الصوت بها يتّصل بمخرج الياء، كما أن صوت الشين استطال حتى خالط أعلى الثنيّتين، وكذلك «٤» صوت الهاء استطال حتى اتّصل بمخرج الياء، فصار من أجل ذلك بمنزلة الحروف الخارجة من مخرج الياء، كما صارت الشين بمنزلة الحروف التي تخرج من الموضع الذي بلغه استطالة صوته حتى أدغم فيها كثير من حروف ذلك الموضع، كالطاء وأختيها، والظاء وأختيها. فإن كان أراد المعنى الأول فليس للهاء به اختصاص ليس

стр. 173

لغيره، لمساواتها غيرها ممّا يخرج من مخرجها في ذلك. وإن كان أراد أن الصوت يستطيل «١» حتى يتصل بمخرج الياء كما استطال الصوت بالشين حتى خالط أعلى الثنيّتين، فأنت إذا اعتبرت الهاء في مخرجها لم تجد لها هذه الاستطالة، ولم تجدها تتّصل بمخرج الياء على حدّ ما اتصل صوت الشين بالموضع الذي اتصل به. ولعلّ الذي حمل هذا القائل على ما قاله من ذلك، كون الهاء مهموسة رخوة. والحروف المهموسة إذا وقف عليها كان الوقف مع نفخ، لأنها لمّا لم تعترض على النّفس اعتراض المجهورة، فتمنعها من أن يجري معها كما منعت المجهورة حين خرجت مع التنفس «٢» وانسلّت معه، وهي أيضا حرف رخو، والحروف الرخوة يجوز أن يجري فيها الصوت، وليست الشديدة كذلك، لأنّك لو قلت: ألدّ، والحجّ، لم يجر الصوت فيها «٣» إذا مددته كما يجري الصوت في الرخوة، نحو أنقصّ «٤» وأيبسّ. فلعل هذا الذي يتبع الصوت في بعض الأحوال من النفخ في المهموسة وإمكان إجراء الصوت في الرخوة، جعله بمنزلة استطالة الشين، وليس هذا من ذلك في شيء، وإنما المشابهة المعتبرة بين الهاء والياء ما ذكرنا من مشابهتها الألف لخفائها، وأنّها قد جعلت متحركة بمنزلة هذه الحروف ساكنة. والألف تقرّب من الياء بالإمالة، فكذلك قرّبت الهاء منها بأن أبدلت من حركتها الكسرة. وهذه المناسبات التي تكون بين

стр. 174

الحروف توفق بينها، كما يوفّق تقارب المخارج، أو هو آكد في ذلك من تقارب المخارج، ألا ترى أن الواو والياء قد جرتا مجرى المثلين في جواز إدغام كل واحدة «١» منهما في الأخرى، لما اجتمعا فيه من اللين، وأن النون أدغمت في الياء على بعد بين مخارجهما لما ذكرنا. وأما ما ذكره عن بعض من احتجّ لحمزة من أنّهم قالوا: ضمّ الهاء هو الأصل، وذلك أنّها إذا انفردت من حروف تتصل بها قيل: هم فعلوا، فليس بمستقيم أيضا، وليست الدلالة على أن ضمير الجميع المجرور أو المنصوب أصله الضمّ انضمام الهاء في هم «٢» فعلوا، وذلك أن العلامتين وإن اتفقتا «٣» في اللفظ في الجمع، فهما مختلفتان، وليس اتفاقهما في اللفظ بموجب اتفاقهما في التقدير والمعنى. ألا ترى أن التاء في «أنت» وإن كانت على لفظ التاء في فعلت، فليست إياها ولا مثلها في المعنى، وكذلك الكاف في ذلك، وأرأيتك، والنّجاءك، ونحو ذلك ممّا لحقه الكاف للخطاب مجرّدة من معنى الاسم، ليست كالكاف في أكرمتك، وصادقتك، ولا هو التي للفصل كالتي في قولك للغائب: هو فعل، ولا الواو والألف والنون في قاما أخواك، وقاموا إخوتك، و: .. يعصرن السّليط «٤» ... أقاربه

стр. 175

بمنزلتها في قولك: أخواك قاما، وإخوتك قاموا، والهندات قمن، فليس الاتفاق في اللفظ بموجب الاتفاق في المعنى، ألا ترى أن الهمزة في الاستفهام على لفظ الهمزة في النداء، وأن هل التي للاستفهام على لفظ هل التي بمنزلة قد؟ وإنّما الدلالة على أنّ أصل الهاء في (عليهم) «١»، [وهذه دارهم] «٢» ونحو ذلك الضم، أنّها إذا لم تجاورها الكسرة ولا الياء لم تكن إلا مضمومة، وإذا جاورتها الكسرة أو الياء جاز الكسر فيها للإتباع والتقريب، وجاز الضمّ على الأصل، كقول أهل الحجاز في ذلك، فكلّ موضع جاز فيه الكسر فالضمّ فيه جائز. والمواضع التي تختصّ باستعمال الضم فيها لا يجوز الكسر معها، فبهذا يعلم أنّه الأصل، لا بما ذكره من اتفاق اللفظ. فأمّا ضمّ الهاء من هم في قوله: هم فعلوا، فلا يدل على أنّ أصل الهاء في عليهم الضمّ، لأنّها ليس بها. ومما يدلك «٣» على اختلافهما، أنّك تقول في واحد «هم» - من قولك هم «٤» فعلوا ذلك-: هو قال، كما تقول في واحدة «هنّ فعلن»: هي فعلت، فالواو والياء من نفس الكلمة. فأمّا الواو التي تلحق علامة المضمر المجرور أو المنصوب في نحو

