ذكر اختلافهم في سورة الحاقة
[الحاقة: ٩]
قرأ عاصم في رواية أبان وأبو عمرو والكسائي: ومن قبله* [٩] بفتح الباء «١».
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة: قبله قال سيبويه: قبل: لما ولي الشيء، تقول: اذهب قبل السوق [أي: نحو السوق]، ولي قبلك حقّ، أي: فيما يليك، واتّسع حتى صار بمنزلة لي عليك «٢» حجّة من قرأ: ومن قبله* أنهم زعموا أن في قراءة أبيّ: وجاء فرعون ومن معه، فهذا يقوّي من قبله*، لأن قبل لما ولي الشيء مما لم يتخلّف عنه فهو يتبعه ويحفّ به.
وحجة من قال: ومن قبله من قبله من الأمم التي كفرت كما كفر. فإن قلت: إن قوله: ومن قبله لفظ عام يقع على المؤمن
стр. 2592
والكافر، فكيف جاز أن يذكروا بأنهم جاءوا بالخاطئة؟ قيل: قد يجوز أن يخصّ من* في قوله: من قبله كأنه عنى به الكفّار دون المؤمنين، ويقوّي ذلك قوله: فعصوا رسول ربهم [الحاقة/ ١٠]، ويجوز أن يكون ذكر من قبله من الكفّار كما ذكر من بعده بقوله: كذبت قبلهم قوم نوح وفرعون وثمود [الحج/ ٤٢].
قرأ حمزة والكسائي: لا يخفى* [٥] بالياء، وقرأ الباقون: لا تخفى بالتاء «١».
كلا الأمرين حسن.
[الحاقة: ٤٢، ٤١]
وقرأ ابن كثير وحده: قليلا من يؤمنون [٤١] وقليلا ما يذكرون [٤٢] بالياء فيهما جميعا.
ابن عامر في رواية هشام مثل ابن كثير بالياء فيهما، وفي رواية ابن ذكوان بالتاء فيهما، وروى القطعي عن عبيد عن هارون عن أبي عمرو قليلا ما يؤمنون وقليلا ما يذكرون بالياء جميعا، ولم يروه غيره، حدّثنيه الخزاز عن محمد بن يحيى عن عبيد عن هارون عن أبي عمرو، وقرأ الباقون بالتاء فيهما «٢» قال أبو علي: حجّة الياء أنه خطاب للنبيّ ﵌، كأنه قليلا ما يؤمنون يا محمد، وحجّة التاء: كأنه: قل لهم: قليلا ما تؤمنون.
[الحاقة: ١٢]
روى الحلواني بإسناده عن ابن كثير: وتعيها [الحاقة/ ١٢] ساكنة العين، وكذلك قال أبو ربيعة عن قنبل، وقرأت أنا على قنبل:
стр. 2593
وتعيها بكسر العين وفتح الياء مثل حمزة. وكذلك الباقون على وزن تليها «١».
وجه قوله: وتعيها أنه جعل حرف المضارعة مع ما بعد بمنزلة فخذ، فأسكن كما يسكن كتف ونحوه، وهذا يشبه ما من نفس الكلمة نحو الكاف من كتف، لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل، فصار كقول من قال: وهو وهي، ومثل ذلك قوله: ويتقه [النور/ ٥٢] جعل تقه من يتقه بمنزلة كتف، فأسكن، وقد يكون هذا على ما ما أنشده أبو زيد من قوله «٢»:
قالت سليمى اشتر لنا سويقا جعل نزل بمنزلة كتف فخفّف، وقد يجوز أن يكون أجرى الوصل مجرى الوقف مثل: سبسبّا «٣».
стр. 2594
ذكر اختلافهم في سورة سأل سائل «١»
[المعارج: ١]
قرأ نافع وابن عامر: سال [١] غير مهموز، وقرأ الباقون:
سأل مهموز «٢».
قال أبو علي: من قال: سال جعل الألف منقلبة عن الواو التي هي عين مثل: قال، وخاف. وحكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع:
هما يتساولان، فمن قال: سال كان على هذه اللغة، ومن قال:
سأل فعلى قول من قال: سأل، فجعل الهمزة عين الفعل، فإن حقّق قال: سأل مثل سعل، وإن خفّف جعلها بين الألف والهمزة، فأما قول الشاعر «٣»:
سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلّت هذيل بما قالت ولم تصب فيمكن أن يكون من قول: من قال: يتساولان، ويمكن أن يكون
стр. 2595
من قول من جعل الهمزة عينا، فقلب في الشعر كما قال «١»:
لا هناك المرتع إلا أن سيبويه زعم أن هذا الشاعر ليست لغته سلت «٢»، فإذا كان كذلك حمل على: لا هنأك. وقد قيل: إن ذلك واد في جهنم «٣»، فتكون الألف في سال مثل التي في باع.
قال: كلهم همز: سائل [المعارج/ ١] لا خلاف بينهم في ذلك «٤».
لا يكون غير الهمز في اسم الفاعل لأنه لا يخلو من أن يكون الفاعل من يتساولان، أو من اللغة الأخرى، فإن كان من قوله:
يتساولان لم يكن فيه إلا الهمز، كما لا يكون في: قائل وخائف، إلا ذلك لأنها إذا اعتلّت في الفعل اعتلت في اسم الفاعل، وإعلالها لا يكون بالحذف للإلباس، فإذا لم يكن بالحذف كان بالقلب إلى الهمزة، وإن كانت من لغة من همز لم يكن فيه إلا الهمز، كما لا يكون في ثائر وشاء «٥» في فاعل من شأوت إلا التحقيق للهمزة، إلا أنك إن شئت خفّفت الهمزة فجعلتها بين بين، وكذلك في الوجه الآخر.
[المعارج: ٤]
قال: قرأ الكسائي وحده: يعرج الملائكة والروح [المعارج/ ٤] بالياء.
стр. 2596
وقرأ الباقون: تعرج بالتاء «١».
قال أبو علي: الوجهان حسنان.
[المعارج: ١٦]
قال: روى حفص عن عاصم: نزاعة للشوى [المعارج/ ١٦] نصبا، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: نزاعة رفعا «٢».
من قال: إنها لظى. نزاعة للشوى فرفع نزاعة، جاز في رفعه ما جاز في قولك: هذا زيد منطلق، وهذا بعلي شيخ «٣» [هود/ ٧٢].
