← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد ذكر اختلافهم في سورة الحج [الحج: ٢] اختلفوا في قوله تعالى: سكارى [الحج/ ٢] في ضم السين وإثبات الألف وفتح السين وإسقاط الألف. فقرأ حمزة والكسائي: (وترى النّاس سكرى وما هم بسكرى) بغير ألف فيهما والسين مفتوحة. وقرأ الباقون: سكارى وما هم بسكارى بضم السين فيها [و] بالألف «١». حجة من قال: (سكرى) أن سيبويه قال: قد قالوا: رجل سكران، وقوم سكرى، قال: وذلك أنهم جعلوه كالمرضى، قال: وقالوا: رجال روبى، جعلوه بمنزلة سكرى، والرّوبى: الذين قد استثقلوا نوما فشبّهوه بالسكران. انتهى كلام سيبويه «٢». ويجوز أن يجمع سكران على سكرى من وجه آخر. وهو أن

стр. 2067

سيبويه حكى رجل سكر، وقد جمعوا هذا البناء على فعلى، فقالوا: هرم وهرمى وزمن وزمنى وضمن وضمنى، لأنه من باب الأدواء والأمراض التي يصاب بها، ففعلى من هذا الجمع وإن كان كعطشى فليس يراد بها المفرد، إنما يراد بها تأنيث الجمع كما أن الباضعة، والطائعة، وإن كان على لفظ الضاربة والقائمة، فإنما هو لتأنيث الجمع دون تأنيث الواحد من المؤنث. وحجة من قال: (سكارى) أنه لفظ يختص به الجمع وليس بمشترك للجمع والواحد كقولهم: سكرى. ونظيره قولهم: أسارى وكسالى، فجاء الأول منه مضموما وإن كان الأكثر من هذا الجمع مفتوح الأول نحو: حذارى وحباطى وجباجى، كما جاء نحو: تؤام وظؤار وثناء ورحال مضمومة الأوائل، وإن كان الأكثر من ذلك مكسورا نحو: سقام ومراض وظراف. [الحج: ٢٣] اختلفوا في قوله : (ولؤلؤ) [الحج/ ٢٣]. فقرأ ابن كثير (ولؤلؤ) وفي الملائكة [فاطر/ ٣٣] كذلك، وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر هاهنا وفي الملائكة ولؤلؤا بالنصب. عاصم في رواية يحيى عن أبي بكر بهمزة واحدة وهي الثانية. المعلّى بن منصور عن أبي بكر عن عاصم (ولؤلؤ) يهمز الأولى ولا يهمز الثانية، ضد قول يحيى عن أبي بكر وهذا غلط. حفص عن عاصم يهمزهما وينصب «١».

стр. 2068

وجه الجر في قوله: (ولؤلؤ) أنهم: يحلّون أساور من ذهب ومن لؤلؤ، أي: منهما، وهذا هو الوجه، لأنه إذا نصب فقال: يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ حمله على: ويحلّون لؤلؤا. وللؤلؤ إذا انفرد من الذهب والفضة لا يكون حلية. فإن قلت: فقد قال: وتستخرجوا منه حلية تلبسونها [النحل/ ١٤]. فهذا على أن يكون حلية إذا رصّع في الذهب أو الفضّة صار حلية، كما قال في العصر: إني أراني أعصر خمرا [يوسف/ ٣٦] لأنه قد يستحيل إليها بالشدّة، كما يكون ذلك حلية على الوجه الذي يحلّى به، وكذلك القول في التي في الملائكة. ويحتمل قوله: ولؤلؤا فيمن نصب وجها آخر، وهو أن تحمله على موضع الجار والمجرور لأن موضعهما نصب، ألا ترى أن معنى: يحلون فيها من أساور يحلّون فيها أساور، فتحمله على الموضع. فأما ما رواه معلّى عن أبي بكر عن عاصم (ولؤلؤ) يهمز الأولى ولا يهمز الثانية، ضدّ قول يحيى، قال أحمد: هذا غلط، فالأشبه أن يريد أنه غلط من طريق الرواية، ولا يمتنع في قياس العربية أن يهمز الأولى دون الثانية، والثانية دون الأولى وأن يهمزهما جميعا، فإن همز الأولى دون الثانية حقّق الهمزة الأولى فقال: (لؤلؤا) وإن خفّف الهمزة أبدل منها الواو فقال: (لؤلؤا) مثل: بوس وجونة، وإن خفّف الثانية، وقد نصب الاسم قال: (ولؤلؤا) فأبدل من الهمزة الواو لانفتاح الهمزة وانضمام ما قبلها فيكون كقولهم: جون في جمع جؤنة، والتودة في التؤدة، وإن خفّفهما جميعا قال: لولوا. وأمّا من جرّ فقال: (ولؤلؤ) فتخفيف الثانية عنده أن يقلبها واوا كما تقول: مررت بأكموك، فيقول: (ولؤلؤ) وقد تقدم ذلك في سورة البقرة.

стр. 2069

[الحج: ٢٩، ١٥] اختلفوا في كسر لام الأمر وإسكانها من قوله: ثم ليقطع [الحج/ ١٥] ثم ليقضوا [الحج/ ٢٩]. فقرأ ابن كثير: (ثم ليقضوا) مكسورة اللام، ولم يكسر غيرها، هذه رواية القواس عنه. وقال البزي: اللام مدرجة. قال: يعني بمدرجة: ساكنة. وقرأ أبو عمرو وابن عامر: (ثمّ ليقطع)، (ثم ليقضوا) مكسورة اللام، زاد ابن عامر: (وليوفوا) [الحج/ ٢٩]، (وليطوفوا) [الحج/ ٢٩] بكسر لام الأمر فيهما. واختلف عن نافع، فقال إسماعيل بن جعفر وأحمد والقاضي عن قالون وإسحاق وإسماعيل بن أبي أويس: ثم ليقطع ثم ليقضوا ساكنتي اللام، وقال ورش وأبو بكر بن أبي أويس: (ثم ليقطع)، (ثم ليقضوا) مكسورتي اللام مثل أبي عمرو. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ثم ليقضوا وليفوا، ثم ليقطع، وليطوفوا اللام للأمر ساكنة في كلّ القرآن، إذا كان ما قبلها واو أو فاء أو ثم «١». قال أبو علي: أصل هذه اللام الكسر، يدلّ على ذلك أنك إذا ابتدأت بها فقلت: ليقم زيد، كسرتها لا غير، فإذا ألحقت الكلام الذي فيه اللام الواو أو الفاء أو ثمّ، فمن أسكن مع الفاء والواو فلأن الفاء والواو يصيران كشيء من نفس الكلمة، نحو: كتف، لأن كل واحد منهما لا ينفرد بنفسه، فصار بمنزلة كتف وفخذ، فقلت:

стр. 2070

وليقضوا. فإذا كان موضع الفاء والواو (ثمّ) لم يسكنه أبو عمرو، لأن ثمّ ينفصل بنفسه ويسكت عليه دون ما بعده، فليست في هذا كالفاء والواو، ومن قال: ثم ليقضوا شبّه الميم من ثم، بالفاء والواو، فيجعل فليقضوا، من (ثم ليقضوا) بمنزلة الفاء والواو، وجعله كقولهم: «أراك منتفخا» فجعل «تفخا» من منتفخا مثل كتف، فأسكن اللام وعلى هذا قول العجاج «١»: فبات منتصبا وما تكردسا ومثل ذلك قولهم: (وهي) [هود/ ٤٢] فهي كالحجارة [البقرة/ ٧٤]. وأما اختلاف الرواية عن نافع فإحداهما على قول من قال: (فهي) (وهي) والأخرى على قول من قال: (فهو) [الإسراء/ ٩٧] (وهو) [البقرة/ ٨٥] ويجوز أن يكون أخذ بالوجهين جميعا لاجتماعهما في الجواز. [الحج: ٢٥] قال: وكلهم قرأ: (سواء العاكف فيه) [الحج/ ٢٥] رفعا غير عاصم فإنه قرأ في رواية حفص: سواء نصبا «٢». أبو عبيدة: العاكف: المقيم، والبادي غير العاكف وهو الذي لا يقيم «٣». وجه الرفع في (سواء) أنه خبر ابتداء مقدّم، والمعنى: العاكف

стр. 2071

والبادي فيه سواء، أي: ليس أحدهما بأحقّ به من صاحبه، واستواء العاكف والبادي فيه دلالة على أن أرض الحرم لا تملك، ولو ملكت لم يستويا فيه، وصار العاكف فيها أولى بها من البادي بحقّ ملكه، ولكن سبيلها سبيل المساجد التي من سبق إليها كان أولى بالمكان لسبقه إليها، فسبيله سبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى به. ومن نصب فقال: (سواء العاكف) أعمل المصدر عمل اسم الفاعل، فرفع العاكف فيه كما يرفع بمستو، ولو قال: مستويا فيه العاكف والبادي فرفع العاكف فيه بمستو، فكذلك يرفعه بسواء، والأكثر الرفع في نحو هذا، وأن لا تجعل هذا النحو من المصدر بمنزلة اسم الفاعل في الإعمال. ووجه إعماله أن المصدر قد يقوم مقام اسم الفاعل في الصفة نحو: رجل عدل فيصير عدل كعادل، وقد كسر اسم المصدر تكسير اسم الفاعل في نحو قوله «١»: فنوّاره ميل إلى الشمس زاهره فلولا أن النون كاسم الفاعل لم يكسره تكسيره، وكذلك قول الأعشى «٢»:

стр. 2072

وكنت لقا تجري عليك السوائل ومن أعمل المصدر إعمال اسم الفاعل فقال: مررت برجل سواء در همه، وقال: مررت برجل سواء هو والعدم، كما تقول: مستو هو والعدم، فقال: (سواء العاكف فيه والباد) كما تقول: مستويا العاكف فيه والباد. ويجوز في نصب قوله: سواء العاكف فيه وجه آخر، وهو أن تنصبه على الحال، فإذا نصبته عليها وجعلت قوله: للناس مستقرا، جاز أن يكون حالا يعمل فيها معنى الفعل، وذو الحال الذكر الذي في المستقر، ويجوز أيضا في الحال أن يكون من الفعل الذي هو جعلناه. فإن جعلتها حالا من الضمير المتصل بالفعل كان ذا الحال الضمير، والعامل فيها الفعل، وجواز للناس مستقرا، على أن يكون المعنى أنه جعل للناس ونصب لهم منسكا ومتعبّدا، كما قال: وضع للناس [آل عمران/ ٩٦]. ويدلّ على جواز كون قوله: للناس مستقرا، أنه قد حكي أن بعض القرّاء قرأ: (الذي جعلناه للنّاس سواء العاكف فيه والباد) فهذا يدلّ على أنه أبدل العاكف والبادي من الناس من حيث كانا كالشامل لهم، فصار المعنى الذي جعلناه للعاكف والبادي سواء. فقوله: للناس يكون على هذا مستقرّا في موضع المفعول الثاني لجعلناه، فكما كان في هذا مستقرا، كذلك يكون مستقرا في الوجه الذي تقدمه، ومعنى: الذي جعلناه للعاكف والبادي سواء: أنهما يستويان فيه في الاختصاص بالمعنى، فأما قوله: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم [الجاثية/ ٢١] فقال سيبويه فيه: اعلم أنّ ما كان من النكرة رفعا غير صفة، فإنه في المعرفة رفع، فذلك قوله: أم حسب الذين اجترحوا ... فتلا

стр. 2073

الآية «١»، وهذا إنما يراد به، أنه إذا لم يرتفع الاسم مع النكرة في نحو: مررت برجل سواء أبوه وأمه، لم يرتفع به مع المعرفة في نحو: ظننت زيدا سواء أبوه وأمه، ولكن تقول: سواء أبوه وأمه، قد رفع سواء إذا جرى على معرفة بأنه خبر مبتدأ، والجملة التي سواء منها في موضع نصب بأنه مفعول ثان أو حال. والمعنى في الآية أن مجترحي السيّئات لا يستوون مع الذين آمنوا كما قال: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون [السجدة/ ١٨]. وكما قال: هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور [الرعد/ ١٦] فالمراد في الآية هذا المعنى. والضمير في قوله: محياهم ومماتهم لا يخلو من أن يكون للذين آمنوا دون الذين اجترحوا السيئات، أو كاللذين اجترحوا من دون المؤمنين، أو لهما، فيجوز أن يكون الضمير في محياهم ومماتهم للذين آمنوا دون غيرهم، ويكون المعنى: كالذين آمنوا، مستويا محياهم ومماتهم، فتكون الجملة في موضع حال من الذين آمنوا، كما تكون الحال من المجرور في نحو: مررت بزيد، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني من نجعل أي: نجعلهم مستويا محياهم ومماتهم كالذين آمنوا، لا ينبغي ذلك لهم، فيكون الضمير في محياهم ومماتهم للذين اجترحوا السيئات، في المعنى، ألا ترى أن الضمير في نجعلهم للذين اجترحوا السيئات، ومحياهم ومماتهم من قوله: سواء محياهم ومماتهم يعود الضمير منه إلى الضمير الذي في نجعلهم، ويدلّ على ذلك أنه قد قرئ فيما زعموا (سواء محياهم ومماتهم) فنصب الممات، وقد حكى عن الأعمش، فهذا يدلّ على أنه أبدل المحيا والممات من الضمير المتصل بنجعلهم فيكون في البدل

стр. 2074

كقوله: وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره [الكهف/ ٦٣] فيكون الذكر في محياهم ومماتهم على هذا في المعنى للذين اجترحوا السيّئات. ويجوز أن تجعل قوله: كالذين آمنوا [الجاثية/ ٢١] في موضع المفعول الثاني ل (نجعل) فيكون الضمير في محياهم ومماتهم للقبيلين، ويكون العامل في الحال أن نجعلهم الذي هو مفعول الحسبان، ويكون المعنى: أن نجعلهم والمؤمنين متساوين في المحيا والممات. وقد روى عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية أنه قال: يموت المؤمن على إيمانه ويبعث عليه، ويموت الكافر على كفره ويبعث عليه «١»، فهذا يكون على هذا الوجه الثالث، يجوز أن يكون حالا من نجعلهم والضمير للقبيلين، فإن قلت: إن من الكفّار من يلحقه مكانة في الدنيا، ويكون له نعم ومزيّة، فالذي يلحقه ذلك ليس يخلو من أن يكون من أهل الذمة أو من أهل الحرب، فإن كان من أهل الذمّة، فليس يخلو من أن يكون قد أدركه ما ضرب عليهم من الذلّة في الحكم، نحو أن يحشروا إلى مؤدّى الجزية، والصّغار الذي يلحقه في الحكم. وإن كان من أهل الحرب، فليس يخلو من إباحة نفسه وماله بكونه حربا، أو من أن يكون ذلك جاريا عليه في الفعل من المسلمين ذلك بهم أو الحكم، والمؤمن مكرّم في الدنيا لغلبته بالحجّة، وفي الآخرة في درجاته الرفيعة، ومنازله الكريمة. [الحج: ٦٩] وقرأ ابن كثير: (هذان خصمان) [الحج/ ٦٩] مشدّدة النون، وقرأ الباقون: هذان خفيفة النون «٢».

стр. 2075

قد تقدّم القول في تثقيل هذه النون. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (البادي) [الحج/ ٢٥] بالياء في الوصل، ووقفا بغير ياء. واختلف عن نافع، فقال ابن جماز وإسماعيل بن جعفر وورش ويعقوب عن نافع: (والبادي) بالياء في الوصل. وقال المسيبي وأبو بكر وإسماعيل ابنا أبي أويس بغير ياء في وصل ولا وقف. وقال الأصمعي: سمعت نافعا يقرأ: (والبادي) فقلت: أهكذا كتابها؟ فقال: لا. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بغير ياء في وصل ولا وقف «١». قد تقدم القول في ذلك ونحوه. [الحج: ٢٩] عاصم في رواية أبي بكر (وليوفوا نذورهم) [الحج/ ٢٩] مشدّدة الفاء ساكنة اللام. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: وليوفوا خفيفة ساكنة اللام غير ابن عامر فإنه كسر اللام «٢». قال أبو علي: (وليوفّوا) حجّته: وإبراهيم الذي وفي [النّجم/ ٣٧] وسكون اللام قد تقدم القول فيه. وحجة وليوفوا قوله: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [النحل/ ٩١]. وأوفوا بالعقود [المائدة/ ١] والأكثر في التنزيل

стр. 2076

وأوفوا، ووفّي وأوفي ووفي لغات مستعملة، قال الشاعر «١»: أما ابن طوق فقد أوفي بذمّته ... كما وفي بقلاص النجم حاديها [الحج: ٣١] وقرأ نافع وحده: (فتخطفه) [الحج/ ٣١] مشدّدة الطاء. وقرأ الباقون: فتخطفه خفيفة «٢». قالوا: خطف يخطف، وخطف يخطف، وهذه أعلى، فأما قول نافع: (فتخطّفه الطّير) فإنما هو: تتخطّف تتفعّل، من الخطف، فحذف تاء التفعل فصار: فتخطّفه، وتخطّف في كلتا القراءتين حكاية حال تكون، والمعنى في قوله: (فتخطّفه الطير أو تهوي به الرّيح في مكان سحيق) أنه قوبل به قوله: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها [البقرة/ ٢٥٦] فكما كان المؤمن في إيمانه متمسّكا بالعروة الوثقى، كان المشرك بعكس ذلك الوصف، فلم يتمسّك لكفره وشركه بشيء يتعلّق به، ولم يتمسّك بماله فيه أمان من الخرور ونجاة من الهوى واختطاف الطير له، كالمؤمن المتمسّك بإيمانه، فصار كمن خرّ من السماء، فهوت به الريح، فلم يكن له في شيء من ذلك متعلّق ولا معتصم فيكون له ثبات، ومثل هذا قول الشاعر «٣»:

стр. 2077

ولمّا رأيت الأمر عرش هويّة ... تسليت حاجات النفوس بصيعرا فالعرش مكان المستقي والماتح، وليس بموضع طمأنينة ولا استقرار إلّا على الخطر وخلاف الثقة بالموقف، يقول: لما رأيت الأمر لاثبات بعدت منه، وقريب منه قول الآخر «١»: فلا يرمى بي الرّجوان إنّي ... أقلّ القوم من يغني غنائي أي: لا أدفع إلى شيء لا يكون لي معه ثبات ولا قرار، كما أن من رمي به الرّجوان لم يقدر على استقرار ولا اطمئنان. [الحج: ٦٧، ٣٤] اختلفوا في فتح السين وكسرها من قوله : (منسكا) [الحج/ ٣٤ - ٦٧]. فقرأ حمزة والكسائي، (منسكا) بكسر السين في الحرفين جميعا.

стр. 2078

وقرأ الباقون: منسكا بفتح السين في الحرفين جميعا «١». قال أبو علي: الفتح أولى لأنه لا يخلو من أن يكون مصدرا أو مكانا، وكلاهما مفتوح العين، إذا كان الفعل على: فعل يفعل، نحو: قتل يقتل مقتلا، وهذا مقتلنا. ووجه الكسر: أنه قد يجيء اسم المكان على المفعل من هذا النحو، نحو: المطلع، وإنما هو من طلع يطلع، والمسجد وهو من يسجد، فيمكن أن يكون هذا مما شذّ أيضا عن قياس الجمهور، فجاء اسم المكان على غير القياس، ولا يقدم على هذا إلا بالسمع، ولعلّ الكسائي سمع ذلك. [الحج: ٣٨] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (إن الله يدفع عن الذين آمنوا) [الحج/ ٣٨] ولو لادفع الله الناس [الحج/ ٤٠] بغير ألف. وقرأ نافع: إن الله يدافع عن الذين آمنوا، (ولولا دفاع الله) بألف. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: إن الله يدافع بألف، ولولا دفع الله بغير ألف «٢». قراءة ابن كثير وأبي عمرو: (إنّ الله يدفع) ولولا دفع الله جعلوا الدفع مصدر دفع، وقراءة نافع: إن الله يدافع (ولولا دفاع الله)، فدفاع يكون مصدر دافع، كما أن القتال مصدر قاتل. فأما من فصل بين الفعل والمصدر وقرأ: إن الله يدافع ولولا دفع الله فيجوز

стр. 2079

أن يكون وافق قراءة من قرأ: (إنّ الله يدفع) ولولا دفع الله وذلك أن فاعل في معنى فعل مثل: طارقت النّعل، ولا يصح أن يكون مثل قاتل وضارب، فهو مثل واعد التي يراد به فعل، فجاء يدفع على أن معنى الفعل فعل، وإن كان لفظه على فاعل، مثل: طارقت النّعل، وعاقبت اللص، وعافاه الله. ولو قرأ قارئ: (ولولا دفاع الله الناس) وقرأ: (إن الله يدفع) لجاز أن يكون الدفاع من دفع، كالكتاب من كتب، لا يريد به مصدر فاعل، ولكن مصدر الثلاثة مثل: الكتاب والقيام والعتاب، وقال أبو الحسن: أكثر الكلام: (إن الله يدفع) بغير ألف. قال: وتقولون: دفع الله عنك، قال: ودافع عربية إلا أن الأول أكثر. [الحج: ٤٠] اختلفوا في تشديد الدال وتخفيفها من قوله: لهدمت صوامع [الحج/ ٤٠]. فقرأ ابن كثير ونافع: (لهدمت صوامع) خفيفة الدال وقرأ الباقون: لهدمت مشدّدة الدال «١». هدمت يكون للقليل والكثير، يدلّك على ذلك أنك تقول: ضربت زيدا ضربة، وضربته ألف ضربة، فاللفظ في القلة والكثرة على حالة واحدة، وهدّمت يختص به الكثير، كما أن الرّكبة والجلسة تختص بالحال التي هو عليها، وفي التنزيل: وغلقت الأبواب [يوسف/ ٢٣]، وقال الشاعر «٢»:

стр. 2080

ما زلت أفتح أبوابا «١» وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمّار فهذا وجه من قال: (لهدمت صوامع) بالتخفيف. [الحج: ٣٩] اختلفوا في فتح الألف وضمّها من قوله تعالى: أذن للذين يقاتلون [الحج/ ٣٩]. فقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (أذن للذين) مفتوحة الألف مكسورة التاء. وقرأ نافع وأبو عمارة وابن اليتيم وهبيرة عن حفص عن عاصم: أذن برفع الألف يقاتلون مفتوحة التاء. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو أذن للذين يقاتلون مضمومة الألف مكسورة التاء. وقرأ ابن عامر (أذن للذين يقاتلون) مفتوحة الألف والتاء «٢». قال أبو علي: المأذون لهم في القتال أصحاب رسول الله ﷺ ، وما ظلموا به: أنّ المشركين أخرجوهم من ديارهم وشرّدوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوّءوا المدينة بعد، فمن قرأ: (أذن) فبنى الفعل للفاعل فلما تقدّم من ذكر الله تعالى وقوله: الذين يقاتلون في موضع نصب. ومن قرأ: أذن فبنى الفعل للمفعول به، فالمعنى على أن الله

стр. 2081

سبحانه أذن لهم في القتال، والجار والمجرور في موضع رفع لإسناد الفعل المبني للمفعول إليهما. ومن قرأ: (يقاتلون) فالمعنى أنهم يقاتلون عدوهم، والظالمين لهم بإخراجهم عن ديارهم. ومن قرأ: أذن للذين يقاتلون فالمعنى فيه: أذن الله للذين يقاتلون بالقتال، ومعاني هذه القراءات متقاربة. وزعموا أن في بعض القراءات: في سبيل الله وهذا يصلح أن يكون في قراءة من قرأ: (يقاتلون) ويقاتلون لأن من يقاتل المشركين ومن يقاتل من المسلمين، فقتاله في سبيل الله، وحذف مثل هذا في الكلام للدّلالة عليه حسن كثير، والذي أظهره أخرج ما حذفه الجمهور من اللفظ إلى اللفظ. وممّا يقوي قول من قال: يقاتلون بأنهم ظلموا بأن الفعل الذي بعده مسند إلى المفعول به. [الحج: ٤٥] قرأ أبو عمرو وحده: (أهلكتها) [الحج/ ٤٥] بالتاء. وقرأ الباقون: أهلكناها بالنون، وروى عبد الرحمن بن أبي حماد عن أبي بكر عن عاصم: (أهلكتها) بالتاء «١». وجه قراءة: (أهلكتها) أن قبله: وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير [الحج/ ٤٤] وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها [الحج/ ٤٨] فهو أشبه بما قبله وما بعده مع أن الأصل في هذا النحو الأفراد. ومن قرأ: أهلكناها فيشبه أن يكون لما رأى من كثرة ذلك في

стр. 2082

التنزيل بلفظ الجمع نحو: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا [الأعراف/ ٤] ولقد أهلكنا القرون من قبلكم [يونس/ ١٣] وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها [القصص/ ٥٨]. [الحج: ٤٥] اختلفوا في همز البئر وترك همزها [من قوله تعالى: وبئر معطلة] [الحج/ ٤٥]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: وبئر مهموزة. وقرأ نافع في رواية ورش، وابن جماز ويعقوب وخارجة: (وبير) بغير همز. وقال الأصمعي: سألت نافعا عن البير والذيب فقال: إن كانت العرب تهمزها فأهمز. واختلف عن المسيّبي، فروى ابن المسيّبي عن أبيه عن نافع أنه لم يهمز، وروى أبو عمارة عن المسيبي عن نافع أنه همز. حدثني عبد الله بن الصقر عن محمد بن إسحاق عن أبيه عن نافع [أنه] لم يهمز (وبير). وروى عبيد عن هارون عن أبي عمرو: وبئر مهموز «١». قال أبو علي: تحقيق الهمز حسن وتخفيفه حسن، وتخفيفه أن تقلب ياء بحسب الحركة التي قبلها، وكذلك الذئب وما أشبه ذلك من همزة ساكنة قبلها كسرة. [الحج: ٤٧] اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى: ومما تعدون [الحج/ ٤٧]. فقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (ممّا يعدّون) بالياء هاهنا،

стр. 2083

وقرءوا في السجدة: مما تعدون [٤٧] بالتاء. وقرأ الباقون: بالتاء جميعا «١». حجة من قرأ بالياء أن قبله: ويستعجلونك بالعذاب [الحج/ ٤٧] فيكون الكلام من وجه واحد، وزعموا أن الحسن قرأ: (ممّا يعدّون) وقال: مما يعدّون يا محمد. وحجّة التاء أنهم زعموا أنه أكثر في القراءة وهو مع ذلك أعمّ، ألا ترى أنه يجوز أن يعنى به من ذكر في قوله: (يعدّون) وغيرهم من النبي ﷺ والمسلمين وغيرهم، وقد جاء في كلامهم وصف اليوم ذي الشدائد والجهد بالطول، وجاء وصف خلافه بالقصر، أنشد عن أبي زيد: تطاولت أيّام معن بنا ... فيوم كشهرين إذ يستهل «٢» وقال الآخر: يطول اليوم لا ألقاك فيه ... ويوم نلتقي فيه قصير «٣» وقال آخر: ويوم كإبهام الحبارى لهوته «٤» [الحج: ٥١] اختلفوا في إثبات الألف وإسقاطها من قوله (معجزين)

стр. 2084

[الحج/ ٥١] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلّ ما فيه: (آياتنا معجزين) بغير ألف [مشدّدا] وقرأ الباقون: معاجزين بألف «١». قال أبو علي: معاجزين: ظانّين ومقدّرين أنهم يعجزوننا، لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور فيكون ثواب وعقاب، وهذا في المعنى كقوله: أم حسب الذين يعلمون السيئات أن يسبقونا [العنكبوت/ ٤] و (معجزين) ينسبون من تبع النبى ﷺ إلى العجز، وهذا كقولهم: جهّلته: نسبته إلى الجهل، وفسّقته: نسبته إلى الفسق، وزعموا أن مجاهدا فسّر معجزين: مثّبطين أي: يثبّطون الناس عن النبي ﷺ . [الحج: ٥٨] وكلّهم قرأ: ثم قتلوا أو ماتوا [الحج/ ٥٨] خفيفة غير ابن عامر فإنه قرأ: (قتلوا) مشدّدة التاء، والقاف في قولهم جميعا مرفوعة «٢». قتلوا: يكون للقليل والكثير، وقتلوا: في هذا الموضع حسن، لأنهم قد أكثر فيهم القتل في وجوه توجهوا إليها. [الحج: ٥٩] وقرأ نافع وحده: (مدخلا) [الحج/ ٥٩] بفتح الميم، وقرأ الباقون: مدخلا مرفوعة الميم، وروى الكسائي عن ابي بكر عن عاصم: (مدخلا) بفتح الميم «٣». قال: المدخل يجوز أن يراد به الإدخال، ويمكن أن يراد به مكانه، وإذا عنيت بالمدخل الإدخال، كان المعنى أنهم إذا أدخلوا

стр. 2085

أكرموا، فلم يكونوا كمن ذكر في قوله: الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم [الفرقان/ ٣٤]، ويجوز أن يعنى به الموضع، ويرضونه لأن لهم فيه ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، فهو خلاف المدخل الذي قيل فيه: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون [غافر/ ٧١]. وحجّة من قال: (مدخلا) أن المدخل يجوز أن يكون الدخول، ويجوز أن يكون موضعه كالمدخل، ودلّ: ليدخلنهم [الحج/ ٥٩] على الدخول لأنهم إذا أدخلوا دخولا فكأنه قال: ليدخلنّهم فيدخلون مدخلا، ودلّ على هذا الفعل ما في قوله: ليدخلنهم من الدلالة عليه. [الحج: ٦٢] اختلفوا في قوله : (وأنّ ما تدعون من دونه هو الباطل) [الحج/ ٦٢] في الياء والتاء هاهنا وفي العنكبوت [٤٢] ولقمان [٣٠] والمؤمن [٢٠]. فقرأ ابن كثير في الحج والعنكبوت ولقمان بالتاء، وفي المؤمن: يدعون من دونه بالياء. وقرأهنّ نافع بالتاء، وكذلك ابن عامر. وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم كلّه بالياء، وقرأ حمزة والكسائي في العنكبوت (إنّ الله يعلم ما تدعون) بالتاء، والباقي بالياء. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر حرفين بالياء وحرفين بالتاء، في الحج ولقمان بالتاء، وفي العنكبوت والمؤمن بالياء «١». حجّة من قرأ يدعون بالياء قوله: يكادون يسطون [الحج/ ٧٢].

стр. 2086

وحجّة التاء قوله: يا أيها الناس ضرب مثل [الحج/ ٧٣] وهذا إليه أقرب من قوله: يكادون يسطون والأقرب أولى، والتاء على تقدير: وأن ما تدعون أيها المشركون، والياء على تقدير: قل لهم إن ما يدعون. على هذا يحمل ذلك وما أشبهه. [الحج: ٧١] عبيد عن هارون عن أبي عمرو: (ما لم ينزل) [الحج/ ٧١] وقال: إذا لم يكن قبلها أنزل فهو (ينزل) خفيفة. وكذلك يقول: إذا كان قبلها (أنزل)، لا تبالي أيّهما قرأت: (ينزل)، أو ينزل «١». قد مضى القول في هذا النحو في غير موضع.

стр. 2087

ذكر اختلافهم في سورة المؤمنون «١» [المؤمنون: ٨] قرأ ابن كثير وحده: (لأمانتهم) [٨] واحدة، وقرأ الباقون: لأماناتهم جماع. [المؤمنون: ٩] وقرأ حمزة والكسائى: (على صلاتهم) [المؤمنون/ ٩] واحدة، والباقون: على صلواتهم جماعة «٢». وجه الإفراد: أنه مصدر واسم جنس، فيقع على الكثرة، وإن كان مفردا في اللفظ، ومن هذا قوله: كذلك زينا لكل أمة عملهم [الأنعام/ ١٠٨] فأفرد وجمع في قوله: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون [المؤمنون/ ٦٣] وكذلك يريهم الله أعمالهم حسرات [البقرة/ ١٦٧]، فإن قلت: إن الأعمال تختلف، قيل: والأمانة تختلف ولها ضروب نحو: الأمانة التي بين الله وعبده كالصيام والصلاة والاغتسال، والأمانة التي بين العبيد في حقوقهم كالودائع والبضائع ونحو ذلك مما تكون اليد فيه أمانة. وقال: أعمالهم كسراب بقيعة [النور/ ٣٩].

стр. 2088

ووجه الجمع: قوله: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [النساء/ ٥٨]. ومما أفرد فيه الأمانة والمراد بها الكثرة ما روي عن أبي: «من الأمانة أن اؤتمنت المرأة على فرجها». يريد به تفسير قوله: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن [البقرة/ ٢٢٨]. وقرأ حمزة والكسائي: (على صلاتهم) والباقون: صلواتهم. وجه الإفراد: أن الصلاة في الأصل مصدر كالعمل والأمانة. ووجه الجمع: أنه قد صار بمنزلة الاسم لاختلاف أنواعها، فلذلك جمع في نحو قوله: حافظوا على الصلوات [البقرة/ ٢٣٨] وكان الجمع فيه أقوى لأنه قد صار اسما شرعيّا لانضمام ما لم يكن في أصل اللغة أن ينضمّ إليها. [المؤمنون: ١٤] اختلفوا في قوله : عظاما فكسونا العظام [المؤمنون/ ١٤] في الجمع والتوحيد. فقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر وابن عامر: (عظما فكسونا العظم لحما) واحدا ليس قبل الميم ألف. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم وبكار عن أبان عن عاصم: عظاما فكسونا العظام لحما جماعا بألف «١». والجمع أشبه بما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع كقوله: أإذا كنا عظاما ورفاتا [الإسراء/ ٤٩ - ٩٨] أئذا كنا عظاما نخرة [النازعات/ ١١] من يحيى العظام وهي رميم [يس/ ٧٨].

стр. 2089

والإفراد أنه اسم جنس، وأفرد كما تفرد المصادر وغيرها من الأجناس نحو: الإنسان والدرهم والشاء والبعير، وليس ذلك على حدّ قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفّوا «١». ولكنه على ما أنشد أبو زيد: لقد تعلّلت على أيانق ... صهب قليلات القراد اللّازق «٢» فالقراد يراد به الكثرة لا محالة. [المؤمنون: ٢٠] اختلفوا في كسر السين وفتحها من قوله تعالى: من طور سيناء [المؤمنون/ ٢٠]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (سيناء) بكسر السين ممدود، وقرأ الباقون: سيناء مفتوحة السين ممدودة أيضا «٣». قال أبو علي: من قال: سيناء لم ينصرف الاسم عنده في المعرفة ولا في النكرة، لأن الهمزة في هذا البناء لا تكون إلا للتأنيث ولا تكون للإلحاق، ألا ترى فعلا لا يكون إلا في المضاعف نحو: الزّلزال والقلقال، إذا اختص البناء هذا الضرب لم يجز أن يلحق به

стр. 2090

شيء لأنك حينئذ تعدّي بالبناء إلى غير مضاعف الأربعة، فهذا إذن كموضع أو بقعة سمّي بطرفاء وصحراء. فأما من قرأ (سيناء) بالكسر فالهمزة فيه منقلبة عن الياء كعلباء، وحرباء، وسيناء، وهي الياء التي ظهرت في نحو: درحاية لمّا بنيت على التأنيث، فإنّما لم ينصرف على هذا القول وإن كان غير مؤنّث لأنه جعل اسم بقعة أو أرض، فصار بمنزلة امرأة سميت بجعفر، ومن هذا البناء قوله: وطور سينين [التين/ ٢] فسينين: فعليل، كرّرت اللام التي هي نون فيه كما كرّرت في: زحليل وكرديد وخنذيذ «١»، ومثله في أن العين ياء وكررت اللام فيه للإلحاق قول الشاعر: تسمع للجنّ فيه زيزيزما «٢». الياء الأولى: عين، والثانية لفعليل، فإن قلت: فلم لا يكون سينين كغسلين ولا يكون كخنذيذ؟. فالذي يمنع من ذلك أن أبا الحسن حكى أن واحد سنين: سينينة، وما كان من نحو غسلين لم نعلم علامة التأنيث لحقه، وبهذه الدلالة يعلم أن سينين ليس كسنين ولا أرضين، لأن هذا الضرب من الجمع لا يلحقه التاء للتأنيث، وإنما لم ينصرف سينين كما لم ينصرف (سيناء) لأنه جعل اسما لبقعة أو لأرض، كما

стр. 2091

جعل سيناء كذلك، ولو جعل اسما للمكان أو المنزل أو نحو ذلك من الأسماء المذكّرة لانصرف، لأنك كنت سمّيت مذكرا بمذكر. [المؤمنون: ٢٠] اختلفوا في (تنبت) [المؤمنون/ ٢٠] في فتح التاء وضمّها. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (تنبت) بضم التاء وكسر الباء، وقرأ الباقون: تنبت بفتح التاء وضمّ الباء «١». من قرأ (تنبت بالدّهن) احتمل وجهين: أحدهما: أن يجعل الجار زائدا، يريد تنبت، ولحقت الباء كما لحقت في قوله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة/ ١٩٥] أي: لا تلقوا أيديكم، يدلّك على ذلك قوله: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم [النحل/ ١٥] وقد زيدت هذه الباء مع الفاعل كما زيدت مع المفعول وزيادتها مع المفعول به أكثر، وذلك نحو قوله: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت «٢» ... وقد زيدت مع هذه الكلمة بعينها قال: بواد يمان ينبت الشّثّ حوله ... وأسفله بالمرخ والشّبهان «٣» حمله على: وينبت أسفله المرخ.

стр. 2092

ويجوز أن يكون الباء متعلّقا بغير هذا الفعل الظاهر، ويقدّر مفعولا محذوفا تقديره: تنبت جناها أو ثمرتها وفيها دهن وصبغ، كما تقول: خرج بثيابه وركب بسلاحه. ومن قرأ: تنبت بالدهن جاز أن يكون الجار فيه للتعدّي: أنبته ونبت به، ويجوز أن يكون الباء في موضع حال كما كان في الوجه الأول، ولا يكون للتعدي ولكن: تنبت وفيها دهن، وقد قالوا: أنبت في معنى نبت، فكأن الهمزة في أنبت مرة للتعدّي ومرّة لغيره، يكون من باب: أحال وأجرب وأقطف، أي: صار ذا حيال وجرب، والأصمعي ينكر أنبت، ويزعم أن قصيدة زهير التي فيها: ... حتى إذا أنبت البقل «١» متّهمة. وإذا جاء الشيء مجيئا كان للقياس فيه مسلك، فروته الرواة لم يكن بعد ذلك موضع مطعن. [المؤمنون: ٢١] اختلفوا في قوله: نسقيكم [المؤمنون ٢١]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي: نسقيكم برفع النون. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: (نسقيكم) بفتح النون «٢».

стр. 2093

قال أبو علي: أما من قال: نسقيكم فعلى أن يكون المعنى: جعلنا ما في ضروعها من ألبانها سقيا لكم. وقد قالوا: أسقيتهم نهرا إذا جعلته سقيا لهم، هذا كأنه أعم لأن ما هو سقيا لهم لا يمتنع أن يكون للشفة، وما للشفة فقد يمتنع أن يكون سقيا، وما أسقيناه من ألبان الأنعام أكثر مما يكون للشفة نسقيكم بالضم فيه أشبه. ومن قال: (نسقيكم) جعل ذلك مختصا به الشفاء دون المزارع والمراعي فلم يكن مثل الماء في قوله: وأسقيناكم ماء فراتا [المرسلات/ ٢٧]. لأن ذا يصلح لأمرين فمن ثمّ جاء: وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الانسان/ ٢١]. وقد قيل: إن سقى وأسقى لغتان. قال الشاعر: سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال «١» ألا ترى أن أسقى لا يخلو من أن يكون لغة في سقى، أو يكون على حدّ: وأسقيناكم ماء فراتا [المرسلات/ ٢٧] وهذا الوجه فيه بعض البعد، لأنه قد دعا لقومه وخاصّته بدون ما دعا للأجنبي الغريب منه. [المؤمنون: ٢٩] اختلفوا في ضم الميم وفتحها من قوله منزلا [المؤمنون/ ٢٩] فقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (منزلا) بفتح الميم وكسر الزاي. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: منزلا بضم الميم وفتح الزاي «٢». المنزل فيمن ضم الميم منه يجوز أن يكون مصدرا أو يكون

стр. 2094

موضعا للإنزال، فإذا أراد المكان فكأنه قال: أنزلني دارا، وإذا أراد المصدر كان بمنزلة: أنزلني إنزالا مباركا، فعلى هذا الوجه يجوز أن يعدّى الفعل إلى مفعول آخر، وعلى الوجه الأول قد استوفى مفعوليه. ومن قال: (منزلا) أمكن أن يكون مصدرا وأن يكون موضع نزول، ودلّ: (أنزلني) على نزلت، وانتصب (منزلا) على أنه محل، وعلى أنه مصدر، فإذا عنيت به المصدر جاز أن تعدّي الفعل إلى المكان. [المؤمنون: ٢٧] حفص عن عاصم: من كل زوجين اثنين [المؤمنون/ ٢٧] منون. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم بلا تنوين «١». حجة قول عاصم: (من كل شيء) [الحجر/ ١٩] فحذف كما حذف في قوله: وكل آتوه داخرين [النمل/ ٨٧] فزوجين على هذا مفعول به واثنين وصف له. وأما من قال: (من كلّ زوجين) فإنه أضاف كلّا إلى زوجين واثنين انتصب على أنه مفعول به، والمعنى في قراءة عاصم: من كلّ يؤول إلى كلّ زوجين، لأن شيئا المقدّر حذفه في كلّ إنما هو ما يحمل من الأزواج التي للنسل وغيره دون الأشياء التي لا تكون أزواجا. فقراءة الجمهور في هذا أبين، والرواية الأخرى عن عاصم أولى من هذه، كأنه وضع العام موضع الخاص. أراد من كلّ زوج الأشبه أن يريد هذا. [المؤمنون: ٤٤] اختلفوا في التنوين من قوله: تترى [المؤمنون/ ٤٤]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو (تترى كلّما) منونة، والوقف بالألف، وقرأ

стр. 2095

الباقون: تترى بلا تنوين، والوقف في قراءة نافع وعاصم وابن عامر بألف، هبيرة عن حفص عن عاصم يقف بالياء «١». قوله: يقف بالياء، يعني بألف ممالة. ومن نون وقف بالألف، ومن لم ينون وقف بالألف والياء. قال أبو علي: (تترى): فعلى من المواترة، والمواترة أن تتبع الخبر الخبر، والكتاب الكتاب، ولا يكون بين ذلك فصل كبير، قال الشاعر: قرينة سبع إن تواترن مرّة ... ضربن وصفّت أرؤس وجنوب «٢» يصف قطا انفرد بعضها عن بعض في طيرانها يقول: إن انقطعن فلم يكنّ صفّا ضربن أرؤسا وجنوبا لتصطف في طيرانها، فأعمل الفعل الثاني وحذف المفعول من الأول ليتبين الفاعل له، وقال آخر: تواترن حتّى لم تكن لي ريبة ... ولم يك عمّا خبّروا متعقّب «٣» وقال أبو عبيدة: تترى: بعضها في إثر بعض، يقال: جاءت كتبه تترى «٤». قال: وينوّنها بعض الناس، ومن قال في تترى إنها تفعل لم يكن غلطه غلط أهل الصناعة، والأقيس أن لا يصرف لأن المصادر تلحق أواخرها ألف التأنيث كالدعوى والعدوى والذكرى والشورى،

стр. 2096

ولا نعلم شيئا من المصادر لحق آخره ألف الإلحاق، فمن قال: تترى، أمكن أن يريد فعلى من المواترة، فتكون الألف بدلا من التنوين. وإن كان في الخط بالياء كان للإلحاق، والإلحاق في غير المصادر ليس بالقليل نحو: أرطى ومعزى، فإن كان في الخط ياء لزم أن يحمل على فعلى دون فعلا، ومن قال: تترى، فأراد به فعلا فحكمه أن يقف بالألف مفخّمة، ولا يميلها إلا في قول من قال: رأيت عنتا، وهذا ليس بالكثير، فلا تحمل عليه القراءة. ومن جعل الألف للإلحاق أو للتأنيث أمال الألف إذا وقف عليها، وكثيرا ما تتعاقب الألف التي للإلحاق وألف التأنيث في أواخر الكلم التي لا تكون مصادر. [المؤمنون: ٥٠] قرأ عاصم وابن عامر: إلى ربوة [المؤمنون/ ٥٠] بفتح الراء. وقرأ الباقون: (إلى ربوة) بضم الراء «١». التّوزي: الرّبوة والرّباوة بمعنى. وقال أبو عبيدة: فلان في ربوة قومه، أي: في عزّهم وعددهم «٢»، وقال الحسن: الربوة: دمشق. [المؤمنون: ٥٢] اختلفوا في قوله: وإن هذه أمتكم [المؤمنون/ ٥٢] في فتح الألف وكسرها. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (وأنّ هذه) بفتح الألف وتشديد النون. وقرأ ابن عامر: (وأن) بفتح الألف أيضا وتخفيف النون.

стр. 2097

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: وإن هذه بكسر الألف وتشديد النون «٢». من قرأ: (وأنّ هذه) كان المعنى في قول الخليل وسيبويه أنه محمول على الجار، التقدير: ولأن هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربّكم فاتّقون، أي اعبدوني لهذا. ومثل ذلك عندهم قوله : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا [الجن/ ١٨] المعنى: ولأن المساجد لله. وكذلك عندهم قوله: لإيلاف قريش [قريش/ ١] كأنه: فليعبدوا ربّ هذا البيت لإيلاف قريش، أي: ليقابلوا هذه النعمة بالشكر والعبادة للمنعم عليهم بها، وعلى هذا التقدير يحمل قراءة ابن عامر، ألا ترى أن (أنّ) إذا خفّفت اقتضت ما يتعلّق به اقتضاءها وهي غير مخفّفة، والتخفيف حسن في هذا لأنه لا فعل بعدها ولا شيء ممّا لا يلي أن، فإذا كان كذلك كان تخفيفها حسنا، ولو كان بعدها فعل لم يحسن حتى تعوّض السين أو سوف أولا إذا كان في نفي، فإذا لم يكن بعدها فعل ساغ التخفيف، ومثل ذلك قوله تعالى: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس/ ١٠]. ومن كسر فقال: (وإنّ هذه أمّتكم) لم يحملها على الفعل كما يحملها من فتح، ولكن جعلها كلاما مستأنفا، ويجوز أن يكون فيه تنبيه على الاعتداد بالنعمة كقول من فتح أنّ، فكان معنى: وأن هذه أمتكم أمة واحدة أي: أنتم أهل دعوة واحدة ونصرة، ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا، وقال: ولا تفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه [الشورى/ ١٣] من الاتفاق على التوحيد وخلع ما تدعون إليه من دونه.

стр. 2098

[المؤمنون: ٦٧] وقرأ نافع وحده: (تهجرون) [المؤمنون/ ٦٧] بضم التاء وكسر الجيم. وقرأ الباقون: تهجرون بفتح التاء وضمّ الجيم. من قرأ: تهجرون فالمعنى: أنكم كنتم تهجرون آياتي وما يتلى عليكم من كتابي فلا تنقادون له وتكذبون به، كقوله: قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين [المؤمنون/ ٦٦ - ٦٧] بالبيت والحرم لأمنكم فيه مع خوف سائر الناس في مواطنهم، وقال: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت/ ٦٧] و (تهجرون) تأتون بالهجر، وهو الهذيان وما لا خير فيه من الكلام، وفي الحديث في زيارة القبور: «زورها ولا تقولوا هجرا» «١». [المؤمنون: ٧٢] قرأ ابن عامر (خرجا فخرج ربك) [المؤمنون/ ٧٢] بغير ألف في الحرفين. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم: خرجا بغير ألف فخراج ربك بألف. وقرأ حمزة والكسائي (خراجا، فخراج ربّك) في الحرفين جميعا بألف «١». أبو عبيدة: العبد يؤدّي إليك خرجه، أي: غلّته، والرعيّة تؤدّي إلى الأمير الخرج، قال: والخرج أيضا من السحاب، ومنه نرى اشتقّ

стр. 2099

هذا أجمع، قال أبو ذؤيب «١»: إذا همّ بالإقلاع هبّت له الصّبا ... وأعقب نوء بعدها وخروج قال: وزعم أبو عمرو الهذلي أنه سمّي خرجا وخروجا للماء الذي يخرج منه «٢». وفيما حكاه أبو عبيدة من قوله: الرعية تؤدّي إلى الأمراء الخرج، دلالة على من قرأ: (خرجا فخرج ربّك) فكأن الخرج يقع على الضريبة التي على الأرضين وعلى الجزية. وحكى غير أبي عبيدة: أدّ خرج رأسك، والخرج: ما يخرج إلى من يخرج ذلك إليه وإن لم يكن ذلك ضريبة، ويدلّ على ذلك قراءة من قرأ: فهل نجعل لك خرجا [الكهف/ ٩٤]، وقد يقع على هذا الخراج بدلالة قول العجاج «٣»: يوم خراج يخرج السّمرّجا فهذا ليس على الضريبة، والاسم الأخص بالضريبة المضروبة

стр. 2100

على الأرضين الخراج، قال: طرمحوا الدّور بالخراج فأضحت مثل ما امتدّ من عماية نيق «١» فمعنى هذا: بأموال الخراج، وإذا كان كذلك فقول ابن كثير ومن تبعه: خرجا فخراج ربك خير معناه: أنك لا تسألهم شيئا يخرجون إليك، كما قال: قل ما أسألكم عليه من أجر [الفرقان/ ٥٧] وما نسألهم عليه من أجر [يوسف/ ١٠٤] فخراج ربك كأنه إضافة إلى الله تعالى، لأنه أوجبه وألزمه هذه الأشياء من الحقوق في الأرضين وجزى الرءوس، فلهذا قال: فخراج ربك خير. وقول حمزة والكسائي: (خراجا فخراج ربك) فقولهما: فخراج ربك بيّن على ما تقدم، و (خراج) الذي قرأه غيرهما: خرجا قد جاء فيه الخراج أيضا، بدلالة قول العجاج، وزعموا أن أكثر القراءة: خرجا، فخراج ربك قال أبو الحسن: لا أدري أيهما أكثر في كلام العرب. [المؤمنون:/ ٨٩، ٨٧، ٨٥] اختلفوا في قوله : سيقولون لله [المؤمنون/ ٨٥، ٨٧، ٨٩] في الآيتين. ولم يختلفوا في الأول «٢»، فقرأ أبو عمرو وحده: (سيقولون الله) بألف في الحرفين. وقرأ الباقون: (لله ... لله ... لله) هذه الثلاثة المواضع «٣». أوّلها: قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله

стр. 2101

[المؤمنون/ ٨٤ - ٨٥] لا اختلاف فيها. الثاني: قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله [المؤمنون/ ٨٦ - ٨٧] و (سيقولون الله). والثالث: قل من بيده ملكوت كل شيء [المؤمنون/ ٨٨] إلى آخرها سيقولون لله و (سيقولون الله) [المؤمنون/ ٨٩]. أبو عمرو وحده يقول فيهما: (الله) والباقون: (لله) ولم يختلفوا في الأول، أما الآية الأولى فجوابها على القياس، كما يقال: لمن الدار؟ فنقول: لزيد، كأنك تقول: لزيد الدار، فاستغنيت عن ذكرها لتقدمها. قرأ أبو عمرو وحده: (سيقولون الله) في الحرفين. وقرأ الباقون: (لله ... لله)، وأمّا قوله: قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم فجواب هذا: الله، على ما يوجبه اللفظ، وأما من قال: لله فعلى المعنى، وذلك أنه إذا قال: من مالك هذه الدار؟ فقال في جوابه: لزيد، فقد أجابه على المعنى دون ما يقتضيه اللفظ، والذي يقتضيه: من مالك هذه الدار؟ أن يقال في جوابه: زيد، ونحوه، فإذا قال: لزيد، فقد حمله على المعنى، وإنما استقام هذا لأن معنى من مالك هذه الدار؟ ولمن هذه الدار؟ واحد، فلذلك حملت تارة على اللفظ وتارة على المعنى، والجواب على اللفظ هو الوجه. [المؤمنون: ٣٠١] اختلفوا في قوله تعالى: عالم الغيب والشهادة [المؤمنون/ ٩٢] في الخفض والرفع. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وابن عامر: عالم الغيب خفضا.

стр. 2102

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع وحمزة والكسائي: (عالم الغيب) رفعا «١». قال أبو الحسن: الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحد، وأما الرفع فعلى أن يكون خبر ابتداء محذوف. قال: ويقوّي ذلك أن الكلام الأول قد انقطع. [المؤمنون: ١٠٦] اختلفوا في قوله تعالى: شقوتنا [المؤمنون/ ١٠٦] في كسر الشين وفتحها والألف. فقرأ حمزة والكسائي: (شقاوتنا) بفتح الشين وبالألف. وقرأ الباقون: شقوتنا بكسر الشين بغير ألف. حدثني أبو علي محمد بن عيسى العباسي وأحمد بن علي الخزّاز قالا: حدثنا بشر بن هلال قال: حدّثنا بكار عن أبان قال: سألت عاصما فقال: إن شئت فاقرأ: شقوتنا وإن شئت فاقرأ (شقاوتنا) «٢». الشقوة: مصدر كالردّة، والفطنة، والشقاوة: كالسعادة وإذا كان كذلك فالقراءة بهما جميعا سائغ كما روى عن عاصم. [المؤمنون: ١١٠] اختلفوا في قوله تعالى: سخريا في كسر السين في المؤمنين [١١٠] وفي صاد [٦٣]، ولم يختلفوا في الزخرف [٣٢]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر سخريا بكسر السين، وكذلك في صاد. هبيرة عن حفص عن عاصم (سخريا) رفعا، وهو غلط، والمعروف عن حفص سخريا بكسر السين.

стр. 2103

وقرأ نافع وحمزة والكسائي (سخريا) رفعا في السورتين «١». قال أبو زيد: اتخذت فلانا سخريا وسخرة: إذا هزئت منه، وقد سخرت به وبه أسخر سخريا وسخرا، أبو عبيدة: اتخذتموهم سخريا: تسخرون منهم، وسخريا: تسخّرونهم «٢». وقال ابن سلام: قال يونس: ليتخذ بعضهم بعضا سخريا [الزخرف/ ٣٢] قال: من السّخرة، والسّخريّ من الهزء قال: وقد يقال: سخريّ، فأما تلك الأخرى، يعني: السّخري، فواحدة مضمومة لا غير، ويقال من الهزء: سخري وسخري ومن السخرة مضمومة. أبو عبد الرحمن بن اليزيدي: سخريا من السّخرية، و (سخريّا) بالضم من السّخرة. وحكى غيره أن الحسن وقتادة قالا: ما كان من العبودية فهو سخريّ بالضم، وما كان من الهزء فبالكسر. قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر: فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري [المؤمنون/ ١١٠] بكسر السين أرجح من قراءة من ضم فقال: (سخريا) لأنه من الهزء، والأكثر من الهزء، كسر السين فيما حكوه، وترى أنه إنما كان الأكثر لأن السّخر مصدر سخرت بدلالة حكاية أبي زيد لذلك، ولقول الشاعر: من علو لا كذب فيه ولا سخر «٣»

стр. 2104

وقولهم في مصدر سخرت: سخريا وسخرا، إنما جاء ذلك لأن فعل وفعل قد يكونان بمعنى، نحو: المثل والمثل، والشّبه والشبه وحروف أخر على هذا، فكذلك السّخر والسّخر، إلا أن المكسورة ألزمت ياء النسب دون المفتوحة، كما اتفقوا في القسم على الفتح في: لعمر الله، ولم يخرج مع إلحاق ياء النسب عن حكم المصدر، ولم يخرج إلى الصفة بلحاق الياءين له، كما يخرج سائر ما لحقته الياء، يدلّك على ذلك قولهم: فاتخذتموهم سخريا فأفرد، وقد جرى على الجمع كما تفرد المصادر، فكأن ياء النسب لم يقع به اعتداد في المعنى كما لم يعتدّ به، ولم يكن للنسب في نحو أحمر وأحمري ودوّار ودوّارى، ومثل ذلك في أن ياء النسب لما كان كالتي في قمري ونحوه لم يعتد به قول الشماخ: خضرانيات «١». ألا ترى أنه لو أعتدّ به وأريد به معنى النسب لردّ إلى الواحد، كما يردّ سائر ما لحقه ياء النسب وأريد به النسب إلى الواحد، إذا لم يكن المنسوب مسمّى بالجمع، وأن لم يرد: خضرانيات إلى الواحد دلالة على أنه لم يعتدّ بها وكان في حكم الزيادة. ك (لا) في قوله: لئلا يعلم أهل الكتاب [الحديد/ ٢٩]. وأمّا قراءة من ضم في قوله: (فاتخذتموهم سخريّا) وفي صاد في قوله: (وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا) ص/ ٦٢ - ٦٣]

стр. 2105

فالكسر في معنى السخرية أفشى وأكثر إذا كان السخريّ في معنى الهزء، وهذان الموضعان يراد بهما، الهزء يقوّي ذلك قوله في المؤمنين: وكنتم منهم تضحكون [المؤمنون/ ١١٠] والضحك بالسّخر والهزء أشبه، وجه ذلك في صاد: (اتخذناهم سخريا). ووجه الضم أن يونس قال فيما حكى عنه ابن سلّام: أن السّخري قد يقال بالضم بمعنى الهزء، وقوله: فأما الأخرى فواحدة، يعني التي يراد بها السّخرة. وقال أبو الحسن: سخري إذا أردت من سخرت به ففيه لغتان يعني الضم والكسر، ومن ثمّ اتفق هؤلاء القرّاء على الضم في التي في الزخرف في قوله: ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا فهذا من السّخرة وانقياد بعضهم لبعض في الأمور التي [إنّ] «١» لم ينقد بعضهم لبعض فيها، لم يلتئم قوام أمر العالم. فأما سخري فإفراده يجوز أن يكون لإفراد بعضهم في اللفظ وإن كان المعنى على الكثرة، ويجوز أن يكون كسخري- بكسر السين- لم يخرج بلحاق الياء له من أن يكون مصدرا، ووجه الضم في سخري إذا كان من الهزء أن السّخر على فعل، وفعل وفعل يتعاقبان على الكلمة كالحزن والحزن، والبخل والبخل، كما كان فعل وفعل كذلك، إلا أن المضموم خصّ بالنسب كما خصّ المكسور به، وبقي على حكم المصدر كما بقي عليه المكسور، فأمّا ما حكاه أبو زيد من قوله: اتخذت فلانا سخريا وسخرة، فإن قوله: سخري وصف بالمصدر، وقولهم: سخرة ليس بمصدر من الهزء، فيكون النسب إليه، ولكن سخرة كقولهم: ضحكة، وهزأة- بتسكين العين- إذا كان يضحك منه. والفاعل في هذا بفتح
следующие страницы →