يسهّد من نوم العشيّ سليمها ... لحلي النّساء في يديه قعاقع
قال: لحلي النساء على أحد أمرين: إمّا على حدّ قوله «١»:
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا وقوله: «٢» قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس «٣» أو يكون على حدّ قوله: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم/ ٣٤ - النحل/ ١٨] فيريد به الكثرة، [أمّا فعول فإنّه يكون مفردا، ويكون جمعا. فإذا كان مفردا. جاء على ضربين: أحدهما أن يكون مصدرا وهو العام الكثير، مثل:
القعود والدخول والمضيّ.
وقد جاء اسما في قولهم: الأتيّ والسّدوس «٤».
стр. 1437
وإذا كان جمعا كان على ضربين: أحدهما أن يكون جمعا للثلاثة مثل: كعب وكعوب، والآخر أن يكون لما زاد على الثلاثة نحو: شاهد وشهود، وحاضر وحضور؛ فإذا كان جمعا للثلاثة، فالثلاثة المجموع بها على ضربين: صحيح ومعتل، ومن المعتل: المجموع على فعول ما كان لامه حرف علة وذلك نحو: ثدي وثدي، وحقو وحقيّ، مما كان من الياء نحو قولهم: حليّ في جمع حلي، فواو فعول قلبت ياء لوقوعها قبل الياء التي هي لام، كما أبدلت واو مفعول من مرميّ لذلك، وأبدلت من ضمة عين فعول كسرة، كما أبدلت ضمّة عين مفعول في: مرميّ، وإن كانت اللام واوا أبدلت منها الياء وذلك نحو: حقو وحقيّ] «١»، وقال الشاعر «٢»:
بريحانة من بطن حلية نوّرت ... لها أرج ما حولها غير مسنت
فإن كان هذا المكان سمّي بواحد حلي، كتمرة، وتمر، كان حلي جمعا، ويكون قوله: لحلي النساء جمعا قد أضيف إلى جمع.
стр. 1438
وقال: أو من ينشأ في الحلية [الزخرف/ ١٨]، وقال:
وتستخرجون حلية تلبسونها [فاطر/ ١٢]، فيجوز أن تكون الحلية إنّما كسرت مع علامة التأنيث، وفتح بلا هاء فقال «١»:
حلي، كما قالوا: البرك للصدر، والبركة قال «٢»:
ولوح ذراعين في بركة وقالوا: كان زياد أشعر «٣» بركا. فأمّا «٤» وجه قول من ضمّ من حليهم؛ فإنّ حليا لا يخلو من أن يكون جمعا على حدّ نخل وتمر، أو مفردا فيكون: حلي وحليّ، كقولهم: كعب وكعوب وفلس وفلوس، إلّا أنّه لما جمع أبدل من الواو الياء؛ لإدغامها في الياء وأبدل من الضمة كسرة كما أبدلت في «٥» مرميّ ومخشيّ، ونحو ذلك. فأمّا الحاء التي هي فاء في الحلي، فإنّها بقيت مضمومة كما كانت مضمومة في: كعوب وفلوس، ويجوز أن يكون جمعا كتمر، وجمع على فعول كما جمع صفا على صفيّ في نحو «٦»:
مواقع الطّير على الصّفيّ
стр. 1439
وممّا يحتمل أن تكون الضمة أبدلت فيه كسرة قولهم:
بكيت، والمحتزن البكيّ «١» فالبكيّ يجوز أن يكون فعيلا، ويكون باك وبكيّ، كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، فالكسرة من «٢» العين على هذا كسرة فعيل، ويجوز أن يكون فعولا، أبدلت الواو منها «٣» ياء، وأبدلت من ضمّتها الكسرة «٤» كقولهم: أدحيّ النّعام، وآريّ الدابة «٥» هما فاعول، إلّا أنّ اللام من أدحيّ واو قلبت ياء، ومن آريّ ياء والكسرة في البناء «٦» مبدلة ضمة.
ووجه قول حمزة والكسائي في كسرهما الحاء من حليهم، هو أنّ المكسر من المجموع «٧» قد غيّر «٨» عمّا كان الواحد عليه في اللفظ والمعنى، كما أن الاسم المضاف إليه كذلك، ألا ترى أنّ الاسم المكسر في الجمع يدلّ بالتكسير
стр. 1440
على الكثرة، وأن الفاء قد غيّر في التكسير كما أن الاسم المضاف إليه كذلك؟ وذلك أنّه بالنّسب صار صفة، وكان قبل اسما، وقد تغيّر في اللفظ بما «١» لحقه من الزيادة؛ فلمّا تغيّر الاسم تغييرين وهو: إبدال الواو ياء وإبدال الضمة كسرة كما غيّر في الإضافة تغييرين، قوي هذا التغيير على تغيير الفاء، كما قوي النسب للتغييرين على حذف الياء من «٢» نحو: حنفي، وجدلي في النسب إلى حنيفة، وجديلة «٣»، وكذلك حليّ وعصيّ.
فإن قلت: فهلّا لزم هذا التغيير في الجمع هاهنا «٤»، كما لزم في النسب؟.
قيل: إنّ النسب قد جاء منه ما لم يغيّر «٥»، وترك على أصله، وذلك قولهم في الإضافة إلى سليقة: سليقي، وإلى عميرة كلب: عميري، فجاء غير مغيّر مع التغييرين اللاحقين للاسم في النسب؛ فكذلك جاء حليّ على الأصل مع هذين «٦» التغييرين اللاحقين للاسم.
وأما «٧» نحو: عصيّ وقنيّ فقد لحقه مع هذين التغييرين اللذين ذكرنا تغيير ثالث، وهو إبدال الواو ياء، وكذلك ما كان
стр. 1441
من ذلك جمعا، الآخر منه واو، فإنّه يلزم بدل الواو منه ياء نحو عصيّ وحقي ودليّ؛ فهذا مستمر، إلّا أن يشذّ منه شيء، فيجيء على الأصل نحو ما حكاه من قولهم: إنّكم لتنظرون في نحو كثير «١»، ونحو ما أنشده «٢» أحمد بن يحيى «٣»:
وأصبحت من أدنى حموّتها حما فجاءت الواو في الحموّة مصححة، وكان القياس أن تنقلب ياء من حيث كان جمعا. فأمّا إلحاق «٤» تاء التأنيث له فعلى حدّ عمومة وخيوطة «٥»، وليس لحاق هذه التاء ممّا يمنع القلب، ألا ترى أن الذي يوجب القلب فيه هو أنّه جمع، وما كان من هذا النحو واحدا كالمضيّ والصّلي، مصدر صلي فإنّ الفاء منه، لا تكسر كما كسر في الجموع، لأنّ الواحد لم يتغيّر فيه المعنى كما تغيّر في الجمع.
وحكى أبو عمر عن أبي زيد آوى إليه إويّا، وممّا يؤكد
стр. 1442
كسر الفاء في هذا النحو من الجمع قولهم: قسيّ في «١» جمع قوس، ألا ترى أنّا لا نعلم أحدا يسكن إلى روايته حكى فيه غير الكسر في الفاء؛ فهذا ممّا يدل «٢» على تمكن الكسرة في هذا الباب الذي هو الجمع، وربما أبدلت اللّامات إذا كانت واوات من الأسماء، وليس ذلك على حدّ الإبدال في عصيّ وحقيّ، لو كان على هذا الحدّ للزم هذا الضرب من الآحاد كما لزم الجموع، وإنّما ألزمت الآحاد التغيير، كما لزمت أدل وأحق وأجر، وذلك أنّه لما قرب من الطّرف أبدلت كما أبدل هذا الضرب، وعلى هذا قالوا: مسنيّة «٣»، ومعدي، ومن ذلك قولهم: العتوّ قال تعالى «٤»: وعتوا عتوا كبيرا [الفرقان/ ٢١]؛ فصحّحت، وأبدلت في قوله: أيهم أشد على الرحمن عتيا [مريم/ ٦٩]، وقد بلغت من الكبر عتيا [مريم/ ٨]؛ فهذا مصدر، ولو كان اسما على حد: شاهد، وشهود، للزم فيه البدل كقولهم: الجثيّ في جمع جاث لأنّه من يجثو، ولكنّه أبدل على حدّ مسني ومعديّ، وقالوا «٥»: أنا أجوؤك وأنبؤك، وهو منحدر من الجبل، فأتبعوا الحركة الحركة، فإن «٦» لم يكن في الكلمة تغييران، فهذا التغيير في الجمع على ما قرأه حمزة والكسائي أقوى.
стр. 1443
وأمّا قولهم في جمع: الفتى فتوّ؛ فهو على قول أبي الحسن من باب نحوّ وحموّة «١»، لأنّه يرى أنّه من الواو وفي «٢» قول غيره أذهب في باب الشذوذ.
ألا ترى أنّه إذا قلب ما كان من الواو إلى الياء نحو:
حقي وعصي، فالذي من الياء «٣» أجدر أن يترك على ما هو عليه، فإذا أبدل منها الواو في الجمع مع أنّها من الياء كان على خلاف ما جاء عليه الجمهور والكثرة.
[الاعراف: ١٤٩]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله جلّ وعزّ: لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا [الأعراف/ ١٤٩]، وفي الرفع والنصب من قوله تعالى «٤»: ربنا*.
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم: لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا بالياء والرفع، وقرأ حمزة والكسائي لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا بالتاء ونصب ربنا «٥».
القول في ذلك أنّ من قرأ: لئن لم يرحمنا ربنا جعل الفعل للغيبة، وارتفع ربنا به، وكذلك: ويغفر لنا فيه ضمير ربنا وهو مثل يرحمنا في الإسناد إلى الغيبة.
ومن قرأ: لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا جعل تغفر لنا
стр. 1444
للخطاب، وفيه ضمير الخطاب وربنا* نداء. والذي «١» كان في قراءة من قدمنا قوله فاعلا، وحذف حرف التنبيه معه لأنّ عامة ما في التنزيل من ذلك، يحذف حرف التنبيه منه «٢»، كقوله:
ربنا انك آتيت فرعون وملأه زينة .. ربنا ليضلوا .. ربنا اطمس [يونس/ ٨٨]، ربنا إني أسكنت من ذريتي [إبراهيم/ ٣٧]، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك [آل عمران/ ١٩٤].
[الاعراف: ١٥٠]
اختلفوا في كسر الميم وفتحها من قوله جلّ وعزّ: قال ابن أم [الأعراف/ ١٥٠].
فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم قال ابن أم نصبا، وفي طه [٩٤] مثلها.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائيّ: قال ابن أم بكسر الميم، فأما «٣» الهمزة فمضمومة «٤».
[قال أبو علي] «٥» من قال: يا ابن أمّ؛ فقال سيبويه:
قالوا: يا ابن أمّ، ويا ابن عمّ؛ فجعلوا ذلك بمنزلة اسم واحد لأن هذا أكثر في كلامهم من يا ابن أبي، ويا غلام غلامي.
قال أبو علي: جعلوهما بمنزلة اسم واحد، ولم يرفضوا
стр. 1445
الأصل الذي هو إضافة الأول إلى الثاني كما رفضوا الأصل في خطايا، والتصحيح للعين، في: قال، وباع وخاف. ونحو ذلك مما يرفض فيه الأصل؛ فلا يستعمل، ألا ترى قول أبي زبيد «١»:
يا ابن أمّي ويا شقيّق نفسي ... أنت خلّيتني لأمر شديد
«٢» فهذا بمنزلة القصوى الذي استعمل فيه الأصل الذي رفض في غيره، فكذلك قولهم: يا ابن أمي.
ومن قال: يا ابن أمّ، فبنى الاسمين على الفتح، والفتحة «٣» في: ابن، ليست النصبة التي كانت تكون في الاسم المضاف المنادى، ولكن بني على الحركة التي كانت تكون للإعراب، كما أنّ قولهم: لا رجل كذلك، وكما «٤» أن:
مكانك، إذا أردت به الأمر لا تكون الفتحة فيه الفتحة التي كانت فيه وهو ظرف، ولكنّه على حدّ الفتحة التي كانت «٥» في رويدك.