ومن نصب فقال: نزاعة للشوى فالذي يجوز أن يكون هذا النصب عليه ضربان: أحدهما: أن يكون حالا، والآخر أن يحمل على فعل، فحمله على الحال يبعد، وذلك أنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال، فإن قلت: فإن في قوله، لظى معنى التلظّي والتلهّب، فإن ذلك لا يستقيم، لأن لظى معرفة لا تنتصب عنها الأحوال، ألا ترى أن ما استعمل استعمال الأسماء من اسم فاعل أو مصدر لم يعمل عمل الفعل نحو: صاحب، ودر في قوله: لله درّك، فإن لم يعمل هذا النحو الذي هو اسم فاعل أو مصدر عمل الفعل من حيث جرى مجرى الأسماء، فأن لا يعمل الاسم المعرفة عمله أولى.
ويدلّ على تعريف هذا الاسم وكونه علما، أن التنوين والألف واللام لم تلحقه، فإذا كان كذلك لم تنتصب الحال عنه، فإن جعلتها مع تعريفها قد صارت معروفة بشدّة التلظّي، جاز أن تنصبه بهذا المعنى الحادث في العلم، وعلى هذا قوله: وهو الله في السموات
стр. 2597
وفي الأرض [الأنعام/ ٣]، علّقت الظرف بما دلّ عليه الاسم من التدبير والإلطاف. فإن علّقت الحال بالمعنى الحادث في العلم، كما علّقت الظرف بما دلّ عليه الاسم من التدبير لم يمتنع، لأن الحال كالظرف في تعلّقها بالمعنى، كتعلّق الظرف به، وكان وجها.
وإن علّقت نزاعة بفعل مضمر نحو: أعنيها نزّاعة للشّوى، لم يمتنع أيضا.
[المعارج: ١٠]
قال: وقرأ ابن كثير فيما أخبرني به مضمر عن البزيّ، ولا يسأل [المعارج/ ١٠] برفع الياء وفتح الهمزة. وقرأ على قنبل عن النبال عن أصحابه عن ابن كثير: ولا يسأل بنصب الياء، وروى أبو عبيد عن إسماعيل بن جعفر عن أبي جعفر وشيبة: ولا يسأل برفع الياء وهو غلط. وكلّهم قرأ: ولا يسأل بفتح الياء «١».
قال أبو علي: من ضمّ فقال: لا يسأل حميم حميما فالمعنى، والله أعلم: لا يسأل حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته، كما قد يتعرّف خبر الصديق من جهة صديقه، والقريب من قريبه، فإذا كان كذلك، فالكلام إذا بنيت الفعل للفاعل: سألت زيدا عن حميمه.
وإذا بنيت الفعل للمفعول قلت: سئل زيد عن حميمه، وقد يحذف الجار فيصل الفعل إلى الاسم الذي كان مجرورا قبل حذف الجار، فينتصب بأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل المبني للمفعول به، فعلى هذا انتصاب قوله: حميم حميما، ويدلّ على هذا المعنى قوله: يبصرونهم [المعارج/ ١١]، أي: يبصّر الحميم
стр. 2598
الحميم، والفعل قبل تضعيف العين منه: بصرت به، كما جاء:
بصرت بما لم يبصروا به [طه/ ٩٦] فإذا ضعّفت عين الفعل صار الفاعل مفعولا تقول: بصّرني زيد بكذا، فإذا حذفت الجار قلت:
بصّرني زيد كذا، فإذا بنيت الفعل للمفعول به وقد حذفت الجار قلت:
بصّرت زيد، فعلى هذا يبصرونهم فإذا بصّروا هم لم يحتج إلى تعريف شأن الحميم من حميمه، وإنما جمع فعل يبصرونهم لأن الحميم وإن كان مفردا في اللفظ، فالمراد به الكثرة والجمع، يدلّك على ذلك قوله: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم [الشعراء/ ١٠٠].
ومن قرأ: ولا يسأل حميم حميما، فالمعنى لا يسأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم لأنه يذهل عن ذلك، ويشتغل عنه بشأنه، ألا ترى قوله: يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت [الحج/ ٢]، وقوله: يوم يفر المرء من أخيه [عبس/ ٣٤] وقوله: لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه [عبس/ ٣٧]، فقوله: لا يسأل حميم حميما من قولك: سألت زيدا، أي سألته عن شأنه وأمره، ويجوز أن يكون المعنى: لا يسأل عن حميمه، فيحذف الجارّ ويوصل الفعل.
[المعارج: ٣٢]
قال: قرأ ابن كثير وحده: لأمانتهم [المعارج/ ٣٢] واحدة وقرأ الباقون: لأماناتهم جماعة «١».
قال أبو علي: من قال: لأمانتهم فأفرد وإن كان مضافا إلى جماعة، ولكل واحد منهم أمانة، فلأنه مصدر، فأفرد كما يفرد نحو قوله: لصوت الحمير [لقمان/ ١٩] وهو يقع على جميع الجنس
стр. 2599
ويتناوله. ومن جمع فلاختلاف الأمانات وكثرة ضروبها، فحسن الجمع من أجل الاختلاف ومشابهته بذلك الأسماء التي ليست للجنس.
[المعارج: ٣٣]
قال: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو وحمزة والكسائي: بشهادتهم [المعارج/ ٣٣] واحدة.
وروى عباس عن أبي عمرو والحلواني عن أبي معمر، وعبد الوارث عن أبي عمرو: بشهاداتهم جماعة. وكذلك روى حفص عن عاصم جماعة «١».
القول في الشهادة والشهادات، كما تقدم من القول في الأمانة والأمانات.
[المعارج: ٣٨]
قال: روى المفضل عن عاصم: أن يدخل جنة نعيم [المعارج/ ٣٨] مفتوحة الياء، وروى يحيى عن أبي بكر وحفص عن عاصم أن يدخل مضمومة الياء. وكلهم قرأ: أن يدخل مضمومة الياء «٢».
قال أبو علي: حجّة من ضمّ الياء أن غيره يدخله، كما قال:
فأولئك يدخلون الجنة [النساء/ ١٢٤]، وقال: سيدخلون جهنم داخرين [غافر/ ٦٠]، فهذا يدلّ على أن غيرهم يدخلهم.
ومن فتح الياء فلأنهم إذا أدخلوا دخلوا، وممّا يقوّي الفتح قول:
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة [البقرة/ ٢١٤]، وفتح التاء فيه.