стр. 176

هذا له، وضربه، فزيادة لاحقة للكلمة بدلالة سقوطها في نحو: عليه، ومنه، وإن لم نقف على شيء من ذلك، وأنّه في الغائب نظير الكاف للمخاطب والياء للمتكلم، وبدلالة ما جاء في الشعر عند سيبويه نحو: له أرقان «١» وحكى أبو الحسن أنها لغة. ومما يبيّن أنّ كل واحد من هذه الأسماء التي للضمير ليس الآخر في اللفظ وإن اتفقا في بعض الحروف تحريكك الواو والياء من هو وهي، وحرف المد اللاحق في عليه فيمن أثبت ولم يحذف، وفي داره، وبه، لم يحرّك في موضع. فإن قلت: فقد أسكنت الياء من هي وهو في الشعر، كقوله:

стр. 177

فإذا هي بعظام ودما «١» فإنّ ذلك لا يؤخذ به في التنزيل وحال السعة والاختيار، وإنّما هذا تشبيه لفظي يستعمله الشاعر للضرورة من وجه بعيد، كأنّه يقول ضمير وضمير حرف لين وحرف لين، وعلى هذا استجاز: إذ هـ من هواكا «٢» و: بيناه يشري «٣» كأنّه حذفه من هو وهي المسكنتين في الشعر للضرورة، ولا يكون محذوفا من المتحركة لأنّ التشبيه في ذلك لفظيّ،

стр. 178

والتحريك يرتفع معه التشبيه الذي يقصده، فلا يصحّ له معه حذف الحرف لتحرّكه، ألا ترى أن الياء إذا كانت لاما أو غيرها فتحرّكت صارت بمنزلة الحروف الصحيحة، ولم يجز فيها الحذف الذي كان يجوز حيث يسكن الحرف؟ وهذا الشّبه «١» اللفظي الذي أعمله الشاعر في اضطراره مرفوض في الكلام، غير مأخوذ به، ومن ثمّ قال سيبويه: ولم يفعلوا هذا بذاهي ومن هي ونحوهما، يريد لم يفعلوه في الكلام لأنّه قد جاء: فبيناه يشري «٢» .. كما قال: فَأَلْقى عَصاهُ [الأعراف/ ١٠٧]. وجاء: إذ هـ من هواكا «٣» وجاء الاتفاق بين بعض حروف هذين الاسمين المضمرين، كما جاء ذلك في المظهرة كقولهم: الضّيّاط «٤» والضّيطار «٥»، والغوغاء فيمن لم يصرف وفيمن صرف «٦»، وقاع قرق «٧» وقرقوس «٨»، ودمث «٩» ودمثر «١٠» وما أشبه ذلك.

стр. 179

فإن قلت فلم لا تستدلّ بثبات الألف في المؤنث في نحو عليها وضربها أن الواو أو الياء «١» في لهو وبهي ليسا بزائدين «٢» وإن سقطا في بعض المواضع، لأنّ الأصول قد تسقط أيضا فيه، نحو «٣»: كنواح ريش حمامة نجديّة «٤» ... ................ .. و: .............. ... دوامي الأيد يخبطن السّريحا «٥»

стр. 180

وإذا كان كذلك لم يكن فيما ذكرت من سقوط حرف اللين دلالة على زيادته، وثبات الألف في علامة المؤنث وأنّها لا تحذف دلالة على أنّ الواو والياء في ضمير المذكر في حكم الألف. قيل: لم يستدلّ على زيادتها بالسقوط فقط فيتجه هذا الكلام، فأمّا ثبات الألف في ضمير المؤنث المفرد فليس بدالّ على أنّه من نفس الكلم، وإنّما ألحقت للفصل بين التأنيث والتذكير كما ألحقت السين أو الشين في الوقف في «١» قولهم: أكرمكس، وأكرمكش في بعض اللغات «٢» لذلك، فكما «٣» أنّهما ليسا مع الكاف كلمة واحدة، وإنّما الأصل الكاف، ولحق هذان الحرفان للفصل بين التأنيث والتذكير، كذلك الألف اللاحقة لهاء الضمير في التأنيث. وقد يكون من الزوائد ما يلزم فلا يحذف نحو نون منطلق، ونحو «ما» في: آثرا ما «٤»، ونحو الألف المبدلة من التنوين في النصب في أكثر اللغات.
следующие страницы →