← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

[الزخرف: ١٨] اختلفوا في ضمّ الياء والتّشديد وفتحها والتخفيف من قوله : أومن ينشأ في الحلية [الزخرف/ ١٨]. فقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ينشأ برفع الياء والتشديد. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ينشأ بفتح الياء والتخفيف «١». يقال: نشأت السّحابة، ونشأ الغلام، فإذا نقل بالهمزة هذا الفعل تعدّى إلى مفعول، وعامّته بالهمزة، كقوله: وينشىء السحاب الثقال [الرعد/ ١٢] ثم أنشأنا خلقا آخر [المؤمنون/ ١٤] وأنشأنا بعدها قوما «٢» [الأنبياء/ ١١] وهو الذي أنشأ جنات معروشات [الأنعام/ ١٤١] والأكثر في هذه الأفعال التي تتعدّى إذا أريد تعديته أن ينقل بالهمزة، وبتضعيف العين نحو: فرح، وفرحته، وأفرحته، وغرم وغرّمته وأغرمته، وقد جاء منه شيء بتضعيف العين دون الهمزة، وذلك قولك: لقيت خيرا، ولقانيه زيد، ولا تقول: ألقانيه زيد، إنّما تقول: لقّانيه، وعلى هذا قوله: ويلقون فيها تحية وسلاما [الفرقان/ ٧٥] ولقاهم نضرة وسرورا [الإنسان/ ١١] ولم نعلم من هذا المعنى: ألقيته عمرا، إنّما يقال: لقيته عمرا، فأمّا قولهم: ألقيت متاعك بعضه على بعض، فليس بمنقول من لقي بعض متاعك على بعضه، ولو كان منه وجب أن يزيد النقل مفعولا، وفي النقل بالهمزة لم يزد مفعولا،

стр. 2417

إنّما تعدى إلى المفعول الثاني بالحرف في قولك: ألقيت متاعك بعضه على بعض، فألقيت بمنزلة أسقطت، وليس بمنقول من لقي بالدّلالة التي ذكرنا، فيجوز أن يكون نشأ من ذلك، لأنّا لم نعلم منشّئ، كما جاء: بلغ وأبلغ، ونجّى وأنجى، فإذا كان كذلك، فالأوجه إنّما هو: أو من ينشأ في الحلية فيكون أفعل من أفعلت. ومن قال، ينشأ فهو في القياس مثل فرّح وأفرح، وغرّم وأغرم، وإن عزّ وجود ذلك في الاستعمال وموضع «من» نصب على تقدير: اتخذوا له من ينشأ في الحلية، على وجه التقريع لهم بما افتروه كما قال: أم له البنات ولكم البنون [الطور/ ٣٩] فنسبوا إلى القديم سبحانه ما يكرهونه، ومن لا يكاد يقوم بحجّته أو يستوفيها. [الزخرف: ١٩] اختلفوا في الباء والنون من قوله : عباد الرحمن [الزخرف/ ١٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: عند الرحمن* بالنون. وقرأ الباقون: عباد الرحمن بالباء «١». حجّة من قال: عند الرحمن*، قوله: ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته [الأنبياء/ ١٩] وقوله: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [الأعراف/ ٢٠٦] وحجّة من قال عباد قوله: بل عباد مكرمون [الأنبياء/ ٢٦] فقد جاء التنزيل بالأمرين جميعا، وفي قوله: عند الرحمن* دلالة على رفع المنزلة والتقريب، كما قال: ولا الملائكة المقربون [النساء/ ١٧٢] وهذا من القرب في المنزلة والرفعة

стр. 2418

في الدرجة، وليس من قرب المسافة وفي قوله: عباد الرحمن دلالة على تكذيبهم في أنّهم بنات، كما قال: أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون [الصافّات/ ١٥٠] [الزخرف: ١٩] وقرأ نافع وحده: أاشهدوا «١» [الزخرف/ ١٩] بضمّ الألف مع فتحة الهمزة من أشهدوا. المفضل عن عاصم مثل نافع، وروى خلف وابن سعدان عن المسيبي عن نافع آشهدوا ممدودة من أشهدت. والباقون لا يمدّون أشهدوا من شهدت «٢» قوله: بضمّ الألف مع فتحة الهمزة يعني أنّ الفعل أشهدوا* على أفعلوا بضمّ الهمزة وسكون الشين، وقبلها همزة الاستفهام مفتوحة ثم يخفّف الهمزة الثانية من غير أن يدخل بينهما ألفا كما يفعله أبو عمرو، والذي رواه المسيبي مثل ذلك، إلّا أنّه يدخل بينهما ألفا «٣». قال أبو علي: إنّ قولهم شهدت فعل استعمل على ضربين: أحدهما يراد به: حضرت، والآخر: العلم، فالذي معناه الحضور يتعدّى إلى مفعول، يدلّ على ذلك قوله: لو شهد عادا في زمان عاد «٤»

стр. 2419

وقوله: ويوم شهدناه سليما وعامرا «١» فتقدير هذا شهدنا فيه سليما، ومن ذلك قوله: شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة يد الدّهر إلّا جبرئيل أمامها «٢» فهذا محذوف المفعول، التقدير فيه: شهدنا المعركة، أو شهدنا من تجمّع لقتالنا. ومنه قوله: فقد شهدت قيس فما كان نصرها قتيبة إلّا عضّها بالأباهم «٣» فهذا الضرب المتعدّي إلى مفعول واحد، إذا نقل بالهمزة تعدّى إلى مفعولين، تقول: شهد زيد المعركة وأشهدته إياها، ومن ذلك: ما أشهدتهم خلق السموات [الكهف/ ٥١] فلما نقل شهد بالهمز صار الفاعل مفعولا أولا، والتّقدير: ما أشهدتهم فعلي، والفعل في أنّه مفعول ثان، وإن كان غير عين، مثل زيد ونحوه من أسماء الأعيان

стр. 2420

المختصّة. وقالوا: امرأة مشهد، إذا كان زوجها شاهدا لم يخرج في بعث من غزو وغيره، وامرأة مغيب: إذا لم يشهد زوجها. فكأنّ المعنى: ذات غيبة لوليّها، وذات شهادة، والشّهادة خلاف الغيبة قال: عالم الغيب والشهادة [الأنعام/ ٧٣] فهذا في المعنى مثل قوله: ويعلم ما تخفون وما تعلنون [النمل/ ٢٥] ويعلم سركم وجهركم [الأنعام/ ٣]. وأمّا شهدت الذي بمعنى علمت فيستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون قسما، والآخر: أن يكون غير قسم، فاستعمالهم له قسما، كاستعمالهم: علم الله ويعلم الله، قسمين فتقول: علم الله لأفعلنّ، فتتلقاه بما تتلقّى به الأقسام، وأنشد سيبويه: ولقد علمت لتاتينّ منيّتي إنّ المنايا لا تطيش سهامها «١» وحدّثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسن أنّ محمدا قال: إنّ زفر كان يذهب إلى أنّه إذا قال: أشهد بالله كان يمينا، فإن قال: أشهد، ولم يقل بالله لم يره قسما. أبو الحسن وقال محمد: أشهد غير موصولة بقوله بالله مثل أشهد موصولة بقولك بالله في أنّه يمين، قال: واستشهد محمد على ذلك بقوله قالوا نشهد إنك لرسول الله [المنافقون/ ١] ثم قال: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة [المنافقون/ ١، ٢] فجعله يمينا، ولم يوصل بقوله بالله. وأمّا شهدت الذي يراد به علمت ولا يراد به العلم «٢» فهو ضرب من العلم مخصوص

стр. 2421

فكلّ شهادة علم وليس كلّ علم شهادة، وممّا يدلّ على اختصاصه بالعلم بأنّه لو قال عند الحاكم: أعلم أنّ لزيد على عمرو عشرة، لم يحكم به حتى يقول: أشهد، فالشهادة مثل التيقّن في أنّه ضرب من العلم مخصوص، فليس كلّ علم تيقّنا، وإن كان كلّ تيقّن علما، وكأنّ التيقّن هو العلم الذي قد عرض لعالمه إشكال فيه. يبيّن ذلك قوله في قصّة إبراهيم: وليكون من الموقنين [الأنعام/ ٧٥] ويبيّن ذلك قول رؤبة: يا دار عفراء ودار البخدن أما جزاء العالم المستيقن عندك إلّا حاجة التّفكّن «١» فوصف العالم بالمستيقن. وقالوا: فلو لم تكن في المستيقن زيادة معنى لم يكن في الوصف الأوّل، ولم يحسن هذا الكلام، وكان غير مفيد. وهذا كقول زهير: فلأيا عرفت الدّار بعد توهّم «٢» ثمّ قال: فلمّا عرفت الدّار قلت لربعها أي: عرفتها بعد إشكال امرها، والتباسها عليّ، وعلى هذا قول

стр. 2422

الآخر «١»: حيّوا الدّيار وحيّوا ساكن الدّار ما كدت أعرف إلّا بعد إنكار وكأنّ معنى: أشهد أيّها الحاكم على كذا وكذا، أي أعلمه علما يحضرني. وقد تذلّل لي، فلا أتوقف عنه ولا أتثبت فيه لوضوحه عندي، وتبيّنه، وليس كذلك سبيل المعلومات كلّها، ألا ترى أنّ منها ما يحتاج إلى توقف فيه، واستدلال عليه، وتنزيل له، ويدلّ على أنّ هذه الشهادة يراد بها المعنى الزائد على العلم أنّه لا يخلو من أن يكون العلم مجردا ممّا ذكرنا، أو مقترنا بما وصفنا من المعاني، فالّذي يدلّ على أنّه المقترن بالمعاني التي ذكرنا قوله: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون [الزخرف/ ٨٦]، وقوله: وما شهدنا إلا بما علمنا [يوسف/ ٨١]. فلو كان معنى «شهد» العلم خاليا من هذه المعاني لكان المعنى: وما علمنا إلّا بما علمنا، وإلّا من علم بالحقّ وهم يعلمون، فإذا لم يتّجه حمله على هذا علم أنّ معناه ما ذكرنا. وشهد في هذا الوجه يتعدّى بحرف جرّ، فتارة يكون الباء وأخرى يكون على*، فمما يتعدّى بعلى قوله: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا [فصّلت/ ٢١] وقوله: شهد عليهم سمعهم وأبصارهم [فصّلت/ ٢٠] ويوم تشهد عليهم ألسنتهم [النور/ ٢٤] شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم [الأنعام/ ١٣٠] ومن التعدّي بالباء قوله: وما شهدنا إلا بما علمنا [يوسف/ ٨١] وإلا من شهد بالحق

стр. 2423

[الزخرف/ ٨٦] وقوله: أربع شهادات بالله [النور/ ٦] فإذا نقل بالهمزة زاد بالهمزة مفعول كسائر الأفعال المتعدية إذا نقلت بالهمزة، قال: وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا [الأعراف/ ١٧٢] فأمّا قوله: أشهدوا خلقهم [الزخرف/ ١٩] فمن الشهادة التي هي الحضور، كأنّهم بّخلوا على أن قالوا ما لم يحضروا ممّا حكمه أن يعلم بالمشاهدة. ومن قال: أأشهدوا خلقهم فالمعنى: أأحضروا ذلك، وكان الفعل يتعدّى إلى مفعولين قبل النقل فلمّا بني للمفعول به نقص فتعدّى الفعل إلى مفعول واحد، ويقوّي هذه القراءة قوله: ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم [الكهف/ ٥١] فتعدّى إلى مفعولين لمّا بني الفعل للفاعل. فأمّا قوله: إني أشهد الله واشهدوا أني بريء [هود/ ٥٤] فعلى إعمال الثاني، كما أنّ قوله: آتوني أفرغ عليه قطرا [الكهف/ ٩٦] كذلك، والتقدير: إنّي أشهد الله إنّي بريء. واشهدوا أنّي بريء، فحذف المفعول الأوّل على: ضربت وضربني زيد، وهذا منقول من شهد بكذا، إلّا أن حرف الجر يحذف مع أنّ وأن، فأمّا الباء في قوله: أشهد بالله فهي متعلقة بهذا الظاهر، كما أنّ قوله: أحلف بالله، وأقسم بالله، يتعلق الجارّ فيه بهذا الظاهر. فإن قلت: فلم لا يكون الجار فيه معلقا بمحذوف كأنّه قال: أشهد بقوة الله، فيكون الجارّ فيه كالّذي في قوله: حضرت بسلاحي، وشهدت بقوتي، فإنّ ما تقدّم أولى من هذا، ألا ترى أنّك تقول: أشهد وأشهد بالله كما تقول: أحلف وأحلف بالله، وأقسم وأقسم بالله؟ فكما أنّك في هذا تعلق الجارّ بالظّاهر كذلك في أشهد تعلقه به. وقال: ونزعنا من كل أمة شهيدا [القصص/ ٧٥] فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء [النساء/ ٤١]

стр. 2424

وقال: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة/ ١٤٣] فشهداء جمع شهيد، كفقيه وفقهاء، وظريف وظرفاء، فأمّا قوله: ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم [هود/ ١٨] فيجوز أن يكون الأشهاد جمع شاهد مثل: صاحب وأصحاب. وطائر وأطيار، وأظنّه قول سيبويه، ويجوز أن يكون أشهاد جمع شهيد، كيتيم وأيتام، وشريف وأشراف وأبيل «١» وآبال، وهذا كأنّه أرجح، لأنّ ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر: تخرجون* [الزخرف/ ١١] بضمّ الرّاء وفتح التاء. الباقون: تخرجون بضمّ التاء وفتح الرّاء «٢». حجّة تخرجون* قوله: إذا أنتم بشر تنتشرون [الروم/ ٢٠] فتنتشرون مثل تخرجون، ألا ترى أنّ انتشر مطاوع نشرته، كما أنّ خرج مطاوع أخرجته؟. وحجّة تخرجون قوله: ومنها نخرجكم تارة أخرى [طه/ ٥٥] وقوله: من بعثنا من مرقدنا هذا [يس/ ٥٢]. [الزخرف: ٢٤] قال: قرأ ابن عامر: قال أولو جئتكم [الزخرف/ ٢٤] بألف وكذلك روى حفص عن عاصم. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: قل* بغير ألف «٣».

стр. 2425

قال أبو علي: فاعل قال: النذير، المعنى: وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلّا قال مترفوها إنّا وجدنا آباءنا على أمّة، فقال لهم النذير: أولو جئتكم بأهدى ممّا وجدتم عليه آباءكم؟ ويجوز فيمن قال: قل، أن يكون حكاية ما أوحي إلى النذير، كأنّه: أوحينا إليه فقلنا له قل لهم: أو لو جئتكم بأهدى من ذلك. [الزخرف: ٣٣] اختلفوا في الجمع والتوحيد من قوله : سقفا* [الزخرف/ ٣٣] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: سقفا*، على التوحيد. وقرأ الباقون سقفا بضمّ السين والقاف على الجميع «١». السّقف: جمع سقف قال: وجعلنا السماء سقفا محفوظا [الأنبياء/ ٣٢]، والجمع سقف، مثل: رهن ورهن، ويخفّف فيقال: رهن، ومثله في الصّفة: فرس ورد، وخيل ورد، كذلك كث وكثّ، وسهم حشر، وسهام حشر، وفعل في الجمع يخفّف نحو أسد وأسد. قال: كأنّ محرّبا من أسد ترج ينازله لنابيه قبيب «٢» وسقف واحد يدلّ على الجمع، ألا ترى أنّه قد علم بقوله: لبيوتهم أنّ لكل بيت سقفا. وروي عن مجاهد أنّه قال: كلّ شيء من السّماء فهو سقف، وكلّ شيء من البيوت فهو سقف بضمتين،

стр. 2426

ويشبه أن يكون اعتبر في السّقف قوله: وجعلنا السماء سقفا محفوظا [الأنبياء/ ٣٢]. [الزخرف: ٣٥] قال: وقرأ عاصم وحمزة: لما متاع [الزخرف/ ٣٥] مشددة. وقرأ الباقون: لما* خفيف «١». من شدّد كانت إن* عنده بمعنى ما* النافية كالتي في قوله: إن الكافرون إلا في غرور [الملك/ ٢٠]، فكذلك المعنى في الآية: ما كلّ ذلك إلّا متاع الحياة الدنيا، ولما* في معنى إلا*، وقد حكى سيبويه: نشدتك الله لمّا فعلت، وحمله على إلّا، وهذه الآية تدلّ على فساد قول من قال: إنّ قوله: وإن كل لما جميع لدينا محضرون [يس/ ٣٢] أنّ المعنى: إن هو إلّا جميع لدينا محضرون. وزعموا أنّ في حرف أبيّ: وما ذلك إلا متاع الحياة، فهذا يدلّ على أنّ لما* بمعنى إلا* وأن إن* بمعنى ما*، وحكي عن الكسائي أنّه قال: لا أعرف وجه التثقيل، وقال أبو الحسن: قال بعضهم: لمّا مثقلة، وجعلها في معنى إلّا، وذهب إلى أنّ التخفيف الوجه، قال: لأنّ لمّا في معنى إلّا لا يكاد يعرف ولا يكاد يتكلّم بها. وأمّا من قال لما* بالتخفيف، فإن إن* في قوله المخفّفة من الثقيلة، واللّام فيها التي تدخل لتفصل بين النفي والإيجاب في قوله: هبلتك أمك إن قتلت لفارسا «٢»

стр. 2427

وكقوله: وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [الأعراف/ ١٠٢]، ومن نصب بها مخففة فقال: إن زيدا لمنطلق، استغنى عن هذه اللّام، لأنّ النافية لا ينتصب بعدها الاسم، فإذا لم يقع بعدها انتصاب اسم لم يقع اللّبس، وما* فيه زائدة، المعنى: وإن كلّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا، ولم تعمل إن* عمل الفعل لمّا خففتها لزوال شبهها بالفعل من أجل التخفيف، ولو نصبت بها لجاز في القياس، وحكى سيبويه النصب بها مخففة، والقياس أن لا تعمل إذا خفّفت يدلّك على ذلك دخلوها على الفعل في نحو: وإن كنا عن دراستهم لغافلين [الأنعام/ ١٥٦] وو إن وجدنا أكثرهم لفاسقين [الأعراف/ ١٠٢]. [الزخرف: ٣٨] اختلفوا في التوحيد والتثنية من قوله تعالى: حتى إذا جاءنا قال [الزخرف/ ٣٨]. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر حتى إذا جاءانا لاثنين. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: جاءنا واحد «١». حجّة الإفراد: قوله: قال: يا ليت بيني وبينك [الزخرف/ ٣٨]

стр. 2428

فهو واحد، وحجّة التثنية قوله: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين [الزخرف/ ٣٦] فقوله: جاءانا على التثنية هو الكافر وقرينه هذا. وهكذا روي عن عكرمة قال: الكافر وقرينه، وليس يدلّ قوله: يا ليت بيني وبينك أنّ قرينه ليس معه، بل يجوز أن يقول له هذا وهو معه. [الزخرف: ٥٣] قال وكلّهم قرأ: أساورة [الزخرف/ ٥٣] إلّا عاصما في رواية حفص، فإنّه قرأ: أسورة. قال أبو زيد: قالوا: رجل إسوار من قوم أساورة، وهو إسوار المرأة، وسوار المرأة وأسورة لجماعتها، قال: وهما قلبان «١» يكونان في يديها. قال أبو علي: فرواية حفص: أسورة هو جمع سوار، جمعه على أسورة، مثل: سقاء وأسقية. وإزار وآزرة، وخوان وأخونة. ومن قرأ أساورة جعله جمع إسوار الذي ذكره أبو زيد، وقال في الجمع: أساورة، فألحق الهاء في الجمع على أن الهاء عوض من الياء التي ينبغي أن تلحق في جمع إسوار على حدّ: إعصار وأعاصير فإن شئت قلت: أساورة، وإن شئت قلت: أساوير. ويجوز في أساورة أن يكون جمع أسورة مثل أسقية وأساق، ولحقت علامة التأنيث كما لحقت في قشعم وقشاعمة، فأمّا أساورة في جمع إسوار، فالهاء فيه على حدّ ما يلحق المعربات نحو: طيالسة، وزنادقة، وقد لحقت هذه

стр. 2429

الهاء المعرّبة نحو: صياقلة وقشعم وقشاعمة، والإسوار معرب «١» وهو الفارس. [الزخرف: ٥٦] اختلفوا في ضمّ السّين واللّام من قوله : سلفا [الزخرف/ ٥٦] وفتحهما. فقرأ حمزة والكسائي: سلفا بضمّ السّين واللّام. وقرأ الباقون: سلفا بفتحهما «٢». قال أبو علي: من قال: سلفا بضمّ السّين واللّام جاز أن يجعله جمعا لسلف، فيكون مثل أسد وأسد، ووثن وقالوا: أثن، وممّا لحقته تاء التأنيث من هذا: خشبة وخشب، وبدنة وبدن. ومن قال: سلفا بفتح السّين واللّام، فلأنّ فعلا قد جاء في حروف يراد بها الكثرة، وكأنّه اسم من أسماء الجمع، كقولهم: خادم وخدم، وطالب وطلب، وحارس وحرس، وحكى أحمد بن يحيى: رائح وروح، فلذلك جاء في موضع الجمع في قوله: فجعلناهم سلفا [الزخرف/ ٥٦] وكذلك المثل واحد يراد به الجمع، فمن ثمّ عطف على سلف في قوله: فجعلناهم سلفا ومثلا. ويدلّك على وقوعه على أكثر من واحد قوله: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ... ومن رزقناه «٣» [النحل/ ٧٥] فأوقع لفظ الإفراد على التثنية، وكذلك جاز وقوعه على الجمع، وقد جمع المثل في قوله:

стр. 2430

وتلك الأمثال نضربها للناس [العنكبوت/ ٤٣، الحشر/ ٢١] فمثل في هذا كالمثل في أنّه جمع مرة وأفرد أخرى، في قوله: إنكم إذا مثلهم [النساء/ ١٤٠] وجمع في قوله: ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد/ ٣٨] وكذلك أفرد في موضع التثنية فيما أنشده سيبويه: وساقيين مثل زيد وجعل «١» ويثنى أيضا في قوله: والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان «٢» وإذا كانت الجموع الصّحيحة قد كسّرت في نحو: حمال «٣» وحمائل، وأسقية وأساق، فأن يجوز تكسير نحو سلف على سلف أجدر. [الزخرف: ٥٧] اختلفوا في ضمّ الصّاد وكسرها من قوله : يصدون* [الزخرف/ ٥٧].

стр. 2431

فقرأ نافع وابن عامر والكسائي: يصدون* بضمّ الصّاد وقرأ الباقون يصدون بكسر الصاد «١» أبو عبيدة: إذا قومك منه يصدون يضجّون، ومن ضمّها: فمجازها يعدلون «٢». وقال غيره يصدّون ويصدّون والكسر أكثر، قال: ومعناهما جميعا: يضجّون، وقال أبو الحسن: يصدّون ويصدّون، مثل: يحشر ويحشر، وقال بعض المفسّرين: يضحكون. قال أبو علي: المعنى: أنّه لمّا نزل: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء/ ٩٨] قال المشركون: أآلهتنا خير أم هو [الزخرف/ ٥٨]، أي: إن كانت آلهتنا حصب جهنّم لأنّها اتّخذت آلهة وعبدت فعيسى في حكمهم كذلك، فقال: ولما ضرب ابن مريم مثلا [الزخرف/ ٥٧] في هذا الذي قالوه إذا قومك منه يصدون [الزخرف/ ٥٧] أي: يضجّون لما أتوا به عندهم في تسويتهم بين عيسى ﵇، وبين آلهتهم، وما ضربوه إلّا إرادة المجادلة، لأنهم قد علموا أنّ المراد بحصب جهنّم ما اتخذوه من الموات، ويقال: صدّ عن كذا فيوصل بعن، كما قال: صدّت كما صدّ عمّا لا يحلّ له «٣»

стр. 2432

وصددت الكأس عنّا أمّ عمرو «١» ويصدون عنك [النساء/ ٦١]، وصد عن السبيل «٢» [غافر/ ٣٧]، فمن ذهب في يصدّون إلى معنى يعدلون كان المعنى إذا قومك منه أي: من أجل المثل يصدّون، ولم يوصل يصدّ بعن ومن قال في يصدّون يضجّون جعل من* متصلة بيضج، كما تقول: ضجّ من كذا. [الزخرف: ٤٩] قال: قرأ ابن عامر وحده: يا أية الساحر [الزخرف/ ٤٩] بضمّ الهاء. وقرأ الباقون: يا أيها بفتح الهاء، وكان أبو عمرو والكسائي يقفان بالألف «٣» ولم يحفظ عن غيرهما وقف «٤». قد تقدّم القول في ذلك، وفي ذكر شبهة ابن عامر. قال: قرأ ابن عامر وحده: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم إنكم [الزخرف/ ٣٩] بكسر الألف. وقرأ الباقون: أنكم بفتح الألف «٥». قال أبو علي: قراءة ابن عامر: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون [الزخرف/ ٣٩] فاعل ينفعكم فيه الاشتراك كما أنّه في قول من فتح أنّ كذلك، المعنى: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم

стр. 2433

وفي هذا حرمان التأسّي، وهي نعمة يسلبها الله من أهل النّار ليكون أشدّ لعذابهم، ألا ترى أنّ التأسّي قد يخفّف عن المتأسّي كثيرا من حزن كما جاء: ... ولكن أعزّي النفس عنه بالتأسّي «١» ولكنّه أضمر الفاعل هنا لما يقع عليه من الدّلالة بعد، وجاز له إضمار الفاعل لدلالة الحال عليه، كقولهم: إذا كان غدا فائتني، فأضمر الفاعل، فكذلك أضمره لدلالة في قوله: لن ينفعكم اليوم، وحال التلاوة دالّة عليه ومبينة له، ويجوز فيه وجه آخر، وهو: أن يكون فاعل ينفع التبرّؤ كأنّه: ولن ينفعكم اليوم تبّرؤ بعضكم من بعض، وأظنّ أنّ بعض المفسّرين قد قاله، ودلّ على التبرؤ ما في الكلام من الدّلالة عليه، وذلك أنّ قوله: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين [الزخرف/ ٣٨]، يدلّ على التبرؤ، فصار إضمار الفاعل هنا كإضماره في قوله: فزادهم إيمانا [آل عمران/ ١٧٣] ونحوه في أن ما تقدّم من الكلام يدلّ عليه، ومن فتح أن* على هذا القول وجب أن يكون في موضع نصب، لأنّ الفعل إذ اشتغل بما تحمّله من الضمير الذي هو الذّكر، في المعنى، وجب أن يكون أنكم في موضع نصب، فأمّا اليوم في قوله ولن ينفعكم اليوم فمتعلق بالنفع، ولا يجوز إذا تعلّق به ظرف من الزّمان أن يتعلّق به آخر منه، ولا يصحّ بدل إذ* من اليوم*، ولكن الظرف الذي هو إذ* يتعلّق بالمعنى كأنّه: لن ينفعكم

стр. 2434

اليوم اشتراككم أمس، ولا يتعلّق بالاشتراك، لأنّ الموصول لا تتقدّم عليه صلته، ولكنّه نحو قوله: يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [الفرقان/ ٢٢]. ألا ترى أنّ ما بعد لا* هذه لا يعمل فيما قبلها، كما أنّ ما بعد أن* لا يعمل فيما قبلها؟ وكذلك المصدر، ولكنّ المعنى: ولن ينفعكم اجتماعكم إذ ظلمتم، فإذا* في كلتا القراءتين يتعلّق بهذا المعنى، ولا يتعلق بالنفع. [الزخرف: ٦٨] اختلفوا في إثبات الياء وحذفها من قوله تعالى: يا عبادي لا خوف عليكم [الزخرف/ ٦٨]. فقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: يا عباد بغير ياء. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: يا عبادي* بإثبات الياء. وكلهم أسكنها غير عاصم في رواية أبي بكر، فإنّه نصبها يا عبادي لا خوف [الزخرف/ ٦٨]. وقال ابن اليزيدي عن أبيه عن أبي عمرو أنّه وقف يا عبادي* بياء، وقال ابن رومي عن أحمد بن موسى عن أبي عمرو: الوقف بغير ياء «١». قال أبو علي: حذف الياء في يا عبادي* أحسن، لأنّه في موضع تنوين، ألا ترى أنّها قد عاقبته؟ فكما يحذف التنوين في الاسم المنادى المفرد كذلك تحذف الياء لكونه على حرف، كما أنّ التنوين كذلك، ولأنّه لا ينفصل من المضاف، كما لا ينفصل التنوين من المنون، فصار

стр. 2435

في المعاقبة كالتنوين وحرف الندبة، وكعلامة الضمير والنّون في نحو: هم الضّاربوه، والآخذوه. ووجه من أثبت الياء في المنادى، أنّه علامة ضمير كالهاء في غلامه، والكاف في غلامك، فكما لا تحذف هاتان العلامتان كذلك لا تحذف الياء، والأوّل أكثر في استعمالهم. [الزخرف: ٧١] قال: قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: تشتهيه الأنفس [الزخرف/ ٧١] بإثبات هاء بعد الياء. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: تشتهي بغير هاء «١». قال أبو علي: حذف الهاء من الصّلة في الحسن كإثباتها، إلا أنّ الحذف يرجح على الإثبات بأنّ عامّة هذا النحو في التنزيل جاء على الحذف، فمن ذلك قوله: أهذا الذي بعث الله رسولا [الفرقان/ ٤١] وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل/ ٥٩] ولا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم [هود/ ٤٣] ويقوّي الحذف من جهة القياس أنّه اسم قد طال، والأسماء إذا طالت فقد يحذف منها، كما حذفوا من اشهيباب، واحميرار، وكما حذفوا من كينونة، وصيرورة، فكما ألزموا الحذف لهذا ولباب احميرار في أكثر الأمر، كذلك يحسن أن تحذف الهاء من الصلة، وقد جاءت مثبتة في قوله: إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس [البقرة/ ٢٧٥]. [الزخرف: ٨٥] اختلفوا في قوله : وإليه يرجعون [الزخرف/ ٨٥] في الياء والتاء.

стр. 2436

فقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم «١»: وإليه ترجعون بالتاء مضمومة. وقرأ الباقون بالياء مضمومة «٢» حجّة الياء أنّ قبله غيبة، وهو قوله: فذرهم يخوضوا ويلعبوا [الزخرف/ ٨٣، المعارج/ ٤٢]. ووجه التاء على: قل لهم: وإليه ترجعون، أو أريد به مع الغيبة مخاطبون، فجعلت الخطاب على الغيبة، فيكون الغيب مرادين مع غيرهم. [الزخرف: ٨٨] اختلفوا في قوله: وقيله [الزخرف/ ٨٨] في فتح اللّام وكسرها. فقرأ عاصم وحمزة: وقيله يا رب [الزخرف/ ٨٨] بكسر اللّام. المفضل عن عاصم: وقيله منصوبة اللّام. الباقون: قيله «٣». قال أبو علي: وجه الجرّ في قوله: وقيله، على قوله: وعنده علم الساعة «٤» [الزخرف/ ٨٥]، أي: يعلم الساعة، ويصدّق بها، ويعلم قيله، ومعنى يعلم قيله، أي: يعلم أنّ الدعاء مندوب إليه بنحو قوله: ادعوني استجب لكم [غافر/ ٦٠] وادعوا ربكم تضرعا وخفية [الأعراف/ ٥٥].

стр. 2437

فأمّا نصب قيله فعلى الحمل على موضع: وعنده علم الساعة لأنّ الساعة مفعول بها، وليست بظرف، فالمصدر مضاف إلى المفعول به، ومثل ذلك قوله: قد كنت داينت بها حسّانا مخافة الإفلاس واللّيانا يحسن بيع الأصل والقيانا «١» فكما أن القيان واللّيان محمولان على ما أضيف إليه المصدر من المفعول به، كذلك قوله: وعنده علم الساعة لما كان معناه: يعلم الساعة، حملت قيله على ذلك. ويجوز أن تحمله على: يقول قيله، فيدلّ انتصاب المصدر على فعله، وكذلك قول كعب: يسعى الوشاة حنانيها وقيلهم إنّك يا ابن أبي سلمى لمقتول «٢» ووجه ثالث: أن يحمل على قوله: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم [الزخرف/ ٨٠] وقيله [الزخرف/ ٨٨]. وقرأ ناس من غير السبعة: وقيله يا رب بالرفع، ويحتمل ضربين: أحدهما: أن تجعل الخبر: وقيله قيل يا ربّ، فيحذف، والآخر: أن تجعل الخبر قيله يا ربّ مسموع ومتقبّل، فيا ربّ منصوب

стр. 2438

الموضع بقيله المذكور، وعلى القول الآخر بقيله المضمر، وهو من صلته، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بعض الموصول، ويبقى بعضه، لأنّ حذف القول قد أضمر حتى صار بمنزلة المذكور. وقد يحتمل بيت كعب الرفع على الوجهين اللّذين ذكرناهما فيمن رفع قيله في الآية. [الزخرف: ٨٩] قال قرأ نافع وحده وقل سلام فسوف تعلمون [الزخرف/ ٨٩] بالتاء، وقال ابن ذكوان عن ابن عامر بالياء، وقال هشام «١» بالتاء. وقرأ الباقون بالياء وقال الخفّاف: عن أبي عمرو: الياء والتاء عندي سواء «٢» وجه الياء أن يحمل على الغيبة التي هي: فاصفح عنهم ... فسوف يعلمون [الزخرف/ ٨٩]. ووجه التاء على الخطاب على قل المظهر في الكلام: قل لهم سوف تعلمون، وكلاهما قريب المتناول كما خبّر أبو عمرو فيه. [الزخرف: ٥٨] قال: وقرأ أبو عمرو وابن كثير «٣»: وقالوا أآلهتنا خير [الزخرف/ ٥٨] ممدودة- استفهام «٤» - في تقدير ثلاث ألفات، وقال عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: أأالهتنا بهمزتين بعد الثانية ألف.

стр. 2439

وقال أحمد ابن صالح عن قالون عن نافع: ء آلهتنا «١» بهمزة واحدة بعدها مدّة في تقدير همزة بعدها ألفان. وكذلك قرأت على ابن عبدوس عن أبي عمرو «٢» عن إسماعيل عن نافع. وقال أحمد بن صالح: وأراني سمعت أبا بكر بن أبي أويس يقول كما قال قالون، وقال أحمد بن صالح: بلغني عن ورش أنّه كان يقرؤها بغير استفهام على مثال الخبر «٣». قال أبو علي: قوله استفهام في تقدير ثلاث ألفات ترجمة فيها تجوّز، وتحقيقها أن الهمزة المبدوء بها همزة الاستفهام، والهمزة الثانية التي هي همزة أفعلة من أالهة بين بين، وبعد هذه الهمزة التي هي همزة أفعلة الألف المنقلبة عن الفاء التي هي همزة من إله قلبت ألفا لاجتماع الهمزتين اللّتين الأولى منهما مفتوحة، فهي مثل أادم، والكوفيون وابن عامر خفّفوا الهمزتين جميعا على ما يرونه من تحقيق الهمزتين. وما ذكره أحمد بن صالح عن قالون عن نافع بهمزة واحدة وبعدها مدة، فالهمزة الأولى للاستفهام، والثانية همزة أفعلة يجعلها بين بين، وبعدها الألف المنقلبة عن الهمزة. وقوله في تقدير همزة بعدها ألفان، معناه أن همزة الاستفهام التي في قوله: أالهتنا جعل الهمزة التي بعدها بين بين، فصار كالألف للتخفيف الذي دخلها، وكونها بين الألف والهمزة، والألف

стр. 2440

الثانية هي ألف في الحقيقة، فأمّا التي قبلها فهمزة بين بين. وما ذكره عن ورش أنّه كان يقرؤها بغير استفهام، فإنّ المعنى على الاستفهام، ألا ترى أنّ المعنى: أيّهما خير؟ ولعلّه حذف الهمزة لاجتماع المثلين ودلالة أم عليها، كما حذفها عمران في قوله: وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر أتوني فقالوا من ربيعة أو مضر أم الحيّ قحطان «١» .. فهذا أكثر ما يجيء في الشعر، وقد قيل في قوله: وتلك نعمة تمنها علي [الشعراء/ ٢٢] أن المراد به الاستفهام، والوجه إثبات الهمزة وترك حذفها ومما تكون همزة الاستفهام فيه محذوفة قول الكميت: ولا لعبا منّي وذو الشّيب يلعب «٢» معناه على: أو ذو الشيب يلعب؟ على وجه التقرير، أن ذلك لا ينبغي.

стр. 2441

ذكر اختلافهم في سورة الدخان [الدخان: ٧، ٦] قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر هاهنا رب السموات [٧] برفع الباء. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي هاهنا: رب السموات بكسر الباء. وفي المزّمّل: رب المشرق* [٩] بكسر الباء. وفي عمّ يتساءلون: رب السموات [٣٧] كسرا، ووافقهم ابن عامر على هذين الحرفين في المزّمّل، وفي عمّ يتساءلون. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ذلك كلّه بالرفع. وقرأ عاصم في رواية حفص في المزّمّل: رب المشرق والمغرب رفعا، وفي الدّخان، وعمّ يتساءلون: بالخفض «١». رفع الباء من رب السماوات على القطع من الأوّل، لأنّ ما بعده قد تمّ فانقطع الكلام بقوله: إنه هو السميع العليم [الدخان/ ٦].

стр. 2442

والرفع فيه على أحد أمرين: إمّا أن يكون خبر مبتدأ محذوف لما قال: رحمة من ربك إنه هو السميع العليم [الدخان/ ٦] قال: هو رب السماوات فحذف المبتدأ، أو يكون: رب السماوات مبتدأ وخبره الجملة التي عاد الذّكر منها إليه، وهو قوله: لا إله إلا هو ويقوّي هذا قوله: رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو، ومن قرأ: رب السموات والأرض جعله بدلا من ربك المتقدّم ذكره. قال أبو الحسن: الرفع أجود وبه نقرأ. وما في المزّمّل: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق [المزّمّل/ ٨، ٩] فقد تمّ الكلام بقوله: وتبتل إليه تبتيلا، وانقطع، فالاستئناف فيه أحسن كما كان في قوله: رب السموات والأرض في الدّخان، ومن لم يستأنف أبدله من ربك من قوله: واذكر اسم ربك- رب المشرق كما أبدل في الدّخان، فإذا قطعه من قوله: واذكر اسم ربك فرفع رب المشرق والمغرب كان على الوجهين اللّذين ذكرناهما في الآية التي في الدّخان، وما في عمّ يتساءلون، فقوله: جزاء من ربك عطاء حسابا [النبأ/ ٣٦] فمن استأنف أيضا جاز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وجاز أن يكون: رب السموات مبتدأ وخبره الرحمن*، ومن أبدل فقال: رب السموات والأرض كان الرحمن على قوله مبتدأ وما بعده خبره. [الدخان: ٤٧] اختلفوا في كسر التاء وضمها من قوله : فاعتلوه [الدخان/ ٤٧] فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: خذوه فاعتلوه بضمّ التاء. عبيد عن أبي عمرو: فاعتلوه وفاعتلوه بالكسر والضمّ جميعا، لم يذكر عبيد الباقين بشيء. وعن عبيد عن هارون عن أبي عمرو: فاعتلوه كسرا.

стр. 2443

وقرأ الباقون: فاعتلوه بالكسر «١». قيل في قوله: فاعتلوه: قودوه بعنف، ويعتل ويعتل مثل يعكف ويعكف ويحشر ويحشر، ويفسق ويفسق، ونحو ذلك من الكلم التي يجيء فيه يفعل ويفعل جميعا. [الدخان: ٤٥] اختلفوا في الياء والتاء من قوله : يغلي [الدخان/ ٤٥]. فقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص: يغلي بالياء. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: تغلي بالتاء «٢». من قال: تغلي بالتاء حمله على الشجرة، كأنّ الشجرة تغلي في البطون، ومن قال: يغلي، جعله على الطّعام لأنّ الطّعام هو الشجرة في المعنى. ألا ترى أنّه خبر الشجرة؟ والخبر في المعنى إذا كان مفردا هو الابتداء، ولا يجعل على المهل، إنّما ذكر للتشبيه في الذّوب. فأمّا قوله: ألم يك نطفة من مني تمنى [القيامة/ ٣٧] فالتاء فيه كالياء، لأنّ كلّ واحد منهما هو الآخر، قال: إنا خلقنا الإنسان من نطفة [الإنسان/ ٢]. [الدخان: ٤٩] قال: قرأ الكسائي وحده: ذق أنك أنت العزيز الكريم [الدخان/ ٤٩]. وقرأ الباقون: إنك بكسر الألف «٣».

стр. 2444

من كسر أن* فعلى ما كان يقوله، فالمعنى: إنّك أنت العزيز الكريم في زعمك، وفيما تقوله، فأجري ذلك على حسب ما كان يذكره أو يذكر به، ومثل هذا قوله: أين شركائي الذين كنتم تزعمون [القصص/ ٦٢] أي شركائي فيما يفترون ويدّعون، وأخبرنا بعض الرواة أن زهرة اليمن قال في جرير: أبلغ كليبا وأبلغ عنك شاعرها أني الأغرّ وأنّي زهرة اليمن «١» وأجابه جرير: ألم تكن في وسوم قد وسمت بها من حال موعظة يا زهرة اليمن «٢» أي: زهرة اليمن فيما تقول، وكذلك أبو جهل كان يقول: أنا أعزّ الوادي وأمنعهم، فعلى ما يقول جاء التنزيل بتكذيبه، فأمّا قول الكسائي: ذق أنك بفتح الهمزة فالمعنى: ذق بأنك، والناس على الأوّل. [الدخان: ٥١] قرأ نافع وابن عامر في مقام أمين [الدخان/ ٥١] بضمّ الميم.

стр. 2445

وقرأ الباقون: في مقام بفتح الميم «١». من فتح الميم من مقام أراد به المجلس والمشهد، كما قال: في مقعد صدق [القمر/ ٥٥] ووصفه بالأمن، يقوّي أنّه يراد به المكان، ووصف بالأمن كما يوصف بالخوف. وأمّا من ضمّ فإنّه يحتمل أن يريد به المكان من أقام فيكون على هذا معنى القراءتين واحدا، ويجوز أن يجعله مصدرا ويقدّر المضاف محذوفا في موضع إقامة أمين.

стр. 2446

ذكر اختلافهم في سورة الجاثية [الجاثية: ٥، ٤] قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: وما يبث من دابة آيات [٤] رفعا، وتصريف الرياح آيات [٥] رفعا. وقرأ حمزة والكسائي: كسرا فيهما «١». من قال: وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات جاز الرفع في قوله: آيات من وجهين: أحدهما: العطف على موضع إن* وما عملت فيه، لأنّ موضعها رفع بالابتداء، فيحمل الرفع فيه على الموضع، والآخر: أن يكون مستأنفا، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة، فيكون قوله: آيات على هذا مرتفعا بالظرف في قول من رأى الرفع بالظرف، أو بالابتداء في قول من لم ير الرفع بالظرف، فهذا وجه قول من رفع آيات في الموضعين. قال أبو الحسن: من دابة آيات قراءة الناس الرفع، وهو أجود، وبها نقرأ، لأنّه قد صار على كلام آخر. نحو: إنّ في الدّار زيدا وفي

стр. 2447

البيت غيره، لأنّك إنّما تعطف الكلام كلّه على الكلام كلّه. قال: وقد قرئ بالنصب وهو عربيّ، انتهت الحكاية عنه. فأمّا قوله: واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون [الجاثية/ ٥] فإنّك إن تركت الكلام على ظاهره، فإنّ فيه عطفا على عاملين: أحد العاملين: الجارّ بالذي هو في* من قوله: وفي خلقكم وما يبث من دابة [الجاثية/ ٤] والعامل الآخر: إن نصبت إنّ، وإن رفعت، فالعامل المعطوف عليه مع في: الابتداء أو الظرف. ووجه قراءة حمزة والكسائي: وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات [الجاثية/ ٤] وتصريف الرياح آيات [الجاثية/ ٥] فعلى أنّه لم يحمل على موضع إنّ كما حمله من رفع آيات في الموضعين أو قطعه واستأنف، ولكن حمل على لفظ إنّ دون موضعها فحمل آيات في الموضعين على نصب إن في قوله: إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين [الجاثية/ ٣] فإن قلت إنّه يعرض في هذه القراءة العطف على عاملين، وذلك في قوله: واختلاف الليل والنهار آيات [الجاثية/ ٥] وسيبويه وكثير من النحويين لا يجيزونه، قيل يجوز أن يقدر في قوله: واختلاف الليل والنهار آيات، وإن كانت محذوفة من اللّفظ في حكم المثبت فيه، وذلك أن ذكره قد تقدّم في قوله: إن في السموات وفي خلقكم فيجوز أن يكون حذفها لأنّ حرف الجرّ قد تقدّم ذكره في قوله: إن في السموات وقوله: وفي خلقكم فلمّا تقدّم ذكر الجارّ في هذين قدّر فيه الإثبات في اللّفظ، وإن كان محذوفا منه كما قدّر سيبويه في قوله:

стр. 2448

أكلّ امرئ تحسبين امرأ ونار توقّد باللّيل نارا «١» إن كل* في حكم الملفوظ به، واستغني عن إظهاره بتقدّم ذكره، وكذلك فعلت العرب في الجارّ، ألا ترى أنّهم لم يجيزوا: من تضرب أمرّ، ولو قلت: بمن تمرّ أمرّ، كان جائزا؟ وعلى أنّهم قالوا: على من تنزل أنزل عليه، فحذفوا الجارّ، وحسن ذلك لتقدّم ذكر الجارّ، وعلى هذا قول الشاعر: إنّ الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوما على من يتّكل «٢» لمّا ذكر على* وإن كانت زائدة في قول سيبويه حسن حذف الجارّ من الصلة، ولو لم يذكره لم يجز، وكذلك ما حكاه يونس، من قولهم: مررت برجل صالح إلّا صالح، فطالح، لمّا تقدّم ذكر الجارّ حسن ذلك، ولو لم يذكر الجارّ لم يكن هذا، وممّا يؤكّد قول حمزة والكسائي، وأن آيات* محمولة على إنّ ما ذكر من أنّه في قراءة «٣» ثلاث لامات. وفي خلقكم وما يبث من دابة لآيات وكذلك الموضعان الآخران. فدخول اللّامات يدلّ على أنّ

стр. 2449

الكلام محمول على إن*، وإذا كان محمولا عليها حسن النصب على ما قرأ حمزة والكسائي، وصار كلّ موضع من ذلك كأن إن* مذكورة فيه، بدلالة دخول اللّام، لأنّ هذه اللّام إنّما تدخل على خبر إنّ، أو على اسمها، وممّا يجوز أن يتأوّل على ما ذكرنا في قوله: واختلاف الليل والنهار آيات قول الفرزدق: وباشر راعيها الصّلا بلبانه وجنبيه حرّ النّار ما يتحرّف «١» فهذا إن حملت الكلام على ظاهره كان عطفا على عاملين على الفعل والباء، وإن قدّرت أن الياء ملفوظ بها لتقدّم ذكرها، صارت في حكم الثبات في اللّفظ، وإذا كان كذلك كان العطف على عامل واحد. وهو الفعل دون الجارّ، وكذلك قول الآخر: أوصيت من برّة قلبا حرا بالكلب خيرا والحماة شرّا «٢» إن قدّرت الجارّ في حكم المذكور بها بدلالة المتقدّم عليه لم يكن عطفا على عاملين كما لم يكن قوله: واختلاف الليل والنهار آيات كذلك وقد يخرج قوله: واختلاف الليل والنهار آيات وآيات من أن يكون عطفا على عاملين من وجه آخر، وهو أن تقدّر قوله: واختلاف الليل والنهار معطوفا على في* المتقدّم ذكرها،

стр. 2450

ويجعل آيات متكررة كرّرتها لما تراخى الكلام وطال، قال بعض شيوخنا في قوله: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له [التوبة/ ٦٣] إنّ أن له هي الأولى كررت، وكما جاء فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به [البقرة/ ٨٩] لما تراخى عن قوله: ولما جاءهم كتاب من عند الله [البقرة/ ٨٩] وهذا النحو من كلامهم ضيّق. [الجاثية: ٦] اختلفوا في التاء والياء من قوله : وآياته يؤمنون [الجاثية/ ٦]. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية حفص والأعشى عن أبي بكر «١» وأبو عمرو يؤمنون بالياء. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: تؤمنون* بالتاء، وكذلك يحيى عن أبي بكر عن عاصم بالتاء أيضا «٢». حجّة من قرأ بالياء أنّ قبله غيبة، وهو قوله: لقوم يوقنون [الجاثية/ ٤]، ومن حجّته أنّه قال: تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق [الجاثية/ ٦] مخاطبة للنّبي ﵌، فلا يكون في خطابه: فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون [الجاثية/ ٦] فإن قلت: إنّ في أوّل الكلام خطابا، وهو قوله: وفي خلقكم وما يبث من دابة [الجاثية/ ٤] قيل: والغيبة التي ذكرنا أقرب إلى الحرف المختلف فيه، والأقرب إليه أولى أن يحمل عليه، والتّاء على: نتلوها عليك بالحق فقل لهم: بأي حديث بعد ذلك تؤمنون.

стр. 2451

[الجاثية: ١٤] قال، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: لنجزي قوما بالنون [الجاثية/ ١٤]. وقرأ الباقون بالياء «١». حجّة الياء: أنّ ذكر الله قد تقدّم في قوله: لا يرجون أيام الله [الجاثية/ ١٤] فيكون فاعل يجزي، ومن قرأه بالنون، فالنون في معنى الياء، وإن كانت الياء أشدّ مطابقة لما في اللّفظ. [الجاثية: ١١] ابن كثير وعاصم في رواية حفص: من رجز أليم [الجاثية/ ١١] رفع. الباقون وأبو بكر عن عاصم: أليم* خفض «٢». قال أبو علي: الرجز: العذاب، بدلالة قوله: فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء [البقرة/ ٥٩] وقوله: لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك [الأعراف/ ١٣٤] وقال: فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه [الأعراف/ ١٣٥] وفي موضع آخر: فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم [الزخرف/ ٥٠] فمعنى قول من جرّ فقال: لهم عذاب من رجز أليم*: لهم عذاب من عذاب أليم، فإذا كان عذابهم من عذاب أليم. كان عذابهم أيضا أليما وقوله: من رجز على صفة العذاب، لأنّه نكرة فيكون فيه ذكر منه، ومن قال: لهم عذاب من رجز أليم فرفع أليما، كان المعنى: لهم عذاب أليم من عذاب، وليس فائدته كذلك فالقول في ذلك أمران: أحدهما: أنّ الصفة قد تجيء على وجه التأكيد، كما أنّ الحال قد

стр. 2452

تجيء كذلك، وذلك نحو ما روي من أنّه في بعض الحروف: نعجة أنثى، وقوله: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة [الحاقة/ ١٣] وقوله: ومناة الثالثة الأخرى [النجم/ ٢٠] وقولهم: أمس الدّابر، وأمس المدبر، قال: وأبي الّذي ترك الملوك وجمعهم بصهاب هامدة كأمس الدّابر «١» والآخر: أن يحمل على الذي بمعنى الرّجس الذي هو النجاسة على البدل للمقاربة، ومعنى النجاسة فيه قوله: ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه [إبراهيم/ ١٦، ١٧] فكأنّ المعنى: لهم عذاب من تجرّع رجس، أو شرب رجس، فيكون من* تبيينا للعذاب ممّ هو. [الجاثية: ٢١] اختلفوا في الرفع والنصب من قوله: سواء محياهم ومماتهم [الجاثية/ ٢١] فقرأ الكسائي وحمزة وحفص عن عاصم: سواء نصبا. الباقون وأبو بكر عن عاصم سواء محياهم رفع «٢». قال أبو علي: ليس الوجه في الآية نصب سواء إذا نصبه على أن يجريه على ما قبله على حدّ قوله: مررت برجل هارب أبوه، وبرجل خارجا أخوه، لأنّه ليس باسم فاعل، ولا بما شبّه به من حسن وشديد ونحو ذلك، إنّما هو مصدر فلا ينبغي أن يجرى على ما قبله، كما

стр. 2453

يجرى اسم الفاعل وما شبّه به، لتعرّيه من المعاني التي أعمل لها فاعل وما شبّه به عمل الفعل، ومن قال: مررت برجل خير منه أبوه، وبسرج خزّ صفته «١»، وبرجل مائة إبله، استجاز أن يجري سواء أيضا على ما قبله، كما أجرى الضرب الأوّل، فأمّا من قال: أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء [الجاثية/ ٢١] فنصب، فإنّ انتصابه يحتمل ثلاثة أضرب: أحدهما: أن تجعل المحيا والممات بدلا من الضمير المنصوب في نجعلهم، فيصير التّقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء، فينتصب سواء على أنّه مفعول ثان لنجعل، ويكون انتصاب سواء على هذا القول حسنا، لأنّه لم يرفع مظهرا، ويجوز أيضا أن تجعل محياهم ومماتهم ظرفين من الزمان، فيكون كذلك أيضا. ويجوز أن يعمل في الظرف أحد شيئين أحدهما: ما في سواء من معنى الفعل، كأنّه يستوي في المحيا والممات، والآخر: أن يكون العامل الفعل، ولم نعلم الكوفيّين الذين نصبوا سواء نصبوا الممات، فإذا لم ينصبوه كان النصب في سواء على غير هذا الوجه، وغير هذا الوجه لا يخلو من أن ينتصب على أنّه حال، أو على أنّه المفعول الثاني لنجعل، وعلى أيّ الوجهين حملته، فقد أعملته عمل الفعل، فرفعت به المظهر، فإن جعلته حالا أمكن أن تكون الحال من الضمير في تجعلهم ويكون المفعول الثاني قوله كالذين آمنوا فإذا جعلت قوله: الذين آمنوا المفعول الثاني أمكن أن يكون سواء منتصبا على الحال ممّا في قوله: كالذين آمنوا من معنى الفعل، ويكون ذو الحال الضمير

стр. 2454

المرفوع في قوله: كالذين آمنوا، وهذا الضمير يعود إلى الضمير المنصوب في نجعلهم، فانتصابه على الحال من هذين الوجهين، ويجوز أن لا تجعل قوله: كالذين آمنوا المفعول الثاني، ولكن تجعل المفعول الثاني قوله: سواء محياهم ومماتهم، فيكون جملة في موضع نصب بكونها في موضع المفعول الثاني لنجعل، ويجوز فيمن قال: مررت برجل مائة إبله، فأعمل المائة عمل الفعل أن ينصب سواء على هذا الوجه أيضا ويرتفع به المحيا، كما جاز أن يرتفع إذا قدّرت الجملة في موضع الحال، والحال في الجملة التي هي «١» سواء محياهم ومماتهم تكون من تجعل* وتكون ممّا في قوله: كالذين آمنوا من معنى الفعل، وقد قيل في الضمير في قوله: محياهم ومماتهم قولان: أحدهما: أنّه ضمير الكفّار دون الذين آمنوا، وقيل: إنّه ضمير للقبيلين المؤمن والكافر، فمن جعل الضمير للكفّار دون المؤمنين كان سواء* على هذا القول مرتفعا بأنّه خبر ابتداء مقدّم تقديره: محياهم ومماتهم سواء، أي: محياهم محيا سوء، ومماتهم كذلك، ولا يكون النصب على هذا في سواء، لأنّه إثبات في الإخبار بأنّ محياهم ومماتهم يستويان في الذّم والبعد من رحمة الله. والقول الآخر: أنّ الضمير في محياهم ومماتهم للقبيلين، فإذا كان كذلك جاز أن ينتصب سواء على المفعول الثاني من تجعل* فيمن استجاز أن يعمله في الظاهر، لأنّه ملتبس بالقبيلين جميعا، وليس في الوجه الأوّل كذلك، لأنّه للكفّار دون المؤمنين، فلا يلتبس بالمؤمنين من حيث كان للكفّار دونهم، ولا يجوز أن ينتصب سواء وإن

стр. 2455

كان الضمير في نجعلهم للكفّار خاصة، وفي محياهم ومماتهم كذلك، لأنّه يلزم أن يكون داخلا في الحسبان وليس المعنى كذلك إنما المعنى على القطع والثبات باستواء محيا الكفّار ومماتهم، فإن قلت: كيف يدخل في الحسبان وهو في صلة أن نجعلهم؟ قيل: إنّه يدخل في الحسبان، وإن كان في صلة أن نجعل كما دخل في النفي قوله: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم [البقرة/ ١٠٥] فكما دخل أن ينزل في النفي بدلالة دخول من في قوله: من خير من ربكم وإن كان النفي لا حقا ليودّ، كذلك يدخل سواء إذا نصبت في الحسبان، لأنّه في صلة أنّ الذي وقع عليه الحسبان، كما دخل قوله: من خير من ربكم في النفي، لأنّه مفعول النفي، فكذلك سواء مفعول نجعل الذي وقع عليه الحسبان، وليس المراد إدخاله في الحسبان إنّما المراد الإثبات والإعلام باستواء محياهم ومماتهم في السوء، والذّم، وإذا كان كذلك لم يكن فيه إلا الرفع، ويكون على هذا الوجه قوله: كالذين آمنوا وعملوا الصالحات في موضع المفعول الثاني، وسواء محياهم استئناف ولا يكون في موضع حال من قوله: كالذين آمنوا، لأنّه لا يلتبس بهم، ألا ترى أن الضمير على هذا القول للكفّار خاصة دون المؤمنين؟ قال سيبويه: وما كان من النكرة رفعا غير صفة فهو في المعرفة كذلك، وتلا الآية، يريد أنه إذا لم يعمل عمل الفعل إذا جرى على النكرة نحو مررت برجل سواء أبوه وأمه، فهو في المعرفة كذلك في أنّه لا يعمل عمل الفعل في الظاهر، وهذا يدلّ على أنّه جعل قوله: سواء محياهم ومماتهم، ملتبسا لما قبله إلّا أنّه لم يجره عليه من حيث لم يشبه اسم الفاعل ولا ما شبّه به
следующие страницы →