قلت لشيبان ادن من لقائه ... أنّا نغدّي القوم من شوائه
أي: لعلنا. وقال آخر «١»:
أريني جوادا مات هزلا لأنني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا
وقال الفرزدق «٢»:
هل انتم عائجون بنا لأنّا ... نرى العرصات أو أثر الخيام
«٣»
стр. 1297
فالمعنى: وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، وهذا ما «١» فسّره الخليل في قوله: ائت السوق أنّك تشتري لنا شيئا، أي: لعلّك، وقال عديّ بن زيد «٢»:
أعاذل ما يدريك أن منيّتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد
وفسّر على «٣»: لعل منيّتي. ويدل على صحة ذلك وجودته في المعنى: أنه قد جاء في التنزيل لعل بعد العلم، وذلك قوله: وما يدريك لعله يزكى [عبس/ ٣]، وما يدريك لعل الساعة قريب [الشورى/ ١٧]، فكما جاء لعلّ بعد العلم، كذلك يكون «٤» أنها إذا جاءت بمنزلة: لعلّها إذا جاءت.
والتأويل الآخر لم يذهب إليه الخليل وسيبويه، وهو أن يكون أنّها في قوله: أنها إذا جاءت لا يؤمنون أنّ الشديدة التي تقع بعد الأفعال التي هي عبارات عن ثبات الشيء وتقرّره نحو: علمت، وتبينت، وتيقنت، على أن تكون لا زائدة فيكون التقدير: وما يشعركم أنّها إذا جاءت يؤمنون «٥».
والمعنى على هذا «٦» أنها: لو «٧» جاءت لم يؤمنوا. ومثل
стр. 1298
لا هذه في أنها تكون في تأويل: زائدة، وفي أخرى: غير زائدة. قول الشاعر «١»:
أبا جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
ينشد: أبا جوده لا البخل، ولا البخل، فمن نصب البخل جعلها زائدة، كأنه قال: أبا جوده البخل، ومن قال: لا البخل، أضاف «لا» إلى البخل «٢».
ومثل هذه الآية في أنّ لا فيها زائدة قوله: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون [الأنبياء/ ٩٥] فهذه تحتمل تأويلين: تكون لا في أحدهما زيادة «٣»، وأنّ في موضع رفع بأنّه خبر المبتدأ الذي هو: حرام* والمعنى: وحرام على قرية أنهم لا يرجعون، أي: أنّهم يرجعون، والتقدير: وحرام على قرية مهلكة رجوعهم إلى أهلهم كما قال:
فلا يستطيعون توصية، ولا إلى أهلهم يرجعون [يس/ ٥٠]، فلا* على هذا التأويل زيادتها كزيادتها في قوله:
لئلا يعلم أهل الكتاب [الحديد/ ٢٩]، وكزيادتها في قول الشاعر «٤»:
стр. 1299
أفعنك لا برق كأنّ وميضه ... غاب تسنّمه ضرام مثقب
والوجه الآخر: أن تكون لا غير زائدة، ولكنها متصلة بأهلكنا، كأنه قال «١»: وحرام على قرية أهلكناها بأنّهم لا يرجعون، أي: أهلكناهم بالاصطلام والاستئصال بأنّهم «٢» إنما لا يرجعون إلى أهليهم للاستئصال الواقع بهم والإبادة لهم.
وخبر المبتدأ على هذا محذوف تقديره: وحرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم، ونحو ذلك، مما يكون في الكلام دلالة عليه، فهذه في أحد التأويلين مثل قوله: أنها إذا جاءت لا يؤمنون وأنت تريد به يؤمنون.
[الانعام: ١٠٩]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى «٣»: لا يؤمنون.
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائيّ: لا يؤمنون بالياء. وروى حفص عن عاصم، وحسين الجعفي «٤» عن أبي بكر عن عاصم بالياء أيضا.
وقرأ ابن عامر وحمزة: لا تؤمنون بالتاء «٥».
وجه القراءة بالياء: أن قوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها [الأنعام/ ١٠٩] إنّما يراد به قوم
стр. 1300
مخصوصون. يدلّك على ذلك قوله: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى [الأنعام/ ١١١] ، وليس كل الناس بهذا الوصف فالمعنى: وما يشعركم أيها المؤمنون، لعلّهم «١» إذا جاءت «٢» الآية التي اقترحوها «٣» لم يؤمنوا، قال: وجه «٤» الياء في قوله: لا يؤمنون أنّ «٥» المراد بمن نفى عنه الإيمان، هم الغيب المقسمون، والوجه على هذا: لا يؤمنون، أي: لا يؤمن هؤلاء الغيب المقسمون، وليس الخطاب للمؤمنين فيكون قوله:
لا تؤمنون بالتاء.
ووجه القراءة بالتاء: أنه انصراف من الغيبة إلى الخطاب، والمراد بالمخاطبين في يؤمنون هم الغيب المقسمون الذي أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون مثل قوله الحمد لله [الفاتحة/ ١]، ثم قال: إياك نعبد ونحو ذلك مما يصرف إلى الخطاب بعد الغيبة.
[الانعام: ١١١]
اختلفوا في ضمّ القاف وكسرها من قوله تعالى «٦»: كل شيء قبلا [الأنعام/ ١١١].
فقرأ نافع وابن عامر: كل شيء قبلا، والعذاب قبلا [الكهف/ ٥٥] بكسر القاف فيهما «٧»، وفتح الباء.
стр. 1301
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: كل شيء قبلا «١» والعذاب قبلا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: كل شيء قبلا مضمومة القاف، والعذاب قبلا مكسورة القاف «٢».
قال أبو زيد: يقال: لقيت فلانا قبلا، ومقابلة، وقبلا، وقبلا، وقبليّا، وقبيلا، وكلّه واحد وهو المواجهة «٣»، فالمعنى في القراءتين على ما قاله أبو زيد واحد وإن اختلفت الألفاظ.
