ابن كثير: يوم التنادي، والتلاقي، يثبت الياء وصل أو وقف، وكذلك: من واق [الرعد/ ٣٤] ومن هاد [الرعد/ ٣٣] يصلون بالتنوين، ويقفون بالياء.
وقال ابن جماز وإسماعيل والمسيبي وأبو خليد بغير ياء في وصل ولا وقف، التلاق، والتناد.
وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: التلاق والتناد بغير ياء. وعباس عن أبي عمرو: ويوم التنادي يثبت الياء «١».
قال أبو علي: المعنى أي: أخاف عليكم عذاب يوم التلاقي، وعذاب يوم التنادي، فإذا كان كذلك كان انتصاب يوم انتصاب المفعول به لا انتصاب الظرف لأنّ إعرابه إعراب المضاف المحذوف، وقيل في يوم التناد أنّه يوم ينادي أهل الجنّة أهل النار، وأهل النّار أهل الجنّة، فينادي أهل الجنّة أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا [الأعراف/ ٤٤] وينادي أهل النّار أهل الجنّة: أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله [الأعراف/ ٥٠] وقد قرئ يوم التناد بالتشديد من ندّ البعير إذا فرّ هاربا على وجهه، ويدلّ على هذا قوله: يوم يفر المرء من أخيه [عبس/ ٣٤] وقد يجوز إذا أراد هذا المعنى في الشعر أن يخفّف ويطلق كقول عمران:
قد كنت جارك حولا لا تروّعني فيه روائع من إنس ولا جان «٢» وقد تكون الفواصل كالقوافي في أشياء، وقد قيل في يوم
стр. 2382
التلاقي، أنّه يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض، ويوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فأمّا إثبات الياء وحذفها، فإنّه إذا كان فاصلة حسن الحذف كما حسن في القافية من نحو:
وبعض القوم يخلق، ثمّ لا يفر «١» في الوصل والوقف. وما كان كلاما تامّا، ولم يكن فاصلة، فإنّه يشبّه بها، وكذلك إذا كان ما قبلها كسرة، والآخر ياء، والإثبات حسن كما كان الحذف كذلك، وكذلك هو في القوافي.
فأمّا اسم الفاعل إذا لم يكن فيه ألف ولام نحو: من هاد [الرعد/ ٣٣] ومن واق [الرعد/ ٣٤] فإذا وقفت على شيء من هذا منه أسكنته، والوقوف فيه على الياء لغة حكاها سيبويه، وقد ذكرناها وذكرنا وجهها فيما تقدّم.
[غافر: ٦]
قال قرأ نافع وابن عامر: حقت كلمات ربك [غافر/ ٦] جماعة.
وقرأ الباقون: كلمة واحدة «٢».
قال أبو علي: الكلمة تقع مفردة على الكثرة، فإذا كان كذلك استغني فيها عن الجمع كما تقول: غمّني قيامكم وقعودكم، وقال: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا [الفرقان/ ١٤] وقال: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [لقمان/ ١٩] وأفرد الصوت، مع الإضافة إلى الكثرة، وكذلك الكلمة.
وقد قالوا: قسّ في كلمته، يريدون في خطبته، ومن جمع فلأنّ
стр. 2383
هذه الأشياء، وإن كانت تدلّ على الكثرة قد تجمع إذا اختلفت أجناسه، قال: وصدقت بكلمات ربها [التحريم/ ١٢] وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن [البقرة/ ١٢٤] فالكلمات في قوله:
وصدقت بكلمات ربها واللَّه أعلم، يراد بها: شرائعه، لأنّ كتبه قد ذكرت.
[غافر: ٢١]
وقرأ ابن عامر وحده: كانوا هم أشد منكم قوة [غافر/ ٢١] بالكاف وكذلك في مصاحفهم.
وقرأ الباقون: أشد منهم، وكذلك في مصاحفهم «١».
من قرأ: أشد منهم قوة فأتى بلفظ الغيبة فلأنّ ما قبله من قوله:
أولم يسيروا فى الارض فينظروا [غافر/ ٢١] من قبلهم، على لفظ الغيبة، فكذلك يكون قوله: كانوا هم أشد منهم قوة على الغيبة، ليكون موافقا لما قبله من ألفاظ الغيبة. فهذا البين.
وأمّا من قال: كانوا هم أشد منكم بعد ما ذكرناه من ألفاظ الغيبة فعلى الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، كقولك: إياك نعبد [الفاتحة/ ٤] بعد قوله: الحمد لله [الفاتحة/ ١] وحسن الخطاب هنا، لأنّه خطاب فيما أرى لأهل مكّة، فحسن الخطاب بحضورهم، فجعل الخطاب على لفظ الحاضر المخاطب، وهذه الآية في المعنى مثل قوله: مكناهم في الأرض ما لم نمكن [الأنعام/ ٦] ومثل قوله:
أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها [الروم/ ٩].
стр. 2384
وهذه كلّها على لفظ الغيبة ففيها ترجيح لمن قرأ هذه التي في المؤمن «١» على لفظ الغيبة دون الخطاب.
وعباس عن أبي عمرو: أمري إلى الله [غافر/ ٤٤] ساكنة الياء، وروى اليزيدي وغيره عن أبي عمرو بفتح الياء «٢».
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: وأن يظهر [غافر/ ٢٦] بغير ألف.
[غافر: ٢٦]
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: أو أن [غافر/ ٢٦] بألف قبل الواو «٣».
قوله بألف يريد به: الهمزة التي في أو.
قال أبو علي: من قرأ أو أن يظهر، فالمعنى: أخاف هذا الضرب منه، كما تقول: كل خبزا أو تمرا، أي: هذا الضرب، ومن قال: وأن يظهر فالمعنى: إنّي أخاف هذين الأمرين منه «٤» ومن قال:
أو أن يظهر في الأرض، فالأمران يخافان منه، كما أنّه إذا قال:
أكلت خبزا أو تمرا، أو أكلت خبزا وتمرا جاز أن يكون قد أكلهما جميعا، كأنّه قال في أو: أكلت هذا الضرب من الطعام.
[غافر: ٢٦]
اختلفوا في قوله : يظهر [غافر/ ٢٦] وفي رفع الفساد [غافر/ ٢٦] ونصبه.
فقرأ نافع وأبو عمرو: ويظهر بضم الياء في الأرض الفساد نصبا.
стр. 2385
وقرأ ابن كثير وابن عامر: يظهر* منصوبة الياء في الأرض الفساد رفعا.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: أو أن يظهر في الأرض الفساد رفعا.
حفص عن عاصم أو أن يظهر برفع الياء في الأرض الفساد نصبا «١».
حجّة من قال يظهر أنّه أشبه بما قبله، لأنّ قبله: يبدل [غافر/ ٢٦] فأسند الفعل إلى موسى، وهم كانوا في ذكره، فكذلك وأن يظهر في الأرض الفساد ليكون مثل يبدل، فيكون الكلام من وجه واحد، ومن قال: وأن يظهر فإنّه أراد أنّه إذا بدّل الدين ظهر الفساد بالتبديل، أو يكون أراد: أو يظهر في الأرض الفساد بمكان.
قال: حدّثني الخزاز قال حدّثنا محمد بن يحيى القطعي عن عبيد
[غافر: ٢٨]
عن أبي عمرو: وقال رجل مؤمن [غافر/ ٢٨] ساكنة الجيم.
