[الجاثية: ١٤]
قال، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: لنجزي قوما بالنون [الجاثية/ ١٤].
وقرأ الباقون بالياء «١».
حجّة الياء: أنّ ذكر الله قد تقدّم في قوله: لا يرجون أيام الله [الجاثية/ ١٤] فيكون فاعل يجزي، ومن قرأه بالنون، فالنون في معنى الياء، وإن كانت الياء أشدّ مطابقة لما في اللّفظ.
[الجاثية: ١١]
ابن كثير وعاصم في رواية حفص: من رجز أليم [الجاثية/ ١١] رفع.
الباقون وأبو بكر عن عاصم: أليم* خفض «٢».
قال أبو علي: الرجز: العذاب، بدلالة قوله: فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء [البقرة/ ٥٩] وقوله: لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك [الأعراف/ ١٣٤] وقال: فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه [الأعراف/ ١٣٥] وفي موضع آخر: فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم [الزخرف/ ٥٠] فمعنى قول من جرّ فقال: لهم عذاب من رجز أليم*: لهم عذاب من عذاب أليم، فإذا كان عذابهم من عذاب أليم. كان عذابهم أيضا أليما وقوله: من رجز على صفة العذاب، لأنّه نكرة فيكون فيه ذكر منه، ومن قال: لهم عذاب من رجز أليم فرفع أليما، كان المعنى: لهم عذاب أليم من عذاب، وليس فائدته كذلك فالقول في ذلك أمران:
أحدهما: أنّ الصفة قد تجيء على وجه التأكيد، كما أنّ الحال قد
стр. 2452
تجيء كذلك، وذلك نحو ما روي من أنّه في بعض الحروف: نعجة أنثى، وقوله: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة [الحاقة/ ١٣] وقوله:
ومناة الثالثة الأخرى [النجم/ ٢٠] وقولهم: أمس الدّابر، وأمس المدبر، قال:
وأبي الّذي ترك الملوك وجمعهم بصهاب هامدة كأمس الدّابر «١» والآخر: أن يحمل على الذي بمعنى الرّجس الذي هو النجاسة على البدل للمقاربة، ومعنى النجاسة فيه قوله: ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه [إبراهيم/ ١٦، ١٧] فكأنّ المعنى: لهم عذاب من تجرّع رجس، أو شرب رجس، فيكون من* تبيينا للعذاب ممّ هو.
[الجاثية: ٢١]
اختلفوا في الرفع والنصب من قوله: سواء محياهم ومماتهم [الجاثية/ ٢١] فقرأ الكسائي وحمزة وحفص عن عاصم: سواء نصبا. الباقون وأبو بكر عن عاصم سواء محياهم رفع «٢».
قال أبو علي: ليس الوجه في الآية نصب سواء إذا نصبه على أن يجريه على ما قبله على حدّ قوله: مررت برجل هارب أبوه، وبرجل خارجا أخوه، لأنّه ليس باسم فاعل، ولا بما شبّه به من حسن وشديد ونحو ذلك، إنّما هو مصدر فلا ينبغي أن يجرى على ما قبله، كما
стр. 2453
يجرى اسم الفاعل وما شبّه به، لتعرّيه من المعاني التي أعمل لها فاعل وما شبّه به عمل الفعل، ومن قال: مررت برجل خير منه أبوه، وبسرج خزّ صفته «١»، وبرجل مائة إبله، استجاز أن يجري سواء أيضا على ما قبله، كما أجرى الضرب الأوّل، فأمّا من قال: أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء [الجاثية/ ٢١] فنصب، فإنّ انتصابه يحتمل ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن تجعل المحيا والممات بدلا من الضمير المنصوب في نجعلهم، فيصير التّقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء، فينتصب سواء على أنّه مفعول ثان لنجعل، ويكون انتصاب سواء على هذا القول حسنا، لأنّه لم يرفع مظهرا، ويجوز أيضا أن تجعل محياهم ومماتهم ظرفين من الزمان، فيكون كذلك أيضا. ويجوز أن يعمل في الظرف أحد شيئين أحدهما: ما في سواء من معنى الفعل، كأنّه يستوي في المحيا والممات، والآخر: أن يكون العامل الفعل، ولم نعلم الكوفيّين الذين نصبوا سواء نصبوا الممات، فإذا لم ينصبوه كان النصب في سواء على غير هذا الوجه، وغير هذا الوجه لا يخلو من أن ينتصب على أنّه حال، أو على أنّه المفعول الثاني لنجعل، وعلى أيّ الوجهين
حملته، فقد أعملته عمل الفعل، فرفعت به المظهر، فإن جعلته حالا أمكن أن تكون الحال من الضمير في تجعلهم ويكون المفعول الثاني قوله كالذين آمنوا فإذا جعلت قوله: الذين آمنوا المفعول الثاني أمكن أن يكون سواء منتصبا على الحال ممّا في قوله: كالذين آمنوا من معنى الفعل، ويكون ذو الحال الضمير
стр. 2454
المرفوع في قوله: كالذين آمنوا، وهذا الضمير يعود إلى الضمير المنصوب في نجعلهم، فانتصابه على الحال من هذين الوجهين، ويجوز أن لا تجعل قوله: كالذين آمنوا المفعول الثاني، ولكن تجعل المفعول الثاني قوله: سواء محياهم ومماتهم، فيكون جملة في موضع نصب بكونها في موضع المفعول الثاني لنجعل، ويجوز فيمن قال: مررت برجل مائة إبله، فأعمل المائة عمل الفعل أن ينصب سواء على هذا الوجه أيضا ويرتفع به المحيا، كما جاز أن يرتفع إذا قدّرت الجملة في موضع الحال، والحال في الجملة التي هي «١» سواء محياهم ومماتهم تكون من تجعل* وتكون ممّا في قوله:
كالذين آمنوا من معنى الفعل، وقد قيل في الضمير في قوله:
محياهم ومماتهم قولان:
أحدهما: أنّه ضمير الكفّار دون الذين آمنوا، وقيل: إنّه ضمير للقبيلين المؤمن والكافر، فمن جعل الضمير للكفّار دون المؤمنين كان سواء* على هذا القول مرتفعا بأنّه خبر ابتداء مقدّم تقديره: محياهم ومماتهم سواء، أي: محياهم محيا سوء، ومماتهم كذلك، ولا يكون النصب على هذا في سواء، لأنّه إثبات في الإخبار بأنّ محياهم ومماتهم يستويان في الذّم والبعد من رحمة الله.
والقول الآخر: أنّ الضمير في محياهم ومماتهم للقبيلين، فإذا كان كذلك جاز أن ينتصب سواء على المفعول الثاني من تجعل* فيمن استجاز أن يعمله في الظاهر، لأنّه ملتبس بالقبيلين جميعا، وليس في الوجه الأوّل كذلك، لأنّه للكفّار دون المؤمنين، فلا يلتبس بالمؤمنين من حيث كان للكفّار دونهم، ولا يجوز أن ينتصب سواء وإن
стр. 2455
كان الضمير في نجعلهم للكفّار خاصة، وفي محياهم ومماتهم كذلك، لأنّه يلزم أن يكون داخلا في الحسبان وليس المعنى كذلك إنما المعنى على القطع والثبات باستواء محيا الكفّار ومماتهم، فإن قلت: كيف يدخل في الحسبان وهو في صلة أن نجعلهم؟ قيل: إنّه يدخل في الحسبان، وإن كان في صلة أن نجعل كما دخل في النفي قوله: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم [البقرة/ ١٠٥] فكما دخل أن ينزل في النفي بدلالة دخول من في قوله: من خير من ربكم وإن كان النفي لا حقا ليودّ، كذلك يدخل سواء إذا نصبت في الحسبان، لأنّه في صلة أنّ الذي وقع عليه الحسبان، كما دخل قوله: من خير من ربكم في النفي، لأنّه مفعول النفي، فكذلك سواء مفعول نجعل الذي وقع عليه الحسبان، وليس المراد إدخاله في الحسبان إنّما المراد الإثبات والإعلام باستواء محياهم ومماتهم في السوء، والذّم، وإذا كان كذلك لم يكن فيه إلا الرفع، ويكون على هذا الوجه قوله: كالذين آمنوا وعملوا الصالحات في موضع المفعول الثاني، وسواء محياهم استئناف ولا يكون في موضع حال من قوله: كالذين آمنوا، لأنّه لا يلتبس بهم، ألا ترى أن الضمير على هذا القول للكفّار خاصة دون المؤمنين؟ قال سيبويه: وما كان من النكرة رفعا غير صفة فهو في المعرفة كذلك، وتلا الآية، يريد أنه إذا لم يعمل عمل الفعل إذا جرى على النكرة نحو مررت برجل سواء أبوه وأمه، فهو في المعرفة كذلك في أنّه لا يعمل عمل الفعل في الظاهر، وهذا يدلّ على أنّه جعل قوله: سواء محياهم ومماتهم، ملتبسا لما قبله إلّا أنّه لم يجره عليه من حيث لم يشبه اسم الفاعل ولا ما شبّه به
стр. 2456
[الجاثية: ٢٣]
وقرأ حمزة والكسائي غشوة [الجاثية/ ٢٣] بغير ألف وقرأ الباقون: غشاوة بألف «١».
وغشوة قراءة الأعمش فيما زعموا، وحكي فيها: غشوة، وغشوة، وغشوة، وحكى أبو الحسن: غشاوة* بضمّ الغين.
وقراءة الجمهور: غشاوة بكسر الغين.
[الجاثية: ٣٥]
وقرأ حمزة والكسائي: فاليوم لا يخرجون [الجاثية/ ٣٥] بفتح الياء وضمّ الراء.
وقرأ الباقون: لا يخرجون بضمّ الياء وفتح الراء «٢».
حجّة من فتح قوله: يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها [المائدة/ ٣٧] وفي أخرى: وما هم بخارجين من النار [البقرة/ ١٦٧]. وحجّة من ضمّ الياء: ربنا أخرجنا منها [المؤمنون/ ١٩٧] ويقويه قوله: ولا هم يستعتبون [الجاثية/ ٣٥] فكما أنّ الفعل فيه مبني للمفعول، فكذلك المعطوف عليه ليكون وجها واحدا.
[الجاثية: ٣٢]
قرأ حمزة وحده: والساعة لا ريب فيها [الجاثية/ ٣٢] نصبا.
وقرأ الباقون: والساعة لا ريب فيها «٣».
قال أبو علي: الرفع الذي هو قراءة الجمهور في الساعة من وجهين:
стр. 2457
أحدهما: أن تقطعه من الأوّل، فتعطف جملة.
والآخر: أن يكون المعطوف محمولا على موضع إنّ وما عملت فيه، وموضعهما رفع.
ويحتمل وجها ثالثا وهو أن تعطفه على الضمير في المصدر إلّا أنّ هذا يحسن إذا أكّد نحو: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم [الأعراف/ ٢٧] فإذا لم يؤكّد لم تحمل عليه القراءة.
وأمّا قوله: ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى [النجم/ ٦، ٧]، فإنّ قوله: وهو بالافق الأعلى يرتفع هو فيه بالابتداء وليس هو من باب: استوى زيد وعمرو، إذا أردت استويا، ولو كان منه لكان استوى هو وهو، وكان قوله: بالأفق ظرفا للاستواء، وليس كذلك، ولكنّه استوى الذي يقتصر فيه على فاعل واحد كقوله: ولما بلغ أشده واستوى [القصص/ ١٤]، والرحمن على العرش استوى [طه/ ٥] فقوله: بالأفق تأويلنا في موضع رفع بأنّه خبر المبتدأ، وفيه ضمير للمبتدإ، فقد تبيّنت أنّه لا دلالة لمن احتجّ بهذه الآية على جواز عطف الظّاهر المرفوع على المضمر المرفوع من غير أن يؤكّد، ولكن يجيء في الشعر كقوله:
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسّفن رملا «١»
стр. 2458
ومن نصب فقال: والساعة* حمله على لفظ إن* مثل: إنّ زيدا منطلق وعمرا قائم، وموضع قوله: لا ريب فيها رفع بأنّه في موضع خبر إنّ، وقد عاد الذكر إلى الاسم فكأنّه قال: والساعة حق لأنّ قوله:
لا ريب فيها في معنى حقّ.
قال أبو الحسن: الرفع أجود في المعنى، وفي كلام العرب، وأكثر إذا جاء بعد خبر إنّ اسم معطوف، أو صفة أن يرفع، قال: وقد قرئت نصبا وهي عربية، ويقوّي ما ذهب إليه أبو الحسن قوله: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين [الأعراف/ ١٢٨] والعاقبة لم تقرأ فيما علمت إلّا مرفوعة.
стр. 2459
ذكر اختلافهم في سورة الأحقاف
[الاحقاف: ١٥]
اختلفوا في قوله: بوالديه إحسانا وحسنا* [١٥] فقرأ عاصم وحمزة والكسائي: إحسانا بألف.
وقرأ الباقون: حسنا* بغير ألف «١».
قال أبو علي: الباء في قوله: بوالديه يجوز أن يتعلق بوصينا، بدلالة قوله: ذلكم وصاكم به [الأنعام/ ١٥١] ويجوز أن تتعلق بالإحسان، يدلّ على ذلك قوله: وقد أحسن بي إذا أخرجني من السجن [يوسف/ ١٠٠] ولا يجوز أن تتعلق الباء في الآية بالإحسان لتقدّمها على الموصول، ولكن يجوز أن تعلقها بمضمر يفسره الإحسان، كما جاز ذلك في الفعل في نحو: وكانوا فيه من الزاهدين [يوسف/ ٢٠] ومثل ذلك:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا «٢»
стр. 2460
في قول من لم يعلّقه بالجزاء، ألا ترى أن الجزاء يتعلق بالباء في نحو قوله: إني جزيتهم اليوم بما صبروا [المؤمنون/ ١١١] ولكن في قول من علّقه بمضمر يبيّنه: أن أجلدا: والإحسان خلاف الإساءة، والحسن خلاف القبح، فمن قال: إحسانا كان انتصابه على المصدر، وذلك أنّ معنى قوله: ووصينا الإنسان بوالديه: أمرناه بالإحسان، أي: ليأتي الإحسان إليهما دون الإساءة، ولا يجوز أن يكون انتصابه بوصّينا، لأنّ وصّينا قد استوفى مفعوليه اللّذين أحدهما منصوب، والآخر المتعلق بالياء وحجّته قوله في الأنعام: وبالوالدين إحسانا [١٥١].
ومن قال: بوالديه حسنا فمعناه: ليأت في أمرهما أمرا ذا حسن، أي: ليأت الحسن في أمرهما دون القبح، وحجّته ما في العنكبوت: ووصينا الإنسان بوالدين حسنا [٨].
[الاحقاف: ١٢]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله: لينذر الذين ظلموا [الأحقاف/ ١٢].
فقرأ ابن كثير فيما قرأت على قنبل، وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: لينذر بالياء.
وقرأ نافع وابن عامر: لتنذر* بالتاء. وأخبرني إسحاق بن أحمد الخزاعي عن ابن فليح عن أصحابه عن ابن كثير: لتنذر* بالتاء «١».
حجّة التاء: إنما أنت منذر من يخشاها [النازعات/ ٤٥] وإنما أنت منذر ولكل قوم هاد [الرعد/ ٧] وإنما أنذركم بالوحي [الأنبياء/ ٤٥] ولتنذر به وذكرى [الأعراف/ ٢].
стр. 2461
وحجّة الياء قوله: لينذر بأسا شديدا من لدنه [الكهف/ ٢] وقد تقدّم ذكر الكتاب، فأسند الإنذار إلى الكتاب، كما أسنده إلى الرّسول ﵇.
[الاحقاف: ١٥]
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: كرها* وكرها* [الأحقاف/ ١٥] نصبا.
وقرأ الباقون: كرها بضمّ الكاف في الحرفين «١».
الكره: كأنه المصدر، والكره: الاسم، كأنّه الشيء المكروه، وقال: كتب عليكم القتال وهو كره لكم [البقرة/ ٢١٦] فهذا بالضّمّ، وقال: أن ترثوا النساء كرها [النساء/ ١٩] فهذا في موضع حال، ولم يقرأ- زعموا- بغير الفتح، فعلى هذا ما كان مصدرا أو في موضع حال الفتح فيه أحسن، وما كان اسما نحو: ذهب به على كره، كان الضّمّ فيه أحسن، وقد قيل: إنّهما لغتان، فمن ذهب إلى ذلك جعلهما مثل الشّرب والشّرب، والضّعف والضّعف، والفقر والفقر، ومن غير المصادر: الدفّ والدفّ، والشّهد والشّهد.
[الاحقاف: ١٦]
اختلفوا في الياء والنون من قوله: أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم [الأحقاف/ ١٦] فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو وابن عامر: يتقبل عنهم، ويتجاوز بالياء جميعا.
وقرأ حمزة والكسائي: نتقبل ونتجاوز بالنون جميعا، حفص عن عاصم بالنون مثل حمزة فيهما «٢».
стр. 2462
حجة من قال: يتقبل عنهم: أنّ الفعل وإن كان مبنيا للمفعول، فمعلوم أنّه لله ، كما جاء في الأخرى: إنما يتقبل الله من المتقين [المائدة/ ٢٧] وتقبل دعائي [إبراهيم/ ٤٠]، ونحو هذا الفعل الذي هو لله سبحانه، ولم يكن لغيره، كان بناؤه للمفعول في العلم بالفاعل كبنائه للفاعل، كقوله: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [الأنفال/ ٣٨] والفعل معلوم أنّه لله سبحانه وإن بني للمفعول، ألا ترى أنّه قد جاء في الأخرى: ومن يغفر الذنوب إلا الله [آل عمران/ ١٣٥] فيغفر ويغفر في هذا يفهم من كلّ واحد منهما ما يفهم من الآخر، وعلى هذا جاء: فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر [المائدة/ ٢٧] ثم جاء إنما يتقبل الله من المتقين [المائدة/ ٢٧] وكذلك: يتقبل عنهم [الأحقاف/ ١٦].
وحجّة من قال: نتقبل ونتجاوز بالنون أنّه قد تقدّم الكلام:
ووصينا الإنسان [الأحقاف/ ١٥] وكلاهما حسن، ألا ترى أنّه قد قال: فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال إنما يتقبل الله من المتقين.
[الاحقاف: ١٧]
وقرأ نافع وحفص عن عاصم: أف لكما [الأحقاف/ ١٧] خفض منوّن.
ابن كثير وابن عامر أف لكما نصب [غير منون].
أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: أف لكما خفض غير منوّن «١».
قال أبو علي: من نوّن فقال: أف جعله نكرة مثل: غاق
стр. 2463
وصه، ونحو ذلك من الأصوات، وهذا التنوين في الصوت دليل التنكير، ومن لم ينون جعله معرفة، كأنّه في المعنى: الصوت الذي يعرف، وكلّ واحد من الكسر والفتح، إنّما هو لالتقاء الساكنين، فأمّا التنوين فدليل التنكير، وحذفه دليل التعريف، وقد تقدّم ذكر ذلك.
[الاحقاف: ١٩]
اختلفوا في النّون والياء من قوله : ولنوفيهم أعمالهم [الأحقاف/ ١٩] فقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو: وليوفيهم بالياء.
وقرأ الباقون: ولنوفيهم بالنون «١».
حجّة الياء أنّه قد تقدّم: وهما يستغيثان الله [الأحقاف/ ١٧] والنون في معنى في الياء، ومثله قوله: سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء/ ١] ثمّ جاء: لنريه من آياتنا [الإسراء/ ١].
[الاحقاف: ٢٥]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله: فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم [الأحقاف/ ٢٥] ورفع النون من قوله: مساكنهم ونصبها.
فقرأ حمزة وعاصم: لا يرى إلا مساكنهم برفع النون والياء.
وقرأ الباقون: لا ترى بالتاء إلا مساكنهم بنصب النون «٢».
قال أبو علي: تذكير الفعل في قراءة عاصم وحمزة: لا يرى إلا مساكنهم حسن، وهو أحسن من إلحاق علامة التأنيث الفعل، من أجل جمع المساكن، وذلك أنّهم جعلوا الكلام في هذا الباب على المعنى فقالوا، ما قام إلّا هند، ولم يقولوا: ما قامت، لمّا كان المعنى
стр. 2464
ما قام أحد حملوا على هذا المعنى، فإن كان المؤنث يرتفع بهذا الفعل، فالتأنيث فيه لم يجيء إلّا في شذوذ وضرورة فيما حكاه الأخفش، فمن ذلك قوله:
برى النّحز والأجرال ما في غروضها فما بقيت إلّا الضلوع الجراشع «١» وقال:
كأنّه جمل وهم فما بقيت إلّا النّحيزة والألواح والعصب «٢» فيما حكاه أبو الحسن، والحمل على المعنى كثير، من ذلك قوله: أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر [الأحقاف/ ٣٣] فأدخل الباء لمّا كان في معنى: أو ليس الذي خلق السّماوات والأرض بقادر، ومثل ذلك في الحمل على المعنى:
بادت وغيّر آيهنّ مع البلى إلّا رواكد جمرهنّ هباء «٣» ثمّ قال:
ومشجج أمّا سواء قذاله «٣»
стр. 2465
لمّا كان: «غيّر آيهنّ مع البلى/ إلّا رواكد» معناه: بها رواكد، حمل مشجج على ذلك، وكذلك قوله : يطاف عليهم بكأس من معين [الصافات/ ٤٥] «١» ثم قال: وحور عين [الواقعة/ ٢٢] لمّا كان يطاف عليهم بكذا معناه لهم فيها كذا، وقالوا: إنّ أحدا لا يقول ذاك إلّا زيد، فأدخل أحدا في الواجب لمّا كان معنى الكلام النفي، ومثله قبل دخول إن قوله:
إذن أحد لم تنطق الشفتان «٢» فإنما دخل إنّ على أحد ودخولها يدلّ على أنّه رفعه بالابتداء دون الفعل الذي يفسّره «لم تنطق» وهذا الضرب كثير، وإنّما ينكره من لا بصر له بهذا اللّسان.
ومن قرأ: لا ترى إلا مساكنهم كان الفعل لك أيها المخاطب، والمساكن مفعول بها، وترى في القراءتين جميعا من رؤية العين، المعنى: لا تشاهد شيئا إلّا مساكنهم كأنها قد زالت عمّا كانت عليه من كثرة الناس بها، وما يتبعهم ممّا يقتنونه.
[الاحقاف: ٢٠]
قال: وقرأ ابن كثير: أاذهبتم [الأحقاف/ ٢٠] بهمزة مطوّلة.
وقرأ ابن عامر: أأذهبتم بهمزتين.
стр. 2466
وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: أذهبتم على الخبر «١».
قول أحمد: بهمزة مطوّلة، المعنى بهمزتين: الأولى محقّقة، والثانية مخففة بين بين.
وجه الاستفهام أنّه قد جاء هذا النحو بالاستفهام نحو: أليس هذا بالحق [الأحقاف/ ٣٤] وقال: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم [آل عمران/ ١٠٦] وحجّة الخبر أنّ الاستفهام تقرير فهو مثل الخبر، ألا ترى أنّ التقرير لا يجاب بالفاء، كما يجاب بها إذا لم يكن تقريرا؟ فكأنّهم يوبّخون بهذا الذي يخيّرون به، ويبكّتون. والمعنى في القراءتين: يقال لهم هذا فحذف القول كما حذف في نحو قوله: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم [آل عمران/ ١٠٦]
стр. 2467
ذكر اختلافهم في سورة محمّد ﵌
[محمد: ٤]
قال: قرأ أبو عمرو وحده «١»: والذين قتلوا في سبيل الله [٤] بضمّ القاف وكسر التاء وكذلك روى حفص عن عاصم.
وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: والذين قاتلوا بالألف «٢».
قال أبو علي: الذين قاتلوا أعمّ من قتلوا ألا ترى أنّ الذي قاتل ولم يقتل لم يضلّ عمله، كما أنّ الذي قتل كذلك؟ فإذا كان قاتلوا* يشتمل القبيلين، وقد حصل للمقاتل الثواب في قتاله، كما حصل للمقتول كان لعمومه أولى، ومن قال: قتلوا حصر ذلك على المقتولين، فله أن يقول إنّ المقتول لا يقتل حتى يكون منه مقاتلة في أكثر الأمر، وإن كان كذلك فقد جعل في قتلوا ما في قاتلوا*.
[محمد: ١٥]
قال: قرأ ابن كثير وحده: من ماء غير أسن [محمد/ ١٥] مقصور على وزن فعل، وفي كتابهم مفتوحة الألف لم يذكروا مدّا ولا غيره «٣».
стр. 2468
قال أبو زيد: يقال: أسن الماء يأسن أسنا إذا تغير، وأسن الرجل يأسن أسنا، إذا غشي عليه من ريح خبيثة، وربّما مات منها. وأنشد:
التارك القرن مصفرّا أنامله يميل في الرمح ميل المائح الأسن «١» وقال أبو عبيدة: الأسن: المتغيّر الريح «٢».
حجّة ابن كثير في قراءته: أسن على فعل أنّ اسم الفاعل من فعل يفعل على فعل وقد ثبت ذلك مع كثرته وفشوّه ممّا حكاه أبو زيد.
ومن حجّته: أنّهم زعموا أنّه كما كان في المصحف أو بعض المصاحف من ماء غير يسن بالياء. وهذا إنّما هو على تخفيف الهمزة، وهو في المنفصل نظير: مير، وذيب في المتصل.
وقال أبو الحسن: أسن لغة، وفعل إنّما هي للحال التي يكون عليها.
فأمّا من قال: غير أاسن على فاعل، فإنّما يريد أن ذلك لا يصير إليه فيما يستقبل، فهو من باب: بعيرك صائد غدا.
стр. 2469
[محمد: ١٦]
قال: قرأ ابن كثير وحده: ماذا قال أنفا [محمد/ ١٦] قصرا فيما أخبرني به مضر بن محمد عن البزّي. وقرأت على قنبل أيضا ممدود.
وكذلك قرأ الباقون: آنفا ممدودة أيضا «١».
قال أبو زيد: ائتنفت الكلام ائتنافا وابتدأته ابتداء وهما واحد.
وأنشد أبو زيد:
وجدنا آل مرّة حين خفنا جريرتنا هم الأنف الكراما «٢» ويسرح جارهم من حيث أمسى كأن عليه مؤتنفا حراما قال السكري: الأنف الذين يأنفون من احتمال الضّيم، فقال أبو علي: فإذا كان كذا فقد جمع فعلا على فعل، لأنّ واحد أنف أنف، بدلالة قول الشاعر:
وحمّال المئين إذا ألمّت بنا الحدثان والأنف النّصور «٣»
стр. 2470
فشبّه الصّفة بالاسم، فكسّرها تكسيره، وقد قالوا في جمع نمر:
نمر، أنشد سيبويه:
فيه عياييل أسود ونمر «١» وليس الأنف والأنف في البيتين ممّا في الآية في شيء لأنّ ما في الشعر: من الأنفة. وما في الآية: من الابتداء ولم يسمع أنف في معنى ابتداء، وإن كان القياس يوجبه، وقد يجيء اسم الفاعل على ما لم يستعمل من الفعل نحو: فقير جاء على فقر، والمستعمل: افتقر، وكذلك شديد المستعمل: اشتد، فكذلك قوله: آنفا، المستعمل ائتنف، فأمّا قوله:
كأنّ عليه مؤتنفا حراما «٢» فالمعنى: كأنّ عليه حرمة شهر مؤتنف حرام، فحذف وأقام الصّفة مقام الموصوف، فالتّقدير: إنّ جارهم لعزّهم ومنعتهم لا يهاج ولا يضام، فهو كأنّه في حرمة شهر حرام، وكانوا لا يهيجون أحدا في الشهر الحرام، ومن ثم سمّي رجب: منصل الأسنّة، والشهر الأصمّ،
стр. 2471
أي: لا يسمع فيه قعقعة السّلاح، فأمّا قوله:
ويأكل جارهم أنف القصاع «١» فإنّه يريد: أنّهم يؤثرون ضيفهم بأفضل الطعام وجيّده، فيطعمونه أوله لا البقايا، وما أتي على نقاوته «٢»، فهذا جمع على أنف، مثل بازل وبزل وقاتل وقتل، فإذا كان كذلك قوّى قراءة من قرأ:
ماذا قال آنفا.
وأمّا ما روي عن ابن كثير من قوله آنفا، فيجوز أن يكون توهّمه مثل حاذر وحذر، وفاكه وفكه والوجه الرواية الأخرى آنفا بالمدّ كما قرأه عامّتهم.
[محمد: ٢٥]
قال: وقرأ أبو عمرو: وأملي لهم* [محمد/ ٢٥] بضمّ الألف، وكسر اللّام وفتح الياء.
والباقون: وأملى بفتح الألف واللّام «٣».
قال أبو علي: انتظرته مليا من الدّهر، أي: متّسعا منه، فهو صفة استعمل استعمال الأسماء، وقالوا: تمليت حبيبا، أي: عشت معه ملاوة وملاوة من الدّهر، قال التّوّزيّ: ملاوة وملاوة وملاوة، والملا:
المتّسع من الأرض قال:
стр. 2472
ألا غنّياني وارفعا الصّوت بالملا «١» وقال آخر:
وأنضو الملا بالشّاحب المتشلشل «٢» وقالوا: الملوان: يريدون بها تكرّر اللّيل والنّهار، وكثرة تردّدهما، وطول مدتهما، قال:
نهار وليل دائم ملواهما على كلّ حال المرء يختلفان «٣» فلو كان اللّيل والنّهار لم يضافا إلى ضميرهما من حيث لا يضاف الشيء إلى نفسه، ولكن كأنّه يراد تكرّر الدّهر والساعة بهما.
والملاءة، الهمزة فيها منقلبة عن حرف لين بدلالة سقوطها في التّحقير، روينا في تحقيرها مليّتين، ولو كانت الهمزة لاما لم تسقط، ويشبه أن تكون لزيادة عرضها على عرض الشّفة، والضمير في أملي لاسم الله ، كما قال في أخرى: وأملي لهم إن كيدي متين [الأعراف/ ١٨٣] وأنما نملي لهم خير لأنفسهم [آل عمران/ ١٧٨] وإنما نملي لهم ليزدادوا إثما [آل عمران/ ١٧٨].
стр. 2473
فأمّا قراءة أبي عمرو: وأملي لهم*، فبناء الفعل للمفعول به حسن في هذا الموضع للعلم بأنّه لا يؤخر أحد مدة أحد، ولا يوسع له فيها إلّا الله سبحانه.
قال أبو الحسن: هي حسنة في المعنى، وليس ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
فآليت لا أشريه حتّى يملّني بشيء ولا أملاه حتّى يفارقا «١» من هذا الباب، ولكن لا أملاه: لا أمله، فأبدل من التضعيف حرف العلّة كما أبدل في قوله: وقد خاب من دساها [الشمس/ ١٠] ونحو ذلك، ممّا يكثر، وكذلك قوله: فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [الفرقان/ ٥] هو بدل من التضعيف، وفي موضع آخر: أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل [البقرة/ ٢٨٢].
وليس من هذا الباب قولهم: رجل ملي، إنّما هو على تخفيف الهمزة، والهمزة الأصل، قالوا: ملؤ الرجل ملاءة إذا أيسر، ومن هذا اللّفظ: ملأت الإناء مل ءا، ومنه أيضا: رجل مملوء: للمزكوم، وبه ملاءة.
[محمد: ٢٦]
اختلفوا في كسر الألف وفتحها من قوله: والله يعلم أسرارهم [محمد/ ٢٦] فقرأ حمزة والكسائي وحفص: إسرارهم بكسر الألف.
وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: أسرارهم، بفتح الألف «٢»
стр. 2474
حجة من قال: إسرارهم أنّه لمّا كان مصدرا أفرده، ولم يجمع، ويقوّي الإفراد قوله: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم [التوبة/ ٧٨] فكما أفرد السّر ولم يجمع، كذلك قال: إسرارهم، والدليل على الإسرار قوله: يعلم ما يسرون وما يعلنون [النحل/ ٢٣] ويعلم ما يخفون وما يعلنون [النمل/ ٢٥].
ومن قال: أسرارهم بفتح الهمزة، جعله جمع سرّ كقولهم:
عدل وأعدال، وكأنّه جمع لاختلاف ضروب السرّ، وجميع الأجناس يحسن جمعها مع الاختلاف، وجاء سرّهم في قوله: يعلم سرهم [التوبة/ ٧٨] على ما عليه معظم المصادر، وأنّه يتناول جميع ضروبه، فأفرد مرة وجمع أخرى، وقد جمع في غير هذا وأفرد كقوله: الذين يؤمنون بالغيب [البقرة/ ٣] والغيب الذي يؤمنون به ضروب: كالبعث
والنشور، وإتيان الساعة، فأوقع الغيب على هذه الأشياء وغيرها، وجمع أيضا في قوله: إن الله علام الغيوب [التوبة/ ٧٨]، فكذلك السرّ أفرد في موضع، وجمع في آخر.
[محمد: ٣١]
قال: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: وليبلونكم حتى يعلم المجاهدين ... ويبلو [محمد/ ٣١] ثلاثتهنّ بالياء.
وقرأ الباقون وحفص عن عاصم ثلاثتهنّ بالنون «١».
وجه قراءة عاصم أنّ قبله: والله يعلم أعمالكم [محمد/ ٣٠] واسم الغيبة أقرب إليه من لفظ الجمع، فحمل على الأقرب، ووجه النّون في ولنبلونكم حتى نعلم [محمد/ ٣١] أنّ قبله: ولو نشاء
стр. 2475
لأريناكهم [محمد/ ٣٠] فإمّا أن يكون جعل قوله : والله يعلم أعمالكم كالاعتراض وحمل الكلام على ولو نشاء أو يكون عاد إلى لفظ الجمع بعد لفظ الإفراد فيكون كقوله: وآتينا موسى الكتاب [الإسراء/ ٢] بعد قوله: سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء/ ١].
[محمد: ٣٥]
قال: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم: وتدعوا إلى السلم [محمد/ ٣٥] مفتوحة السين.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة بكسر السين السلم «١».
السّلم والاستسلام والسّلم: من أسلم، كالعطاء من أعطى، والثبات من أثبت. قال: ادخلوا في السلم كافة [البقرة/ ٢٠٨] ويجوز أن يكون السّلم في الإسلام يراد به الصلح على أن يكون معنى أسلم: صار ذا سلم وخرج من أن يكون حربا للمسلمين، وفيه لغتان:
السّلم والسّلم، وقال أبو إسحاق: والسّلم أيضا والسّلم الذي هو الصلح يذكّر ويؤنث، فمن التأنيث قوله: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها [الأنفال/ ٦١]. وقال الشاعر «٢»:
فإنّ السّلم زائدة نوالا وإنّ نوى المحارب لا تئوب وقالوا: سالمته مسالمة، ولم نعلم الفعل جاء منه على مثال فعل. قال:
стр. 2476
تبين صلاة الحرب منّا ومنهم إذا ما التقينا والمسالم بادن «١» المعنى: لا تدعوا إلى السلم، لا توادعوهم ولا تتركوا قتالهم حتى يسلموا لأنّكم الأعلون، فلا ضعف بكم فتدعوا إلى الموادعة.
[محمد: ٣٨]
عليّ بن نصر عن أبي عمرو: ها أنتم [محمد/ ٣٨] مقطوعة ممدودة، وقد ذكر ذلك في آل عمران [٦٦]، وهذا خلاف قراءة أبي عمرو «٢».
وقد ذكرنا ذلك في سورة آل عمران «٣».
стр. 2477
ذكر اختلافهم في سورة الفتح
[الفتح: ٩]
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه ويوقروه ويسبحوه [٩] أربعتهنّ بالياء «١».
حجّة الياء أنّه لا يقال: لتؤمنوا بالله ورسوله. وهو الرسول فإذا لم يسهل ذلك كانت القراءة بالياء ليؤمنوا*.
ومن قرأ بالتاء فعلى قوله: قل لهم: إنا أرسلناك شاهدا [الفتح/ ٨] ... لتؤمنوا بالله [الفتح/ ٩].
[الفتح: ٦]
قال: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: دائرة السوء* [٦] بضمّ السّين.
الباقون: السوء «٢».
قال أبو علي: من قال: عليهم دائرة السوء ففتح، فالمعنى عليهم دائرة السّوء، كما ظنّوا ظنّ السّوء، وفي أخرى: وظننتم ظن السوء [الفتح/ ١٢] وظنّهم ظنّ السّوء هو ظنّهم: أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا [الفتح/ ١٢] فالتّقدير: عليهم
стр. 2478
دائرة السوء كما ظنّوا ظنّ السّوء. ومن قال: دائرة السوء* فلأنّهم ظنّوا ظنّ السّوء بالمسلمين، وأرادوه بهم، فقيل عليهم دائرة السّوء الذي أرادوه بالمسلمين، وتمنّوه لهم، وكان الفتح أشدّ مطابقة في اللّفظ وإن كان المعنيان متقاربين. قال: وقال أبو زيد: سوّأت عليه ما صنع تسويئا إذا عبت عليه رأيه وعمله، فهذا يمكن أن يتأوّل من كلّ واحدة من الكلمتين وقد تقدّم ذكر ذلك.
[الفتح: ١٠]
اختلفوا في الياء والنّون من قوله : فسيؤتيه أجرا [الفتح/ ١٠] فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: فسنؤتيه بالنون وروى أبان عن عاصم بالنون.
عبيد عن هارون عن أبي عمرو بالنون، وعبيد عن أبي عمرو بالياء.
[الفتح: ١٠]
وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالياء «١».
حجّة الياء تقدّم قوله: ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه [الفتح/ ١٠] على تقدّم ذكر الغيبة.
وزعموا أنّ في حرف عبد الله: فسوف يؤتيه الله فهذا يقوّي الياء فيكون الكلام بالياء من وجه واحد، والنون على الانصراف من الأفراد إلى لفظ الكثرة، وذلك كثير.
حفص عن عاصم: عليه الله [الفتح/ ١٠] بضمّ الهاء.
الباقون: عليه الله، قال أحمد: وهو قياس رواية أبي بكر عن عاصم «٢».
стр. 2479
قد تقدّم القول في ذلك «١».
[الفتح: ١١]
قال: قرأ حمزة والكسائي: ضرا* [الفتح/ ١١] بضمّ الضّاد.
وقرأ الباقون: ضرا نصبا «٢».
قال أبو علي: الضرّ بالفتح خلاف النّفع، وفي التنزيل: ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا [المائدة/ ٧٦]، والضرّ: سوء الحال، وفي التنزيل: فكشفنا ما به من ضر [الأنبياء/ ٨٤] هذا الأبين في هذا الحرف. ويجوز أن يكونا لغتين معنى: كالفقر والفقر، والضّعف والضّعف.
[الفتح: ١٥]
قال قرأ حمزة والكسائي: كلم الله* [الفتح/ ١٥] بكسر اللّام.
وقرأ الباقون: كلام الله «٣».
قال أبو علي: وجه من قرأ: كلام الله أنّهم قيل لهم: لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا [التوبة/ ٨٣] والأخص بالمفيد، وبما كان حديثا، الكلام، فقال: كلام الله، لذلك فالمعنى:
أنّ هؤلاء المنافقين يريدون بقولهم: ذرونا نتبعكم، فصدّهم تبديل كلام الله الذي ذكرنا.
ومن قرأ: كلم الله* فإنّ الكلم قد يقع على ما يقع عليه الكلام، وعلى غيره، وإن كان الكلام بما ذكرنا أخصّ، ألا ترى أنّه قال: وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل [الأعراف/ ١٣٧]، وإنّما هو والله أعلم: ونريد أن نمن على الذين
стр. 2480
استضعفوا في الأرض [القصص/ ٥]، وما بعده ممّا يتصل بهذه القصّة.
[الفتح: ١٧]
وقرأ نافع وابن عامر: ندخله جنات [الفتح/ ١٧] ونعذبه بالنون جميعا.
وقرأ الباقون بالياء «١».
وجه الياء: تقدّم الاسم المظهر، والنون في المعنى كالياء.
[الفتح: ٢٦]
قرأ أبو عمرو وحده: وكان الله بما يعملون بصيرا [الفتح/ ٢٤] بالياء.
والباقون: بالتاء «٢».
وجه قول أبي عمرو: وكان الله بما عمل الكفّار من كفرهم وصدّهم عن المسجد الحرام، ومنعهم لكم من دخوله بصيرا فيجازي عليه.
ووجه التاء: أنّ الخطاب قد جرى للقبيلين في قوله: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم [الفتح/ ٢٤] فالخطاب لتقدّم هذا الخطاب.
[الفتح: ٢٩]
قال: قرأ ابن كثير وابن عامر: شطأه [الفتح/ ٢٩] مفتوحة الطاء والهمزة.
وقرأ الباقون: شطأه ساكنة الطاء، وكلّهم يقرأ: بهمزة مفتوحة «٣».
стр. 2481
وقال أبو زيد: أشطأت الشجرة بغصونها إذا أخرجت غصونها.
أبو عبيدة: أخرج شطأه: فراخه «١».
ويقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ مفرخ «٢»، قول ابن كثير وابن عامر: شطأه، بفتح الطاء، يشبه أن يكون لغة في الشطء. كالشّمع والشّمع، والنّهر والنّهر، ومن حذف الهمزة في شطأه حذفها وألقى حركتها على الطاء. ومن قال: الكماة والمراة قال: شطاه.
[الفتح: ٢٩]
قال: قرأ ابن عامر: فأزره [الفتح/ ٢٩] على فعله مقصور بالهمزة.
الباقون: فآزره على فاعله «٣»، أبو عبيدة: فأزره، ساواه، صار مثل الأمّ «٤».
قال أبو علي: وفاعل آزر: الشّطء، أي: آزر الشّطء الزرع، فصار في طوله قال:
بمحنيّة قد آزر الضّال نبتها مضمّ رجال غانمين وخيّب «٥»
стр. 2482
أي: ساوى نبته الضّال فصار في قامته، لأنّه لا يرعاه أحد.
ويجوز أن يكون فاعل آزر: الزرع، أي: آزر الزرع شطأه، ومن الناس من يفسّر آزره: أعانه وقوّاه، فعلى هذا يكون: آزر الزرع الشطأ، قال أبو الحسن: آزره: أفعله وأفعل فيه هو الأشبه ليكون قول ابن عامر أزره: فعله، فيكون فيه لغتان: فعل وأفعل، لأنّهما كثيرا ما يتعاقبان على الكلمة، كما قالوا: ألته وآلته يولته «١»، فيما حكاه
التوّزي، وكذلك: آزره وأزره.
[الفتح: ٢٩]
قال قرأ ابن كثير: على سؤقه [الفتح/ ٢٩] مهموز.
الباقون: بلا همزة.
أبو عبيدة: الساق: حاملة الشجرة «٢».
وهمز سؤقه يجوز على حدّ قول من قال:
لحبّ المؤقدان إلي مؤسى «٣» وإذا كان الساق حامل الشجرة فاستعماله في الزّرع اتساع واستعارة كقوله:
على البكر يمريه بساق وحافر «٤»
стр. 2483
وقال:
لا حملت منك كراع حافرا والكراع: لذي الظلف دون ذي الحافر.
стр. 2484
ذكر اختلافهم في سورة الحجرات
[الحجرات: ١٠]
قرأ ابن عامر وحده: وأصلحوا بين إخوتكم [الحجرات/ ١٠] بالتاء جماعة، كذا في كتابي عن أحمد بن يوسف عن ابن ذكوان عن أيوب بن تميم عن يحيى بن الحارث عن عبد الله بن عامر. وروى هشام بن عمّار عن سويد بن عبد العزيز وأيوب بن تميم عن يحيى بن الحارث عن عبد الله بن عامر أنّه قرأ:
أخويكم مثل النّاس.
وقرأ الباقون بين أخويكم على اثنين «١».
الأخ من النّسب، والأخ الصّديق. قال:
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له كساع إلى الهيجا غير سلاح «٢» وقالوا لمن عانى شيئا: هو أخوه، قال:
стр. 2485
أخا الحرب لبّاسا لديها جلالها «١» وقال:
كأنّه أخو فجرة عالى به الجذع صالبه «٢» وأنشد أبو زيد:
أخو الذّئب يعوي والغراب ومن يكن شريكيه تطمع نفسه كلّ مطمع «٣» وأكثر الاستعمال في جمع الأخ من النّسب إخوة وآخاء، وفي التنزيل: فإن كان له إخوة [النساء/ ١١]، وقال الشاعر:
وجدتم أخاكم دوننا إذ نسبتم وأيّ بني الآخاء تنبو مناسبه «٤»
стр. 2486
وقال في الذي ليس من النسب إخوانا على سرر متقابلين [الحجر/ ٤٧] وقال: فإخوانكم في الدين ومواليكم [الأحزاب/ ٥]، وإذا كان هذا فقول الجمهور: أخويكم أبين من قول ابن عامر، لأنّ المراد النسب، وإن كان لا ينكر استعمال بعض ذا في موضع بعض، ألا ترى أنّ قوله: إنما المؤمنون إخوة لا يراد به النسب؟ إنما هو أخوّة الدّين، فإن قلت: فلم لا يكون قول ابن عامر: فأصلحوا بين إخوتكم أرجح من قول من قال: أخويكم، لأنّ المراد هنا الجمع وليس التثنية، وقد يوضع الجمع القليل موضع الجمع الكثير، نحو:
الأقدام، والأرسان، والتثنية ليست كالجمع في هذا؟
قيل: إنّ التثنية قد تقع موقع الكثرة في نحو ما حكاه من قولهم:
«لا يدين بها لك» «١»، ليس يريد نفي قوّتين اثنتين، إنّما يريد الكثرة، كذلك قولهم: لبّيك، وقولهم: نعم الرجلان زيد، وكذلك قوله: بل يداه مبسوطتان [المائدة/ ٦٤] يريد: بل نعمتاه، وليس هذه النعم بنعمتين اثنتين، إنما يراد نعم الدّنيا، ونعم الآخرة، فكذلك يكون قوله: فأصلحوا بين أخويكم يراد به الطائفتان، والفريقان ونحوهما، ممّا يكون كثرة، وإن كان اللّفظ لفظ التثنية، كما أنّ لفظ ما ذكرنا لفظ التثنية، والمراد به الكثرة والعموم. وقال:
فاعمد لما تعلو فما لك بالّذي لا تستطيع من الأمور يدان «٢»
стр. 2487
وروي أنّ الحسن قرأ: بين إخوتكم وبين أخويكم، وبين إخوانكم، وقد جاء الإخوان في جمع الأخ من النسب وهو قوله: أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم [النور/ ٦١].
[الحجرات: ١٤]
قال: قرأ أبو عمرو وحده لا يالتكم مهموز، وقرأ الباقون:
لا يلتكم «١» [الحجرات/ ١٤].
قال أبو زيد: ألته السلطان حقّه يألته ألتا مثل: ضربه يضربه ضربا: إذا نقصه، قال: وقوم يقولون: لات يليت ليتا، وقال: لتّ الرجل أليته ليتا، إذا عمّيت عليه الخبر فأخبرته بغير ما سألت عنه «٢».
وقال أبو عبيدة: لا يألتكم من أعمالكم شيئا: لا ينقصكم، من ألت يألت، وقوم يقولون: لات يليت. قال رؤبة:
وليلة ذات هوى سريت ولم يلتني عن هواها ليت «٣» قال: وقوم يقولون: ألاتني عن حقّي، وألاتني عن حاجتي، إذا صرفه عنها «٤».
стр. 2488
وقال التّوزيّ: بعضهم يقول في النقصان: آلت يولت إيلاتا.
حجّة أبي عمرو في قراءته: لا يألتكم*: وما ألتناهم، فألتناهم مضارعه يألتكم.
ومن قرأ: لا يلتكم جعله من لات يليت، وقد حكاه أبو عبيدة وأبو زيد جميعا.
وحجّة من قال: لا يلتكم أنّهم زعموا أنّه ليس في الكتاب ألف ولو كانت منه. كتبت بالألف كما يكتب في: يأمر، ويأبق، ونحوه في المعنى، وإنما توفون أجوركم يوم
القيامة
[آل عمران/ ١٨٥] وقوله:
فلا تظلم نفس شيئا [الأنبياء/ ٤٧].
[الحجرات: ١٨]
قال: قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبان والله بصير بما يعملون* [الحجر/ ١٨] بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء «١».
وجه التاء أنّ قبله خطابا، وهو قوله: لا تمنوا علي إسلامكم [الحجرات/ ١٧] فالتاء لهذا الخطاب.
ووجه الياء أنّ قبله غيبة، وهو قوله: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله [الحجرات/ ١٥] ... والله بصير بما يعلمون [الحجرات/ ١٨] بالياء.
[الحجرات: ١٢]
قال: شدّد نافع وحده: لحم أخيه ميتا.
وخفّفها الباقون «٢».
стр. 2489
فالميت والميّت بمعنى، كما أن سيدا وسيّدا، وطيبا وطيّبا كذلك، وكما أنّ هارا وهائرا بمعنى، كذلك التشديد في ميت في المعنى كالتخفيف، وممّا يدلّ على ذلك قول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميّت الأحياء «١» فأوقع المخففة والمشددة على شيء واحد، وكذلك قوله:
ومنهل فيه الغراب ميت «٢» لو شدّد لجاز.
فأمّا الفاء في قوله: فكرهتموه [الحجرات/ ١٢] فعطف على المعنى، كأنّه لمّا قيل لهم: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا قالوا: لا، فقيل لهم لما قالوا لا: فكرهتموه، أي: كرهتم أكل لحمه ميتا، فكما كرهتم أكل لحمه ميتا فكذلك فاكرهوا غيبته.
وقوله: واتقوا الله [الحجرات/ ١٢] معطوف على هذا الفعل المقدّر، ولا يكون قوله: فكرهتموه بمعنى فاكرهوه واتقوا الله: لأنّ لفظ الخبر لا يوضع للدعاء في كلّ موضع، ولأنّ قوله: فكرهتموه محمول على المعنى الذي ذكرناه، فمعنى الخبر فيه صحيح.
стр. 2490
ذكر اختلافهم في سورة ق*
[ق: ٣٠]
قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: يوم يقول لجهنم [ق/ ٣٠] بالياء.
وقرأ الباقون: بالنون [وكذلك روى حفص عن عاصم بالنون] «١».
حجّة يوم نقول بالنون، قوله: وقد قدمت إليكم بالوعيد [ق/ ٢٨]، وقوله: وما أنا بظلام للعبيد [ق/ ٢٩]، والنون في المعنى مثل: أقول فهو أشبه بما قبله، والياء على: يوم يقول الله.
[ق: ٤٠]
اختلفوا في قوله: وأدبار السجود [ق/ ٤٠] في فتح الألف وكسرها.
فقرأ ابن كثير ونافع وحمزة: وإدبار السجود بكسر الألف.
وقرأ الباقون: وأدبار بفتح الألف «٢».
قال أبو علي: إدبار مصدر، والمصادر تجعل ظروفا على إرادة إضافة أسماء الزمان إليها وحذفها: كقولهم: جئتك مقدم الحاجّ،