وقال أبو عبيدة: وحشرنا عليهم كل شيء قبلا جماعة قبيل أي: أصناف، أو يأتيهم العذاب قبلا [الكهف/ ٥٥] أي معاينة «٤».
فوجه قراءة نافع وابن عامر كل شيء قبلا والعذاب قبلا: أن المعنى: لو حشرنا عليهم كلّ شيء معاينة، أو أتاهم العذاب معاينة، لم يؤمنوا. كأنّهم من شدّة عنادهم وتركهم الإذعان، والانقياد للحق يشكّون في المشاهدات التي لا شكّ فيها.
ومثل قوله: أو يأتيهم العذاب قبلا أي: معاينة، قوله:
فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم، قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم [الأحقاف/ ٢٤]،
стр. 1302
وقوله: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم [الطور/ ٤٤].
وقراءة عاصم. وحمزة، والكسائي: كل شيء قبلا، يحتمل ثلاثة أضرب:
يجوز أن يكون قبلا جمع قبيل، الذي يعنى به الكفيل، ويجوز أن يكون جمع قبيل الذي يعنى به الصنف، كما فسّره أبو عبيدة، ويجوز أن يكون قبلا بمعنى قبل، كما فسّره أبو زيد. فليس بالسهل أن يحمل على القبيل الذي هو الكفيل لأنهم إذا لم يؤمنوا مع إنزال الملائكة إليهم، وأن يكلّمهم الموتى، مع أن ذلك «١» مما يبهر ظهوره، ويضطرّ مشاهدته، فأن لا يؤمنوا بالكفالة التي هي قول لا يبهر ولا يضطرّ، ويجوز أن لا يصدّق، أجدر.
فإن قلت: إن موضع الآية الباهرة في قول من حمل قبلا على أنه جمع قبيل الذي هو الكفيل، هو حشر كلّ شيء. وفي الأشياء المحشورة ما ينطق وما لا ينطق، فإذا نطق بالكفالة من لا «٢» ينطق، كان ذلك موضع بهر الآية فهو قول.
وأمّا إذا حملت قوله: قبلا على أنّه جمع القبيل الذي هو الصنف، كما قال أبو عبيدة، فإنّ موضع إبانة الآية حشر جميع الأشياء جنسا جنسا، وجميع الأشياء ليس في العرف أن تجتمع
стр. 1303
وتنحشر إلى موضع، فموضع ما يبهر هو اجتماعها، مع أنّ ذلك ليس في العرف.
وإن حملت قوله: قبلا على أنّه بمعنى، قبل، أي:
مواجهة، كما فسره أبو زيد، فإن قبلا حال من المفعول به، والمعنى: حشرناه مواجهة ومعاينة، وهو في المعنى كقراءة نافع وابن عامر قبلا*: معاينة.
فأما قراءة عاصم وحمزة والكسائي أو يأتيهم العذاب قبلا [الكهف/ ٥٥] فمعناه: مواجهة، ولا يجوز أن يكون القبيل الذي يراد به الكفيل، ولا يمتنع أن يكون جمع قبيل الذي هو الصنف، فيكون المعنى: أو يأتيهم العذاب صنفا صنفا، فمما «١» جاء القبل فيه بمعنى المقابلة قوله: إن كان قميصه قد من قبل [يوسف/ ٢٦] ألا ترى أنه قد قوبل به قوله: قد من دبر [يوسف/ ٢٧].
فأما قوله: أو تأتي بالله والملائكة قبيلا [الإسراء/ ٩٢] فلا يخلو من أن يكون بمعنى الكفيل، أو يكون معناه معاينة، كما حكاه أبو زيد. فإذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدرا كالنذير والنكير، وهو في موضع حال من المفعول به، ولو أراد به الكفيل لكان خليقا أن يجمع على: فعلاء كما قالوا: كفلاء، لأنّه في الأصل صفة، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء.
ويدلّ على أن المراد بالقبيل: المعاينة لا الكفيل قوله: وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا
стр. 1304
[الفرقان/ ٢١] وكما اقترح ذلك غيرهم في قوله: أرنا الله جهرة [البقرة/ ٥٥].
وأما قراءة ابن كثير وأبي عمرو: وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا «١» [الأنعام/ ١١١]. فعلى الأضرب الثلاثة التي مضى ذكرها.
وقراءتهما: العذاب قبلا [الكهف/ ٥٥]، فعلى المعاينة كما قال أبو زيد وأبو عبيدة.
[الانعام: ١١٤]
وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: إنه منزل من ربك [الأنعام/ ١١٤] مشدّدة الزاي، وخفّفها الباقون، وأبو بكر عن عاصم أيضا «٢».
حجّة التشديد: تنزيل الكتاب من الله [الجاثية/ ٢]، وحجة التخفيف: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم [النحل/ ٦٤] و: لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه [النساء/ ١٦٦].
[الانعام: ١١٥]
اختلفوا في التوحيد والجمع في قوله «٣»: وتمت كلمات ربك [الأنعام/ ١١٥]، في أربعة مواضع:
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وتمت كلمات ربك جماعا، وفي يونس حقت عليهم كلمت ربك في الموضعين [٣٣ - ٩٦]، وفي حم* المؤمن [٦] كلمة ربك*. على واحدة.
стр. 1305
وقرأ نافع وابن عامر هذه المواضع الأربعة كلّها كلمات* جماعة.
وقرأهنّ عاصم وحمزة والكسائيّ بالتوحيد كلمة*، ولم يختلفوا في غير هذه المواضع الأربعة «١».
الكلمة والكلمات- والله أعلم- ما جاء من «٢» وعد، ووعيد، وثواب، وعقاب، فلا تبديل فيه ولا تغيير له، كما قال:
ما يبدل القول لدي [ق/ ٢٩]، وقال: لا مبدل لكلماته [الكهف/ ٢٧]. فكأنّ «٣» التقدير، وتمّت ذوات الكلمات، ولا يجوز أن يعنى بالكلمات الشرائع هنا، كما عني بقوله: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن [البقرة/ ١٢٤]، وقوله:
وصدقت بكلمات ربها [التحريم/ ١٢]، لأنه قد قال: لا مبدل لكلماته، والشرائع يجوز فيها النسخ والتبديل.