وقرأ الباقون: رجل «٢».
رجل ورجل وسبع وسبع، وعضد التحقيق على هذا النحو مستمر كثير.
[غافر: ٢٧]
اختلفوا في إدغام الذّال من عذت [غافر/ ٢٧] فقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر عذت مبيّنة الذال، وفي الدخان [آية/ ٢٠] مثله.
стр. 2386
قال محمد بن إسحاق عن أبيه، وقال القاضي عن قالون، وأبو بكر بن أبي أويس وورش عن نافع كذلك: عذت غير مدغمة.
وقال ابن جمّاز وإسماعيل عن نافع عذت مدغمة.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي مدغما «١».
الإدغام حسن لتقارب هذه الحروف، وأنّها كلّها من اللّسان وأصول الثنايا، والبيان حسن لاختلاف حيز هذه الحروف، ألا ترى أنّ الذّال ليست من حيز التاء، وإنّما الذال والتاء والظاء من [حيز] «٢» والدال والطاء من حيز؟ فحسن البيان لذلك. قال سيبويه: حدّثنا من نثق به أنّه سمع من يقول: أخذت فيبين.
[غافر: ٣٥]
قال: قرأ أبو عمرو وحده: على كل قلب متكبر [غافر/ ٣٥] ينوّن قلب. وقرأ الباقون: على كل قلب متكبر مضاف «٣».
وجه قول أبي عمرو أنّه جعل التكبّر صفة للقلب، وإذا وصف القلب بالتكبّر كان صاحبه في المعنى متكبّرا، وكأنّه أضاف التكبّر إلى القلب كما أضاف الصّعر إلى الخدّ، في قوله: ولا تصعر خدك للناس [لقمان/ ١٨] فكما يكون بتصعّر الخدّ متكبرا، كذلك يكون التكبّر في القلب متكبر الجملة. وممّا يقوّي ذلك أنّ الكبر قد أضيف إلى القلب في قوله: إن في صدورهم إلا كبر [غافر/ ٥٦] فالكبر في
стр. 2387
القلب، كالصغر في الخدّ، والثني في الجيد في قوله:
« .. ثاني الجيد «١»».
وكذلك كإضافة الخضوع إلى أعناق فيمن جعل الأعناق جمع عنق الذي هو العضو. فكما أنّ هذه الأمور إذا أضيفت إلى هذه الأعضاء، ووصفت بها، كان الوصف شاملا لجملة
الشخص، كذلك التكبّر إذا أضيف إلى القلب يكون صاحبه به متكبّرا. وكذلك إضافة الكتابة إلى اليد في قوله: فويل لهم مما كتبت أيديهم [البقرة/ ٧٩] فأمّا من أضاف فقال: على كل قلب متكبر، فلا يخلو من أن يقدّر الكلام على ظاهره، أو يقدّر فيه حذفا، فإن تركه على ظاهره كان المعنى: يطبع على كلّ قلب متكبّر، أي: يطبع على جملة القلب من المتكبّر، وليس المراد أنّه يطبع على كلّ قلبه فيعمّ الجميع بالطبع، إنّما المعنى أنّه يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا، والطبع علامة في جملة القلب، كالختم عليه، فإذا كان الحمل على الظاهر غير مستقيم علمت أنّ الكلام ليس على ظاهره، وأنّه قد حذف منه شيء، وذلك المحذوف إذا أظهرته كذلك، يطبع اللَّه على كلّ قلب، كلّ متكبّر، فيكون المعنى: يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا، من كلّ متكبّر، ويختم عليه، ويؤكّد ذلك أنّ في حرف ابن مسعود فيما زعموا: على قلب كل متكبر، وإظهار كل* في حرفه يدلّ على أنّه في حرف العامّة أيضا مراد وحسن كل* لتقدّم ذكرها، كما جاء ذلك في قوله:
стр. 2388
أكلّ امرئ تحسبين امرأ ونار توقّد بالليل نارا «١» وفي قولهم: ما كلّ سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة «٢». فحذف كل* لتقدّم ذكرها وكذلك في الآية.
[غافر: ٣٧]
قال: قرأ عاصم في رواية حفص: فأطلع [غافر/ ٣٧] نصبا.
وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم فأطلع* رفعا «٣».
من رفع فقال: لعلّي أبلغ فأطلع كان المعنى: لعلّي أبلغ ولعلّي أطلع، ومثل هذه القراءة قوله: لعله يزكى أو يذكر [عبس/ ٣، ٤] أي لعلّه يتزكّى، ولعلّه يتذكّر. وليس بجواب، ولكن المعنى أبلغ فأطلع. ومن نصب جعله جوابا بالفاء لكلام غير موجب، كالأمر، والنهي، ونحوهما ممّا لا يكون إيجابا، والمعنى: إنّني إذا بلغت اطّلعت، ومثله: ألا تقع الماء فتسبح، أي ألّا تقع، وألا تسبح، وإذا نصب كان المعنى: إنّك إذا وقعت سبحت.
[غافر: ٣٧]
قرأ عاصم وحمزة والكسائي: وصد عن السبيل [غافر/ ٣٧] بضمّ الصاد.
وقرأ الباقون: وصد* بفتح الصاد «٤».
من قرأ: وصد عن السبيل بضمّ الصّاد فلأنّ ما قبله فعل مبني
стр. 2389
للمفعول، فجعل ما عطف عليه مثله، والذي قبله: وكذلك زين لفرعون سوء عمله [غافر/ ٣٧].
ومن قال: وصدّ فبنى الفعل للفاعل، فلأنّ فرعون قد تقدّم ذكره، وهو الصاد عن السبيل، ومن صدّه عن السبيل المستقيم والإيمان، وعيده من آمن على إيمانهم في قوله: لأقطعن أيديكم وأرجلكم [الأعراف/ ١٢٤، الشعراء/ ٤٩] ونحو ذلك ممّا أوعدهموه لإيمانهم، والمزيّن له سوء عمله، والصادّ له هم طغاة أصحابه والشيطان. كما بيّن ذلك في الآية الأخرى في قوله: وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم [النمل/ ٢٤] وممّا يقوّي بناء الفعل للفاعل: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله [محمد/ ١] وإن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله [الحج/ ٢٥] هم الذين كفروا وصدوكم [الفتح/ ٢٥] وكذلك وصد عن السبيل ينبغي أن يكون الفعل مبنيا منه للفاعل مثل الآي الأخر.
قال: وصدّ عن السبيل، وصدّ عن الدين وقال: رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا [النساء/ ٦١] فيجوز أن يكون يصدّون هم عنك ويجوز أن يكون يصدّون المسلمين عن متابعتك والإيمان بك فصدّ وصددته، مثل رجع ورجعته، ونحوه.
[غافر: ٤٦]
قال: وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو الساعة ادخلوا [غافر/ ٤٦] موصولة. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: أدخلوا بفتح الألف وكسر الخاء «١».
стр. 2390
قال أبو علي: القول: مراد في الوجهين جميعا، كأنّه يقال:
أدخلوهم «١» ويقال: ادخلوا، فمن قال: أدخلوا كان آل فرعون مفعولا بهم، وأشد العذاب مفعول ثان، والتقدير إرادة حرف الجر ثم حذف، كما أنّك إذا قلت دخل زيد الدار كان معناه: في الدار.
