← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وفيها تموتون ومنها تخرجون [الأعراف/ ٢٥]، ومن حجّتهم قوله: كما بدأكم تعودون [الأعراف/ ٢٩]. فأمّا قوله: يخرج منهما اللّؤلؤ والمرجان [الرحمن/ ٢٢]، فمن قال: (تخرج منهما) «١» فعلى أنه أسند الفعل «٢» إلى الله تعالى «٣»، كما قال: فأخرجنا به من كل الثمرات [الأعراف/ ٥٧]، ومن قال: (يخرج) جعله مطاوع أخرج، كما تقول: أخرجته فخرج، والأوّل أدخل في الحقيقة، وقال: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، واللؤلؤ «٤» يخرج من الملح. وزعم أبو الحسن: أن قوما قالوا: إنّه يخرج منهما جميعا، ويجوز أن يكون: يخرج منهما في المعنى «٥»: يخرج من الملح، فقال: يخرج منهما على أنه يخرج من أحدهما، فحذف المضاف، ومثل ذلك في حذف المضاف قوله: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف/ ٣١]. والرجل «٦» إنما يكون من قرية واحدة، كما أنّ اللؤلؤ يخرج من الملح، وإنما المعنى: على رجل من رجلي

стр. 1367

القريتين عظيم «١»، والقريتان: مكة والطائف «٢». [الاعراف: ٢٦] اختلفوا في رفع السين ونصبها من قوله تعالى «٣»: ولباس التقوى [الأعراف/ ٢٦]. فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة: ولباس التقوى رفعا. وقرأ نافع وابن عامر والكسائيّ: (ولباس التّقوى) نصبا «٤». أما النصب: فعلى أنه حمل على (أنزل) من قوله: (قد أنزلنا عليكم لباسا ولباس التّقوى) [الأعراف/ ٢٦]، وأنزلنا هنا كقوله: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد [الحديد/ ٢٥]، وكقوله: وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج [الزمر/ ٦]، أي: خلق، وقوله «٥»: (ذلك) على هذا: مبتدأ، وخبره (خير). ومن رفع فقال: ولباس التقوى ذلك خير قطع اللباس من الأول واستأنف «٦» به فجعله مبتدأ. وقوله (ذلك) صفة أو بدل أو عطف بيان، ومن قال: إنّ (ذلك) لغو، لم يكن على قوله دلالة، لأنه يجوز أن يكون على ما

стр. 1368

ذكرنا «١»، و (خير) خبر للباس «٢» والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب له إلى الله مما خلق له من اللباس والرياش الذي يتجمّل «٣» به، وأضيف اللباس إلى التقوى، كما أضيف في قوله «٤»: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [النحل/ ١١٢] إلى الجوع «٥». [الاعراف: ٣٢] اختلفوا في رفع التاء ونصبها من قوله «٦»: خالصة يوم القيامة [الأعراف/ ٣٢]. فقرأ نافع وحده (خالصة) رفعا. وقرأ الباقون: خالصة نصبا «٧». قال أبو الحسن: أخرج لعباده في الحياة الدنيا، [قال أبو علي] «٨»: لا يخلو القول في قوله في الحياة الدنيا [الأعراف/ ٣٢] من أن يتعلق ب (حرّم) أو: ب (زينة)، أو: ب (أخرج)، أو: ب (الطيبات)، أو: ب (الرّزق) من قوله: من الرزق [الأعراف/ ٣٢] أو بقوله: آمنوا [الأعراف/ ٣٢]؛ فلا يمتنع من أن يتعلّق ب (حرّم) فيكون التقدير: قل من حرّم في

стр. 1369

الحياة الدنيا، ويكون «١» المعنى: قل من حرّم ذلك وقت الحياة الدنيا زينة، ولا يجوز أن يتعلّق بزينة لأنّه مصدر، أو جار مجراه، وقد وصفتها «٢»، فإذا وصفتها «٢»، لم يجز أن يتعلّق بها شيء بعد الوصف، كما لا يتعلق به بعد العطف عليه، ويجوز أن يتعلق بأخرج لعباده في الحياة الدنيا. فإن قلت: فهلّا «٤» لم يجز تعلّقه بقوله: أخرج لعباده لأنّ فيه فصلا بين الصلة والموصول بقوله: قل هي للذين آمنوا [الأعراف/ ٣٢]، وهو كلام مستأنف ليس في الصلة؟ قيل: لا يمتنع الفصل به لأنّه ممّا يسدّد القصة، وقد جاء: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وترهقهم ذلة [يونس/ ٢٧] [فقوله: وترهقهم] «٥» معطوف على كسبوا، فكذلك: قل هي للذين آمنوا، ويجوز أيضا أن يتعلق بالطيبات، تقديره: والمباحات من الرزق. ويجوز أن يتعلق بالرزق أيضا، وإن كان موصولا، ويجوز أن يتعلق بآمنوا، الذي هو صلة الذين أي: آمنوا في الحياة الدنيا، فكلّ ما ذكرنا من هذه الأشياء يجوز أن يتعلق به هذا الظرف. فأمّا «٦» قوله: (خالصة) فمن رفعه «٧» جعله خبرا للمبتدإ

стр. 1370

الذي هو هي، ويكون للذين آمنوا تثبيتا للخلوص، ولا شيء فيه على هذا «١»، ومن قال: هذا حلو حامض، أمكن أن يكون (للذين آمنوا) خبرا، و (خالصة) خبر آخر، ويكون الذكر فيه على ما تقدّم وصفه في هذا الكتاب. ومن نصب خالصة كان: حالا ممّا في قوله: للذين آمنوا، ألا ترى أنّ فيه ذكرا يعود إلى المبتدأ الذي هو هي؟ فخالصة حال عن ذلك الذكر، والعامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل، وهي متعلقة بمحذوف، وفيه الذكر الذي كان يكون في المحذوف، ولو ذكر ولم يحذف، وليس متعلقا بالخلوص، كما تعلق به في قول من رفع. قال سيبويه: وقد قرءوا هذا الحرف على وجهين: (قل هي للّذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) بالرفع والنصب «٢»، فجعل اللام الجارّة لغوا في قول من رفع، (خالصة) ومستقرا في قول من نصب (خالصة). والقول فيما ذهب إليه أبو الحسن «٣» من أن المعنى: التي أخرج لعباده في الحياة الدنيا، أنّه إن علّق في الحياة الدنيا، ب (حرّم)، أو (أخرج)، فلا يخلو من أن تنصب (خالصة) أو ترفعه «٤»، فإن رفعته فصلت بين الابتداء والخبر بالأجنبي، ألا