وصدقا، وعدلا مصدران ينتصبان على الحال من الكلمة، تقدير ذلك: صادقة وعادلة، وقد قدّمنا شيئا من القول فيما تقدم من هذا الكتاب.
ووجه قراءة ابن كثير وأبي عمرو: وتمت كلمات ربك جماعا، وفي سورة يونس حقت عليهم كلمت ربك في الموضعين، وفي حم* «٤» المؤمن: حقت كلمة ربك على
стр. 1306
واحد. وقرأ نافع وابن عامر هذه المواضع كلّها: كلمات* جماعة. وجه جميع «١» ذلك: أنّه لما كان جمعا كان في المعنى جمعا.
ووجه الإفراد أنهم قد قالوا: الكلمة، يعنون «٢» الكثرة كقولهم: قال زهير في كلمته، يعني: قصيدته، وقال قسّ في كلمته، يعني: خطبته، فقد وقع المفرد على الكثرة، فلما كان كذلك أغنى عن الجمع، وممّا جاء على ذلك قوله: وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا [الأعراف/ ١٣٧]، فإنما هو، والله أعلم، قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ... إلى آخر الآية [القصص/ ٥]. فسمي هذا القصص كلّه كلمة.
وقال مجاهد [في قوله] «٣»: وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها [الفتح/ ٢٦]، قال: لا إله إلّا الله. فإذا وقعت الكلمة على الكثرة، جاز أن يستغنى بها عن لفظ الجميع «٤»، وجاز أن يجمع على المعنى من حيث كان في المعنى جمعا.
وأما قراءة عاصم وحمزة والكسائي بالتوحيد «٥»، فهو على ما ذكرنا من أنّ الكلمة قد جاءت يراد بها الكثرة والجمع،
стр. 1307
ويؤكد ذلك أمر آخر وهو أن المضاف قد يقع على الكثرة في نحو قوله: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم/ ٣٤].
[الانعام: ١١٩]
اختلفوا في ضمّ الفاء والحاء من قوله «١»: وقد فصل لكم ما حرم عليكم [الأنعام/ ١١٩] ونصبهما.
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: وقد فصل لكم ما حرم عليكم. مرفوعتان جميعا.
وقرأ نافع، وعاصم في رواية حفص: وقد فصل لكم ما حرم عليكم بنصبهما جميعا.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائيّ: وقد فصل بفتح الفاء، ما حرم عليكم بضم الحاء «٢».
حجة من ضمّ الحاء من حرم* و [الفاء من] «٣» فصل* قوله: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير [المائدة/ ٣]: فهذا تفصيل هذا العام المجمل بقوله: حرم* فكما أن الاتفاق هاهنا على حرمت .. الميتة كذلك يكون الذي أجمل فيه في قوله: وقد حرم عليكم على ما فصّل «٤»، وكما وجب حرم بضم الحاء لقوله: حرمت عليكم الميتة، كذلك ضمّ فصل* لأنّ هذا المفصّل هو ذلك المحرّم الذي قد أجمل في هذه الآية ذكره. وقال: وهو الذي أنزل إليكم الكتاب
стр. 1308
مفصلا [الأنعام/ ١١٤]؛ فمفصلا يدل على فصّل.
وحجة نافع وعاصم في إحدى الروايتين عنه في: فصل لكم ما حرم عليكم قوله: قد فصلنا الآيات [الأنعام/ ٩٧] وحجّتهما في حرم* قوله: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم [الأنعام/ ١٥١]، الذين يشهدون أن الله حرم هذا [الأنعام/ ١٥٠].
ويدلّ على الفتح قوله: وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم [الأنعام/ ١١٩] ينبغي أن يكون الفعل مبنيا للفاعل لتقدم ذكر اسم الله تعالى «١».
ووجه قراءة عاصم في إحدى الروايتين وحمزة والكسائيّ وقد فصل لكم ما حرم بضم الحاء وفتح الفاء قوله: قد فصلنا الآيات.
ووجه حرم* قوله: حرمت عليكم الميتة [المائدة/ ٣]، وهو تفصيل المحرّم في قوله «٢»: ما حرم عليكم* ومعنى وقد فصل لكم ما حرم عليكم هو ما فصّله في قوله: حرمت عليكم الميتة والدم الآية ... [المائدة/ ٣] ومعنى إلا ما اضطررتم إليه [الأنعام/ ١١٩]. إلّا «٣» ما أباحه عند الضرورة من الميتة وغيرها من المحرّمات بقوله: فمن اضطر غير باغ ولا عاد [البقرة/ ١٧٣]، وقوله: فمن اضطر
стр. 1309
في مخمصة غير متجانف لإثم، فإن الله غفور رحيم [المائدة/ ٣].
[الانعام: ١٩٩]
اختلفوا في ضمّ الياء وفتحها «١» في قوله [جلّ وعزّ] «٢»: وإن كثيرا ليضلون [الأنعام/ ١١٩] في ستة مواضع.
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضلون، هاهنا. وفي يونس [٨٨]: ربنا ليضلوا عن سبيلك وفي سورة إبراهيم [٣٠]:
أندادا ليضلوا وفي سورة الحج [٩]: ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله، وفي لقمان [٦]: ليضل عن سبيل الله بغير علم، وفي الزّمر [٨] أندادا ليضل عن سبيله بفتح الياء في هذه المواضع الستة.
وقرأ نافع وابن عامر ليضلون بأهوائهم بغير علم وفي يونس ربنا ليضلوا بفتح الياء فيهما، وفي الأربعة التي بعد هذين الموضعين يضمان الياء.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ في الستة المواضع بضم الياء «٣».
قال أبو زيد: أبرمت الرّجل إبراما، وأضللته إضلالا حتى برم برما وضلّ ضلالة. قال: وتقول: ضللت الطريق، والدّار أضلّها ضلالا، وأضللت الفرس والناقة والصبيّ إضلالا، وكذلك كلّ ما ضلّ عنك فذهب.
стр. 1310
وإذا كان الحيوان مقيما فأخطأت مكانه، فهو بمنزلة ما لا يبرح. مثل الدار والطريق؛ فهو كقولك: ضللت ضلالة.
وقال أبو عبيدة «١» في قوله: فإنما يضل عليها [يونس/ ١٠٨]؛ فإنما ضلاله لنفسه وهداه لنفسه «٢».
وقال «٣» أبو عبيدة «٤» في قوله: أن تضل إحداهما [البقرة/ ٢٨٢] أي: تنسى «٥»، يقال: ضللت أي: نسيت قال:
فعلتها إذا وأنا من الضالين [الشعراء/ ٢٠] أي: نسيت، وضللت وجه الأمر.
وقال أبو الحسن «٦» في قوله: في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى [طه/ ٥٢] تقديره: ولا يضلّ عن ربي، ففاعل يضل* على تقدير أبي الحسن (كتاب) «٧» المتقدم ذكره، وكان الأصل:
لا يضلّ عن ربّي، لأن الضلال يتعدى «٨» بعن، يدلّك على ذلك قوله: وضلوا عن سواء السبيل [المائدة/ ٧٧]. فلما حذف عن، وصل الفعل إلى المفعول به.
стр. 1311
قال أبو علي: يقال «١»: ضلّ زيد عن قصد الطريق، وأضلّه غيره عنه، وقال «٢»: ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [المائدة/ ٧٧]، وقال: أضل أعمالهم [محمد/ ١]، فهذا كقوله: فأحبط الله أعمالهم [الأحزاب/ ١٩] وكقوله: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ... إلى قوله لم يجده شيئا [النور/ ٣٩]، وكقوله: لا يقدرون على شىء مما كسبوا [البقرة/ ٢٦٤] أي: على جزاء شيء مما كسبوا من الخير لبطوله بالإحباط.
وقال: أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا [غافر/ ٧٤]، فهذا في الآلهة التي كانوا يعبدونها كقوله:
فزيلنا بينهم [يونس/ ٢٨]، فزيّلنا «٣»: إنما هو فعّلنا من زال يزيل.
وقولهم: زلته فلم ينزل، وفي غير الآلهة قوله: يوم القيامة يفصل بينكم [الممتحنة/ ٣]. وقوله: ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون [الروم/ ١٤].
وأما «٤» قراءة ابن كثير وأبي عمرو وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم [الأنعام/ ١١٩] أي: يضلّون باتّباع أهوائهم، كما قال: واتبع هواه [الأعراف/ ١٧٦]. أي: يضلّون في أنفسهم
стр. 1312
من غير أن يضلّوا غيرهم من أتباعهم بامتناعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه، وغير ذلك مما «١» يتبعونه، ويأخذون به ممّا لا شيء يوجبه من شرع ولا عقل؛ نحو السائبة والبحيرة، وغير ذلك ممّا كان يفعله أهل الجاهلية.
وأما قراءتهما في سورة «٢» يونس [٨٨]: ربنا ليضلوا عن سبيلك، فالذي قاله «٣» أبو الحسن أن اللام في ليضلوا* إنما هو لما يؤول إليه الأمر؛ فالمعنى إنك آتيت فرعون وملأه زينة ليضلّوا عن سبيلك، فلا يؤمنوا، فقوله: فلا يؤمنوا [يونس/ ٨٨] عطف على النصب الحادث مع اللام في ليضلوا* وما بين ذلك من قوله: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم [يونس/ ٨٨]، اعتراض بين (آتيت) وما يتّصل به، كما كان قوله: قل إن الهدى هدى الله [آل عمران/ ٧٣] كذلك. وهذا الضّرب من الاعتراض كثير، وقد جاء بين الصّلة والموصول في قوله: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وترهقهم ذلة [يونس/ ٢٧].
فالمعنى: ربّنا إنّك آتيت فرعون وملأه زينة فضلّوا، كما أن معنى: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص/ ٨]. أي: فكان كذلك، فالفتح في قوله: ليضلوا* أحسن لهذا المعنى، لأنهم هم ضلّوا وطغوا لما أوتوه من الزينة والأموال.
стр. 1313
وقراءتهما في إبراهيم [١٠]: وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله أي لم ينتفعوا بما اتخذوا من الأنداد، إلّا ليزيغوا عن الطريق المستقيم الذي نصبت الأدلة عليه، فقوله: ليضلوا* فتح الياء فيه حسن «١» لذلك.
وقوله في الحج [٩]: ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله، أي: يجادل في الله بغير علم مستكبرا ثاني عطفه، ولاويا عنقه، ليضلّ عن سبيل الله، ويذهب عنه، لا أنّ له على ذلك حجّة أو لديه فيه بيان «٢». ومثل ذلك في هذا المعنى إذا فريق منهم بربهم يشركون، ليكفروا [الروم/ ٣٣] فيمن جعل اللام الجارّة، أي: أشركوا ليكفروا بما بيناه لهم، لا لأن لهم على ذلك حجّة ولا بيانا.
وفي لقمان [٦]: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم، أي: يذهب عنه، وقيل في لهو الحديث: أنه سماع الغناء، روينا ذلك عن الكندي عن المؤمّل عن ابن عليّة عن ليث عن مجاهد.
وفي الزّمر [٨]: وجعل لله أندادا، ليضل عن سبيله وقد «٣» تقدم القول فيه.