كما أن خلافه الذي هو خرج كذلك في التعدّي. وكذلك قوله:
لتدخلن المسجد الحرام [الفتح/ ٢٧].
ومن قال: ادخلوا آل فرعون [غافر/ ٤٦] كان انتصاب آل فرعون على النداء، ومعنى أشد العذاب، أنّه في موضع: مفعول به، وهو في الاختصاص مثل المسجد الحرام، وحذف الجار فانتصب انتصاب المفعول به، وحجّة من قال: ادخلوا* قوله: ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون [الزخرف/ ٧٠] وادخلوها بسلام آمنين [الحجر/ ٤٦] ادخلوا أبواب جهنم [غافر/ ٧٦] وهذا النحو كثير.
وحجّة من قال: أدخلوا أنّهم أمر بهم فأدخلوا.
[غافر: ٤٠]
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها [غافر/ ٤٠] بضم الياء. وقرأ عاصم في رواية أبي هشام عن يحيى وابن عطارد عن أبي بكر عن عاصم: يدخلون* بضمّ الياء، وفي رواية خلف وأحمد بن عمر الوكيعي عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم: يدخلون بفتح الياء. حفص عن عاصم يفتح الياء:
يدخلون وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي: يدخلون بفتح الياء.
стр. 2391
من حجّة من ضمّ الياء قوله: أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم [الأعراف/ ٤٣] فإذا أورثوها أدخلوها.
وحجّة من قرأ يدخلون ادخلي في عبادي وادخلي جنتي «١» [الفجر/ ٢٩] فعلى هذا يدخلون.
[غافر: ٦٠]
اختلفوا في فتح الياء من قوله : سيدخلون جهنم داخرين [غافر/ ٦٠] وضمّها.
فقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو في رواية عباس بن الفضل: سيدخلون جهنم مرتفعة الياء.
وقرأ الباقون وحفص عن عاصم وأبو عمرو في غير رواية عباس: سيدخلون بفتح الياء «٢».
يدلّ على سيدخلون قوله: ادخلوها بسلام آمنين [الحجر/ ٤٦] فادخلوا أبواب جهنم [النحل/ ٢٩] فعلى هذا يكون:
سيدخلون.
فأمّا من قال، سيدخلون فهو من ادخلوا، ألا ترى أنّ الفعل مبني للمفعول، وقد تعدّى إلى مفعول واحد، فهذا يدلّ على أنّه إذا بني للفاعل تعدّى إلى مفعولين، فهذا على أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر/ ٤٦].
стр. 2392
[غافر: ٥٢]
ابن كثير وأبو عمرو «١»: يوم لا تنفع [غافر/ ٥٢] بالتاء.
وقرأ الباقون ينفع بالياء «٢».
الوجهان حسنان لأنّ المعذرة والاعتذار بمعنى، كما أنّ الوعظ والموعظة كذلك.
[غافر: ٥٨]
قرأ عاصم وحمزة والكسائي: قليلا ما تتذكرون [غافر/ ٥٨] بتاءين، والباقون بالياء «٣».
التاء على: قل لهم قليلا ما تتذكرون، والياء على: أنّ الكفّار قليلا ما يتذكرون، أي: يقلّ نظرهم فيما ينبغي أن ينظروا فيه ممّا دعوا إليه.
стр. 2393
ذكر اختلافهم في سورة السّجدة «١»
[فصلت: ١٦]
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: في أيام نحسات [١٦] الحاء موقوفة. والباقون: نحسات مكسورة الحاء «٢».
قال أبو علي: النّحس كلمة تكون على ضربين: أحدهما: أن يكون اسما، والآخر: أن يكون وصفا، فممّا جاء فيه اسما مصدرا قوله: في يوم نحس مستمر [القمر/ ١٩] فالإضافة إليه تدلّ على أنّه اسم، وليس بوصف، لو كان وصفا لم يضف إليه لأنّ الصفة لا يضاف إليها الموصوف.
وقال المفسّرون في نحسات قولين، أحدهما: الشديد البرد، والآخر: أنّها المشئومة عليهم، فتقدير قوله: في يوم نحس مستمر: في يوم شؤم، وقالوا: يوم نحس ويوم نحس، فمن أضاف كان مثل ما في التنزيل من قوله: يوم نحس، ومن أجراه على الأول: احتمل أمرين: يجوز أن يكون جعله مثل فسل ورذل، ويجوز أن يكون وصف بالمصدر مثل رجل عدل. والنّحس: البرد، أنشد
стр. 2394
عن الأصمعي:
كأنّ سلافة عرضت لنحس يحيل شفيفها الماء الزلالا «١» أي: البرد.
فمن قال: في أيام نحسات فأسكن العين، أسكنها لأنّه صفة مثل غيلان، وصعبات، وخدلات «٢». ويجوز أن يكون جمع المصدر، وتركه على الحكاية في الجمع، كما قالوا: دورة، وعدلة، قال أبو الحسن: لم أسمع في النّحس إلّا الإسكان، وإذا كان الواحد من نحو ذا مسكنا أسكن في الجمع، لأنّها صفة.
وقال أبو عبيدة: نحسات: ذوات نحوس «٣».
فيمكن أن يكون من كسر العين جعله صفة من باب فرق ونزق، وجمع على ذلك إلّا أنّا لم نعلم منه فعلا كما علمنا من فرق، ولكن جعلوه صفة كما أنّ من أسكن فقال: نحسات أمكن أن يكون جعله كصعبات.
فلما كان ذلك صفة، كذلك يكون نحسات فيمن كسر العين، وفعل من أبنية الصفات إلّا إذا لم تعلم منه فعلا، وإن استدللت بخلافه الذي هو سعد، فقلت كما أن سعد على فعل، وجاء في التنزيل: وأما الذين سعدوا [هود/ ١٠٨] فكذلك النحس في القياس، وإن لم يسمع
стр. 2395
منه نحس ينحس، كما سمع سعد يسعد، فكأنّه استعمل على تقدير ذلك، كما أنّ فقيرا وشديدا استعملا على تقدير فعل وإن لم يستعمل فقر ولا شدد، فاستغني عنه بافتقر واشتدّ، وكذلك يكون نحس في قول من قال نحسات.
[فصلت: ١٩]
نافع وحده: ويوم نحشر [فصّلت/ ١٩] مع النون أعداء الله* بفتح الألف مع المدّ.
وقرأ الباقون: ويوم يحشر أعداء رفع «١».
حجة من قال نحشر: أنّه معطوف على قوله: ونجينا الذين آمنوا [فصّلت/ ١٨] وكذلك المعطوف عليه، يحسن أن يكون وفقه في لفظ الجميع. ويقوّيه قوله: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا [مريم/ ٨٥] وحشرنا عليهم كل شيء قبلا [الأنعام/ ١١١].
وحجّة من قال: يحشر أنّ قوله: ونجينا الذين آمنوا كلام قد تمّ، فلمّا تمّ الكلام استأنفوا، ولم يحملوا على نجينا، وقد قال: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم [الصافّات/ ٢٢] فقالوا: يحشر، واختاروه على النّون في نحشر* لأنّ الحاشرين لهم هم المأمورون بقوله: احشروا، فلذلك لم يجعلوه وفق قوله: ونجينا الذين آمنوا وكلا الأمرين حسن،
ويقوّي قول من قال: يحشر فبنى الفعل للمفعول به، أنّه قد عطف عليه وهو قوله: فهم يوزعون [النمل/ ١٧].