[المعارج: ٤٣]
قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: إلى نصب [المعارج/ ٤٣]
стр. 2600
بضمتين، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: إلى نصب «١».
أبو عبيدة: كأنهم إلى نصب يوفضون إلى علم يسرعون.
قال رؤبة «٢»:
تمشي بنا الجدّ على أوفاض أي: على عجلة وسرعة «٣». وفسّر أبو الحسن أيضا نصب:
علم، وروي أيضا عن مجاهد: نصب غاية. وروي عن أبي العالية أنه فسّر إلى نصب بأنه إلى غاية يستبقون.
قال أبو علي: فهذا يجوز أن يكون نصب جمع نصب مثل سقف وسقف، وورد وورد. ومن ثقّل فقال: نصب كان بمنزلة: أسد، ويمكن أن يكون النّصب والنّصب لغتين كالضّعف والضّعف وما أشبه ذلك، ويكون التثقيل كشغل وشغل، وطنب وطنب.
стр. 2601
ذكر اختلافهم في سورة نوح
[نوح: ٣]
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وعلي بن نصر عن أبي عمرو: أن اعبدوا الله* [٣] بضم النون.
وقرأ عاصم وحمزة واليزيدي عن أبي عمرو: أن اعبدوا الله بكسر النون «١».
قال أبو علي: وجه من ضمّ النون أنه كره الكسرة قبل الضمّة وإن حجز بينهما حرف، ألا ترى أنهم قالوا: اشرب واضرب، وقالوا:
اقتل فضمّوا الهمزة في اقتل، وكسروها في المثالين الآخرين، فكذلك ضمّ النون في: أن اعبدوا*.
فإن قلت: فهلّا لم يستجيزوا غير الضمّ في نحو: اقتل اعبد، قيل: استجيز الكسر في: أن اعبدوا ونحوه، وإن لم يستجيزوا:
اعبدوا* لأن الكسرة في أن اقتلوا وأن اعبدوا غير لازمة، ألا ترى أن الكلمة قد تستعمل، ولا تلزم بها هذه الكسرة فصارت الكسرة قبل الضمة بمنزلة الرفعة بعد الكسرة في قولهم
стр. 2602
في الرفع: كتف وضحك، فكما احتملت الرفعة بعد الكسر، لما كانت للإعراب فلم تلزم، كذلك احتملت الكسرة في أن اعبدوا لمّا لم تلزم، ولم تكن لذلك بمنزلة اقتل.
[نوح: ٦]
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو: دعائي إلا [نوح/ ٦] بالهمزة وفتح الياء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: دعاي ساكنة الياء، وقال عباس: سألت أبا عمرو فقرأ: دعائي إلا يرسل الياء.
حدّثني محمد بن الجهم عن خلف، والهيثم عن عبيد عن شبل عن ابن كثير دعاي إلا بنصب الياء، ولا يهمز مثل هداي [البقرة/ ٣٨] «١».
قال أبو علي: إسكان الياء في دعاي وتحريكها حسن، فأمّا القصر في الدعاء فلم أسمعه، ولعلّ ذلك لغة لم تبلغنا.
[نوح: ٢١]
قال: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ماله وولده [نوح/ ٢١] ساكنة اللام.
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر: ماله وولده بفتح اللام، خارجة عن نافع: وولده مثل أبي عمرو «٢».
قال أبو علي: الولد والولد، يجوز أن يكونا لغتين كالحزن والحزن والبخل والبخل، ويدلّك على أن الولد يكون واحدا ما أنشده من قول الشاعر «٣»:
стр. 2603
وليت فلانا كان ولد حمار فهذا يكون واحدا، ويجوز مع وقوعه على الواحد أن يكون جمعا يجمع عليه فعل أو فعل، وذاك أن كلّ واحد من فعل وفعل يجري مجرى الآخر، وقد جمعوا فعل على فعل نحو: أسد وأسد، وكذلك يجوز أن يكون جمع ولد على ولد، ويجوز أن يكون: ولد جمع على ولد، كما جمع الفلك على الفلك بدلالة قوله: الفلك المشحون [يس/ ٤١]، فهذا واحدا والجمع قوله: الفلك التي تجري في البحر [البقرة/ ١٦٤] فجمع الفلك على الفلك، ألا ترى أنّا لا نعلم الفلك مستعملا في الفلك، فإذا لم يجيء ذلك فيه كان جمعا للفلك، فالضمّة التي في اللفظة التي يراد بها الجمع غير التي كانت في الواحد، كما أن الضمّة في: منص، في ترخيم منصور على من قال: يا حار، غير الضمة التي كانت فيه في قول من قال: يا حار، وكما أن الكسرة في دلاص وهجان إذا أردت بهما الجمع غير اللتين كانا في الواحد ألا ترى أنّ التي في الجمع مثل التي في ظراف، والتي كانت في الواحد مثل التي كانت في دلاث «١» وكناز، ويدلّ على أن الولد يكون جمعا قول حسان «٢»:
يا بكر آمنة المبارك بكرها من ولد محصنة بسعد الأسعد
стр. 2604
فأما التي في قوله: من لم يزده ماله وولده [نوح/ ٢١] فيكون جمعا، وإن كان مضافا إلى الواحد لأنه ضمير من، وهو مفرد في اللفظ، والمراد به الجمع فأفرد على معنى من، وإضافة لفظ الجميع إلى المفرد في هذا، كما حكي من قولهم: ليت هذا الجراد قد ذهب فأراحنا من أنفسه، فجمع الأنفس، وإن أضاف إلى لفظ المفرد فكذلك يكون الولد في قوله: وولده، وكذلك: ليستووا على ظهوره [الزخرف/ ١٣]. ويجوز أن يكون مفردا كما كان المال في قوله:
ماله مفردا، الوجهان جميعا يجوزان.
[نوح: ٢٣]
قال: قرأ نافع وحده: ولا تذرن ودا [نوح/ ٢٣] بضمّ الواو.
وقرأ الباقون: ودا بفتح الواو، وروى أبو الربيع عن بريد «١» بن عبد الواحد عن أبي بكر عن عاصم: ودا* مضمومة الواو مثل نافع، ولم يروه عن عاصم غيره وهو غلط، ويحيى عن أبي بكر عن عاصم، والكسائي عن أبي بكر، وحفص عن عاصم، أنه قرأ: ودا مثل أبي عمرو، وحدّثني المروذيّ عن ابن سعدان عن محمد بن المنذر عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ: ودا* بضمّ الواو مثل نافع وهو غلط «٢».