قال: وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ في المواضع الستة بضم الياء. ومن حجة من ضمّ الياء في هذه المواضع أنه يدلّ
стр. 1314
على أنّ الموصوف بذلك يكون في الضلال أذهب، ومن الهدى أبعد، ألا ترى أن كلّ مضلّ ضالّ، وليس كلّ ضالّ مضلا، لأن الضالّ قد يكون ضلاله مقصورا عليه «١» نفسه لا يتعداه إلى سواه، والمضلّ «٢» أكثر استحقاقا للذم، وأغلظ حالا من الضال، لتحمّله إثم من أضلّه، كما قال: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم [النحل/ ٢٥]. وقوله: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [العنكبوت/ ١٣]. والمواضع التي فتح فيها الياء من فتح، يسوغ فيها تقدير الإضلال ويستقيم. فقوله: وإن كثيرا ليضلون [الأنعام/ ١١٩]. على تقدير: ليضلّون أشياعهم؛ فحذف المفعول به، وحذف المفعول به كثير. ويقوي ذلك قوله: وما أضلنا إلا المجرمون [الشعراء/ ٩٩] وقال: ربنا هؤلاء أضلونا [الأعراف/ ٣٨]، وكذلك في يونس [٨٨] ربنا ليضلوا عن سبيلك أي: ليضلّوا أشياعهم، ألا ترى أن «٣» في قصّتهم وأضلهم السامري [طه/ ٨٥]، وكذلك أندادا ليضلوا [إبراهيم/ ٣٠] أي ليضلّوا أشياعهم، وكذلك في المواضع الأخر، هذا التقدير سائغ «٤» فيها، وغير ممتنع من هذا التقدير.
فأما قراءة نافع وابن عامر ليضلون بأهوائهم
стр. 1315
[الأنعام/ ١١٩]، وفي يونس: ربنا ليضلوا عن سبيلك فحجتهما في فتح الياء حجة ابن كثير وأبي عمرو وقد تقدم القول فيه. وحجتهما في الأربعة المواضع: حجة عاصم وحمزة والكسائي.
[الانعام: ١٢٢]
قرأ نافع وحده أو من كان ميتا مشدّدة.
[الأنعام/ ١٢٢].
وقرأ الباقون: ميتا بالتخفيف «١».
أبو عبيدة الميتة* مخففة، وهو تخفيف: ميّتة، بالتشديد «٢» ومعناهما واحد ثقّل أو خفّف «٣» قال ابن الرّعلاء الغساني:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء
إنّما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفا باله، قليل الرّجاء
«٤» وقد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله: أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون [النحل/ ٢١]، وكذلك قوله:
أومن كان ميتا فأحييناه أي: صادفناه حيّا بالإسلام من بعد الكفر، كالكافر المصرّ على كفره!؟.
стр. 1316
فأما «١» قوله: وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [الأنعام/ ١٢٢]، فيحتمل أمرين: أحدهما أن يراد به النور المذكور في قوله: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم [الحديد/ ١٢]، وقوله يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم [الحديد/ ١٣]، ويجوز أن يراد بالنور: الحكمة التي يؤتاها المسلم بإسلامه، لأنه إذا جعل الكافر لكفره في الظلمات، فالمؤمن بخلافه.
والتخفيف مثل التشديد، والمحذوف من الياءين الثانية المنقلبة عن الواو «٢»، وأعلّت «٣» بالحذف كما أعلّت بالقلب.
[الانعام: ١٢٥]
اختلفوا في تشديد الياء وتخفيفها «٤» من قوله «٥»: ضيقا [الأنعام/ ١٢٥].
فقرأ ابن كثير وحده: ضيقا* ساكنة الياء، وفي الفرقان [١٣] مكانا ضيقا خفيفتين «٦».
وقرأ الباقون التي في سورة الأنعام: ضيقا مشدّدة.
стр. 1317
وكذلك روى حجّاج بن محمد الأعور عن عقبة بن سنان عن أبي عمرو ضيقا* خفيفا. أخبرني بذلك أبو بكر «١» محمد بن عبد الله المقري، قال: حدثنا عبد الرزّاق بن الحسن قال: حدثنا أحمد بن جبير مقرئ أنطاكيّة، قال: حدثنا حجّاج الأعور، عن عقبة، عن أبي عمرو أنّه قرأ: ضيقا* خفيفا «٢».
الضّيق والضّيّق: مثل: الميت والميّت، في أن المحذوف مثل المتمّ في المعنى، والياء مثل الواو في الحذف، وإن لم يعتلّ بالقلب، كما اعتلّت الواو به، وأتبعت «٣» الياء الواو في هذا كما أتبعتها في قولهم: اتّسر. قالوا في اتسار الجزور:
اتّسروها، فجعلت بمنزلة اتعد.
[الانعام: ١٢٥]
واختلفوا «٤» في فتح الراء وكسرها من قوله «٥»:
حرجا [الأنعام/ ١٢٥].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي:
حرجا مفتوحة الراء.
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: حرجا* مكسورة الراء.
стр. 1318
وروى حفص عن عاصم حرجا مثل أبي عمرو «١».
قال أبو زيد: حرج عليه السحور، يحرج حرجا: إذا أصبح قبل أن يتسحّر، وحرم عليه حرما، وهما واحد، وحرمت على المرأة الصلاة تحرم حرما، وحرجت عليها الصلاة تحرج حرجا، وهما واحد.
وقال أبو زيد: حرج فلان يحرج حرجا، إذا هاب أن يتقدم على الأمر، أو قاتل فصبر وهو كاره.
من فتح الراء كان وصفا بالمصدر، مثل: قمن وحرى «٢»، ودنف، ونحو ذلك من المصادر التي يوصف بها، ولا يكون «٣» كبطل، لأن اسم الفاعل في الأمر العامّ من فعل إنما يجيء على فعل. ومن قرأ: حرجا* فهو مثل دنف، وفرق، ومعنى الكلمة فيما فسّر أبو زيد: الضّيق والكراهة.
[الانعام: ١٢٥]
واختلفوا في تشديد العين وتخفيفها، وإدخال الألف وإخراجها من قوله : كأنما يصعد في السماء [الأنعام/ ١٢٥].
فقرأ ابن كثير وحده: كأنما يصعد في السماء. ساكنة الصاد بغير ألف خفيفة.
стр. 1319
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي:
يصعد مشدّدة العين بغير ألف.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: يصاعد بألف مشدّدة الصاد.
وروى حفص عن عاصم مشدّدة بغير ألف يصعد مثل حمزة «١».
قراءة ابن كثير يصعد في السماء من الصعود، والمعنى أنه في نفوره من «٢» الإسلام وثقله عليه بمنزلة من تكلّف «٣» ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع.
ومن قال: يصّعّد أراد: يتصعّد، فأدغم، ومعنى يتصعّد:
أنه كأنه يتكلف ما يثقل عليه وكأنه «٤» يتكلف شيئا بعد شيء، كقولهم «٥»: يتفوّق ويتجرّع ونحو ذلك مما يتعاطى فيه الفعل شيئا بعد شيء، ويصّاعد مثل: يتصعّد في المعنى مثل:
ضاعف وضعّف وناعم ونعّم.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون فاعل يشرح صدره الضمير، العائد إلى من* كأنّ المهديّ «٦» يشرح صدر نفسه؟
стр. 1320
فإن ذلك صحيح في المعنى، والأشبه أن يكون الضمير الذي فيه عائدا «١» إلى اسم الله «٢» لقوله: أفمن شرح الله صدره للإسلام [الزمر/ ٢٢]، وقوله: ألم نشرح لك صدرك [الانشراح/ ١] وكذلك يكون الضمير الذي في قوله يشرح صدره لاسم الله تعالى «٣»، والمعنى أنّ الفعل مسند إلى اسم الله تعالى «٣» في اللفظ، وفي المعنى: للمنشرح «٥» صدره، وإنّما نسبه إلى ضمير اسم الله لأنّه بقوته كان وتوفيقه كما قال: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال/ ١٧]، ويدلّك على أن المعنى لفاعل الإيمان إسناد هذا الفعل إلى الكافر في قوله: ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله [النحل/ ١٠٦]، فكما أسند الفعل إلى فاعل الكفر كذلك يكون إسناده في المعنى إلى فاعل «٦» الإيمان. ومعنى شرح الصدر: اتساعه للإيمان أو الكفر وانقياده له، وسهولته عليه، يدلّك على ذلك وصف خلاف المؤمن بخلاف الشرح الذي «٧» هو اتساع وهو قوله: ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا [الأنعام/ ١٢٥] كأنما يفعل ما يعجز عنه، ولا يستطيعه لثقله عليه وتكاؤده له.
فأما قوله: كأنما يصاعد في السماء: فمن قال: يصّاعد
стр. 1321
ويصّعّد، فهو من المشقّة وصعوبة الشيء ومن «١» ذلك قوله:
يسلكه عذابا صعدا [الجن/ ١٧]. وقوله: سأرهقه صعودا [المدثر/ ١٧]. أي: سأغشّيه عذابا صعودا، أي عقوبة «٢» صعودا أي: شاقا. ومن ذلك قول عمر «٣»: «ما تصعّدني شيء كما تصعّدتني «٤» خطبة النكاح»، أي: ما شق عليّ شيء «٥» مشقّتها، وكأنّ «٦» ذلك لما يتكلفه الخطيب في مدحه وإطرائه للمملك، وربما لم يكن كذلك، فتحتاج إلى تطلّب المخلص، فلذلك شقّ «٧». ومن ذلك «٨» قول الشاعر «٩»:
وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها شديد
فكأنّ معنى يصعد ... يتكلّف
«١٠» مشقة في ارتقاء
стр. 1322
صعدا «١»، وعلى هذا قالوا: عقبة عنوت وعنتوت «٢»، وعقبة كئود، ولا تكون السماء في هذا القول المظلّة للأرض، ولكن كما قال سيبويه: القيدود: الطويل في غير سماء، يريد به «٣» في غير ارتفاع صعدا «٤»، وعلى هذا قوله: قد نرى تقلب وجهك في السماء [البقرة/ ١٤٤].
فأما قوله: يجعل صدره ضيقا حرجا فعلى تأويلين:
أحدهما: التسمية في قوله «٥»: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا [الزخرف/ ١٩]، أي: سمّوهم بذلك، فكذلك «٦» يسمى القلب ضيّقا بمحاولة الإيمان وحرجا عنه.
والآخر: الحكم كقولهم: اجعل البصرة بغداد، وجعلت حسني قبيحا، أي: حكمت بذلك، ولا يكون هذا من الجعل الذي يراد به الخلق، ولا الذي يراد به «٧» الإلقاء كقولك:
جعلت متاعك بعضه «٨» على بعض، وقوله: .. ويجعل الخبيث بعضه على بعض [الأنفال/ ٣٧].
стр. 1323
[الانعام: ١٢٨]
[قوله: ويوم بحشرهم [الأنعام/ ١٢٨].
حفص عن عاصم ويوم يحشرهم بالياء.
وقرأ الباقون بالنون «١».
أما الياء فلقوله: لهم دار السلام عند ربهم [الأنعام/ ١٢٧]، ويوم يحشرهم، والنون كالياء في المعنى، والذي يتعلق به اليوم: هو القول المضمر. ويقوي النون قوله:
وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا [الكهف/ ٤٧]، وقوله:
ونحشره يوم القيامة أعمى [طه/ ١٢٤].
[الانعام: ١٣٥]
اختلفوا في: الجمع والتوحيد في «٢» قوله تعالى «٣»:
على مكانتكم [الأنعام/ ١٣٥].
فقرأ الجميع: على «٤» مكانتكم على الواحد، واختلف عن عاصم؛ فروى أبو بكر علي مكاناتكم جماع في كلّ القرآن.
وروى حفص عن عاصم، وشيبان النحوي عن عاصم:
مكانتكم واحدة في كلّ القرآن. حدثني موسى بن إسحاق قال: حدّثنا هارون بن حاتم قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن عاصم أنه قرأ: على مكانتكم واحدة،
وكذلك قرأ الباقون على التوحيد أيضا «٥».
стр. 1324
قال أبو زيد: يقال «١»: رجل مكين عند السلطان من قوم مكناء «٢»، وقد مكن مكانة، وقال أبو عبيدة: على مكانتكم، أي: على حيالكم [وناحيتكم] «٣»، وما جاء في التنزيل من قوله: إنك اليوم لدينا مكين أمين [يوسف/ ٥٤]، وقوله:
مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم [الأنعام/ ٦]؛ يدلّ «٤» على أن المكانة: المنزلة والتّمكّن، كأنه: اعملوا على قدر منزلتكم، وتمكّنكم من «٥» دنياكم، فإنّكم لن تضرّونا بذلك شيئا، كما قال: لن يضروكم إلا أذى [آل عمران/ ١١١]، ومثل هذا قوله: وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون [هود/ ٢١].
ووجه الإفراد: أنه مصدر، والمصادر في أكثر الأمر مفردة.
ووجه الجمع أنها قد تجمع كقولهم: الحلوم والأحلام.
قال «٦»:
стр. 1325
فأمّا إذا جلسوا بالعشيّ ... فأحلام عاد وأيد هضم
والأمر العام على الوجه الأول.
[الانعام: ١٣٥]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله [جلّ وعزّ] «١»: من تكون له عاقبة الدار [الأنعام/ ١٣٥]، هاهنا وفي القصص [الآية/ ٣٧].
فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم وابن عامر «٢» من تكون له* بالتاء. وكذلك قراءتهم في سورة القصص.
وقرأ حمزة والكسائيّ: يكون له* في الموضعين بالياء «٣».
العاقبة: مصدر كالعافية، وتأنيثه غير حقيقي، فمن أنّث فكقوله «٤»: وأخذت الذين ظلموا الصيحة «٥» [هود/ ٩٤]، ومن ذكّر فكقوله: وأخذ الذين ظلموا الصيحة [هود/ ٦٧].
وكقوله: قد جاءتكم موعظة من ربكم [يونس/ ٥٧]، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى [البقرة/ ٢٧٥]، وكلا الأمرين حسن كثير.
стр. 1326
[الانعام: ١٣٦]
اختلفوا في فتح الزاي في قوله تعالى: بزعمهم [الأنعام/ ١٣٦] وضمّها «١».
فقرأ الكسائيّ وحده بزعمهم* مضمومة الزاي.
وقرأ الباقون: بزعمهم مفتوحة «٢» الزاي «٣».
القول فيه «٤» أنهما لغتان.
وقرأ ابن عامر وحده: وما ربك بغافل عما تعملون [النمل/ ٩٣] بالتاء، وقرأ الباقون بالياء «٥».
[الانعام: ١٣٧]
اختلفوا في قوله [جلّ وعزّ] «٦»، وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [الأنعام/ ١٣٧].
فقرأ ابن عامر وحده وكذلك زين* برفع الزاي لكثير من المشركين قتل برفع اللام، أولادهم* بنصب الدال، شركايهم* بياء.
وقرأ الباقون: زين بفتح «٧» الزاي لكثير من المشركين قتل بنصب اللام، أولادهم خفض شركاؤهم رفع «٨».
стр. 1327
الشركاء على قول العامة فاعل زين وهو مثل: لا ينفع نفسا إيمانها [الأنعام/ ١٥٨]، لمّا تقدم ذكر المشركين كنّى عنهم في قوله: شركاؤهم كما أنه لما تقدم ذكر النفس وإبراهيم في قوله لا ينفع نفسا إيمانها وإذ ابتلى إبراهيم ربه [البقرة/ ١٢٤] كنّى عن الاسمين المتقدم ذكرهما. وقتل أولادهم مفعول زين، وفاعل زين شركاؤهم، ولا يجوز أن يكون الشركاء فاعل المصدر الذي هو القتل كقوله: ولولا دفاع الله الناس [البقرة/ ٢٥١]، لأنّ زين حينئذ يبقى بلا فاعل، ولأن الشركاء ليسوا قاتلين، إنما هم مزيّنون القتل للمشركين، وأضيف المصدر الذي هو القتل إلى المفعولين الذين هم الأولاد، كقوله: لا يسأم الإنسان من دعاء الخير [فصلت/ ٤٩] ونحو ذلك مما يحذف معه الفاعلون والمعنى:
قتلهم أولادهم، فحذف المضاف إليه الذي هو الفاعل، كما حذف ضمير الإنسان في قوله من دعاء الخير. والمعنى: من دعائه الخير. وأما «١» قول ابن عامر: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم، فإن الفعل المبنيّ للمفعول به، أسند إلى القتل فاعمل المصدر عمل الفعل، وأضافه إلى الفاعل، ونظير ذلك قوله: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض فاسم الله فاعل، كما أنّ الشركاء فاعلون، والمصدر مضاف إلى الشركاء الذين هم فاعلون، والمعنى: قتل شركائهم أولادهم، ففصل بين المضاف والمضاف إليه، بالمفعول به،
стр. 1328
والمفعول به «١» مفعول المصدر، وهذا قبيح قليل في الاستعمال، ولو عدل «٢» عنها إلى غيرها كان أولى، ألا ترى أنه لم «٣» يفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام وحال السعة، مع اتساعهم في الظروف حتى أوقعوها مواقع لا يقع فيها غيرها نحو: إن فيها قوما جبارين [المائدة/ ٢٢].
ونحو «٤»:
.. للهجر حولا كميلا «٥» ونحو قوله:
فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها ... أخاك مصاب القلب جمّ بلابله
«٦»
стр. 1329
ألا ترى أنه قد فصل بين أنّ واسمها «١» بما يتعلق بخبرها، ولو كان بغير الظرف لم يجز ذلك، ألا ترى أنهم لا يجيزون: إن زيدا عمرا ضارب، إذا نصبت زيدا بضارب، فإذا لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام، مع اتساعهم في الظرف في الكلام، وإنما جاز «٢» في الشعر كقوله «٣»:
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهوديّ ...
كان لا يجوز في المفعول به الذي لم يتّسع «٤» فيه بالفصل، به أجدر.
ووجه ذلك على ضعفه وقلة الاستعمال أنه قد جاء في الشعر الفصل على حدّ ما قرأه، قال الطّرمّاح «٥»:
стр. 1330
يطفن بحوزيّ المراتع لم يرع ... بواديه من قرع القسيّ الكنائن
«١» وزعموا أن أبا الحسن أنشد «٢»:
زجّ القلوص أبي مزادة وهذان البيتان مثل قراءة ابن عامر، ألا ترى أنه قد فصل فيهما «٣» بين المصدر والمضاف إليهما «٤»، كما فصل ابن عامر بين المصدر، وما حكمه أن يكون مضافا إليه؟ وذكر سيبويه في هذه الآية قراءة أخرى، وهي: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم، وحمل الشركاء فيها على فعل مضمر غير هذا الظاهر «٥».
[كأنه لما قيل: وكذلك زين لكثير من المشركين] «٦».
قيل: من زيّنه؟؛ فقال: زيّنه شركاؤهم. قال: ومثل ذلك قوله «٧»:
стр. 1331
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط ممّا تطيح الطوائح
كأنّه لما قال: ليبك يزيد، دلّ على أن له باكيا، فقال:
يبكيه ضارع، ومثل هذه الآية على هذه القراءة قوله: يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال [النور/ ٣٦]، كأنّه لما قال:
يسبح* فدلّ على يسبح «١» فقيل له «٢»: من يسبحه؟ قال:
يسبّحه رجال.
[الانعام: ١٣٩]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله [جلّ وعزّ]: «٣» [وإن يكن ميتة في الرفع والنصب] «٤» [الأنعام/ ١٣٩].
فقرأ ابن كثير: وإن يكن بالياء ميتة* رفعا خفيفا.
وقرأ ابن عامر: وإن تكن بالتاء، ميتة* رفعا.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر [وإن تكن] «٥» بالتاء، ميتة نصبا، وروى حفص عنه بالياء ميتة نصبا.
وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيّ: يكن بالياء، ميتة نصبا «٦».
стр. 1332
قراءة ابن كثير: وإن يكن بالياء، ميتة* رفعا، أنه لم يلحق الفعل علامة التأنيث لمّا كان الفاعل المسند إليه تأنيثه غير حقيقي، ولم يجعل في يكن شيئا.
والمعنى: وإن وقع ميتة، أو حدث ميتة.
وألحق ابن عامر الفعل علامة التأنيث، لما كان الفاعل في اللفظ مؤنثا، وأسند الفعل إلى الميتة، كما فعل ذلك ابن كثير.
وأما قراءة أبي عمرو ومن تبعه وإن يكن ميتة فإنه «١» ذكّر الفعل لأنه مسند إلى ضمير ما تقدم في «٢» قوله: ما في بطون هذه الأنعام [الأنعام/ ١٣٩]، وهو مذكّر، وانتصب الميتة لما كان الفعل مسندا إلى الضمير، ولم يسنده إلى الميتة، كما فعل ابن كثير وابن عامر.
وأما قراءة عاصم في رواية أبي بكر، تكن* بالتاء.
ميتة فإنّه أنّث، وإن كان المتقدم مذكرا لأنه حمله على المعنى، وما في بطون «٣» الأنعام حوران فحمل على المعنى كما قالوا: ما جاءت حاجتك، فأنث الضمير لمّا كان في المعنى حاجة.
ورواية حفص يكن بالياء، ميتة على لفظ المتقدم الذي هو مذكر.
стр. 1333
[الانعام: ١٤٠]
اختلفوا في التخفيف والتشديد في التاء في «١» قوله [جلّ وعزّ]: «٢» قد خسر الذين قتلوا أولادهم [الأنعام/ ١٤٠].
فقرأ ابن كثير وابن عامر قتلوا* مشددة التاء.
وقرأ الباقون قتلوا «٣» خفيفة التاء «٤».
التشديد للتكثير مثل: مفتحة لهم الأبواب [ص/ ٥٠]، والتخفيف يدلّ على الكثرة «٥».
[الانعام: ١٤١]
اختلفوا في فتح الحاء وكسرها من قوله : «٦» يوم حصاده [الأنعام/ ١٤١].
فقرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، والكسائيّ حصاده بكسر الحاء.
وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر حصاده مفتوحة الحاء «٧».
قال سيبويه: جاءوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال: فعال وذلك الصّرام، والجرام «٨»، والجذاذ «٩»،
стр. 1334
والقطاع، والحصاد، وربّما دخلت اللغة في بعض هذا، فكان فيه فعال، وفعال «١». فقد «٢» تبيّنت مما قال: أن الحصاد والحصاد لغتان، فأما قول النابغة «٣»:
يمدّه كلّ واد مزبد لجب ... فيه ركام من الينبوت والحصد
فإن محمّد بن السّريّ روى فيه: الحصد، وذكر أن بعضهم رواه: الخضد، وفسّر الخضد: ما تكسّر من الشجر.
قلل أبو علي: ويجوز أن يكون الحصد الذي يفسره «٤» ابن السرّي: الحصاد حذف الألف منه، كما يقصر الممدود، وكأن المحصود سمّي الحصاد باسم المصدر، كالخلق، والصيد، وضرب الأمير، ونسج اليمن، ونحو ذلك، ويدلّك «٥» على ذلك قول الأعشى «٦»:
стр. 1335
له زجل كحفيف الحصا ... د صادف بالليل ريحا دبورا
والحفيف إنما يكون للمحصود، ومثل ذلك قول العجّاج «١»:
هذّ الحصاد بغروب المنجل
[الانعام: ١٤٣]
اختلفوا في فتح العين وإسكانها من المعز [الأنعام/ ١٤٣].
فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، من المعز بفتح العين.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائيّ من المعز ساكنة العين «٢».
من قرأ: المعز فإن المعز جمع، يدلّ على ذلك قوله: ومن المعز اثنين «٣» ومن الضأن اثنين ولو كان واحدا لم يسغ فيه هذا، فأما انتصاب اثنين فمحمول على أنشأ، التقدير: