تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء
وهذا النحو «١» في الشعر كثير، والوجه فيه الحمل على الوجه الآخر، لأنه لم يستقر حذفه في «٢» الكلام، وإن حصلت المشابهات بين النون وحروف اللين فيما رأيت.
[التوبة: ٣٠]
اختلفوا في الهمز وإسقاطه من قوله جلّ وعزّ:
يضاهون [التوبة/ ٣٠].
فقرأ عاصم وحده: يضاهئون بالهمز. وقرأ الباقون:
يضاهون بغير همز «٣».
قال أبو عبيدة: المضاهاة: التشبيه، ولم يحك الهمزة «٤»، وقال أحمد بن يحيى: لم يتابع عاصما أحد على الهمزة «٥».
والذين كفروا [التوبة/ ٣٠] يشبه أن يكونوا المشركين الذين لا كتاب لهم، لأنهم ادّعوا في الملائكة أنها «٦» بنات، قال: ويجعلون لله البنات [النحل/ ٥٧] وقال: ألكم الذكر وله الأنثى [النجم/ ٢١]، وقال: وإذا بشر أحدهم بما ضرب
стр. 1542
للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا [الزخرف/ ١٧] وقال: وخرقوا له بنين وبنات بغير علم [الأنعام/ ٦] «١».
وليس يضاهئون فيمن همز من لفظ: ضهياء، لأن الهمزة في ضهياء زائدة بدلالة ضهيأ «٢»، والياء أصل ألا ترى أنها لو كانت الياء فيها زائدة لكانت مكسورة الصدر؟ وأشبه «٣» أن يكون ما قرأ به عاصم من الهمز في يضاهئون لغة وهي فيما زعم الفرّاء عنه لغة الطائف «٤»، فيكون في الكلمة لغتان مثل: أرجيت وأرجأت، ولا يجوز أن يكون من قولهم: امرأة ضهياء، وذلك أن «٥» الهمزة في ضهياء قد قامت الدلالة على زيادتها، ألا ترى أنهم قالوا: ضهيأ «٦»؟ فاشتقّوا من الكلمة ما سقطت فيه هذه الهمزة، فاشتقاقهم ضهيأ من ضهياء وهو «٧» بمنزلة اشتقاقهم جرواض من جرائض «٨»، ...
стр. 1543
وشنذارة «١» من شئذارة «٢»، وزوبر من زئبر، وزعموا «٣» أنهم يقولون:
زوبر الثوب إذا خرج زئبره؛ [فكذلك يعلم من ضهيأ زيادة الهمزة في ضهياء] «٤» وأمر آخر يعلم منه زيادة الهمزة في ضهياء، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون فعلا مقصورا أو فعيلا «٥»، فلا يجوز أن يكون فعيلا لأن ذلك بناء لم يجيء في كلامهم، وما كان من هذا النحو الياء زائدة فيه، كان مكسور الصدر، نحو:
حذيم، وعثير، وحمير، وطريم «٦» وقالوا في مريم، ومزيد، ومدين «٧»: إنها مفعل جاءت على الأصل وليس بفعيل، لأنّ ذلك لو كان إياه، لكان مكسور الصدر، ومن ثمّ قالوا في يهيرّى «٨»: إن الياء الأولى زائدة، ولو خفّفت فقلت: يهيرّ كانت
стр. 1544
الأولى أيضا هي الزائدة، دون الثانية، لأنك لو حكمت بزيادة الثانية، لوجب أن يكون فعيلا «١»، وذلك بناء قد رفضوه فلم يستعملوه.
وأما «٢» من قال: يجوز أن يكون فعيلا «٣» ويضاهئون مشتق منه؛ فقول لم يذهب إليه أحد علمناه، وهو ظاهر الفساد، لإتيانه ببناء لم يجيء في كلامهم.
فإن قال: فقد جاء «٤» أبنية في كلامهم لا نظير لها، مثل:
كنهبل، فأجوّز فعيل، وإن لم يجيء كما جاء: كنهبل ونحوه.
قيل له: فأجز في غزويت أن يكون: فعويلا أو فعليلا، وإن كان فعويل لم يجيء واستدلّ على ذلك بمجيء كنهبل، كما استدللت على جواز فعيل: بقرنفل وكنهبل، وجوّز أن يكون فعويل، وإن لم يجيء ذلك في كلامهم، كما جاء قرنفل وكنهبل، وجوّز أيضا أن يكون فعليلا، وإن كان «٥» حروف اللين لم تجىء أصولا في بنات الأربعة، واستدلّ عليه كما جاز أن يكون: رنوناة، فعوعلة، من الرنا «٦» مثل: غدودن، وكما جاز
стр. 1545
أن يكون فعلعل مثل: حبربر «١». وكما جاز أن يكون فعلنا مثل: عفرنا، وعرضنا، وهذا نقض للأصول «٢» التي عليها عمل العلماء، وهدم لها، وإنّما أدخله في هذا ما رامه من اشتقاق يضاهئون، وقد يجوز أن تجيء الكلمة غير مشتقة، وذلك أكثر من أن يحصى.
وأما «٣» ما ذهب إليه من أن الهمزة زائدة في: غرقئ «٤» فخطأ قد قامت الدلالة على فساده، وذلك أن أبا زيد قد حكى أنهم يقولون: غرقأت الدجاجة بيضها، والبيضة مغرقأة به «٥» وليس في الكلام شيء على فعلأت، إلا أن يزعم أنه يثبت هذا أو يجيزه، كما جاء، كنهبل، فإن ركّب هذا قيل له: فجوّز في منجنيق أن يكون: منفعيلا «٦»، وإن كان لم يجيء هذا النحو، على أن هذا أشبه مما ارتكبه، لأنه يكون في توالي الزائدتين «٧» في أوّلها مثل: انقحل «٨». وليس هذا بقول يعرّج عليه، ولا يصغى إليه، ويلزمه أن يكون حماطة «٩»: فعللة، وقد انقلبت
стр. 1546
الألف عن حرف علة «١».
فإن قال: هذا بناء لم يجيء؛ قيل له: جوّز مجيئه، واجعله بمنزلة كنهبل «٢»، وما ذكرته.
واتفقوا على همز «٣» النسيء [التوبة/ ٣٧] وحده، وكسر سينه، إلا ما حدّثني به محمد بن أحمد بن واصل قال: حدثنا محمد بن سعدان، عن عبيد بن عقيل عن شبل عن ابن كثير أنه قرأ: إنما النسء زيادة على وزن النّسع.
حدثني ابن أبي خيثمة، وإدريس، عن خلف، عن عبيد، عن شبل، أنه قرأ: النسي مشدّدة الياء بغير همز. وقد روي عن ابن كثير: النسي بفتح النون وسكون السين وضم الياء مخففة، قال أبو بكر: والذي قرأت به على قنبل النسيء بالمد والهمز مثل أبي عمرو، وكذلك الناس عليه بمكة «٤».
قال أبو عبيدة فيما روى عنه التوّزيّ في قوله تعالى «٥»:
إنما النسيء زيادة في الكفر: كانوا قد وكّلوا قوما من بني كنانة يقال لهم: بنو فقيم، فكانوا يؤخّرون المحرّم، وذلك نسء «٦» الشهور، ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت
стр. 1547
العرب للموسم، فينادي مناد «١»: [أن افعلوا ذلك لحرب أو لحاجة وليس كلّ سنة يفعلون ذلك] «٢»؛ فإذا أرادوا أن يحلّوا المحرّم، نادوا: هذا صفر، وإن المحرم الأكبر صفر، وربّما جعلوا صفرا محرّما مع ذي القعدة، حتى يذهب الناس إلى منازلهم، إذا نادى المنادي بذلك، وكانوا يسمّون المحرم وصفرا: الصّفرين، ويقدّمون صفرا سنة ويؤخرونه، والذي كان ينسؤها، حتى جاء الإسلام: جنادة بن عوف بن أبي أميّة، وكان في بني عدوان «٣» قبل بني كنانة «٤».
[قال أبو علي] «٥»: ووجه «٦» قراءة ابن كثير: النسء أن هذا تأخير، وقد «٧» جاء النّسء في أشياء معناها التأخير. قال أبو زيد: نسأت «٨» الإبل في ظمئها، فأنا أنسؤها نس ءا: إذا زدتها في ظمئها يوما أو يومين، أو أكثر من ذلك، والمصدر: النّسء.
قال أبو زيد: ويقال: نسأت الإبل عن الحوض فأنا أنسؤها نس ءا إذا أخّرتها عنه.
وحجة من قرأ «٩»: النسيء أنه كأنّه أكثر في
стр. 1548
هذا «١» المعنى، قال أبو زيد: أنسأته الدّين إنساء إذا أخرته عنه. واسم ذلك النسيئة، والنّساء؛ فكأنّ النسيء في الشهور: تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، فيحرّمون بهذا التأخير ما أحلّ الله، ويحلّون ما حرّم الله، كما قال تعالى «٢»:
يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله [التوبة/ ٣٧] ألا ترى أن المحرم عين الشهر لا ما يوافقه في العدة، كما أن المحرّم فيه الإفطار على غير المريض والمسافر عين رمضان.
والنسيء: مصدر كالنذير والنّكير، وعذير الحي، ولا يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول، كما قال بعض الناس لأنه إن «٣» حمل على ذلك، كان معناه: إنما المؤخّر زيادة
في الكفر، والمؤخّر الشهر وليس الشهر نفسه بزيادة في الكفر، وإنّما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة؛ فأما نفس الشهر فلا.
وأما ما روي عن ابن كثير إنما النسي بالياء، فذلك يكون على إبدال الياء من الهمزة، ولا أعلمها لغة في التأخير، كما أنّ أرجيت: لغة في أرجأت.
وما روي عنه من قوله: النسيء بتشديد الياء، فعلى تخفيف الهمزة «٤»، وليس هذا القلب مثل القلب في النّسيء لأن
стр. 1549
النسيّ بتشديد الياء: على وزن فعيل، تخفيف قياسيّ، وليس النّسي كذلك، كما أن مقروّة في مقروءة: تخفيف قياسي، وسيبويه لا يجيز نحو هذا القلب الذي في النسي إلا في ضرورة الشعر، وأبو زيد يراه ويروي كثيرا منه عن العرب.
[التوبة: ٣٧]
اختلفوا في فتح الياء وكسر الضّاد وضمّ الياء وفتح الضّاد من قوله تعالى «١»: يضل به الذين كفروا [التوبة/ ٣٧].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر يضل به* بفتح الياء وكسر الضاد.
وقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي: يضل به بضم الياء وفتح الضاد «٢».
قال أبو علي: وجه من قرأ: يضل* أن الذين كفروا لا يخلون من أن يكونوا مضلّين لغيرهم، أو ضالين هم في أنفسهم، وإذا «٣» كان كذلك، لم يكن في إسناد الضلال إليهم في قوله: يضل* إشكال ألا ترى أن المضلّ لغيره ضالّ بفعله إضلال غيره؟ كما أنّ الضالّ في نفسه الذي لم يضلّه غيره لا يمتنع إسناد الضلال إليه.
وأما يضل فالمعنى فيه «٤» أنّ كبراءهم أو أتباعهم «٥»
стр. 1550
يضلّونهم بأمرهم إياهم بحملهم «١» على هذا التأخير في الشهور، وزعموا أنّ في التفسير: أنّ رجلا من كنانة يقال له:
أبو ثمامة، كان يقول للناس في منصرفهم من الحج: إن آلهتكم قد أقسمت لتحرّمنّ، وربما قال: لتحلّنّ، هذا الشهر، يعني:
المحرم، فيحلّونه ويحرّمون صفرا، وإن حرّموه أحلّوا صفرا، وكانوا يسمّونهما الصّفرين، فهذا إضلال من هذا المنادي لهم، يحملهم بندائه على ذلك، وقوله تعالى «٢»: يضل يفعل من هذا.
وزعموا أنّ في حرف ابن مسعود يضل به الذين كفروا، ويقوّي ذلك: ما أتبع هذا من الفعل المسند إلى المفعول، وهو قوله: زين لهم سوء أعمالهم [التوبة/ ٣١]. أي: زيّن لهم ذلك حاملوهم عليه، وداعوهم إليه. ولو قرئ: يضل به الذين كفروا لكان الذين كفروا في موضع رفع، بأنهم الفاعلون «٣»، والمفعول به محذوف تقديره: يضلّ به الذين كفروا تابعهيم والآخذين بذلك، ومعنى: يضل به الذين كفروا يضلّ بنسء الشهور.
[التوبة: ٥٤]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله [جل وعز] «٤» أن يقبل منهم نفقاتهم [التوبة/ ٥٤] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: أن تقبل بالتاء.
стр. 1551
وقرأ حمزة والكسائي: أن يقبل بالياء «١».
قال أبو علي: وجه القراءة بالتاء أنّ الفعل مسند إلى مؤنث في اللفظ، فأنّث ليعلم أنّ المسند إليه مؤنث.
ووجه الياء أن التأنيث ليس بتأنيث حقيقي، فجاز أن يذكّر كما قال تعالى «٢»: فمن جاءه موعظة من ربه [البقرة/ ٢٧٥] وأخذ الذين ظلموا الصيحة [هود/ ٦٧].
[التوبة: ٥٨]
قال أحمد: كلّهم قرأ يلمزك [التوبة/ ٥٨] بكسر الميم: إلا ما روى حمّاد بن سلمة عن ابن كثير فإنّه روى عنه:
يلامزك حدّثني بذلك محمد بن الجهم عن ابن أبي أميّة البصري، عن حمّاد بن سلمة، وحدّثني الصّوفي، عن روح بن عبد المؤمن، عن محمد بن صالح، عن شبل، عن ابن كثير وأهل مكة: يلمزك ويلمزون [التوبة/ ٧٩] برفع الميم فيهما. وحدثني أبو حمزة الأنسي قال: حدثنا حجاج بن المنهال قال: حدثنا حمّاد بن سلمة قال: سمعت ابن كثير يقول: يلمزك بضم الميم «٣».
أبو عبيدة: يلمزك أي: يعيبك، قال زياد الأعجم:
إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن تغيبت كنت الهامز اللّمزة
«٤»
стр. 1552
وقال قتادة: يلمزك: يطعن عليك، والعيب والطعن يشملان ما يكون فيهما في المغيب، وما يكون في المشهد. وفي الشّعر دلالة على قدحه فيه، وطعنه عليه في المغيب، لقوله:
تغيّبت، فيكون الهمز الغيبة «١»، وكذلك قوله [تعالى] «٢»: هماز مشاء بنميم [القلم/ ١١] يجوز أن يعنى الغيبة «٣».
وحكى بعض الرواة أنّ أعرابيّا قيل له: أتهمز الفارة؟
قال «٤»: تهمزها الهرّة، فأوقع الهمز على الأكل. فالهمز كاللمز.
وقال «٥»: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا [الحجرات/ ١٢].
وكأنّ الهمز أوقع على الأكل لمّا كان غيبة، وقال الأصمعي: فلان ذو وقيعة في الناس إذا كان يأكلهم، فلما أوقع الأكل عليه حسن أن يستعمل في خلافه: الغرث، فلذلك قال «٦»:
стр. 1553
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل والذي جاء في الآية من اللمز، عني به المشهد فيما دلّ عليه الأثر، والمعنى على حذف المضاف «١» التقدير: يعيبك في تفريق الصدقات.
ومن قرأ: يلامزك فينبغي أن يكون فاعلت فيه من واحد نحو: طارقت النّعل، وعافاه الله، لأنّ هذا لا يكون من النبي ﵌ «٢».
فأمّا يلمزك ويلمزك «٣»، فلغتان مثل: يعكف ويعكف، ويحشر ويحشر، ويفسق ويفسق.
[التوبة: ٦١]
اختلفوا في التثقيل والتخفيف من قوله «٤»: هو أذن قل أذن خير لكم [التوبة/ ٦١]. فقرأ نافع وحده: هو أذن قل أذن خير لكم بإسكان الذال فيهما.
وقرأ الباقون: بتثقيل الأذن، وكلّهم يضيف [أذن] إلى خير*] «٥».
قال أبو علي: من قال: أذن* فهو تخفيف من أذن، مثل: عنق، وطنب، وظفر. وكل ذلك يجيء على «٦»
стр. 1554
التخفيف، ويدلّك على اجتماع الجميع في الوزن الاتفاق في التكسير، تقول: أذن، وآذان، كما تقول: طنب وأطناب، وعنق وأعناق، وظفر وأظفار.
فأمّا القول في أذن في «١» الآية إذا خففت أو ثقّلت، فإنه يجوز أن يطلق على الجملة، وإن كانت عبارة عن جارحة منها.
كما «٢» قال الخليل في الناب من الإبل: إنّه سمّيت به لمكان الناب البازل، فسميت الجماعة «٣» كلّها به، وقريب من هذا قولهم للمرأة: ما أنت إلا رجيل، وللرجل: ما أنت إلّا مريّة، ويدلّ على أنهم أرادوا النّاب قولهم، في التصغير: نييب، فلم يلحقوا الهاء ولو كنت مصغّرا لها على حدّ تصغير الجملة «٤» لألحقت الهاء في التحقير، كما تلحق في تحقير قدم ونحوها، وعلى هذا قالوا للمرأة: إنما أنت بظر، فلم يؤنّثوا حيث أرادوا الجارحة دون الجملة، وقالوا للربيئة: هو عين القوم، وهذا عينهم.
ويجوز فيه شيء آخر، وهو أن الاسم يجري عليه كالوصف له لوجود معنى ذلك الاسم فيه وذلك كقول جرير «٥»:
تبدو فتبدي جمالا زانه خفر ... إذا تزأزأت السّود العناكيب
стр. 1555
فأجرى العناكيب وصفا عليهن، يريد به «١»: أنّهن في الحقارة والدّمامة، كالعناكيب.
وأنشد أبو عثمان «٢»:
مئبرة العرقوب إشفى المرفق فوصف المرفق بالإشفى «٣»، لما أراد من الدقّة والهزال، وخلاف الدّرم «٤»، وقال آخر «٥»:
فلولا الله والمهر المفدّى ... لأبت وأنت غربال الإهاب
فجعله غربالا لكثرة الخروق فيه من آثار الطعن، وكذلك قوله «٦»:
стр. 1556
حضجر كأمّ التوأمين توكّأت ... على مرفقيها مستهلّة عاشر
«١» لمّا أراد وصفه بالانتفاخ والضّخم، وأنّه ليس بضرب خفيف، فيكون متوقدا متنبّها لما يحتاج إليه، فكذلك قوله: هو أذن أجري على الجملة اسم الجارحة لإرادته كثرة
استعماله لها في الإصغاء بها.
ويجوز أن يكون فعلا من أذن يأذن، إذا استمع، والمعنى أنه كثير الاستماع مثل شلل وأذن «٢» وسجح، ويقوّي ذلك أنّ أبا زيد قال: قالوا رجل أذن، ويقن، إذا كان يصدّق بكلّ ما يسمع، وكما «٣» أنّ يقن صفة، كبطل، كذلك: أذن كشلل، وقالوا: أذن يأذن: إذا استمع وفي التنزيل: وأذنت لربها [الانشقاق/ ٢] أي: استمعت، وقالوا: ائذن لكلامي، أي:
استمع له،
وفي الحديث: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبيّ» «٤»،
وقال الشاعر «٥»:
стр. 1557
في سماع يأذن الشيخ له* [وحديث مثل ماذيّ مشار] «١» وقول الشاعر:
إن همّي في سماع وأذن «٢» تقدير سماع فيه: المسموع «٣»، فوضع المصدر موضع المفعول، ألا ترى أنك إن لم تحمله على هذا كان المعنى:
إن «٤» همّي في سماع وسماع، وليس كذلك! ولكن المعنى:
إن «٥» همّي في مسموع واستماعه، فحذف كما يحذف المفعول في الكلام، وهو كثير، وخاصّة مع المصدر.
قال أحمد: وكلّهم يضيف، [أي: يضيف] «٦» أذنا إلى خير، ولا يصفون أذنا بخير، كما روي، من قراءة من وصف الأذن بالخير، فقال: أذن خير لكم.
стр. 1558
والمعنى في الإضافة: مستمع خير وصلاح، ومصغ إليه ولا «١» مستمع شرّ وفساد.
[التوبة: ٦١]
قال أحمد: وكلّهم قرأ: ورحمة [التوبة/ ٦١] رفعا إلّا حمزة، فإنه قرأ: أذن خير لكم ورحمة خفضا، حدثني محمد ابن يحيى الكسائي قال: حدثنا أبو الحارث قال: حدّثنا أبو عمارة حمزة بن القاسم عن يعقوب بن جعفر عن نافع:
ورحمة* مثل حمزة [قال أبو بكر] «٢» وهو غلط «٣».
قال أبو علي: من رفع فقال: ورحمة كان المعنى: أذن خير، ورحمة، أي: مستمع خير ورحمة، فجعله الرحمة لكثرة هذا فيه. وعلى هذا [قوله سبحانه] «٤»: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء/ ١٠٧] كما قال: بالمؤمنين رؤوف رحيم [التوبة/ ١٢٨] ويجوز أن يقدر حذف المضاف من المصدر «٥».
فأما «٦» الجر في رحمة فعلى العطف على خبر، كأنه:
أذن خير ورحمة.
فإن قلت: أفيكون أذن رحمة؟
فإن هذا لا يمتنع، لأن الأذن في معنى: مستمع في
стр. 1559
الأقوال الثلاثة التي تقدّمت، وكأنه «١» مستمع رحمة، فجاز هذا كما كان مستمع خير، ألا ترى أن الرحمة من «٢» الخير؟.
فإن قلت: فهلّا استغني بشمول الخير للرحمة وغيرها عن تقدير عطف الرحمة عليه؟ فالقول: إن ذلك لا يمتنع، كما لم يمتنع: اقرأ باسم ربك الذي خلق [العلق/ ١] ثم خصّص فقال: خلق الإنسان من علق، وإن كان قوله: خلق يعمّ الإنسان وغيره فكذلك الرّحمة، إذا كانت من الخير لم يمتنع أن يعطف «٣»، فتخصّص الرحمة بالذّكر من بين ضروب الخير، لغلبة ذلك في وصفه وكثرته، كما خصّص الإنسان بالذّكر، وإن كان الخلق قد عمّه وغيره، والبعد بين الجارّ وما عطف عليه لا يمنع «٤» من العطف، ألا ترى أنّ من قرأ: وقيله يا رب [الزخرف/ ٨٨] إنّما يحمله على: وعنده علم الساعة [الزخرف/ ٨٥] وعلم قيله.
فإن قلت: أيكون الجرّ في رحمة* على اللام في قوله:
ويؤمن للمؤمنين [التوبة/ ٦١]، فإنّ ذلك ليس وجها، لأن اللام في قوله: ويؤمن للمؤمنين على حدّ اللام في «٥» قوله:
ردف لكم أو على المعنى، لأن معنى يؤمن: يصدّق، فعدّي
стр. 1560
باللام، كما عدّي مصدّق به في «١» نحو: مصدقا لما بين يدي من التوراة [آل عمران/ ٥٠] ولا يكون يؤمن للرحمة، والمعنى: يؤمن الرحمة، لأن هذا الفعل لا يقع عليه في المعنى، ألا ترى أنك لا تقول: يصدّق الرحمة «٢»؟ وزعموا أنّ الأعمش قرأ: قل أذن خير ورحمة لكم وكذلك هو «٣» في حرف أبيّ وعبد الله زعموا.
[التوبة: ٦٦]
اختلفوا في الياء والنون من قوله [جل وعز] «٤»: إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة [التوبة/ ٦٦].
فقرأ عاصم وحده: إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بالنّون جميعا. وقرأ الباقون: إن يعف عن طائفة منكم بالياء «٥» تعذب «٦» طائفة بالتاء «٧».
قال أبو علي «٨»: حدثنا أحمد بن محمد البصريّ قال:
حدّثنا المؤمّل بن هشام قال: حدثنا إسماعيل بن عليّة عن ابن
стр. 1561
أبي نجيح، عن مجاهد في قوله سبحانه «١»: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور/ ٢] قال: أقلّه رجل، وقال عطاء:
أقلّه رجلان. حجة من قال: إن نعف قوله: ثم عفونا عنكم من بعد ذلك [البقرة/ ٥٢].
ومن قال: إن يعف فالمعنى: معنى تعف، وأمّا تعذّب:
بالتاء، فلأنّ الفعل في اللفظ مسند إلى مؤنّث.
[التوبة: ٩٨]
اختلفوا في ضمّ السين وفتحها من قوله تعالى «٢»: دائرة السوء [التوبة/ ٩٨] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: دائرة السوء* بضمّ السّين، وكذلك في سورة الفتح [الآية: ٦].
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: السوء بفتح السين فيهما، ولم يختلف في غيرهما.
حدثني الصوفيّ عن روح بن عبد المؤمن عن محمّد بن صالح عن شبل عن ابن كثير: دائرة السوء بفتح السّين، وكذلك في سورة «٣» الفتح بالنصب.
وقرأ ابن محيصن: السوء* بضم السين «٤».
قال أبو علي: الدائرة لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون صفة قد غلبت، أو تكون بمنزلة العافية، والعاقبة،
стр. 1562
والصفة أكثر في الكلام، وينبغي أن [يكون] «١» يحمل عليها؛ فالمعنى فيها أنها «٢» خلّة تحيط بالإنسان حتى لا يكون له عنها «٣» مخلص، يبيّن ذلك أن ما جاء في التنزيل منه يدلّ على هذا المعنى، فمن ذلك قوله سبحانه «٤»: نخشى أن تصيبنا دائرة [المائدة/ ٥٢] وقال تعالى «٥»: الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء [الفتح/ ٦] وقال: ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء [التوبة/ ٩٨].
فإن قلت: فما معنى إضافته إلى السّوء أو إلى السّوء؟
فإنّه على وجه التأكيد، والزيادة في التبيين، ولو لم يضف لعلم هذا المعنى منها، كما أن نحو قوله: لحيي رأسه، وشمس النّهار، كذلك، ولو «٦» لم يضافا عرف منهما هذا المعنى الذي فهم بالإضافة.
وأما «٧» إضافتهما إلى السّوء أو إلى السّوء، فالقول فيه:
إن السّوء يراد به الرداءة والفساد، فهو خلاف الصدق الذي في قولك: ثوب صدق، وليس الصدق من صدق اللسان الذي هو خلاف الكذب، كما أن السّوء ليس من سؤته في المعنى، وإن
стр. 1563
كان اللفظ واحدا يدلّك على ذلك أنّك تقول: ثوب صدق، فتضيفه «١» إلى ما لا يجوز عليه الصدق والكذب في الأخبار.
فأمّا دائرة السوء بالضم فكقولك «٢»: دائرة الهزيمة ودائرة البلاء، فاجتمعا في جواز إضافة الدائرة إليهما من حيث أريد بكلّ واحدة منهما الرداءة والفساد، فمن قال:
دائرة السوء
فتقديره الإضافة إلى الرداءة والفساد.
فمن «٣» قال: دائرة السّوء فتقديره دائرة الضرر والمكروه، من ذلك «٤»: سؤته مساءة ومسائية، والمعنيان يتقاربان.
قال أبو زيد: قال العدوي: عليهم دائرة السوء [الفتح/ ٦]، وأمطرت مطر السوء [الفرقان/ ٤٠] فضمّ أوائلهما، وقال: رجل سوء، ففتح أولها.
وقال أبو الحسن: دائرة السوء، كما تقول: رجل السّوء، وأنشد «٥»:
وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دما* بصاحبه يوما أحال على الدّم
стр. 1564
قال: وقرئت دائرة السوء* وفي «١» ذا القياس تقول: رجل السّوء، قال: وذا ضعيف إلا أنك إذا قلت: كانت عليهم دائرة السّوء كان أحسن من رجل السّوء، ألا ترى أنك تقول: كانت عليهم دائرة الهزيمة؟ قال: والرجل لا يضاف إلى السّوء، كما يضاف هذا، لأن هذا تفسيره «٢»: الخير والشرّ، كما يقول:
سلكت «٣» طريق الشرّ، وتركت طريق الخير «٤».
[التوبة: ٩٩]
اختلفوا في التخفيف والتثقيل من قوله [جلّ وعز] «٥»:
ألا إنها قربة لهم [التوبة/ ٩٩] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، وحمزة، والكسائي: قربة لهم خفيفة.
واختلف عن نافع، فروى ابن جمّاز، وإسماعيل بن جعفر، عنه في رواية الهاشمي سليمان بن داود وغيره، وورش، والأصمعيّ، ويعقوب بن جعفر: قربة* مثقّل، وروى قالون والمسيبيّ وأبو بكر بن أبي أويس: قربة خفيفة، ولم يختلفوا في قربات أنها مثقّلة «٦».
قال أبو علي: لا تخلو قربة من أن يكون الأصل فيه التخفيف أو التثقيل، ولا يجوز أن يكون التخفيف في الواحد الأصل ثم يثقّل، لأنّ ذلك يجيء على ضربين: أحدهما في
стр. 1565
الوقف، والآخر أن يتبع الحركة التي قبلها، فما كان من ذلك في الوقف فنحو قوله «١».
أنا ابن مأويّة إذ جدّ النّقر وإنما هو النّقر، فحرك القاف بالحركة التي كانت تكون للّام في الإدراج، وما كان من إتباع ما قبلها، فنحو قول الشاعر «٢»:
إذا تجرّد نوح قامتا معه ... ضربا «٣» أليما بسبت يلعج الجلدا
فالكسر في اللام إنما هو لاتباع حركة فاء الفعل، ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون كالبيت الأول، لأنّ حرف الإعراب الذي [هو] «٤» في هذا البيت قد تحرك بحركته التي يستحقّها، فظهر ذلك في اللفظ، والحركة التي حركت بها اللام التي هي عين في الجلد من قوله: الجلدا ليست كالضمة «٥» في النّقر، وعلى هذا يكون قوله «٦»:
стр. 1566
فيد أوركك أتبع العين حركة الفاء التي هي فتحة الراء. فأمّا قول الأعشى «١»:
أذاقتهم الحرب أنفاسها ... وقد تكره الحرب بعد السّلم
فيجوز فيه أن يكون أتبع حركة العين الفاء [حرك العين] «٢» على حدّ ما حرك الجلدا. ويجوز أن يكون ألقى حركة الإعراب التي كانت تستحقها اللام على العين، وهذا أولى. وعلى قولهم: الجلدا، قالوا: رأيت الحجر، فحرّكوا العين اتباعا لحركة ما قبلها في الوقف، وليس قوله: قربة* في الآية موقوفا عليه، ولا ينبغي أن يحمل على التحريك اتباعا لحركة
ثم استمروا وقالوا إنّ موعدكم ... ماء بشرقيّ سلمى فيد أو ركك
وفي رواية: «إن مشربكم».
وسلمى: أحد جبلي طيء- وفيد: نجد قريب منهما. وركك: ماء قريب منها.
انظر شرح ديوانه/ ١٦٧، والمحتسب ١/ ٨٧ - ٢/ ٢٧ ومعجم ما استعجم ١/ ١٥٠ أسنمة وفي المنصف ٢/ ٣٠٩: قال أبو عثمان: وزعم الأصمعي قال: قلت لأعرابي، ونحن بالموضع الذي ذكره زهير فقال: ثم استمروا ... البيت: هل تعرف رككا؟ فقال: قد كان هنا ماء يسمى:
ركّا. فهذا مثل: فكك، حين احتاج إلى تحريكه بناه على: فعل. اه.
وانظر شرح ابن جني لكلام أبي عثمان فيه.
стр. 1567
ما قبلها، لأن ذلك أيضا يكون في الوقف، أو في الضرورة؛ فإذا لم يجز حملها على واحد من الأمرين، علمت أن الحركة هي الأصل في قربه* وأنّ الإسكان تخفيف، كما أسكنوا الرسل، والكتب، والطنب، والأذن، ونحو ذلك.
فأما «١» إذا جمعت فينبغي أن يكون قربات لأنه لا يخلو من أن يكون: كغرفة، أو كبسرة ومن أي الوجهين كان، فينبغي أن يثقّل في الجمع، ألا ترى أنه إذا ثقل ما أصله التخفيف نحو: الظلمات، والغرفات، فاجتلبت في الجمع الضمة، فأن تقرّ الحركة الثابتة في الكلمة أجدر، وينبغي في قول من خفّف فقال في الواحد: قربة إذا جمع أن يعيد الضمّة التي هي الأصل، و [وقع التخفيف فيها] «٢»، لأنها أولى من المجتلبة، كما رددت الضمّة في نحو ضربتهم الآن، ومذ اليوم الذي كان لها في الأصل، ولم تجتلب حركة غريبة في الكلمة لالتقاء الساكنين.
والقربة: ما تقرّب به إلى الله تعالى من فعل خير، أو إسداء «٣» عرف، ومثل قولهم: قربة، وقربة، بسرة وبسرة، وهدبة وهدبة. حكاه محمد بن يزيد.
[التوبة: ١٠٣]
اختلفوا في الجمع والتوحيد من قوله [جل وعز] «٤»: إن
стр. 1568
صلاتك [التوبة/ ١٠٣] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونافع وابن عامر: إن صلواتك جماعة. وفي سورة هود: أصلواتك تأمرك [الآية/ ٨٧] وفي سورة المؤمنين: على صلواتهم [الآية/ ٩] جماعة كلهم.
وروى حفص عن عاصم: إن صلاتك على التوحيد، وفي سورة هود على التوحيد أيضا: أصلاتك فيهما «١»، وفي سورة المؤمنين: على صلواتهم هذه جماع وحدها.
وقرأ حمزة والكسائيّ في الثلاثة المواضع في سورة التوبة وهود والمؤمنين على التوحيد، ولم يختلفوا في سورة الأنعام [الآية/ ٩٢]، وسأل سائل «٢» [٢٣، ٣٤] «٣».
قال أبو علي: الصلاة في اللغة: الدّعاء، قال الأعشى في الخمر «٤»:
وقابلها الريح في دنّها ... وصلّى على دنّها وارتسم
стр. 1569
فكأن معنى: وصل عليهم أدع لهم، فإن دعاءك لهم «١» تسكن إليه نفوسهم، وتطيب به، فأمّا قولهم: صلى الله على رسوله وعلى أهله «٢» وملائكته، فلا يقال فيه: إنّه دعاء لهم من الله. كما لا يقال في نحو: ويل يومئذ للمكذبين «٣» [الطور/ ١١] إنّه دعاء «٤» عليهم، ولكنّ المعنى فيه: أن هؤلاء ممن يستحقّ عندكم أن يقال فيهم هذا النحو من الكلام، وكذلك قوله سبحانه «٥»: بل عجبت ويسخرون [الصافات/ ١٢] فيمن ضمّ التاء «٦»، وهذا مذهب سيبويه. وإذا كان الصلاة مصدرا وقع على الجميع والمفرد على لفظ واحد، كقوله: لصوت الحمير [لقمان/ ١٩] فإذا اختلف جاز أن يجمع لاختلاف ضروبه، كما قال: إن أنكر الأصوات «٧» ومن المفرد الذي يراد به الجمع قوله سبحانه «٨»: وادعوا ثبورا كثيرا [الفرقان/ ١٤] وممّا جاء من الصلاة «٩» مفردا يراد به الجمع قوله: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء [الأنفال/ ٣٥] وقال: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة [البقرة/ ٤٣] والزكاة في هذا كالصلاة، وكأن الرّكعات
стр. 1570
المفروضة والمتنفّل بها سميت صلاة لما فيها من الدعاء إلا أنّه اسم شرعي، فلا يكون الدعاء على الانفراد، حتى ينضم إليها خلال أخر جاء بها الشرع، كما أن الحجّ: القصد في اللغة، فإذا أريد به النّسك، لم يتمّ بالقصد وحده دون خصال أخرى «١» تنضمّ إلى القصد، وكما أن الاعتكاف لبث وإقامة، والشرعي ينضم إليه معنى آخر، وكذلك الصوم، وحسّن ذلك جمعها حيث جمعت لأنه صار بالتسمية بها وكثرة الاستعمال لها كالخارجة عن حكم المصادر، وإذا جمعت المصادر إذا اختلفت في «٢» قوله: إن أنكر الأصوات [لقمان/ ١٩] فأن تجمع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر، ألا ترى أنّ سيبويه جعل درّا من قولهم: لله درّك، بمنزلة: لله بلادك، وجعله خارجا من «٣» حكم المصادر، فلم يعمله إعمالها، مع أنه لم يختص بالتسمية به شيء. وجعله بكثرة الاستعمال خارجا عن حكم المصادر، ولم يجز أن نضيف «٤» درّا إلى اليوم في قوله «٥»:
стр. 1571
لله درّ اليوم من لامها على حدّ قوله: بل مكر الليل والنهار [سبأ/ ٣٣] فهذا يقوّي قول من جمع في نحو حافظوا على الصلوات [البقرة/ ٢٣٨].
فإن قلت: هلّا جعل بمنزلة درّ، فلم يجز فيه إلا الإفراد، إلا أن تختلف ضروبه، كما لم يجز في درّ الإعمال؟
قيل له «١»: ليس كلّ شيء كثر استعماله يغيّر عن أحوال نظائره، فلم تغيّر الصلاة عما كان عليه في الأصل من كونه مصدرا، وإن كان قد سمّي به لأنّه وإن كان قد انضمّ إلى كونه دعاء غيره، فلم يخرج عن أن يكون الدعاء مرادا بها «٢».
ومثل ذلك في كلامهم قولهم: أرأيت زيدا ما فعل، لم يخرجه عمّا كان عليه دخول معنى آخر فيه، فالتسمية به مما يقوي الجمع فيه إذا عنى به الرّكعات، لأنها جارية مجرى الأسماء والإفراد له في نحو: وما كان صلاتهم عند البيت- يجوّزه أنه في الأصل مصدر، فلم يجعل التسمية مزيلة له «١» عما كان عليه في الأصل.
стр. 1572
و «١» من أفرد فيما يراد به الرّكعات كان جوازه على ضربين:
أحدهما: على أنه في الأصل مصدر، وجنس، والمصادر لأنها أجناس مما تفرد «٢» في موضع الجميع، إلّا أن تختلف فتجمع من أجل اختلافها.
والآخر: أن الواحد قد يقع في موضع الجمع، كقوله سبحانه «٣»: يخرجكم طفلا [غافر/ ٦٧] وقول جرير «٤»:
الواردون وتيم في ذرى سبأ ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس
وقال بعضهم: إن التي في التوبة «٥»، والتي في هود، وفي المؤمنين، مكتوبات في المصحف بالواو، والتي في سأل سائل، مكتوبة بغير واو وإذا «٦» اتّجه الإفراد والجمع في العربية ورجّح أحد الوجهين الموافقة لخطّ المصحف؛ كان ذلك ترجيحا يجعله أولى بالأخذ به.
فأما من زعم أن الصلاة أولى لأن الصلاة للكثرة، وصلوات للقلة «٧»، فلم يكن قوله متّجها، لأن الجمع بالتاء قد
стр. 1573
يقع على الكثير كما يقع على القليل، كقوله سبحانه «١»: وهم في الغرفات آمنون [سبأ/ ٣٧] وقوله: إن المسلمين والمسلمات [الأحزاب/ ٣٥] وإن المصدقين والمصدقات [الحديد/ ١٨] فقد وقع هذا الجمع على الكثير كما وقع على القليل، وإذا كان للشيء في العربية «٢» وجهان، فأخذ أحد بأحد الوجهين وآخر بالوجه الآخر كان سائغا، وكذلك: إن أخذ بأحد الوجهين في موضع، وفي موضع آخر بالوجه الآخر وقال: إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون [المعارج/ ٢٣] وقد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون [المؤمنون/ ٢] وقال: حافظوا على الصلوات [البقرة/ ٢٣٨] فأفرد في موضع وجمع في آخر.
[التوبة: ١٠٩]
اختلفوا في ضمّ الألف وفتحها من قوله [جلّ وعزّ] «٣»:
أفمن أسس بنيانه [التوبة/ ١٠٩].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي:
بفتح الألف في الحرفين جميعا، وفتح النون فيهما.
وقرأ نافع وابن عامر أسس* «٤» بضم الألف بنيانه* برفع النون «٥».
стр. 1574
[قال أبو علي] «١»: البنيان: مصدر، وهو جمع على حد شعيرة وشعير لأنّهم قد قالوا: بنيانه في الواحد، قال أوس «٢»:
كبنيانة القرييّ موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدّفّ أبلق
«٣» وجاء بناء المصادر على هذا المثال في غير هذا الحرف، وذلك نحو: الغفران، وليس بنيان جمع بناء، لأن فعلانا إذا كان جمعا نحو كثبان، وقضبان، لم تلحقه تاء التأنيث، وقد يكون ذلك في المصادر نحو ضرب ضربة وأكل أكلة، ونحو ذلك مما يكثر.
قال أبو زيد: يقال: بنيت أبني بنيا، وبناء وبنية، وجماعها: البنى، وأنشد «٤»:
بنى السماء فسوّاها ببنيتها ... ولم تمدّ بأطناب ولا عمد
فالبناء والبنية مصدران، ومن ثمّ قوبل به الفراش في
стр. 1575
قوله: هو الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء [البقرة/ ٢٢]. فالبناء لمّا كان رفعا للمبني قوبل به الفراش الذي هو خلاف البناء.
ومن ثمّ وقع على ما كان فيه ارتفاع في نصبته، وإن لم يكن مصدرا كقول الشاعر «١»:
لو «٢»
وصل الغيث أبنين امرأ ... كانت له قبّة سحق بجاد
أي: جعلت بناءه بعد القبّة خلق كساء، كأنه كان يستبدل بالقباب خباء من سحق كساء لإغارة هذه «٣» الخيل عليهن.
فأما قراءة من قرأ: أفمن أسس بنيانه فبنى الفعل للفاعل، فلأنه الباني والمؤسس فأسند الفعل إليه، وبناه «٤» له، كما أضاف البنيان إليه في قوله: بنيانه فكما أن المصدر مضاف إلى الفاعل كذلك يكون الفعل مبنيا له. ويدلّ على
стр. 1576
ترجيح هذا الوجه اتفاقهم على قوله: أمن أسس بنيانه على.
ومن بنى الفعل للمفعول به لم يبعد أن يكون في المعنى كالأول، لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنيانه هو له، وكان القول الأول أرجح لما قلنا.
[التوبة: ١٠٩]
اختلفوا في التثقيل والتخفيف من قوله [جل وعز] «١»:
جرف هار [التوبة/ ١٠٩].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: شفا جرف مثقل.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة جرف مثقل.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة جرف ساكنة الراء.
وروى حفص عن عاصم جرف مثقّل مثل أبي عمرو «٢».
قال أبو عبيدة: الشّفاء هو: الشّفير. والجرف: ما تجرّف من السيول من الأودية «٣».
قال أبو علي: الجرف: بضم العين الأصل، والإسكان تخفيف، ومثله: الشغل والشغل وقال: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل [يس/ ٥٥] وقال البعيث «٤»:
стр. 1577
غداة لقينا من لؤيّ بن غالب ... هجان الثنايا واللقاء على شغل
ومثله: الطنب والطنب، والعنق والعنق، وكلا الوجهين حسن.
وقال أبو عبيدة: على شفا جرف هار مثقّل، قال: لأن ما يبنى على التقوى فهو أثبت أساسا من بناء يبنى على شفاء جرف.
والقول في ذلك أنه يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البناءين «١»، ويجوز أن يكون بين البانيين «٢»، فإذا عادلت بين البانيين، كان المعنى: المؤسس بنيانه متّقيا خير أم المؤسّس بنيانه غير متّق؟ لأن قوله: على شفا جرف يدلّ على أن بانيه غير متّق لله ولا خاش له، ويجوز أن يقدّر حذف المضاف كأنّه أبناء من أسّس بنيانه متّقيا خير أم بناء من أسّس بنيانه على شفا جرف؟ والبنيان: مصدر وقع «٣» على المبني مثل الخلق إذا عنيت به المخلوق، وضرب الأمير: إذا أردت به المضروب، وكذلك نسج اليمن. يدلّك على ذلك أنه لا يخلو من أن يراد
стр. 1578
به اسم الحدث، أو اسم العين «١»، فلا يجوز أن يكون الحدث، لأنه إنّما يؤسس المبني الذي هو عين.
ويبين ذلك أيضا قوله على شفا «٢» جرف والحدث لا يعلو شفا جرف «٣».
والجار في «٤» قوله: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسّس بنيانه متّقيا خير، أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار؟. والمعنى:
أمّن أسّس بنيانه غير متق، أو: من أسس بنيانه معاقبا على بنائه؟ وفاعل انهار: البنيان، أي: انهار البنيان بالباني في نار جهنم، لأنه معصية، وفعل لما كرهه الله سبحانه «٥» من الضرار، والكفر، والتفريق بين المؤمنين، وعلى شفا جرف: حال كما كان قوله جلّ وعز: على تقوى من الله حالا.
اختلفوا في الإمالة والفتح من قوله جل وعز: هار فانهار [التوبة/ ١٠٩].
فقرأ ابن كثير، وعاصم في رواية هبيرة عن حفص وحمزة: هار بفتح الهاء.
стр. 1579
الأعشى عن أبي بكر (هار) «١» مفخّمة.
وأمال الهاء نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية يحيى عن أبي بكر، والكسائي، بالإمالة «٢» وليس عندي عن ابن عامر في هذا شيء.
وقال غير أحمد بن موسى: قراءة ابن عامر مفخّمة «٣».
قال أبو علي: أما حجّة من لم يمل؛ فإنّ كثيرا من العرب لا يميلون هذه الألفات، وترك الإمالة هو الأصل.
والإمالة في هار حسنة لما في الراء من التكرير، فكأنك قد لفظت براءين مكسورتين، وبحسب كثرة الكسرات تحسن الإمالة، وكذلك «٤» لو أملتها في الوقف كان أحسن من إمالتك نحو: هذا ماش وداع، لأنّك لم تلفظ «٥» هنا بكسرة، وفي الراء كأنك قد لفظت بها لما فيها من التكرير بحرف مكسور إذا وقفت عليها.
وقد يجوز أن تميل نحو: هذا ماش في الوقف، وإن «٦» زالت الكسرة التي لها كنت تميل الألف كما جاز أن تميل الفتحة من «٧» نحو القتلى الحر [البقرة/ ١٧٨] مع ذهاب ما
стр. 1580
أملت الفتحة من أجله وهو الألف من «١» القتلى.
ومثل هذا قولهم: صعقيّ، تركت «٢» الفاء التي كان كسرها لكسرة العين مع زوال كسرتها. وأما الهمزة من هار فمنقلبة عن الواو لأنّهم قد قالوا تهور البناء: إذا تساقط وتداعى، وفي الحديث: «حتى تهوّر الليل» «٣» فهذا في الليل كالمثل والتشبيه بالبناء.
ويجوز في العين إذا قلبت همزة في هذا النحو ضربان:
أحدهما: أن تعلّ بالحذف كما أعلّت بالقلب، فيقال:
هار وشاك السلاح. ويجوز في قولهم: يوم راح، أن يكون فاعلا على الحذف وفعلا على غير الحذف.
والآخر: أن يعلّ بقلبها إلى موضع اللام فيصير في التقدير: فالع.
ويجوز في قولهم:
ضربت على شزن فهنّ شواعي «٤»