قال أبو عبيدة: هذه أصنام كانت في الجاهلية تعبد «٣»، وزعموا أن ودّا كان لهذا الحيّ من كلب، وحكاه بالفتح، وسمعت قول
стр. 2605
الشاعر «١»:
فحيّاك ودّ من هداك لفتية وخوص بأعلى ذي نضالة هجّد وقال أبو الحسن: ضمّ أهل المدينة الواو وعسى أن يكون لغة في اسم الصنم، قال «٢»: وسمعت هذا البيت:
حيّاك ودّا فإنّا لا يحلّ لنا فضل النساء وإنّ الدّين قد عزما الواو مضمومة. قال: وسمعت من يقول: إن الواو مفتوحة.
[نوح: ٢٥]
قال: قرأ أبو عمرو وحده: مما خطاياهم [نوح/ ٢٥] مثل:
قضاياهم. الباقون: خطيئاتهم «٣».
قال أبو علي: خطاياهم على التكسير، وحجّته: نغفر لكم خطاياكم [البقرة/ ٥٨] وخطيئات «٤»: جمع التصحيح، وما* زائدة، كالتي في قوله: فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران/ ١٥٩]، وقوله: فبما نقضهم ميثاقهم [النساء/ ١٥٥].
стр. 2606
[نوح: ٢٨]
حفص عن عاصم: دخل بيتي مؤمنا [نوح/ ٢٨] بفتح الياء، وكذلك أبو قرّة عن نافع.
الباقون لا يحرّكون الياء في بيتي* «١».
قال أبو علي: كلا الأمرين حسن.
стр. 2607
ذكر اختلافهم في سورة الجنّ
[الجن: ١]
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: قل أوحي إلي أنه [١]، وأن لو استقاموا [١٦] وأن المساجد لله [١٨]، وأنه لما قام عبد الله [١٩] أربعة أحرف بالفتح.
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر كما قرأ «١» إلّا قوله: وإنه لما قام عبد الله فإنهما كسراه. المفضل عن عاصم مثل أبي بكر.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي كلّ ذلك بالفتح إلا ما جاء بعد قول، أو بعد فاء جزاء «٢». حفص عن عاصم مثل حمزة.
أما قوله: وأن لو استقاموا فإنّه يجوز فيه أمران: أحدهما: أن تكون المخفّفة من الثقيلة، فيكون محمولا على الوحي، كأنه: أوحي إليّ أن لو استقاموا، وفصل لو بينهما وبين الفعل كفصل السين، ولا في قوله: أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا [طه/ ٨٩] وعلم أن سيكون منكم مرضى [المزمّل/ ٢٠].
стр. 2608
والآخر: أن يكون قبل لو بمنزلة اللام في قوله: لئن لم ينته المنافقون لنغرينك بهم [الأحزاب/ ٦٠]، وقوله: وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن [الأعراف/ ٢٣] فتلحق مرّة، وتسقط أخرى، لأن لو* بمنزلة فعل الشرط، فكما لحقت اللام زائدة قبل إن الداخل على فعل الشرط، كذلك لحقت أن* هذه قبل لو*.
ومعنى وأن لو استقاموا على الطريقة قد قيل فيه قولان:
أحدهما: لو استقاموا على طريقة الهدى، والآخر: لو استقاموا على طريقة الكفر.
ويستدلّ على القول الأول بقوله: ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم [المائدة/ ٦٦]، وقوله: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا [الأعراف/ ٩٦].
ويستدلّ على القول الآخر بقوله: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة [الزخرف/ ٣٣].
وأما قوله: وأن المساجد لله [الجنّ/ ١٨]، فزعم سيبويه «١» أن المفسّرين حملوه على: أوحي* كأنه: وأوحي إليّ أن المساجد لله، ومذهب الخليل أنه على قوله: ولأن المساجد لله فلا تدعوا، كما أن قوله: أن هذه أمتكم أمة واحدة* [الأنبياء/ ٩٢] على قوله: ولأن هذه
стр. 2609
أمتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون، أي: لهذا فاعبدوني، ومثله في قول الخليل: لإيلاف قريش [قريش/ ١] كأنه: لهذا فليعبدوا.
فأمّا المساجد فقيل فيها: إنها بيوت العبادة، أي: لا تشركوا فيها الأوثان مع الله في العبادة، وقيل: إن المساجد المواضع التي يسجد بها الساجد، فقال سيبويه: ولو قرئ: وإن المساجد لله لكان جيدا.
وأمّا قوله: وأنه لما قام عبد الله [الجن/ ١٩] فيكون على:
أوحي إليّ، ويكون على أن يقطع من قوله: أوحي* ويستأنف به، كما جوز سيبويه القطع من أوحي في قوله: وأن المساجد لله فعلى هذا تحمل قراءة نافع وعاصم: وإنه لما قام عبد الله فكسرا همزة إن*، فأما قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي كلّ ذلك بالفتح، فإنه على الحمل على أوحي*، ويجوز أن يكون على غيره، كما حمل المفسرون:
وأن المساجد لله على الوحي، وحمله الخليل على ما ذكرناه عنه، فأما ما جاء من ذلك بعد قول أو حكاية، فكما حكي قوله: قال الله إني منزلها عليكم [المائدة/ ١١٥] ويا مريم إن الله اصطفاك [آل عمران/ ٤٢] وكذلك ما جاء بعد فاء الجزاء، لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء، فلذلك حمل سيبويه قوله: ومن عاد فينتقم الله منه [المائدة/ ٩٥]، ومن كفر فأمتعه قليلا [البقرة/ ١٢٦]، من يؤمن بربه فلا يخاف [الجن/ ١٣] على أن المبتدأ فيها مضمر، ومثال ذلك في هذه السورة قوله: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم [الجنّ/ ٢٣].
[الجن: ١٧]
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: نسلكه عذابا صعدا [الجنّ/ ١٧] بالنون.
стр. 2610
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: يسلكه بالياء، عباس عن أبي عمرو بالياء «١».
من قرأه بالياء فلتقدّم ذكر الغيبة في قوله: ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه ومن قرأ بالنون فهو مثل قوله: وآتينا موسى الكتاب [الأنعام/ ١٥٤] بعد قوله: سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء/ ١].
[الجن: ٢٠]
وقرأ عاصم وحمزة: قل إنما أدعو ربي [الجن/ ٢٠] بغير ألف، وقرأ الباقون: قال*. أبو الربيع عن أبي زيد عن أبي عمرو:
قل بغير ألف مثل حمزة «٢».
[الجن: ١٩]
قال أبو علي: وجه من قال أن ذكر الغيبة قد تقدّم، وهو قوله:
وأنه لما قام عبد الله [الجن/ ١٩] قال: إنما أدعوا على الغيبة التي قبلها.
ومن قال: قل فلأن بعده مثله وهو قوله: قل إنني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا [الجن/ ٢١]، قل إنني لن يجيرني من الله أحد [الجن/ ٢٢]. قل إن أدري أقريب [الجن/ ٢٥].
هشام بن عمّار عن ابن عامر: لبدا* [الجن/ ١٩] بضمّ اللام، ابن ذكوان عن ابن عامر: لبدا بكسر اللام، وكذلك الباقون «٣».
أبو عبيدة: كادوا يكونون عليه لبدا أي: جماعات، واحدها
стр. 2611
لبدة، قال: وكذلك يقال للجراد الكثير، قال عبد مناف بن ربع «١»:
صابوا بستّة أبيات وأربعة حتّى كأنّ عليهم جابيا لبدا قال: الجابي: الجراد، لأنه يجبي كلّ شيء يأكله، وقال قتادة في قوله: يكونون عليه لبدا تلبّد الجن والإنس على هذا الأم ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه. وقال غيره: كاد الجن لما سمعوا قراءة النبيّ ﵌ يسقطون عليه. وما روي عن ابن عامر: لبدا* فإن اللّبد الكثير، من قوله:
أهلكت مالا لبدا [البلد/ ٦]، وكأنه قيل له: لبدا، لركوب بعضه على بعض، ولصوق بعضه ببعض لكثرته، فكأنه أراد: كادوا يلصقون به من شدّة دنوهم للإصغاء والاستماع مع كثرتهم، فيكون على هذا قريب المعنى من قوله: لبدا إلّا أن لبدا أعرف بهذا المعنى وأكثر.
[الجن: ٢٥]
قال ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ربي أمدا [الجن/ ٢٥] وأسكن الباقون «٢».
стр. 2612
ذكر اختلافهم في سورة المزمّل
[المزمل: ٦]
قرأ أبو عمرو وابن عامر: وطاء [٦] بكسر الواو ممدودة، وقرأ الباقون: وطأ بفتح الواو مقصورة «١».
روي عن مجاهد: أشد وطاء، قال: يواطئ السمع القلب.
ابن سلام عن يونس أشد وطاء قال: ملاءمة وموافقة. ومن ذلك قوله:
ليواطئوا عدة ما حرم الله [التوبة/ ٣٧] أي: ليوافقوا، فكأن المعنى:
إن صلاة ناشئة الليل، أو عمل ناشئة الليل يواطئ السمع القلب فيها، أكثر مما يواطئ في ساعات النهار، لأن الليالي أفرغ للإفهام عن كثير مما يشغل بالنهار.
ومن قال: وطأ فالمعنى: أنه أشقّ على الإنسان من القيام بالنهار، لأن الليل للدّعة والسكون، ومنه
الحديث: «اللهم اشدد وطأتك على مضر» «٢»
وهو أقوم قيلا: أي: أشدّ استقامة وصوابا لفراغ البال وانقطاع ما يشغل، قال:
стр. 2613
له ولها وقع بكلّ قرارة ووضع بمستنّ الفضاء قويم «١» أي: مستقيم، والنّاشئة: ما يحدث وينشأ من ساعات الليل، وروي عن الحسن أن ما كان بعد العشاء فهو ناشئة.
[المزمل: ٩]
قال: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم: رب المشرق [المزمل/ ٩] رفع.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي وابن عامر:
رب المشرق* خفض «٢».
الرفع في قوله: رب المشرق يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون لما قال: واذكر اسم ربك [المزمل/ ٩] قطعه من الأول فقال:
هو ربّ المشرق، فيكون على هذا خبر مبتدأ محذوف كقوله: بشر من ذلكم النار [الحج/ ٧٢] وقوله: متاع قليل [آل عمران/ ١٩٧] أي:
ذلك متاع قليل، أي أن تقلبهم متاع قليل.
والوجه الآخر: يرفعه بالابتداء، وخبره الجملة التي هي: لا إله إلا هو [المزمل/ ٩] والعائد إليه الضمير المنفصل. ومن خفض فعلى اتباعه قوله: واذكر اسم ربك رب المشرق والمغرب [المزمل/ ٩].
[المزمل: ٢٠]
قال: قرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر: ونصفه وثلثه [المزمل/ ٢٠] كسرا، وقرأ الباقون: ونصفه وثلثه نصبا.
من نصب فقال: ونصفه وثلثه حمله على أدنى وأدنى في موضع نصب.
стр. 2614
قال أبو عبيدة: أدنى: أقرب «١». فكأنه: إن ربّك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل، وتقوم نصفه وثلثه.
وأمّا من جرّ فقال: من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، فإنه يحمله على الحال.
قال أبو الحسن: وليس المعنى عليه فيما بلغنا لأن المعنى يكون على أدنى من نصفه وأدنى من ثلثه، قال: وكأن الذي افترض الثلث أو أكثر من الثلث، قال: وأما الذين قرءوا بالجرّ، فعلى أن يكون المعنى: أنكم لم تؤدّوا ما افترض عليكم، فقوموا أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه ومن ثلثه.
ابن ذكوان عن ابن عامر وثلثه وثلثي الليل مثقّل، وزاد الحلواني عن هشام عن ابن عامر ثلثي خفيفا وثلثه مثقّل.
وروى لنا محمد بن الجهم عن خلف عن عبيد عن شبل عن ابن كثيرو ثلثه ساكنة اللام «٢».
حجّة التثقيل قوله: فلأمه الثلث [النساء/ ١١]. وحجّة التخفيف: أن هذا الضرب قد يخفّف، فيقال: العنق والعنق، والطنب والطنب، والرّسل والرّسل، والأسد والأسد.
стр. 2615
ذكر اختلافهم في سورة المدّثّر
[المدثر: ٥]
قرأ عاصم في رواية حفص: والرجز [٥] بضمّ الراء، والمفضل مثله.
وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: والرجز بكسر الراء «١».
قال أبو الحسن: قراءة الحسن مضمومة، وقال: هو اسم صنم فيما زعموا، ومن كسر فقال: والرجز فاهجر، فالرجز العذاب، والمعنى: وذا العذاب فاهجر، يعني: الأصنام، لأن عبادتها تؤدّي إلى العذاب، وقد قال: لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك [الأعراف/ ١٣٤]، ويجوز أن يكون الرّجز والرّجز لغتين، كالذّكر والذّكر قال قتادة: هما صنمان كانا عند البيت، أساف ونائلة.
[المدثر: ٣٣]
قال: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وابن عامر والكسائي: إذا دبر [٣٣]. [بفتح الدال].
وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص وحمزة: والليل إذ أدبر بتسكين الدال «٢».
стр. 2616
ابن سلّام عن يونس قال يونس: دبر: انقضى، وأدبر: تولّى، قال ابن سلام، ذكر غير واحد من أصحاب الحديث عن الحسن أنه قال: إدبار النجوم: ركعتا الفجر، وإدبار السجود ركعتان بعد المغرب، قال: وقال يونس: إدبار النجوم: انقضاؤها، وإدبار السجود آثار السجود، وفي حرف عبد الله: والليل إذا أدبر فيما زعموا، وروي أن مجاهدا سأل ابن عباس عنها، فلما ولّى الليل قال له: يا مجاهد، هذا حين دبر الليل، قال قتادة: والليل إذا دبر: إذا ولّى، ويقال: دبر.
وأدبر، قال «١»:
وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم بصهاب هامدة كأمس الدابر وقد قالوا أيضا: كأمس المدبر، والوجهان جميعا حسنان.
[المدثر: ٣٥]
قال أبو علي: قنبل عن ابن كثير: إنها لإحدى الكبر [المدّثر/ ٣٥] مهموز مثل أبي عمرو. وحدّثني غير واحد منهم أحمد بن أبي خيثمة، وإدريس عن خلف قال: حدّثنا وهب بن جرير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن كثير يقرأ: لحدى الكبر لا يهمز ولا يكسر «٢».
وقال قتادة: إنها لإحدى الكبر: جهنم. قال أبو علي:
التخفيف في لإحدى الكبر أن تجعل الهمزة فيها بين بين نحو:
سيم، وإذ قال ابراهيم [الأنعام/ ٧٤، إبراهيم/ ٣٥، الزخرف/ ٢٦]، فأما حذف الهمزة فليس بقياس، ووجه ذلك أن الهمزة حذفت حذفا
стр. 2617
كما حذفت في قوله «١»:
ويلمّها في هواء الجوّ طالبة ولا كهذا الّذي في الأرض مطلوب ويشبه أن يكون الذي حسّن ذلك لقائله، أنه وجد الهمزة تحذف حذفا في بعض المواضع في التخفيف، وليس هذا منها، ولكنه مثل:
ويل أمّها، كان القياس أن تجعل بين الهمزة والواو، فحذفت حذفا، وقد جاء ذلك في غير موضع في الشعر، قال أبو الأسود لزياد «٢»:
يا با المغيرة ربّ أمر معضل فرّجته بالنّكر منّي والدّها وقال آخر: أنشده أحمد بن يحيى:
إن كان حرّ لك با فقيمه باعك عبدا بأخسّ قيمه «٣» وقال آخر «٤»:
إن لم أقاتل فالبسوني برقعا وفتحات في اليدين أربعا
стр. 2618
حذف الهمزة حذفا ولم يخفّف على القياس.
ومن ذلك قول الفرزدق «١»:
فعليّ إثم عطيّة بن الخيطفى واثم التي زجرتك إن لم تجهد فهذا مثل قراءة ابن كثير، ألا ترى أن لإ* في قوله لإحدى الكبر مثل: وإثم التي، وهذا النحو في الشعر غير ضيّق في القياس، وقد جاء منه في الكلام، وحكمها في القياس أن تجعل بين الهمزة والألف، وفي هذا الحذف ضعف لأنه إذا حذفها بقي بعدها حرف ساكن يكون أول الكلمة بعد الحذف، ولهذا لم يتخفّف الهمزة أولا، لأن التخفيف تقريب من الساكن كأن لا يكون فيما يلزم الابتداء به ساكنا أجدر، ومن ثم لم يجزموا متفا، لأن السكون يلحق الزحاف فيلزم فيه الابتداء بالساكن، ووجهه أن اللام اللاحقة أول الكلمة لما لم تفرد صار بمنزلة ما هو من نفس الكلمة فصار حذف الهمزة كأنه يحذف في تضاعيف الكلمة، ومن ثم قالوا: لهو خير الرازقين [الحج/ ٥٨] فخفّفوه كما خفّفوا عضدا ونحوه، مما هو كلمة واحدة.
[المدثر: ٥٠]
نافع وابن عامر: مستنفرة [المدثر/ ٥٠] بفتح الراء ونصب الفاء.
المفضّل عن عاصم مثله، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: مستنفرة بكسر الفاء «٢».
أبو الحسن: الكسرة في: مستنفرة أولى، ألا ترى أنه قال:
стр. 2619
فرت من قسورة [المدثر/ ٥١] فهذا يدلّ على أنها هي التي استنفرت، ويقال: نفر، واستنفر، مثل: سخر، واستسخر، وعجب واستعجب، قال «١»:
ومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم ومن قال: مستنفرة فكأن القسورة استنفرتها، أو الرامي.
قال أبو عبيدة: مستنفرة، ومستنفرة مذعورة، قال: والقسورة:
الأسد «٢»، وقالوا: الرّماة. قال ابن سلّام: سألت أبا سوّار الغنويّ، وكان أعرابيا فصيحا قارئا للقرآن، فقلت: كأنهم حمر ماذا؟ فقال:
كأنهم حمر مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هو: فرت من قسورة فقال: أفرّت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفرة إذا.
стр. 2620
ذكر اختلافهم في سورة القيامة
[القيامة: ٢، ١]
قرأ ابن كثير فيما قرأت على قنبل: لأقسم بيوم القيامة بغير ألف، ولا أقسم [٢] بألف.
وكلّهم قرأ: لا أقسم ولا أقسم بألف «١».
قال أبو علي: من قرأ: لا أقسم بيوم القيامة كانت لا* على قوله صلة، كالتي في قوله: لئلا يعلم أهل الكتاب [الحديد/ ٢٩] فإن قلت: فإن لا* وما* والحروف التي تكون زوائد إنما تكون بين كلامين كقوله: مما خطيئاتهم [نوح/ ٢٥] وفبما رحمة [آل عمران/ ١٥٩] وفبما نقضهم [النساء/ ١٥٥] ولا تكاد تزاد أولا.
فقد قالوا: إن مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحد «٢»، قالوا: والذي يدلّ على ذلك أنه قد يذكر الشيء في سورة فيجيء جوابه في سورة أخرى كقوله:
وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون
[الحجر/ ٦]، جاء جوابه في سورة أخرى. فقال:
ما أنت بنعمة ربك بمجنون [القلم/ ٢]، فلا فصل على هذا بين
стр. 2621
قوله: لئلا يعلم أهل الكتاب [الحديد/ ٢٩] وبين قوله: لا أقسم بيوم القيامة [القيامة/ ١]، وقد حمل ما* على الزيادة فيما أنشده أبو زيد «١»:
ما مع أنّك يوم الورد ذو جرز ضخم الدسيعة بالسّلمين وكّار ما كنت أوّل ضبّ صاب تلعته غيث وأخطأه جدب وإضرار فهذا ما جاء فيه زائدا في أول البيت، فأما قول ابن كثير:
لاقسم بيوم القيامة، فإن اللام يجوز أن تكون التي يصحبها إحدى النونين في أكثر الأمر، وقد حكى ذلك سيبويه وأجازه، وكما لم تلحق النون مع الفعل في الآي، كذلك لم تلحق اللام مع النون في نحو قول الشاعر «٢»:
وقتيل مرّة أثأرن فإنه فرغ وإنّ أخاهم لم يثأر
стр. 2622
ويجوز أن تكون اللام لحقت فعل الحال، فإذا كان المثال للحال لم تسبقه النون، لأن هذه النون لم تلحق الفعل في أكثر الأمر إنما هي للفصل بين فعل الحال والفعل الآتي، وقد يمكن أن تكون لا* ردّا لكلام.
وزعموا أن الحسن قرأ: لأقسم وقرأ: لا أقسم وقال:
أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية. وحكي نحو ذلك عن ابن أبي إسحاق أيضا.
[القيامة: ٧]
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبان: برق البصر [القيامة/ ٧] بفتح الراء.
وقرأ الباقون وعاصم: برق بكسر الراء «١».
حكي عن هارون قال: سألت أبا عمرو فقال: برق بالكسر يعني: جاء، وسألت ابن أبي إسحاق فقال: برق*، وقال أبو عبيدة:
برق البصر: إذا شقّ وأنشد «٢»:
لمّا أتاني ابن عمير راغبا أعطيته عيساء منها فبرق وقال أبو الحسن: المكسورة في كلام العرب أكثر، والمفتوحة لغة. قال قتادة: برق البصر: شخص البصر.
[القيامة: ٢١، ٢٠]
قال: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بل تحبون [القيامة/ ٢٠]،
стр. 2623
وتذرون [القيامة/ ٢١] بالتاء جميعا، وقرأ الباقون: بالياء جميعا «١».
يحبون: أي: هم يحبّون ويذرون، والتاء على: قل لهم: بل تحبّون وتذرون. قال أبو علي: الياء على ما تقدّم من ذكر الإنسان، والمراد به الكثرة، والياء حسن لتقدّم الذكر، وليس المراد به واحدا، وإنما المراد الكثرة والعموم لقوله: إن الإنسان خلق هلوعا [المعارج/ ١٩]، ثم قال: إلا المصلين [المعارج/ ٢٢].
[القيامة: ٢٧]
حفص وقنبل: من راق [القيامة/ ٢٧] يقف على من ويبتدئ: راق ولم يقطعها غيره، وكأنه في ذلك يصل «٢».
قال غير أحمد: لم يتعمّد الوقف على من راق وبل ران [المطفّفين/ ١٤] مظهري النون واللام غير عاصم.
قال أبو علي: لا أعرف وجه ذلك، وقيل: التمسوا الأطبّاء فلم يغنوا عنهم من قضاء الله شيئا.
[القيامة: ٣٧]
قال: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: من مني تمنى [القيامة/ ٣٧] وروى حفص عن عاصم:
يمنى بالياء، وكذلك المفضّل عن عاصم، وقرأ ابن عامر: يمنى بالياء.
وروى علي بن نصر واليزيدي وعبد الوارث والنصر بن شميل عن هارون عن أبي عمرو وعبيد عن هارون عن أبي عمرو تمنى* بالتاء.
وروى أبو زيد بالتاء والياء، وقال عباس: سألت أبا عمرو فقرأ
стр. 2624
من مني تمنى بالتاء، وقال: من نطفة إذا تمنى [النجم/ ٤٦] «١».
من قال: من مني تمنى حمله على النطفة: ألم يك نطفة تمنى من منيّ، ومن قال: يمنى حمله على المنيّ كأنه: من منيّ يمنى، أي: يقدّر خلق الإنسان وغيره منها. قال «٢»:
منت لك أن تلقى ابن هند منية وفارس ميّاس إذا ما تلبّبا وقال أخر «٣»:
لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنا إلى جدث يوزى له بالأهاضب أي: ساقه القدر، وزعموا أنه لم يختلف في قوله: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى [النجم/ ٤٦] وفي هذا دلالة على أن قوله: ألم يك نطفة من مني تمنى [القيامة/ ٣٧] أي تمنى النطفة، فيجب إلحاق علامة التأنيث والفعل لوضوح ذلك بالآية الأخرى التي في سورة النجم.
стр. 2625
ذكر اختلافهم في سورة الإنسان
[الانسان: ٤]
قرأ ابن كثير سلاسل* [الإنسان/ ٤] بغير ألف، وصل أو وقف، هذه رواية قنبل.
وقرأ أبو عمرو غير منوّنة في الوصل، والوقف بألف.
وقرأ ابن عامر وحمزة: سلاسل* بغير نون، ووقف حمزة بغير ألف.
حدثني ابن الجهم عن خلف، والهيثم عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: سلاسلا منوّن.
وقال الحلواني عن أبي معمر عن عبد الوارث، كان أبو عمرو يستحب أن يسكت عندها، ولا يجعلها مثل التي في الأحزاب، لأنها ليست آخر آية.
[الانسان: ١٦، ١٥]
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي: سلاسلا منوّنة، قواريرا، قواريرا من فضة [الإنسان/ ١٥، ١٦] كلاهما بألف ولا ينوّن فيهما.
وقرأ ابن عامر وحمزة: قوارير، قوارير بغير ألف، ووقف حمزة بغير ألف فيهما.
стр. 2626
وقرأ ابن كثير: قواريرا منوّنة، قوارير من فضة غير منوّنة.
وقرأ أبو عمرو: قواريرا غير منونة، ووقف بألف. قوارير من فضة غير منوّنة أيضا، ووقف بغير ألف. وقال عباس: سألت أبا عمرو فقرأ: كانت قواريرا يثبت الألف، ولا ينوّن، قوارير من فضة [بغير ألف ولا تنوين، وقال أبو زيد فيما كتب به إلي أبو حاتم عن أبي زيد عن أبي عمرو: كانت قوارير من فضة [ولا يصل قوارير «١».
قال أبو علي: حجّة من صرف: سلاسلا، وقواريرا في الوصل والوقف أمران: أحدهما: أن أبا الحسن قال: سمعنا من العرب من يصرف هذا، ويصرف جميع ما لا ينصرف،
وقال: هذا لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه في الشعر، فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك، واحتملوا ذلك في الشعر لأنه يحتمل الزيادة كما يحتمل النقص، فاحتملوا زيادة التنوين، فلما دخل التنوين، دخل الصرف.
والأمر الآخر: أن هذه الجموع أشبهت الآحاد، لأنهم قد قالوا:
صواحبات يوسف، فيما حكاه أبو الحسن وأبو عثمان، فلما جمعه جمع الآحاد المنصرفة جعلوه في حكمها، فصرفوها.
قال أبو الحسن: وكثير من العرب يقولون: مواليات ويريدون الموالي، وأنشد للفرزدق «٢»:
стр. 2627
وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرّقاب نواكسي الأبصار فهذا كأنه جمع نواكس، ويؤكّد هذا الذي قاله أبو الحسن قول العجّاج «١»:
جذب الصّراريّين بالكرور فجمع صرّاء «٢» الذي هو فعّال مثل: حسّان «٣»، على فعاعيل وشبهه بكلّاب «٤» وكلاليب، وجمع بالواو والنون، ويدلّ على أن صرّاء واحد مثل حسّان قول الفرزدق «٥»:
أشارب خمرة وخدين زير وصرّاء لفسوته بخار وأما قراءة حمزة: قوارير قوارير بغير نون ولا ألف، وكذلك:
سلاسل* بغير نون ولا ألف، فإنه جعله كقوله: لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد [الحج/ ٤٠] وكذلك قول ابن عامر إلا أنه يشبه أن
стр. 2628
يلحق الألف في الوقف في فحوى ما حكاه أحمد عنه، وإلحاق الألف في سلاسل، وقوارير كإلحاقها في قوله: الظنونا والسبيلا والرسولا ويشبه ذلك بالإطلاق في القوافي من حيث كانت مثلها في أنها كلام تام، وقياس من نوّن القوافي فقال «١»:
أقلّي اللوم عاذل والعتابا أن ينوّن سلاسلا، وقواريرا على هذا المذهب، قال أبو الحسن: ولا يعجبني ذلك، لأنها ليست لغة أهل الحجاز، قال أبو الحسن: سلاسلا، وأغلالا منوّنة في الوصل والسكت على لغة من يصرف نحو ذا من العرب والكتاب بألف، وهي قراءة أهل مكّة وأهل المدينة والحسن، وبها نقرأ، قال: وقوارير ينوّنهما أهل المدينة كلتيهما ويثبتون الألف في السكت.
قال: ونحن نثبت ذلك الألف فيهما ونوّنهما إذا وصلنا، نحمل ذلك على لغة من يصرف أشباه ذا. وإن شئت لم تنوّن إذا وصلت لأنها رأس آية، وأهل الكوفة يقولون: الظنونا والسبيلا، والرسولا وأهل مكة وأبو عمرو يثبتون الألف في هذا في الوصل والسكوت، وكذلك نقرؤه لأنه رأس آية، ولا يجوز فيه تنوين إلا على لغة من ينوّن القوافي، ولا تعجبني تلك اللغة لأنها ليست لغة أهل الحجاز. انتهت الحكاية عن أبي الحسن.
فأما قوله: قوارير قوارير من فضة فإن قلت: كيف تكون القوارير من فضة، وإنما القوارير من الرمل دونها، فالقول في ذلك أن الشيء إذا قاربه شيء ولزمه ذلك واشتدّ ملابسته له، قيل فيه: هو من
стр. 2629
كذا، وإن لم يكن منه في الحقيقة، كالحلقة من الفضة، والقفل من الحديد كقول البعيث «١»:
ألا أصبحت خنساء جاذمة الوصل وضنّت علينا والضّنين من البخل وصدّقت فأعدانا بهجر صدودها وهنّ من الإخلاف قبلك والمطل وأنشد أحمد بن يحيى «٢»:
ألف الصّفون فما يزال كأنه ممّا يقوم على الثلاث كسيرا وأنشد «٣»:
ألا في سبيل اللَّه تغبير لمّتي ووجهك ممّا في القوارير أصفرا فعلى هذا يجوز: قوارير من فضة أي هي في صفاء الفضة ونقائها، كما قال في النساء:
стр. 2630
وهنّ من الإخلاف «١» ...
وكما قال «٢»:
ووجهك مما في القوارير ولا يمتنع على هذا أن يقدّر حذف المضاف، كأنك أردت:
قوارير من صفاء الفضّة، فتحذف المضاف ويكون قوله: من فضة صفة للقوارير، كما أن قوله: قدروها [الإنسان/ ١٦] صفة لقوله، والضمير في: قدروها يكون للخزّان والملائكة، أي: قدّروها على ربهم، لا ينقص من ذلك ولا يزيد عليه.
ومن قرأ: قدروها فهو هذا المعنى يريد، وكأن اللفظ قدّروا عليها، فحذف الجار كما حذف من قوله «٣»:
كأنّه واضح الأقراب في لقح أسمى بهنّ وعزّته الأناصيل فلما حذف الحرف وصل الفعل، فكذلك قوله: قدروها إلا أن المعنى: قدّرت عليهم، أي: على ربهم، فقلب كما قال «٤»:
لا تحسبنّ دراهما سرّقتها تمحو مخازيك التي بعمان