← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وهذا والله أعلم فيما يحتمل النّسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات. فأمّا ما كان من غير ذلك فلا يمحى ولا يبدّل، وأمّ الكتاب: هو الذكر المذكور في قوله: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر [الأنبياء/ ١٠٥] «١». وحجة من قال: (يثبت) قوله: وأشد تثبيتا [النساء/ ٦٦] وقوله: (فتثبتوا) [النساء/ ٩٤] لأن تثبّت مطاوع ثبّت. وحجّة من قال يثبت ما روي عن عائشة: «كان إذا صلّى صلاة أثبتها» «٢» وقولهم: ثابت، من قوله: بالقول الثابت [إبراهيم/ ٢٧] لأنّ ثبت مطاوع أثبت، كما أن تثبّت مطاوع ثبّت. [الرعد: ٤٢] اختلفوا في الجمع والتوحيد من قوله تعالى: وسيعلم الكافر [٤٢]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (وسيعلم الكافر) واحدا. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: الكفار على الجمع «٣». العلم في قوله: (سيعلم الكافر) هو المتعدّي إلى

стр. 1822

مفعولين، بدلالة تعليقه ووقوع الاستفهام بعده، تقول: علمت لمن الغلام، فتعلّقه مع الجار كما تعلّقه مع غير الجار في نحو: فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار [الأنعام/ ١٣٥] وموضع الجار مع المجرور نصب من حيث سدّ الكلام الذي هو فيه مسدّ المفعولين، لا من حيث حكمت في نحو: مررت بزيد بأنّ موضعه نصب، ولكنّ اللام الجارة كانت متعلقة في الأصل بفعل فصار مثل: علمت بمن تمرّ، في أنّ الجار يتعلّق بالمرور، والجملة التي هي منها في موضع نصب، وقد علّق الفعل عنها. فأمّا من قرأ: (الكافر) فإنّه جعل الكافر اسما شائعا كالإنسان في قوله: إن الإنسان لفي خسر [العصر/ ٢] وزعموا أنه لا ألف فيه، وهذا الحذف إنّما يقع في فاعل نحو: خالد وصالح، ولا يكاد يحذف في فعّال «١»؛ فذا حجّة لمن قال: الكافر. وزعموا أن في بعض الحروف «٢»: وسيعلم الذين كفروا فهو يقوّي الجمع. وقد جاء فاعل يراد به اسم الجنس، أنشد أبو زيد «٣»: إن تبخلي يا جمل أو تعتلّي ... أو تصبحي في الظّاعن المولي

стр. 1823

فهذا إنّما يكون على الكثرة، وليس المعنى على كافر واحد؛ والجمع الذي هو الكفار، المراد في الآية لا إشكال فيه. قال: ابن كثير وحده: يقف على (هادي) [٧، ٣٣] و (واقى) [٣٤، ٣٧]، وكذلك من (والي) [١١] بالياء «١». حجّة قول من لم يقف بالياء، وهو الوجه، أنك تقول في الوصل: هذا قاض وهاد وواق، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين، فإذا وقفت فالتنوين يحذف في الوقف في الجر والرفع، لا يبدل منه شيء، والياء قد كانت انحذفت في الوصل، فيصادف الوقف الحركة التي هي كسرة في عين فاعل، فتحذفها كما تحذف حركة سائر المتحرّكات التي نقف عليها، فإذا حذفتها سكن الحرف في الوقف، كما تسكن سائر الحروف المتحركات فيه، فيصير (داع) و (واق) و (هاد)، هذا الكثير في الاستعمال، الشائع فيه. ووجه قول ابن كثير أن سيبويه قال: حدثنا أبو الخطاب ويونس: أن بعض من يوثق به من العرب يقول: هذا داعي وعمي، فيقفون بالياء «٢» ووجه ذلك أنّهم قد كانوا حذفوا الياء في الوصل لالتقائها مع التنوين ساكنة، وقد أمن في الوقف أن يلحق التنوين، فإذا أمن التنوين الذي كانت الياء حذفت في الوصل من أجل التقائها معها في الوصل، ردّت الياء فصار:

стр. 1824

هذا قاضي وهادي والأول أكثر في استعمالهم، ومن ثم قال الخليل في نداء قاض ونحوه: يا قاضي، بإثبات الياء، لأنّ النداء موضع لا يلحق فيه التنوين وإذا لم يلحق لم يلتق ساكن مع التنوين، فيلزم حذفها، فثبتت الياء في النداء لمّا أمن لحاق التنوين، كما ثبتت مع الألف واللام لما أمن التنوين معهما في نحو: (المتعالي) [الرعد/ ٩]، و (دعوة الداعي) [البقرة/ ١٨٦]. كذلك تثبت في النداء لذلك.

стр. 1825

اختلافهم في سورة إبراهيم [إبراهيم: ١، ٢] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: الحميد* الله [١، ٢] على البدل. وقرأ نافع وابن عامر: (الحميد* الله) رفعا. حدثني عبيد الله بن عليّ قال: حدّثنا نصر بن علي عن الأصمعيّ عن نافع: الله. حفص مثل أبي عمرو، ولم يرو عن نافع ذلك غيره «١». قال أبو علي: من جرّ جعله بدلا من الحميد «٢»، ولم يكن صفة، لأنّ الاسم، وإن كان في الأصل مصدرا، صفة، والمصادر يوصف بها كما يوصف بأسماء الفاعلين وكذلك كان هذا الاسم في الأصل (الإله) ومعناه: ذو العبادة، أي: العبادة تجب له. قال أبو زيد: تألّه الرجل: إذا نسك، وأنشد لرؤبة «٣»:

стр. 1826

سبّحن واسترجعن من تألّهي فهذا في أنه في الأصل مصدر قد وصف به مثل السلام والعدل، إلّا أنّ هذا الاسم غلب حتّى صار في الغلبة لكثرة استعمال هذا الاسم كالعلم. وقد يغلب ما أصله الصفة، فيصير بمنزلة العلم، قال «١»: ونابغة الجعديّ بالرّمل بيته عليه صفيح ... والأصل: النابغة، فلمّا غلب نزع منه الألف واللام، كما نزع من الأعلام نحو: زيد وجعفر، وربما استعمل في هذا النحو الوجهان، قال «٢»: تقعدهم أعراق حذلم بعد ما رجا الهتم إدراك العلى والمكارم وقال «٣»: وجلّت عن وجوه الأهاتم وأما قوله «٤»:

стр. 1827

والتّيم ألأم من يمشي وألأمهم ... ذهل بن تيم بنو السّوء المدانيس فيجوز أن يكون جعل التيم، لمّا كان في الأصل مصدرا بمنزلة الصفة، ويجوز أن يكون جعل التيم جمع تيمي، كيهودي ويهود، وعلى هذا ما في التنزيل من قوله: وقالت اليهود [البقرة/ ١١٣ المائدة/ ١٨، ٦٤ التوبة/ ٣٠]، ألا ترى أن يهود قد جرى في كلامهم اسما للقبيلة، كما أن مجوس كذلك فلولا أن المراد بها الجمع، لم يدخلهما الألف واللام، كما لا تدخل المعارف نحو: زيد وجعفر، إلّا أنه جمع، فحذف الياءين اللتين للنسب، كما جمع: شعيرة وشعير فحذف الهاء، ومثل ذلك: روميّ وروم، وزنجيّ وزنج. ومن رفع قطع من الأول، وجعل (الذي) الخبر، أو جعله صفة، وأضمر خبرا، ومثل ذلك في القطع قوله: (قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب) [سبأ/ ٣] فمن قطع ورفع جعل قوله: لا يعزب عنه [سبأ/ ٣] خبرا لقوله: (عالم الغيب)، ومن جرّ أجرى (عالم الغيب) صفة على الأول، وعلى هذا يجوز: من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن [يس/ ٥٢] إن شئت جعلت هذا صفة لقوله: من مرقدنا وأضمرت خبرا لقوله: ما وعد الرحمن وإن شئت جعلت قوله: هذا ابتداء، وجعلت قوله: ما وعد الرحمن خبرا، وكذلك: عطاء حسابا* رب السموات والأرض وما بنيهما الرحمن [النبأ/ ٣٦ - ٣٧]، إن شئت جعلته صفة، وإن شئت جعلته ابتداء ولا يملكون خبره، ومثل ذلك: إن الله اشترى من

стр. 1828

المؤمنين أنفسهم [التوبة/ ١١١]، ثم انقطع قوله: التائبون [التوبة/ ١١٢] عنهم، واستؤنف به، وزعموا أن في بعض الحروف: التائبين على إتباع المؤمنين، فكذلك قراءة من قرأ: (الله) فقطعه مما قبله، واستأنف به. [إبراهيم: ١٩] اختلفوا في قوله جل وعز: ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق [١٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: خلق على فعل. وقرأ حمزة والكسائي: (خالق) على فاعل «١». وجه قول من قرأ: (خلق) أن ذلك أمر ماض فأخبروا عنه بلفظ المضيّ على فعل. ووجه من قال: (خالق) أنّه جعله مثل: فاطر السموات والأرض [إبراهيم/ ١٠ يوسف/ ١٠١ فاطر/ ١] ألا ترى أنّ فاطرا بمعنى خالق، وكذلك قوله: (فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا) [الأنعام/ ٩٦] هو على فاعل دون فعل، وهما مما قد فعل فيما مضى. [إبراهيم: ٢٢] اختلفوا في قوله : (وما أنتم بمصرخي* إني) [٢٢]، فحرّك حمزة ياؤها الثانية، إلى الكسر، وحرّكها الباقون إلى الفتح. وروى إسحاق الأزرق عن حمزة بمصرخي بفتح الياء الثانية «٢»

стр. 1829

قال أبو علي: قال الفرّاء في كتابه في التصريف: هو قراءة الأعمش، ويحيى بن وثّاب قال: وزعم القاسم بن معن أنّه صواب، قال: وكان ثقة بصيرا، وزعم قطرب أنّه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الإضافة ياء، وأنشد «١»: ماض إذا ما همّ بالمضيّ ... قال لها هل لك يا تافيّ وقد أنشد الفراء ذلك أيضا «٢». ووجه ذلك من القياس: أن الياء ليست تخلو من أن تكون في موضع نصب، أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما، وكالكاف في: في أكبر منك، وهذا لك، فكما أن الهاء قد لحقتها الزيادة في: هذا لهو، وضربهو. ولحق الكاف أيضا الزيادة في قول من قال: أعطيتكاه وأعطيتكيه، فيما حكاه سيبويه «٣»، وهما أختا الياء كذلك ألحقوا الياء الزيادة من المدّ، فقالوا: فيّي ثم حذفت الياء الزائدة على الياء، كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال «٤»: له أرقان وزعم أبو الحسن أنها لغة، وكما حذفت الزيادة من الكاف، فقالوا: أعطيتكه وأعطيتُكِهِ، كذلك حذفت الياء اللاحقة

стр. 1830

للياء كما حذف من أختيها، وأقرّت الكسرة التي كانت تلي الياء المحذوفة، فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرة، وكما لحقت الكاف والتاء والهاء الزيادة، كذلك لحقت الياء الزيادة، فلحاق التاء الزيادة نحو ما أنشد من قول الشاعر «١»: رميتيه فأصميت ... فما أخطأت الرّمية فإذا كانت هذه الكسرة في الياء على هذه اللغة، وإن كان غيرها أفشى منها، وعضده من القياس ما ذكرنا؛ لم يجز لقائل أن يقول: إن القراءة بذلك لحن لاستفاضة ذلك في السماع والقياس، وما كان كذلك لا يكون لحنا. [إبراهيم: ٤٢] قال: روى عبّاس عن أبي عمرو: (إنما نؤخرهم ليوم) [إبراهيم/ ٤٢] بالنون ولم يروها غيره. وقرأ الباقون بالياء «٢». اليزيديّ وغيره عن أبي عمرو يؤخرهم على ياء. وجه الياء أنّ لفظ الغيبة المفرد قد تقدّم، فيكون بالياء: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون «٣» إنما يؤخرهم [٤٢].

стр. 1831

ووجه النون أنّه قرأ في المعنى. مثل الياء، وقد تقدّم مثله. [إبراهيم: ٤٦] اختلفوا في كسر اللام الأولى وفتح الثانية من قوله: لتزول منه الجبال [٤٦]. فقرأ الكسائي وحده: (لتزول منه الجبال) بفتح اللام الأولى من (تزول) وضمّ الثانية. وقرأ الباقون: (لتزول) بكسر اللام الأولى وفتح الثانية «١». من قرأ: وإن كان مكرهم لتزول منه فإن (إن) على قوله: بمعنى «ما» التقدير: ما كان مكرهم لتزول، وإن مثل التي في قوله: إن الكافرون إلا في غرور [الملك/ ٢٠] وهذا مثل قوله: ما كان الله ليذر المؤمنين ... وما كان الله ليطلعكم على الغيب [آل عمران/ ١٧٩]. والمعنى: وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم أي: جزاء مكرهم، فحذف المضاف كما حذف من قوله: ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم [الشورى/ ٢٢]، أي: جزاؤه، أي: قد عرف الله مكرهم فهو يجازيهم عليه، وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، والجبال كأنه أمر النبيّ، وأعلامه ودلالته، أي: ما كان مكرهم لتزول منه ما هو مثل الجبال في امتناعه ممّن أراد إزالته. ومن قرأ: (وإن كان مكرهم لتزول منه) كانت (إن)

стр. 1832

المخفّفة من الثقيلة على تعظيم أمر مكرهم، على خلاف القراءة الأخرى، وهو في تعظيم مكرهم، كقوله: ومكروا مكرا كبارا [نوح/ ٢٢] أي: قد كان مكرهم من كبره وعظمه يكاد يزيل ما هو مثل الجبال في الامتناع على من أراد إزالته وثباتها، ومثل هذا في تعظيم الأمر قول الشاعر «١»: ألم تر صدعا في السماء مبيّنا ... على ابن لبينى الحارث بن هشام وقال «٢»: بكى حارث الجولان من موت ربّه ... وحوران منه خاشع متضائل وقال أوس «٣»: ألم تكسف الشمس شمس النّهار ... مع النّجم والقمر الواجب

стр. 1833

فهذا كلّه على تعظيم الأمر وتفخيمه. ويدلّ على أن الجبال يعنى به أمر النبي، ﷺ ، قوله بعد: (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) [إبراهيم/ ٤٧] أي: فقد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم في قوله: ليظهره على الدين كله [التوبة/ ٣٣ الفتح/ ٢٨ الصف/ ٩]، وقوله: قل للذين كفروا ستغلبون [آل عمران/ ١٢]، وقد استعمل لفظ الجبال في غير هذا في تعظيم الشيء وتفخيمه، قال ابن مقبل «١»: إذا متّ عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها شاعرا مثلي أطبّ وأشعرا وأكثر بيتا شاعرا ضربت به ... بطون جبال الشعر حتى تيسّرا [إبراهيم: ٤٠] اختلفوا في قوله: (وتقبل دعائي ربنا) [٤٠] في إثبات الياء في الوصل والوقف. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وهبيرة عن حفص عن عاصم: (وتقبل دعائي ربنا) بياء في الوصل وقال البزي عن ابن كثير: يصل ويقف بياء، وقال قنبل عن ابن كثير: يشمّ الياء في الوصل ولا يثبتها، ويقف عليها بالألف. والباقون: (دعاء) بغير ياء.

стр. 1834

وروى نصر بن علي عن الأصمعي قال: سمعت نافعا يقرأ: (وتقبل دعائي ربنا) بياء في الوصل وروى غير هذين عن نافع: بغير ياء في وصل ولا وقف. وروى أبو عمارة عن أبي حفص عن أبي عمر عن عاصم: بغير ياء في وصل ولا وقف. الكسائيّ وابن عامر: بغير ياء في وصل ولا وقف «١». أما وقف ابن كثير ووصله بياء فهو القياس، وأما وصل عاصم: (وتقبّل دعائي) بياء فقياس. وأما ما رواه قنبل عن ابن كثير أنه يشمّ الياء في الوصل ولا يثبتها، فالقياس كما قدمنا، وهذا الوجه أيضا جائز لدلالة الكسرة على الياء، ولأنّ الفواصل وما أشبه الفواصل من الكلام التام يحسن الحذف فيه، كما يحسن في القوافي، وذلك كثير قال الأعشى «٢»: فهل يمنعنّي ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين ومن شانئ كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن وحذفها في الوقف أحسن من حذفها في الوصل، لأن الوقف موضع تغيير، يغيّر فيه الحرف الموقوف عليه كثيرا.

стр. 1835

ذكر اختلافهم في سورة الحجر [الحجر: ٢] اختلفوا في تشديد الياء وتخفيفها من قوله: ربما [٢]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: (ربّما) مشدّدة. عليّ بن نصر قال: سمعت أبا عمرو يقرؤها على الوجهين جميعا، خفيفا وثقيلا. وقرأ نافع وعاصم: ربما خفيفة «١». قال أبو علي: أنشد أبو زيد «٢»: ماويّ بل ربّتما غارة ... شعواء كالّلذعة بالميسم

стр. 1836

وأنشد أيضا «١»: يا صاحبا ربّت إنسان حسن يسأل عنك اليوم أو يسألُ عن وقال السكري: ربّما، وربّتما، وربما، وربتما، وربّ: حرف جر عند سيبويه، وتلحقها (ما) على وجهين: أحدهما أن تكون نكرة بمعنى شيء وذلك كقوله «٢»: ربّما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال ف «ما» في هذا البيت اسم لما يقدّر من عود الذكر إليه من الصفة، والمعنى: ربّ شيء تكرهه النّفوس، وإذا عاد إليه الهاء كان اسما، ولم يجز أن يكون حرفا، كما أنّ قوله: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين) [المؤمنون/ ٥٥]، لمّا عاد الذكر إليه علمت بذلك أنّه اسم. فأمّا قوله: «له فرجة كحلّ العقال»، فإنّ فرجة يرتفع

стр. 1837

بالظرف في قول الناس جميعا، ولا يرتفع بالابتداء. وأما قوله: «كحلّ العقال» فإن موضع الكاف يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع نصب على الحال من له، والآخر: أن يكون في موضع رفع على أنه صفة لفرجة. ويدلّك على أنّ ما تكون اسما إذا وقعت بعد ربّ، وقوع من بعدها في نحو قوله «١»: ألا ربّ من يهوى وفاتي ولو دنت ... وفاتي لذلّت للعدوّ مراتبه وقال: يا ربّ من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين «٢» وقال «٣»: ألا ربّ من تغتشّه لك ناصح ومؤتمن بالغيب غير أمين

стр. 1838

فكما دخلت على من، وكانت نكرة، كذلك تدخل على ما على الحدّ الذي دخل في من، فهذا ضرب. والضرب الآخر: أن تدخل كافّة نحو الآية، ونحو قول الشاعر «١»: ربّما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات والنحويّون يسمّون ما هذه الكافّة، يريدون أنّها بدخولها كفّت الحرف عن العمل الذي كان له، وهيّأته لدخوله على ما لم يكن يدخل عليه. ألا ترى أنّ رب إنما تدخل على الاسم المفرد، ربّ رجل يقول ذاك، وربّه رجلا يقول ذاك، ولا تدخل على الفعل، فلمّا دخلت ما عليها هيّأتها للدّخول على الفعل، فمن ذلك قوله: ربما يود الذين كفروا [الحجر/ ٢]، فوقع الفعل بعدها في الآية، وهو على لفظ المضارع، ووقع في قوله: ربّما أوفيت في علم على لفظ المضيّ، وهكذا ينبغي في القياس، لأنّها تدلّ

стр. 1839

على ما قد مضى وإنّما وقع في الآية على لفظ المضارع لأنّه حكاية لحال آتية، كما أن قوله: وإن ربك ليحكم بينهم [النحل/ ١٢٤] حكاية لحال آتية أيضا. ومن حكاية الحال قول القائل «١»: جارية في رمضان الماضي ... تقطّع الحديث بالإيماض ومن زعم أن الآية على إضمار كان، وتقدير: ربّما كان يودّ الذين كفروا، فقد خرج بذلك عن قول سيبويه، ألا ترى أنّ كان لا تضمر عنده، ولم يجز: عبد الله المقتول، وأنت تريد: كن عبد الله المقتول. فأمّا إضمارها بعد إن في قوله: إن خيرا فخير «٢»، فإنّما جاز ذلك لاقتضاء الحرف له، فصار اقتضاء الحرف له كذكره. فأمّا ما أنشده ابن حبيب لنبهان بن مشرق: لقد رزئت كعب بن عوف وربّما ... فتى لم يكن يرضى بشيء يضيمها فإن قوله: فتى، في «ربّما فتى» يحتمل ضروبا، أحدها: أن يكون لمّا جرى ذكر رزئت، استغنى بجري ذكره عن أن يعيده،

стр. 1840

فكأنّه قال: ربّما رزئت فتى، فيكون انتصاب فتى برزئت هذه المضمرة، كقوله: آلآن وقد عصيت قبل [يونس/ ٩١]، فاستغنى بذكر (آمنت) المتقدّم عن إظهاره بعد، ويجوز أن ينتصب فتى برزئت هذه المذكورة، كأنّه قال: لقد رزئت كعب ابن عوف فتى، وربّما لم يكن يرضى، أي: رزئت فتى لم يكن يضام، ويكون هذا الفصل في أنه أجنبيّ بمنزلة قوله «١»: أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه ويجوز أن يكون مرتفعا بفعل مضمر، كأنّه قال: ربّما لم يرض فتى، وكقوله «٢»: ... وقلّما وصال على طول الصّدود يدوم

стр. 1841

ويجوز أن تكون «ما» نكرة بمنزلة شيء، ويكون فتى وصفا لها، لأنّها لما كانت كالأسماء المبهمة في إبهامها، وصفت بأسماء الأجناس، كأنه: ربّ شيء فتى لم يكن، فكان كذا وكذا، هذه الأوجه فيها ممكنة. ويجوز في الآية أن تكون ما بمنزلة شيء، و (يودّ) صفة له وذلك أن ما لعمومها تقع على كلّ شيء، فيجوز أن يعنى بها الودّ، كأنه قال: ربّ ودّ يودّه الذين كفروا، ويكون يودّ في هذا الوجه أيضا حكاية حال، ألا ترى أنه لم يكن بعد، وهذه الآية في المعنى كقوله: فارجعنا نعمل صالحا [السجدة/ ١٢]، وكقوله: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون [المؤمنون/ ٩٩] وكتمنيّهم الردّ في قوله: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا [الأنعام/ ٢٧]. وأمّا قول من قال: (ربما) بالتخفيف، فلأنه حرف مضاعف، والحروف المضاعفة قد تحذف وإن لم يحذف غير المضاعف. فمن المضاعف الذي حذف قولهم: إنّ، وأنّ، ولكنّ، قد حذف كلّ واحد من هذه الحروف، وليس كلّ المضاعف يحذف، لم أعلم الحذف في ثمّ. وأمّا دخول التاء في «ربّتما» فإنّ من الحروف ما يدخل عليه حرف التأنيث نحو: ثمّ وثمّت، ولا ولات، قال «١»:

стр. 1842

ثمّت لا تجزونني عند ذاكم ولكن سيجزيني الإله فيعقبا فكذلك ألحقت التاء في ربّ في قوله: ربّتما. [الحجر: ٨] اختلفوا في قوله : (ما تنزل الملائكة إلا بالحق) [٨]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (ما تنزل الملائكة إلا بالحق) مفتوحة التاء والنون، والزاي مشدّدة، (الملائكة) رفع، فاعله. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (ما تنزل الملائكة) مضمومة [التاء] مفتوحة النون، (الملائكة) رفع لم يسمّ فاعله. وقرأ حمزة والكسائيّ وحفص عن عاصم: ما ننزل الملائكة بالنون مشدّدة الزاي، (الملائكة) نصبا، مفعول به، والأولى لم يختلفوا فيها «١». حجّة من قرأ: (ما تنزّل) قوله: (تنزل الملائكة والروح فيها) [القدر/ ٤]، وحجة من قال: (ما تنزل الملائكة) قوله: (ونزل الملائكة تنزيلا) [الفرقان/ ٢٥]. وحجة من قال: (ننزل) قوله: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى [الأنعام/ ١١١].

стр. 1843

[الحجر: ١٥] اختلفوا في تشديد الكاف وتخفيفها من قوله : سكرت [١٥]. فقرأ ابن كثير: (سكرت) خفيفة. وقرأ الباقون: سكرت مشدّدة «١». أبو عبيدة: (سكرت): غشّيت «٢»، وكأن معنى سكرت: لا ينفذ نورها، ولا تدرك الأشياء على حقيقتها، وكأنّ معنى الكلمة انقطاع الشيء عن سببه الجاري، فمن ذلك: سكر الماء، هو ردّه عن سيبه في الجرية، وقالوا: التسكير في الرأي قبل أن يعزم على شيء، فإذا عزم على أمر ذهب التسكير، ومنه السكر في الشراب، إنّما هو أن ينقطع عن ما هو عليه من المضاء في حال الصحو، فلا ينفذ رأيه ونظره على حدّ نفاذه في صحوه، وقالوا: سكران لا يبت، فعبروا عن هذا المعنى فيه. ووجه التثقيل أنّ الفعل مسند إلى جماعة فهو مثل: مفتحة لهم الأبواب [ص/ ٥٠] ووجه التخفيف أنّ هذا النحو من الفعل المسند إلى الجماعة قد يخفّف. قال «٣»: ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها وإنّما حملت التثقيل في سكرت على التكثير، على تنزيل أن (سكرت) بالتخفيف قد ثبت تعدّيه في قراءة ابن كثير،

стр. 1844

والذي عليه الظاهر في سكر أنه يتعدى، وإذا بني الفعل للمفعول فلا بدّ من تنزيله معدّى، فيكون تعدّيه على قول ابن كثير مثل: شترت عينه، وشترتها، وعارت وعرتها. ويجوز أن يكون أراد التثقيل، فحذفه لما كان زائدا، وهو يريده، كما جاز ذلك في المصادر وأسماء الفاعلين نحو قولهم: عمرك الله، وقعدك الله «١»، و: دلو الدالي «٢» والرياح لواقح «٣» [الحجر/ ٢٢]، ويجوز أن يكون فعلا قد سمع معدى في البصر. والتثقيل الذي هو قول الأكثر أعجب إلينا، ويكون التضعيف للتعدية.

стр. 1845

[الحجر: ٤٥] اختلفوا في فتح النون وكسرها من قوله جلّ وعزّ: فبم تبشرون [٥٤]. فقرأ ابن كثير ونافع، كسرا، غير أن ابن كثير شدد النون، وخففها نافع. وقرأ أبو عمرو وعاصم، وابن عامر وحمزة والكسائيّ: فبم تبشرون بفتح النون «١». تشديد ابن كثير النون أنّه أدغم النون الأولى التي لعلامة الرفع في الثانية المتّصلة بالياء التي هي المضمر المنصوب المتكلّم. وفتحها «٢» لأنّه لم يعدّ الفعل إلى المفعول به، كما عدّاه غيره، وحذف المفعول كثير. ولو لم يدغم وبيّن لكان حسنا في القياس، مثل: اقتتلوا، في جواز البيان فيه والإدغام. وأمّا قراءة نافع فبم تبشرون فإنّه أراد: «تبشرونني» وتعدية الفعل إلى المضمر المنصوب، لأنّ المعنى عليه، فأثبت ما أخذ به غيره من الكسرة التي تدلّ على الياء المفعولة، وحذف النون الثانية، لأنّ التكرير بها وقع، ولم يحذف الأولى

стр. 1846

التي هي علامة الرفع، وقد حذفوا هذه النون في كلامهم لأنّها زائدة، ولأنّ علامة الضمير الياء دونها، ونظير حذفهم لها من المنصوب حذفهم لها من المجرور في قولهم: قدني، وقدي، قال «١»: قدني من نصر الخبيبين قدي فحذف وأثبت في بيت. وقال الأعشى في حذف هذه النون اللاحقة مع الياء «٢»: فهل يمنعني ارتياد البلا ... د من حذر الموت أن يأتين وإنّما هو: يمنعنّني. وقال آخر «٣»: أبا لموت الذي لا بدّ أنّي ... ملاق لا أباك تخوّفيني فهذا مثل الآية. وقال «٤»: تراه كالثّغام يعلم مسكا ... يسوء الفاليات إذا فليني فحذف الثانية، فكذلك قراءة نافع.

стр. 1847

ومن قرأ: تبشرون ففتح النون، فالنون علامة الرفع، ولم يعدّ الفعل فتجتمع نونان. [الحجر: ٥٦] اختلفوا في فتح النون وكسرها من قوله: : (ومن يقنط) [٥٦]. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة: (من يقنط) بفتح النون في كلّ القرآن. وقرأ أبو عمرو والكسائي: (ومن يقنط) بكسر النون. وكلّهم قرأ: من بعد ما قنطوا بفتح النون «١». قنط يقنط، وقنط يقنط، لغتان، ومثله: نقم ينقم، ونقم ينقم: لغتان، وكأن يقنط «٢» أعلى، ويدلّ على ذلك اجتماعهم في قوله: من بعد ما قنطوا. وحكي أنّ يقنط لغة، فهذا يدلّ على أن يقنط أكثر، لأن مضارع فعل يجيء على يفعل ويفعل، مثل: يفسق، ويفسق، ولا يجيء مضارع فعل على: يفعل «٣». [الحجر: ٥٩] اختلفوا في تخفيف الجيم وتشديدها من قوله : إنا لمنجوهم [٥٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر لمنجوهم مشدّدة الجيم.

стр. 1848

وقرأ حمزة والكسائي: (لمنجوهم) خفيفا «١». حجّة التثقيل قوله: ونجينا الذين آمنوا [فصلت/ ١٨]. وحجّة التخفيف: فأنجاه الله من النار [العنكبوت/ ٢٤]. [الحجر: ٦٠] قال: وكلّهم قرأ: إلا امرأته قدرنا [٦٠] مشدّدة الدال، وقدرناها مثله في سورة النمل [الآية/ ٥٧] مشدّدا في كلّ القرآن إلّا عاصما، فإنّه خفّفها، في رواية أبي بكر، في كلّ القرآن، وشدّدها في رواية حفص في كلّ القرآن. وقرأ ابن كثير وحده: (نحن قدرنا بينكم الموت) [الواقعة/ ٦٠] خفيفا والباقون يشدّدون. وقرأ نافع والكسائيّ (فقدرنا فنعم القادرون) [المرسلات/ ٢٣] مشدّدة، وقرأ الباقون: فقدرنا مخففة. وقرأ الكسائيّ وحده: (قدر فهدى) [الأعلى/ ٣]، خفيفا، وقرأ الباقون: قدر مشدّدة «٢». قال أبو علي: يقال: قدرت الشيء في معنى: قدّرته، يدلّك على ذلك قول الهذليّ «٣»:

стр. 1849

ومفرهة عنس قدرت لساقها ... فخرّت كما تتابع الريح بالقفل المعنى: قدّرت ضربتي لساقها فضربتها، فحذف ضربتها لدلالة الكلام عليه، كقوله: فمن كان منكم مريضا ففدية [البقرة/ ١٩٦] أي: فحلق. وهذا في المعنى كقول الآخر «١»: وإن تعتذر بالمحل من ذى ضروعها ... على الضيف يجرح «٢» في عراقيبها نصلي وقال أيضا: يقدر في معنى يقدّر، قال الراجز «٣»: يا ربّ قد أولع بي وقد عبث ... فاقدر له أصيلة مثل الحفث المعنى: قدّر له ووفّقه، ويقال: قدر الشيء يقدره: إذا ضيّقه، قال: ومن قدر عليه رزقه، فلينفق مما أتاه الله [الطلاق/ ٧]، وقال: الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له [العنكبوت/ ٦٢]، فقوله: يقدر مقابل لقوله: يبسط، فقوله: يقدر خلاف: يبسط، وكذلك قوله: فظن

стр. 1850

أن لن نقدر عليه [الأنبياء/ ٨٧] أي: ظنّ أن لن نضيّق عليه، وكونه: في بطن الحوت تضييق عليه، وخلاف الاتساع. وقراءة ابن كثير: (قدرنا بينكم الموت) مخفّفا في معنى قدرنا. وقراءة نافع والكسائي: فقدرنا فنعم القادرون بمعنى: (قدرنا) الخفيفة، وعليه جاء: القادرون ومن قرأ: (قدرنا) مخفّفا، كان في معنى التشديد. وقوله: القادرون بعد قدرنا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قدرنا في معنى (قدرنا). فجاء القادرون على اللغة الخفيفة، كأنهما جميعا بين اللغتين. ويجوز أن يكون: فنعم المقدّرون. فحذف تضعيف العين، كما حذفت الهمزة «١» من نحو: دلو الدّالي «٢». و: يخرجن من أجواز ليل غاض «٣». ونحو ذلك، وكذلك قراءة الكسائيّ: (قدر) فهذا خفيفا، ومعناه: قدّر، وكأن المشدّدة في هذا المعنى أكثر في الاستعمال، وفي التنزيل، كقوله: (قدر فيها أقواتها) [فصلت/

стр. 1851

١٠]، وخلق كل شيء فقدره تقديرا [الفرقان/ ٢]. أصحاب الأيكة [الحجر/ ٧٨]: لم يختلفوا في هذه السورة، ولا في سورة قاف «١» [١٤]. [الحجر: ٧٨] واختلفوا فى سورة الشعراء، وفي سورة ص [١٣]، فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر في سورة الشعراء: (أصحاب ليكة) «٢» [١٧٦] غير أن ورشا روى عن نافع (الايكة) متروكة الهمزة «٣»، مفتوحة اللام بحركة الهمزة، والهمزة ساقطة. لأنه ألقى عليها «٤» حركة الهمزة في الحجر، وفي قاف. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي (الأيكة) في كلّ القرآن «٥». قال أبو علي: تقول: هي أيكة، فإذا ألحقت لام المعرفة كانت الأيكة، قال الهذلي «٦»:

стр. 1852

موشّحة بالطّرتين دنا لها ... جنى أيكة يضفو عليها قصارها وأنشد الأصمعي «١»: وما خليج من المرّوت ذو حدب ... يرمي الضرير بخشب الأيك والضّال فأيك وأيكة، مثل: تمر وتمرة، فقد ثبت أن الأيك تعريف أيك، فإذا خفّفت الهمزة في أيكة، وقد ألحقتها الألف واللام، حذفتها، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء من أيكة، فيجوز فيها إذا استأنفت لغتان: من قال: الأحمر «٢»، قال: «أليكة» ومن قال: لحمر، قال: «ليكة»، وإذا كان كذلك فقول من قال: ليكة، ففتح التاء، مشكل «٣»، لأنّه فتح مع لحاق اللام الكلمة، وهذا في الامتناع كقول من قال: بلحمر، فيفتح الآخر مع لحاق لام المعرفة، وإنّما يخرج قول من قال: (أصحاب ليكة) على أن هذا المعنى قد يسمى بكلمة تكون اللام فيها فاء، ويكون مقلوب: كيل، فإن لم يثبت هذا مشكلا «٤»، ولم أسمع بها. ويبعد أن يفتح نافع ذلك مع ما قال ورش عنه.

стр. 1853

ذكر اختلافهم في سورة النحل [النحل: ٢] اختلفوا في قوله تعالى: ينزل الملائكة [٢] في التخفيف، والتشديد، والتاء، والياء. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ينزل الملائكة بالياء، غير أنّ ابن كثير وأبا عمرو أسكنا النون، وخفّفا الزاي وشدّدها الباقون. وروى الكسائيّ عن أبي بكر عن عاصم: (تنزل الملائكة) بالتاء مضمومة، وفتح الزاي. (الملائكة) رفع «١». فاعل ينزل الضمير العائد إلى اسم الله تعالى، في أتى أمر الله [١]. فأمّا إسكان النون في (ينزل) وتخفيفها وتشديدها، فكل واحد من القراءتين سائغ؛ قال: إنا نحن نزلنا الذكر [الحجر/ ٩] وقال: وأنزلنا إليك الذكر [النحل/ ٤٤]. فأما ما روي عن عاصم من قوله: (تنزل الملائكة) فإنّه

стр. 1854

أنّث الفعل لإسناده إلى الملائكة، كما قال: إذ قالت الملائكة [آل عمران/ ٤٥]، وبنى الفعل للمفعول، وأسند إليهم، والأوّل أبين. [النحل: ١١] قال: كلّهم قرأ: ينبت [١١] بالياء إلا عاصما، في رواية أبي بكر، فإنّه قرأ: (ننبت) بالنون، وروى حفص عنه بالياء «١». ينبت بالياء، لتقدم قوله: هو الذي أنزل من السماء ماء [١٠]، ينبت وينبت، أشكل لما تقدّم من الإفراد، والنون لا تمتنع أيضا «٢»، ويقال: نبت البقل، وأنبته الله وقد روي: أنبت البقل، والأصمعي: يأبى إلا نبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها: ... حتى إذا أنبت البقل «٣» متّهمة. فأما قوله: تنبت بالدهن [المؤمنون/ ٢٠] فيجوز أن

стр. 1855

يكون الباء زائدة كقوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة/ ١٩٥]، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم [النحل/ ١٥]، فعدّى (ألقى) مرّة بالياء، ومرّة بغيرها. وإذا ثبت: أنبت، في معنى: نبت، جاز أن تكون الباء للتعدي، كما أنّها لو كانت مع نبت كان كذلك، ويجوز أن تكون الهمزة في أنبت، للتعدي، والمفعول محذوف، والباء للحال كأنه تنبت ثمرة الدّهن، فحذف المفعول، وبالدهن في موضع حال كأنه: تنبت بالدهن، أي: تنبت الثمر، وفيه دهن، ويجوز في تنبت بالدهن، أي: بذي الدّهن، أي تنبت ما فيه دهن. قال: وقرأ ابن عامر: (والشمس والقمر والنجوم مسخرات) [٥٤] رفع كلّه، وقرأ الباقون: بنصب ذلك كلّه، وأبو بكر عن عاصم. وروى حفص عن عاصم مثل قراءة ابن عامر في مسخرات «١» وحدها، ونصب الباقي «٢». النصب في قوله: والشمس والقمر أحسن، ليكون معطوفا على ما قبله وداخلا في إعرابه، لاستقامته في المعنى، ألا ترى أن ما في التنزيل من نحو قوله: وكلا ضربنا له الأمثال [الفرقان/ ٣٩]، وقوله: والظالمين أعد لهم عذابا أليما [الإنسان/ ٣١] يختار فيه النصب، ليكون مثل ما يعطف عليه،

стр. 1856

ومشاكلا له، فكذلك إذا حمل ذلك على التسخير، كان أشبه، فإن قلت: فكيف جاء (مسخرات) بعد هذه الأشياء المنصوبة المحمولة على (سخر)؟ فإن ذلك لا يمتنع، لأنّ الحال تكون مؤكّدة ومجيء الحال مؤكّدة في التنزيل وفي غيره كثير، كقوله: وهو الحق مصدقا [البقرة/ ٩١]، و: أنا ابن دارة معروفا «١» و: كفى بالنأي من أسماء كافي «٢»

стр. 1857

ويقوي النصب قوله: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين [إبراهيم/ ٣٣]، فكما حملا هنا على التسخير كذلك في الأخرى، وكذلك النجوم قد حملت «١» على التسخير كذلك في وهو الذي جعل «٢» لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر [الأنعام/ ٩٧]. وكأنّ ابن عامر قطعه عن سخّر، لئلّا يجعل الحال مؤكّدة، فابتدأ الشمس والقمر والنجوم، وجعل مسخّرات خبرا عنها. ويدل على جواز ذلك أنه إذا جاء: سخر لكم الشمس والقمر علم من هذا أنهما مسخران، فجاز الإخبار بالتسخير عنها لذلك. [النحل: ١٢] ووجه ما روي عن عاصم من الرفع في مسخّرات وحدها، أنّه لم يجعلها حالا مؤكّدة، وجعلها خبر ابتداء محذوف، كأنّه لما قال: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم [النحل/ ١٢] قال بعد: هي مسخرات، فحذف المبتدأ، وأضمره لدلالة الخبر عليه، وهو إذا جعله خبر ابتداء محذوف فقد علم ذلك بما تقدّم، كما أنّه إذا جعل مسخرات حالا مؤكدة فقد علم ذلك بما تقدم، وهذا المعنى

стр. 1858

في الحال أسوغ منه في الخبر، لأنّ الخبر ينبغي أن يكون مفيدا، لم يجيء إلّا كذلك، ألا ترى أنّه حمل قوله على الحال، ولم يحمله على الخبر، والحال قد جاءت مؤكّدة. [النحل: ٢١، ٢٠، ١٩] اختلفوا في قوله : والله يعلم ما تسرون وما تعلنون «١» والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا [النخل/ ٢٠ - ٢١]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين تدعون) كلّهن بالتاء. وقرأ عاصم: والله يعلم ما تسرون وما تعلنون بالتاء، والذين يدعون بالياء. أخبرنا الخزاز عن هبيرة، عن حفص عن عاصم: أنّه قرأهن ثلاثتهن بالياء. وقال ابن اليتيم عن أبي حفص عمرو بن الصباح عن حفص عن عاصم مثل أبي بكر عن عاصم. وروى الكسائيّ عن أبي بكر عن عاصم: ذلك كلّه بالياء «٢» في الثلاثة «٣». هذا يكون كلّه على الخطاب، لأنّ ما بعده خطاب كقوله بعد: أفلا تذكرون. وقوله: وألقى في الأرض رواسي أن

стр. 1859

تميد بكم [النحل/ ١٥] وإلهكم إله واحد [النحل/ ٢٢]، فكلّ هذا خطاب، فإن قلت: إنّ فيه (والذين تدعون من دون الله) وهذا لا يكون خطابا للنبي ﵌، ولا للمسلمين، فإنّه يكون على إرادة: قل، كأنّه: قل لهم: (والذين تدعون من دون الله) فلا يمتنع الخطاب إذا كان على هذا الوجه، ولهذا قرأ عاصم: والذين يدعون بالياء، لما كان ذلك عنده إخبارا عن المشركين، ولم يجز أن يكون في الظاهر خطابا للمسلمين. فأما ما روي عن عاصم من أنه قرأ كلّه بالياء، فهذا على توجيه الخطاب إلى النبي ﵌، كأنه: قل لهم: والله يعلم ما يسرّون وما يعلنون، والذين يدعون. [النحل: ٢٧] اختلفوا في فتح النون وكسرها من قوله : تشاقون فيهم [٢٧]. فقرأ نافع وحده: (تشاقون فيهم) بكسر النون وتخفيفها. وقرأ الباقون: تشاقون فيهم بفتح النون «١». قد ذكرنا وجه قول نافع فيما تقدم «٢»، ومعنى (تشاقون): تكونون في جانب والمسلمون في جانب، ولا تكونون معهم يدا واحدة. ومن هذا قيل لمن خرج عن طاعة الإمام وعن جملة جماعة المسلمين: شقّ العصا، أي: صار في جانب عنهم، فلم يكن ملائما لهم، ولا مجتمعا معهم في كلمتهم «٣».

стр. 1860

[النحل: ٢٧] اختلفوا في الهمز من قوله : أين شركائي الذين [٢٧]، فقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر- إن شاء الله- وحمزة والكسائي: أين شركائي الذين بهمزة وفتح الياء. وقال البزيّ عن ابن كثير: (شركاي الذين) بغير همز وفتح الياء، مثل: هداي [البقرة/ ٣٨]. وروى القوّاس عن ابن كثير: شركائي الذين مهموزة «١». الوجه فيه الهمز: لأن شريكا وشركاء كخليط وخلطاء، وفي التنزيل: وإن كثيرا من الخلطاء [ص/ ٢٤]، ولا نعلم أحدا جمعه على غير فعلاء. ووجه القصر: أن هذا الضرب من الممدود قد قصر في الآحاد مرّة، ومدّ أخرى، قال «٢»: وأربد فارس الهيجا إذا ما ... تقعرت المشاجر بالفئام
следующие страницы →