стр. 1446
فإن قلت: لم «١» لا نقول: إنها نصبة؟، فالمراد «٢» يا ابن أمّا، فحذف الألف كما حذفت «٣» ياء الإضافة في غلامي [في النداء] «٤».
قيل: ليس مثله، ألا ترى أنّ من حذف الياء من: يا غلام، أثبتها في يا غلام غلامي؟ فلو كانت الألف مقدرة في:
يا ابن أمّ «٥»، لم يكن يحذف، كما لم يحذف في قوله «٦»:
يا بنت «٧» عمّا لا تلومي واهجعي فالألف لا تحذف حيث تحذف الياء، ألا ترى أن من قال ذلك ما كنا نبغ [الكهف/ ٦٤]، والليل إذا يسر [الفجر/ ٤]، فحذف الياء من الفواصل، وما أشبه الفواصل من الكلام التام، لم يكن عنده في نحو قوله «٨»: والليل إذا
стр. 1447
يغشى والنهار إذا تجلى [الليل/ ١]، إلّا الإثبات.
فإن قلت: فقد حذفت الألف في نحو:
رهط «١» مرجوم، ورهط ابن المعلّ «٢» وهو يريد المعلّى، وقد أنشد أبو الحسن «٣»:
فلست بمدرك ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لو أنّي
يريد بلهفى فحذف الألف.
فالقول: إن ذلك في الشعر ولا يجوز «٤» في الاختيار وحال السّعة؛ فلا «٥» ينبغي أن يحمل قوله: يابن أم على هذا.
وقياس من أجاز ذلك أن تكون فتحة الابن نصبة، والفتحة في أمّ ليست كالتي في عشر من خمسة عشر، ولكن مثل الفتحة التي في الميم من: يا بنت عمّا.
وحجة من قال: يا بن أم لا تأخذ أن سيبويه قال: وقد
стр. 1448
قالوا أيضا: يا بن أمّ ويا بن عمّ، كأنهم جعلوا الأول والآخر اسما واحدا ثم أضافوه كقولك: يا أحد عشر أقبلوا. قال «١» وإن شئت قلت: حذفوا هذه الياء لكثرة هذا في كلامهم وعلى ذا قال الشاعر:
يا بنت عمّا لا تلومي واهجعي «٢»
[الاعراف: ١٥٧]
اختلفوا في كسر الألف وفتحها من قوله تعالى «٣»:
إصرهم [الأعراف/ ١٥٧].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي إصرهم بكسر الألف.
وقرأ ابن عامر: آصارهم ممدودة الألف على الجمع «٤».
[قال أبو علي] «٥» الإصر: مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه، يدلك «٦» على ذلك قوله: ويضع عنهم إصرهم [الأعراف/ ١٥٧]، فأضيف وهو مفرد إلى الكثرة، ولم يجمع، وقال: ربنا ولا تحمل علينا إصرا [البقرة/ ٢٨٦]، ولو شاء
стр. 1449
الله لذهب بسمعهم وأبصارهم [البقرة/ ٢٠]، وقال: لا يرتد إليهم طرفهم [إبراهيم/ ٤٣]، وقال: ينظرون من طرف خفي [الشورى/ ٤٥].
فالوجه الإفراد كما أفرد في غير هذا الموضع.
وجمع ابن عامر كأنّه أراد ضروبا من المآثم مختلفة، فجمع لاختلافها، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما تجمع سائر الأجناس، وإذا كانوا قد جمعوا ما يكون ضربا واحدا كقوله «١»:
هل من حلوم لأقوام فتنذرهم ... ما جرّب النّاس من عضّي وتضريسي
فأن يجمع ما يختلف من المآثم أجدر.
فجعل إصرا وآصارا، بمنزلة عدل، وأعدال، ويقوي ذلك قوله: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [العنكبوت/ ١٣] والثقل مصدر كالشّبع والصّغر والكبر.
[الاعراف: ١٦١]
اختلفوا في قوله [جلّ وعزّ] «٢»: نغفر «٣» لكم خطاياكم [الأعراف/ ١٦١].
فقرأ ابن كثير وعاصم، وحمزة، والكسائيّ: نغفر لكم
стр. 1450
خطيئاتكم بالتاء مهموزة على الجمع.
وقرأ أبو عمرو: نغفر لكم بالنون، خطاياكم* من غير «١» همز، مثل: قضاياكم، ولا تاء فيها.
وقرأ نافع: تغفر لكم* بالتاء مضمومة، خطيئاتكم بالهمز، وضم التاء على الجمع، وكذلك روى محبوب عن أبي عمرو: تغفر لكم* [بالتاء مضمومة] «٢» خطيئاتكم بالهمز، وضم التاء، وتابعه ابن عامر على التاء من تغفر لكم وضمّها، وقرأ: خطيئتكم واحدة مهموزة مرفوعة «٣».
من قرأ: نغفر لكم، فهو على «٤»: وإذ قيل لهم ... ادخلوا ... نغفر لكم. والتي في البقرة: نغفر والنون هناك أحسن لقوله: وإذ قلنا [البقرة/ ٥٨]. وفي الأعراف: وإذ قيل لهم [الآية/ ١٦١]، والمعنى فيمن قرأ في الأعراف:
نغفر لكم، كأنّه قيل لهم: ادخلوا نغفر. أي: إن دخلتم غفرنا، فأمّا خطيئاتكم فجمع خطيئة، صححها في الجمع، كما كسّرت على خطايا، وكلا الأمرين شائع وحسن «٥»، فخطايا في اللفظ مثل قضايا إلّا أنّ الألف في قضايا منقلبة عن ياء هي لام الفعل، والألف في خطايا منقلبة عن ياء منقلبة عن همزة وهي لام الفعل.
стр. 1451
فإن قلت: فهلّا رددت الهمزة في خطايا، لأنّك إنّما كنت قلبتها ياء لاجتماع الهمزتين وقد زال اجتماعهما، فهلّا قلت:
خطايأكم*؟.
فإن ذلك لا يستقيم لأنّ الياء في خطايا منقلبة عن همزة فعيلة، فحكمها حكم ما انقلب عنها، ألا ترى أنّ حكم الهمزة في حمراء حكم ما انقلب «١» عنها من الألف، وحكم هرق، حكم أرق؟ فلو سمّيت بها لم تصرف كما لا تصرف أرق، وكذلك حكم الهمزة في علباء، حكم الياء في درحاية «٢»، فكذلك حكم الياء في خطايا، حكم الهمزة التي انقلبت عنها، وإذا كان كذلك، فاجتماع الهمزتين في الحكم قائم، وإن لم يكن اللفظ عليه.
فأمّا «٣» قراءة نافع: تغفر بالتاء مضمومة فلأنّه «٤» أسند إليها خطيئاتكم، وهو مؤنث، فأنّث وبنى الفعل للمفعول فقال:
تغفر*، ولم يقل نغفر لأنّ بناءه للمفعول أشبه بما قبله، ألا ترى أنّ قبله: وإذ قيل لهم وليس هذا مثل ما في البقرة، لأنّ
стр. 1452
في البقرة: وإذ قلنا، ف نغفر لكم في البقرة، إنّما «١» هو على: قلنا.
وممّا يقوي قراءة من قرأ: نغفر بالنون ما بعده من قوله: وسنزيد المحسنين.
[الاعراف: ١٦٤]
اختلفوا في الرفع والنصب من قوله تعالى «٢»: معذرة إلى ربكم [الأعراف/ ١٦٤].
فقرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي معذرة رفعا.
واختلف عن عاصم؛ فروى أبو بكر في رواية يحيى بن آدم عنه، وغيره معذرة رفعا مثل حمزة وروى الحسين «٣» بن علي الجعفي عن أبي بكر وحفص عن عاصم معذرة نصبا «٤».
قال أبو زيد: عذرته. أعذره عذرا، ومعذرة وعذرى.
فعلى «٥». حجة «٦» من رفع: أن سيبويه قال: ومثله [في
стр. 1453
قراءته] «١» على الابتداء ويريد مثل حنان في «٢» قوله:
فقالت: حنان ما أتى بك هاهنا «٣» ومثله في أنّه على الابتداء، وليس على فعل قوله:
قالوا: معذرة إلى ربكم [الأعراف/ ١٦٤] لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه، ولكنّهم قيل لهم:
لم تعظون قوما؟ فقالوا: معذرة. أي: موعظتنا معذرة إلى ربكم.
وحجة من نصب معذرة: أن سيبويه قال: لو قال رجل لرجل معذرة إلى الله، وإليك من كذا وكذا لنصب.
[الاعراف: ١٦٥]
واختلفوا في قوله جل وعز «٤»: بعذاب بئس [الأعراف/ ١٦٥].
فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي:
بئيس على وزن فعيل، الهمزة بين الباء والياء «٥» منون.
وقرأ نافع بعذاب بيس بما بكسر الباء من غير همز وينوّن.
стр. 1454
وروى أبو قرّة عن نافع بئيس على وزن فعيل مثل حمزة.
وروى خارجة عن نافع بيس* بفتح الباء من غير همز منون على وزن فعل.
وقرأ ابن عامر: بعذاب بئس بما على وزن فعل مثل نافع غير أنه مهموز؛ فكذلك «١» ما روي عن نافع من قوله: بعذاب بئس.
وروى حفص عن عاصم [بئيس] مثل حمزة.
وروى حسين الجعفي عن أبي بكر عن عاصم بيأس «٢» على وزن فيعل بفتح الهمزة «٣»، أخبرني «٤» موسى بن إسحاق عن هارون بن حاتم عنه. وحدثني أبو البختريّ عن يحيى بن آدم عن أبي بكر قال: كان حفظي عن عاصم بيأس بما على وزن فيعل ثم دخلني منها «٥» شك، فتركت روايتها عن عاصم وأخذتها عن الأعمش بئيس بما مثل حمزة.
حدثني محمد بن الجهم قال: حدثني ابن أبي أمية عن أبي بكر قال: كان حفظي عن عاصم بيئس على وزن فيعل «٦»
стр. 1455
ثم دخلني منها شك فتركت روايتها عن عاصم، وأخذتها عن الأعمش بعذاب بئيس [على وزن فعيل] «١» قال أبو زيد: قد بؤس الرجل يبؤس بأسا «٢»، إذا كان شديد البأس، وقال في البؤس: قد «٣» بئس يبأس بؤسا وبيسا وبأسا، والبأساء الاسم.
[قال أبو علي] «٤»: يحتمل قول من قال: بئيس أمرين:
أحدهما أن يكون فعيلا من بؤس يبؤس، إذا كان شديد البأس مثل: من عذاب شديد [إبراهيم/ ٢]، والآخر أن يكون من عذاب بئيس، فوصف بالمصدر، والمصدر على فعيل وقد جاء كثيرا كالنذير، والنكير، والشحيح. وعذير الحي، والتقدير: من عذاب ذي بئيس، أي عذاب ذي بؤس.
وأما ما روي عن نافع من قوله: بعذاب بيس، فإنه جعل بيس الذي هو فعل اسما فوصف به، ومثل ذلك
قوله «٥»: «إنّ الله ينهى عن قيل وقال» و «عن قيل وقال»
وقال «٦»:
أصبح الدهر وقد ألوى بهم ... غير تقوالك من قيل وقال
стр. 1456
ومثل ذلك: «من شبّ إلى دبّ»، و «من شبّ إلى «١» دبّ» «٢»، فكما استعملت هذه الألفاظ أسماء وأفعالا، كذلك بئس* جعله اسما بعد أن كان فعلا فصار وصفا. ونظيره من الصفة: نقض، ونضو، وهرط «٣».
وما روي عن نافع من قوله: بعذاب بيس بفتح الباء من غير همز، فهو أيضا فعل في الأصل، وصف، كما أن بيس كذلك.
وأمّا «٤» إبداله من الهمزة الياء، فإنّ سيبويه حكى أنّه سمع بعض العرب يقول: بيس* فلا يحقّق الهمزة، ويدع الحرف على الأصل، يريد على الأصل الذي هو فعل، كأنّه «٥» يسكن العين، كما يسكن في «٦» علم، ويقلب الهمزة ياء، لأنّه لمّا أسكنها لم يجز فيها أن تجعل بين بين، فأخلصها ياء.
وقراءة ابن عامر: بعذاب بئس بالهمز، فهي قراءة
стр. 1457
نافع «١» بعذاب بيس إلّا أنّ ابن عامر حقّق الهمزة. وما رواه أبو بكر عن عاصم بعذاب بيأس فإنه يكون وصفا مثل ضيغم، وحيدر، وهو بناء كثير في الصفة، ولا يجوز كسر العين في «٢» بيأس، لأنّ فيعل «٣» بناء اختصّ به ما كان عينه ياء، أو واوا، مثل: سيد وميت وطيب ولين، ولم يجيء مثل ضيغم، وقد جاء في المعتل فيعل، حكى سيبويه عيّن، وأنشد لرؤبة «٤»:
ما بال عيني «٥» كالشّعيب العيّن «٦» فينبغي أن يحمل بيأس على الوهم ممّن رواه عن عاصم والأعمش.
[الاعراف: ١٧٠]
اختلفوا في التخفيف والتشديد «٦» في قوله جلّ وعزّ:
والذين يمسكون بالكتاب [الأعراف/ ١٧٠].
فقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر: والذين يمسكون
стр. 1458
خفيفا، وكذلك قرأ «١»: ولا تمسكوا بعصم الكوافر [الممتحنة/ ١٠] خفيفا «٢».
وروى عنه حفص: يمسكون مشدّدة، ولا تمسكوا خفيفا.
وقرأ ابن كثير ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائيّ، والذين يمسكون مشددة ولا تمسكوا خفيفة.
وقرأ أبو عمرو: والذين يمسكون وو لا تمسكوا مشدّدتين مضمومة التاء.
انفرد أبو عمرو بقوله: ولا تمسكوا أنّها مشدّدة، والباقون يخفّفونها «٣».
[قال أبو علي] «٤» حجة من قرأ: يمسكون بتخفيف السين قوله: فإمساك بمعروف [البقرة/ ٢٢٩].
وقوله: أمسك عليك زوجك، [الأحزاب/ ٣٧]، وكلوا مما أمسكن عليكم [المائدة/ ٤].
وقول الجميع: يمسكون بالكتاب أولى من الرواية التي انفرد بها من قال: يمسكون بالكتاب عن عاصم، وذلك أنّ التشديد هاهنا إذا أريد به الكثرة كان أولى من التخفيف لقوله:
стр. 1459
وتؤمنون بالكتاب كله [آل عمران/ ١١٩]، أي لا تؤمنون ببعض الكتاب «١» وتكفرون ببعض، فأنتم خلاف «٢» من حكي عنهم: ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض [النساء/ ١٥٠] واتفاق الجماعة غير أبي عمرو في قوله: ولا تمسكوا بالتخفيف حسن، لأنّ ذلك في إمساك المرأة، وقد قال فيه:
فإمساك بمعروف، وقال: أمسك عليك زوجك [الأحزاب/ ٣٧]، وقال: فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [البقرة/ ٢٣١]. وقال: فأمسكوهن في البيوت [النساء/ ١٥]، وقال: ولا تمسكوهن ضرارا [البقرة/ ٢٣١]، فعلى هذا قول الجماعة: ولا تمسكوا بعصم الكوافر [الممتحنة/ ١٠] وقول أبي عمرو: إنّ أفعل، وفعّل قد «٣» يكونان بمعنى واحد.
[الاعراف: ١٧٢]
اختلفوا في الجمع والتوحيد في قوله جلّ وعزّ «٤»: من ظهورهم ذرياتهم [الأعراف/ ١٧٢].
فقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي من ظهورهم ذريتهم واحدة.
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر: ذرياتهم* جماعة «٥».
стр. 1460
[قال أبو علي] «١» قولهم: الذريّة تكون جمعا وتكون واحدا، فمما جاء فيه «٢» ذرية يراد به الواحد قوله: هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة، ... فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك بيحيى [آل عمران/ ٣٩].
فهذا مثل قوله: فهب لي من لدنك وليا، يرثني [مريم/ ٥]، يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى [مريم/ ٧].
وممّا جاء فيه جمعا قوله: وكنا ذرية من بعدهم [الأعراف/ ١٧٣]، ومنه قوله: ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح [الإسراء/ ٢ - ٣]، فمن أفرد جعله جمعا؛ فاستغنى عن جمعه بوقوعه على الجميع. ومن جمع فمن حجته أن يقول: لا يخلو من أن يكون واحدا، أو جمعا؛ فإن كان واحدا، فلا إشكال في جواز الجمع فيه، وإن كان جمعا فجمعه أيضا حسن، لأنّك قد رأيت الجموع المكسّرة قد جمعت نحو: الطرقات، والجزرات «٣»، وصواحبات يوسف.
ومن حجة من أفرد فلم يجمع، أنّ الذريّة قد وقع على
стр. 1461
الواحد والجميع «١» بدلالة ما تقدم ذكره، كما أنّ قوله:
بشر تقع «٢» على الواحد والجميع، فالجميع كقوله: أبشر يهدوننا [التغابن/ ٦]، وإن أنتم إلا بشر مثلنا [إبراهيم/ ١٠]، والواحد كقوله: ما هذا بشرا إن هذا [يوسف/ ٣١]، ولئن أطعتم بشرا مثلكم ... أيعدكم أنكم [المؤمنون/ ٣٣ - ٣٤]، فكما لم يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير، كذلك لا تجمع الذريّة. فأمّا مثال ذرية من الفعل فيجوز أن يكون فعلولة من الذرّ، فأبدلت من الراء التي هي اللّام الأخيرة ياء كما أبدلت من دهديّة؛ يدلّك على البدل فيه قوله «٣»:
دهدوهة «٤» ويحتمل أن يكون فعّيلة منه، فأبدلت من الراء الياء، كما تبدل من هذه الحروف للتضعيف، وإن وقع فيها الفصل، ويحتمل أن يكون فعليّة نسبا إلى الذرّ، إلّا أنّ الفتحة أبدلت منها الضمة، كما أبدلوا في الإضافة إلى الدهر دهري، وإلى السهل: سهلي، ويجوز أن تكون فعّيلة من ذرأ الله الخلق، اجتمع على تخفيفها، كما اجتمع على تخفيف البرية*. ويجوز أن تكون فعّيلة من قوله: تذروه الرياح [الكهف/ ٤٥]، [أبدلت
стр. 1462
من الواو الياء لوقوع ياء قبلها] «١»، ويقوي ذلك أنّ في بعض الحروف ذرية من حملنا [الإسراء/ ٣].
[الاعراف: ١٧٣، ١٧٢]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى «٢»: أن يقولوا يوم القيامة أو تقولوا [الأعراف/ ١٧٢ - ١٧٣].
فقرأ أبو عمرو وحده: أن يقولوا* أو يقولوا بالياء جميعا، وقرأ الباقون جميعا بالتاء «٣».
حجة أبي عمرو: أنّ الذي تقدّم من الكلام على الغيبة، وذلك قوله: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم [الأعراف/ ١٧٢] كراهة أن يقولوا أو لئلا يقولوا «٤»، ويؤكد ذلك ما جاء بعد من الإخبار عن الغيبة وهو قوله: قالوا بلى [الأعراف/ ١٧٢].
وحجة من قرأ بالتاء: أنّه قد جرى في الكلام خطاب فقال «٥»: ألست بربكم، قالوا: بلى شهدنا [الأعراف/ ١٧٢]، وكلا الوجهين حسن، لأنّ الغيب هم المخاطبون في المعنى.
[الاعراف: ١٨٠]
واختلفوا «٦» في ضمّ الياء وفتحها من قوله تعالى «٧»:
يلحدون [الأعراف/ ١٨٠].
стр. 1463
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر:
يلحدون بضمّ الياء، وكذلك في سورة النحل [١٠٣]، والسجدة [٤٠].
وقرأ حمزة الأحرف الثلاثة بفتح الياء والحاء.
وقرأ الكسائي في النحل: لسان الذي يلحدون إليه بفتح الياء والحاء وفي الأعراف والسجدة «١» يلحدون [بضم الياء] «٢».
[قال أبو علي] «٣» حجة من قرأ: يلحدون قوله: ومن يرد فيه بإلحاد [الحج/ ٢٥]، ويدلّ على أن ألحد أكثر، قولهم: ملحد كما قال:
ليس الإمام بالشحيح الملحد «٤» ولا تكاد تسمع لاحدا. وزعم أبو الحسن وغيره: أنّ ألحد ولحد لغتان: فمن جمع بينهما في قراءته، فكأنّه أراد الأخذ بكلّ واحد «٥» من اللغتين، وكأنّ «٦» الإلحاد: العدول عن الاستقامة والانحراف عنها، ومنه اللحد: الذي يحفر في جانب القبر خلاف الضريح الذي يحفر في وسطه.
стр. 1464
[الاعراف: ١٨٦]
اختلفوا في الياء والنون. والرفع والجزم في قوله «١»:
ويذرهم [الأعراف/ ١٨٦].
فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ونذرهم بالنون والرفع.
وقرأ أبو عمرو: ويذرهم بالياء والرفع، وكذلك قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحفص عن عاصم: ويذرهم بالياء والرفع.
[وقرأ حمزة والكسائي: ويذرهم بالياء مع الجزم خفيفة.
وكذلك حدثني الخزّاز عن هبيرة عن حفص عن عاصم ويذرهم] «٢» [مثل حمزة] «٣».
[قال أبو علي] «٤» حجة من رفع أنّه قطعه مما قبله؛ فإمّا أن يكون أضمر المبتدأ فصار ويذرهم في موضع خبر المبتدأ المحذوف، وإمّا أن يكون استأنف الفعل فرفعه.
وأمّا قول أبي عمرو: ويذرهم بالياء على الغيبة، فلتقدم اسم الله تعالى «٥»، وهو على لفظ الغيبة.
ومن قال: ونذرهم بالنون فالمعنى فيه مثل الياء.
وأمّا قراءة حمزة والكسائي: ويذرهم بجزم الفعل؛
стр. 1465
فوجهها فيما يقول «١» سيبويه أنّه عطف على موضع الفاء، وما بعدها من قوله: فلا هادي له [الأعراف/ ١٨٦]، لأن موضع الفاء مع ما بعدها جزم؛ فحمل ويذرهم على الموضع، والموضع جزم «٢». ومثل ذلك قول الشاعر «٣»:
أنّى سلكت فإنّني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد
ومثله قول أبي داود «٤»:
فأبلوني بليّتكم لعلّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا
حمل أستدرج على موضع الفاء المحذوفة من قوله:
فلعلي أصالحكم. والموضع جزم.
ومثله في الحمل على الموضع قوله: فأصدق وأكن [المنافقين/ ١٠].
ألا ترى أنّه «٥» لو لم تلحق الفاء لقلت: لولا أخّرتني
стр. 1466
[إلى أجل قريب] «١» ... أصّدّق؛ لأنّ معنى لولا أخرتني: أخّرني أصّدّق، فحمل قوله: وأكن على ذلك.
[الاعراف: ١٩٠]
اختلفوا في ضم الشين والمدّ، والقصر والكسر «٢» في قوله جلّ وعز «٣»: جعلا له شركاء [الأعراف/ ١٩٠].
فقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيّ: جعلا له شركاء جمع شريك بضم الشين والمدّ، وكذلك حفص عن عاصم.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع: شركا مكسورة الشين على المصدر لا على الجمع «٤».
[قال أبو علي] «٥» وجه قول «٦» من قال: جعلا له شركا أنّه حذف المضاف كأنّه أراد جعلا له ذا شرك أو ذوي «٧» شرك، فإذا جعلا له ذوي شرك فيما آتاهما كان في
المعنى كقوله: جعلا له شركاء، فالقراءتان على هذا تئولان إلى معنى واحد والضمير الذي في له* يعود إلى اسم الله، كأنّه جعلا لله شركاء فيما آتاهما.
قال أبو الحسن: وكان ينبغي لمن قرأ: جعلا له شركا
стр. 1467
أن يقول: جعلا لغيره شركا «١»، وقول من قرأ: جعلا له شركا يجوز أن يريد: جعلا لغيره شركا فحذف المضاف، فالضمير على هذا أيضا في له*: لاسم الله، ويجوز أن يكون الكلام على ظاهره، ولا يقدّر حذف المضاف في قوله: جعلا له.
وأنت تريد لغيره، ولكن تقدر حذف المضاف إلى شرك، فيكون المعنى: جعلا له ذوي شرك، وإذا جعلا له ذوي شرك، كان في المعنى مثل: جعلا لغيره شركا، فلا يحتاج إلى تقدير جعلا لغيره شركا، لأنّ تقدير حذف المضاف من شرك بمنزلة جعلا لغيره شركا، ومثل: جعلا له شركا، قوله: أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه [الرعد/ ١٦]، لأنّه تقرير بمنزلة: أم يقولون افتراه [يونس/ ٣٨].
ويجوز في قوله: جعلا له شركا «٢» جعل أحدهما له شركا، أو ذوي شرك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما حذف من قوله: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف/ ٣١]، والمعنى: على رجل من أحد رجلي القريتين.
وكذلك قوله: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [الرحمن/ ٢٢] عند من رأى أن اللؤلؤ يخرج من الماء الملح، تقديره عنده: يخرج من أحدهما، فيكون الذي جعل له «٣»
стр. 1468
شركا «١»، أحدهما، ويخرج آدم إلى «٢» هذا من أن ينسب إليه ذلك. وذهب أحد أهل النّظر إلى أن الضّمير في جعلا للوالدين «٣»، كأنّه الذكر والأنثى.
فإن قلت: إنّه لم يجر لهما ذكر فيكنى عنهما، فإنّ فيما جرى من الكلام دلالة على اسميهما؛ فجاز لذلك إضمارهما، كأشياء تضمر لدلالة الأحوال عليها، وإن لم يجر لهما «٤» في اللفظ ذكر. من ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم: إذا كان غدا فائتني «٥»، فأضمر ما كانوا فيه من الرخاء والبلاء «٦»، ولم يجر لهما ذكر.
[الاعراف: ١٩٣]
اختلفوا في تشديد التاء وتخفيفها «٧» من قوله تعالى «٨»:
لا يتبعوكم [الأعراف/ ١٩٣].
فقرأ نافع وحده: لا يتبعوكم ساكنة التاء وبفتح الباء.
وقرأ الباقون: لا يتبعوكم مشددا «٩».
قال أبو زيد: تقول: رأيت القوم فأتبعتهم اتباعا، إذا
стр. 1469
سبقوك، فأسرعت نحوهم. ومرّوا عليّ فاتّبعتهم اتّباعا، إذا ذهبت معهم، ولم يستتبعوك، قال: وتبعتهم أتبعهم تبعا، مثل ذلك.
[قال أبو علي] «١»: معنى القراءتين على هذا واحد.
ألا ترى أن أبا زيد قال: إنّ تبعتهم مثل اتّبعتهم، والمعنى على تركهم الانقياد للحقّ والإذعان للهدى، وما «٢» شرّع لهم، ودعوا إليه، وكأنّ اتّبع أكثر في استعمالهم من تبع، وإن كانا فيما حكاه أبو زيد بمعنى. ألا ترى أنّ قوله: واتبع هواه [الأعراف/ ١٧٦] القراءة فيه على افتعل.
[الاعراف: ١٩٥]
وقال «٣» أحمد: وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ثم كيدون [الأعراف/ ١٩٥] بغير ياء في الوصل والوقف.
وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ابن جمّاز وإسماعيل بن جعفر بالياء في الوصل وكذلك ابن عامر في رواية ورش وقالون والمسيّبي بغير ياء في وصل ولا وقف.
وفي كتابي عن ابن ذكوان عن ابن عامر: ثم كيدوني بياء، وحفظي بغير ياء.
كذا حدثني أحمد بن يوسف بإسناده عن ابن ذكوان «٤».
стр. 1470
القول في ذلك أن الفواصل وما أشبه الفواصل من الكلام التام تجري مجرى القوافي لاجتماعهما في أنّ الفاصلة آخر الآية، كما أنّ القافية آخر البيت، وقد ألزموا الحذف هذه الياءات إذا كانت في القوافي في قوله «١»:
فهل يمنعنّي ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين
والياء التي هي لام كذلك نحو قوله «٢»:
يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهوديّ المصلّ
وقد تمّ الوزن دونهما «٣». ومن أثبت فلأنّ الأصل الإثبات، وقد جاء الإثبات في هذا النحو في «٤» القوافي أيضا كقوله «٥»:
وهم أصحاب يوم عكاظ إنّي
стр. 1471
وربّما أثبت هذا النحو في الغلوّ والغالي، وإن كان وزن البيت قد تمّ دونه.
[الاعراف: ١٩٦]
واختلفوا «١» في قوله [جلّ وعز] «٢»: إن وليي الله [الأعراف/ ١٩٦].
فقرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: وليي الله بثلاث ياءات: الأولى ساكنة، والثانية مكسورة، والثالثة هي «٣» ياء الإضافة مفتوحة.
وقال ابن اليزيدي عن أبيه عن أبي عمرو أنه قال: لام الفعل مشمّة «٤» كسرا وياء الإضافة منصوبة.
وقال ابن سعدان عن اليزيدي عنه أنّه قرأ: ولي الله يدغم الياء. قال أبو بكر: والترجمة التي قال ابن سعدان عن اليزيدي في إدغام الياء، ليست بشيء، لأنّ الياء الوسطى التي «٥» هي لام الفعل متحركة وقبلها ساكن، والياء الزائدة ساكنة ولا يجوز إسكانها وإدغامها، وقبلها ساكن، ولكني أحسبه أراد حذف الياء الوسطى وإدغام الياء الزائدة في ياء الإضافة.
وقال أبو زيد عن أبي عمرو: إن ولي الله مدغمة، وإن شاء بالبيان قال: وليي الله مثقّلة.
стр. 1472
وروى العباس «١» بن الفضل كذلك مثقّلة «٢» عن أبي عمرو مثله «٣».
[قال أبو علي] «٤»: لا يخلو ما رواه أبو زيد عن أبي عمرو من قوله: إن وليي الله من أن يدغم الياء التي هي لام الفعل في ياء الإضافة، أو يحذف الياء التي هي لام الفعل، فإذا حذفها أدغم ياء فعيل في الياء التي هي ياء الإضافة، فلا يجوز أن يدغم الياء التي هي لام في ياء الإضافة لأنّه إذا فعل ذلك انفكّ الإدغام.
ويذهب سيبويه «٥» إلى أنك إذا قلت: هذا وليّ يزيد وعدوّ وليد، لم يجز إدغام الياء التي هي لام في ياء يزيد، لأنّك حيث أدغمت الياء في وليّ «٦»، والواو في عدوّ، ذهب «٧» المد للإدغام، فصارت الياء والواو بمنزلة غيرهما من الحروف التي لا تكون للمدّ، واستدلّ على ذلك بجواز ليّا في القافية مع طيّا ودوّا مع غزوا، فلو أدغمت شيئا من ذلك عاد المدّ إلى الحرف الذي كان ذاك المدّ عنه بالإدغام، وعود المدّ إليه بانفكاك الإدغام بمنزلة تحريك الساكن في نحو: قرم «٨» موسى، واسم
стр. 1473
مالك، فكما لا يدغم هذا أحد، كذلك لا ينبغي إدغام الياء التي هي لام في وليّ «١» لعود «٢» المدّ إليه بانفكاك الإدغام، وعود المدّ بمنزلة تحريك الراء «٣» في قرم «٤» موسى، ألا ترى أن المدّ قد قام مقام الحركة في دابّة، وتمودّ الثوب وتضربينّي، فكما لم يجز التحريك في راء قرم موسى، كذلك لا يجوز إدغام الياء «٥» التي هي لام في ياء الإضافة. فإن قلت: فليست ياء الإضافة منفصلة لأنّها لا تنفرد.
قيل: إنّها في حكم المنفصل كما أنّ اقتتلوا في حكم المنفصل لاجتماعهما جميعا في أنّ كلّ واحد من الحرفين، يجري في الكلام، ولا يلزمه به مثله، وإذا «٦» لم يجز هذا لما ذكرنا، ثبت أنّ اللّام من وليّ حذفها حذفا كما حذفت اللّام من قوله «٧»: ما باليت به بالة.
وكما حذفت من قولهم: حانة، وكما حذفت الهمزة التي هي لام في قول أبي الحسن من أشياء، وكما حذفت الهمزة في قولهم: سواية إذا أردت به «٨» سوائية مثل الكراهية.
стр. 1474
وكما استمر الحذف في التحقير في هذه اللامات نحو:
عطيّ في تحقير: عطاء، بدلالة قولهم: سميّة؛ فلما حذفت اللّام أدغمت ياء فعيل في ياء «١» الإضافة، فقلت: وليّ الله، فهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة.
فإن قلت: فأبو عمرو لا يرى حذف الياء الثالثة إذا اجتمعت ثلاث ياءات، لأن سيبويه حكي عنه أنّه يقول في تحقير أحوى فيمن قال: أسيد: أحيّ «٢». قيل: هذا لا يدل على ما ذكرت من أنّه يرى الجمع بين ثلاث ياءات في نحو تحقير سماء، وذلك أنّه استجاز أحيّ، لأنّ في أوّل الكلمة الزيادة التي تكون في الفعل، وقد جرى هذا مجرى الفعل في أنّه منع الصرف، فكما جرى مجرى الفعل فيما ذكرنا، كذلك ما جرى «٣» مجراه في جواز اجتماع ثلاث ياءات في أحيّ، كما اجتمع في الفعل نحو أحيّي، ورأيت أحيي قبل «٤» وفي الاسم الجاري عليه نحو: محيّي، فلا يدل هذا على جواز عطيّ عنده، بل يفصل بينهما بما ذكرناه «٥».
ألا ترى أنّ سيبويه ألزمه عطي على قوله: أحيّ، ولو كان يرى عطيّ، كما يرى أن يقول: أحيّ لم يلزمه سيبويه «٦» ذلك،
стр. 1475
فكأن أبا عمرو في قوله: إن ولي الله شبّه المنفصل بالمتصل، فحذف إحدى الياءات من وليّ، كما يحذف من عطيّ.
وقرأ أبو عمرو أيضا: إن وليي الله كما «١» قرأ غيره، ولم يحذف الياء، فقصر حذف الياء إذا اجتمعت ثلاث ياءات على المتصل، ولم يجر المنفصل مجرى المتصل في هذا المذهب الآخر الذي وافق فيه الأكثر.
[الاعراف: ٢٠١]
واختلفوا في إثبات الألف وإسقاطها من قوله «٢»: طيف* [الأعراف/ ٢٠١].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: طيف* بغير ألف.
وقرأ نافع وابن عامر، وعاصم، وحمزة: طائف بألف [وهمز] «٣».
أبو زيد: طاف الرجل يطوف «٤» طوفا، إذا أقبل وأدبر، وأطاف يطيف إطافة، إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال يطيف طيفا، إذا ألمّ في المنام.
أبو عبيدة: طيف من الشيطان: أي: يلمّ به لمّا وأنشد الأعشى «٥»: