فإذا كان كذلك، فلا بدّ من تعليق إذا بشيء يكون معمولا، ويستقلّ به الكلام، وذلك نبعث أو نحشر، التقدير: أنبعث إذا كنا ترابا. فحذف نبعث في اللفظ لدلالة: أئنا لمبعوثون عليه- ولا يجوز أن يتعلق إذا في «١» قوله: أإذا كنا ترابا بقوله:
مبعوثون لأنّ ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه ما بعد الاستفهام، ولكن يتعلق بالمضمر الذي ذكرنا.
ومثل ذلك قوله: يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [الفرقان/ ٢٢]، فقوله: يوم يرون الملائكة متعلق بما دلّ عليه هذا الكلام من قوله: يحزنون، ولا يتعلق بشيء مما بعد لا* من قوله: لا بشرى يومئذ للمجرمين.
قال: روى «٢» حفص عن عاصم إنكم* في الأعراف مثل نافع؛ وكذلك في العنكبوت، غير أنّهم اختلفوا في الهمز.
فقرأ عاصم بهمزتين، وكذلك حمزة، ولم يهمز ابن كثير، وأبو عمرو، إلّا واحدة، يريد أحمد بن موسى بقوله: إلّا واحدة، أنهم خففوا إحدى الهمزتين، ولم يحقّقوهما كما حقّقهما عاصم وحمزة.
قال: وممّن اكتفى بالاستفهام الأول من الثاني نافع
стр. 1402
والكسائيّ، وكانا يقرءان: أئذا كنا ترابا، إنا لفي خلق جديد [الرعد/ ٥] أءذا متنا وكنا ترابا .. إنا لمبعوثون [الواقعة/ ٤٧] وما كان مثله في القرآن كلّه، إلّا أنّ الكسائيّ همز همزتين ونافع لم يهمز إلّا واحدة.
يريد أحمد بقوله: إلّا أنّ الكسائيّ همز همزتين، أنّه حقّقهما كما يحقّقهما عاصم وحمزة، وخفّف نافع إحداهما «١».
والقول في قوله: أءذا كنا ترابا، إنا لفي خلق جديد:
أنّ إذا متعلق بفعل مضمر يدلّ عليه قوله: إنا لفي خلق جديد* تقديره: أإذا كنّا ترابا نبعث أو نحشر أو نعاد، لأنّ قوله:
إنا لفي خلق جديد*، يدلّ على هذا الضرب من الفعل، ولا يجوز أن يتعلق إذا بجديد؛ لأنّ ما بعد إن لا تعمل «٢» فيما قبلها، كما أنّ ما بعد لام الابتداء، لا يعمل فيما قبلها، وكذلك القول في «٣» قوله: أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون [المؤمنون/ ٨٢].
قال أحمد: وخالف نافعا الكسائيّ في قصة لوط، فكان نافع يمضي على ما أصّل، وكان الكسائيّ يقرأ بالاستفهامين جميعا في قصة لوط: وقد «٤» تقدم ذكر ذلك.
قال أحمد: واختلفا في قوله في العنكبوت: أئنكم
стр. 1403
لتأتون الرجال، فكان نافع يستفهم بالثاني ولا يستفهم بالأول، وكان الكسائيّ يستفهم بهما جميعا.
كل واحد من الاستفهامين جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها إلى شيء، فمن ألحق حرف الاستفهام جملة نقلها به من الخبر إلى الاستخبار، ومن لم يلحقها بقّاها على الخبر.
واختلفا «١» في سورة النمل في قوله: وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا [الآية/ ٦٧].
فقرأ نافع وقال الذين كفروا إئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا باستفهام.
وقرأ الكسائيّ: أئذا كنا ترابا بهمزتين، وآباؤنا إننا بنونين من غير استفهام.
وجه قراءة نافع: إذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا أن إذا* لا بدّ من أن يحمل على فعل، يدلك على ذلك أنّه لا يخلو من أن يترك الكلام على ظاهره؛ فلا يضمر شيء، أو يضمر الفعل؛ ليحمل إذا عليه، فلا يجوز إن ترك «٢» على ظاهره، لأنّ ما بعد الاستفهام. لا يعمل فيما قبله، وكذلك ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها، وقد اجتمع الأمران في قوله: إذا كنا ترابا أئنا.
فإذا لم يجز حمل إذا على شيء من هذا الكلام ظاهر،
стр. 1404
فلا بدّ من إضمار الفعل وتقدير ذلك الفعل: أنبعث أو نحشر، أو نخرج، ودلّك «١» قوله: إنا لمبعوثون* على ذلك، وكذلك قراءة الكسائي: أإذا كنا ترابا، وآباؤنا بهمزتين أيضا، وينبغي أن يقدر فعل في الكلام، يتعلق إذا به، يدلّ على ذلك أنّ إذا لا يجوز تعلّقها بشيء قبلها، لأنّ ما في حيّز الاستفهام ينقطع مما قبله، فلا يتعلق به، ولا يجوز أن يتعلق [ما بعد إنّ من قوله] «٢»: إنّنا، لأنّ إنّ لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، كما أنّ الاستفهام، ولام الابتداء، كذلك. ومثلهما في هذا لا* النافية التي تبنى مع المفرد المنكور على الفتح، نحو: لا رجل؛ فإذا لم يجز تعلّقها بما قبلها، ولا بما بعدها فلا بدّ من فعل مضمر يتعلق به إذا، وهو الفعل الذي تقدّم ذكره، ولا يجوز تعلّق إذا بالفعل الذي بعدها، لأنّها مضافة إليه، ولو جاز ذلك لجاز:
القتال زيدا حين يأتي، يريد: القتال حين يأتي زيدا.
وأمّا قراءته: إننا* بنونين؛ فلأنّه جاء به على الأصل، ومن قرأ: إنا* حذف من النونات واحدة كراهة اجتماع الأمثال والمحذوفة، وهي الوسطى، لأن علامة الضمير لا تحذف.
فإن قلت: إن التكرير إنّما وقع بالتي هي علامة الضمير، فهي لذلك أولى بالحذف. قيل: إنه* وإن كان كذلك لم يحذف، لأنّها لم تحذف في موضع، ونظير ذلك في أن الحذف وقع في غير الآخر قولهم: في تحقير ذا* ذيّا حذف
стр. 1405
الأول من الأمثال، وكان أصله: ذييّا، فلم تحذف الياء للتحقير، ولم تحذف التي هي لام لما كان يلزم من تحريك ياء التحقير، وهي لم تحرّك في موضع.
قال «١»: وقرأ ابن عامر ضدّ قراءة نافع والكسائي في عامة ذلك، فكان لا يستفهم بالأول ويستفهم بالثاني، ويهمز همزتين في كلّ القرآن إلّا في حرفين.
[قال أبو علي] «٢»: إلحاق حرف الاستفهام الأول نحو:
أءذا كنا ترابا ... إنا لمبعوثون أحسن لأمرين:
أحدهما: أنّ قوله: لمبعوثون* «٣»، لمّا كان يدلّ على يبعث ونحوه مما يتعلق إذا* به صار كجزء من الكلام الذي دخل عليه حرف الاستفهام.
والآخر: أنّ الكلام الأول إذا دخل عليه الاستفهام قد ذكر حرفه، وأريد في الكلام الثاني كان أحسن لأنّه على الاستفهام أدلّ.
ووجه قول ابن عامر: أنّ الدلالة مما تذكر بعد قد يكون كالدّلالة فيما يذكر قبل، ألا ترى أنّ من قرأ: ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم [آل عمران/ ١٨٠] إنما يريد: لا تحسبنّ بخل الذين يبخلون؛
стр. 1406
فأضمر البخل لدلالة ما يجيء من بعد عليه في «١» قوله:
يبخلون فكذلك الاستفهام إذا ذكر حرفه بعد، يدل على إرادته فيما تقدمه.
ووجه قراءة ابن عامر في الواقعة: أإذا متنا وكنا ترابا أئنا [الآية/ ٤٧]. فعلق إذا* بالمضمر على ما تقدّم، وقراءته في النازعات: أئنا لمردودون في الحافرة. إذا كنا [الآية/ ١٠ - ١١] فإنّ قوله إذا* إذا لم يدخل عليه حرف الاستفهام، جاز تعلقه بقوله: مردودون، وإذا «٢» ألحق إذا حرف الاستفهام، لم يكن بدّ من إضمار فعل.
قال: وقرأ في النمل غير ذلك: وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا إننا لمخرجون [الآية/ ٦٧]، كقراءة الكسائي، ومضى في العنكبوت على ما أصّل من ترك الاستفهام في «٣» الأول.
قوله: إذا كنا ترابا* ينبغي أن يتعلق بمضمر على نحو «٤» ما تقدّم به القول في نحوه.
[الاعراف: ٧٥]
قرأ ابن عامر في الأعراف [٧٥] في قصة صالح: وقال الملأ الذين استكبروا بإثبات الواو، وكذلك هي في مصاحفهم.
стр. 1407
وقرأ الباقون بغير واو، وكذلك هي في مصاحفهم «١».
قد قلنا فيما تقدّم في نحو هذه الواو أنّ إثباتها حسن وحذفها حسن.
[الاعراف: ٩٦]
كلّهم قرأ لفتحنا عليهم [الأعراف/ ٩٦] خفيفة غير ابن عامر، فإنّه قرأ لفتحنا عليهم مشددة التاء «٢».
قد تقدّم القول في هذا.
[الاعراف: ٩٨]
اختلفوا في فتح الواو وإسكانها من قوله تعالى «٣»: أوأمن [الأعراف/ ٩٨].
فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: أو أمن بإسكان «٤» الواو.
وروى ورش عن نافع أو امن «٥» يفتح «٦» ويدع الهمزة، ويلقي حركتها على الواو.
وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: أو أمن بتحريك الواو، غير أن ابن كثير كان ينصب الواو في الصافات [١٧] والواقعة [٤٨].
وكان نافع وابن عامر يقفانها في الثلاثة المواضع «٧».
стр. 1408
[قال أبو علي] «١»: أو: حرف استعمل على ضربين:
أحدهما: أن يكون بمعنى أحد الشيئين أو الأشياء في الخبر والاستفهام.
والآخر: أن يكون للإضراب عمّا قبلها في الخبر والاستفهام، كما أنّ «أم» المنقطعة في الاستفهام، والخبر كذلك.
فأمّا «أو» «٢» التي تكون لأحد الشيئين أو الأشياء، فمثاله في الخبر: زيد أو عمرو جاء، وزيد أو عمرو ضربته كما تقول:
أحدهما جاء، وأحدهما ضربته، وهي إذا كانت للإباحة، كذلك أيضا، وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، ويدلّك على أنّها ليست بمعنى الواو أنّه إذا جالس أحدهما؛ فقد ائتمر للأمر، ولم يخالفه، وإنّما جاز له الجمع بين مجالستهما من حيث كان كلّ واحد منهما مجالسته بمعنى مجالسة الآخر، ليس من حيث كانت «أو» بمعنى الواو، وقول الشاعر «٣»:
وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرّت
«٤» السّوح إنّما حسن له استعمال أو، مع أنّه لا يجوز: سيّان
стр. 1409
أحدهما؛ أنّه رأى نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ فيجوز له أن يجمع بين مجالستهما.
وأمّا «أو» التي تجيء للإضراب بعد الخبر والاستفهام، فكقولك: أنا أخرج، ثم تقول: أو أقيم، أضرب «١» عن الخروج وأثبت الإقامة، كأنّك قلت: لا بل أقيم، كما أنّك في قولك: «إنّها لإبل أم شاء» مضرب عن الأول، ولا تقع بعد أو هذه إلّا جملة، كما لا تقع «٢» بعد «أم» إذا كانت للإضراب إلّا جملة.
ومن ثمّ قال سيبويه: في قوله «٣»: ولا تطع منهم آثما أو كفورا [الإنسان/ ٢٤]، إنّك لو قلت: أو لا تطع كفورا، انقلب المعنى «٤»، وإنّما كان ينقلب المعنى لأنّه إذا قال: لا تطع آثما أو كفورا، فكأنّه قال: لا تطع هذا الضّرب، ولا تطع هؤلاء، وإنّما لزمه أن لا يطيع أحدا «٥» منهما، لأنّ كلّ واحد منهما في معنى الآخر في وجوب ترك الطاعة له، كما جاز له أن يجمع بين مجالسة الحسن وابن سيرين، لأنّ كلّ واحد منهما أهل للمجالسة، ومجالسة كلّ واحد منهما كمجالسة الآخر، ولو قال: لا تطع آثما أو لا تطع كفورا، كان بقوله: أو لا تطع، قد
стр. 1410
أضرب عن ترك طاعة الأوّل، فكان يجوز أن يطيعه، وفي جواز ذلك انقلاب المعنى.
فوجه قراءة من قرأ: أو أمن، أنّه جعل أو للإضراب لا على أنّه أبطل الأوّل، ولكن كقوله «١»: الم، تنزيل الكتاب لا ريب فيه [السجدة/ ١ - ٢]، ثم قال: أم يقولون افتراه [السجدة/ ٣]، فجاء هذا ليبصّروا ضلالتهم، فكأنّ المعنى:
أأمنوا هذه الضروب من معاقبتهم، والأخذ لهم، وإن شئت جعلته أو التي في قولك: ضربت زيدا أو عمرا، كأنّك أردت:
أفأمنوا إحدى هذه العقوبات؟
ووجه قراءة من قرأ: أوأمن أهل القرى [الأعراف/ ٩٨] أنّه أدخل همزة الاستفهام على حرف العطف، كما دخل في نحو قوله: أثم إذا ما وقع [يونس/ ٥١].
وقوله: أوكلما عاهدوا عهدا [البقرة/ ١٠٠].
ومن حجة من قرأ ذلك: أنّه أشبه بما قبله وما بعده، ألا ترى أنّ قبله: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا وبعده أفأمنوا مكر الله [الأعراف/ ٩٩] أولم يهد للذين يرثون الأرض [الأعراف/ ١٠٠]، فكما أنّ هذه الأشياء، حروف عطف دخل عليها حرف الاستفهام، كذلك يكون قوله: أوأمن.
[الاعراف: ١٠٥]
اختلفوا في تشديد الياء وتخفيفها من قوله جلّ وعزّ:
حقيق علي أن لا أقول [الأعراف/ ١٠٥].
стр. 1411
فقرأ نافع وحده: حقيق على أن لا أقول بتشديد الياء ونصبها.
وقرأ الباقون بتخفيف الياء وهي مرسلة «١».
حجة نافع «٢» في قوله «٣»: حقيق علي وإيصاله له بعلي* أنّه يسوغ من وجهين:
أحدهما: أنّ «حقّ» الذي هو «٤» فعل، قد تعدّى بعلى، قال: فحق علينا قول ربنا [الصافات/ ٣١]، وقال: فحق عليها القول [الإسراء/ ١٦]، فحقيق يتصل بعلى من هذا الوجه.
والوجه «٥» الآخر: أنّ حقيق بمعنى واجب، فكما أنّ وجب يتعدى بعلى، كذلك تعدى حقيق به إذا أريد به ما أريد بواجب.
وأمّا من قرأ: حقيق على فجاز تعدّيه «٦» بعلى من الوجهين اللّذين ذكرنا.
وقد قالوا: هو حقيق بكذا، فيجوز على هذا أن يكون «٧»
стр. 1412
على بمنزلة الباء تقول: «حقيق على أن». فتضع على موضع الباء.
قال أبو الحسن: قال «١»: ولا تقعدوا بكل صراط توعدون [الأعراف/ ٨٦]، فكما وقعت الباء في قوله: بكل صراط توعدون موقع على، كذلك وقعت على موقع الباء في قوله: حقيق على أن لا.
قال: والأول أحسنهما عندنا «٢»، يعني: حقيق على أن لا بالألف غير مضاف إلى المتكلم.
قال: لأنّ حقيق على، معناها الباء، أي حقيق بذا، قال:
وليس ذلك بالمقيس لو قلت: ذهبت على زيد، وأنت تريد بزيد؛ لم يجز، قال «٣»: وجاز في علي* «٤» لأنّ القراءة قد وردت به.
[الاعراف: ١١١]
اختلفوا في الهمز وإسقاطه من قوله تعالى «٥»: قالوا أرجه وأخاه [الأعراف/ ١١١].
فقرأ ابن كثير أرجئهو وأخاه مهموز بواو بعد الهاء في اللّفظ، وقرأ أبو عمرو مثله، غير أنّه كان يضم الهاء ضمة من غير أن يبلغ بها الواو، وكانا يهمزان مرجئون [التوبة/ ١٠٦] وترجئ من تشاء [الأحزاب/ ٥١].
стр. 1413
وقرأ نافع [وحده] «١» أرجه وأخاه بكسر الهاء، ولا يبلغ بها الياء، ولا يهمز. هذه رواية المسيّبي وقالون.
وروى ورش عنه: أرجهي وأخاه يصلها بياء، ولا يهمز بين الجيم والهاء، وكذلك قال إسماعيل بن جعفر عن نافع.
وقال خلف وابن سعدان عن إسحاق عن نافع أنّه وصل «٢» الهاء بياء.
وقرأ ابن عامر: أرجئه وأخاه في رواية هشام بن عمار مثل أبي عمرو.
وفي رواية ابن ذكوان: كسرها بالهمز، وكسر الهاء «٣» أرجئه، وهمز مرجئون وترجئ، وهذا غلط، لا يجوز كسر الهاء مع الهمز «٤»، وإنما يجوز إذا كان قبلها ياء ساكنة أو كسرة.
واختلف عن عاصم فروى هارون بن حاتم عن حسين الجعفيّ عن أبي بكر عن عاصم أنّه قرأ مثل أبي عمرو أرجئه مهموزا.
وقال خلف عن يحيى عن أبي بكر أنه ربما كان همزها ورفع الهاء.
стр. 1414
وحدّثني محمد بن الجهم عن ابن أبي أميّة عن أبي بكر عن عاصم أرجئه مهموز «١» ساكنة الهاء.
وقال محمد بن الجهم فيما نحسب- شكّ ابن الجهم-:
بهمز «٢» الألف التي قبل الراء.
وقال إبراهيم بن أحمد الوكيعي عن أبيه عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم: أرجئه مهموز «٣» جزم. حدّثني موسى بن إسحاق القاضي، عن أبي هشام عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم: أرجه جزم «٤» بغير همز.
وكذلك روى خلف عن يحيى عنه جزم «٤».
وكذلك حدثني عبد الله بن شاكر عن يحيى عن أبي بكر:
بجزم الهاء، والكسائي عن أبي بكر [عن عاصم] «٦»: بجزم الهاء، ولم يذكر هو «٧» الهمز.
[قال الأعشى عن أبي بكر عن عاصم أرجه بغير همز، ويهمز مرجئون ولا يهمز ترجي أبو البحتري عن يحيى عن أبي بكر عنه أنه لا يهمز ترجي ولا مرجون] «٨».
стр. 1415
و «١» قال هبيرة عن حفص عن عاصم: أنه جزم الهاء في الأعراف، وجرّها في الشعراء [٣٦].
وقال غير هبيرة عن حفص: أرجه جزم «٢» ولا يهمز مرجون وترجى وفي الشعراء أرجه جزم «٢»، وكذلك قال وهيب [بن عبد الله] «٤» عن الحسن بن مبارك عن أبي حفص عمرو بن الصباح «٥» عن أبي عمر عن عاصم.
وقرأ حمزة والكسائي أرجه وأخاه.
واختلفا في الهاء؛ فأسكنها حمزة مثل عاصم، ووصلها الكسائي بياء فقال «٦» أرجهي وأخاه «٧».
قال أبو زيد: أرجأت الأمر إرجاء: إذا أخّرته، فقوله:
أرجئه. أفعله من هذا، وضمّ الهاء مع الهمزة لا يجوز غيره، وأن لا يبلغ الواو أحسن لأنّ الهاء خفيّة، فلو بلغ بها الواو لكان كأنّه قد جمع بين «٨» ساكنين، ألا ترى أنّ من قال: ردّ يا فتى،
стр. 1416
فضمّ، فإنّه إذا وصل بالدّال الضمير «١» المؤنث قال: ردّها، ففتح، كما تقول: ردّا، لخفاء الهاء، فكذلك أرجئه لا ينبغي أن يبلغ بها الواو، فيصير كأنّه جمع بين ساكنين.
ومن قال: أرجئهو فألحق الواو، فلأنّ الهاء متحركة ولم يلتق ساكنان، لأنّ الهاء فاصل، فقال: أرجئهو كما تقول:
اضربهو قبل، ولو كان مكان الباء حرف لين لكان وصلها بالواو أقبح، نحو: عليهو «٢»، لاجتماع حروف متقاربة مع أن الهاء، ليس بحاجز قوي في الفصل، واجتماع المتقاربة في الكراهة كاجتماع الأمثال.
قال: وقرأ نافع: أرجه وأخاه بكسر الهاء، ولا يبلغ بها الياء، ولا يهمز. هذه رواية المسيّبي وقالون.
وروى ورش: أرجهي يصلها بياء، ولا يهمز بين الجيم والهاء.
وكذلك قال إسماعيل بن جعفر.
[قال أبو علي] «٣»: وصل الهاء بياء إذا قال: أرجهي لأنّ هذه الهاء توصل في الإدراج بواو أو ياء، نحو: بهو أو «٤» بهي وضربهو، ولا تقول في الوصل: به، ولا به، ولا ضربه
стр. 1417
حتّى. تشبع فتقول: بهو فاعلم، وبهي داء، أو: بهو داء، إلّا في ضرورة شعر كقوله «١»:
وما له من مجد تليد قال «٢»: وقرأ «٣» ابن عامر: أرجئه وأخاه في رواية هشام ابن عمّار مثل أبي عمرو، وفي رواية ابن ذكوان كسرها بالهمز.
[قال أبو علي] «٤»: كسر الهاء مع الهمز غلط، لا يجوز، وإنّما يجوز إذا كان قبلها ياء ساكنة أو كسرة، ولو خفّف الهمزة فقلبها ياء فقال: أرجيه، فكسر الهاء؛ لم يستقم، لأنّ هذه الياء في تقدير الهمزة؛ فكما لم يدغم نحو: رؤيا، إذا خفّفت «٥» الهمزة، لأنّ الواو في تقدير الهمزة، كذلك لا يحسن «٦» تحريك الهاء بالكسر مع الياء المنقلبة عن الهمز «٧».
وقياس من قال: ريّا، فأدغم، أن يحرّك الهاء أيضا بالكسر، وعلى هذا المسلك قول من قال: أنبيهم [البقرة/ ٣٣] إذا كسر الهاء مع قلب الهمزة ياء.
стр. 1418
قال: واختلف عن عاصم، فروى هارون بن حاتم عن حسين الجعفي عن أبي بكر عن عاصم أنّه قرأ مثل قراءة «١» أبي عمرو أرجئه مهموز «٢».
وقال خلف عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم «٣» أنه كان «٤» ربّما همزها ورفع الهاء.
وروى أبان عن عاصم: أرجه جزم «٥»، [قال أبو علي] «٦»: وهذا لأنّه قد جاء في أرجأت لغتان: أرجأت، وأرجيت، وإذا «٧» قال: أرجه كان من أرجيت.
[الاعراف: ١١٢]
اختلفوا في قوله جلّ وعزّ: يأتوك بكل ساحر عليم [الأعراف/ ١١٢].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر في الأعراف وفي يونس [٧٩]: بكل ساحر عليم بالألف «٨» قبل الحاء. وقرءوا في [الشعراء/ ٣٧] سحار* بألف بعد الحاء.
стр. 1419
وقرأ حمزة والكسائيّ ثلاثتهنّ سحار* بألف بعد الحاء «١».
[قال أبو علي] «٢»: من حجة من قال: ساحر قوله:
ما جئتم به السحر [يونس/ ٨١]، والفاعل من السّحر، ساحر يدلّك «٣» على ذلك قوله: فألقي السحرة ساجدين [الأعراف/ ١٢٠]. ولعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم ..
[الشعراء/ ٤٠].
والسّحرة جمع ساحر، ككاتب وكتبة، وفاجر وفجرة.
ومن حجّتهم: سحروا أعين الناس [الأعراف/ ١١٦]، واسم الفاعل على سحروا: ساحر.
ومن حجّة من قال: سحار*، أنّه قد وصف بعليم، ووصفه به يدلّ على تناهيه فيه، وحذقه به؛ فحسن لذلك أن يذكروا بالاسم الدّالّ على المبالغة في السحر.
[الاعراف: ١١٣]
اختلفوا في الاستفهام والخبر «٤» في قوله: أئن لنا لأجرا [الأعراف/ ١١٣].
فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية حفص هاهنا إن لنا لأجرا مكسورة الألف على الخبر، وفي الشعراء: آين لنا
стр. 1420
[الآية/ ٤١] ممدودة مفتوحة الألف غير أنّ حفصا روى عن عاصم في الشعراء أئن لنا لأجرا بهمزتين.
وقرأ أبو عمرو آئن لنا ممدودة في السورتين.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر فيما أرى وحمزة والكسائي بهمزتين. في الموضعين جميعا «١».
[قال أبو علي] «٢»: الاستفهام أشبه في هذا الموضع «٣»، لأنّهم يستعلمون «٤» عن الأجر، وليس يقطعون على أنّ لهم الأجر.
ويقوي ذلك إجماعهم في الشعراء، وربّما حذفت همزة الاستفهام.
قال أبو الحسن في قوله «٥» وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل [الشعراء/ ٢٢]، أنّ من الناس من يذهب إلى أنّه على الاستفهام، وقد جاء ذلك في الشعر قال «٦»:
стр. 1421
أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذودا شصائصا نبلا
وهذا أقبح من قوله «١»:
وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر ... أتوني فقالوا من ربيعة أم
«٢» مضر لأنّ أم قد تدلّ على الهمزة.
[الاعراف: ١١٧]
كلّهم قرأ: تلقف* بتشديد القاف إلّا عاصما؛ فإنّه قرأ:
تلقف ساكنة اللّام خفيفة القاف «٣» [الأعراف/ ١١٧].
أبو عبيدة: تلقف، وتلقم واحد، قال: ما يأفكون ما يسحرون «٤».
وما روي عن عاصم من «٥» قراءته: تلقف ينبغي أن يكون مضارع لقف* مثل لقم يلقم.
وروى ابن أبي بزّة وعبد الوهاب بن فليح، بإسنادهما عن ابن كثير فإذا هي تلقف* مشددة التاء.
وكان قنبل يروي عن القواس بإسناده عن ابن كثير أنّه قرأ
стр. 1422
تلقف* «١» خفيفة التاء مشددة القاف في هذه وأخواتها، في كلّ القرآن «٢».
كأنّه لفظ بها بألف ولام، هي تلقف*، فإذا ابتدأت تلقف* ابتدأت بها خفيفة التاء، ولا يمكن غير ذلك.
[قال أبو علي] «٣» وجه ما روي عن ابن كثير: فإذا هي تلقف* أنّه أدغم بالتاء «٤»، فسكنت المدغمة ولو كان هذا في الماضي، لاجتلبت له همزة الوصل مثل: فادارأتم فيها «٥» [البقرة/ ٧٢]، وازينت [يونس/ ٢٤]، ولكن همزة الوصل، لا تجتلب في المضارع لمشابهتها «٦» اسم الفاعل، وإن آخره معرب.
فإذا ابتدأ بها قال «٧»: تلقف* يثبت «٨» التاء التي للمضارعة، ويحذف التاء التي للمطاوعة في تفعّل، وليس القياس أن تجتلب في المعرب همزة الوصل، والأسماء التي
جاء ذلك فيها وليست بجارية على الأفعال شاذّة في «٩» القياس قليلة.
стр. 1423
[الاعراف: ١٢٣]
اختلفوا في قوله جلّ وعزّ: قال فرعون آمنتم به [الأعراف/ ١٢٣].
فقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر أآمنتم به بهمزة ومدة على الاستفهام «١».
قياس قول أبي عمرو: أآمنتم بهمزة مفتوحة بعدها ألف، والألف التي بعدها هي الألف التي تفصل بها بين الهمزتين، كما يفصل بين النونات في «اخشينانّ» والهمزة الثانية التي بعد هذه الألف هي همزة أفعل في قولك: أأمن، والألف بعدها هي المنقلبة عن الفاء التي هي همزة لاجتماع همزتين في: أأمن أوقعت الألف بعد الهمزة المخففة، كما وقعت بعد الهمزة. [إذا قلت] «٢»: اقرأ آية «٣» فحققت الهمزتين جميعا، هذا «٤» قياس قوله، إلّا أنّه يشبه أن يكون ترك قياس قوله هاهنا؛ لما كان يلزم من «٥» اجتماع المتشابهة؛ فترك الألف التي تدخل بين الهمزتين في نحو: «آأنت» «٦». وخفف الهمزة الثانية، التي هي همزة أفعل من أأمن «٧»، وبعدها الألف المنقلبة عن الهمزة التي هي فاء، يدلّ على ذلك قولهم فيما ترجموا عنه بهمزة ومدّة على الاستفهام، وكذلك ما ترجموا عنه من قولهم.
стр. 1424
وكذلك في طه [٧١]، والشعراء [٤٩] في تقدير همزة بعدها ألفان.
فالهمزة همزة الاستفهام، والألفان الأولى منهما: الهمزة المخففة التي هي في أفعلتم والثانية المنقلبة عن الفاء.
قال: وقال البزيّ عن أبي الإخريط «١» عن ابن كثير قال فرعون وآمنتم [الأعراف/ ١٢٣]. بواو بعد النون بغير همزة «٢».
القول فيه: أنّه أبدل من همزة الاستفهام اللاحقة لأفعلتم، واوا لانضمام ما قبلها، وهي النون المضمومة في قوله: فرعون، وهذا في المنفصل كالمتصل في تودة، فقوله:
.. ن وا .. مثل: تود من تودة «٣»، وقوله: بغير همزة يريد بغير همزة بعد الواو المنقلبة عن همزة الاستفهام، يريد أنّه خفّف همزة أفعلتم، من آمنتم فجعلها بين الهمزة والألف، وهذا على قول أهل الحجاز؛ لأنّهم يخفّفون الهمزتين إذا اجتمعتا، كما يخففون الواحدة.
قال أحمد بن موسى: قال قنبل عن القواس مثل رواية البزيّ عن أبي الإخريط، غير أنّه كان يهمز بعد الواو «٤».
стр. 1425
قال أبو علي: همز بعد الواو لأنّ هذه الواو هي منقلبة عن همزة الاستفهام وبعد همزة الاستفهام همزة أفعلتم، فحقّقها ولم يخفّفها كما خفّف في القول الأول لمّا خفف الأولى حقّق الثانية.
ووجهه [أن الأول لما زال عن لفظة الهمزة] «١» بانقلابها واوا حقّق الهمزة بعدها، لأنّه لم يجتمع همزتان.
ووجه القول الأول أنّ الواو لمّا كان انقلابها عن الهمزة في تخفيف قياسي كان في حكم الهمزة، فلم تحقّق معها الثانية، كما لا تحقق مع الهمزة نفسها، لأنّ الواو في حكمها، كما أنّها لما كانت في حكمها في قولهم: رويا* في تخفيف رؤيا* لم يدغموها في الياء، كما لم تدغم الهمزة فيها، وكما جعلوا الواو في حكم الهمزة في رويا، فلم «٢» تدغم كذلك جعل «٣» الواو في قوله نوا* من قوله «٤» قال فرعون وامنتم في حكم الهمزة؛ فخفف الهمزة الثانية التي «٥» في أفعلتم.
قال أحمد: وقال قنبل في طه: ءامنتم [٧١] بلفظ الخبر من غير مدّ «٦».
[قال أبو علي] «٧»: وجه الخبر فيه أنّه يخبرهم بإيمانهم على وجه التقريع لهم بإيمانهم والإنكار له عليهم.
стр. 1426
ووجه الاستفهام أنّه استفهام على وجه التقرير «١»، يوبّخهم به وينكره «٢» عليهم.
قال قنبل في الشعراء: قال: أآمنتم مثل أبي عمرو ويمدّ.
[قال أبو علي] «٣»: يريد أنّه يزيد الاستفهام، فألحق همزة الاستفهام وخفف همزة أآمنتم وهي الهمزة التي بعد همزة الاستفهام، وتخفيفها أن تجعل بين بين.
وقرأ حمزة والكسائيّ في المواضع الثلاثة: أآمنتم بهمزتين، الثانية ممدودة «٤».
[قال أبو علي] «٥»: حقّقا الهمزتين على ما يريانه من تحقيقهما، والهمزة الثانية ممدودة لأنّ الهمزة الثانية تتصل بها الألف المنقلبة عن الهمزة التي هي فاء في الأمر.
وما بعد هذا روايات لا عمل فيها.
[الاعراف: ١٢٧]
اختلفوا في التخفيف والتشديد من قوله «٦»:
سنقتل أبناءهم [الأعراف/ ١٢٧] ويقتلون أبناءكم [الأعراف/ ١٤١].
فقرأ ابن كثير: سنقتل خفيفة، ويقتلون مشددة؛
стр. 1427
وشدّدهما جميعا أبو عمرو وعاصم وابن عامر، وحمزة، والكسائيّ، وخفّفهما جميعا نافع، يقتلون* وسنقتل [بالتخفيف] «١» «٢».
[قال أبو علي] «٣» التثقيل حسن. لأنّه يراد به الكثير «٤»، والتثقيل لذا المعنى أخصّ، والتخفيف يقع على التكثير، وغيره؛ فمن خفّف فلأنّه يصلح للتكثير أيضا، ومن جمع بين التخفيف والتثقيل كان آخذا بالوجهين.
[الاعراف: ١٢٨]
وقرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائيّ: يورثها [١٢٨] ساكنة الواو خفيفة الراء، وكذلك في مريم [٦٣].
واختلف عن عاصم فروى أبو بكر عنه: يورثها خفيفة مثل حمزة.
وأخبرني الخزّاز-[أحسبه] «٥» أحمد بن علي- عن هبيرة عن حفص عن عاصم يورثها مشدّدة الراء، ولم يروها [عن عاصم] «٦» عن حفص غير هبيرة، وهو غلط، والمعروف عن عاصم «٧» يورثها خفيفة. وفي سورة مريم لم يختلفوا في قوله: تلك الجنة التي نورث [الآية/ ٦٢]، أنّها خفيفة «٨».
стр. 1428
قال أبو علي: حجة «١» التخفيف قوله: وأورثكم أرضهم وديارهم [الأحزاب/ ٢٧]، وقوله: كذلك وأورثناها قوما آخرين [الدخان/ ٢٨]، وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون [الأعراف/ ١٣٧] .
ووجه التشديد أنّك تقول: ورث زيد مالا، وفي التنزيل:
وورثة أبواه [النساء/ ١١]؛ فهو متعدّ فنقول «٢» في نقله بالهمزة وبتضعيف العين والتخفيف أولى لمجيء التنزيل عليه.
قال أبو زيد: ورث الرجل أباه يرثه وراثة، وميراثا، وورثا، وأورث الرجل ابنه مالا إيراثا حسنا، وورّث الرجل بني فلان ماله توريثا، وذلك إذا أدخل في ماله على ورثته من ليس منهم، فجعل له نصيبا.
قال أبو علي: فالقراءة بالتثقيل على وجه ما حكاه أبو زيد، وحملها عليه بعيد، ولكنّه يكون على قول الأعشى «٣»:
مورّثة مالا وفي الحي رفعة
[الاعراف: ١٣٧]
واختلفوا «٤» في ضمّ الراء وكسرها من قوله تعالى «٥»:
стр. 1429
يعرشون [الأعراف/ ١٣٧]-[النحل/ ٦٨].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم يعرشون بكسر الراء، وفي النحل مثله.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر بضم الراء فيهما.
[الاعراف: ١٣٨]
واختلفوا «١» في ضم الكاف وكسرها من قوله :
يعكفون [الأعراف/ ١٣٨] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يعكفون بضم الكاف.
وروى عبد الوارث عن أبي عمرو يعكفون بكسر الكاف.
وقرأ حمزة والكسائي: يعكفون «٢».
[قال أبو علي] «٣»: كل واحد من الضمّ والكسر؛ في عيني الكلمتين لغة، ومثل: يعكف، ويعكف، ويعرش، ويعرش، قولهم: يحشر ويحشر، ويفسق، ويفسق.
قال أبو عبيدة: يعرشون* أي يبنون «٤»، والعرش في هذا الموضع: البناء، ويقال: عرش مكة أي: بناؤه «٥».
стр. 1430
وقال أبو الحسن: يعرشون ويعرشون لغتان، وكذلك يبطش ويبطش، ويحشر ويحشر، ويعكف ويعكف، وينفر وينفر.
[الاعراف: ١٤٣]
واختلفوا «١» في المدّ والقصر [في قوله جلّ وعزّ] «٢»:
دكا [الأعراف/ ١٤٣].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وابن عامر: جعله دكا منونة مقصورة هاهنا «٣» وفي الكهف [٩٨] مثله «٤».
وقرأ عاصم في الأعراف: دكا منونة مقصورة، [وقرأ في] «٥» الكهف [٩٨]: دكاء ممدودة غير منونة.
وقرأ حمزة والكسائي: دكاء في الموضعين ممدودة غير منوّنة «٦».
قال أبو زيد: دككت على الميّت التراب أدكّه دكّا: إذا دفنته، وهلت عليه التراب أهيله هيلا، وهما واحد، ودككت الرّكيّة دكا: إذا دفنتها، ودكّ الرجل فهو مدكوك: إذا مرض.
قال «٧» أبو عبيدة: جعله دكا أي: مندكا، والدّكّ والدكّة مصدر، وناقة دكّاء ذاهبة السّنام، والدك: المستوي، وأنشد للأغلب:
стр. 1431
هل غير غار دكّ غارا فانهدم «١» قال «٢» أبو الحسن: جعله دكا لأنّه لمّا قال: جعله كأنّه قال: دكّه، أو أراد جعله ذا دكّ، ويقال: دكّاء: جعلوها كالناقة «٣» الدكّاء التي لا سنام لها «٤»؛ فكأنّه «٥» بقي أكثره، قال «٦»: والأوّل أكثر القراءتين.
[قال أبو علي] «٧»: والمضاف محذوف على قول «٨» أبي الحسن.
وفي التنزيل: وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة [الحاقة/ ١٤]، وفيه: كلا إذا دكت الأرض دكا دكا [الفجر/ ٢١].
[الاعراف: ١٤٤]
اختلفوا في الجمع والتوحيد من قوله تعالى «٩»:
برسالاتي [الأعراف/ ١٤٤].
стр. 1432
فقرأ ابن كثير ونافع برسالتي واحدة، وقرأ الباقون برسالاتي جماعة «١».
الرسالة تجري مجرى المصدر، فتفرد في موضع الجمع، وإن لم يكن المصدر من «أرسل» يدلّك على أنّه جار مجراه قول الأعشى «٢».
غزاتك بالخيل أرض العدوّ* وجذعانها كلفيظ العجم فإعماله إيّاه إعمال المصدر، يدلّك على ذلك أنّه يجري مجراه، والمصدر قد يقع لفظ الواحد منه، والمراد به الكثرة.
قال «٣»:
فقتلا بتقتيل وضربا بضربكم* جزاء العطاس لا ينام من اتّأر [فكان المعنى على الجميع] «٤» لأنّه مرسل بضروب من الرسالة، والمصادر قد تجمع مثل الحلوم والألباب «٥».
وقال «٦»: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير
стр. 1433
[لقمان/ ١٩]، فجمع الأصوات لمّا أريد بها أجناس مختلفة صوت الحمار بعضها، وأفرد صوت الحمار، وإن كان المراد به الكثرة؛ لأنّه ضرب واحد.
[الاعراف: ١٤٦]
اختلفوا في التخفيف والتثقيل من قوله [جلّ وعزّ] «١»:
وإن يروا سبيل الرشد [الأعراف/ ١٤٦].
فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر سبيل الرشد بضم الراء خفيفة.
وقرأ حمزة والكسائيّ: سبيل الرشد مثقّلة بفتح الراء والشين.
وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائيّ في الكهف: مما علمت رشدا [الآية/ ٦٦] مضمومة الراء خفيفة.
وقرأ أبو عمرو رشدا* مفتوحة الراء خفيفة.
وقرأ ابن عامر رشدا* مضمومة الراء والشين ثقيلة.
هكذا في كتابي عن ابن ذكوان رشدا* بضم الراء والشين.
ورأيت في رواية غيره رشدا* خفيفة الشين موقوفة أخبرني بذلك أحمد بن يوسف [التغلبي] عن عبد الله بن ذكوان عن أيوب بن تميم عن يحيى بن الحارث عنه.
وروى هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر رشدا بضم الراء موقوفة الشين خفيفة «٢».
стр. 1434
قال أبو علي: الرشد، والرّشد؛ حكي أنّ أبا عمرو فرّق بينهما، فقال الرّشد: الصلاح، والرّشد: الدين، مثل قوله مما علمت رشدا [الكهف/ ٦٦].
قال [أبو علي] «١»: وقد جاء: فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا [الجن/ ١٤]، فهذا في الدين وكذلك: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا [الكهف/ ٦٦]، وهيئ لنا من أمرنا رشدا [الكهف/ ١٠]؛ فهذا كله في الدين، وهذه التي في الأعراف يجوز أن يكون «٢» يعني به الدين. كأنّ المعنى: وإن يروا سبيل الخير زاغوا عنه، وعدلوا فلم يتخذوه سبيلا، أي لم يأخذوا به. وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا، ألا تراه يقول: ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا، ومقابلته بالغيّ يدلّ على الضلالة والزيغ عن طريق الدين والهدى.
وقال: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر/ ٤٢]، والتي في سورة «٣» النساء في قوله: فإن آنستم منهم رشدا، فادفعوا إليهم أموالهم [الآية/ ٦] فمن إصلاح المال والحفظ له، وقد جاء الرّشد في غير الدين. قال «٤»:
стр. 1435
حنّت إلى نعم الدّهنا فقلت لها ... أمّي هلالا على التوفيق
«١» والرّشد ويدلّ على تقوية قول أبي عمرو في فصله بين الرّشد والرّشد، وأنّه ليس بلغتين على حدّ العجم والعجم، والعرب والعرب، ونحو ذلك: أن سيبويه قال: بعضهم يقول: البخل كالفقر، والبخل كالفقر، وبعضهم يقول: البخل كالكرم، فلم يحمل البخل والبخل على مثال «٢»: العجم والعجم والثّكل والثّكل، وكذلك «٣» الرّشد والرّشد.
[الاعراف: ١٤٨]
واختلفوا «٤» في ضمّ الحاء وكسرها من قوله تعالى «٥»:
من حليهم [الأعراف/ ١٤٨].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم من حليهم بضم الحاء.
وقرأ حمزة والكسائي: من حليهم بكسر الحاء، وكلّهم شدّد الياء «٦».
الواحد من الحليّ: حلي، وجمعه: حليّ، ومثله: ثدي وثديّ، ومن الواو: حقو وحقيّ قال «٧»:
стр. 1436
يسهّد من نوم العشيّ سليمها ... لحلي النّساء في يديه قعاقع
قال: لحلي النساء على أحد أمرين: إمّا على حدّ قوله «١»:
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا وقوله: «٢» قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس «٣» أو يكون على حدّ قوله: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم/ ٣٤ - النحل/ ١٨] فيريد به الكثرة، [أمّا فعول فإنّه يكون مفردا، ويكون جمعا. فإذا كان مفردا. جاء على ضربين: أحدهما أن يكون مصدرا وهو العام الكثير، مثل:
القعود والدخول والمضيّ.
وقد جاء اسما في قولهم: الأتيّ والسّدوس «٤».
стр. 1437
وإذا كان جمعا كان على ضربين: أحدهما أن يكون جمعا للثلاثة مثل: كعب وكعوب، والآخر أن يكون لما زاد على الثلاثة نحو: شاهد وشهود، وحاضر وحضور؛ فإذا كان جمعا للثلاثة، فالثلاثة المجموع بها على ضربين: صحيح ومعتل، ومن المعتل: المجموع على فعول ما كان لامه حرف علة وذلك نحو: ثدي وثدي، وحقو وحقيّ، مما كان من الياء نحو قولهم: حليّ في جمع حلي، فواو فعول قلبت ياء لوقوعها قبل الياء التي هي لام، كما أبدلت واو مفعول من مرميّ لذلك، وأبدلت من ضمة عين فعول كسرة، كما أبدلت ضمّة عين مفعول في: مرميّ، وإن كانت اللام واوا أبدلت منها الياء وذلك نحو: حقو وحقيّ] «١»، وقال الشاعر «٢»:
بريحانة من بطن حلية نوّرت ... لها أرج ما حولها غير مسنت
فإن كان هذا المكان سمّي بواحد حلي، كتمرة، وتمر، كان حلي جمعا، ويكون قوله: لحلي النساء جمعا قد أضيف إلى جمع.
стр. 1438
وقال: أو من ينشأ في الحلية [الزخرف/ ١٨]، وقال:
وتستخرجون حلية تلبسونها [فاطر/ ١٢]، فيجوز أن تكون الحلية إنّما كسرت مع علامة التأنيث، وفتح بلا هاء فقال «١»:
حلي، كما قالوا: البرك للصدر، والبركة قال «٢»:
ولوح ذراعين في بركة وقالوا: كان زياد أشعر «٣» بركا. فأمّا «٤» وجه قول من ضمّ من حليهم؛ فإنّ حليا لا يخلو من أن يكون جمعا على حدّ نخل وتمر، أو مفردا فيكون: حلي وحليّ، كقولهم: كعب وكعوب وفلس وفلوس، إلّا أنّه لما جمع أبدل من الواو الياء؛ لإدغامها في الياء وأبدل من الضمة كسرة كما أبدلت في «٥» مرميّ ومخشيّ، ونحو ذلك. فأمّا الحاء التي هي فاء في الحلي، فإنّها بقيت مضمومة كما كانت مضمومة في: كعوب وفلوس، ويجوز أن يكون جمعا كتمر، وجمع على فعول كما جمع صفا على صفيّ في نحو «٦»:
مواقع الطّير على الصّفيّ
стр. 1439
وممّا يحتمل أن تكون الضمة أبدلت فيه كسرة قولهم:
بكيت، والمحتزن البكيّ «١» فالبكيّ يجوز أن يكون فعيلا، ويكون باك وبكيّ، كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، فالكسرة من «٢» العين على هذا كسرة فعيل، ويجوز أن يكون فعولا، أبدلت الواو منها «٣» ياء، وأبدلت من ضمّتها الكسرة «٤» كقولهم: أدحيّ النّعام، وآريّ الدابة «٥» هما فاعول، إلّا أنّ اللام من أدحيّ واو قلبت ياء، ومن آريّ ياء والكسرة في البناء «٦» مبدلة ضمة.
ووجه قول حمزة والكسائي في كسرهما الحاء من حليهم، هو أنّ المكسر من المجموع «٧» قد غيّر «٨» عمّا كان الواحد عليه في اللفظ والمعنى، كما أن الاسم المضاف إليه كذلك، ألا ترى أنّ الاسم المكسر في الجمع يدلّ بالتكسير
стр. 1440
على الكثرة، وأن الفاء قد غيّر في التكسير كما أن الاسم المضاف إليه كذلك؟ وذلك أنّه بالنّسب صار صفة، وكان قبل اسما، وقد تغيّر في اللفظ بما «١» لحقه من الزيادة؛ فلمّا تغيّر الاسم تغييرين وهو: إبدال الواو ياء وإبدال الضمة كسرة كما غيّر في الإضافة تغييرين، قوي هذا التغيير على تغيير الفاء، كما قوي النسب للتغييرين على حذف الياء من «٢» نحو: حنفي، وجدلي في النسب إلى حنيفة، وجديلة «٣»، وكذلك حليّ وعصيّ.
فإن قلت: فهلّا لزم هذا التغيير في الجمع هاهنا «٤»، كما لزم في النسب؟.
قيل: إنّ النسب قد جاء منه ما لم يغيّر «٥»، وترك على أصله، وذلك قولهم في الإضافة إلى سليقة: سليقي، وإلى عميرة كلب: عميري، فجاء غير مغيّر مع التغييرين اللاحقين للاسم في النسب؛ فكذلك جاء حليّ على الأصل مع هذين «٦» التغييرين اللاحقين للاسم.
وأما «٧» نحو: عصيّ وقنيّ فقد لحقه مع هذين التغييرين اللذين ذكرنا تغيير ثالث، وهو إبدال الواو ياء، وكذلك ما كان