[فصلت: ٤٧]
وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: من ثمرات من أكمامها [فصّلت/ ٤٧] جماعة.
стр. 2396
وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ثمرة* واحدة «١».
قوله: من ثمرة* إذا أفرد يدلّ على الكثرة، فإذا كان كذلك استغني به عن الجمع، ويقوّي الإفراد قوله: وما تحمل من أنثى [فاطر/ ١١] فكما أفراد أنثى كذلك ينبغي أن يكون من ثمرة* مفردة.
وحجّة من جمع أنّ الجمع صحيح، والمعنى عليه، ألا ترى أنّه ليس يراد بها ثمرة دون ثمرة؟ إنّما يراد جميع الثمرات، وإذا كان كذلك، كان الجميع حسنا، وإن كان الإفراد قد يدلّ عليه، وليس الثمرة بواحد، كما أنّ قوله: وما تحمل من أنثى ليس بواحد، إنما هو أجناس الإناث، فكذلك يكون المراد أجناس الثمار.
وزعموا أنّ في حرف عبد اللَّه: وما تخرج من ثمرة من أكمامها وفي حرف أبيّ: من ثمرات من أكمامها.
وقوله: من ثمرات من أكمامها مثل قوله: فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها [فاطر/ ٣٧] ولو كان من أكمامها: من أكمامهنّ، ومختلفا ألوانهنّ كان حسنا.
[فصلت: ٤٤]
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم:
أأعجمي [فصّلت/ ٤٤]: ممدود.
عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي أأعجمي:
بهمزتين «٢».
قال أبو علي: الأعجم الذي لا يفصح، من العرب كان أو من
стр. 2397
العجم، ألا ترى أنّهم قالوا: زياد الأعجم، لأنّه كانت في لسانه، وكان عربيا، وقالوا:
«صلاة النهار عجماء»
«١»، أي تخفى فيها القراءة ولا تبيّن،
«والعجماء جبار»
«٢» لأنّها لا تبيّن عن أنفسها، كما يبيّن ذوو التعبير.
قال أبو يوسف: هي المنفلتة، لاجتماع الناس على تضمين السائق والقائد، ويجمع الأعجم على عجم، أنشد أبو زيد:
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا إلى ربنا صوت الحمار اليجدّع «٣» فالعجم جمع أعجم والمعنى: وأبغض صوت العجم صوت الحمار، لأنّ المضاف في أفعل بعض المضاف إليه، وصوت الحمار ليس بالعجم. فإذا لم يسغ حمل هذا الكلام على ظاهره علمت أن التقدير فيه ما وصفنا، وتسمي العرب من لم يبيّن كلامه من أي صنف كان من الناس أعجم، ومن ثمّ قال أبو الأحذر:
سلّوم لو أصبحت وسط الأعجم بالرّوم أو بالترك أو بالدّيلم «٤»
стр. 2398
فقال: لو كنت وسط الأعجم، ولم يقل: العجم لأنّه جعل كلّ من لم يبيّن كلامه أعجم، وكأنّه قال: لو كنت وسط القبيل الأعجم.
والعجم خلاف العرب، ويقال: العجم والعجم كما يقال: العرب والعرب، والعجمي خلاف العربي، وهو منسوب إلى العجم كما أنّ العربي منسوب إلى العرب، وإنّما قوبل الأعجمي في الآية بالعربي، وخلاف العربي العجمي، لأنّ الأعجمي في أنّه لا يبين مثل العجمي عندهم، فمن حيث اجتمعا في أنّهما لا يبيّنان قوبل به العربي في قوله: أعجمي وعربي وينبغي أن يكون الأعجمي الياء فيه للنسب، تنسب إلى الأعجم الذي لا يفصح، وهو في المعنى كالعجمي، وإن كانا يختلفان في النسبة، فيكون الأعجمي عربيا، ويجوز أن يقال: رجل أعجميّ فيراد به ما يراد بالأعجم بغير ياء النسب، كما يقال: أحمر وأحمري، ودوّار. و: دوّاريّ «١» وقوله: ولو نزلناه على بعض الأعجمين [الشعراء/ ١٩٨] مما جمع على إرادة ياء النسب فيه، مثل النميرون والهبيرات، ولولا ذلك لم يجز جمعه بالواو والنون، ألا ترى أنّك لا تقول في الأحمر إذا كان صفة أحمرون؟ فإنّما جاز الأعجمون لما ذكرنا.
فأمّا الأعاجم فينبغي أن يكون تكسير أعجمي، كما كان المسامعة تكسير مسمعي، وقد استعمل هذا الوصف استعمال الأسماء، من ذلك قوله:
стр. 2399
لأعجم طمطم «١» وقوله: وسط الأعجم «٢» فيجوز لذلك أن يكون من باب الأجازع، والأباطح، وهذه الآية في المعنى كقوله: ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين [الشعراء/ ١٩٨ - ١٩٩]، فقوله: ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته [فصّلت/ ٤٤] كأنّهم كانوا يقولون: لم تفصّل آياته، ولم تبيّن لأنّه أعجمي، فأمّا قوله: أعجمي وعربي، فالمعنى: المنزّل عليه أعجمي وعربي يرتفع كلّ واحد منهما بأنّه خبر مبتدأ محذوف، وقوله: أعجمي وعربي على وجه الإنكار منهم لذلك، كقوله في الأخرى: ما كانوا به مؤمنين [الشعراء/ ١٩٩].
ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر أعجمي على تخفيف الهمزة الثانية، وجعلها بين بين.
وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: أأعجمي بهمزتين «٣».
وهذا على أصلهم في الهمزتين إذا التقتا، وتخفيفهم لهما.
стр. 2400
[فصلت: ٢٩]
وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: أرنا اللذين [فصّلت/ ٢٩] ساكنة الراء.
حفص عن عاصم أرنا مثقّل، وقال هشام بن عمّار عن ابن عامر: أرنا اللذين خطأ، إنّما هو أرنا بكسر الراء.
وقرأ أبو عمرو بإشمام الراء الكسر.
أبو الربيع عن عبد الوارث عن أبي عمرو أرنا* ساكنة الراء.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي أرنا مثقل «١».
روي عن بعض المفسّرين في قوله: أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس [فصّلت/ ٢٩] قال: إبليس، وابن آدم الذي قتل أخاه، فمن قرأ أرنا حذف الياء التي هي لام الفعل للوقف، وتحركت الرّاء لحركة الهمزة المحذوفة التي ألقيت على الرّاء.
ووجه أرنا* أنّه على لفظ كتف، وضحك، فخفّف الحركة، كما يخفّف كتف، فيقال كتف. ومثل ذلك قولهم:
أراك منتفخا «٢» وأرنا فهو أفعلنا من رأيت التي يراد بها رؤية العين، يدلّ على ذلك أنّه قد تعدّى إلى مفعولين، فأحد المفعولين هو الذي كان يتعدّى رأيت إليه، وزاد الآخر للنقل بالهمزة، ولو كان النقل من المتعدّي إلى مفعولين لتعدّى إلى ثلاثة مفعولين، ولم يجز الاقتصار على مفعولين.
[فصلت: ٥١]
ابن عامر: وناء بجانبه [فصّلت/ ٥١] مفتوحة النون
стр. 2401
ممدودة، والهمزة بعد الألف، هذه رواية ابن ذكوان. وقال الحلواني عن هشام بن عمّار ونأى مثل أبي عمرو.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ونأى* في وزن نعا.
وقرأ حمزة والكسائي في رواية خلف عن سليم: ونأي مكسورة النون والهمزة وفي رواية أبي عمرو وغيره: نأي* بفتح النون، وإمالة الهمزة، وقرأ الكسائي بإمالة الهمزة والنون.
وروى اليزيدي ونأى* وزن نعا وعبد الوارث عن أبي عمرو ونأى بفتح النون وإمالة الهمزة.
عباس عن أبي عمرو ونأى* في وزن نعا «١».
قراءة ابن عامر: وناء مقلوب من نأى، لأنّه من نأيت، فقدّم اللّام إلى موضع العين، فصار وزنه فلع، ونأى على غير القلب. قال الشاعر:
أقول وقد ناءت بها غربة النّوى نوى خيتعور لا تشطّ ديارك «٢» وقد جاء القلب في هذا النحو قال:
وكلّ خليل راءني فهو قائل من أجلك هذا هامة اليوم أو غد «٣»
стр. 2402
وقال آخر:
تقرّب يخبو ضوؤه وشعاعه ومصّح حتى يستراء فلا يرى «١» وهو يستفعل من رأيت، قال:
وقد شاءنا القوم السراع فأوعبوا «٢» وأما قول حمزة في رواية خلف عن سليم: ونأى* بكسر النون والهمزة فهذا على أنّه كسر الهمزة، لأنّ الهمزة عين، كما يقال رأي* مثل شهد أو يكون أمال فتحة الراء، وأتبعها بإمالة الهمزة، وهذا الوجه أشبه بكسر النون والهمزة، إنّما أميل فتحها، فكذلك تكون الرّاء، وفي رواية أبي عمر الدوري نأى* بفتح النون وإمالة الهمزة.
وأمّا قراءة الكسائي بإمالة الهمزة والنون، فهو على أنّه أمال فتحة الراء لإمالة فتحة الهمزة، وروى اليزيدي: نأى* في وزن نعا، ورواية عبد الوارث عن أبي عمرو نأي* بفتح النون وإمالة الألف، فهذا جعله بمنزلة نعا ورئي فيمن أمال.
стр. 2403
ذكر اختلافهم في سورة الشورى
[الشورى: ٣]
اختلفوا في فتح الحاء وكسرها من قوله : كذلك يوحي إليك [٣] فقرأ ابن كثير وحده: كذلك يوحى إليك مفتوحة الحاء.
وقرأ الباقون: كذلك يوحي إليك بكسر الحاء «١».
من قال: يوحي إليك* فبنى الفعل للمفعول به احتمل أمرين:
زعموا أنّ في التفسير أن هذه السورة قد أوحي إلى الأنبياء قبل، فعلى هذا يجوز أن يكون يوحى إليك السورة كما أوحي إلى الذين من قبلك، ويجوز أن يكون الجار والمجرور يقومان مقام الفاعل ويجوز في قوله:
الله العزيز الحكيم [الشورى/ ٣] أن يكون تبيينا للفاعل كقوله:
يسبح له فيها بالغدو والآصال [النور/ ٣٦] ثم قال: رجال [النور/ ٣٧] كأنّه قيل: من يسبّح؟ فقال: يسبّح رجال، ومثله:
ليبك يزيد ضارع لخصومة «٢»
стр. 2404
وممّا يقوّي بناء الفعل للمفعول به: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك [الزمر/ ٦٥] وقوله وأوحي إلى نوح [هود/ ٣٦] وفي أخرى: فأوحينا إليه أن اصنع الفلك [المؤمنون/ ٢٧]. وأمّا من قرأ: يوحي إليك [الشوري/ ٣] على بناء الفعل للفاعل، فإنّ اسم اللَّه يرتفع بفعله، وما بعده يرتفع بالوصف.
[الشورى: ٥]
اختلفوا في قوله : تكاد السموات يتفطرن من فوقهن [الشورى/ ٥].
فقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي: تكاد السموات بالتاء يتفطرن بياء وتاء، وكذلك حفص عن عاصم إلا هبيرة، فإنّه روى عنه ينفطرن بالنون مثل أبي عمرو.
وقرأ نافع والكسائي يكاد* بالياء، يتفطرن بياء وتاء.
وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر تكاد بالتاء، ينفطرن بالنون «١».
يقال: فطرته فانفطر، وانفطر مطاوع فطر. وفي التنزيل: الذي فطرهن [الأنبياء/ ٥٦]، وأمّا يتفطرن فمطاوع فطّرته فتفطّر، ويقوّي ذلك ويوم تشقق السماء بالغمام [الفرقان/ ٢٥]، فتشقق مثل:
تفطّر، والمعنى والله أعلم: استعظام ما افتروه من ادّعاء الولد، ودليل
стр. 2405
ذلك قوله في الأخرى: أن دعوا للرحمن ولدا [مريم/ ٩١]، وقال قتادة: يتفطرن من عظمة اللَّه وجلاله، فهذا يكون كقوله: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر/ ٢١] وبنحو هذا ممّا يراد به تعظيم الأمر.
فأمّا قوله: إذا السماء انفطرت [الانفطار/ ١] وإذا السماء انشقت [الانشقاق/ ١] فليس كهذا المعنى، ولكن علم من أعلام الساعة، وكلّ واحد من القراءة يكاد وتكاد حسن.
[الشورى: ٢٥]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله : ويعلم ما تفعلون [الشورى/ ٢٥].
فقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي بالتاء.
وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: يفعلون* بالياء «١».
حجّة الياء: قبله: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده [الشورى/ ٢٥]، ويعلم ما يفعلون، أي: ما يفعل عباده.
وحجة التاء: أنّ التاء تعمّ المخاطبين والغيب فتفعلون تقع على الجميع، فهو في العموم مثل عباده.
[الشورى: ٣٠]
وقرأ نافع وابن عامر: من مصيبة بما كسبت أيديكم [الشورى/ ٣٠] بغير فاء، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون: فبما «٢»
стр. 2406
القول في ذلك أنّ ما أصاب من قوله: ما أصاب من مصيبة يحتمل أمرين: يجوز أن يكون صلة ما*، يجوز أن يكون شرطا في موضع جزم، فمن قدّره شرطا لم يجز حذف
الفاء فيه على قول سيبويه، وقد تأول أبو الحسن، بعض الآي على حذف الفاء في جواب الشرط، وقال بعض البغداديين: حذف الفاء من الجواب جائز، واستدلّ على ذلك بقوله: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام/ ١٢١]. وإذا كان صلة فالإثبات والحذف جائزان على معنيين مختلفين، أمّا إذا أثبت الفاء ففي إثباتها دليل على أنّ الأمر الثاني وجب بالأوّل، وذلك نحو قوله: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار [البقرة/ ٢٧٤] ثمّ قال: فلهم أجرهم عند ربهم [البقرة/ ٢٧٤] فثبات الفاء يدلّ على أنّ وجوب الأجر إنّما هو من أجل الإنفاق، ومثل ذلك قوله: وما بكم من نعمة فمن الله [النحل/ ٥٣] فإذا لم يذكر الفاء جاز أن يكون الثاني وجب للأوّل، وجاز أن يكون لغيره، والأولى إذا كان جزاء غير جازم أن تثبت الفاء كقوله: ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء/ ٧٩]، وهذا قريب في المعنى من قوله: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا [الروم/ ٤١] أي جزاء بعض ذلك، وليس ما للحسنة والسيّئة المذكورتين هنا المكتسبتين، وإنّما يراد بهما الشّدّة والرّخاء، كما قال: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [الأعراف/ ١٣١] وكقوله: إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا [التوبة/ ٥٠] فهذا كما حكي عنهم من قولهم: وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء [الأعراف/ ٩٥].
стр. 2407
[الشورى: ٣٢]
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ومن آياته الجواري [الشورى/ ٣٢] بياء في الوصل، ووقف ابن كثير: بياء، ونافع وأبو عمرو: بغير ياء.
وقرأ الباقون: بغير ياء في وصل ولا وقف «١».
القياس: الجواري في الوصل والوقف كما ذهب إليه ابن كثير، ومن حذف فلأنّ حذف هذه الياءات وإن كانت لاما، قد كثر في كلامهم، فصار كالقياس المستمرّ، وقد مضى القول فيه.
[الشورى: ٣٥]
اختلفوا في رفع الميم ونصبها من قوله: ويعلم الذين يجادلون في آياتنا [الشورى/ ٣٥].
فقرأ نافع وابن عامر: ويعلم الذين* برفع الميم.
وقرأ الباقون: ويعلم الذين نصبا «٢».
ومن قرأ ويعلم الذين يجادلون بالرفع، استأنف لأنّه موضع استئناف من حيث جاء من بعد الجزاء، وإن شئت جعلته خبر مبتدأ محذوف، وأمّا من نصب: فلأنّ قبله شرطا وجزاء، وكلّ واحد منهما غير واجب، تقول في الشرط: إن تأتني وتعطيني أكرمك. فتنصب تعطيني، وتقديره: إن يكن منك إتيان وإعطاء أكرمك، فالنصب بعد الشرط إذا عطفت عليه بالفاء أمثل من النصب بالفاء بعد جواب الشرط فأمّا قوله:
стр. 2408
ومن لا يقدّم رجله مطمئنّة فيثبتها في مستوى الأرض يزلق «١» والنصب فيه حسن لمكان النفي. فأمّا العطف على الشرط نحو:
إن تأتني وتكرمني فأكرمك، فالذي يختار سيبويه في العطف على جزاء الشرط الجزم فيختار ويعلم الذين يجادلون إذا لم يقطعه من الأوّل فيرفعه، ويزعم أن المعطوف على جزاء الشرط شبيه بقول القائل:
وألحق بالحجاز فأستريحا «٢» قال: إلّا أن ما ينصب في العطف على جزاء الشرط أمثل من ذلك، لأنّه ليس يوقع فعلا إلّا بأن يكون من غيره فعل فصار بمنزلة الهواجس، وزعم سيبويه أن بعضهم قرأ: يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء [البقرة/ ٢٨٤] وأنشد للأعشى في نصب ما عطف بالفاء على الجزاء «٣»:
ومن يغترب عن أهله لا يزل يرى مصارع مظلوم مجرّا ومسحبا
стр. 2409
وتدفن منه الصّالحات وإن يسئ يكن ما أساء النار في رأس كبكبا فهذا حجّة لمن قرأ: ويعلم الذين يجادلون في آياتنا بالنصب.
[الشورى: ٣٧]
اختلفوا في الجمع والتوحيد من قوله : كبائر الإثم [الشورى/ ٣٧].
فقرأ حمزة والكسائي: كبير الإثم واحد بغير ألف، وفي النجم مثله.
وقرأ الباقون: كبائر بالألف فيهما «١».
حجّة الجمع قوله: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر [النساء/ ٣١] فهذه يراد بها تلك الكبائر المجموعة التي تكفّر باجتنابها السيئات التي هي الصغائر.
ويقوّي الجمع أن المراد هنا اجتناب تلك الكبائر المجموعة في قوله: كبائر ما تنهون عنه، وإذا أفرد جاز أن يكون المراد واحدا، وليس المعنى على الإفراد، وإنّما المعنى على الجمع والكثرة، ومن قال: كبير* فأفرد، فإنّه يجوز أن يريد بها الجمع، وإن جاز أن يكون واحدا في اللّفظ، وقد جاءت الآحاد في الإضافة، يراد بها الجمع كقوله: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم/ ٣٤] وفي الحديث: «منعت العراق درهما وقفيزها» «٢».
стр. 2410
[الشورى: ٥١]
اختلفوا في رفع اللّام وإسكان الياء من قوله : أو يرسل رسولا فيوحي [الشورى/ ٥١].
فقرأ نافع وابن عامر: أو يرسل* برفع اللّام فيوحي ساكنة الياء.
وقال ابن ذكوان في حفظي عن أيوب: أو يرسل رسولا فيوحي نصب جميعا.
وقرأ الباقون: أو يرسل رسولا فيوحي نصب جميعا «١».
قال أبو علي: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل [الشورى/ ٥١] لا يخلو قوله يرسل فيمن نصب من أن يكون محمولا على أن* في قوله: أن يكلمه الله إلا وحيا، أو على غيره، فلا يجوز أن يكون محمولا على أن*، لأنّك إن حملتها عليها كان المعنى: ما كان لبشر أن يكلّمه، أو أن يرسل رسولا، ولم يخل قوله أو يرسل رسولا من أن يكون المراد فيه: أو يرسله رسولا، أو يكون: أو يرسل إليه رسولا، ولا يصحّ واحد من التقديرين، ألا ترى أنّك إن قدّرت العطف على أن* هذه المظهرة في قوله: أن يكلّمه الله، كان المعنى: ما كان لبشر أن يرسله رسولا، أو يرسل إليه رسولا، والتقديران جميعا فاسدان، ألا ترى أن كثيرا من البشر قد أرسل رسولا، وكثيرا منهم قد أرسل إليهم الرسل، فإذا لم يخل من هذين التقديرين، ولم يصحّ واحد منهما، علمت أنّ المعنى ليس عليه، والتّقدير على غيره، فالذي عليه المعنى، والتّقدير الصّحيح: ما ذهب إليه الخليل من أن يحمل يرسل فيمن نصب على أن* أخرى
стр. 2411
غير هذه، وهي التي دلّ عليه قوله: وحيا لأنّ أن يوحي والوحي قد يكونان بمعنى، فلمّا كان كذلك حملت يرسل من قوله أو يرسل رسولا على أن* هذه التي دلّ الوحي عليها، فصار التقدير: ما كان لبشر أن يكلّمه الله إلّا أن يوحي وحيا، أو يرسل رسولا فيوحي، ويجوز في قوله: إلا وحيا أمران: أحدهما: أن يكون استثناء منقطعا، والآخر أن يكون حالا، فإن قدّرته استثناء منقطعا لم يكن في الكلام شيء يوصل بمن، لأنّ ما قبل الاستثناء لا يعمل فيما بعده، ولذلك حملوا قول الأعشى:
ولا قائلا إلّا وهو المتعيّبا «١» على فعل آخر، وإنما لم يستجيزوا ذلك، لأنّ حرف الاستثناء في معنى حرف النفي، ألا ترى أنّك إذا قلت: قام القوم إلّا زيدا، فالمعنى قام القوم لا زيد؟ فكما لا يعمل ما في قبل حرف النفي فيما بعده، كذلك لم يعمل ما قبل الاستثناء إذا كان كلاما تامّا فيما بعده، إذ كان بمعنى النفي، وكذلك لا يجوز أن يعمل ما بعد إلّا فيما قبلها نحو: ما أنا الخبز إلّا آكل، كما لم يعمل ما بعد حرف النفي فيما قبله، فإذا كان كذلك لم يتصل الجارّ بما قبل إلّا، ويمنع أن يتصل به الجار من وجه آخر، وهو أن قوله: أو من وراء حجاب [الشورى/ ٥١] في صلة وحي الذي هو بمعنى أن يوحي فإذا كان كذلك لم يجز أن يحمل الجارّ الذي هو من في قوله: أو من وراء حجاب على أن يرسل، لأنّه يفصل بين الصّلة والموصول بما ليس منها، ألا ترى أنّ
стр. 2412
المعطوف على الصلة في الصلة؟ فإذا حملت العطف على ما ليس في الصلة، فصلت بين الصّلة والموصول بالأجنبي الذي ليس منهما، فإذا لم يجز حمله على يكلّم في قوله: ما كان لبشر أن يكلمه الله [الشورى/ ٥١] ولم يكن بدّ من أن يعلّق الجارّ بشيء، ولم يكن في اللّفظ شيء تحمله عليه، أضمرت يكلم وجعلت الجار في قوله: أو من وراء حجاب متعلقا بفعل مراد في الصّلة محذوف منها للدلالة عليه، وقد تحذف من الصّلة أشياء للدّلالة عليها، ويكون في المعنى معطوفا على الفعل المقدّر صلة لأن الموصولة بيوحي، فيكون التقدير:
ما كان لبشر أن يكلّمه إلّا أن يوحي إليه، أو يكلّمه من وراء حجاب، فحذف يكلّم من الصّلة لأنّ ذكره قد جرى، وإن كان خارجا عن الصّلة فحسّن ذلك حذفه من الصّلة وسوّغه، ألا ترى أنّ ما قبل حرف الاستفهام مثل ما قبل الصّلة في أنّه لا يعمل في الصلة كما لا يعمل ما قبل الاستفهام فيما كان في حيّز الاستفهام؟ وقد جاء الان، وقد عصيت [يونس/ ٩١] والمعنى: آلآن آمنت وقد عصيت قبل، فلما كان ذكر الفعل قد جرى في الكلام أضمر، وقال: آلآن، وقد كنتم به تستعجلون [يونس/ ٥١] المعنى: الآن آمنتم به فلمّا جرى ذكر آمنتم به قبل استغني بجري ذكره قبل عن ذكره في حيّز الاستفهام، وصار كالمذكور في اللّفظ، ألا ترى أنّ الاسم الواحد لا يستقل به الاستفهام؟ ولا يجوز أن يقدّر عطف أو من وراء حجاب على الفعل الخارج من الصّلة فيفصل بين الصّلة والموصول بالأجنبي منهما، كما فصل ذلك في قوله: إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس [الأنعام/ ١٤٥] ثم قال: أو فسقا أهل لغير الله به [الأنعام/ ١٤٥] فعطف بأو على ما في الصّلة بعد ما فصل بين الصّلة
стр. 2413
والموصول بقوله: فإنه رجس لأنّ قوله: فإنه رجس من الاعتراض الذي يسدّد ما في الصّلة، ويوضّحه، فصار لذلك بمنزلة الصّفة لما في الصّلة من التبيين والتخصيص، ومثل هذا في الفصل في الصّلة قوله والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم [يونس/ ٢٧] ففصل بقوله: جزاء سيئة بمثلها وعطف قوله: وترهقهم ذلة على الصّلة مع هذا الفصل من حيث كان قوله: جزاء سيئة بمثلها يسدّد ما في الصّلة. وأمّا من رفع فقال: أو يرسل رسولا فجعل يرسل حالا، فإنّ الجارّ في قوله: أو من وراء حجاب متعلق بمحذوف، ويكون في الظرف ذكر من ذي الحال، ويكون قوله: إلا وحيا على هذا التّقدير: مصدرا وقع موقع الحال، كقولك: جئتك ركضا، وأتيتك «١» عدوا، ويكون في أنّه مع ما انجرّ به في موضع الحال كقوله: ومن الصالحين [آل عمران/ ٤٦] بعد قوله: ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين فكما أن «من» هنا في موضع الحال كذلك في قوله: أو من وراء حجاب [الشورى/ ٥١] ومعنى: أو من وراء حجاب فيمن قدّر الكلام استثناء منقطعا أو حالا: يكلّمهم غير مجاهر لهم بكلامه، يريد أنّ كلامه يسمع ويحدث من حيث لا يرى، كما يرى سائر المتكلمين، إذ ليس ثمّ حجاب يفصل موضعا من موضع فيدلّ ذلك على تحديد المحجوب. ومن رفع يرسل*، كان يرسل في موضع نصب على الحال، والمعنى: هذا كلامه إيّاهم، كما تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، فإن قلت: فهل يجوز في قول من نصب فقال: أو يرسل أن يكون في موضع حال، وقد انتصب الفعل بأن
стр. 2414
المضمرة وأن لا تكون حالا، قيل: قد كان على هذا يجوز أن يكون حالا، وذلك على أن تقرر الجار، وتريده وإن كان محذوفا من اللّفظ، ألا ترى أنّ أبا الحسن قد قال في قوله: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله [البقرة/ ٢٤٦] وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه [الأنعام/ ١١٩] أنّ المعنى: وما لكم في أن لا تأكلوا، وأنّه في موضع حال، كما أنّ قوله: فما لهم عن التذكرة معرضين [المدّثر/ ٤٩] حال فكذلك فقد كان يجوز في قول من نصب أو يرسل أن يكون في موضع الحال، ويكون التقدير: بأن يرسل، فحذف الجارّ مع أن.
стр. 2415
ذكر اختلافهم في سورة الزخرف
[الزخرف: ٥]
اختلفوا في فتح الألف وكسرها من قوله : صفحا أن كنتم [الزخرف/ ٥] فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو وعاصم وابن عامر:
صفحا أن كنتم نصبا.
وقرأ حمزة ونافع والكسائي: إن كنتم* كسرا «١».
من قال: أن كنتم فالمعنى: لأن كنتم، فأمّا صفحا فانتصابه من باب: صنع الله [النمل/ ٨٨] لأنّ قوله: أفنضرب عنكم الذكر [الزخرف/ ٥] يدلّ على: أنصفح عنكم صفحا؟ وكأن قولهم:
صفحت عنه أي: أعرضت، وولّيته صفحة العنق، والمعنى: أفنضرب عنكم ذكر الانتقام منكم والعقوبة لكم، لأن كنتم قوما مسرفين؟ وهذا يقرب من قوله: أيحسب الإنسان أن يترك سدى [القيامة/ ٣٦] والكسر على أنه جزاء استغني عن جوابه بما تقدّمه مثل: أنت ظالم إن فعلت، كأنّه: إن كنتم قوما مسرفين نضرب.
стр. 2416
[الزخرف: ١٨]
اختلفوا في ضمّ الياء والتّشديد وفتحها والتخفيف من قوله : أومن ينشأ في الحلية [الزخرف/ ١٨].
فقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ينشأ برفع الياء والتشديد.
وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ينشأ بفتح الياء والتخفيف «١».
يقال: نشأت السّحابة، ونشأ الغلام، فإذا نقل بالهمزة هذا الفعل تعدّى إلى مفعول، وعامّته بالهمزة، كقوله: وينشىء السحاب الثقال [الرعد/ ١٢] ثم أنشأنا خلقا آخر [المؤمنون/ ١٤] وأنشأنا بعدها قوما «٢» [الأنبياء/ ١١] وهو الذي أنشأ جنات معروشات [الأنعام/ ١٤١] والأكثر في هذه الأفعال التي تتعدّى إذا أريد تعديته أن ينقل بالهمزة، وبتضعيف العين نحو: فرح، وفرحته، وأفرحته، وغرم وغرّمته وأغرمته، وقد جاء منه شيء بتضعيف العين دون الهمزة، وذلك قولك: لقيت خيرا، ولقانيه زيد، ولا تقول: ألقانيه زيد، إنّما تقول:
لقّانيه، وعلى هذا قوله: ويلقون فيها تحية وسلاما [الفرقان/ ٧٥] ولقاهم نضرة وسرورا [الإنسان/ ١١] ولم نعلم من هذا المعنى:
ألقيته عمرا، إنّما يقال: لقيته عمرا، فأمّا قولهم: ألقيت متاعك بعضه على بعض، فليس بمنقول من لقي بعض متاعك على بعضه، ولو كان منه وجب أن يزيد النقل مفعولا، وفي النقل بالهمزة لم يزد مفعولا،
стр. 2417
إنّما تعدى إلى المفعول الثاني بالحرف في قولك: ألقيت متاعك بعضه على بعض، فألقيت بمنزلة أسقطت، وليس بمنقول من لقي بالدّلالة التي ذكرنا، فيجوز أن يكون نشأ من ذلك، لأنّا لم نعلم منشّئ، كما جاء: بلغ وأبلغ، ونجّى وأنجى، فإذا كان كذلك، فالأوجه إنّما هو:
أو من ينشأ في الحلية فيكون أفعل من أفعلت.
ومن قال، ينشأ فهو في القياس مثل فرّح وأفرح، وغرّم وأغرم، وإن عزّ وجود ذلك في الاستعمال وموضع «من» نصب على تقدير:
اتخذوا له من ينشأ في الحلية، على وجه التقريع لهم بما افتروه كما قال: أم له البنات ولكم البنون [الطور/ ٣٩] فنسبوا إلى القديم سبحانه ما يكرهونه، ومن لا يكاد يقوم بحجّته أو يستوفيها.
[الزخرف: ١٩]
اختلفوا في الباء والنون من قوله : عباد الرحمن [الزخرف/ ١٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: عند الرحمن* بالنون.
وقرأ الباقون: عباد الرحمن بالباء «١».
حجّة من قال: عند الرحمن*، قوله: ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته [الأنبياء/ ١٩] وقوله: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [الأعراف/ ٢٠٦] وحجّة من قال عباد قوله: بل عباد مكرمون [الأنبياء/ ٢٦] فقد جاء التنزيل بالأمرين جميعا، وفي قوله:
عند الرحمن* دلالة على رفع المنزلة والتقريب، كما قال: ولا الملائكة المقربون [النساء/ ١٧٢] وهذا من القرب في المنزلة والرفعة
стр. 2418
في الدرجة، وليس من قرب المسافة وفي قوله: عباد الرحمن دلالة على تكذيبهم في أنّهم بنات، كما قال: أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون [الصافّات/ ١٥٠]
[الزخرف: ١٩]
وقرأ نافع وحده: أاشهدوا «١» [الزخرف/ ١٩] بضمّ الألف مع فتحة الهمزة من أشهدوا. المفضل عن عاصم مثل نافع، وروى خلف وابن سعدان عن المسيبي عن نافع آشهدوا ممدودة من أشهدت.
والباقون لا يمدّون أشهدوا من شهدت «٢» قوله: بضمّ الألف مع فتحة الهمزة يعني أنّ الفعل أشهدوا* على أفعلوا بضمّ الهمزة وسكون الشين، وقبلها همزة الاستفهام مفتوحة ثم يخفّف الهمزة الثانية من غير أن يدخل بينهما ألفا كما يفعله أبو عمرو، والذي رواه المسيبي مثل ذلك، إلّا أنّه يدخل بينهما ألفا «٣».
قال أبو علي: إنّ قولهم شهدت فعل استعمل على ضربين:
أحدهما يراد به: حضرت، والآخر: العلم، فالذي معناه الحضور يتعدّى إلى مفعول، يدلّ على ذلك قوله:
لو شهد عادا في زمان عاد «٤»
стр. 2419
وقوله:
ويوم شهدناه سليما وعامرا «١» فتقدير هذا شهدنا فيه سليما، ومن ذلك قوله:
شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة يد الدّهر إلّا جبرئيل أمامها «٢» فهذا محذوف المفعول، التقدير فيه: شهدنا المعركة، أو شهدنا من تجمّع لقتالنا. ومنه قوله:
فقد شهدت قيس فما كان نصرها قتيبة إلّا عضّها بالأباهم «٣» فهذا الضرب المتعدّي إلى مفعول واحد، إذا نقل بالهمزة تعدّى إلى مفعولين، تقول: شهد زيد المعركة وأشهدته إياها، ومن ذلك: ما أشهدتهم خلق السموات [الكهف/ ٥١] فلما نقل شهد بالهمز صار الفاعل مفعولا أولا، والتّقدير: ما أشهدتهم فعلي، والفعل في أنّه مفعول ثان، وإن كان غير عين، مثل زيد ونحوه من أسماء الأعيان
стр. 2420
المختصّة. وقالوا: امرأة مشهد، إذا كان زوجها شاهدا لم يخرج في بعث من غزو وغيره، وامرأة مغيب: إذا لم يشهد زوجها.
فكأنّ المعنى: ذات غيبة لوليّها، وذات شهادة، والشّهادة خلاف الغيبة قال: عالم الغيب والشهادة [الأنعام/ ٧٣] فهذا في المعنى مثل قوله: ويعلم ما تخفون وما تعلنون [النمل/ ٢٥] ويعلم سركم وجهركم [الأنعام/ ٣]. وأمّا شهدت الذي بمعنى علمت فيستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون قسما، والآخر: أن يكون غير قسم، فاستعمالهم له قسما، كاستعمالهم: علم الله ويعلم الله، قسمين فتقول: علم الله لأفعلنّ، فتتلقاه بما تتلقّى به الأقسام، وأنشد سيبويه:
ولقد علمت لتاتينّ منيّتي إنّ المنايا لا تطيش سهامها «١» وحدّثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسن أنّ محمدا قال: إنّ زفر كان يذهب إلى أنّه إذا قال: أشهد بالله كان يمينا، فإن قال: أشهد، ولم يقل بالله لم يره قسما. أبو الحسن وقال محمد: أشهد غير موصولة بقوله بالله مثل أشهد موصولة بقولك بالله في أنّه يمين، قال: واستشهد محمد على ذلك بقوله قالوا نشهد إنك لرسول الله [المنافقون/ ١] ثم قال: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة [المنافقون/ ١، ٢] فجعله يمينا، ولم يوصل بقوله بالله. وأمّا شهدت الذي يراد به علمت ولا يراد به العلم «٢» فهو ضرب من العلم مخصوص