стр. 1371

ترى أن قوله: في الحياة الدنيا إذا لم يكن متصلا ب (آمنوا) كان أجنبيا من الابتداء والخبر، وإن نصبت (خالصة)، فصلت بين الحال وذي الحال بأجنبي منهما، كما فصلت بين الابتداء والخبر؟ فإذا «١» كان كذلك لم يحسن، وليس باعتراض فيكون فيه تسديد. ومن حجة أبي الحسن أن يقول: إن المفصول به في هذا الموضع بين ما لا «٢» يحسن الفصل بينهما بالأجنبي، ظرف، ولا يمتنع الفصل بالظرف، وإن كان أجنبيا مما يفصل به «٣» بينهما. ألا ترى أنّهم لم يجيزوا: كانت زيدا الحمّى تأخذ؟ ولم يفصلوا بين الفاعل وفعله بالمفعول به، ولو كان مكان المفعول به ظرف، لأجازوا ذلك، وذلك «٤» قولهم: إنّ في الدار زيدا قائم، فأجازوا الفصل بالظرف، وإن كان أجنبيا من العامل والمعمول فيه، وعلى هذا جاء «٥»: فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها ... أخاك مصاب القلب جمّ بلابله وحجة من رفع «خالصة» أنّ المعنى: هي تخلص للّذين آمنوا يوم القيامة، وإن شركهم فيها غيرهم من الكافرين في الدنيا.

стр. 1372

ومن نصب، فالمعنى عنده: هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيامة لهم. وانتصاب (خالصة) على الحال، وهو أشبه لقوله: إن المتقين في جنات وعيون آخذين [الذاريات/ ١٥ - ١٦]، ونحو ذلك مما انتصب فيه الاسم على الحال بعد الابتداء وخبره وما يجري مجراه إذا كان فيه معنى فعل. [الاعراف: ٣٨] اختلفوا في التاء والياء «١» في قوله تعالى «٢»: ولكن لا تعلمون [الأعراف/ ٣٨]. فقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر (لكلّ ضعف، ولكن لا يعلمون) بالياء. وروى حفص عن عاصم بالتاء. وكذلك قرأ الباقون بالتاء «٣». وجه القراءة بالتاء في «٤» قوله: ولكن لا تعلمون أن المعنى: لكلّ ضعف، أي: لكلّ فريق من المضلّين والمضلّين ضعف ولكن لا تعلمون أيّها المضلّون والمضلّون. ومن قرأ بالياء: حمل الكلام على كلّ، لأنّه، وإن كان للمخاطبين، فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة، فحمل على اللفظ دون المعنى،

стр. 1373

ومثل هذا في المعنى: قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار [ص/ ٦١]. [الاعراف: ٤٠] اختلفوا في التخفيف والتشديد في قوله تعالى «١»: (لا تفتح لهم) [الأعراف/ ٤٠]. فقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر: لا تفتح بالتاء مشددة التاء الثانية. وقرأ أبو عمرو (لا تفتح) بالتاء خفيفة ساكنة الفاء. وقرأ حمزة والكسائيّ: (لا يفتح) بالياء خفيفة «٢». حجة من قال «٣»: تفتح قوله: جنات عدن مفتحة لهم الأبواب [ص/ ٥٠]؛ فقياس مفتحة: تفتّح، وقوله: (وفتّحت السماء فكانت أبوابا) [النبأ/ ١٩]، لأن المعنى «٤» في فتّحت السماء على أبوابها، والمعنى: فكانت ذات أبواب. وحجّة من خفف قوله: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر [القمر/ ١١]، وقوله: فتحنا عليهم أبواب كل شيء [الأنعام/ ٤٤]، و (فتحنا) قد يقع على التكثير كما يقع (فتّحنا)، ومن قال: (لا يفتح) بالياء، فلتقدّم الفعل، ويشهد للتأنيث قوله: مفتحة لهم الأبواب [ص/ ٥٠]. ألا ترى أنّ

стр. 1374

اسم الفاعل يجري مجرى الفعل، وقد أنّث، وكذلك الفعل ينبغي أن يؤنّث، وأما قوله: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج [الأنبياء/ ٩٦] فإنّما خفّف؛ لأنّ المعنى: فتح سدّ يأجوج ومأجوج «١»؛ فأجرى التأنيث على لفظ يأجوج، وإن كان المعنى على السدّ، أو يكون: فتحت أرض يأجوج، لأنّ فتح سدّها فتح أرضهم؛ فهو فتح واحد لا تكرير فيه، فيحسن التشديد. ومعنى: (لا تفتح لهم أبواب السماء)، أي: لا تصعد أعمالهم إليها. وروي في تفسير قوله: فما بكت عليهم السماء والأرض [الدخان/ ٢٩]، أنّ موضع المؤمن الذي كان يرتفع إليه عمله الصالح، يبكي عليه إذا مات، وقال [الله ] «٢»: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر/ ١٠]. [الاعراف: ٤٤] كلّهم قرأ: قالوا نعم [الأعراف/ ٤٤] بفتح العين والنون في كلّ القرآن غير الكسائي؛ فإنّه قرأ: (نعم) بفتح النون وكسر العين في كلّ القرآن «٣». قال أبو الحسن: (نعم، ونعم) لغتان، قال: وفي القراءة: الفتح.

стр. 1375

قال «١» سيبويه: نعم: عدة وتصديق، قال: وإذا استفهمت أجبت بنعم «٢»، ولم يحك سيبويه فيها الكسر. والذي يريده بقوله: عدة وتصديق أنّه يستعمل عدة، ويستعمل تصديقا، وليس يريد أن التصديق يجتمع مع العدة، ألا ترى أنّه إذا قال: أتعطيني؟، فقال: نعم، كان عدة، ولا تصديق في هذا، وإذا قال: قد كان كذا وكذا «٣»؛ فقلت: نعم، فقد صدّقته ولا عدة في هذا. فليس قوله في نعم أنّه عدة وتصديق؛ كقوله في إذا: إنّها جواب وجزاء «٤»، لأنّ إذا، يكون جوابا في الموضع الذي يكون فيه جزاء، يقول: أنا آتيك، فتقول: إذا أكرمك، فيكون جوابا لكلامه. ويكون جزاء أيضا في هذا الموضع؛ فقد علمت أنّ قوله في نعم عدة وتصديق ليس كقوله في إذا: إنّها جواب وجزاء، وقوله: إذا استفهمت أجبت بنعم، تريد: استفهمت عن موجب أجبت بنعم، تقول: أيقوم زيد؟ فتقول: نعم «٥»، ولو كان مكان الإيجاب نفي لقلت: بلى، ولم تقل: نعم، كما تقول في جواب الإيجاب.

стр. 1376

قال تعالى «١»: ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف/ ١٧٢] [ولم يقل: نعم] «٢»، وقال: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى [القيامة/ ٣] «٣». ويجوز في القياس على قول من قال: شهد، أن تكسر النون من نعم في لغة من كسر العين، كما كسرت الفاء في شهد. فإن قلت: إنّ ذلك إنّما جاء في الأسماء والأفعال، فالقول أنّ نعم، وإن كان حرفا، فإنّه: إذا «٤» كان على لفظ الأسماء جاز أن تجرى «٥» في القياس مجراها، ألا ترى أنّهم أمالوا «بلى» وإن كان حرفا لما كان على لفظ «٦» الأسماء؟ [الاعراف: ٤٤] اختلفوا في تشديد النون وتخفيفها «٧» في قوله «٨»: أن لعنة الله [الأعراف/ ٤٤]. فقرأ ابن كثير في رواية قنبل، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: أن لعنة الله خفيفة النون ساكنة.

стр. 1377

حدثني نصر «١» بن محمد القاضي عن البزّي عنهم (أنّ لعنة الله) نصبا. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائيّ: (أنّ لعنة الله) نصبا، (على الظالمين) مشددة النون. حدثني الحسين بن بشر الصوفي، عن روح بن عبد المؤمن، عن محمد بن صالح المرّي عن شبل عن ابن كثير مثله (أنّ) مشدّدة، وكذلك روى خلف والهيثم عن عبيد عن شبل عن ابن كثير مثله (أنّ لعنة الله) نصبا. وكلّهم قرأ التي في سورة «٢» النّور: أن لعنة الله [الآية/ ٧]، وأن غضب الله [الآية/ ٩] بالتشديد، غير نافع فإنّه قرأ: (أن لعنة الله)، و (وأن غضب الله) «٣» مخففتين «٤».

стр. 1378

أذن مؤذن [الأعراف/ ٤٤]، بمنزلة أعلم. قال سيبويه: أذّنت: إعلام بتصويت «١»، فالتي تقع بعد العلم إنّما هي المشددة أو المخفّفة عنها، والتقدير «٢»: أعلم معلم أنّ لعنة الله. ومن خفّف (أن) كان على إرادة إضمار القصة والحديث، تقديره: أنّه لعنة الله، ومثل ذلك قوله: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس/ ١٠]، التقدير: (أنّه)، ولا تخفّف (أن) هذه إلّا وإضمار القصة والحديث يراد معها، ومن ثقّل نصب بأنّ ما بعدها، كما ينصب بالمشددة المكسورة، فالمكسورة «٣» إذا خففت لا يكون ما بعدها على إضمار القصة والحديث، كما تكون المفتوحة كذلك. والذي فصل بينهما أنّ المفتوحة موصولة، والموصولة تقتضي صلتها، فصارت لاقتضائها «٤» الصلة أشدّ اتصالا بما بعدها من المكسورة، فقدّر بعدها الضمير الذي هو من جملة صلتها، وليست المكسورة كذلك. ومن المفتوحة قول الأعشى «٥»: في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل

стр. 1379

وأمّا «١» قراءتهم في النور أن غضب الله فإنّ (أنّ) في موضع رفع بأنّه «٢» خبر المبتدأ؛ فأمّا تخفيف نافع أن لعنة الله فحسن، وهو بمنزلة قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس/ ١٠]. وأمّا «٣» تخفيفه (أن غضب الله)، فإن قال قائل: فهلّا «٤» لم يستحسن هذا، لأنّ المخففة من المشدّدة «٥» لا يقع بعدها الفعل، حتى يدخل عوض من حذف أن، ومن أنّها تولى ما لا يليه من الفعل، يدلّ على ذلك قوله: علم أن سيكون منكم [المزمل/ ٢٠]، وقوله: أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا [طه/ ٨٩] وقوله: لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله [الحديد/ ٢٩]. قيل: استجاز هذا، وإن لم يدخل معه شيء من هذه الحروف، لأنّه «٦» دعاء، وليس شيء من هذه الحروف يحتمل الدخول معه، ونظير هذا في أنّه لمّا كان دعاء لم يلزمه العوض. قوله: نودي أن بورك من في النار ومن حولها [النمل/ ٨]؛ فولي قوله: (نودي) أن، وإن لم يدخل معها عوض، كما لم يدخل في قراءة نافع (أن غضب الله عليها)

стр. 1380

[النور/ ٩]. والدعاء قد استجيز معه ما لم يستجز مع غيره، ألا ترى أنّهم قالوا: «أما إن «١» جزاك الله خيرا» وحمله سيبويه «٢» على إضمار القصة في «إن» المكسورة، ولم يضمر القصة مع المكسورة إلّا في هذا الموضع؟! [الاعراف: ٤٣] كلّهم قرأ: وما كنا لنهتدي [الأعراف/ ٤٣]. بواو غير ابن عامر؛ فإنّه قرأ ما كنا بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام «٣». وجه الاستغناء عن حرف العطف في قوله: وما كنا لنهتدي أنّ الجملة ملتبسة بما قبلها، فأغنى التباسها به عن حرف العطف. وقد تقدّم ذكر ذلك، ومثل ذلك قوله: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم [الكهف/ ٢٢]، فاستغنى عن الحرف العاطف بالتباس إحدى الجملتين بالأخرى. [الاعراف: ٤٢] قرأ «٤» ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر أورثتموها [الأعراف/ ٤٢] غير مدغمة وكذلك في الزخرف [٧٢]. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ أورثتموها «٥» مدغمة، وكذلك في الزخرف «٦». [قال أبو علي] «٧» من ترك الإدغام فلتباين المخرجين،

стр. 1381

وأن الحرفين في حكم الانفصال، وإن كانا في كلمة واحدة. ألا ترى أنّهم لم يدغموا ولو شاء الله ما اقتتلوا [البقرة/ ٢٥٣]، وإن كانا مثلين لمّا لم يكونا لازمين، ألا ترى أن تاء «افتعل» قد يقع بعدها غير التاء؟، فكذلك «أورث» قد يقع بعدها غير التاء فلا يجب الإدغام. ووجه الإدغام أن الثاء والتاء مهموستان متقاربتان فاستحسن الإدغام «١» من أدغم. وقد جعل قوم تاء المضمر «٢» بمنزلة غيرها، مما يتصل بالكلمة؛ لأنّ الفعل لا يقدّر منفصلا من الفاعل، بل يقدّر متصلا «٣» بدلالة قولهم فعلت، وإسكانهم اللام في قولهم: يفعلن «٤» ومجيئهم بالإعراب بعد الفاعل، وقد قال قوم: فحصط برجلي، فأبدلوا تاء الضمير طاء، وقالوا: فزد، فأبدلوا منها الدال كما أبدلوا في نحو: اذدكر، ونحو اصطبر «٥»؛ فعلى هذا يحسن الإدغام في أورثتموها. [الاعراف: ٥٤] واختلفوا في تشديد الشين وتخفيفها في قوله جلّ وعزّ «٦»: يغشي الليل النهار [الأعراف/ ٥٤]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر يغشى ساكنة الغين خفيفة، وكذلك في الرعد [٣].

стр. 1382

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائيّ (يغشّي) مفتوحة الغين مشددة «١»، وكذلك في الرّعد. وروى حفص عن عاصم يغشي ساكنة الغين خفيفة «٢» فيهما. وأمّا قوله: (إذ يغشاكم النّعاس) «٣» [الأنفال/ ١١]، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو إذ يغشاكم النّعاس رفعا، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي يغشيكم بضم الياء وفتح الغين وتشديد الشين، النعاس نصبا. وقرأ نافع: (إذ يغشيكم) من أغشى (النعاس) نصبا «٤». قولهم: غشي، فعل متعدّ «٥» إلى مفعول واحد يدلّ على ذلك قوله «٦»: وتغشى وجوههم النار [إبراهيم/ ٥٠]، وغشيهم من اليم ما غشيهم [طه/ ٧٨]، فإذا نقلت الفعل المتعدي إلى المفعول الواحد بالهمزة أو بتضعيف العين تعدى إلى مفعولين. وقد جاء التنزيل بالأمرين جميعا؛ فمما «٧» جاء بتضعيف

стр. 1383

العين قوله: فغشاها ما غشى [النجم/ ٥٤]، فما في موضع نصب بأنّه المفعول الثاني، ومما جاء بنقل الهمزة، قوله: فأغشيناهم فهم لا يبصرون [يس/ ٩]، فهذا منقول بالهمزة، والمفعول الثاني محذوف، والمعنى: فأغشيناهم العمى عنهم أو فقد الرؤية. فإذا جاء التنزيل بالأمرين؛ فكل واحد من الفريقين ممّن قرأ: (يغشي، ويغشّي) أخذ بما جاء في التنزيل، وكذلك إن أخذ آخذ بالوجهين جميعا كما روي عن عاصم الأمران جميعا، وكذلك من قرأ: إذ يغشيكم النعاس، [الأنفال/ ١١]، (ويغشيكم النعاس) [الكاف والميم مفعول أول] «١»، وهذا كقولهم فرّحته وأفرحته، وغرّمته وأغرمته، قال: يغشي الليل النهار [الأعراف/ ٥٤] ولم يقل: ويغشي النهار الليل، كما قال: سرابيل تقيكم الحر [النحل/ ٨١]، ولم يذكر تقيكم البرد للعلم بذلك من الفحوى، ومثل هذا لا يضيق، وكلّ واحد من اللّيل والنهار منتصب بأنّه مفعول به. والفعل قبل النقل: غشي الليل النهار، فإذا نقلت قلت: أغشى الله اللّيل النّهار وغشّى الله «٢»، فصار ما كان فاعلا قبل النقل مفعولا أول «٣». [الاعراف: ٥٤] وقرأ ابن عامر وحده: والشمس والقمر والنّجوم مسخّرات بأمره [الأعراف/ ٥٤]. رفعا كلها، ونصب الباقون هذه الحروف كلّها «٤».

стр. 1384

حجّة من نصب، قوله: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن [فصلت/ ٣٧]، فكما أخبر في هذه أنّه خلق الشمس والقمر، كذلك يحمل على خلق في قوله: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم مسخرات [الأعراف/ ٥٤]. وحجة ابن عامر قوله: وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض [الجاثية/ ١٣]، وممّا في السماء: الشمس والقمر. فإذا أخبر بتسخيرها حسن الإخبار عنها به، كما أنّك إذا قلت: ضربت زيدا «١»، استقام أن تقول: زيد مضروب. [الاعراف: ٥٥] قرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر (تضرّعا وخفية) [الأعراف/ ٥٥] بكسر الخاء هاهنا وفي الأنعام [٦٣]. وقرأ الباقون: خفية مضمومة الخاء جميعا «٢». وروى حفص عن عاصم خفية مضمومة الخاء فيهما «٣». القول في ذلك: أن خفية و (خفية) «٤» لغتان فيما حكاهما أبو الحسن.

стр. 1385

قال: والخفية: الإخفاء، والخيفة «١»: الخوف والرهبة. قال أبو علي: فالهمزة في الإخفاء منقلبة عن الياء، بدلالة الخفية، كما أنّ الألف في الغنى منقلبة عن الياء بدلالة ما حكاه أبو زيد من قولهم: أدام الله لك الغنية «٢» وفي التنزيل ما نخفي وما نعلن [إبراهيم/ ٣٨] فمقابلة الإخفاء له فيها «٣» بالإعلان، [ويدلك أنّ الإخفاء والإعلان] «٤» كالإسرار والإجهار. قال: وأسروا قولكم أو اجهروا به [الملك/ ١٣] قالوا «٥»: خفيت الشيء إذا أظهرته، قال «٦»: يخفي التراب بأظلاف ثمانية ... في أربع مسّهنّ الأرض تحليل فيمكن أن يكون: أخفيت الشيء: أزلت إظهاره، وإذا

стр. 1386

أزلت إظهاره، فقد كتمته، ومثل ذلك قولهم: أشكيته: إذا أزلت شكواه، قال «١» وأنشد أبو زيد: تمدّ بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أنّنا نشكيها «٢» فأما «٣» قوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية [الأعراف/ ٥٥] فمما يدل على أن رفع الصوت بالدّعاء، لا يستحبّ، والخوف لله ممّا أمر به، ومدح عليه من قوله: (وخافوني) «٤» [آل عمران/ ١٧٥] وقوله: يخافون ربهم من فوقهم [النحل/ ٥٠]، والمعنى: خافوا عقابي، كما قال: ويرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء/ ٥٧]. [الاعراف: ٥٧] اختلفوا في قوله «٥»: وهو الّذي يرسل الرّياح نشرا بين يدي رحمته [الأعراف/ ٥٧]، فقرأ ابن كثير: وهو الّذي يرسل الرّيح واحدة، (نشرا) مضمومة النون والشين. وقرأ أبو عمرو، ونافع: (الرياح) جماعة (نشرا) مضمومة النون والشين أيضا «٦». وقرأ ابن عامر: (الرّياح) جماعة «٧» (نشرا) مضمومة النون ساكنة الشين.

стр. 1387

وقرأ عاصم: الرياح جماعة. بشرا بالباء. ساكنة الشين منونة. وقرأ حمزة والكسائيّ: (الريح) على التوحيد، (نشرا) بفتح النون ساكنة الشين منونة «١». القول في إفراد الريح وجمعها «٢»: اعلم أنّ الريح اسم على فعل، والعين منه واو، فانقلبت في الواحد للكسرة. فأمّا في الجمع القليل: أرواح، فصحّت لأنّه لا شيء فيه يوجبها «٣» الإعلال، ألا ترى أن الفتحة لا توجب إعلال هذه الواو في نحو قوم، وقول، وعون؟ وأمّا «٤» في الجمع الكثير فرياح، فانقلبت «٥» الواو ياء للكسرة التي قبلها، وإذا كانت قد انقلبت في نحو ديمة، وديم، وحيلة وحيل، فأن تنقلب في رياح أجدر لوقوع الألف بعدها، والألف تشبه الياء «٦»، والياء إذا تأخّرت عن الواو أوجبت فيها الإعلال؛ فكذلك الألف لشبهها بها، وقد يجوز أن يكون (الريح) على لفظ الواحد، ويراد بها الكثرة. كقولك: كثر

стр. 1388

الدينار والدرهم، والشاء والبعير، وإن الإنسان لفي خسر [العصر/ ٢]، ثم قال: إلا الذين آمنوا [العصر/ ٣]، فكذلك من قرأ: (الريح- نشرا)، فأفرد، ووصفه «١» بالجمع، فإنّه حمله على المعنى وقد أجازه أبو الحسن. «٢» وقد «٣» قال: فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا .... «٤». فمن نصب حمله على المعنى لأن المفرد يراد به الجمع، وهذا وجه «٥» قراءة ابن كثير. ألا ترى أنّه أفرد الريح، ووصفه بالجمع في قوله: (نشرا بين يدي رحمته) [الأعراف/ ٥٧]، فلا تكون الريح على هذا إلّا اسم الجنس «٦».

стр. 1389

وقول من جمع الريح، إذا وصفها بالجميع «١» الذي هو (نشرا) أحسن، لأنّ الحمل على المعنى ليس بكثرة الحمل على اللفظ، ويؤكد ذلك قوله: الرياح مبشرات فلمّا وصفت بالجمع جمع الموصوف أيضا. ومما جاء فيه الجمع القليل بالواو قول ذي الرّمّة «٢»: إذا هبّت الأرواح من نحو جانب ... به آل ميّ هاج شوقي هبوبها وليس ذلك كعيد وأعياد، لأنّ هذا بدل لازم، وليس البدل في الريح كذلك. فأمّا ما جاء في الحديث من أنّ النبي، ﵌ «٣» كان يقول إذا هبّت ريح: «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» «٤» ، فلأنّ عامّة ما جاء في التنزيل، على لفظ الرياح للسقيا والرحمة كقوله: [عزّ من قائل] «٥»: وأرسلنا الرياح لواقح [الحجر/ ٢٢]. وكقوله «٦»: ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات [الروم/ ٤٦] وقوله «٧» الله الذي يرسل الرياح فتثير

стр. 1390

سحابا فيبسطه في السماء [الروم/ ٤٨]. وما «١» جاء بخلاف ذلك جاء على الإفراد كقوله: وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم [الذاريات/ ٤١]، وقوله: وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر [الحاقة/ ٦]، بل هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها [الأحقاف/ ٢٤]، فجاءت في هذه المواضع على لفظ الإفراد وفي خلافها على لفظ الجميع «٢». أبو عبيدة «٣»: (نشرا) أي متفرقة من كلّ جانب، وقال أبو زيد: قد أنشر الله الريح إنشارا، إذا بعثها، وقد أرسلها نشرا بعد الموت. قال أبو علي: أنشر الله الريح إنشارا «٤» مثل أحياها، فنشرت هي، أي: حييت، والدليل على أنّ إنشار الريح إحياؤها قول المرّار الفقعسي «٥»:

стр. 1391

وهبّت له ريح الجنوب وأحييت ... له ريدة يحيي المياه نسيمها وكما «١» جاء أحييت كذلك ما حكاه أبو زيد من قولهم: أنشر الله الريح، معناه: الإحياء. وممّا يدلّ على ذلك «٢» أنّ الريح قد وصفت بالموت، كما وصفت بالحياة: قال «٣». إني لأرجو أن تموت الريح ... فأقعد اليوم وأستريح فقال: تموت الريح. بخلاف ما قاله الآخر: وأحييت له ريدة ... والرّيدة: الريح، قال «٤»: أودت به ريدانة صرصرّ وقراءة «٥» من قرأ (نشرا) يحتمل ضربين: يجوز أن يكون جمع ريح نشور، وريح ناشر. ويكون «٦»: ناشر على معنى

стр. 1392

النسب؛ فإذا جعلته جمع نشور احتمل أمرين: أحدهما: أن يكون النشور بمعنى المنتشر، كما أنّ الركوب بمعنى المركوب. قال «١»: وما زلت خيرا منك مذ عضّ كارها ... بلحييك عاديّ الطريق ركوب وقال أوس: تضمّنها وهم ركوب كأنّها «٢» * إذا ضمّ جنبيه المخارم رزدق «٣» كأنّ المعنى: ريح أو رياح منشرات «٤». ويجوز أن يكون نشرا: جمع نشور يراد به الفاعل، كأنّه كطهور ونحوه من الصفات. ويجوز أن يكون نشرا: جمع ناشر، كشاهد وشهد، وبازل وبزل، وقاتل وقتل، وقال الأعشى «٥»: إنا لأمثالكم يا قومنا قتل

стр. 1393

وقول ابن عامر: نشرا يحتمل الوجهين: أن يكون جمع فعول وفاعل، فخفّف العين، كما يقال: كتب ورسل، ويكون جمع فاعل كبازل وبزل وعائط وعيط. وأمّا قراءة حمزة والكسائيّ نشرا فإنه «١» يحتمل ضربين: يجوز أن يكون المصدر حالا من الريح فإذا جعلته حالا منها احتمل أمرين: أحدهما أن يكون النّشر الذي هو خلاف الطيّ، كأنّها كانت «٢» بانقطاعها كالمطويّة، ويجوز على تأويل أبي عبيدة «٣»، أن تكون متفرقة في وجوهها. والآخر: أن يكون النشر، الذي هو الحياة في قوله «٤»: يا عجبا للميّت الناشر فإذا حملته على ذلك وهو الوجه، كان المصدر يراد به الفاعل كما تقول: أتانا ركضا، أي: راكضا، ويجوز أن يكون المصدر يراد به المفعول، كأنّه يرسل الرياح إنشارا، أي: محياة؛ فحذف الزوائد من المصدر كما قالوا: عمرك الله، وكما قال «٥»: فإن يهلك فذلك كان قدري أي: تقديري.

стр. 1394

والضرب الآخر: أن يكون نشرا على قراءتهما ينتصب انتصاب المصادر من باب صنع الله [النمل/ ٨٨]. لأنه إذا قال يرسل الرياح دلّ هذا الكلام على: ينشر الريح نشرا أو تنشر نشرا، من قوله «١»: كما تنشّر بعد الطية الكتب ... ومن نشرت الريح مثل نشر الميت. وقراءة عاصم: بشرا؛ فهو جمع بشير، وبشر من قوله: يرسل الرياح مبشرات [الروم/ ٤٦]. أي تبشّر بالمطر والرحمة، وجمع بشيرا على بشر، ككتاب وكتب «٢». [الاعراف: ٥٩] اختلفوا في الرفع والخفض في قوله تعالى «٣»: من إله غيره [الأعراف/ ٥٩]. فقرأ الكسائي وحده ما لكم من إله غيره* خفضا، وقرأ الباقون: [ما لكم من إله غيره] رفعا في كلّ القرآن. وقرأ حمزة والكسائيّ: هل من خالق غير الله [فاطر/ ٣] خفضا.

стр. 1395

وقرأ الباقون: غير الله رفعا «١». وجه قراءة الكسائي في: ما لكم من إله غيره* بالجرّ أنّه جعل غيرا صفة لإله على اللفظ، وجعل لكم مستقرا، أو جعله غير مستقر، وأضمر الخبر، والخبر: ما لكم في الوجود أو العالم، ونحو ذلك، لا بدّ من هذا الإضمار «٢»، إذا لم يجعل لكم «٣» مستقرا لأنّ الصفة والموصوف، لا يستقلّ بهما كلام. وحجة من قرأ ذلك رفعا ما لكم من إله غيره قوله: وما من إله إلا الله [آل عمران/ ٦٢]، فكما أنّ قوله إلّا الله بدل من قوله: ما من إله كذلك قوله: غير الله يكون بدلا من قوله من إله وغيره يكون بمنزلة الاسم الذي «٤» بعد إلّا، وهذا الذي ذكرنا أولى أن يحمل عليه من أن يجعل غير صفة لإله على الموضع. فإن قلت: ما تنكر أن يكون إلا الله صفة لقوله: من إله على الموضع. كما كان قوله: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء/ ٢٢]. صفة لآلهة. فالقول أنّ «إلّا» بكونها استثناء أعرف، وأكثر من كونها صفة، وإنّما جعلت صفة على التشبيه بغير؛ فإذا كان بالاستثناء أولى حملنا: هل من خالق غير الله على الاستثناء من المنفي

стр. 1396

في المعنى، لأنّ قوله: هل من خالق غير الله بمنزلة: ما من خالق غير الله، ولا بدّ من إضمار الخبر، كأنّه: ما من خالق للعالم غير الله، ويؤكّد ذلك قوله: لا إله إلا الله [محمد/ ١٩] فهذا استثناء من منفي مثل: لا أحد في الدار إلّا زيد. فأمّا قراءة حمزة والكسائيّ: هل من خالق غير الله فعلى أن جعلا غير* صفة للخالق، وأضمر الخبر كما تقدّم. والباقون جعلوه استثناء بدلا من المنفي، وهو الأولى عندنا لما تقدّم من الاستشهاد عليه من قوله: وما من إله إلا الله [آل عمران/ ٦٢]. [الاعراف: ٦٢] واختلفوا «١» في تشديد اللّام وتخفيفها من قوله تعالى: أبلغكم [الأعراف/ ٦٢]. فقرأ أبو عمرو وحده: أبلغكم* ساكنة الباء خفيفة اللّام مضمومة الغين في كلّ القرآن. وقرأ الباقون: أبلغكم بفتح الباء وتشديد اللّام في كلّ القرآن «٢». القول: إنّ بلغ* فعل يتعدى إلى مفعول واحد «٣» في

стр. 1397

نحو: بلغني خبرك «١»، وبلغت أرضك جريبا «٢». فإذا نقلته تعدى إلى مفعولين. والنقل تارة يكون بالهمز وأخرى بتضعيف العين، وكلا الأمرين قد جاء به التنزيل، قال: فإن تولوا فقد أبلغتكم [هود/ ٥٧]. فهذا. نقل بالهمزة، والنّقل بالتضعيف، يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته [المائدة/ ٦٧]، فكلا الأمرين في التنزيل، وكلّ واحدة من اللغتين مثل الأخرى في مجيء التنزيل بهما، وفي الحديث: «اللهم هل بلّغت» «٣». [الاعراف: ٨١، ٨٠] واختلفوا في الاستفهامين يجتمعان، فاستفهم فيها «٤» بعضهم، واكتفى بعضهم بالأول من الثاني. فممن استفهم بهما جميعا عبد الله بن كثير، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة «٥» كانوا يقرءون: ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ... أئنكم لتأتون الرجال

стр. 1398

[الأعراف/ ٨٠، ٨١]، أإذا كنا ترابا [الرعد/ ٥]، وما كان مثله في كلّ «١» القرآن باستفهام. وروى حفص عن عاصم: إنكم في الأعراف. مثل نافع، وكذلك في العنكبوت [٢٨ - ٢٩] غير أنّهم اختلفوا في الهمز. وقرأ عاصم بهمزتين، وكذلك حمزة، ولم يهمز ابن كثير، وأبو عمرو إلّا واحدة. وممّن اكتفى بالاستفهام الأول من الثاني: نافع والكسائيّ؛ فكانا يقرءان: أءذا كنا ترابا إنا لفي خلق جديد [الرعد/ ٥]، أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون [الصافات/ ١٦]، وما كان مثله في القرآن كلّه، إلّا أن الكسائيّ همز همزتين ونافع لم يهمز إلّا واحدة. وخالف نافع الكسائي في قصة لوط، فكان نافع يمضي على ما أصّل «٢»، وكان الكسائيّ يقرأ بالاستفهامين جميعا في قصة لوط، ثم اختلفا في العنكبوت «٣»: أئنكم لتأتون الرجال [الآية/ ٢٩]؛ فكان نافع يستفهم بالثاني ولا يستفهم بالأول، وكان الكسائيّ يستفهم بهما جميعا. اختلفوا «٤» في سورة النمل في قوله: وقال الذين كفروا

стр. 1399

أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا [٦٧] باستفهام. فقرأ «١» الكسائيّ أإذا كنا ترابا بهمزتين. وو آباؤنا إننا بنونين من غير استفهام. وقرأ ابن عامر ضد قراءة نافع والكسائي «٢» في عامّة ذلك، فكان لا يستفهم بالأول ويستفهم بالثاني، وهمز «٣» همزتين في كلّ القرآن إلّا في حرفين؛ فإنه خالف فيهما هذا الأصل؛ فقرأ في الواقعة: أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا [الآية/ ٤٧]، جمع بين الاستفهامين. وفي النازعات: أئنا لمردودون في الحافرة [الآية/ ١٠] بالاستفهام، إذا كنا عظاما* [الآية/ ١١] بغير استفهام، وقرأ في النمل غير ذلك: وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا إننا لمخرجون [الآية/ ٦٧] كقراءة الكسائي، ومضى في العنكبوت على الأصل الذي أصّل من ترك الاستفهام في الأول «٤». قوله: أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها [الأعراف/ ٨٠] إنكم لتأتون الرجال [الأعراف/ ٨١]. كل واحد من الاستفهامين كلام مستقل لا حاجة بواحد من الكلامين إلى الآخر فيما يستقل به.

стр. 1400

فلو قال: إنّ قوله: إنكم لتأتون الرجال تقرير؛ فهو بمنزلة الإخبار، وإن كان على لفظ الاستفهام «١» وإذا «٢» كان كذلك جعلت: أئنكم «٣» لتأتون الرجال تفسيرا للفاحشة، كما أن قوله: للذكر مثل حظ الأنثيين [النساء/ ١٧٦] تفسير للوصية؛ لكان «٤» قولا. فأمّا قوله: أئذا كنا ترابا وآباؤنا إننا [النمل/ ٦٧] فليس مثل قوله: أتأتون الفاحشة [الأعراف/ ٨٠] أئنكم لتأتون الرجال [الأعراف/ ٨١]، لأنّ الاستفهامين هنا قد استثقلا وليس كذلك قوله: أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا، ألا ترى أنّ قوله: إذا* في قوله: إذا كنا ترابا، ظرف من الزمان يقتضي أن يكون متعلقا بشيء، وليس في الكلام ما يتعلق به. فإن قلت: فلم لا يتعلق إذا* بقوله: كنا*؟ قيل: لا يجوز ذلك، لأنّ كنّا مضاف إليه، ألا ترى أنّ إذا مضاف إلى كنّا، والمضاف والمضاف إليه لا يكون منهما كلام مستقل، كما لا يكون من الصفة والموصوف. فإن قلت: فاجعل الفعل في موضع جزم بإذا لتكون إذا معمولة. فإنّ ذلك لم يجيء في الكلام، إنّما يجيء في الشعر،

стр. 1401

فإذا كان كذلك، فلا بدّ من تعليق إذا بشيء يكون معمولا، ويستقلّ به الكلام، وذلك نبعث أو نحشر، التقدير: أنبعث إذا كنا ترابا. فحذف نبعث في اللفظ لدلالة: أئنا لمبعوثون عليه- ولا يجوز أن يتعلق إذا في «١» قوله: أإذا كنا ترابا بقوله: مبعوثون لأنّ ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه ما بعد الاستفهام، ولكن يتعلق بالمضمر الذي ذكرنا. ومثل ذلك قوله: يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [الفرقان/ ٢٢]، فقوله: يوم يرون الملائكة متعلق بما دلّ عليه هذا الكلام من قوله: يحزنون، ولا يتعلق بشيء مما بعد لا* من قوله: لا بشرى يومئذ للمجرمين. قال: روى «٢» حفص عن عاصم إنكم* في الأعراف مثل نافع؛ وكذلك في العنكبوت، غير أنّهم اختلفوا في الهمز. فقرأ عاصم بهمزتين، وكذلك حمزة، ولم يهمز ابن كثير، وأبو عمرو، إلّا واحدة، يريد أحمد بن موسى بقوله: إلّا واحدة، أنهم خففوا إحدى الهمزتين، ولم يحقّقوهما كما حقّقهما عاصم وحمزة. قال: وممّن اكتفى بالاستفهام الأول من الثاني نافع

стр. 1402

والكسائيّ، وكانا يقرءان: أئذا كنا ترابا، إنا لفي خلق جديد [الرعد/ ٥] أءذا متنا وكنا ترابا .. إنا لمبعوثون [الواقعة/ ٤٧] وما كان مثله في القرآن كلّه، إلّا أنّ الكسائيّ همز همزتين ونافع لم يهمز إلّا واحدة. يريد أحمد بقوله: إلّا أنّ الكسائيّ همز همزتين، أنّه حقّقهما كما يحقّقهما عاصم وحمزة، وخفّف نافع إحداهما «١». والقول في قوله: أءذا كنا ترابا، إنا لفي خلق جديد: أنّ إذا متعلق بفعل مضمر يدلّ عليه قوله: إنا لفي خلق جديد* تقديره: أإذا كنّا ترابا نبعث أو نحشر أو نعاد، لأنّ قوله: إنا لفي خلق جديد*، يدلّ على هذا الضرب من الفعل، ولا يجوز أن يتعلق إذا بجديد؛ لأنّ ما بعد إن لا تعمل «٢» فيما قبلها، كما أنّ ما بعد لام الابتداء، لا يعمل فيما قبلها، وكذلك القول في «٣» قوله: أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون [المؤمنون/ ٨٢]. قال أحمد: وخالف نافعا الكسائيّ في قصة لوط، فكان نافع يمضي على ما أصّل، وكان الكسائيّ يقرأ بالاستفهامين جميعا في قصة لوط: وقد «٤» تقدم ذكر ذلك. قال أحمد: واختلفا في قوله في العنكبوت: أئنكم

стр. 1403

لتأتون الرجال، فكان نافع يستفهم بالثاني ولا يستفهم بالأول، وكان الكسائيّ يستفهم بهما جميعا. كل واحد من الاستفهامين جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها إلى شيء، فمن ألحق حرف الاستفهام جملة نقلها به من الخبر إلى الاستخبار، ومن لم يلحقها بقّاها على الخبر. واختلفا «١» في سورة النمل في قوله: وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا [الآية/ ٦٧]. فقرأ نافع وقال الذين كفروا إئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا باستفهام. وقرأ الكسائيّ: أئذا كنا ترابا بهمزتين، وآباؤنا إننا بنونين من غير استفهام. وجه قراءة نافع: إذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا أن إذا* لا بدّ من أن يحمل على فعل، يدلك على ذلك أنّه لا يخلو من أن يترك الكلام على ظاهره؛ فلا يضمر شيء، أو يضمر الفعل؛ ليحمل إذا عليه، فلا يجوز إن ترك «٢» على ظاهره، لأنّ ما بعد الاستفهام. لا يعمل فيما قبله، وكذلك ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها، وقد اجتمع الأمران في قوله: إذا كنا ترابا أئنا. فإذا لم يجز حمل إذا على شيء من هذا الكلام ظاهر،

стр. 1404

فلا بدّ من إضمار الفعل وتقدير ذلك الفعل: أنبعث أو نحشر، أو نخرج، ودلّك «١» قوله: إنا لمبعوثون* على ذلك، وكذلك قراءة الكسائي: أإذا كنا ترابا، وآباؤنا بهمزتين أيضا، وينبغي أن يقدر فعل في الكلام، يتعلق إذا به، يدلّ على ذلك أنّ إذا لا يجوز تعلّقها بشيء قبلها، لأنّ ما في حيّز الاستفهام ينقطع مما قبله، فلا يتعلق به، ولا يجوز أن يتعلق [ما بعد إنّ من قوله] «٢»: إنّنا، لأنّ إنّ لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، كما أنّ الاستفهام، ولام الابتداء، كذلك. ومثلهما في هذا لا* النافية التي تبنى مع المفرد المنكور على الفتح، نحو: لا رجل؛ فإذا لم يجز تعلّقها بما قبلها، ولا بما بعدها فلا بدّ من فعل مضمر يتعلق به إذا، وهو الفعل الذي تقدّم ذكره، ولا يجوز تعلّق إذا بالفعل الذي بعدها، لأنّها مضافة إليه، ولو جاز ذلك لجاز: القتال زيدا حين يأتي، يريد: القتال حين يأتي زيدا. وأمّا قراءته: إننا* بنونين؛ فلأنّه جاء به على الأصل، ومن قرأ: إنا* حذف من النونات واحدة كراهة اجتماع الأمثال والمحذوفة، وهي الوسطى، لأن علامة الضمير لا تحذف. فإن قلت: إن التكرير إنّما وقع بالتي هي علامة الضمير، فهي لذلك أولى بالحذف. قيل: إنه* وإن كان كذلك لم يحذف، لأنّها لم تحذف في موضع، ونظير ذلك في أن الحذف وقع في غير الآخر قولهم: في تحقير ذا* ذيّا حذف

стр. 1405

الأول من الأمثال، وكان أصله: ذييّا، فلم تحذف الياء للتحقير، ولم تحذف التي هي لام لما كان يلزم من تحريك ياء التحقير، وهي لم تحرّك في موضع. قال «١»: وقرأ ابن عامر ضدّ قراءة نافع والكسائي في عامة ذلك، فكان لا يستفهم بالأول ويستفهم بالثاني، ويهمز همزتين في كلّ القرآن إلّا في حرفين. [قال أبو علي] «٢»: إلحاق حرف الاستفهام الأول نحو: أءذا كنا ترابا ... إنا لمبعوثون أحسن لأمرين: أحدهما: أنّ قوله: لمبعوثون* «٣»، لمّا كان يدلّ على يبعث ونحوه مما يتعلق إذا* به صار كجزء من الكلام الذي دخل عليه حرف الاستفهام. والآخر: أنّ الكلام الأول إذا دخل عليه الاستفهام قد ذكر حرفه، وأريد في الكلام الثاني كان أحسن لأنّه على الاستفهام أدلّ. ووجه قول ابن عامر: أنّ الدلالة مما تذكر بعد قد يكون كالدّلالة فيما يذكر قبل، ألا ترى أنّ من قرأ: ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم [آل عمران/ ١٨٠] إنما يريد: لا تحسبنّ بخل الذين يبخلون؛
следующие страницы →