التعريف عنهما عرّفا «١» بالألف واللام، فقرأ من قرأ بالغدوة [على هذا] «٢».
وحكى أبو زيد: لقيته فينة، والفينة بعد الفينة.
ومثل إزالة هذا الضرب من التعريف عن هذه الأسماء إزالتهم إياه في قولهم: أمّا البصرة فلا بصرة لك، وأمّا خراسان فلا خراسان لك: وعلى هذا قوله:
ولا أميّة بالبلاد «٣» و «قضيّة ولا أبا حسن» «٤».
ومثل هذا زوال تعريف العلم عن «٥» الأعلام المثنّاة
стр. 1262
والمجموعة نحو: الجعفران والعمران، فزال تعريف العلم عن الجعفرين، كما زال تعريف العدل عن العمرين، والقثمين، ولو لم يزل لم يجز دخول لام المعرفة عليه، كما لم يجز دخولها قبل التثنية، ولا تدخل لام المعرفة على المعدول.
واستدلّ أبو عثمان على أنّ الثلاثاء والأربعاء غير معدولين بدخول لام المعرفة عليهما، وقال: المعدول لا تدخل عليه الألف واللام، فأمّا أبانان، وعرفات فلم تدخلهما اللّام لأنّ التسمية وقعت بالجمع والتثنية، كما وقعت بالمفرد، فلم تدخل اللّام، كما لم تدخل على المفرد.
فأمّا الألف واللّام في اليسع، فلا يخلو من أن تكون على حدّ الرجل إذا أردت المعهود أو الجنس نحو: إن الإنسان لفي خسر [العصر/ ٢]، أو على حدّ دخولها في العباس، فلا يجوز أن يكون على واحد من ذلك، ولا يجوز أن يكون على حدّ العبّاس، لأنّه لو كان كذلك كان صفة، كما أنّ العباس كذلك، ولو كان كذلك لوجب أن يكون فعلا، ولو كان فعلا: لوجب أن يلزمه الفاعل، ولو لزمه الفاعل لوجب أن يحكى من حيث كان جملة، ولو كان كذلك لم يجز لحاق اللّام له، ألا ترى أنّ اللّام لا تدخل على الفعل؟ وليس بإشارة كقولك: هذا الرجل، فإذا لم يجز فيه شيء من ذلك ثبت أنّه زيادة، ومثل ذلك فيما جاءت اللّام فيه زائدة قول الشاعر: «١»
стр. 1263
أما ودماء لا تزال كأنّها ... على قنّة العزّى وبالنسر عند ما
وما سبّح الرهبان في كل بيعة ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما
فتعلم زيادة اللّام فيه بما في التنزيل من قوله: ولا يغوث ويعوق ونسرا [نوح/ ٢٣] فأمّا انتصاب عندم في البيت فيأخذ شيئين: أحدهما بما «١» في كأنّ من معنى الفعل والآخر أن تجعل «على قنّة العزّى» مستقرا، فيكون الحال عنه، فإن نصبت بالأول:
فذو الحال الضمير الذي في كأنها ... ، وإن نصبته عن المستقرّ،
فذو الحال الذكر الّذي في المستقرّ، والمعنى على حذف المضاف، كأنّه مثل. عندم، فحذف «٢». ومثل ذاك ما أنشده محمد بن السّريّ للمرّار الفقعسي «٣»:
إذا نهلت بسفرتها وعلّت ... ذنوبا مثل لون الزّعفران
المعنى: ماء ذنوب مثل لون الزعفران، ولو جعلت العندم هو الدم لموافقته إياه في اللون لكان مذهبا، ولو رفعت مثل لون
стр. 1264
الزعفران جاز، ويكون «١» التقدير: ذنوبا لونه مثل لون الزعفران، فحذفت المبتدأ، والجملة في موضع نصب، ومثل ذلك قوله «٢»:
وهي تنوش الحوض نوشا من علا المعنى على ماء الحوض، ألا ترى أنّها تتناول ماءه لا نفس الحوض؟
ومثل ذلك قول الآخر «٣»:
لا عيش إلّا كلّ حمراء غفل ... تناول الحوض إذا الحوض شغل
ومما جاءت اللام فيه زيادة ما أنشده أبو عثمان «٤»:
باعد أمّ العمر من أسيرها وأنشد أحمد بن يحيى:
стр. 1265
يا ليت أمّ العمر كانت صاحبي ... مكان من أنشا على الرّكائب
«١» فأما قوله: «٢»
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
فإنّه يحتمل أمرين: يجوز أن يكون قد اعتقب عليه تعريفان، كما اعتقب على غدوة، والغدوة، واثنين والاثنين، من قولهم: اليوم يوم الاثنين، فيكون التعريف الذي وضع له في أول أمره في تقدير الزوال عنه، كما قدّر سيبويه ذلك في أحد تأويلية في قولك «٣»: هذا ابن عرس مقبل «٤».
وممّا جاء فيه الألف «٥» واللام زائدة قولهم: الخمسة العشر درهما، حكاه أبو الحسن الأخفش. ألا ترى أنّهما اسم واحد، ولا يجوز أن يعرّف «٦» اسم واحد بتعريفين، كما لا يجوز أن يتعرّف بعض الاسم دون بعض، فإذا كان كذلك، علمت
стр. 1266
زيادة اللام في الخمسة العشر درهما، ويذهب أبو الحسن في اللات في قوله: أفرأيتم اللات والعزى [النجم/ ١٩]، إلى أنّ اللام في اللات زائدة، وذلك صحيح لأنّ اللات معرفة. أما «١» العزى فبمنزلة العبّاس، فإذا كانت اللات معرفة ولم تكن بمنزلة العباس، ثبت أن اللام فيها زائدة، وقياس قول أبي الحسن هذا أن تكون اللام في اليسع* أيضا زائدة، لأنه علم مثل اللات وليس بصفة كما أن اللات ليست بصفة.
فإن قلت: فلم لا تكون اللات صفة، ويكون مأخوذا من: لوى «٢» على الشيء: إذا عطف عليه، ومن قول الشاعر «٣»:
........ فإنّني ... ألوي عليك لو انّ لبّك يهتدي
ويؤكد هذا قوله «٤»: واصبروا على آلهتكم [ص/ ٦]
стр. 1267
فهذا من العطف عليها والتمسّك بعبادتها، فإن ذلك لا تقوله، ألا ترى أنه يلزم أن يكون قد وصفت باسم على حرفين ثالثه تاء «١» التأنيث، وهذا مما لم نعلمه جاء في الصفات، فإذا كان كذلك وجب أن يكون مطّرحا.
ومما جاءت اللام فيه زائدة ما أنشده بعض البغداديّين:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأحناء الخلافة كاهله
«٢» فأمّا قول من قال: الليسع، فإنه تكون اللام فيه على حدّ ما «٣» في الحارث ألا ترى أنه على وزن الصفات؟ فهو كالحارث، إلّا أنه، وإن كان كذلك، فليس له مزيّة على القول الآخر، ألا ترى أنّه لم يجيء في الأسماء الأعجميّة المنقولة في حال التعريف، نحو: إسماعيل وإبراهيم شيء على هذا النحو، كما لم يجيء فيها شيء فيه لام التعريف؟
فإذا كان كذلك، كان الليسع بمنزلة: اليسع في أنّه خارج عما كان «٤» عليه الأسماء الأعجمية المختصة المعربة.
[الانعام: ٩٠]
اختلفوا في إثبات الهاء في [قوله تعالى]: «٥» اقتده [الأنعام/ ٩٠] في الوصل، فقرأ ابن كثير
стр. 1268
وأهل مكّة ونافع وأبو عمرو وأهل المدينة وعاصم: فبهداهم اقتده قل، يثبتون الهاء في الوصل ساكنة.
وقرأ حمزة والكسائيّ: فبهداهم اقتد قل بغير هاء في الوصل، ويقفان بالهاء.
وقرأ عبد الله بن عامر: فبهداهم اقتده، قل يكسر الدال، ويشمّ الهاء الكسر من غير بلوغ ياء. وهذا غلط، لأن هذه «١» الهاء هاء وقف لا تعرب في حال من الأحوال، وإنّما تدخل لتبيّن «٢» بها حركة ما قبلها «٣».
قال أبو علي: الوجه: الوقف «٤» على الهاء لاجتماع الكثرة، والجمهور على إثباته، ولا ينبغي أن يوصل، والهاء ثابتة، لأن هذه الهاء في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء، في أنّ الهاء للوقف، كما أنّ همزة الوصل للابتداء بالساكن، وكما لا تثبت الهمزة في الوصل «٥»، كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء.
قال أبو الحسن: وكذلك قوله: قل هو الله أحد [الإخلاص/ ١]، ولتركبن طبقا عن طبق [الانشقاق/ ١٩]، وكلا لينبذن في الحطمة [الهمزة/ ٤]. يسكتون عنده
стр. 1269
أجمع، وقوله: الذي جمع مالا وعدده [الهمزة/ ٢]. هكذا تكلّم به العرب على الوقف.
قال: وكان أبو عمرو يقرأ: قل هو الله أحد «١» الله [الإخلاص/ ١] على السكون «٢». وقول حمزة والكسائيّ القياس «٣»، وفي ترك قول الأكثر ضرب من الاستيحاش، وإن كان الصواب والقياس ما قرآ به «٤».
وقراءة «٥» ابن عامر بكسر الدال وإشمام الهاء الكسرة «٦» من غير بلوغ ياء ليس بغلط، ووجهها: أن تجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق للوقف، وحسن إضماره لذكر الفعل الدّالّ عليه «٧». ومثل ذلك قول الشاعر: «٨»
فجال على وحشيّه وتخاله ... على ظهره سبّا جديدا يمانيا
كأنه قال: تخاله خيلانا على ظهره سبّا جديدا يمانيا.
стр. 1270
فعلى متعلّق بمحذوف، وعلى هذا قول الشاعر «١»:
هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب
فالهاء كناية عن المصدر، ودلّ يدرسه على الدرس، ولا يجوز أن يكون ضمير «٢» القرآن لأنّ الفعل قد تعدّى إليه باللام، فلا يجوز أن يتعدى إليه وإلى ضميره، كما أنّك إذا قلت:
أزيدا ضربته، لم تنصب زيدا بضربت لتعديه إلى ضميره «٣».
ومثل ذلك ما حكاه أبو الحسن من قراءة بعضهم: ولكل وجهة هو موليها [البقرة/ ١٤٨]، فاللام متعلّقة «٤» بمولّ على هذه القراءة «٥».
والهاء كناية عن التولية، ودلّ عليه «٦» قوله: مول فعلى هذا أيضا قراءة ابن عامر: فبهداهم اقتده قل: وقياسه: إذا وقف عليه أن يقول: اقتده فيسكن هاء الضمير، كما تقول:
اشتره، في الوقف. وفي الوصل: اشترهي يا هذا، واشترهو «٧» قبل.
стр. 1271
[الانعام: ٩١]
اختلفوا في التّوحيد والجمع من قوله جلّ وعزّ:
وأزواجهم وذرياتهم [غافر/ ٨] في غير هذا الموضع. ولم يختلفوا في هذا الموضع [أنه بالجمع] «١».
قد قلنا فيما تقدم في الذرية، وأنه يكون واحدا وجمعا، فيغني ذلك عن الإعادة هنا. فأما قوله «٢»: أزواجهم* فواحدها زوج، وهو الأكثر «٣»، ولغة التنزيل قال: اسكن أنت وزوجك الجنة [البقرة/ ٣٥]، وإن هذا عدو لك ولزوجك [طه/ ١١٧] وقد قالوا: زوجة، قال «٤»:
فبكى بناتي شجوهنّ وزوجتي
[الانعام: ٩١]
واختلفوا في التاء والياء من قوله جلّ وعزّ: تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا [الأنعام/ ٩١].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: يجعلونه قراطيس يبدونها، ويخفون كثيرا بالياء جميعا.
стр. 1272
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ كلّ ذلك بالتاء «١».
من قرأ بالياء فلأنّهم غيب، يدلّك على ذلك قوله: وما قدروا الله حق قدره، إذ قالوا، وقوله «٢»: من أنزل الكتاب ... يجعلونه [الأنعام/ ٩١] فيحمله على الغيبة، لأنّ ما قبله كذلك أيضا.
ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب، قل لهم: تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا.
ومعنى: تجعلونه قراطيس: تجعلونه ذوات «٣» قراطيس أي: تودعونه إياها، وتخفون أي: تكتمونه كما قال: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى [البقرة/ ١٥٩].
وقوله تبدونها وتخفون كثيرا يحتمل موضعه ضربين:
أحدهما: أن يكون صفة للقراطيس، لأن النكرة توصف بالجمل.
والآخر: أن تجعله حالا من ضمير الكتاب في قوله:
يجعلونه على أن تجعل الكتاب القراطيس في المعنى، لأنه مكتتب فيها.
ويؤكد قراءة من قرأ بالتاء قوله: وعلمتم ما لم تعلموا أنتم [الأنعام/ ٩١]،
стр. 1273
فجاء على الخطاب، وكذلك «١» يكون ما قبله من قوله: تجعلونه قراطيس تبدونها.
[الانعام: ٩٢]
واختلفوا في الياء والتاء في قوله: ولتنذر أم القرى [الأنعام/ ٩٢].
فقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر: ولينذر أم القرى بالياء.
وقرأ الباقون: ولتنذر أم القرى بالتاء، وكذلك روى حفص عن عاصم بالتاء أيضا «٢».
وجه من قرأ «٣» بالتاء قوله: إنما أنت منذر [الرعد/ ٧]، وإنما أنت منذر من يخشاها [النازعات/ ٤٥]، وو أنذر به الذين يخافون [الأنعام/ ٥١].
ومن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر، لأن فيه إنذارا، ألا ترى أنه قد خوّف به في نحو «٤» قوله: هذا بلاغ للناس ولينذروا به [إبراهيم/ ٥٢]. وو أنذر به الذين يخافون [الأنعام/ ٥١]. و: قل إنما أنذركم بالوحي [الأنبياء/ ٤٥]، فلا يمتنع أن يسند الإنذار إليه على الاتساع.
[الانعام: ٩٤]
اختلفوا في رفع النّون ونصبها من قوله: «٥»:
стр. 1274
لقد تقطع بينكم [الأنعام/ ٩٤].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم. في رواية أبي بكر، وابن عامر وحمزة: لقد تقطع بينكم رفعا.
وقرأ نافع والكسائيّ بينكم نصبا. وكذلك روى حفص عن عاصم بالنّصب أيضا «١».
[قال أبو علي] «٢»: البين مصدر بان يبين إذا فارق، قال «٣»:
بان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما ظعنوا لبين تجزع
وقال «٤» أبو زيد: بان الحيّ بينونة وبينا: إذا ظعنوا، وتباينوا تباينا: إذا كانوا جمعا «٥»، فتفرقوا. قال: والبين: ما ينتهي إليه بصرك من حائط وغيره «٦».
واستعمل هذا الاسم على ضربين: أحدهما أن يكون اسما متصرفا كالافتراق. والآخر: أن يكون ظرفا. فالمرفوع «٧» في
стр. 1275
قراءة من قرأ لقد تقطع بينكم هو «١» الذي كان ظرفا ثم استعمل اسما.
والدليل على جواز كونه اسما قوله: ومن بيننا وبينك حجاب [فصلت/ ٥]، و: هذا فراق بيني وبينك [الكهف/ ٧٨]، فلما استعمل اسما في هذه المواضع. جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو تقطع* في قول من رفع. ويدلّ على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا أنّه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه، أو يكون الذي هو مصدر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم، لأن التقدير يصير: لقد تقطّع افتراقكم. وهذا، مع بعده عن القصد، خلاف المعنى المراد، ألا ترى أنّ المراد: لقد تقطّع وصلكم وما كنتم تتألفون عليه.
فإن قلت: كيف جاز أن يكون بمعنى «٢» الوصل، وأصله الافتراق والتباين، وعلى هذا قالوا:
بان الخليط «٣» ....
إذا فارق،
وفي الحديث «٤»
«ما بان من الحيّ فهو ميتة».
قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو:
стр. 1276
بيني وبينه شركة، وبيني وبينه رحم وصداقة، صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمنزلة الوصلة على «١» خلاف الفرقة، فلهذا جاء: لقد تقطع بينكم بمعنى: لقد تقطّع وصلكم.
ومثل بين في أنه يجري في الكلام ظرفا، ثم يستعمل اسما: «وسط» الساكن العين، ألا ترى أنّك تقول: جلست وسط القوم، فتجعله ظرفا، لا يكون إلّا كذلك، ثم استعملوه اسما في نحو قول القتّال «٢»:
من «٣»
وسط جمع بني قريط بعد ما ... هتفت ربيعة يا بني جوّاب
وقال آخر «٤»:
أتته بمجلوم كأنّ جبينه ... صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا
فجعله مبتدأ وأخبر عنه، كما جرّه الآخر «٥» بالحرف الجارّ.
وحكى سيبويه: هو أحمر بين العينين.
فأمّا من قال: لقد تقطع بينكم بالنصب ففيه مذهبان:
стр. 1277
أحدهما: أنه أضمر الفاعل «١» في الفعل ودلّ عليه مما «٢» تقدّم في «٣» قوله: وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء [الأنعام/ ٩٤]، ألا ترى أن هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر؟ وذلك أن «٤» المضمر هو الوصل كأنّه قال: لقد تقطّع وصلكم بينكم.
وقد حكى سيبويه: أنّهم قالوا: إذا كان غدا فائتني، فأضمر ما كانوا «٥» فيه من بلاء أو رخاء، لدلالة الحال عليه، فصار «٦» دلالة الحال عليه بمنزلة جري الذكر وتقدّمه.
والمذهب الآخر: انتصاب البين في «٧» قوله: لقد تقطع بينكم على شيء يقوله «٨» أبو الحسن، وهو أنه يذهب إلى أن قوله: لقد تقطع بينكم إذا نصب يكون معناه معنى المرفوع، فلمّا جرى في كلامهم منصوبا ظرفا، تركوه على ما يكون عليه في أكثر الكلام وكذلك يقول في قوله: يوم القيامة يفصل بينكم [الممتحنة/ ٣]، وكذلك يقول في قوله: وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك [الجن/ ١١]، فدون في موضع
стр. 1278
رفع عنده، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول: منا الصّالح ومنّا الطّالح فترفع.
[الانعام: ٩٦]
اختلفوا في إدخال الألف وإخراجها من قوله [ ] «١»: وجاعل الليل سكنا [الأنعام/ ٩٦].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: وجاعل الليل سكنا بألف.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ: وجعل الليل سكنا بغير ألف «٢».
وجه قول من قال: جاعل* أن قبله اسم فاعل: إن الله فالق الحب والنوى ... فالق الإصباح وجاعل، ليكون فاعل المعطوف مثل، فاعل المعطوف عليه، ألا ترى أنّ حكم الاسم أن يعطف على اسم مثله، لأن الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم.
وقد رأيتهم راعوا هذه المشاكلة في كلامهم، وذلك نحو ما جاء في قوله: يدخل من يشاء في رحمته، والظالمين أعد لهم عذابا أليما [الإنسان/ ٣١]، وقوله: وكلا ضربنا له الأمثال [الفرقان/ ٣٩]، وفريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة [الأعراف/ ٣٠]، نصبوا كلّ هذه الأسماء التي اشتغل عنها الفعل، ليكون القارئ بنصبها كالعاطف جملة من فعل
стр. 1279
وفاعل على جملة من فعل وفاعل، وكما أن الفعل بالفعل أشبه من المبتدأ بالفعل، كذلك الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم، وإذا كان كذلك كان جاعل الليل أولى من جعل، ويقوي ذلك قولهم «١»:
للبس عباءة وتقرّ عيني «٢» ...
وقوله «٣»:
ولولا رجال من رزام أعزّة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما
ومن قرأ: وجعل فلأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى المضيّ، فلما كان (فاعل) بمنزلة (فعل) في المعنى عطف عليه فعل لموافقته إياه «٤» في المعنى، ويدلّك على أنه بمنزلة (فعل)
стр. 1280
أنه نزل منزلته فيما عطف عليه، وهو قوله: والشمس والقمر حسبانا [الأنعام/ ٩٦] ألا ترى أنه لما كان المعنى فعل، حمل المعطوف على ذلك، فنصب الشمس والقمر على فعل كما «١» كان فاعل كفعل. ويقوي ذلك قولهم: هذا معطي زيد درهما أمس. فالدرهم محمول على أعطى، لأن اسم الفاعل، إذا كان لما مضى، لم يعمل عمل الفعل، فإنما جعل معط بمنزلة أعطى فكذلك جعل: فالق الإصباح [الأنعام/ ٩٦] بمنزلة فلق، لأنّ اسم الفاعل لما مضى، فعطف عليه فعل، لمّا كان بمنزلته فأما «٢» قول الشاعر «٣»:
قعودا لدى الأبواب طلّاب حاجة ... عوان من الحاجات أو حاجة بكرا
فليس يوافق «٤» الآية لأنّ طلاب جمع اسم فاعل، الذي يراد به الحال، وإنّما حذف التنوين مستخفّا، وحمل حاجة على اسم الفاعل الذي للحال، واسم الفاعل في الآية لما مضى.
стр. 1281
[الانعام: ٩٨]
اختلفوا في كسر القاف وفتحها من قوله تعالى «١»:
فمستقر [الأنعام/ ٩٨].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فمستقر بكسر القاف.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائيّ:
فمستقر بفتح القاف «٢».
قال سيبويه: قالوا: قرّ في مكانه واستقرّ، كما قالوا:
جلب الجرح وأجلب، يريد بهما «٣» شيئا واحدا. فكما بني هذا على فعلت، بني هذا على استفعلت «٤»، فمن كسر القاف كان المستقرّ بمعنى القارّ.
وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر منكم، أي: منكم مستقرّ، كقولك: بعضكم مستقرّ، أي: مستقرّ في الأرحام، وقال: يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق [الزمر/ ٦]، كما قال: وقد خلقكم أطوارا [نوح/ ١٤].
ومن فتح مستقر* «٥» فليس «٦» على أنه مفعول به. ألا ترى أنّ استقرّ لا يتعدى؟، وإذا لم يتعدّ لم يكن «٧» منه اسم
стр. 1282
مفعول به، وإذا لم يكن مفعولا به كان اسم مكان، فالمستقرّ بمنزلة المقرّ كما أن «١» المستقرّ بمنزلة القارّ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر منكم، كما جاز ذلك في قول من كسر القاف، فإذا لم يجز ذلك جعلت الخبر المضمر لكم، فيكون التقدير: لكم مقرّ.
وأما «٢» المستودع فإن استودع فعل يتعدى إلى مفعولين، تقول: استودعت زيدا «٣»، وأودعت زيدا ألفا، فاستودع مثل أودع كما أن استجاب بمنزلة «٤» أجاب والمستودع «٥» يجوز أن يكون الإنسان الذي استودع ذلك المكان ويجوز أن يكون المكان نفسه، فمن قرأ: فمستقر بفتح القاف، جعل المستودع مكانا ليكون مثل المعطوف عليه، أي: فلكم مكان استقرار ومكان استيداع.
ومن قرأ: فمستقر فالمعنى: منكم مستقرّ في الأرحام، ومنكم مستودع في الأصلاب، فالمستودع اسم المفعول به فيكون مثل «٦» المستقرّ في أنه اسم لغير المكان فعلى هذا يوجّه.
стр. 1283
[الانعام: ١٤١، ٩٩]
واختلفوا في الثاء، والميم من قوله «١»: انظروا إلى ثمره [الأنعام/ ٩٩]، ومن ثمره [الأنعام/ ١٤١]، و «٢» ليأكلوا من ثمره [يس/ ٣٥]، في الفتح فيها والضم.
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بالفتح في ذلك «٣» كلّه.
وقرأ حمزة والكسائيّ بالضم في ذلك «٤».
وجه قول من فتح فقال: من ثمره:
أن سيبويه «٥» يرى: أن الثّمر جمع ثمرة، ونظيره «٦» فيما قال: بقرة وبقر وشجرة وشجر، وجزرة وجزر، ويدل على أن واحد الثمر ثمرة قوله: ومن ثمرات النخيل والأعناب [النحل/ ٦٧]، وقد كسّروه على فعال فقالوا ثمار، كما قالوا:
أكمة وإكام، وجذبة وجذاب «٧»، ورقبة ورقاب.
وأما قول حمزة والكسائيّ: من ثمره*، فإنه يحتمل وجهين: الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر، كما جمعوا «٨»
стр. 1284
خشبة على خشب في قوله «١»: كأنهم خشب مسندة [المنافقون/ ٤] وكذلك أكمه وأكم، في نحو قوله «٢»:
نحن الفوارس يوم ديسقة ال ... مغشو الكماة غوارب الأكم
ونظيره من المعتل: ساحة وسوح، وقارة وقور، ولابة «٣» ولوب، وناقة ونوق. قال أبو عمر «٤»: أنشدنا الأصمعيّ لرجل من هذيل «٥».
وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرّت السوح
والآخر أن يكون جمع ثمارا على ثمر فيكون: ثمر جمع الجمع، وجمعوه على فعل، كما جمعوه على فعائل في
стр. 1285
قولهم: جمال «١» وجمائل قال «٢»:
وقرّبن بالزّرق الجمائل بعد ما ... تقوّب عن غربان أوراكها الخطر
ولم أعلم سيبويه ذكر تكسيره على فعل، وإن كان قد حكى تكسيره على فعائل، ولا يمتنع في القياس، ألا ترى أن فعلا «٣» جمع للكثير كما أن فعائل جمع له، وجمعوه بالألف والتّاء أيضا في قول من قرأ: كأنه جمالات صفر [المرسلات/ ٣٣].
وأنشد بعض البغداديين «٤»:
أحبّ كلب في كلابات الناس ... إليّ نبحا كلب أمّ العبّاس
فأما قول الشاعر «٥»:
كنّا بها إذ الحياة حيّ فليس حيّ بجمع حياة: كبدنة وبدن، وقارة وقور، إنما الحيّ مصدر كالعيّ، ولو كان جمعا على فعل لجاز في فائه
стр. 1286
الضمّ والكسر، كما قالوا: قرن ألوى، وقرون ليّ وليّ.
قال: اختلفوا «١» في سورة الكهف، فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائيّ، وكان له ثمر [الكهف/ ٣٤]، وأحيط بثمره [الكهف/ ٤٢] بضمتين.
وقرأ أبو عمرو: بثمره بضمّة واحدة وأسكن الميم.
وقرأ عاصم: وكان له ثمر، وأحيط بثمره، بفتح الثاء والميم فيهما «٢».
أمّا حمزة والكسائيّ فقراءتهما في ذلك كقراءتهما فيما تقدّم، وابن كثير ونافع وابن عامر أخذوا بذلك في هذا الموضع لأن اللفظتين جميعا للجمع، ألا ترى أن الثمر جمع كما كان «٣» الثمر كذلك.
ووافقهم أبو عمرو في الأخذ بالجمع الذي هو: فعل، إلّا أنه خفّف العين، كما خفف في بدنه وبدن، قال: والبدن جعلناها لكم [الحج/ ٣٦] وكما قالوا: الأكم، في جمع أكمة في قوله «٤»:
ترى الأكم منه سجّدا للحوافر وعلى هذا قالوا: أسد وأسد. وقد فسّر الثّمر في سورة الكهف أنّه من تثمير المال.
стр. 1287
وروي عن مجاهد: وكان له ثمر قال: ذهب وورق.
قال أبو علي: وكأنّ «١» الذهب والورق، قيل له ثمر على التفاؤل، لأن الثمر نماء في ذي الثمر، ولا يمتنع أن يكون الثّمر جمع ثمرة، كما قدّمنا، ويدلّ على ذلك أن عاصما قرأ:
وكان له ثمر في الموضعين في الكهف. وكأنّ الثمر الذي هو الجنا أشبه في التفسير من الذهب والورق «٢» لأنّه أشدّ مشاكلة بالمذكور معه. ألا ترى أنه قال: واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب، وحففناهما بنخل ...
وفجرنا خلالهما نهرا، وكان له ثمر، فقال لصاحبه [الكهف/ ٣٢، ٣٤] فالثمر الذي «٣» هو الجنا أشبه بالنخيل والأعناب، من الذهب والورق منهما «٤» وأشدّ مشاكلة، ويقوّي ذلك قوله في الأخرى في وصف جنّة: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ... له فيها من كل الثمرات [البقرة/ ٢٦٦].
فكما أنّ الثمرات في هذه لا تكون إلّا الجنا، كذلك في الأخرى يكون إياه. ويقوي أن الثمر ليس بالذهب والورق هنا قوله: وأحيط بثمره، والإحاطة به إهلاك له، واستئصال بالآفة التي حلت بها كما حلّت بالأخرى في قوله: فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت [البقرة/ ٢٦٦]، وكما قال: فأصبحت كالصريم [القلم/ ٢٠]
стр. 1288
أي: سوداء كسواد الليل بالاحتراق، ويقوي «١» ذلك قوله فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها [الكهف/ ٤٢]، والإنفاق في الأمر العام إنّما يكون من الورق لا من الشجر.
قال: وقرأ عاصم: وكان له ثمر وأحيط بثمره بفتح الثاء والميم فيهما لأنّ «٢» ثمر* «٣» جمع، كما أنّ ثمر كذلك.
ويدلّك على أن الثّمر ونحوه جمع قوله: وينشئ السحاب الثقال [الرعد/ ١٢]، وقوله: كأنهم أعجاز نخل خاوية [الحاقة/ ٧]. وإنما «٤» جاء التأنيث لمعنى الجمع، كما جاء التذكير في نحو «٥»: من الشجر الأخضر [يس/ ٨٠]، وأعجاز نخل منقعر [القمر/ ٢٠]، على تذكير اللفظ، وإن كان المعنى الجمع.
وقد يجوز أن يكون ثمر* «٦» جمع ثمر، لأن سيبويه قد حكى: ثمر، وجاز أن يكون ثمر جمع على ثمر كما جمع فعل على فعل وذلك قولهم: نمر ونمر قال «٧»:
стр. 1289
فيه «١» عياييل أسود ونمر والأول الوجه لأنه الأكثر كما رأيت.
[الانعام: ١٠٠]
اختلفوا في تشديد الراء وتخفيفها في «٢» قوله تعالى «٣»:
وخرقوا له [الأنعام/ ١٠٠].
[فقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائيّ: وخرقوا له بنين وبنات، خفيفة] «٤».
وقرأ «٥» نافع وحده وخرقوا له مشددة الراء.
[قال أبو علي: قال] «٦» أبو عبيدة: وخرقوا له بنين وبنات أي: جعلوا له وأشركوه.
стр. 1290
اخترق واختلق، وابتشك سواء. وقال أحمد بن يحيى:
خرّق واخترق. وقال أبو الحسن: الخفيفة أعجب إليّ، لأنها أكثر وبها أقرأ.
وقيل: إن المعنى أن المشركين ادّعوا الملائكة: بنات الله «١»، والنّصارى: المسيح، واليهود: عزيرا.
ومن شدّد، فكأنه ذهب إلى التكثير.
[الانعام: ١٠٥]
اختلفوا في إدخال الألف وإخراجها من قوله «٢»:
دارست [الأنعام/ ١٠٥].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: دارست بألف.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائيّ درست ساكنة السين بغير ألف.
وقرأ ابن عامر درست مفتوحة السين ساكنة التاء بغير ألف «٣».
قال أبو زيد: درست، أدرس، دراسة، وهي القراءة قال:
وإنما يقال ذلك إذا قرأت على غيرك، قال «٤» الأصمعي:
أنشدني ابن ميادة «٥»:
стр. 1291
يكفيك من بعض ازديار الآفاق ... سمراء ممّا درس ابن مخراق
قال: درس يدرس، مثل داس يدوس، وقال بعضهم:
سمراء: ناقته، ودرسها: رياضتها «١»، قال: ودرس السورة من هذا. أي يدرسها لتخفّ على لسانه.
وجه من قرأ: دارست. أي «٢»: دارست أهل الكتاب وذاكرتهم، ويقوي ذلك «٣»: إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون [الفرقان/ ٤].
فإن قيل: ليس في المصحف ألف، فإن الألف قد تحذف في المصحف في نحو هذا، ويقوي ذلك قوله: وقالوا أساطير «٤» الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [الفرقان/ ٥].
ووجه درست في «٥» حجّة هذه القراءة: أن أبيّا، وابن مسعود فيما زعموا قرآ درس «٦» وأسندا «٧» الفعل فيه إلى الغيبة، كما أسندا «٨» إلى الخطاب وهو فعل، من:
درست، كما أنّ دارست فاعلت منه.
стр. 1292
وقراءة ابن عامر درست مفتوحة السين ساكنة التاء فهو من الدّروس الذي هو: تعفّي الأثر، وامّحاء الرّسم «١».
قال أبو عبيدة: درست: امّحت «٢»، فأما اللام في قوله:
وليقولوا درست فعلى ضربين: من قال: درست فالمعنى في: ليقولوا لكراهة أن يقولوا، ولأن لا يقولوا: درست. أي:
فصّلت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا إنّها أخبار وقد «٣» تقدّمت وطال العهد بها، وباد من كان يعرفها، كما قالوا: أساطير الأولين [الفرقان/ ٥].
لأنّ تلك الأخبار، لا تخلو من خلل، فإذا «٤» سلم الكتاب منه لم يكن لطاعن موضع طعن. وأما من قرأ:
دارست، ودرست فاللام على قولهم كالتي في قوله «٥»:
ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص/ ٨]، ولم يلتقطوه لذلك، كما لم تفصّل الآيات ليقولوا: درست، ودارست ولكن لمّا قالوا ذلك أطلق هذا عليه «٦» في الاتساع.
[الانعام: ١٠٩]
اختلفوا في فتح الألف وكسرها من قوله [جلّ وعزّ] «٧»: وما يشعركم إنها [الأنعام/ ١٠٩].
فقرأ ابن كثير: وما يشعركم إنها مكسورة الألف، قرأ
стр. 1293
أبو عمرو بالكسر أيضا، غير أنّ أبا عمرو كان يختلس حركة الراء من يشعركم.
وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائيّ- وأحسب ابن عامر- أنها* بالفتح.
وأما أبو بكر بن عياش: فقال يحيى عنه: لم نحفظ عن عاصم كيف قرأ: أفتحا أم كسرا «١»؟.
وقال حسين الجعفي عن أبي بكر عن عاصم إنها* مكسورة، أخبرني به موسى بن إسحاق «٢» عن هارون بن حاتم عن حسين الجعفي بذلك. وحدثني موسى بن إسحاق عن أبي هشام «٣» محمد بن يزيد قال: سمعت أبا يوسف الأعشى: قرأها على أبي بكر: إنها* كسرا، [لا يؤمنون بالياء] «٤». وكذلك روى داود الأودي أنه سمع عاصما يقرؤها إنها* كسرا «٥».
قال سيبويه: سألته: يعني الخليل «٦» عن قوله «٧»: وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون ما منعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك
стр. 1294
في هذا الموضع، إنما قال: وما يشعركم؟ ثم ابتدأ فأوجب فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون. ولو قال: وما يشعركم أنها كان ذلك عنه «١» عذرا لهم، وأهل المدينة يقولون: أنها* فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا. أي: لعلّك، فكأنه قال: لعلّها إذا جاءت لا يؤمنون «٢».
قوله «٣»: وما يشعركم ما* فيه استفهام، وفاعل يشعركم ضمير ما*، ولا يجوز أن يكون نفيا، لأن الفعل فيه يبقى بلا فاعل.
فإن قلت: يكون نفيا ويكون فاعل يشعركم ضمير اسم الله تعالى «٤»: قيل: ذلك لا يصحّ، لأن التقدير يصير: وما يشعركم الله انتفاء إيمانهم، وهذا لا يستقيم.
ألا ترى أن الله تعالى «٥» قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون بقوله:
ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله [الأنعام/ ١١١]، فالمعنى: ما «٦» يدريكم إيمانهم إذا جاءت، فحذف المفعول، وحذف المفعول كثير والتقدير: ما «٧» يدريكم إيمانهم إذا
стр. 1295
جاءت: أي: هم لا يؤمنون، مع مجيء الآية إياهم.
فأما يشعركم، فإنك تقول: شعرت بالشيء كما تقول:
دريت به، وقال: دريته، فيجوز أن يكون شعرت مثله في أنه يتعدّى مرة بحرف، ومرّة بلا حرف كدريت، فمن عدّاه بالحرف جاز أن يكون أنّ في قول من لم يجعله بمعنى: لعلّ، في موضع جر، لأن الكلام لما طال صار كالبدل منه «١» وجاز أن يكون في موضع نصب.
فأما قراءة ابن كثير وأبي عمرو: فالتقدير فيها: وما يشعركم إيمانهم. فحذف المفعول، أي: لو جاءت الآية التي اقترحوها لم يؤمنوا، ثم قال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون [الأنعام/ ١٠٩]، كما قال: ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله [الأنعام/ ١١١] [أي: إلّا أن يشاء إجبارهم على الإيمان] «٢».
ولو فتح أنّ، وجعلها التي في نحو: بلغني أن زيدا منطلق، لكان عذرا لمن أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، لأنه إذا قال القائل: إنّ زيدا لا يؤمن، فقلت: ما يدريك أنه لا يؤمن، فالمعنى أنه: يؤمن، وإذا كان كذلك كان عذرا لمن نفى الإيمان عنه.
فأما وجه قراءة من فتح أنّ، فإن في فتحها تأويلين:
أحدهما: أن يكون بمعنى لعلّ كقوله «٣»:
стр. 1296
قلت لشيبان ادن من لقائه ... أنّا نغدّي القوم من شوائه
أي: لعلنا. وقال آخر «١»:
أريني جوادا مات هزلا لأنني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا
وقال الفرزدق «٢»:
هل انتم عائجون بنا لأنّا ... نرى العرصات أو أثر الخيام
«٣»
стр. 1297
فالمعنى: وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، وهذا ما «١» فسّره الخليل في قوله: ائت السوق أنّك تشتري لنا شيئا، أي: لعلّك، وقال عديّ بن زيد «٢»:
أعاذل ما يدريك أن منيّتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد
وفسّر على «٣»: لعل منيّتي. ويدل على صحة ذلك وجودته في المعنى: أنه قد جاء في التنزيل لعل بعد العلم، وذلك قوله: وما يدريك لعله يزكى [عبس/ ٣]، وما يدريك لعل الساعة قريب [الشورى/ ١٧]، فكما جاء لعلّ بعد العلم، كذلك يكون «٤» أنها إذا جاءت بمنزلة: لعلّها إذا جاءت.
والتأويل الآخر لم يذهب إليه الخليل وسيبويه، وهو أن يكون أنّها في قوله: أنها إذا جاءت لا يؤمنون أنّ الشديدة التي تقع بعد الأفعال التي هي عبارات عن ثبات الشيء وتقرّره نحو: علمت، وتبينت، وتيقنت، على أن تكون لا زائدة فيكون التقدير: وما يشعركم أنّها إذا جاءت يؤمنون «٥».
والمعنى على هذا «٦» أنها: لو «٧» جاءت لم يؤمنوا. ومثل
стр. 1298
لا هذه في أنها تكون في تأويل: زائدة، وفي أخرى: غير زائدة. قول الشاعر «١»:
أبا جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
ينشد: أبا جوده لا البخل، ولا البخل، فمن نصب البخل جعلها زائدة، كأنه قال: أبا جوده البخل، ومن قال: لا البخل، أضاف «لا» إلى البخل «٢».
ومثل هذه الآية في أنّ لا فيها زائدة قوله: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون [الأنبياء/ ٩٥] فهذه تحتمل تأويلين: تكون لا في أحدهما زيادة «٣»، وأنّ في موضع رفع بأنّه خبر المبتدأ الذي هو: حرام* والمعنى: وحرام على قرية أنهم لا يرجعون، أي: أنّهم يرجعون، والتقدير: وحرام على قرية مهلكة رجوعهم إلى أهلهم كما قال:
فلا يستطيعون توصية، ولا إلى أهلهم يرجعون [يس/ ٥٠]، فلا* على هذا التأويل زيادتها كزيادتها في قوله:
لئلا يعلم أهل الكتاب [الحديد/ ٢٩]، وكزيادتها في قول الشاعر «٤»:
стр. 1299
أفعنك لا برق كأنّ وميضه ... غاب تسنّمه ضرام مثقب
والوجه الآخر: أن تكون لا غير زائدة، ولكنها متصلة بأهلكنا، كأنه قال «١»: وحرام على قرية أهلكناها بأنّهم لا يرجعون، أي: أهلكناهم بالاصطلام والاستئصال بأنّهم «٢» إنما لا يرجعون إلى أهليهم للاستئصال الواقع بهم والإبادة لهم.
وخبر المبتدأ على هذا محذوف تقديره: وحرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم، ونحو ذلك، مما يكون في الكلام دلالة عليه، فهذه في أحد التأويلين مثل قوله: أنها إذا جاءت لا يؤمنون وأنت تريد به يؤمنون.
[الانعام: ١٠٩]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى «٣»: لا يؤمنون.
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائيّ: لا يؤمنون بالياء. وروى حفص عن عاصم، وحسين الجعفي «٤» عن أبي بكر عن عاصم بالياء أيضا.
وقرأ ابن عامر وحمزة: لا تؤمنون بالتاء «٥».
وجه القراءة بالياء: أن قوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها [الأنعام/ ١٠٩] إنّما يراد به قوم
стр. 1300
مخصوصون. يدلّك على ذلك قوله: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى [الأنعام/ ١١١] ، وليس كل الناس بهذا الوصف فالمعنى: وما يشعركم أيها المؤمنون، لعلّهم «١» إذا جاءت «٢» الآية التي اقترحوها «٣» لم يؤمنوا، قال: وجه «٤» الياء في قوله: لا يؤمنون أنّ «٥» المراد بمن نفى عنه الإيمان، هم الغيب المقسمون، والوجه على هذا: لا يؤمنون، أي: لا يؤمن هؤلاء الغيب المقسمون، وليس الخطاب للمؤمنين فيكون قوله:
لا تؤمنون بالتاء.
ووجه القراءة بالتاء: أنه انصراف من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بالمخاطبين في يؤمنون هم الغيب المقسمون الذي أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون مثل قوله الحمد لله [الفاتحة/ ١]، ثم قال: إياك نعبد ونحو ذلك مما يصرف إلى الخطاب بعد الغيبة.
[الانعام: ١١١]
اختلفوا في ضمّ القاف وكسرها من قوله تعالى «٦»: كل شيء قبلا [الأنعام/ ١١١].
فقرأ نافع وابن عامر: كل شيء قبلا، والعذاب قبلا [الكهف/ ٥٥] بكسر القاف فيهما «٧»، وفتح الباء.